عدد الزوار : 163020
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
الجعالة
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

باب الجعالة

 

 الجعالة : بتثليث الجيم " الجُعالة والجِعالة والجَعالة "

وعرفها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله : ] وهي أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومةً أو مجهولة [ .

" أن يجعل شيئاً معلوماً " فيشترط العلم بالعوض ، كأن يقول : من ردَّ عبدي الآبق فله مائة دينار، فهنا العوض معلوم وهو شرط في صحة الجعالة هذا هو المشهور في المذهب .

والقول الثاني في المذهب : وهو اختيار الموفق وابن القيم : أنه إن كان العوض مجهولاً وكانت جهالته لا تمنع التسليم – أي عند تمام العمل يمكن أن يسلم إليه العوض – أي يأؤول إلى العلم فيجوز.

مثال ذلك : أن يقول قائد الجيش : ( من دلني على حصن فله ثلث ما فيه ) أو يقول رجل : ( من ردَّ شياهي الضالة فله نصفها) ، فهنا الثلث أو النصف مجهول ، لكنه عند تمام العمل ، عندما يدله على الحصن وعندما يحصل له الشياه ، فإن ثلث ما في الحصن ونصف الشياه معلوم غير مجهول يمكن تسليمه وهذا هو القول الراجح إذ لا غرر .

وأما إذا كان الجهل يمنع التسليم فلا يجوز لأن فيه غرراً كأن يقول : من ردَّ إلي عبدي الآبق فله شيء فهذا الشيء مجهول وفي ذلك غرر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر .

" لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولا " ما يعمل لا يشترط فيه العلم ، فسواء كان العمل الذي وقع عليه عقد الجعالة معلوماً أو مجهولاً فلا يؤثر هذا فلو قال : " من رد عبدي الآبق فله مائة درهم " فعبده الآبق لا يدري أين موضعه فقد يكون قريباً وقد يكون بعيداً فهذا جائز .

وذلك لأن الحاجة داعية إليه ، ولأن عقد الجعالة عقد جائز فيجوز له أن يفسخ.

" مدة معلومة أو مجهولة " فالمدة لا يشترط أن تكون معلومة بل يجوز أن تكون مجهولة .

فإذا قال : من رد إلى ضالتي فله كذا فقد تكون المدة ساعةً و قد تكون سنةً ، وهذا لا يؤثر ، والحاجة داعية إلى ذلك والأصل في العقود الحل .

و قال تعالى ] و لمن جاء به حمل بعير [ و شرع ما قبلنا شرع لنا ما لم يثبت في شرعنا ما يخالفه.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] كرد عبدٍ ولقطةٍ وخياطةٍ وبناء حائط [ .

 هذه أمثلة للجعالة .

و الجعالة نوع من الإجارة ، ولذا فإن الأنسب أن يكون هذا الباب بعد باب الإجارة كما جعله صاحب الفروع وغيره فإن الجعالة نوع من الإجارة وإن كان بينهما فروق اقتضت أن يكون لها باب منفرد .

فمن الفروق : أن الإجارة لا تصح مع الجهالة بالعمل ، والجعالة تصح ، ويشترط في الإجارة أن يكون المعقود عليه معيناً ، وأما في الجعالة فلا يشترط ، والإجارة عقد لازم ، والجعالة عقد جائز.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فمن فعله بعد علمه بقوله استحقه ، ولجماعةٍ يقسمون [ 

من قام بالعمل الذي وقع عليه عقد الجعالة بعد علمه بقول الجاعل كقوله " من بنى الحائط هذا فله كذا " أو قال : " من رد عبدي الآبق فله كذا " فسمع هذه المقالة فعمل لرده ، ثم رده فله ذلك الجعل ، وذلك لأنه عمل في مال الغير مأذون له فيه على عوض فاستحق العوض المسمى وإن كانوا جماعة فإنهم يقسمون العوض لأنهم اشتركوا في العمل فاقتضى هذا اشتراكهم في العوض .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه [ .

إذا قال : " من بنى لي حائطاً فله مائة دينار " وكان ذلك الرجل قد اشتغل ببناء الحائط قبل أن يسمع هذه المقالة فقد بنى نصفه ، فهنا لا يستحق الجعل تاماً وإنما يستحق قسط تمامه ، فيستحق في هذا المثال خمسين ديناراً .

وذلك لأن العمل الذي قام به قبل أن يعلم بهذه المقالة عمل ، غير مأذون له فيه فلم يستحق عليه عوضاً وإذا علم بقول الجاعل بعد أن أتم العمل فلا شيء له وذلك لأن عمله غير مأذون فيه فإذا علم الجاعل بالحال وبالأمر على حقيقته فتبرع له بالعوض فيحل له .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولكل فسخها [ .

لأنها عقد جائز فلكل واحدٍ منهما فسخها .

قال غير واحدٍ من الحنابلة : " بلا خلاف أعلمه " و هذا مذهب جمهور الفقهاء.

لأن العمل فيه يصح أن يكون مجهولاً و يطلع على صعوبة العمل كبعد مكان العبد الآبق فكانت عقداً جائزاً لئلا يجتمع له الجهالة و اللزوم.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فمن العامل لا يستحق شيئاً [ .

تقدم – أنها عقد جائز فإذا كان الفسخ من العامل فإنه لا يستحق شيئاً فإذا قال لرجل : إن رددت إلى عبدي الآبق فلك مائة دينارٍ وتعاقدا على ذلك ، ففسخ العامل العقد فإنه لا يستحق شيئاً لأنه لم يأت بما شرط عليه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله [ .

فإذا كان الفسخ من الجاعل فإن كان ذلك قبل شروع العامل بالعمل فلا شيء له لأنه لا يستحق عوضاً مع عدم العمل و أما إذا كان فسخ الجاعل بعد شروع العامل بالعمل فله أجرة عمله وتقدر بما يستحقه مثله عرفاً.

وقال برهان الدين بن مفلح صاحب المبدع : ( لو قيل تقسط الأجرة لم يَبعْد ) وفيه قوة حيث أمكن ذلك فإذا عملنا أن هذا العمل يحتاج إلى ثلاثة أشهر وقد عمل له فيه شهراً ، وقد قدَّر له عوضاً قدره ثلاثون آلفاً فحينئذ يعطى عشرة آلاف فإذا أمكن هذا كأن يقول : من بنى لي حائطاً فله عشرة آلاف فيبنى له نصفه ، ثم يفسخ الجاعل ، فإنه – حينئذ – يعطى العامل قسطه من الجعُل وهو خمسة آلاف .

هذا أظهر وذلك لأن العامل قد دخل على أن له جعلاً لا أجرة ، فقد تكون أجرة مثله في الشهر ألفين بينما يكون قسط الجعل عشرة آلاف.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومع الاختلاف في أصله أو قدره يقبل قول الجاعل [ .

إذا اختلفا في أصل الجعالة فالعامل يقول : أنت قلت من ردَّ إلي عبدي الآبق فله عشرة آلاف ، وصاحب العبد يقول : أنا لم أقل ذلك ولا بينة ، فالقول قول من أدعى عليه الجعل وذلك لأن الأصل براءة ذمته ولأنه منكر .

وكذلك إذا اختلفا في قدره : فالجاعل يقول : أنا قلت : من ردَّ عبدي الآبق فله عشرة آلاف درهم، والعامل يقول : بل قلت عشرة آلاف دينار أو أحد عشر ألف درهم فالقول قول الجاعل وذلك لأنه منكر والأصل براءة ذمته من هذا القدر الزائد .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن رد لقطةً أو ضالة أو عمل لغيره عملاً بغير جعل لم يستحق عوضاً [ .

من وجد ضالةً لأحد فردها إليه أو وجد لقطةً فردها على صاحبها ، فإنه لا يستحق على عمله هذا عوضاً وذلك لأنه قد بذل منفعته بلا عقد معاوضة فلم يستحق شيئاً – وهذا باتفاق العلماء – ويستثنى من ذلك مسألة في المذهب.

وهي ما إذا كان انقذ مال غيره من هلكة أو تلف كأن ينقذ شيئاً من ماله من غرق أو حريق فله أجرة على ذلك ترغيباً بهذا العمل نصَّ على ذلك .

الإمام أحمد رحمه الله ، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم لما في ذلك من الترغيب في هذا العمل فإن هذا المال أصبح في حكم التالف أو الهالك ، وهذا هو الذي أنقذه منه فترغيباً بهذا العمل يستحق العوض .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا ديناراً أو أثنى عشر درهماً عن ردَّ الآبق  [ .

إذا رد آبقاً فله دينار أو اثنا عشر درهماً .

واستدلوا : بما روى البيهقي من حديث عمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( جعل في رد الآبق من خارج الحرم ديناراً ) والحديث مرسل ، المرسل ضعيف ، وفي البيهقي عن علي بن أبي طالب بإسناد ضعيف .

واختار الموفق وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية أنه لا يستحق شيئاً وهو الأرجح لضعف الدليل ، وللعلة المتقدمة فإنه بذل منفعة من غير عقد معاوضه فلم يستحق شيئاً .

 

 

 

 

مسألة :

لا خلاف بين أهل العلم في أنه يجوز له أخذ الآبق ، بخلاف ما سيأتي الكلام عليه من بعض الضوال كما يكون في ضالة الإبل ونحوها وذلك لما يخشى من ترك الآبق من لحوقه بدار الحرب وقتاله ضد المسلمين ، ولما يخشى من إفساده في الأرض.

 وله بيعه إن رأى المصلحة في ذلك ، كأن يجده في بلد أخرى فيخشى ضياعه أو نحو ذلك فله أن يبيعه ويحبس ثمنه لصاحبه أن رأى المصلحة في ذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويرجع بنفقته أيضاً [ .

 إذا انفق على هذا العبد الآبق ، كأن ينفق عليه في الطريق حتى يأتي به إلى صاحبه فإنه يرجع بالنفقة وإن لم يأذن له صاحب العبد بذلك لأن النفس لها حرمة وواجب على السيد أن ينفق عليه وهو وإن لم يأذن لكن لحرمة النفس فإنه يرجع عليه بنفقته لكن هذا الرجوع حيث لم ينو بنفقته التبرع أما إذا أنفق له بنية التبرع فليس له الرجوع .

 

 

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه أجمعين






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net