بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
باب اللقطة
اللُقَطة : بضم اللام وفتح القاف وتسكينها " اللُقَطة ، اللُقْطة "
وعرفها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله : ] وهي مال أو مختص ضل عن ربه [ .
فهي مال : كدراهم أو دنانير أو شاة أو نحو ذلك .
أو مختص : ككلب صيد ونحوه مما لا مالية له ، لكن صاحبه أحص به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وتتبعه همة أوساط الناس [ .
أي تتعلق به رغبة أوساط الناس ، فلأوساط الناس فيه مقصد وله عندهم قيمة فلا عبرة بأشراف الناس الذين قد لا يكون للشيء الكبير عندهم قيمة ولا عبرة بوضعائهم الذين قد يكون للشيء الذي لا قيمة له عندهم قيمة بل العبرة بأوساط الناس .
فمثلاً : عندنا الريال والريالان والعشرة هذا لا قيمة له عند أوساط الناس ، بخلاف الخمسمائة فإن هذا تتبعه همة أوساط الناس وهكذا في المتاع ، فإذا كان المتاع من ذهب فإن همة أوساط الناس تتبعه كالأساور ونحوها .
ولذا قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فأما الرغيف والسوط ونحوهما فيملك بلا تعريف [ .
فالشيء الذي لا قيمة له عند أوساط الناس كالرغيف والتمر والسوط والعصا والحبل ونحو ذلك فهذا يملك بلا تعريف . و مثله أيضاً ما تركه صاحبه رغبة عنه فمن وجده فهو أحق به.
ودليل هذا ما روى أبو داود في سننه من حديث المغيرة بن زياد عن أبي الزبير المكي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( رخص في العصا والسوط والحبل يلتقطه الرجل ينتفع به ) ورواه المغيرة بن مسلم وحديثه أصح عن أبي الزبير المكي عن جابر بلفظ : ( كانوا لا يرون بأساً ) أي الصحابة وهذا أصح ، و له شاهد متفق عليه ، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم:( مر بتمرة في طريق فقال : لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ) فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المانع له من أكل هذه التمرة هو خشية أن تكون من الصدقة ، فتبين من هذا أنه لم يمنعه كونها لقطة وإنما الذي منعه خشية أن تكون من الصدقة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وما امتنع من سبع صغير كثور وجمل ونحوهما حرم أخذه [ .
ما يمنع من صغار السبع كالإبل فإنه لا يجوز التقاطه .
ودليل ذلك : ما ثبت في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : ( اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ، فقال : يا رسول الله فضالة الغنم فقال : ( هي لك أو لأخيك أو للذئب ) فقال : فضالة الإبل قال : ( مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ) .
وهل يقاس على الإبل ، البقر ونحوه ؟
1- المشهور في المذهب القياس.
2- والقول الثاني في المسألة وهو قول في مذهب الإمام مالك أن البقر لا تقاس فإنها تلتقط كالشاة ، والمشهور في مذهب الإمام مالك قياسها على الإبل .
استدل أهل القول الأول – وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره – بما روى أبو داود في سننه : ( أن جرير بن عبد الله البجلي : أمر ببقرة فطردت حتى توارت – وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤي ضالة إلا ضال ) لكن الحديث في إسناده اختلاف وجهالة، فعلى ذلك الحديث ضعيف .
والذي يتبين هو رجحان القول الثاني لما فيه من الفارق بين الإبل والبقر في حفظ الماء ، وتحمل السير في القفار ونحوها ، فليست في حفظ نفسها كالإبل ، بل هي أشبه بالشياه.
والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن الخيل والبغال والحمير كالإبل ونظر الموفق في مسألة الحمر ورأى أن الأولى عدم الحاقها وهو القول الراجح لعدم صبرها عن الماء بخلاف الإبل ، والذي يتبين لي ما تقدم وهو اختصاص هذا بالإبل وأن أشبهها شيء في كونه معه سقاؤه الذي يحفظ فيه الماء وحذاؤه الذي يتحمل به المشاق في القفار ونحوها وعنده قدرة على منع نفسه من صغار السبع فإنه إن ثبتت فيه هذه المعاني فحكمه حكم الإبل إذ الشريعة لا تفرق بين المتماثلات .
" حرم أخذه " فأخذه لا يحل لما تقدم في حديث زيد بن خالد الجهني وعليه : فإن أخذه وتلف في يده فعليه ضمانه وذلك لأن يده يد متعدية لأنها أخذت ما ليس لها أن تأخذه .
لكن إن جنى عليها فقال الموفق له أخذها كأن تكون في أرض سباع أو في بريَّة لا ماء بها و لا مرعى فهذا إنقاذ من الهلاك بل يتوجه القول بالوجوب كما قال صاحب الأنصاف.
وهل تبرأ ذمته برده إلى موضعه ؟
الجواب : لا تبرأ ذمته بذلك ، لأن الضمان ثبت عليه بأخذه فلا يبرأ ذمته بذلك ، لأن الضمان ثبت عليه بأخذه فلا يبرأ منه إلا برده إلى مالكه أو من يقوم مقامه لكن إن رده إلى الحاكم أو نائبة فإن ذمته تبرأ لما للحاكم من النظر في أموال المسلمين وللحاكم ونائبه أن يأخذوا الضوال ويضعوها في موضع يختص بها ولا يجب عليهم تعريفها ، بل من ضاع له شيء فإنه يأتي إلى هذا الموضع الذي يكون فيه الضوال فإن وجد ضالته أخذها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره إن أمن نفسه على ذلك [
فله التقاط غير ذلك من الحيوانات كالشياه وصغار الإبل وهي الفُصلان وصغار البقر وهي العجاجيل ، وصغار الخيل ونحوها ، وكذلك سائر الأمتعة ، فله أن يلتقطها ، لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم في ضالة الغنم ، ولأنه سئل عن اللقطة وهو عام في الأشياء كلها إلا ما ورد استثناؤه وما شابهه فله أن يلتقطها بشرط أن يأمن نفسه عليها فإذا علم من نفسه الأمانة والقدرة على التعريف فله ذلك و هو مباح له ، والأفضل الترك – في المشهور في المذهب – قالوا : لأنه يخشى ألا يقوم بواجب التعريف وقد تطمع فيها نفسه فيخون أمانته .
وقال بعض الحنابلة وهو قول أبي الخطاب وصوَّبه صاحب الإنصاف وهو مذهب الشافعية : أنه يستحب له ذلك إن كانت بمضيعة أي في مكان غير مطروق بحيث أنه أن لم يأخذها أخذها غيره ، وقد يكون هذا الغير ليس بأمين والذي يتبين – والله أعلم – هو الاستحباب مطلقاً ، وذلك لما فيه من الإحسان للناس فمن علم من نفسه القدرة على التعريف وحفظ الأمانة فإنه يستحب له أن يلتقطها لما في ذلك من الإحسان إلى الناس ، وأشبه هذا الوديعة ، فإن الوديعة قد تطمع النفس بأخذها وخيانة صاحبها ومع ذلك فإنها يستحب اتفاقاً كما تقدم .
و على ما تقدم فإن أخذها بنية الخيانة ضمن و إن لم يفرط لأن يده متعديه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإلا فيد كغاصب [ .
إذا علم من نفسه الخيانة أو عدم القيام بحفظها فهو كغاصب فيده يد متعدية فعليه الضمان .
فإذا أخذها من لا يعلم في نفسه الأمانة أو يعلم في نفسه الخيانة أو يخشى ألا يقوم بواجب التعريف أو يعلم من نفسه عدم ذلك فلا يحل له أن يأخذها لما في أخذها من تعريفها للضياع ، ويفوتها على ملتقط آخر يقوم بحفظها ، وعليه : فإذا التقطها فيده يد متعدية واليد المتعدية يدُ ضامنة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويعرف الجميع في مجامع الناس غير المساجد حولاً [ .
يعرف ما تقدم ذكره مما يجوز التقاطه ، يعرفه في مجامع الناس عند أبواب المساجد وفي الأسواق ونحو ذلك من المواضع التي هي مضان لوجود صاحب هذه اللقطة وقد روى مالك في موطئه بإسناد لا بأس به : ( أن عبد الله بن زيد الجهني وجد صُرةً في طريقه إلى الشام فيها ثمانون ديناراً فسأل عن ذلك عمر فقال له : عرفها سنة عند أبواب المساجد وعند كل من أتى من الشام سنة فإذا مضت السنة فشأنك بها ) فيعرفها في المواضع التي يشيع أمرها فيها فيكون ذلك وسيلة إلى وصول صاحبها إليها وهذا يختلف باختلاف الأزمان فقد يكون في بعض الأزمان وسائل لنشر اللقطة والتعريف بها والمقصود أنه يسلك الطرق المناسبة لمثلها في التعريف وهذا واجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ثم عرفها سنة ) والأمر للوجوب ولما كان واجباً عليه فنفقة التعريف ومؤونته واجبة عليه ، كأن يكون قد بعث منادياً ينادي بذلك وهذا المنادي له أجرة المنادي على الملتقط لا على صاحب اللقطة ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ثم عرفها ) وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة ويدل عليه ما تقدم فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعريفها وهذا قد يحتاج إلى أجرة ووسيلة الواجب واجبة . فإن كان لا يملك بالتعريف و حفظ المال فإنه يرجع بلأجرة عليه
" غير المساجد " لأن المساجد لم تبنى لذلك وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من سمع رجلاً يَنْشِد ضالة في المسجد فليقل : لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا )
" حولاً " فيعرفها حولاً كاملاً على الوجه المعتاد الذي يكون وسيلة إلى إيصالها إلى صاحبها ، فليس شرطاً أن تكون الأيام متتابعة أي في كل يوم أما الأيام الأولى فيجب أن يكون التعريف فيها أكثر ، ولذا قال الحنابلة : يعرفها في الأسبوع الأول في كل يوم ، وذلك لأن الأيام الأولى التي فقدها صاحبها فيها يكثر بحث صاحبها عنها ، فحينئذ وجب الإكثار من المناداة بها في ملف الأيام ثم بعد ذلك يكون على الوجه المعتاد عرفاً فيكون في كل أسبوع أو كل شهر أو نحو ذلك .
إذن : ليس واجباً عليه أن يعرفها في كل أيام السنة فيستوعب أيام السنة ، لما في ذلك من المشقة الظاهرة .
نعم في أول الأيام يجتهد في كل يوم حيث كان في ذلك وسيلة إلى إيصال الحق إلى مستحقه ثم بعد ذلك يكون على الوجه المعتاد في عرف الناس .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويملكه بعده حكماً [ .
فيملك الملتقط ما التقطه بعده أي بعد تعريفه حولاً لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ثم عرفها فإنه جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ) .
وظاهر قول المؤلف أنه إن لم يعرفها فإنه لا يملكها لأنه قال : ( ويملكه بعده ) أي بعد التعريف وهذا هو ظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال : ( ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ) فشرط التعريف فدل على أنه له إن لم يعرفها تعريفاً صحيحاً أي بأن يقصر في التعريف فلا يقوم بالمطلوب من الدعاية عليها و النشر فكذلك فإنه لا يملكها لأنه لم يقم بالشرط على الوجه المطلوب ، وشرط التمليك هو التعريف وهنا لم يعرفها التعريف المطلوب فإن كان له عذر في ترك التعريف كمرضٍ أو جهلٍ أو نحو ذلك فهل يملكها بعد بالتعريف بعد الحول الأول؟
قولان لأهل العلم هما وجهان في المذهب :
أظهرهما أنه لا يملكها لعدم توفر الشرط و هو المذهب كما في الأقناع ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرط في ملكيتها تعريفها ، وهو لم يعرفها وأما كونه مريضاً أو جاهلاً أو نحو ذلك من الأعذار فإن هذا يرفع عنه الإثم في ترك واجب التعريف و لأن الظاهر أن صاحبها قد يئيس منها و ترك طلبها بعد الحول و لذا فإنه يسقط التعريف بعد الحول و القول الثاني في المذهب أنه لا يسقط و الأول أظهر فإذا التقط لقطةً فلم يعرفها أو عرفها تعريفاً قد قصَّر فيه فما الحكم فيها ؟
روايتان عن الإمام أحمد :
1- الرواية الأولى وهي المذهب : أنه يتصدق بها بشرط الضمان أي متى ما جاء صاحبها يقول له : أني قد تصدقت بها عنك فإن شئت أمضيت صدقتي وإلا فخذ مثلها إن كانت من المثليات أو قيمتها أن كانت من المقومات و إن شاء دفعها إلى الحاكم و برئ.
2- الرواية الثانية : أنه يعرفها أبداً ، كلقطة الحاج ، وذلك لأنه قد أخذها ولم يقم بالواجب وهذا لا يحل له فأشبه هذا ما لو التقط لقطة لا يحل له التقاطها فإنه يعرفها أبداً كلقطة الحاج وسيأتي الكلام عليها و الرواية الأولى أظهر كالمال المغصوب الذي جهل ربه.
وقوله : ( حكماً ) أي قهراً بلا اختيار ، فيملك هذه اللقطة قهراً بلا اختيار منه ولا رضى ، فتكون ملكاً له كالميراث هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره وهو مذهب الجمهور
ودليل ذلك ما ثبت في ابن ماجة من حديث كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فهي كسبيل مالك ) .
والقول الثاني : وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة : أنها لا تدخل في ملكه إلا برضا منه واختيار كالشراء .
والقول الأول أظهر ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فهي كسبيل مالك ) .
فإذن : إذا مضى الحول ولم يأت صاحبها – وكان قد عرفها – فإنها تكون كسبيل ماله – فحينئذ : إن جاء صاحبها يوماً من الدهر فهي له وإلا فيتصرف بها كما يتصرف في ماله كله
وهل عليه الضمان أم لا ؟
فإذا حصل تلف فيها تعدٍ وتفريط أو بلا تعدٍ ولا تفريط فهل عليك الضمان ؟
أما في الحول – الذي هو زمن التعريف – فإن تلفت بلا تعدٍ ولا تفريط لم يضمن اتفاقاً ، لأن يده يد أمانة ويد الأمانة لا ضمان عليها أما إن تلفت بتعدٍ أو تفريط فهو ضامن كما تقدم تقريره ، لأن هذا قد حصل بتعديه بفعله ، أو بترك الواجب من حفظ الأمانة .
وأما بعد الحول – حيث يتصرف بها كتصرفه بماله – فإن تلفت بتعدٍ أو تفريط فعليه الضمان لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر فأعطها إياه ) وإما إن لم يكن منه تعدٍ ولا تفريط ، فقولان لأهل العلم :
1- القول الأول : وهو المشهور في المذهب : أن عليه الضمان لأنه أصبحت ملكاً له يتصرف بها كما يتصرف بماله .
ولذا في المشهور من المذهب أن له خراجها ، أي ما يكون من ولدٍ أو نحوه من النماء المنفصل فهو للملتقط .
2- والقول الثاني في المسألة : - وهو رواية عن الإمام أحمد : ألا ضمان عليه .
وعليه فالخراج أيضاً ليس له ، وهذا القول أظهر ، لقوله صلى الله عليه وسلم – في حديث زيد بن خالد في الصحيحين قال : ( فإن لم يأت صاحبها فاستنفقها ولتكن وديعة عندك ) فدل على أنها في حكم الوديعة ، والوديعة لا ضمان فيها وعليه : فالخراج ليس له ، لأن الخراج بالضمان .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها [ .
فلا يأكلها ولا يبيعها قبل أن يعرف صفاتها ، فيعرف عفاصها " وهي الخرقة التي تشد فيها " ويعرف وكاءها " وهو الخيط الذي تشد فيه " ويعرف عددها وجنسها ونحو ذلك بما تتميز به عن بقية الأعيان وعن شبيهاتها أيضاً .
إذن : لا يدخلها في ماله حتى يضبط صفاتها ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم - : ( فإن لم تعرف فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه ) ويستحب له أن يشهد على ذلك ، لما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من وجد لقطةً فليشهد ذوي عدلٍ وليحفظ عفاصها ووكاءها ثم لا يكتم ولا يغيب فإن جاء ربها فهو أحق بها وإلا فهو ما الله يؤتيه من يشاء ) .
والشاهد قوله : " فليشهد ذوي عدل " وهو عند جمهور العلماء للاستحباب .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه [ .
إن جاء طالبها فقال : أنا أنشد لقطة وسمعت أن عندك لقطة من الماشية وماشيتي صفتها كذا ، ووسمها كذا ووصفها بما تتميز فيه فحينئذ يدفعها إليه بلا بينة ولا يمين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك ) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء هذا الطالب اللقطة متى ما عرف عفاصها ووكاءها ونحو ذلك من صفاتها ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم البينة ولم يأمر باليمين فدل على أنه متى ما جاء من يصفها وإن لم يكن عدلاً فإنها تدفع إليه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما [ .
السفيه هو غير الرشيد ، فإذا التقط صبي أو سفيه لقطة فإن وليهما يعرف لقطتهما ، لقيامه مقامهما.
مسألة : اللقطة لا تخلو من ثلاثة أنواع :
1- النوع الأول : أن تكون من الحيوان ، كأن يلتقط ماشية ونحوها .
فالملتقط يخير بين ثلاثة أمور ويختار الأصلح منهما للمالك .
الأول : أن يأكلها ، فإن جاء مالكها أعطاه القيمة أو المثل إن كانت من المثليات .
الثاني : أن يبيعها ويحفظ قيمتها لمالكها ، فمتى جاء المالك دفعها إليه .
الثالث : أن يحفظها عنده وينفق عليها ويرجع بالنفقة إلى ربها .
وإن نوى التبرع فلا رجوع يختار أحدهما على حسب ما تقتضيه مصلحة المالك .
2- النوع الثاني : أن تكون طعاماً يخشى فساده .
فيتخير الملتقط من ثلاثة أمور :
أ- الأكل ب- البيع ج- تجفيفها إن أمكن ذلك أو حفظها كما يوجد في الثلاجات ونحوه ويرجع ذلك بالنفقة على مالكها .
3- النوع الثالث : ألا يكون حيواناً ولا طعاماً ، فإنه يحفظه وجوباً كالأمانة .
مسألة : ظاهر كلام الحنابلة أنه لا فرق بين لقطة مكة وغيرها ، وأن لقطة مكة أسوة غيرها .
واستدلوا : بعمومات الأدلة .
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام أن لقطة مكة لا تحل ، فلا تملك وإنما ينشدها أبداً ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحل ساقطتها إلا لمنشد ) أي لمنشد أبداً .
ولما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن لقطة الحاج ) وهذان الحديثان أخص مما استدل به الجمهور ، وهو القول الراجح في هذه المسألة
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن ترك حيواناً في فلاة لانقطاعه أو عجز ربه عنه ملكه أخذه] .
فمن ترك في فلاة لأن ربه – عجز عنه ، أو لأن ربه قد انقطع في هذه البرية ، فأخذه رجل فأحياه فهو ملك له – وهذا خاص في الحيوان وأما المتاع – فلا لأن حرمته ليست كحرمة الحيوان . والعبد – أيضاً – ليس حكمه كذلك لأنه ينجي نفسه من الهلكة في الغالب .
ودليل هذه المسألة ما روى أبو داود بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي ملكه )
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن أخذ نعله أو نحوه من متاعه ووجد فوضعه غيره فلقطة ].
رجل بعد أن خرج من دار أو من مسجد لم يجد نعله ، وانتظر حيث أخذ الناس نعالهم فبقيت نعل ، فهل يحل له أن يمتلكها على أنها تقوم مقام نعله أم لا ؟
1- قال المؤلف "فلقطة " فيعرفها سنة ، فإن شاء أخذها فإنها تكون لقطة ، وذلك لأنه لم يعاوض عليها فلم يملكها .
2- وقال بعض الحنابلة وصَّوبه صاحب الإنصاف : أنه يملكها مع قرينة سرقة ، فإذا كانت هناك قرائن تدل على تقصد صاحب النعل ترك نعله موضع هذه النعال واخذ هذه النعال فإن له ذلك ، وفي هذا قوة وإلا فإنه لا يحل له أخذها و إن أخذها فإنها تكون لقطة .
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبيناً محمد وعلى آله وصحبه أجمعين