عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - العتق
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - العتق
العتق
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

كتاب العتق

 

العتق لغةً: الخلوص

وفي الشرع هو: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق.

وقد دل على العتق الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

أما الكتاب فكقوله تعالى :  ]فتحرير رقبة مؤمنة [ وكقوله: ] فك رقبة[ .

وأما السنة ففي الصحيحين أن النبي r قال: ( من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى فرجه بفرجه).

وفي رواية ( استنقذ الله ) فدل على أن هذا المحرِّر المعتِق مستحق للعقوبة فيستنقذ الله عز وجل أعضاءه المستحقة للعقوبة بهذا المعتَق ، وقد أجمع أهل العلم على مشروعيته.

 

قوله : [ وهو من أفضل القرب ]

للحديث المتقدم ، وقد جعله الله كفارة للقتل ، وكفارة للجماع في نهار رمضان ، وكفارة للأيمان ، فدل على فضيلته وأنه من أفضل القرب.

وأفضل الرقاب أغلاها ثمناً وأَنْفسها عند أهلها ، ففي الصحيحين أن النبي r : ( سُئل أي الرقاب أفضل ؟ فقال : أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها ).

وعتق الذكر في الأصل أفضل من عتق الأنثى ، يدل عليه ما ثبت في الترمذي والحديث صحيح أن النبي r قال : ( وأَيُّما امرئٍ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فِكاكه من النار).

وقد تقدم أن الفِكاك من النار يحصل بعتق رقبة مؤمنة ، فدل على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى ، فإنه إذا أعتق رقبة واحدة مساوية له في الذكورية أو الأنوثية كانت فكاكه من النار ، والذكر إن أعتق أنثيين كانتا فكاكه من النار.

 

قال : [ ويستحب عتق من له كسب ، وعكسه بعكسه ]

أي إنما يستحب عتق من له كسب ، فهو قادر على التكسب والعمل ، وإن كان غير قادر على التكسب والعمل ، فلا يستحب عتقه ؛ لما في ذلك من تضييعه، فإن في عتقه إسقاطاً للنفقة الواجبة على سيده له فكان في ذلك تضييعٌ له ، وقد يكون عُرضةً للسؤال كلاًّ على الناس ، وكذلك لا يستحب عتق من يكون عتقه سبباً لفساده من زنا أو قطع طريق أو يُخشى لحوقه بدار الحرب ونحو ذلك.

 

 

 

 

وهنا مسائل في العتق لم يذكرها المؤلف:

المسألة الأولى :

صريح العتق وكنايته ، فصريح العتق أن يقول : أنتَ عتيق أو أنتَ معتَق أو أنتَ حر أو قد أعتقتك أو قد جعلتك حراً أو نحو ذلك.

فهذه ألفاظ صريحة في العتق ، قد دل العرف على ذلك ؛ لأن هذه الألفاظ إذا خوطب بها العبد من سيده فإنها لا تحتمل إلا إعتاقه ، فحينئذٍ لا تشترط النية بل يكفي مجرد اللفظ.

وأما كنايته : فنحو قوله " لا سبيل لي عليك " " إذهب حيث شئت " ، أو نحو ذلك من الألفاظ فهي ألفاظ تحتمل العتق وتحتمل غيره وإن كانت في العتق أظهر.

 

المسألة الثانية :

أن من ملك ذا رَحِم مَحْرم عَتَق عليه ، و الرحم المحرم: هو ما لو قُدِّر أحدهما ذكراً ، والآخر أنثى لَحرُم نكاحه بالنسب ، كأن يملك عمه أو خاله أو ابنه أو أباه ، فإنه لو قدر أن أحدهما ذكراً والأخر أنثى فإن النكاح محرم بالنسب ؛ لأن نكاح الخالة ونكاح العمة محرم ، ونكاح البنت محرم.

والمراد أن يكون محرماً بالنسب لا بالمصاهرة ولا بالرضاع ، لكن إذا ملك ابن عمه ، فلو قدّر أن أحدهما ذكر والأخر أنثى لم يحرم نكاحه بالنسب ، وذلك لأن نكاح بنت العم نكاح صحيح ، ولو ملك أمه من الرضاع أو ملك زوج أمه أو زوجة أبيه أو أم زوجته فإنه لا يعتق عليه ؛ لأنهم ليسوا من ذوي الرحم ، ودليل ذلك ما روى الخمسة والحديث صحيح أن النبي r قال: ( من ملك ذا رحم مَحْرَمٍ فهو حرٌ ) ، وهو مذهب جماهير العلماء.

 

المسألة الثالثة :

أن من اعتق نصيباً له في عبد ، وكان موسراً فإنه يلزمه أن يعتق بقيته ، فيعطي شريكَه قيمة نصيبه ويَعْتق عليه العبد.

فمثلاً: زيد وعمرو شريكان في عبد لكل واحد منهما نصفه فأعتق زيد نصيبه وكان موسراً فإنه يُقوَّم عليه العبد ، ويعطي عمراً قيمة نصيبه ، ويعتق عليه العبد ويُلزم زيد بذلك ، هذا إن كان موسراً.

وأما إن كان معسراً فهو لا يملك قيمة المتبقي ، فإن العبد يكون مُبَعَّضاً ، فيكون نصفه حراً ونصفه عبداً ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره.

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أن العبد يكون مكاتباً غير مشقوق عليه، هذا إن كان له قدرة على العمل والتكسب ، فيعمل ويتكسب ويعطي سيده ما بقي من ثمنه ، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة ، ودليـل هذه المسـألة ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبيr  قال: ( من أعتق شِرْكاً له في عبد ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد ، قُوِّمَ قيمة عدلٍ - أي قيمة عادلة -  لا وَكْس فيها ولا شَطَطَ فأعطى شركاءه حصصهم وعَتُق عليه العبد ، وإلا فقد عتق منه ما عتق ) أي يكون مُبَعَّضاًً.

لكن إن كان قادراً على المكاتبة ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ( وإلا قُوِّّم عليه واستُسعي غير مشقوق عليه ).

والذين لم يقولوا بالكتابة لا يصححون هذه اللفظة ، ويرون أن هذه اللفظة مُدرجة ، وأنه قد تفرد بها سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة ، والصحيح أنه لم يتفرد بها بل قد تابعه عليها جماعة من حفاظ الحديث ، وهو من أثبت الناس في قتادة وقد روى هذا الحديث عن قتادة ، وقد صحح هذا اللفظ الشيخان البخاري ومسلم في كتابيهما.

 

المسألة الرابعة:

إذا أََعتق بعض عبده ، سواء كان البعض مُعَيناً أو مُشاعاً ، كـأن يقول : " أعتقت يديك أو وجهك " أو مشاعاً كأن يقول: " أعتقت نصفك أو ثـلثـك أو ربعك " ، فإن العتق يسري على الباقي فيكون كله عتيقاً بإتفاق أهل العلم ، لأن هذا أولى من المسألة المتقدمة ، فهو إذا كان مُشَارَكاً سرى العتق إلى بقية العبد ، فأولى من ذلك إن لم يكن مُشارَكَاً.

 

قوله : [ ويصح تعليق العتق بموتٍ وهو التدبير ]

إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي ، فالعبد هنا هو المدبَّر.

وسمي مُدَبَّراً لأنه قد أعتق بعد الحياة أي في الموت ، فإن الموت دبرالحياة.

فالمُدَبِّر: هو من يعتق بعد الموت.

والتدبير: هو العتق بعد الموت.

وهو كالوصية ، فللسيد أن يبيعه وقد دَبَّره ، وله أن يهبه ، وله أن يوقفه كالوصية ، فكما أن الوصية له أن يَرجع فيها ، وله أن يهبها أو يوقفها فكذلك في المدبر ، وفي الصحيحين : " أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دُبُر ولم يكن له مال غيره ، فبلغ ذلك النبي r فباعه بثمانمائة درهم " فالمقصود أنه يجوز بيع المدبر كالوصية.


باب الكتابة

 

قوله: [ وهي بيع عبده نفسه بمال مؤجل ف ي ذمته ]

أي: أن يشتري العبد نفسه من سيده بمال مؤجل قال تعالى: ] فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً[ .

فالكتابة هي: أن يبيع السيد عبده لنفسه على ثمن مؤجل على أَنْجُم أو أقساط شهرية أو سنوية أو نحو ذلك.

وهو مشتق من الكَتْب وهو الجمع ، وذلك لأنه يُجمع على أَنْجُم أي على أقساط.

وقيل: إنما سمي كتابةً لما يقع بين السيد وعبده عند العقد من الكتابة.

قال الحنابلة: لا يصح إلا أن يكون العوض في الكتاب مؤجلاً على نجمين فأكثر ، فلو كان إلى سنة فيعطيه المال كله لم يصح ، فلا يصح إلا أن يكون على نجمين أي على قسطين ، هذا هو المشهور في المذهب.

والقول الثاني في المسألة وهو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد ، وقال صاحب الفائق : وهو ظاهر كلام الإمام رحمه الله ، وهو القول الراجح في هذه المسألة : أنه يصح على نَجْمٍ واحدٍ ، فلو اشترى نفسه على نجم واحد فإن ذلك جائز، إذ لا مانع من ذلك ، وليس مع من يمنع دليل يدل على دعواه.

 

قوله : [ وتسن ]

فالكتابة سنة وهو مذهب جمهور العلماء واستدلوا بقول النبي r:( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ).

قالوا : فالعبد مال امرئ مسلم ، فلم يخرج عن مِلْكيته إلا بطيب نفس منه ، وعليه فحملوا الأمر في الآية المتقدمة على الاستحباب ( فكاتبوهم ) أي على وجه الاستحباب.

وعن الإمام أحمد رواية وهي مذهب الظاهرية وهو قول طائفة من التابعين واختاره ابن جرير الطبري: أن الكتابة واجبة ، وعليه فيُجبر السيد عليها بقيمة العبد ، فيُقَوَّم العبد قيمة عدل ويُجبر السيد على الكتابة.

واستدلوا بالآية الكريمة: ] فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً [ ، قالوا وظاهر الأمر الوجوب.

وأما قول النبي r: ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ) فقالوا: الكتابة على سبيل المعاوضة ، فهو يجبر على بيع عبده ويأخذ عوض ذلك ، قالوا : وليست أولى من سِراية العتق ، فإن العتق تقدم أنه يسري فيجبر السيد على خروج ملكيته عنه بالكلية وهو إنما أعتق بعضه كأن يعتق ثلثه مثلاً فإنه يعتق كله ، فإذا سرى العتق إلى البقية بلا عوض فأولى من ذلك بعوض.

والشارع مُتَشِّوف إلى العتق وتحرير النفوس وتخليصها من العبودية.

وعليه فالراجح هو القول الثاني.

وقياس هذا كما قال شيخ الإسلام : إذا قال قائل للسيد ، أعتق عبدك وعلي ثمنه ، فيجب عليه أن يعتقه كالمكاتبة.

 

قوله : [ مع أمانة العبد وكسبه ]

فهي إنما تسن – وعلى القول الراجح إنما تجب - مع أمانة العبد وكسبه ، لقوله تعالى: ] فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً [ ، وظاهره أنه إن لم يَعلم فيهم خيراً أي إن علم فيهم شراً وفساداً فإن الكتابة لا تشرع ، وهذا كالعتق كما تقدم ، فإذا كان في الكتابة تضييع للعبد واحتياج إلى الناس أو إفساد  في الأرض فإن الكتابة لا تشرع ، فقد شرط الله ما تقدم ] إن علمتم فيهم خيراً [ .

فإذا ثبتت المكاتبة ، فإن المكاتب أي العبد يملك كسب نفسه ونفعها ، وله أن يتصرف فيما يُصلح ماله من بيع وإجارة ونحو ذلك لأن هذا هو مقتضى عقد الكتابة.

فإن الكتابة إنما عُقدت ليتحصل من خلالها على عتق نفسه ، ولا يمكن ذلك إلا أن يُمَكَّن من كسب نفسه ونفعها وأن يتصرف في ماله بما فيه مصلحة ، وأما ما ليس فيه مصلحة فليس له أن يتصرف فيه إلا بإذن سيده ، كما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي r قال: ( المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم ) ، فهو قِنٌّ وعبد فليس له أن يتصرف إلا بما ينفع في عتقه، أما أن يتصرف بما لا مصلحة فيه بأن يبذر ماله أو أن يَدْخل في تجارة يُخشىَ من الدخول فيها لما فيها من المخاطرة فلا بد من إذن السيد ؛ لأن ما بيده مال لسيده في الأصل وإنما أذن له بأن يعمل ليتمكن من عتق نفسه ، فكان المأذون له هو ما يكون فيه مصلحة للمال.

 

قوله : [ ويجوز بيع المكاتب ]

فلو أن رجلاً كاتب عبده على عشرة آلاف ريال في كل شهر ألف ريال ، فبعد أن أخذ منه قِسطاً أو قِسطين أو ثلاثة أراد بيعه فيجوز البيع ؛ لأنه رقيق له وعبد له ، وفي الصحيحين أن بريرة قالت لعائشة إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كـل عـام أوقية فأعـينيني …. الـحديث …. وفيه أن النبي r قال: ( اشـتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ) ، والشاهد قوله " اشتريها " وهي مكاتبة ، فدل على أن المكاتب يجوز بيعه ولكن:

 

قال : [ ومشتريه يقوم مقام مكاتبه ]

فالمشتري يقوم مقام المكاتب فإذا بقي سبعة أقساط فإن المكاتب يُسَدِّدُها له فلا يستأنف الأقساط من جديد بل يُسَدِّد ما بقي منها ، وليس له أن يُبْطل الكتابة على الراجح ، بل تبقى الكتابة ويدفع له المكاتب ما تبقى من الأنجم.

 

قال : [ فإن أدى عَتَق ]

إذا أدى المكاتب ما عليه من المال فإنه يعتق

 

قال : [ وولاؤه له ]

يقول النبي r : ( اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ) ، وعليه فيكون الولاء للمشتري.

 

قال: [ وإن عَجِز عاد قناً ]

أي عاد قناً للمشتري ، فإذا عجز عن الكتابة فإنه يعود قناً أي عبداً ، هذا كما لو كان لسيده الأول ، فإنه إذا عجز عن دفع الأنجم والأقساط فإنه يعود عبداً ، لأن المسلمين على شروطهم وهو إنما باعه على أن يدفع له هذه الأنجم ، فإن لم يدفعها فإنه يعود قناً عبداً له ، والمشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب جمهور الفقهاء : أن المكاتب إذا عجز عن نجمٍ واحد أي عن قسطٍ واحد فإن للسيد الفسخ ، بمعنى إذا حضر وقت القسط ولم يدفع فإن للسيد الفسخ قال الحنابلة ، ويُنظر ثلاثة أيام.

قالوا: لأنه لم يف بالشرط ، فهو قد باعه على أنه يعطيه في كل شهر - أو في كل سنة - أن يعطيه المُسَمَّى الفلاني ، فإذا لم يفِ بذلك فإنه يكون قد خالف الشرط فلبائعه – أي لسيده – أن يفسخ عقد الكتابة.

وعن الإمام أحمد : أنه لا يعجز حتى يقول قد عجزت - أي حتى يظهر عجزه ويبين ، فكونه يعجز عن قسط واحد أو قسطين ولم يظهر بَعْدُ عجزه فإنه من الممكن أن يقضي ما عليه ، فإنه لا يعجز أي لا يحكم بعجزه فيعود قناً.

وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة ، لقوله  r: ( وإلا قوم عليه واستسعي غير مشقوقٍ عليه ) ، وفي كونه إن عجز عن قسط واحد حق للأخر الفسخ ، هذا فيه مشقة ظاهرة عليه ، ومعلوم أن تَخَلُّف المَدِين عن القسط والقسطين والثلاثة يقع فيه عادة فكذلك في المكاتبة.

فالراجح أنه لا يعجز حتى يظهر عجزه ويبين.

 

مسـألة :

قال تعالى: ] وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ أي آتوا المكاتبين من مال الله الذي آتاكم.

قال الحنابلة والشافعية : في هذه الآية دليل على وجوب إيتاء المكاتب مكاتبه – أي السيد عبده – شيئاً من المال يعينه على كتابته ، واختلفوا في قدره.

فقال الحنابلة : الواجب رُبع المكاتبة أي أن يعطيه الربع أو يتنازل عن الربع ، واستدلـوا بما روى البيهقي من حديث علي بن أبي طـالب: "أن النبي r قرأ هذه الآية : ] وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ ثم قال ربع المكاتبة " ، والصحيح وقفه على علي ابن أبي طالب ، فلا يصح رفعه.

وقال الشافعية: بل يعطيه أي شئ ] وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ أي بعض مال الله الذي آتاكم وهذا يَصْدُق على القليل والكثير فأي شئ أعطاه إياه فإن ذلك يجزئ.

وقول علي المتقدم مخالف لما روى البيهقي بسند صحيح " أن ابن عمر كاتب عبداً له على خمسة وثلاثين ألف درهم ، فلما كان آخر مكاتبته وضع عنه خمسة آلاف "، وهي سُبْع مُكاتبته ، فهذا الفعل من ابن عمر مخالف لقول علي ، فالأرجح ما ذهب إليه الشافعية.

ولكن لا ينبغي أن يقال : بأنه يصدق على الشيء القليل التافه المستحقر ، فالذي ينبغي الاعتماد عليه أنه يجب عليه أن يعطيه ما ينفعه في مكاتبته كأن يعطيه السبع أو الثمن أو الربع أو أن يضع عنه نجماً أو نجمين ونحو ذلك ، وأما أن يضع عنه شيئاً تافهاً مستحقراً فلا ، وذلك لأن مثله لا ينفع في المكاتبة.

وقال المالكية والأحناف : بل يستحب ذلك وحملوا الآية على الاستحباب.

والأظهر ما ذهب إليه أهل القول الأول لظاهر الآية الكريمة.


باب أحكام أمهات الأولاد

 

قال: [ إذا أَولد حر أمته أو أمةً له ولغيره أو أمةً لولده خُلِّق ولده حراً ]

أو أمة له ولغيره – أي مشترك فيها

خلق حراً – أي خلق أثناء مِلكه للأمة ، فنشأ الحمل والأمة مِلْك له ليست بمِلْك غيره ، هذا هو مذهب الحنابلة ، ولا دليل عليه.

ولذا ذهب المالكية: إلى أن من أَولد أمته ، فإن هذه الأمة أم ولد له سواء نشأ الولد حراً أو مملوكاً ، كأن يتزوج أمةً ثم يشتريها من سيدها وقد حملت منه فإنها تكون أم ولد له ، وذلك لثبوت المعنى فيها ، فهي أم ولدٍ له فقد أولدت له وكون هذا الولد نشأ في حال يكون فيه مملوكاً لا حراً هذا ليس بمؤثر، فالمعنى المؤثر في هذه المسأله كون هذه الأمة قد أولدت له.

إذن قوله – خُلِّق ولده حراً – هذا القيد ضعيف ، والصحيح أنها تكون أم ولد سواء كان الولد مخلوقاً حراً أم لم يكن كذلك.

 

قال: [ حياً ولد أو ميتاً ]

سواء ولد حياً أو ولد ميتاً ، وفي البيهقي بإسنادٍ صحيح أن عمر رضي الله عنه قال: ( أم الولد حرة وإن كان الولد سِقْطاً ).

 

قال: [ قد تبين فيه خلق الإنسان لا مضغة أو جسم بلا تخطيط ]

فإذا أسقطته وقد تبين فيه خلق الإنسان فإنها تكون أم ولد له.

 

قال: [ صارت أم ولدٍ له تعتق بموته من كل ماله ]

فإنها تعتق من كل ماله لا من ثلثه ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، فقد اتفق أهل العلم على القول به ، وفي موطأ مالك بإسنادٍ صحيح: أن عمر رضي الله عنه نهى عن بيع أمهات الأولاد ، قال: " لا تباع ولا تورث ولا توهب ، يستمتع بها ما بدا له فإذا مات فهي حرة "

وتعتق من ماله كله لا من ثلثه ، وعليه لو استغرقت المال كله فإنها تعتق بمعنى – إذا مات ولا مال له سواها فإنها تعتق عليه لأنها أم ولد فتعتق بموته.

 

قـال: [ وأحكام أم الولد أحكام الأمة من وطءٍ وخدمة وإجارة ونحوها ]

فأحكام أم الولد أحكام الأمة ، فله أن يطأها وله أن يؤجرها ونحو ذلك من إعارة وغيرها ، لقول عمر في الأثر المتقدم : (يستمتع بها ما بدا له ) ، فهي أمة كسائر الإماء ، والفرق بينها وبين سائر إمائه أنها تعتق بموته فإذا مات فهي حرة.

 

 

 

قال: [ لا في نقل الملك في رقبتها ]

هذا فارق آخر بين أم الولد وبين سائر الإماء ، فأم الولد ليس له أن يتصرف فيها بما ينقل ملكيتها عنه بوقفٍ أو هبة أو بيع أو نحو ذلك.

 

قال: [ ولا بما يُراد له ]

أو لا بما يراد لنقل رقبتها كالرهن ونحوه كالوصية.

 

قال: [ كوقف وبيع ورهن ]

فالوقف والبيع مثال لقوله " لا في نقل المِلك في رقبتها " ، والرهن مثال لقوله " ولا بما يُراد له ".

إذن بيع أم الولد بيع باطل لا يصح ، وهذا هو مذهب جماهير العلماء واستدلوا بأثر عمر المتقدم ، ويقاس عليه ما تقدم من الوقف والهبة والرهن والوصية ونحو ذلك فكلها لا تجوز كالبيع.

وقال الظاهرية وهو مذهب طائفة من أصحاب النبي r كعلي بن أبي طالب وابن عباس والزبير وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم : أن بيع أمهات الأولاد جائز ، وأثر علي بن أبي طالب ثابت في مصنف عبدالرزاق بإسنادٍ صحيح أنه قال: "اجتمع رأيي ورأي عمر - وهذا يدل على أن المسألة  رأي لعمر في أمهات الأولاد ألا يبعن - ، ثم رأيت أن يبعن" ، ثم قال له عَبِيْدَة : " رأيك في الجماعة أحب إلىّ من رأيك في الفُرقة ".

وهذا يدل على ما تقدم وأن المسألة رأيٌ من عمر ، وأما أثر ابن عباس فهو ثابت في سنن سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عنه ، وهو كما تقدم اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، واستدلوا بما روى النسائي وابن ماجة وابن حبان وهذا لفظه والإسناد صحيح عن جابر قال: ( كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي r حي لا يرى بذلك بأساً ) ، وهذا القول هو القول الأرجح في هذه المسألة مع أن الأحوط ما ذهب إليه جمهور العلماء ، فالأصح ما ذهب إليه علي ومن وافقه من الصحابة من أن أمهات الأولاد يجوز بيعهن ، وعليه فيجوز كذلك سوى البيع من الأحكام المتقدمة لأنها مبنية على البيع مُتفرعة عنه.

 

 

 

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net