عدد الزوار : 162996
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الوقف
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الوقف
الوقف
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

كتاب الوقف

 

الوقف : مصدر وقف يقف وقفاً ، وجمعه وقوف .

ويقال : وقفه و أوقفه .

أما في الاصطلاح الفقهي فقد عرفه المؤلف بقوله :

] وهو تحبيس الأمل وتسبيل المنفعة[  

كأن يحبس نخلاً ، وثمارها تكون صدقة في سبيل الله أو يحبس داراً وأجرتها في سبيل الله أو يحبس فرساً يركب في سبيل الله .

والوقف مندوب إليه ، لقوله تعالى : ) وافعلوا الخير ( وهو من الخير وثبت في الصحيحين عن ابن عمر : أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم  يستأمره فقال له : ( لو شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب ، تصدق بها في الفقير وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل ، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول حالاً .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه[ .

فالوقف يصح بكل قول دل عليه ، وبكل فعلٍ دل عليه .

ثم مثل المؤلف للفعل فقال رحمه الله تعالى :

] كمن جعل أرضه مسجداً وأذن للناس في الصلاة فيه أو مقبرة وأذن بالدفن فيها[ .

فإذا جعل أرضاً مسجداً وأذن للناس بالصلاة فيه فتكون هذه الأرض وقفاً مسجداً لله عز وجل لأن هذا الفعل منه يدل على ذلك ، ولا يشترط أن يقول هي وقف أو نحو ذلك ، ولكن فعله يدل على ذلك ولو لم يتلفظ بأنها وقف أو جعل أرضه مقبرة فحوطها كما تحوط المقابر وأذن للناس أن يدفنوا فيها فكذلك هي وقف لأن هذا الفعل منه يدل على ذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وصريحة : وقفت وحبَّست وسبلت [ .

هذا في القول ، القول منه ما هو صريح ومنه ما هو كناية .

فالصريح : يكفي فيه الفظ من غير اشتراط انضمام شيء إليه من نية أو فعل أو قرينة فهو لايحتمل غيره فبمجرد ما يتلفظ باللفظ الصريح تثبت هذه العين وقفاً وإن قال : أنا لم أنو ، وإن لم يفعل ما يدل على ذلك ، وإن لم تكن هناك قرينة تدل على أنه وقف .

وصريحة : وقفت وحبست وسبلت ، فإذا قال : وقفت داري أو حبست داري أو سلبت داري فهذه ألفاظ صريحة في الوقف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وكنايته تصدقت وحرمت وأبدت [ .

الكناية هي : ما لا يكفي فيه اللفظ بل يشترط انضمام أمر زائد إليه من نية أو فعل أو قرينة فيحتمل غير الوقف.

وكنايات الوقف : تصدقت وحرمت وأبدت ، فإذا قال مثلاً : " تصدقت بداري " ثم قال : أنا لم أنوه وقفاً ولا قرينة ولا فعل ، فإنه يحكم بقوله ؛ وذلك لأن هذه الألفاظ مشتركة في الوقف وغيره فكان لابد من أمر زائد يدل على إرادة الوقف .

-                   وقال ابن الجوزي – وهو من فقهاء الحنابلة : بل لفظة ( أبدت ) تدل على الوقف فهي من صريحة لا من كناية وفيه قوة ، ومرجع معرفة اللفظ أهو من الصريح أم من الكناية مرجع ذلك إلى أعراف الناس .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فيشترط النية مع الكناية [ .

أي يقول : تصدقت بداري ، وينوي أنها وقف لأن قوله : " تصدقت بداري " لفظ مشترك فيحتمل أن تكون الصدقة التي ليست هي بوقف ويحتمل أنه يريد الوقف ، فلما كان لفظاً مشتركاً أشترط فيه النية .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو أقترن أحد الألفاظ الخمسة [ .

تقدمت ألفاظ ستة ، منها ثلاثة صريحة ، ومنها ثلاثة من باب الكناية فإذا تلفظ بلفظ من ألفاظ الكناية وضمَّ إليه لفظاً من الألفاظ الباقية فحينئذ يزول الاشتراك وتكون وقفاً .

فإذا قال : ( تصدقت بداري صدقة موقوفة ) أو ( تصدقت بداري صدقة محبوسة ) أو (تصدقت بداري صدقة مسبلة ) أو قال (تصدقت بداري صدقة محرمة أو صدقة مؤبدة ) فحينئذ يكون وقفاً وإن أدعى أنه لم ينو فلا يقبل منه ذلك .

وكذلك لو قال : ( حرمت داري تحريماً مؤبداً ، أو تحريماً موقوفاً أو تحريماً محبساً ) أو نحو ذلك فإنه يحكم بأنه وقف .

ومرجع هذا في الألفاظ إلى عرف الناس ، وقد يكون في عرف الناس لفظ هو صريح في الوقف وهو في عرف من قبلهم كناية فيه وقد يكون العكس أيضاً .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] أو حكم الوقف [ .

أي أن يضم إلى هذا اللفظ الذي هو من الكناية – يضم إليه ما يدل على الوقف وهو حكمه .

كأن يقول : ( تصدقت بداري فلا تباع ولا توهب ولا تورث ) فدل على أن قوله : ( تصدقت بداري ) يريد بذلك الوقف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويشترط فيه المنفعة دائماً من عين ينتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان ونحوهما [ .

فيشترط في الوقف أن يكون ذا منفعة دائمة مع بقاء العين فإذا كانت العين لا ينتفع بها على سبيل الدوام فلا تصح وقفاً كما لو استأجر داراً خمس سنوات فأوقفها هذه المدة و مثال ذلك أيضاً الدراهم والدنانير ، والطعام ونحوها ، فلا يصح وقفها وذلك لأنها تنفذ فلا يبقى الانتفاع .

والراجح صحة وقف الدراهم و الدنانير على المحتاجين لأنه لا دليل على المنع و هو رواية عن الإمام أحمد و أختاره شيخ الإسلام.

( كعقار ) أي كأرض يبنى فيها أو تبقى وتؤجر ومثل ذلك البستان فهذه يصح وقفها وقد تقدم حديث عمر : لما أصاب أرضاً بخيبر فقال له صلى الله عليه وسلم: ( لو شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) فهذا يدل على أن الأرض تصح وقفاً .

( وحيوان ) فالحيوان يصح وقفه ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم  في صحيح البخاري : ( من حبس فرساً في سبيل الله ) الحديث ، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - في خالد بن الوليد – ( وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله ) وهذا يدل على صحة وقف الأدراع ونحوها من السلاح .

والعتاد : هو أهبة القتال من خيل وذخيرة وسلاح ونحو ذلك .

وفي قول المؤلف : ( من عين ) هذا هو المشهور في المذهب وأن الموصوف في الذمة لا يصح وقفه فإذا قال : ( وقفت عبداً ) وصفه كذا ، أو داراً وصفها كذا أو حيواناً وصفه كذا فلا يصح .

ومثل ذلك : المبهم فإذا قال : " تصدقت بأحد فرسي في سبيل الله صدقة موقوفة " أو قال : " حبست أحد عبدي في سبيل الله " ونحو ذلك ، فهنا مبهم لا يدري أي العبدين ولا أي الفرسين فلا يصح أيضاً كما هو المشهور في المذهب .

قالوا : كالهبة وسيأتي الكلام على الهبة والخلاف فيها .

وهنا احتمال في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يصح وقف الموصوف في الذمة ويصح وقف المبهم وهذا هو القول الراجح .

وعليه : فعليه أن يوقف ما وصفه في الذمة فيقال له : أنت وقفت داراً قلت وصفها كذا وكذا فعليك أن الوقف ما وصفت ، وإن قال : " وقفت أحد عبدي في سبيل الله" فيقرع بينهما ومن خرجة عليه القرعة فهو وقف .

و قوله مع بقاء عينه فإن كان لا يمكن أن ينتفع به إلا بتلف عينه لم يصح وقفه كأن يوقف آصعاً من تمر على الفقراء و اختار شيخ الإسلام صحة ذلك و هو الراجح كما تقدم في الإجازة.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وأن يكون على بر كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب [ .

هذا هو الشرط الثاني من شروط الوقف وهو أن يكون على برٍ وهذا باتفاق العلماء فإن الوقف يدوم إلى ما بعد موته فلم يكن له حق في أن يصرف شيئاً من ماله في أمر محرمٍ ولا مباح فاشترط أن يكون في برٍ ، كبناء مسجد أو مدرسة علمية أو بناء دار يكون ريعها للفقراء وذوي القربى فإن كان على محرم فلا يجوز كأن يبنى داراً للهو المحرم أو لشرب الخمر ونحو ذلك .

وإذا كان على مباح فإنه لا ينفذ أيضاً كأن يجعل داره وقفاً على لهو مباح أو على الاغشار فإن كان الوقف على معين صح في المباح لا المحرم وقيل يصح على جهة عامة و هو مباح.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] من مسلم وذمي [ .

يصح أن يكون الوقف على المسلم وعلى الذمي أما المسلم فظاهر ، وأما الذمي فلقوله تعالى :) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ( وروى عبد الرزاق في مصنفه – والأثر حسن – أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ( أوصت لابن أخ لها يهودي ) فيجوز أن يوقف على ذمي ونحوه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] غير حربي [ .

فالحربي لا يجوز أن يوقف عليه ، وذلك لأن ماله ليس بمعصوم وعليه فريع الوقف غير معصوم، والوقف لازم وحينئذ لا يكون لهذا المال عصمة لكون صاحبه ليس بمعصوم المال ولأنه ليس بوجه برٍ أن يوقفه على من يحارب الله ورسوله وأهل الإسلام .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وكنسية ونسخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة [ 

فهذه لا يجوز الوقف عليها .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وكذا الوصية [ .

أي في الحكم ، فالوصية كذلك فإن ما لا يصح وقفه لا تصح الوصية به ، وسيأتي الكلام على هذا في باب الوصايا .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والوقف على نفسه [ .

أي لا يصح الوقف على نفسه، فإذا قال : ( وقفت على نفسي ثم أولادي من بعدي) فهنا الوقف لا يصح .

قالوا : كما لا يصح بيعه على نفسه وإجارته عليها – هذا هو المشهور في المذهب – وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد كابن عقيل وهو مذهب أبي يوسف من الأحناف ، وبعض الشافعية – أن الوقف على النفس صحيح .

-                   وهذا هو الأظهر ، وذلك قياساً على أم الولد فإن الرجل إذا وطئ أمته فولدت له ولداً فهي أم ولد تبقى له في حياته ولا تباع ولا توهب ، فكذلك الوقف يبقى له في حياته ولا يباع ولا يوهب، وكما لو أوقف مسجداً وصلى فيه أو وقف مقبرةً ودفن فيها أو أوقف بئراً وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين كما وقع من عثمان رضي الله عنه فهنا قد دخل في المنتفعين من الوقف ، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك وأنه إذا أوقف مقبرةً فله أن يقبر فيها وكذلك إذا أوقف مسجداً فله أن يصلي فيه وهكذا فكذلك هنا ، وأما المنع من بيعة على نفسه وإجارته عليها فهذا لا متناعه ، فهو ممتنع لا فائدة فيه .

-                   في هذا القول ترغيب بالوقف فإنه إذا علم أنه يمكنه أن يوقف شيئاً من ماله ويستفيد من ريعه حياته فإن هذا يكون ترغيباً له فيه .

-                   قال الحنابلة : ويجوز له إن أوقفه على غير نفسه أن يشترط علته كلها أو بعضها أو مدة معلومة – له أن يستثنى ذلك وهو مخرج من المسألة المتقدمة .

ويستدلون : بما تقدم من قول عمر : ( ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول مالاً ) وكان عمر – كما قالوا – كان هو وليها في حياته وهذا ظاهر، وحيث قلنا بالقول المتقدم من جواز الوقف على نفسه فهذا أولى .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويشترط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معين يملك [ .

المسجد والمقبرة ونحوهما إذا أوقفه فإنه لا يوقفه على معين بل على جماعة من الناس ،

 وكذلك القنطرة أو النفق أو طريق ، فهذا وقف على غير معين ، فلا يشترط العلم بالموقوف عليه.

فإذا بنى مسجداً فلا يشترط أن يعلم من يصلي فيه وهكذا – أما غير المسجد ونحوه – فإنه يشترط فيه أن يكون على معين يملك ، فيكون على معين غير مجهول ولا مبهم .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] لا ملك [ .

فإذا أوقف على ملك من الملائكة أو على جني فإنه لا يصح لأنه لا يملك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وحيوان [ .

لا يصح الوقف عليه لأنه لا يملك وكذلك العبد فإنه معين لكن لا يملك فلا يصح الوقف عليه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والقبر [ .

لا يصح الوقف عليه لأنه وإن كان معيناً لكنه لا يملك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والحمل [ .

لا يصح الوقف عليه لأنه ليس بمعين ، أو لا يدري هل موجود أو لا فهو مجهول الوجود .

فالوقف إذا كان مما يوقف على المعينين فإنه يشترط أن يكون على معين يملك فإن كان على غير معين كالمجهول أو المبهم فلا وإن كان على معين لا يملك فلا أيضاً .

ولا شك إن الوقف على الملك ونحوه لا ينبغي أن يقال بمثله ، وهوة ليس من أوجه البر ، بل هو ليس من الرشد في التصرف .

أما إذا أوقفه على مجهول أو مبهم ، فإن عدم صحة الوقف فيها نظر فإن المبهم يمكن أن يعلم بالقرعة ، فإذا قال : " أوقفت هذا على أحد أولاد زيد وله ولدان " فإنه يمكن أن يحدد أحد الوالدين بالقرعة .

والمجهول : إذا كان لا يؤول إلى علم فإنه لا يصح الوقف عليه كأن يقول : " أوقفته على رجل " ولا يدري من هذا الرجل فلا يمكن حينئذ أن يوقف فيكون باطلاً وأما إذا كان يمكن علمه ، أو علم من قوله أنه يريد من اتصف بهذا الوصف أياً كان ، كأن يقول : " أوقفته على مسكين في البلد " فحينئذ يختار الولي أي مسكين في البلد فيوقفه عليه ولا مانع حينئذ من الوقف وإذا أوقف على الحمل أي أصالة كأن يقول : " أوقفت على حمل فلان " فلا يصح عند الحنابلة .

وقال ابن عقيل من الحنابلة : يصح وهو أظهر لأنه يؤول إلى علم ، ولا مانع من القول بصحته ولا دليل يدل على المنع .

وأما إن كان الحمل يثبت تبعاً كأن يقول : " أوقفته على زيد وأولاده وأولاد أولاده – ومبهم الحمل، فحينئذ الحمل يثبت تبعاً ، ويثبت ما لا يثبت استقلالاً .

والوقف على الحيوان ، اختار الحارثي من الحنابلة صحة الوقف عليه ، وهذا هو الأرجح فلا مانع فيه .

كأن يقول : هذا الماء أو هذه الساقية وقف على دواب فلان فلا مانع منه ، كما لو وضع ساقية وجعلها للدواب عامة ، ولا دليل يمنع من هذا ، وهي قربة .

وأما القبر فإن الوقف عليه باطل لأنه محرم في الشريعة لكن لو كان الوقف على المقبرة لحفر القبور وإصلاحها ونحو ذلك وهذا جائز لأنه قربة .

لكن إن أوقفه على قبر ليبنى عليه أو يسرج أو نحو ذلك فإن هذه من ذرائع الشرك فهي محرمة في الشريعة فلا يحل أن يوقف عليها .

ويشترط – وهو الشرط الرابع - : هو أن يكون ناجزاً لا معلقاً هذا هو المشهور في المذهب .

فإذا قال : ( أوقفت داري وإن شفى الله مريضي أو إن جاء زيد من سفره ) فإن الوقف لا يصح .

والقول الثاني في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام ، واختيار صاحب الفائق من الحنابلة : إن الوقف يصح وهو الراجح إذ لا مانع منه شرعاً .

ومثل ذلك إن قال : ( أوقفت داري سنة أو عشر سنوات ) أي ثم بعد ذلك ترجع إلي ، ففيها قولان:-

ولكن هذا لو سلمنا أنه ليس بوقف لكن لا نسلم أنه ممنوع إذ الأصل في العقود الحل .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] لا قبوله [ .

أي لا يشترط قبوله إذا أوقف على غير معين فلا إشكال في أنه لا يشترط القبول ، كأن يوقف مسجداً ونحوه فلا يشترط قبول الموقوف عليهم لأنها جهة عامة ، لكن الكلام هنا حيث كان الوقف على معين كأن يقول : ( أوقفت داري على زيد وأولاده من بعده ) فهل يشترط قبول الموقوف عليهم أم لا ؟

1-                 قال المؤلف : لا يشترط قبوله ، كالعتيق فكما أن العبد لا يشترط قبوله للعتق ، فكذلك هنا.

2-                 والقول الثاني في المسألة : وهو وجه في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه يشترط قبوله .

قياساً على الوجه والهبة ، فهي تبرع من آدمي .

وهذا أظهر فهي بالهبة هنا أشبه منها بالعتق والفارق بين الوقف والعتق : أن العتق إن ردَّ فإن ذلك إبطالاً لحق به في الحرية ، بخلاف رد الوقف ، فكان الوقف هنا أشبه بالهبة والوصية منه بالعتق ولأن ما يترتب من المنة ونحوها ثابتة في الوقف كما هي ثابتة في الهبة ، فإن لم يقبل هذا الوقف فإنه ينصرف إلى من بعده ، فإذا قال : ( أوقفت هذه الدار على زيد معمورٍ ) فلم يقبل زيد فإنها تنتقل إلي من بعده .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا إخراجه عن يده [ .

أي لا يشترط أن يخرج الوقف عن يده .

فإذا قال – مثلاً – هذا الفرس وقف لله تعالى ولم يحله فهو مازال في يده ، فهل يلزم الوقف أم لا؟

قولان لأهل العلم :

1-                 القول الأول : أنه يلزم فليس له الرجوع بعد ذلك ، وهذا هو المشهور في المذهب .

قالوا : لأنه قد ثبت بالقول الدال عليه أو الفعل الدال عليه فيحصل الوقف بذلك

قالوا : وقياساً على العتق ، فكما أن الرجل إذا قال : أعتقت فلاناً فإنه يعتق عليه وإن لم يخرجه من يده ، فكذلك هنا .

2-                 القول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه لا يلزم ويثبت إلا إذا أخرجه من يده وأما قبل ذلك فله الرجوع .

واستدلوا : بالقياس على الهبة والوصية .

فكما أن الهبة لا تثبت حتى يخرجها عن يده ويقبضها الآخر فكذلك هنا في الوقف .

والذي يترجح من هذين القولين : أن ذلك ليس بشرط بل يثبت الوقف وإن كان الوقف في يده ، وذلك لأن حقيقة الوقف قد ثبتت بمجرد قوله : ( وقفت أو حبست ونحو ذلك ) لأن الوقف هو حبس الأصل وبسبيل المنفعة ، وقد حصل الوقف بقوله ذلك وأما الهبة فلا تكون هبة حتى تنتقل من يده ويقبضها الآخر ففرق – هنا – بين الهبة والوقف .

فالراجح أنه لا يشترط الوقف – لا يشترط إخراج الوقف من يد الواقف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويجب العمل بشرط الواقف [ .

يجب العمل في الوقوف بشرط واقفها ، لأثر عمر المتقدم في الصحيحين .

قال شيخ الإسلام : ( وقول الفقهاء نص الواقف كنص الشارع يعني في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل ) .

فالفقهاء عندهم أن لفظ الواقف كنص الشارع يعني في دلالة الألفاظ من عموم أو خصوص أو إطلاق أو تقييد أو نحو ذلك قال – أي شيخ الإسلام:( والتحقيق أن لفظة ولفظ الموصي والجالف والناذر وكل عقد يُحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم فيها وافقت لغة العرب أو لغة الشرع أم لا ) أ.هـ .

فالعبرة بما يريده في لفظة وهو المراد في خطاباته وفي لغة أي في أعراف الناس .

فمثلاً : الناس عندنا يطلقون الولد ويريدون به الذكر ، وليس هذا في لغة العرب ولا في لغة الشرع .

فإذن مبهم كلام – الواقف – مرجعه إلى عادته في خطابه ونفسه التي يتكلم فيها لأن هذا هو مراده.

قال المؤلف هنا : ( بشرط الواقف ) : - ظاهره سواء كان الشرط مستحباً أن يقول : ( أوقفت داري على أولادي ثم أولادهم من بعدهم لطلبة العلم أو لحفظة القرآن منهم ) فهذا شرط مستحب .

ومثال الشرط المباح أن يقول : ( أوقفت داري على أولادي الأغنياء منهم ) فهذا شرط مباح .

واختار شيخ الإسلام أن الشرط المباح ليس بمعتبر فإذا قال : ( للأنسب منهم أو للغني منهم ، أو غير ذلك من الشروط المباحة ، أو شرط ألا يؤجر ونحو ذلك ، فإنه لا عبرة بشرطه ، فللناظر على الوقف أن يخالف شرطه وهذا هو القول الأرجح وذلك لأن اشتراط القربة ثابت في اعتبار الجهة أصلاً كما تقدم وأن الواجب في الوقف أن يكون على قربه فكذلك في شروطه فيشترط أن تكون في قربة .

ولأن مثل هذا سفه وعبث في المال فينهى عنه فالراجح هو ما اختاره شيخ الإسلام .

وشرط الواقف يجب العمل به حيث لم يخالف مقصود الشرع أو لم يكن فيه إخلال بمقصود الشارع فإذا وضع وقفاً على أئمة وقال : يكون لغير الأقرأ أو لغير الأعلم ، كأن يقول للأكبر ، فهذا يخالف ويخل بمقصود الشارع من أن إمام الناس أقرؤهم لكتاب الله .

فالشرط المخالف لكتاب الله غير مقبول .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] في جمع [ .

يجب العمل بشرط الواقف في جمع أي في جمع الموقوف عليهم ، فإذا قال :

( أوقفت داري على أولادي وأولاد أولادي ) فقد جمع بين أولاده وأولاد أولاده فيكون ريع الوقف لهم جميعاً لأن هذا هو شرطه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وتقديم [ .

فإذا قال : ( هذا وقف على زيد وعمرو والمقدم هو زيد ) فيعمل بشرطه فإنه قد شرط التقديم لزيد فيعطى زيد من الريع ما يكفيه فإن فضل شيء فهو لعمرو وإن لم يفضل شيء فلا شيء له .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وضد ذلك [ .

ضد الجمع الإفراد ، وضد التقديم التأخير فإذا أفرد فقال : ( هذا وقف لزيد ثم أولاده ممن بعده ) فيعمل به ، وإذا قال : ( هذا وقف لزيد وعمرو والمؤخر هو زيد ) فيعطى عمرو ريع الوقف وما فضل فلزيد لأنه هو المؤخر .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] واعتبار وصف وعدمه [ .

فإذا قال : ( هذا وقف على أولادي ثم أولادهم من بعدهم الأفقه منهم ) فحينئذ نعطيه الأفقه منهم فنعمل بهذا الوصف .

وإذا قال : ( هذا وقف على أولادي ثم أولادهم من بعدهم ) فهنا لم يذكر وصفاً وعليه فنحن نطلق كما أطلق ، فهو قد شرك بينهم وأطلق فحينئذ نشرك بينهم ونطلق ، وذلك لأنه لم ينص على صفة معينة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وترتيب [ .

فإذا قال : ( هذا لأولادي ثم لأولادهم من بعدهم ) فلا نشرك بين أولاده وأولاد أولاده ، بل يعطى أولاده ثم إذا لم يبقى له ولد فإنه يعطى أولاد أولاده ، لأن هنا قد رتب .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ونظر [ .

إذا قال : ( والناظر على الوقف فلان ) فهو شرط معتبر يجب العمل به ، فيكون هذا المعين هو الناظر على الوقف المعتني بشؤونه الصارف لريعه فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح في وصية عمر بن الخطاب : ( هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمعاً وصِرْفة بين الأكوع ، والعبد الذي فيه ، والمائة سهم التي بخيبر والأرقاء فيه والمائة التي أطعمه النبي صلى الله عليه وسلم بالوادي ، تليه حفصة بنت عمر ثم إلى ذو الرأي من أهلها  ) فهذا شرط من عمر في تعيين الواقف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وغير ذلك [ .

فأتى شرط يشترطه ، فإنه يعمل به ، وقد تقدمت ضوابط في هذا .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن أطلق ولم يشترط استوى الغني والذكر وضدهما [ .

إذا أطلق الواقف فقال : ( هذا وقف على أولادي وأولاد أولادي ) ولم يشترط فإنه يستوي فيه الغني والفقير والذكر والأنثى لا فرق بينهم .

وذلك لأنه شرك بينهم وأطلق ، ومقتضى هذا الإطلاق التسوية بينهم .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والنظر يكون للموقوف عليه [ .

لأن الواقف لم يعين ناظراً فحينئذ يكون الناظر هو الموقوف عليه .

فإذا قال : ( هذا وقف على زيد ثم لأولاده من بعده – ولم يعين ناظراً ) فإن الناظر يكون زيداً هذا إن كان فرداً مستقلاً به ، أما إذا كان الموقوف عليه جماعة ، كأن يقول : هذا الوقف على أولادي وهم جماعة فحينئذ يكونون هم الناظرين عليه جميعاً بقدر حصصهم – هذا إذا كان الوقف مما يكون على المعينين .

وأما إن لم يكن على المعينين ، كأن يوقف على الفقراء أو على المساكين ونحو ذلك فإن الناظر هو الحاكم .

إذن : إذا كان الوقف على معينين : فالمعينون هم الناظرون فيه فإن كان فرداً استقل به ، وإن كان جماعة فهم جميعاً ناظرون عليه بقدر حصصهم .

قالوا : لأن الوقف ملك لهم والمنفعة لهم أما كون المنفعة لهم فإن هذا صحيح فإنهم هم المنتفعون به وهذا يقتضي أن يكونوا هم الناظرين عليه لأن ريعه وثمرته لهم وأما كونهم هم المالكون للوقف – فهذا هو المذهب ، فالمذهب إن الوقف ملك للموقوف عليه ، فإذا قال : ( هذا وقف على زيد ) فهو ملك له .

قالوا : قياساً على الهبة .

وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة واختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد أنه حق لله وليس ملكاً للموقوف عليه .

نعم الموقوف عليه يملك منفعته وأما أصله فلا يملكه الموقوف عليه – وهذا هو الراجح .

فالراجح : إنه ملك لله عز وجل ويستدل على هذا ، بقوله صلى الله عليه وسلم: ( أحبس أصلها وتصدق بها ) فدل على أنها صدقة ولأن الموقوف عليه لا يملك التصرف فيها ولا تورث عنه كسائر ماله ، قال : على أنها ليست ملكاً   له ، وقد تقدم الفارق بين الوقف والهبة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن وقف على ولده أو ولد غيره ثم على المساكين [ .

الوقف على الولد جائز باتفاق العلماء ، ومن الآثار الواردة فيه ما ثبت عند البيهقي والدارمي ، ورواه البخاري معلقاً أن الزبير رضي الله عنه : ( وقف على ولده وجعل للمردودة أن تسكن غير مضرة ولا مُضراً بها فإن استغنت بزوج فلا حق لها ) ولا يعلم له مخالف .

( أو ولد غيره ) كأن يقول :" هذه الدار وقف على ولد زيد أو على ولد أخي " فهذا جائز .

فإذا قال : " هذه الدار وقف على ولدي ثم للمساكين "

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فهو لولده [ .  

قال الفقهاء من الحنابلة في المشهور عندهم : لولده الموجودين حين الوقف ، وعليه : فإذا ولد له بعد ذلك فلا حق لهم في الوقف وهذا ضعيف .

وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحاب أن من يولد من ولده فله حق في الوقف ؛ وذلك موافقة لغرض الواقف ولدخوله في لفظه فهو داخل في ولده ومقصوده انتفاع ولده وهذا من ولده ؛ بل هو أشفق عليه وأرحم به لصغره فكان دخوله أولى .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] الذكور والإناث بالسوية [ .

فريع هذا الوقف يكون لولده ذكورهم وإناثهم بالسوية وذلك هو مقتضى إطلاقه، فإنه قد شرك بينهم وأطلق فاقتضى هذا التسوية فللذكر مثل ما للأنثى

قالوا : ويستحب له أن يُفضل الذكر على الأنثى واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجوب تفضل الذكر على الأنثى وتحريم عدم التفضيل وهو الراجح .

وذلك لأن التفضل هو العدل كما في الإرث وترك العدل محرم فترك العدل ظلم .

وعليه : فإذا أطلق أو نص على أن الذكر له مثل ما للأنثى فإن الذكر يعطي مثل ما للأنثيين لأن هذا هو العدل الذي أمر الله به .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ثم ولد بنيه [ .

فيكون لولده من صلبه ثم لولد بنيه وهل الترتيب هنا ترتيب فرد على فرد أو ترتيب بطن على بطن ؟

بمعنى : هل لا يعطى أولاد الأنبياء حتى ينقرض الأولاد من الصلب فلا نعطي أولاد بنيه حتى ينقرض أولاده .

أم أن الترتيب فرد على فرد ، فإذا مات زيد من ولده ولزيد أولاد فنصيب زيد ينتقل إلى أولاده ؟

وجهان في مذهب الحنابلة :-

1-                 والمذهب هو الأول : وأنه ترتيب بطن على بطن فإذا انقرض البطن الأول أعطى البطن الثاني فلا يعطي أولاد الأبناء مع وجود الأولاد .

2-                 القول الثاني في المذهب وهو اختيار – شيخ الإسلام واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – أنه ترتيب فرد على فرد وهو الراجح تقريباً للإرث والعدل وبعداً عن الجور والظلم فإن هذا حق لوالدهم كأن يأخذه وهو حي فينتقل حينئذ إليهم كما ينتقل إليهم سائر ماله .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] دون بناته [ .

أي دون ولد بناته .

ولد البنات لا يرثون كما تقدم في الفرائض ، فبنت البنت وابن البنت وإن نزلا فلا إرث لهما ، قالوا : فكذلك هنا لقوله تعالى:) يوصيكم الله في أولادكم ( فإذا قال: هذا وقف على ولدي لم يدخل ولد بناته،كما لا يدخلون في قوله تعالى: ) يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (  .

1-                 هذا هو مذهب الإمام أحمد فهو مذهب الحنابلة .

2-                 ومذهب الشافعية أن أولاد بناته يدخلون ، قالوا : لأن ولد البنت ولد ؛ ولذا قال تعالى : ) ومن ذريته داود وسليمان ( إلى أن قال : ) وعيسى ( ، وعيسى ابن بنته مريم رضي الله عنها، ولقوله صلى الله عليه وسلم  في الحسن – وهو ابن بنته – قال : أي النبي ( هذا سيد ) .

وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختاره أبو الخطاب من الحنابلة واختاره من أئمة الدعوة : الإمام عبد الرحمن ابن حسن والإمام محمد بن إبراهيم وهو القول الراجح في هذه المسألة .

وأما قوله تعالى : ) يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ( فالجواب : أن ولد البنت داخل في العموم ، وإنما دل الإجماع على عدم إرثهم فرضاً ويمكن أن يُستدل بهذه الآية على إرثهم رحماً وكما هو مذهب الحنابلة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] كما لو قال : على ولد ولده وذريته لصلبه [

إذا قال : ( هذا وقف على ولد ولدي أو على ذريتي لصلبي أو على عقبي أو على نسلي ) فالخلاف كذلك هنا ، والراجح أن ولد البنت يدخلون في ذلك كما هو مذهب الشافعية .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولو قال على بنيه أو بني فلان اختص بذكورهم [ .

إذا قال : ( هذا وقف على بني أو على بني فلان ، فيختص بالذكور فليس للإناث من الوقف شيء، وذلك لأن الابن يطلق ويراد به الذكر كما قال تعالى : ) أم له البنات ولكم البنون ( فالابن بخلاف البنت .

وهل يدخل في ذلك ابن بنته ؟ على الخلاف المتقدم والراجح دخولهم .

وقد قال تعالى : ) وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ( أي محرمات ومعلوم أن زوجة ابن البنت محرمة بالاتفاق .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ألا أن يكون قبيلة فيدخل فيه النساء دون أولادهن من غيرهم [ 

إذا قال : ( هذا وقف على القبيلة الفلانية فيدخل فيه النساء وذلك لأن النساء من القبيلة فيشمل الذكور والإناث ) ويخرج أولاد النساء من غيرهم .

فإذا تزوج رجل من قبيلة أخرى ، امرأة من هذه القبيلة فالمرأة لها نصيب من الوقف لأنها تنتسب إلى هذه القبيلة أما أولادها من هذا الرجل فلا نصيب لهم وذلك لأنهم لا ينتسبون إلى هذه القبيلة وهذا ظاهر .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والقرابة وأهل بيته وقومه يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه [ .

إذا قال : هذا وقف على قرابتي أو على أهل بيتي أو على قومي فإنه يشمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد ابنه وجده وجد أبيه فالنبي صلى الله عليه وسلم  هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم فإذا أوقف لقرابته فيدخل في ذلك أولاده ، وأولاد عبد الله وعبد الله ليس له من الولد إلا النبي صلى الله عليه وسلم – وأولاد عبد المطلب وأولاد هاشم ، فعبد الله أبوه ، وجده عبد المطلب ، وجد أبيه هاشم .

قالوا : بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل سهم ذوي القربى في أولاد هاشم وأولاد عبد المطلب ، وأولاده عليه الصلاة والسلام .

وقال الشافعية : بل يدخل في ذلك كل من ينتسب إلى أبيه ينتسب إليه هو ، وليس المراد الأب المباشر بل قد ينتسب إلى جده أو أبي جده ، كما يقال : بنو العباس وبنو جعفر أو بن هاشم وبنو مخزوم .

فإذا قال : هذا الوقف لقرابتي أو أهل بيتي أو لقومي دخل في ذلك كل من ينتسب إلى أبيه وهذا هو القول الراجح وهو أقرب إلى العرف .

فمثلاً : العائلة الفلانية إذا قال : رجل منهم هذا وقف على قرابتي أو قومي أو أهل بيتي يدخل فيها كل من يتسمى بهذه العائلة سواء كان من ولد أب الجد أو من ولد جد الجد وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم  بني المطلب من سهم ذوي القربى وهم من ولد جد جده .

وقد تقدم كلام شيخ الإسلام وأن مرجع هذه الألفاظ إلى العرف لا إلى دلالة اللغة ولا إلى دلالة الشرع .

وما تقدم من المسائل كذلك ، فإذا كان في عرف الناس عندنا أنه إذا قال : ( على ولدي ) لان يدخل في ذلك أولاد بناته فيحكم بذلك لأن هذا هو مراده ، بدليل أنه لو عرف أنا سنفهم مراده على غير هذا لاستثنى وقال : ( إلا ولد البنات ) فالواجب حمل كلام الناس ما يعتادون عليه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن عمل بها [

إذا قال : ( وقف على بنيه ) فلا تدخل فيه البنات فإذا كانت هناك قرينة تقتضي إعطاء الإناث ، أو حرمانهن في مسائل أخرى فإنه يعمل بها .

وهذا يخالف الشرع والعدل كما قرر هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي فالشخص لا يتصرف بماله بمقتضى شهوته وهواه ، وإن خالف الشرع والعدل بل الشرط ألا يخالف الشرع والقول ولا شك أن العدل بين الأولاد ذكورهم وإناثهم واجب .

فإذا تضمن لفظة في وقفه – تضمن حرمان صاحب حق أو اختصاص بعض الورثة بالوقف دون البعض الآخر فإن هذا ظلم وجود والشريعة تنهى عن ذلك .

فعلى ذلك لا ينظر إلى لفظة الذي يخرج به الإناث بل تعطى الإناث لوجوب العدل وتحريم الظلم ولو فتح هذا لسلكه كل من شاء حرمان الإناث من المال بأن يوقفه على أبنائه ونحو ذلك ، والواجب سد هذا الباب .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وأن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم [

إذا قال : هذا وقف على من يوجد في   من القبيلة الفلانية " وكان حصرهم ممكناً فحينئذ يعطون بالتسوية ويجب تعميمهم لأنه يمكن حصرهم . وظاهر إطلاق كلام التسوية بينهم .

وقال بعض الحنابلة : بل إذا كان هناك ما يقتضي التمييز للناظر التمييز ، كأن يكون بعضهم غنياً وبعضهم فقيراً فيميز غنيهم وفقيرهم ، أو بعضهم إناث وبعضهم ذكور فيميز بين ذكرانهم وإناثهم، وهذا هو القول الراجح كما تقدم تقريره في مسألة سابقة وأن شرطة المباح لا يعمل به ، وهذا شرط مباح ، فالمساواة بين الذكور والإناث – إن لم نقل بتحريمه – فيقال على أقل تقدير بإباحته ولا يعمل بالشرط المباح وإنما يعمل بالشرط المستحب وهذا القول هو الراجح .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإلا جاز التفضيل والاقتصار على أحدهم [ .

فإذا كان لا يمكن حصرهم كأن يقول : " هذه الدار وقف على كل قبيلة بني تميم وتميم أكثر قبائل العرب ، وهي دار لا يخرج فيها إلا عشرة آلاف فحينئذ يجوز التفضيل والاقتصار على أحدهم .

قالوا : لأنه لما أتى بهذا اللفظ الذي لا يمكننا العمل به إذ لا يمكنهم تعميم ذلك علم أنه يريد نفع هذا الجنس وهذا حاصل ينفع رجل واحد منهم .

قالوا : وعليه فإذا كان يجوز لنا أن نقتصر على واحد فإن التفضيل أولى ؛ لأنه إذا جاز حرمانه فإنه فكونه مفضلاً عليه من باب أولى .

أما إذا كانوا ابتداءً يمكن حصرهم ثم طرأ عليهم انتشار ونحو ذلك فأصبحوا لا يمكن حصرهم فحينئذ يجب أن يعمل الناظر بالتعميم حيث أمكن لأنه أراد تعميمهم .

 

فصل

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والوقف عقد لازم لا يجوز فسخه [ .

فالوقف عقد من العقود اللازمة وقد تقدم ما يدل على هذا .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا يباع [ .

فالوقف لا يباع خلافاً لأبي حنيفة ، لما تقدم في حديث ابن عمر وفيه : " أنه لا يباع " وقول أبي حنيفة مخالف للسنة فلا يلتفت إليه والجمهور على تحريم بيع الوقف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا أن تعطل منافعه [ .

إذا تعطلت منافعه بالكلية ، فأصبح لا ينتفع به فيجوز بيعه .

مثال ذلك : بنى مسجداً وقفاً في قرية فخربت هذه القرية فلم يبق فيها ساكن بل أصبحت مزارع وبساتين ، أو بنى طريقاً أو قنطرة أو نحو ذلك ثم حصل خراب في هذه المدينة فأصبحت هذه الأرض لا ينتفع بها وقد بنى بها قنطرةً أو طريقاً ، أو فتح مدرسة – فيجوز بيعه في المشهور من المذهب .

ومنع من ذلك الشافعية والمالكية تمسكاً بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع والراجح ما ذهب إليه الحنابلة.

لأن هذا هو الموافق لمقصود الشارع أولاً وقد نهى الشارع عن إضاعة المال وفي ترك هذا المال من غير أن ينتفع به إضاعة له وهو أيضاً موافق لغرض الموقف فإن غرض الموقف الانتفاع به وهنا قد مات الانتفاع به .

فإن لم تعطل منافعه لكن المصلحة الراجحة بيعه فهل يجوز بيعه أم لا ؟

1-                 المشهور في المذهب : المنع لنهي النبي صلى الله عليه وسلم  عن البيع .

2-                 وعن الإمام أحمد وهذه الرواية هي أظهر نصوصه وهو قول في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام وهو المعمول به في هذه البلاد في المحاكم أن ذلك جائز حيث المصلحة الراجحة .

وهذا هو الراجح ، لأنه أتم وأكمل في مقصود الشارع ومقصود الموقف .

فمثلاً : مسجد كان في موضع وهو لا يتسع إلا لمائة مصلٍ ، وحوله بيوت فإذا أردنا أن نوسعه احتجنا إلى شراء هذه البيوت بأثمان غالية وربما امتنع أصحابها من بيعها ، وفي نفس الحي أرض واسعة فهل يجوز أن نبيع أرض المسجد ونشتري هذه الأرض الواسعة ونبني بها بهذا الثمن مسجد ؟ الجواب : نعم للمصلحة الراجحة.

 

 

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويصرف ثمنه في مثله ولو أنه مسجد [ .

إن كان مسجداً فبمسجد ، وإن كانت مدرسة فبمدرسة ونحو ذلك وذلك لأن هذا هو الأقرب لمقصود الموقف ؛ فإن مقصوده بناء مدرسة أو بناء مسجد فإذا أخذنا الثمن ووضعناه في شيء آخر فإن هذا يخالف مقصوده فحينئذ يوضع فيما هو أقرب لمقصود الموقف فيبنى به مسجد أو  مسجد كأن يشتري به الأرض ثم يشرع أحد بناء مسجد عليها .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وآلته وما فضل عن حاجته جاز من فيه إلى مسجد آخر [ .

آلة المسجد من فرش وأدوات أخرى من كهرباء ، ونحو ذلك ، ما يفضل منه يجوز صرفه في مسجد آخر ، للمصلحة الراجحة وهو أقرب لمقصود الموقف.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ]  والصدقة به على فقراء المسلمين [ .

أي يجوز أن يتصدق به على الفقراء ، كأن تباع وتتصدق بها على الفقراء .

واستدلوا : بما روى البيهقي : أن شيبة كان يتصدق بخلقان الكعبة " أي أستارها " وأن عائشة أقرته بذلك " أي يبيع ستر الكعبة ويتصدق به على الفقراء . لكن الأثر إسناده ضعيف .

وعن الإمام أحمد أنه لا يتصدق به بل يصرف في مسجد آخر وقال صاحب الإنصاف :

( وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ) .

فعلى ذلك أن آلات المسجد الفاضلة عن حاجته ولا يظن أنه يحتاج إليها قريباً من فرش ونحو ذلك لا تباع فيتصدق بها بل تنقل إلى مسجد آخر ، وهكذا المصاحف ونحو ذلك كما يفضل عن حاجة المسجد .

 

مسألة :-

هل يجب تعمد الوقف على الموقوف من غلته أم لا ؟

إذا أوقف زيد داره على أولاده فهل إذا حصل فيها خراب أو نحو ذلك يجب عليهم أن يعمروها؟

·                    المشهور في المذهب : أنه لا يجب التعمير وهذا القول ضعيف جداً ، وذلك لأن فيه تسليطاً للبطن الأول عليه بإفساده ، بحيث يستقلون بمنافقة فلا يستفيد منه من بعدهم ، ففيه إضرار بمن بعدهم ولما فيه من الإضرار بالوقف ، ولأن العرف جار بوجوب ذلك في جميع الأوقاف وهو اختيار شيخ الإسلام واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، فالراجح وجوب تعميره .

 

مسألة :-

إذا قال : " هذا وقف على أولادي ولم يقل : ثم للمساكين ، فأنقرض أولاده فلمن يصرف ريع الوقف ؟

ثلاثة أقوال في هذه المسألة هي روايات عن الإمام أحمد :

1-                 القول الأول : وهو المشهور في مذهب أحمد والشافعي بأنه يصرف إلى قرابته لأنهم أولى بمعروفه .

2-                 القول الثاني : أنه يرجع إلى بيت المال ، ويصرف في المصالح لأنه مال لا مستحق له .

3-                 القول الثالث : واختاره القاضي من الحنابلة واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : أنه يكون للمساكين.

وهذا القول أرجحها وذلك لأن مصرف الصدقات المساكين ، والوقف صدقة كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم لعمر : ( احبس أصلها وتصدق بها ) ومصرف الصدقات المساكين ولذا فمن نذر صدقة مطلقة فإنها تصرف للمساكين .

 ومع ذلك فإن الأولى والأحق هم قرابته المساكين فهم أولى بمعروفه ، لكن لا يعطى الغني منهم ، فإن ظاهر المذهب الأول أنه يعطي الغني منهم أيضاً ، والصحيح أنه للمساكين وأولى المساكين بذلك هم قرابته .


باب الهبة والعطية

 

الهبة والعطية : هما إعطاء المال بلا عوض .

والعطية هنا هي الهبة في مرض الموت ، وأما الهبة فهي في حال الصحة هذا هو الفرق بين الهبة والعطية هنا.

والفرق بين الهبة والعطية والهدية وبين الصدقة : أن الهبة والعطية تعطي لشخص معين يقصد بها نفعه و أما الهدية فيقصد بها التودد و لإكرام ، وقد قال صلى الله عليه وسلم  : ( تهادوا تحابوا ) رواه البخاري في الأدب المفرد وهو حديث حسن وأما الصدقة فهي عبادة يقصد بها النفع الأخروي ولا يقصد بها أحد بعينه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة كما في الصحيحين .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى:] وهي التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره[

 فالهبة هي التبرع : فيخرج من ذلك المعاوضة ، والمعاوضة بيع .

" بتمليك " احتراز من العارية ، فإن العارية ليست بتمليك فإنه يدفع عين ماله لمن ينتفع به لا تمليكاً وإنما من باب إباحة نفع العين .

" المعلوم الموجود " فيشترط أن يكون المال الموهوب أن يكون معلوماً لا مجهولاً وأن يكون موجوداً لا معدوماً – هذا هو المذهب - .

" في حياته " لا بعد موته ، فكونه يمتلكها بعد الموت هذه وصية فإذا قال له : هذه الدار لك بعد موتي فهي وصية .

" غيره " فهي تمليك للغير ، ويشترط أن يكون الواهب جائز التصرف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن شرط فيها عوضاً معلوماً فبيع [ .

إن شرط على الهبة عوضاً معلوماً فهي بيع وليست بهبة فإذا قال : " وهبتك داري على أن تهبني فرسك " فلا تكون هبة بل تكون بيعاً للمعاوضة فيها ، هذا هو المشهور في المذهب .

قال شيخ الإسلام : ( ومن وهب ليعاوض على هبته أو ليقضي له فيها حاجة فلم يوفى فهو كالشرط ) أي كأنه قال : " وهبتك هذا الشيء بشرط تعاوضني " أو بشرط أن تقضي لي الحاجة والمسلمون على شروطهم

فإن كان العوض مجهولاً فلا يصح إذا قال : " وهبتك هذا الشيء على أن تهبني كذا وكذا وذكر شيئاً مجهولاً " كأن يقول : " على أن تقضي لي حاجة أو على أن تعطيني عوضها ولم يذكر هذا العوض ، فحينئذ يكون البيع غير صحيح ، لأنه بيع في المذهب ومن شروط البيع أن يكون الثمن معلوماً.

وعن الإمام أحمد : ومال إليه أبو الخطاب من الحنابلة في هذه المسألة – أنه يعطيه ما يرضيه ، فحينئذ تزول الجهالة لقول عمر الثابت في موطأ مالك بإسناد صحيح : أنه قال : ( من وهب هبةً أراد عليها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرضى منها) فقد سماها هبة مع ما فيها من الثواب.

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا يصح مجهولاً [ .

أي لا يصح أن يكون الموهوب مجهولاً ، فإذا قال : " وهبتك الحمل الذي في بطن ناقتي " مثلاً فلا يصح .

ومثله المعدوم ، فإذا قال : " وهبتك تمر السنة القادمة من نخلي " فلا يصح لأنه معدوم ، ومثله إذا قال : " وهبتك العبد الآبق فلا يصح لأنه غير مقدور على تسليمه " . قالوا : قياساً على البيع .

واختار شيخ الإسلام وهو مذهب مالك صحة كون الموهوب مجهولاً وهو اختيار الشيخ إبراهيم عبد اللطيف آل الشيخ و اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو الراجح.

وذلك للفرق بين التبرع والمعاوضة ، فإن الهبة هنا عقد تبرع في الأصل وإن وقع فيها في بعض صورها المعاوضة لكنها في الأصل عقد تبرع .

والبيع عقد معاوضة ، ويغتفر في عقود التبرعات ما لا يغتفر في عقود المعاوضات وذلك لعدم الغرر إذ لا غرر فقد بذل له هذا الشيء بلا عوض ، فإن حصل على الصفة التي يريدها وإلا لم يضره و هو القول الراجح

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا ما تعذر علمه [ .

 إن تعذر علم الشيء فهبته جائزة ، كالصلح .

قالوا : وذلك فيما إذا كان الشيء غير متميز ؛ فملكه لا يتميز عن ملك غيره فوهب أحد المالكين نصيبه للآخر فإذا اختلط زيته بزيت غيره على وجه لا يتميز به فلكل واحد منهما أن يهب نصيبه للآخر للحاجة .

والصحيح ما تقدم وأن هبة المجهول صحيحة مطلقاً في هذه الصورة وغيرها .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وتنعقد بالإيجاب والقبول [ .

أي أن يقول : وهبتك ، ويقول الموهوب له : قبلت ونحو ذلك من الألفاظ .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وبالمعاطاة الدالة عليهما [ .

 فإذا دفع له الشيء وقبله الآخر فعلاً على وجه المعاطاة الدالة على الهبة فكذلك ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يهدون ويُهدى إليهم وكان سبيلهم في ذلك المعاطاة فلم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول ولو كان شرطاً لنقل نقلاً بيناً ، وهذا ظاهر .

إذن : تثبت الهبة بكل قول أو فعل يدل عليها .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وتلزم بالقبض [ .

إذن : الهبة تنعقد بالقول الدال عليها أو الفعل الدال عليها ولا تلزم إلا بالقبض .

فإذا قال : " وهبتك داري " ولم يخل بينه وبينها ، أو قال " وهبتك هذا الطعام " ولم يقبضه إياه ، فإن الهبة لا تلزم ودليل هذا : ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ) فذكر الإمضاء وهو الإقباض .

ولما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح : أن أبا بكر قال لعائشة : ( إني كنت قد نحلتك عشرين وسْقاً ولو أنك جددتيه أو حزتيه لكان لك وإنما هو مال وإرث ) وهو قول عمر كما في مصنف عبد الرزاق ، وذكره المروذي – من أصحاب أحمد – عن الخلفاء الأربعة وقال الظاهرية: بل تلزم بمجرد القول أو الفعل الدال عليها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس لنا مثل السوء ، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ) متفق عليه .

والجواب : إن هذا حديث عام ويخصص بما ثبت عن الصحابة كما تقدم فيدل على أن المراد به ما يكون بعد القبض.

 و ليس في الهبة خيار لأنها ليست بمعاوضة إلا الهبة التي شرط فيها العوض.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] بإذن واهب [ .

فلابد من إذن الواهب في القبض وذلك لأن القبض بلا إذنه تفويت لحقه في الرجوع .

وهل تكون ملكاً للموهوب له قبل قبضها أو تكون ملكاً للواهب ؟

قولان في المذهب و المشهور في المذهب أنها ملك للموهوب له ، فالنماء له لأن الضمان عليه و هو الراجح لأنها تملك من حين العقد.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا ما كان في يد متهب [ .

المتهب هو الموهوب له .

رجل وضع وديعة عند آخر ثم قال له : " هي لك " فحينئذ لا نقول يلزم القبض لأنها عنده ، فالقبض مُستدام فلم يشترط ابتداء قبض .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ووارث الواهب يقوم مقامه [ .

فله حق الرجوع ، إذا وهب زيد لعمرو ، ولم يقبضها عمرو ، ثم مات زيد فهل لابن زيد وهو بكر مثلاً أن يرجع فيها ؟

الجواب : وله أن يرجع فيها وذلك لأنهم ورثة لحقوقه وهذا حق من حقوقه فورث كسائر حقوقه .

وتبطل الهبة بموت المتهب أي الموهوب له .

إذا وهب زيد لعمرو هبةً فمات عمرو قبل أن يقبضها ، فالهبة تبطل وذلك لعدم القبض وإن قبضها رسوله أو وكيله فهو قبض .

مثال ذلك : إذا أعطى زيد رسول عمرو أو وكل عمرو ، أعطاه هديةً فمات عمرو قبل أن يصل إليه رسوله أو وكيله فهي ملك له لأن قبض رسوله وقبض وكيله يقوم مقام قبضه هو.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن أبرأ غريمه من دينه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة أو نحوها برئت ذمته ولو لم يقبل [ .

في ذمة زيد لعمرو عشرة آلاف ريال ، فقال عمرو : قد أبرأت ذمتك من هذا الدين ، فلا يشترط القبول من الغريم المدين ، بل تبرأ ذمته ولو لم يقبل هذا هو المشهور في المذهب .

والقول الثاني في هذه المسألة وهو اختيار الشيخ ابن سعدي وهو قول في المذهب : أنه لا يجبر على القبول وذلك لأن في إجباره على القبول إجباراً على أن يكون تحت منَّة غيره ، وأيضاً : هذه هبة ديون وأوصاف فأشبهت هبة الأعيان فكما أنه إذا أهدى له عيناً فيشترط قبوله لها ولا تدخل في ملكه إلا أن يرضى بذلك ، فكذلك في هبة الديون ، إذ لا فرق وهو الراجح .

وأما الحنابلة فقالوا : هو إسقاط حق فلم يفتقر إلى قبول وهذا تعليل ضعيف ، فالراجح أنه يفتقر إلى قبول ، وذلك لئلا يجبر على أن تكون تحت منة غيره ، ولأنه لا فرق بين هبة الأعيان وبين هبة الأوصاف والديون .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويجوز هبة كل عين تباع وكلب يقتنى [ .

فكل عين يصح بيعها يجوز هبتها ، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته كأم الولد والوقف ونحو ذلك .

هذا إذا كان النهي عن بيعه للنهي عن نقل اليد عنه كأم الولد هنا وأما إذا كان لمعنى آخر وهو عدم ماليته فلا ، ولذا قال المؤلف : ( وكلب يقتنى ) فالكلب الذي يقتنى لا يباع لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعه وهذا ليس للنهي عن نقل اليد عنه وإنما لعدم ماليته فصحت هبته وهو اختيار الموفق .

والقول الثاني في المذهب : أن هبة الكلب لا تصح وهو ضعيف . قالوا : كالبيع فكما أن البيع لا يصح فكذلك الهبة ، وهذا ضعيف ، وذلك لأن النهي عن بيع الكلب ونحوه لعدم ماليته لا لئلا ينقل عن اليد ، بخلاف النهي عن بيع أم الولد ونحوها فالنهي لئلا تنقل عن اليد .

 

مسألة :

إذا وهب هبة معلقة كأن يقول : " وهبتك هذه الدار إن جاء زيد أو إن دخل شهر رمضان " أو نحو ذلك .

أو وهبه هبةً مؤقتة كأن يقول : " وهبتك هذه الدار سنة أو نحو ذلك "

فمذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء ، ولم يذكر الحنابلة خلافاً في هذه المسألة أن هذا لا يجوز ولا تصح الهبة لأن الهبة تراد للتمليك كالبيع ، وإذا كانت معلقة أو مؤقتة فهذا ينافي تمليكها المؤبد .

وقال ابن القيم : بل يصح تعليقها وتوقيتها لأن الأصل في الشروط الصحة ولا دليل يمنع من ذلك وهذا فيه قوة ويأتي ما يدل عليه في المسألة الآتية :

 
مسألة : -

العُمرى والرُقبى ، العمرى : أن يقول أعمرتك هذه الدار يعني ملكتك إياها عمرك ، أو يقول : لك هذه الدار ما عشتَ أو ما حييتَ أو ما عشتُ أو ما حييتُ .

وأما الرقبى : أن يقول : أرقبتك هذه الدار فإن مت قبلي فهي لي وإن مت قبلك فهي لك من المراقبة لأن كل منهما يرقب الأخر من لترجع إليه .

و لها ثلاث حالات : -

1-      الحالة الأولى : أن ينص على أنها تكون لعقبه من بعده فيقول : " أعمرتك الدار لك ولعقبك من بعدك " فلا خلاف بين أهل العلم على أنه يملكها ملكاً مستقراً لا ترجع بعده للمعير المتبرع .

2-      الحالة الثانية : أن يطلق فيقول : " أعمرتك هذه الدار ولا ينص على " ما عشتُ " ونحو ذلك . فالجمهور على أنها لا ترجع إليه أيضاً .

قال المالكية : بل ترجع إليه وذلك لأن لفظ العمرى يدل على الشرط والمسلمون على شروطهم ، فكأنه قال : " هي لك عمرك أو هي لك ما حييت "

3-      الحالة الثالثة : أن ينص على الشرط فيقول : " أعمرتك هذه الدار ما عشتَ أو ما حييتَ أو ما بقيتَ أو ما عشتُ وما بقيتُ ونحو ذلك فمذهب الجمهور أنها تكون للموهوب له ولعقبه من بعده.

ومذهب مالك أن الشرط هنا معتبر فترجع إلى صاحبها وهو اختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب .

فقالوا : الشرط هنا معتبر لأن المسلمين على شروطهم .أما الجمهور فاستدلوا: بقول النبي صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه :( العمرى لمن وهبت له ) قالوا : ولقوله صلى الله عليه وسلم في مسلم من حديث جابر : ( أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإن من أرقب شيئاً أو أعمر شيئاً فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه ) قالوا : فدل على أنها تكون للمعمَر ولا ترجع للمعمِر وتكون للمعمَر ولورثته من بعده .

وأما من قال بأنها مع الشرط ترجع إلى المعمِر : فلما ثبت في مسلم من قول جابر : قال : ( إنما العمرى التي أجازها النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول وهي لك ولعقبك من بعدك ) وأما إن قال : ( هي لك ما عشتَ فإنها ترجع إلى صاحبها ) وهذا يقوي ما ذهب إليه الإمام مالك في هذه المسألة .

و يقوي ايضاً ما ذهب إليه ابن القيم في المسألة المتقدمة من صحة الهبة المؤقتة ومثلها من باب أولى المعلقة .

فالصحيح : أن العمرى تكون للموهوب له ولورثته من بعده سواء قال : "العمرى لك ولعقبك من بعدك ) أو قال : " هي عمرى لك " ولم يشترط .

أما إن اشترط فإنها تكون للمعمَر ما بقى حياً فإذا مات فإنها ترجع إلى معمِرها

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويجب التعديل في عطية أولاد بقدر إرثهم [

يجب على الوالد أياً كان  في التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم للذكر مثل حظ الأنثيين . فيجب على الأب والأم أن يعدلوا بين أولادهم في أصل العطية وقدرها فلا يختص أحد الأولاد بعطية دون بقيتهم .

وذلك لما ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفعلت هذا بولدك كلهم ) قال : لا ، فقال النبي صلى الله عليه   وسلم : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) قال النعمان : فرجع أبي فرد تلك الصدقة ، وفي رواية في الصحيحين : ( إني لا أشهد على جـور ) وفي مسلم : (أشهد على هذا غيري ثم قال : أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء قال : بلى قال فلا إذن ) . فقوله : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) يدل على وجوب العدل بين الأولاد، وقوله : ( إني لا أشهد على جور ) يدل على أن تركه جور ، والجور محرم على فاعله ومحرم أيضاً على المعطى تناوله هذا هو المشهور في المذهب .

وقال الجمهور باستحباب العدل بين الأولاد في العطية واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أشهد على هذا غيري ) وهذا استدلال ضعيف ، فإن مراد النبي صلى الله عليه وسلم التهكم بدليل قوله : ( لا أشهد على جور) .

والراجح : ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب ذلك ؛ وأن التعديل بينهم يكون بقدر إرثهم للذكر مثل حظ الأنثيين وأما قوله صلى الله عليه وسلم – في رواية النسائي – من حديث النعمان : ( ألا سويت بينهم ) فإنه لا يدل على التسوية بين الذكر والأنثى ، بل المراد التسوية في أصل العطية ، أي ألا سويت بينهم في أصل العطية فأعطيت هذا كما أعطيت هذا ، لا في قدر العطية ويحتمل أنه ليس له إلا ذكور والعدل بين الأولاد في العطية ينفي الحسد والعداوة التي قد تقع بين الأولاد ، فإن عدم العدل بينهم مظنة الحسد والعداوة بينهم . كما هو مظنة العقوق لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء) وظاهر كلام المؤلف وجوب التسوية بين الأولاد إلا إذا كان أحدهم ذكراً والآخر أنثى فيعطى الذكر مثل ما للأنثيين ، ظاهر كلامه هذا ، ولو كان هناك معنى يقتضي التخصيص كأن يكون بعض ولده فيه زمانه أو عمى أو له اشتغال بعلم أو دعوةٍ أو غير ذلك تقتضي تخصيصه بالعطية ، هذا ظاهر كلام المؤلف وهو المذهب .

وعن الإمام أحمد أنه إذا كان هناك معنى يختص به أحد منهم فيجوز أن يفضل في العطية وهو الراجح ، وقد رجحه الموفق ؛ وذلك قياساً على تفضيل الذكر على الأنثى فإن الذكر إنما فُضل على الأنثى لمعنى يختص به ، فإذا كان في بعض بنيه معنى يختص بالتفضيل كأن يكون فقيراً أو مريضاً زمناً أو نحو ذلك فإنه يجوز تخصيصه بالعطية وتفضيله و لا يجب التسوية في النفقة لأنها بقدر الكفاية من نكاح أو مركب و نحو ذلك

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] فإن فضل بعضهم سوى بينهم برجوع أو زيادة [

إذا فضل بعض أولاده تفضيل جور فنهي عنه فإنه يجب عليه أن يسوي بينهم إما بأن يرجع صدقته وعطيته وإما أن يعطي الآخر أو يزيده حتى يسوي بينهم .

إذا أعطى الذكر ولم يعط الأنثى شيئاً فنقول : إما أن تأخذ هذه العشرة آلاف فترجع بهبتك ، وإما أن تعطي الأنثى خمسة ألف وإن كان أعطاها آلفاً أو ألفين فنقول : زد حتى تصل إلى خمسة آلاف.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن مات قبله ثبتت [ .

وهب الأب ولده هبةً ، وكانت هبة جور حيث أنه قد خصه بها دون باقي أخوته فمات الوالد ولم يرجع عن هذه الهبة فإنها تثبت للولد ، وليس لباقي الورثة المطالبة بها – هذا هو المشهور في المذهب - .

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قول طائفة من الحنابلة : أن لهم أن يرجعوا ، فللورثة أن يطالبوا بها وهذا هو الراجح .

وذلك لأن هذه العطية عطية جور وظلم ، والظلم محرم على فاعله ومحرم أيضاً تناوله ، وهذا قد تناوله جوراً وظلماً فكان لمن له حق أن يطالب به ، فأخذ هذا الموهوب له بغير حق فكان للورثة المطالبة به .

وفي قوله : ( في عطية أولاده ) : ظاهره أن التعديل الواجب في الولد دون سائر أقاربه كإخوانه أو بني عمه أو نحو ذلك . وفي المسألة قولان في المذهب :

أشهرهما التعديل واجب في سائر الأقارب .

و الراجح عدم وجوب التسوية لأن الأصل هو جواز تصرفه في ماله وإنما استثنى الأولاد لمعنى يختص بهم وهذا المعنى لا يثبت في الأقارب فلم يلحقوا بهم و هو المتقدمين من أصحاب أحمد و اختاره الموفق.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة [ .

الهبة اللازمة تقدمت وهي الهبة المقبوضة فلا يجوز للواهب أن يرجع في هبته التي قبضها المتهب للحديث المتقدم : ( ليس لنا مثل السوء العائد في هبته ، كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ) متفق عليه .

وظاهره ولو كان يريد بها الثواب ، فإذا وهب هبة بها الثواب فليس له الرجوع هذا هو المشهور في المذهب .

وقال المالكية والأحناف : بل له الرجوع فإذا دلت القرائن أنه يريد بذلك الثواب فله الرجوع إذا لم يثبت وهذا هو الراجح وتقدم ما يدل عليه من قول عمر في موطأ مالك : ( من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرضى منها ) .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا الأب [ .

فالأب يجوز له أن يرجع في هبته لولده لما ثبت عند الخمسة – وصححه الترمذي والحديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ).

قال الحنابلة : فإذا كانت الهبة قد زادت زيادة متصلة ، كأن يعطيه من صغار الغنم أو الإبل فتنمو ، ففيها زيادة متصلة قالوا : فليس للأب الرجوع لهذه الزيادة المتصلة وهذا ضعف لعموم الحديث المتقدم ، ولما سيأتي تقريره من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنت ومالك لأبيك ) والذي يتبين لي أن هذه المسألة نظير قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنت ومالك لأبيك ) فالأب له أن يأخذ من مال ولده ما شاء بشروطهم التي سيأتي ذكرها ، ولذا جاز له الرجوع في هبته لأنه إذا جاز له أن يأخذ من مال ولده ما هو مال للولد أصلاً فأولى من ذلك أن يرجع في هبته.

إذن : المشهور في المذهب : أنه إذا زادت الهبة زيادة متصلة فليس للأب الرجوع وعن الإمام أحمد وهو اختيار عبد الرحمن بن سعدي أنه يجوز الرجوع وهو الراجح لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إلا الوالد ) وهذا عام سواء كان فيها زيادة متصلة أم لم يكن فيها زيادة متصلة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه [ .

له – أي للأب – أن يأخذ من مال ولده ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنت ومالك لأبيك ) رواه ابن ماجه والحديث صحيح .

 وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ) رواه الخمسة بإسناد صحيح . ولقوله تعالى : ) ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ( ولم يذكر بيوت الأبناء فهم داخلون في بيوت الأب ، فللأب أن يتملك من مال ولده ما شاء بالشروط الآتي ذكرها : ويشترط في الأب أن يكون حراً ، فإن كان عبداً فليس له أن يتملك من مال ولده وذلك لأن مال العبد مال لسيده ، فإنه حينئذ يخرج من ملكية الولد لا إلى ملكية الوالد بل إلى ملكية سيده فاشترط أن يكون الأب حراً .

ويشترط أن يكون الأب مسلماً – كما قرره شيخ الإسلام وصوبه صاحب الإنصاف وكذلك – الأشبه كما قال شيخ الإسلام فيها إذا كان الولد كافراً فيشترط أن يكون الأب كافراً كالإرث فلا إرث مع اختلاف الدين فكذلك في هذه المسألة وجواز الأخذ خاص بالأب فلا يدخل في ذلك الجد ولا الأم لأن هذا الحكم خلاف الأصل ، فإن الأصل أنه لا يخرج من ملك الآدمي شيء إلا بطيب نفس منه والجد و الأم ليسا في معنى الأب ، فإن الأب أكمل شفقة من الجد وأحسن تصرفاً من الأم .

( فلا يضره ولا يحتاجه ) هذا هو الشرط الأول وهو أن لا يضر هذا الأخذ بالولد، فللأب أن يأخذ من ولده ما شاء سواء كان الأب غنياً أو فقيراً وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى كبيراً بالغاً رشيداً أو غير ذلك – بشرط ألا يضر به ولا يجحف .

وبشرط آخر ألا يحتاج إليه فما كان من حاجاته كمسكنه وملبسه وخادمه ومركبه ونحو ذلك من حاجاته فلا ، لما في ذلك من الحرج .

والشرط الثالث : أن لا يأخذ منه فيعطي ولداً آخر.

الشرط الرابع : ألا يكون في مرضه الخوف لا الأب ولا الابن لانقعاد الإرث حينئذٍ – ويأتي الكلام عليه في باب الوصايا .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] فإن تصرف في ماله ولو قيما وهبه له ببيع أو عتق أو إبراء ....... لم يصح  [ .

إذا تصرف الوالد في مال ولده ، ولو فيما وهبه الوالد لولده إذا تصرف به ببيع ، أو تصدق به ،

 أو وهبه لأحد من الناس أو أعتقه كأن يعتق عبد ولده ، أو تصرف فيه بإبراء كأن يبرئ غريم ولده من دين ولده ، أو أراد أخذ هذه الهبة التي وهبها لولده قبل رجوعه أي قبل قوله رجعت عن الهبة أو تملكه بالقول، كأن يقول هذا لي ، أو نية بأن ينوي أن يتملك هذا الشيء وقبض معتبر لم يصح هذا التصرف.

صورة هذه المسألة : لو أن رجلاً باع شيئاً من ملك ولده كأن يبيع عبده أو راحلته أو داره أو أن يعتق عبده أو يهب شيئاً من ماله ، فيتصرف الأب قبل أن يتملكه بأن يقول هو ملك لي ويقبضه من ولده قبضاً معتبراً ، فلابد مع القول من قبض ، وكذلك لابد مع النية من قبضٍ .

فإذا تصرف قبل تملكه أو رجوعه عن الهبة فتصرفه باطل فبيعه باطل وعتقه باطل وهبته باطلة وإبراؤه كذلك.

إذن : ليس للوالد أن يتصرف في مال ولده حتى يقبضه تملكاً أي قبضه مع قول يدل على الملك أو نية الملك فحينئذٍ له أن يتصرف فيه وإلا فتصرفه باطل .

وذلك لأنه ملك لولده فلا يصح أن يتصرف فيه الوالد حتى يثبت ما يدل على ملكيته له بقول أو نية مع القبض ، أو رجوع في الهبة هذا هو المشهور في المذهب .

وعن الإمام أحمد أنه يصح واختاره شيخ الإسلام و الشيخ عبدالرحمن ابن سعدي وهو القول الراجح في هذه المسألة لأن تصرفه فيه ببيع أو عتق أو إبراء ونحو ذلك متضمن للتملك وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أنت ومالك لأبيك ) .

وإذا قلنا : قد تصرف في غير ملكه فهو خلاف قوله صلى الله عليه وسلم:( أنت ومالك لأبيك ) فهذا الحديث يدل على أنه ملك للأب ، وهذا كله مع توفر الشروط المتقدمة.

لكن إن كان تصرفاً يضر بالولد أو فيما يحتاج إليه الولد فحينئذٍ التصرف باطل أو موقوف على الإجازة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] بل بعده [ .

أي بعد القول أو النية مع القبض المعتبر ، أو الرجوع في الهبة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه [ .

ليس للابن أن يطالب أباه بدين ولا نحوه كأرش جناية ولا غير ذلك مما يكون في ذمة الوالد.

وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنت ومالك لأبيك ) .

وقال الجمهور : بل له أن يطالبه لأنه دين ثابت فكان كدين الأجنبي والجمهور لا يرون العمل بحديث : ( أنت ومالك لأبيك ) بل هو من مفردات المذهب والأحاديث حجة عليهم .

وقال بعض الحنابلة : ويحتمل أن له الطالبة مع غنى الوالد وحاجة الولد .

وهذا هو الراجح وأنه ليس له أن يطالب والده ، إلا أن يكون الوالد غنياً وهو محتاج ، وذلك لأن الوالد ليس له أن يتملك حينئذٍ فكان له أن يطالبه .

وهل له أن يرجع إلى التركة بعد وفاة الوالد أم لا ؟

الجواب : نعم له أن يرجع هذا هو المشهور في المذهب لأنه دين ثابت فكان كدين الأجنبي.

لكن إن أخذه الوالد تملكاً فلا ، أو أسقطه الوالد وله الإسقاط فكذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أنت ومالك لأبيك ) .

إذن : له أن يرجع إلى تركة أبيه إلا أن يكون الوالد قد أخذه تملكاً فحينئذٍ يكون قد خرج من ملكيته.

وقبل ذلك لو أسقطه الوالد من ذمته وقال : لا شيء لك في ذمتي وكان الولد غنياً عنه ليس مضطراً ولا محتاجاً إليه وتوفرت الشروط في تملك الوالد ، فله أن يُسقط .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] إلا بنفقته الواجبة [ .

حيث كان الولد عاجزاً عن التكسب فإن له مطالبة والده بالنفقة الواجبة .

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وحبسه عليها [ .

فللولد إن وصل الأمر إلى حبس الوالد حتى يعطيه النفقة الواجبة فله ذلك ، وهذا من باب حفظ النفس لأنه قائم بهذه النفقة الواجبة فحياته قائمة بذلك فهو حق واجب له .

مسألة : إن أهدى للشخص هدية أو تُصدق عليه بصدقة فأحكامها كأحكام الهبة تماماً .

مسألة : فإن وهب له هبة ولها وعاء ، فهل يدخل وعائها فيها أم لا ؟

إذا أهدى إليه تمراً في إناء ، أو طعاماً في إناء ، فهل يدخل الطعام في الهدية أم لا ؟

الجواب : مرجع ذلك إلى العرف ، فإن كان العرف يدل على هذا دخل في الهدية وإلا فإنه لا يدخل فيها .


فصل في تصرفات المريض

 

تقدم أن الهبة في مرض الموت تسمى عطية في اصطلاح الفقهاء .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] من مرضه غير مخوف [ .

المرض المخوف : هو المرض الذي يخشى معه الموت ، ومرجع هذا إلى العادة أو إلى قول طبيبين ذوي خبرة مسلمين ثقتين ولا يشترط أن يكون ظن الموت غالباً في المرض ولا أن يكون ظن الموت مساوياً لرجاء سلامته بل متى ما كان يخشى معه الموت كثيراً فإنه مرض مخوف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن كان مخوفاً كبَرسام [ .

البرسام : مرض من الأمراض المخوفة قالوا : أن يتبخَّر من الباطن بخار فيفسد الدماغ، ولا أدري ما تسميته عند المعاصرين .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وذات الجنب [  .

ذات الجنب مرض : يصاب به الجنب من الباطن بقروح .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ووجع قلب ودوام قيام [  .

أي دوام قيام إلى خلاء بإسهال مزمن ممرض .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ورعاف دائم ، وأول فالج [ .

الفالج : مرض يصيب البدن فيرتخي بعض أطرافه ، فلا تتحرك هذه الأطراف وهو أشبه بالجلطة.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وآخر سل [ .

السل : قروح تصيب الرئة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] والحمى المطبقة والربْع [ .

الحمى المطبقة : أي المستمرة ، والحمى معروفة وهي حرارة تكون في البدن .

" والرُبع " أي الحمى الربع وهي أن تصيبه يوماً ثم تتركه يومين ثم تعود إليه في اليوم الرابع وهذه أمثلة وإلا فالمرجع في ذلك إلى ما يراه الناس في العادة أنه مرض مخوف .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وما قال طبيبان مسلمان عدلان إنه مخوف [ .

فما قال طبيبان مسلمان عدلان إنه مرض مخوف ، وذلك لما يترتب على ذلك من حق الوارث وحق المعطى  فاشترط أن يكون من طبيبين ثقتين مسلمين .

والقول الثاني في المذهب وهو ظاهر قول الخرقي : أن قول الطبيب الواحد يقبل مع العدم .

ويستدل له : بما روى الإمام أحمد في مسنده وغيره : (  أن عمر لما جُرح سقاه الطبيب لبناً فخرج من جرحه فقال : اعهد إلى الناس فعهد ) و هو الراجح

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن وقع الطاعون في بلده [ .

فإذا وقع الطاعون في بلد ، فوقوعه فيها مخوف فيخشى  التلف فيكون له حكم المرض المخوف.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن أخذها الطلق [ .

أي المرأة يأخذها الطلق .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] لا يلزم تبرعه لوارث بشيء [ .

فالمريض مرضاً مخوفاً أو من وقع في بلده الطاعون ، أو من كان عند التحام الصف و نحو ذلك فهبته تكون في حكم الوصية ، فإن كانت فلا يلزم هذا التبرع لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا وصية لوارث ) وهنا – كما تقدم – حكم الهبة كحكم الوصية .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه [

فإذا وهب نصف ماله لأجنبي - في مرضه المخوف – فإذا مات الواهب ، فلا يُعطي هذا الأجنبي نصف المال الذي وهبه إياه في مرض الخوف بل يُعطي الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم: ( الثلث والثلث كثير ) إلا أن يجيز هذا الورثة ، فإذا رضى الورثة بذلك فإن هذا إسقاط لحقهم ، فإنه إنما يمنع لحق الورثة ، فإذا أجاز ذلك الورثة فقد أسقطوا حقهم .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وإن عوفي فلصحيح [ .

إذا عوفي هذا المريض مرضاً مخوفاً فإن هذه الهبات تلزم من جميع المال وذلك لفقدان الشرط الآخر وهو أن يكون هذا المرض قد اتصل به الموت ، وهنا لم يتصل به الموت لأنه لما لم يمت به فهذا يدل على أنه ليس مرض الموت .

و قد اتفق عليه أهل العلم على أن المرض المخوف الذي يتصل به الموت له حكم الوصية و دليله ما ثبت في مسلم : ( أن رجلاً من الأنصار اعتق ستة أعبد في مرضه ولا مال له غيرهم فدعابهم النبي صلى الله عليه وسلم وجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ) وهذا في العتق فكذلك الهبة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله [ .

الجذام : مرض تتساقط به الأعضاء .

 فإذا امتد به هذا المرض المخوف ولم يقعده على فراشه فإن ما يهبه من الهبات تكون من جميع المال لا من الثلث .

إذن : له حكم تصرف الصحيح . أما إذا أقعده في فراشه فليس له حكم تصرف الصحيح بل له الحكم المتقدم فيكون له حكم الوصية ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام .

والقول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد وهو وجه في المذهب : أنه له حكم الوصية أيضاً وإن لم يقعده على فراشه و الراجح الأول لأنه إذ لم يقعده فإنه يستبطي الموت فيتصرف بماله تصرف الأصحاء بأمل البقاء و يخشى الفقر.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويعتبر الثلث عند موته[ .

فيعتبر الثلث عند موته لا حال هبته وعطيته .

رجل يملك تسعين ألفاً ويعد في مرض مخوف فأعطى رجلاً ثلاثين ألفاً – أي هبة – فهي ثلث ماله حال العطية ، ثم انفق على نفسه من المال فبقى له عند موته ستون ألفاً ، فأصبحت الثلاثون ألفاً نصف ماله .

فالحكم : أنه يعتبر الثلث عند موته وذلك لأن هذا هو زمن استحقاق الوصية ولزومها فالهبة هنا لها حكم الوصية.

وإذا أعتق في مرضه المخوف وليس له سوى هذا العبد ، وعند الموت أصبح يملك ثلاثة أعبد فإنه يعتق عليه هذا العبد لأنه ثلث ماله ولو وهب رجلاً ثلاثين ألفاً في مرضه المخوف ، وعند موته كان عليه ديونه يستغرق هذه الثلاثين ألفاً فحينئذ تقدم ديونه ولا شيء للمعطى.

إذنه : العبرة بحال الموت ، فيعتبر الثلث بحال موته لا عند العطية .

و عليه فلا يتصرف هذا المعطى إلا بتوثيق للورثه.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويسوي بين المتقدم والمتأخر في الوصية ، ويبدأ بالأول فالأول في العطية [ .

هنا فوارق بين الوصية والعطية .

1-      الفارق الأول : أنه يسوي بين المتقدم والمتأخر في الوصية فإذا أوصى لزيد بعشرة آلاف ، ثم أوصى لعمرو بعشرة آلاف ومات عن ثلاثين ألفاً ، فالثلث هو عشرة آلاف ، فكل واحد منهما يأخذ خمسة آلاف فيسوى بين المتقدم والمتأخر وذلك لأن الوصية تبرع بعد الموت ، فهو تبرع مشروط بالموت والموت يحصل دفعةً واحدةً فاستويا ولم يسبق أحدهما الآخر في الملكية .

وأما العطية فيقدم الأول فالأول ، فإذا وهب زيداً عشرة آلاف – في مرضه المخوف – ثم وهب عمراً عشرة آلاف ، ثم مات وترك ثلاثين ألفاً ، فالثلث عشرة آلاف نعطيها زيداً ولا يكون لعمرو شيئٌ ، لأن الأول يقدم .

وهذا الفارق بينهما علته : أن العطية لازمة بخلاف الوصية فإنها جائزة ولا تلزم إلا بالموت ، ففي العطية يكون ملك زيد سابق لملك عمرو .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ولا يملك الرجوع منها [ .

هذا فارق آخر بين العطية والوصية وهو أن العطية لا يملك الرجوع فيها فإذا وهب في مرضه المخوف زيداً عشرة آلاف وقبضها زيد فإنه لا يملك الرجوع فيها ، لأنها أصبحت لازمة .

وأما الوصية فيملك الرجوع فيها فلو أن رجلاً في مرضه المخوف أو قبل ذلك أوصى بثلث ماله ثم بدا له أن يرجع فله ذلك لأنها لا تلزم إلا بالموت وهذا فارق آخر .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] ويعتبر القبول لها عند وجودها [ .

فالعطية يعتبر القبول لها عند وجودها ، فإذا قال : " وهبتك كذا " فيعتبر القبول عند وجود الهبة ، فإذا لم يقبل الموهوب له حينئذ فللآخر أن يرجع عن هبته ، وأما الوصية فإن قبولها يكون عند موت الموصي لأنه وقت استحقاقها ولزومها وهذا فارق ثالث ، و لا يعتبر القبول قبل ذلك.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : ] وثبت الملك إذاً و الوصية بخلاف ذلك [ .

هذا الفارق الرابع : العطية إذا قبضت فقد ثبت الملك فإنها تصبح ملكاً للمعطي في أثناء مرضه المخوف ، وذلك لأن الهبة تملك في الحال وأما الوصية فإنها إنما تملك بعد الموت .

فإذا قال : " أعطيتك يا زيد عشرة آلاف " وهو في مرضه المخوف ، فقال زيد : " قبلت " وقبضها، فأصبحت ملكاً لزيد لكن يكون هذا المال منظر به ومرتقب فلا يعطي هذا الموهوب له فيتصرف به تصرفاً لا يمكن الورثة أن يرووه إن شاؤا الرد إذن يملكه لكن هذا الملك ملك موثوق فإذا شفي الواهب من هذا المرض فإنه يأخذ هذه العشرة آلاف من جميع المال سواء كانت الثلث أو أكثر أما إذا مات من هذا المرض المخوف فحينئذ ننظر إن كان وارثاً فلا شيء له لأنها أصبحت بحكم الوصية ولا وصية لوارث .

وإن كان أجنبياً فننظر هل يستغرق الثلث أم لا ؟

فإن كان يقدم الثلث أو أقل أعطيناه إياه وإن كان يقدر الثلث أو أقل أعطيناه إياه وإن كان أكثر من الثلث نظرنا إلى الورثة فإن أجازوا أعطيناه إياه ، وإن لم يجيزوا اكتفينا بالثـلـث - والمحاباة في المرض المخوف – في حكم العطية فلو حابي وارثه ببيع دار بنصف ثمنها .

فمثلاً : باع لبعض ورثته داره التي تساوي مائة ألف باعها له في مرضه المخوف بخمسين ألفاً فحينئذ ما زاد من هذه الدار فلا بيع فيه بل يثبت البيع فيها بقدر الثمن فحينئذ يكون للمبيع هو نصف الدار وللمشتري الخيار لتبعيض السلعة عليه ، هذا إذا كان وارثاً وأما إن لم يكن وارثاً فينظر إلى هذه المحاباة هل هي بقدر الثلث أم لا؟

فإن كانت بقدر الثلث فذلك له وإن كانت بأكثر من الثلث فينظر فيه إلى إجازة الورثة .

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net