عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النكاح
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النكاح
النكاح
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

كتاب النكاح

 

وأصله الضم يقال تناكحت الأشجار أي انضم بعضها إلى بعض.

النكاح في اللغة: الوطء والعقد فهو مشترك وقيل متواطئ وهو حقيقة فيهما ، والقرآن الكريم لم يرد النكاح فيه إلا بمعنى العقد سوى قوله تعالى: ] فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره [ أي حتى يطأها كما ثبت في السنة الصحيحة.

 

قوله : [ وهو سنة ]

فالنكاح سنة ، لمن له شهوة ولا يخاف على نفسه العنت أي الزنا ، فهو سنة في مذهب جماهير العلماء.

وقال الظاهرية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه كأبي بكر عبد العزيز وأبي حفص البرمكي وابن أبي موسى من أصحاب الإمام أحمد : أن النكاح لمن له شهوة وعنده قدرة مالية على ذلك أنه واجب في حقه ، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ، والشاهد قوله " فليتزوج " والأمر للوجوب ، وهذا القول هو الأظهر لموافقته لظاهر قوله r " فليتزوج " ،  والجمهور حملوا الأمر الوارد في الحديث على الاستحباب ، والأظهر أنه للوجوب.

وأما إذا كان غير قادر على النكاح بماله ، فلا يجب عليه النكاح بل يستحب ، لمفهوم قوله r   ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة )  والباءة هي مُؤنة النكاح من مهر وغيره ، فقد أوجب الزواج على من استطاع الباءة ، فدل على أن الفقير لا يجب عليه ، لكن يستحب له ، وقد قال تعالى: ] إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله[ هذا إن كان له شهوة.

وأما من لا شهوة له كالعِنين الذي لا يأتي النساء ، أو الكبير الهرم فلا يجب النكاح ولا يستحب في حقهم ؛ وذلك لزوال المعنى المقتضي للإيجاب والإستحباب فيكون مباحاً في حقه ، لكن من غير أن يترتب على هذا ضرر على المرأة ، فإن طلبت الطلاق ونحوه فسيأتي الكلام عليه في بابه ، ولكن هنا حيث لا ضرر على المرأة بذلك ، فإن فيه مصلحة له بقيام هذه المرأة بشأنه ، وهي أيضاً لها مصلحة بإنفاق هذا الزوج عليها.

إذن من لا شهوة له  وعنده قدرة مالية فإن النكاح يباح ، وقد يستحب حيث كان في ذلك مصلحة ظاهرة للمرأة كأن تكون المرأة محتاجة.

 

قوله : [ وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادات ]

ففعل النكاح مع الشهوة أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات ، من صيام وصلاة ونحو ذلك ، وذلك لما فيه من المصالح الكثيرة من تحصيل النسل وتكثير الأُمة وتحصين الفرج وغض البصر له ولزوجه ، ولما فيه من القيام بشأن المرأة والإنفاق عليها وهذه المصالح تربو على نوافل العبادات.

قوله : [ ويجب على من يخاف الزنا بتركه ]

إذا كان يخاف الزنا بتركه فيجب عليه النكاح اتفاقاً ؛ وذلك لأن إعفاف  نفسه وصيانتها من المحرم واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وفي الإقناع: ولا يكتفى في الوجوب بمرة واحدة بل يكون في مجموع العمر خشية الوقوع في المحظور.

 

قوله : [ ويسن نكاح واحدةٍ دينةٍ أجنبيةٍ.بكرٍ ولودٍ بلا أم ]

هذا ذكر لصفات المرأة المنكوحة التي يسن أن تكون عليها.

أما دليل كونها واحدة، فقوله تعالى: ] فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا [ ، أي أن الإكتفاء بالواحدة أقرب من أن تعولوا من النساء فتميلوا إلى إحداهن ، وتجوروا بين نسائكم وهذا فعل محرم ، فكان في نكاحه الواحدة دفعاً لتعرضه إلى الوقوع في المحرم.

وقال بعض الحنابلة ، وهو القول الثاني في المسألة: بل يستحب ذلك لفعل النبي r ، ولقوله تعالى: ] فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع[ .

أما استدلالهم بفعل النبي r فظاهر ، وأما استدلالهم بالآية الكريمة ففيه نظر ؛ وذلك لأن هذه الآية مسبوقة بقوله سبحانه: ] وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث [ ، ومعنى الآية كما فسرته أم المؤمنين عائشة في الصحيحين بما معناه : إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللآتي تحت أيديكم فتبخسوهن مهورهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن أي فالباب مفتوح لكم ، هذا في الرجل تكون عنده اليتيمة كابنة عمه وتكون تحت ولايته فيرغبها لمالها ولجمالها فينكحها بمهرٍ أقل من مهر مثيلاتها ، أو ينكحها بلا مهر وهذا فيه ظلم لها.

ولكن فعل النبي r ، وما يترتب على ذلك من المصالح من تكثير النسل وتمام العفة ، ونحو ذلك يدل على استحبابه ما لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم،  فإذا ترتب على ذلك مفسدة أعظم فلا ، فالأصح وهو القول الثاني في هذه المسألة وقد قال به بعض الحنابلة : أنه يستحب له أن يتزوج أكثر من واحدة ما لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم لفعل النبي r .

وأما دليل كونها دَيِّنة : فهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال النبي r : ( تُنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ).

ويستحب أيضاً أن تكون جميلة ، ولذا استحب الشرع أن ينظر إليها ؛ ولأنها أعف لنفسه وأحصن لفرجه وأتم لمودته.

وأن تكون أجنبية أي لا تكون من بنات عمه أو بنات خاله أو نحوهن  ، وذلك لأنها أنجب ولداً و لذا يقال " الغرائب أنجب وبنات العم أصبر "  فالغرائب أنجب أي يتوفر في الابن صفات زائدة على صفات أهله بما يكون في صفات أخواله التي تنتقل إلى الولد.

وأن تكون بكراً لقوله r لجابر لما تزوج ثيباً ( هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك ) إلا أن تكون المصلحة من نكاح الثيب أرجح.

وأن تكون ولوداً لقوله r: ( تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) رواه أبو داود والنسائي ، قاله لرجل قال له : إني أصبت امرأة ذات حسب ومال أو قال جمال لكنها لا تلد فقال النبي r : ( لا ) ثم أتاه مرة أخرى فنهاه ، ثم أتاه ثالثةً فنهاه ، ثم قال : ( تزوجوا الولود الودود …. الحديث ) وهو من حديث مَعْقِل بن يسار ، ونحوه في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان من حديث أنس بن مالك.

ويعرف كونها ولوداً بالنظر في نسائها ، أي إلى أمها وأخواتها وبنات عمها ونحو ذلك.

حسيبة : كما في الإقناع طيبة الأصل.

روى أحمد والنسائي أن النبي r قيل له أي النساء خير فقال : ( التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره ) وهو صحيح .

وأن تكون بلا أم : قالوا لأنها ربما أفسدتها أمها ، أي قد تثير بعض المشاكل بين الزوجين وتأمر المرأة بالمطالبة بشيء كثير ، قد يكون حقاً لها وقد رضيت بتركه ، أو يكون لاحق لها به.

ولكن هذا فيه نظر ظاهر ، فإن هذا ليس على إطلاقه فربما كانت الأم معينةً للزوج على ابنتها مُصلِحة لها قائمة بشؤونها ، ولو قيل " ويستحب أن تكون لها أم عاقلة صالحة " لكان أولى من أن يقال بلا أم.

 

قوله : [ وله نظر ما يظهر غالباً مراراً ]

فللخاطب أن ينظر إلى ما يظهر غالباً ممن يريد خطبتها ، فيباح له أن ينظر إلى ما يدعوا إلى نكاحها.

ودليل هذا: ما ثبت في صحيح مسلم أن رجلاً قال يا رسول الله أصبت امرأةً فقال النبي r : ( أنظرت إليها ، فقال: لا ، فقال r : اذهب فانظر إليها ).

وفي الترمذي بإسناد صحيح: (انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما)  أي أن تدوم المودة بينكما ، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة ، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي r قال: ( إذا خَطب أحدكم امرأة فلينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها ) ، فهذه الأحاديث تدل على أن له أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها ، والحنابلة صرحوا بالجواز كما ذكر المؤلف هنا وهو مصرح به في غير ما كتاب من كتب الحنابلة وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.

واختار ابن عقيل وصوب ذلك صاحب الإنصاف وحكي إجماعاً : استحباب ذلك ، وهو ظاهر الأحاديث المتقدمة كقوله r : ( اذهب فانظر إليها ) ، فالراجح أنه يستحب له أن ينظر منها إلى ما يظهر منها غالباً من الوجه واليدين والرقبة والشعر والقدمين ونحو ذلك مما يدعوه إلى نكاحها.

وينظر إليها بإذن وليها أو بغيره ، بعلمه أو بغير علمه ، وكذلك هي بإذنها أو بغير إذنها ، بعلمها أو بغير علمها وذلك لإطلاق الأحاديث.

فلو نظر إليها على غفلة منها أو من وليها ، فإن ذلك جائز لكن لا يجوز له أن يفعل ذلك حتى يغلب على ظنه إجابتهم إلى نكاحها وإلا فلا يجوز له ذلك .

إذن : ما يظهر منها غالباً هو الذي ينظر إليه الخاطب .

وقال الظاهرية وهو رواية عن الإمام أحمد : بل ينظر إلى كل شئ منها سوى العورة المغلظة " أي القبل والدبر " ، لكن هذا فيه نظر ظاهر ؛ لأنه قد يدعوه إلى الزنا المحرم.

وقال داود ينظر إليها متجردة  وهي رواية عن أحمد ، لكن النظر إلى الساق ونحو ذلك يقوي القول بجوازه وهو قول لبعض الحنابلة ، وفي مصنف عبد الرزاق وسنن سعيد بن منصور : " أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما خطب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب كشف عن ساقها " فلا بأس بذلك ، وأما سوى ذلك مما لا تطلع عليه النساء غالباً ، فلا يظهر القول بجوازه .

 

قوله : [ مراراً ]

 أي يكرر النظر حتى يحصل مقصوده ، وقد صعّد النبي r البصر وصوّبه·.

 

قوله : [ بلا خلوة ]

فلا يجوز أن يخلو بها، وذلك لأنها أجنبية عنه ، والخلوة بالأجنبية محرمة ، وهذا أيضاً ذريعة إلى الوقوع بما حرمه الله عز وجل فلا يجوز له أن يخلو بها.

 

قوله  : [ ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة والمبانة دون التعريض ]

و التصريح هو مالا يحتمل غير النكاح ، إذا توفي رجل عن زوجته أو طلقها ثلاثاً كانت بائناً، فلا يحل لأحد أن يصرح بخطبتها كأن يقول لها رجل " أريد أن أتزوجك " ، وكذا المختلعة والبائن بفسخ ونحوه ، وأمـا التعريض كـأَن يقول : " إني في مثلك لراغب" ، فإنه جائز قال تعالى :] ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم [ فلا جناح في التعريض ، أما التصريح فإنه محرم.

 

قوله : [ ويباحان لمن أبانها دون الثلاث ]

يباحان – أي التعريض والتصريح – لمن أبانها دون الثلاث كالمختلعة والبائن بفسخ ونحو ذلك ، فالمبانة دون الثلاث يجوز لمن أبانها أن يخطبها تصريحاً وتعريضاً لأنه هو صاحب العدة ، فلو أن امرأة طلبت الخلع من زوجها فرضي بذلك ، فإذا تم الخلع فإنه يأتيها كغيره من الخطاب ، ولكن الخطاب لا يجوز لهم أن يخطبوها حتى تنتهي من عدتها.

وأما من اختلعت منه فله أن يخطبها قبل أن تنتهي من عدتها تصريحاً أو تعريضاً ، وأما غيره فلا يحل له إلا التعريض ، أما البائن بثلاث فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره وسيأتي ذكر هذا إن شاء الله.

 

قوله: [ كرجعية ]

الرجعية زوجة ، فكما أن الرجل يراجع زوجته في عدتها وهو بعلها ، فكذلك في البائن دون الثلاث كالرجعية.

 

 

 

 

قوله : [ ويحرمان منها على غير زوجها ]

أي يحرم التصريح والتعريض من الرجعية على غير زوجها ، فالمطلقة طلاقاً رجعياً لا يحل لأحد أن يخطبها تعريضاً ولا تصريحاً ، وكذلك لا يحل لها أن تقبل هذه الخطبة لا تعريضاً ولا تصريحاً لأنها زوجة.

 

قوله : [ والتعريض : إني في مثلك لراغب ، وتجيبه : ما يرغب عنك ونحوهما ]

أي نحو هذه الألفاظ التي هي من باب التعريض.

 

قوله : [ فإن أجاب ولي مجبرة أو أجابت غير المجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتها ]

قوله لمسلم أي لو كان ذمياً فإنه يجوز ، فلا يحل لمسلم أن يخطب على خطبة أخيه ، فإذا خطب مسلم امرأةً فأجابت ورضيت وهي غير مجبرة أي من النساء اللاتي لا يجبرن ، أو أجاب وليها وهي ممن يجبر على النكاح ، فلا يحل لأحد أن يخطبها بعد ذلك ، لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال: ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له ).

وهذا الحكم لأن خلافه يورث العداوة والبغضاء ، فإنه لا يأمن أن يرد الأول وهو كفؤٌ لها لفضيلة في الثاني فيورث ذلك عداوة في قلب الأول.

كذلك إذا سكنت إليه أو ركنت إليه أو سكن إليه ولي المجبرة وركن إليه ، وما بقي إلا أن يتلفظ بالقبول فقد ظهرت علامات الرضا فلا يحل أيضاً للحديث المتقدم.

وأما إذا لم تسكن إليه المرأة غير المجبرة أو ولي المجبرة ولم يظهر ما يدل على الرضا فيجوز أن يخطب المسلم على خطبة أخيه ، يدل على هذا ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال لفاطمة بنت قيس : ( إذا أحللت فأخبريني ، فلما حلت ذكرت للنبي r أن أبا جهم و معاوية قد خطباني فقال : أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه – أي يضرب النساء – وأما معاوية فصعلوك لا مال له – أي فقير – أنكحي أسامة بن زيد ) ، فهنا قد خطب النبي r لأسامة على خطبة أبي جهم ومعاوية وذلك لأنه لم يظهر سكون ولا ركون فيجوز حينئذٍ.

 

قوله : [ وإن رُدَّ أو أَذن ….. جاز ]

إذا رُدّ الخاطب الأول أو أذن للخاطب الثاني أن يخطب جاز ذلك ، وقد قـال r : ( إلا أن يترك الخاطب قبله أو يأذن له ).

 

قوله : [ أو جهل الحال جاز ]

إذا خطب زيد فلانة ، ثم لم يظهر ما يدل على الرضا ، ولا ما يدل على الرد وجهل الحال ، أي جهل غيره ممن يريد أن يخطب هذه المرأة وجهل هل رضوا بهذا النكاح أم لا ، فيجوز له أن يتقدم لخطبتها ، هذا هو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد ، والوجه الثاني وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي : أنه لا يجوز وهذا هو الراجح لظاهر الحديث المتقدم ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ) ، وهنا الخطبة ثابتة ولا يستثنى إلا حيث ظهر عدم الرضا أو عدم السكون والركون إليه ، وهنا لم يظهر شيء من ذلك فيدخل في الحديث المتقدم.

قوله : [ ويسن العقد يوم الجمعة ]

لما روى أبو يعلى عن ابن عباس من قوله : ( يوم الجمعة يوم تزويج وباءة ) ، لكن الحديث فيه يحيى بن العلاء وهو متروك الحديث فعليه الحديث لا يحتج به.

 

قوله : [ مساءً ]

لقوله r : ( أمسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة ) والحديث رواه أبو حفص العكبري كما ذكر الحنابلة.

وقال الألباني في إرواء الغليل – لم أقف على إسناده - ، وعليه فلا يقال باستحبابه يوم الجمعة ولا بتخصيصه في مسائها لعدم ثبوت الحديث.

 

قوله : [ بخطبة ابن مسعود ]

وهي ثابتة في مسند أحمد والسنن الأربعة وحسن هذا الحديث الترمذي وغيره والحديث صحيح ، وفيه أن ابن مسعود قال كان النبي r يعلمنا الخطبة في الحاجة : ( إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا – وفي ابن ماجة " ومن سيئات أعمالنا" – من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ) ثم يقرأ ثلاث آيات.

وفي النسائي الآية الأولى في آل عمران ] ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته …[ الآية.

والآية الثانية في سورة النساء ] يا أيها الناس اتقوا ربكم …. [ الآية.

والثالثة في سورة الأحزاب ] يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً.……[ الآية.

فهذه هي خطبة الحاجة ، وفي البيهقي أن شعبة قال لأبي إسحاق السبيعي - هذه الخطبة في النكاح وفي غيره - فقال : - في كل شيء - ، فخطبة الحاجة تقال عند النكاح وعند غيره ، ولكن لا تجب لأن النبي r لم يقلها في حديث الواهبة نفسها ، عندما قال r : (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، وليس فيه أن النبي r تَشهّد وهي مستحبة عند جماهير العلماء.


فصل

قوله : [ وأركانه الزوجان الخاليان من الموانع ]

فأركان النكاح ثلاثة:

الركن الأول: أن يكون الزوجان خاليين من الموانع ، كأن تكون المرأة معتدة فهذا في المرأة مانع يمنع من صحة النكاح.

                 

قوله : [ والإيجاب ]

وهذا الركن الثاني: وهو الإيجاب وهو قول ولي المرأة أو من يقوم مقامه.

                 

قوله : [ والقبول ]

هذا هو الركن الثالث: وهو القبول وهو قول الزوج أو من يقوم مقامه ، مثال ذلك إذا قال الولي : زوجتك ابنتي – فهذا هو الإيجاب – فقال الزوج : قبلت – فهذا هو القبول - ، ولو هازلاً لحديث : ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة) رواه أبوداود والترمذي وحسنه.

 

قوله : [ ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ زوجت أو أنكحت ]

لا يصح من العربي ، ولا ممن يحسن العربية من غـير العرب أن يقولوا بغير لفظ – زوجت أو أنكحت - ، فإذا قال:  ملكتك ابنتي أو وهبتك أو جوزتك ابنتي أو نحو ذلك ، فالنكاح لا يصح ، فلا يصح إلا بلفظ أنكحت أو زوجت ، قالوا لأنه هو الوارد في القرآن ، قال تعالى: ] زوجناكها [ وقال: ] ولا تنكحوا مـا نكح آبـاؤكم من النساء إلا مـا قد سلف [ هذا هـو المشهور في مذهب الإمام أحمد.

والقول الثاني في المسألة : وهو مذهب الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يصح بكل لفظ دل على النكاح ، وهو القول الراجح.

قال شيخ الإسلام: وينعقد – أي النكاح – بما عده الناس نكاحاً بأي لغة ولفظ وفعل كان آ. هـ.

سواءً كان باللغة العربية أو باللغة الأعجمية ، وسواء دل عليه الفعل أو دل عليه القول ، لأن المقصود هو الدلالة على الرضا وهذا يحصل بكل قول أو فعل يدل على ذلك، وهذا في كل عقد كما تقدم في غير ما مسـألة ، وقـد قـال r في حديث الواهبة نفسها : ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ) ، فعلى ذلك يصح النكاح بكل قول أو فعل دل عليه ، فلو تكلم من يحسن العربية بغير لفظ العربية وهو قادر على أن يتكلم العربية فإن النكاح يصح ، أو تكلم من يحسن الفصحى بالعامية فإن النكاح صحيح.

 

قوله : [ وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت ]

هذه ألفاظ القبول.

 

 

 

 

قوله : [ ومن جهلهما لم يلزمه تعلمهما وكفاه معناهما الخاص بكل لسانٍ ]

على المذهب أنه يجب على من يحسن العربية من الأعاجم أن يتلفظ بالألفاظ العربية بالنكاح ، فإن كان لا يحسن العربية بل هو جاهل فيها ، فهل يلزمه التعلم ، قال المؤلف : " لم يلزمه تعلمهما" ، لأن هذه الألفاظ مما لا يتعبد بلفظه ، وهذا مما يدل على ضعف هذا القول ، إذ لو كان ذلك واجباً لأوجبنا عليه التعلم ، والصحيح ما تقدم من أن النكاح يصح بكل قول أو فعل دل عليه.

 

قوله : [ فإن تقدم القبول لم يصح ]

مثاله إذا قال الخاطب :– زوجني فلانة ، فيقول الولي :– زوجتكها - ، فلا يصح النكاح ، وذلك لتقدم القبول على الإيجاب ، قالوا : ولا يكون قبولاً وقد تقدم على الإيجاب ، وهذا هو المشهور في المذهب ، وأن القبول لا يصح قبل الإيجاب ، وهذا من  مفردات الحنابلة ، وقال جمهور العلماء بل يصح ذلك ، وهذا هو القول الراجح وذلك لظهور الرضا من الطرفين بالألفاظ الدالة على ذلك ، فيحصل بذلك المقصود ، فإن المقصود حاصل بهذه الألفاظ تقدم القبول أو تأخره ، ولأن الرجل في قصة الواهبة نفسها قال للنبي  r " إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها " …… الحديث وفيه أن النبي r قــال لـه: ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ) ، فهذا إيجاب ، وقد تقدم عليه القبول وهو قوله " فزوجنيها".

 

قوله : [ وإن تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه ]

إذا تأخر القبول عن الإيجاب ، كأن يقول الولي : زوجتك ابنتي فلانة ، فسكت الخاطب عن القبول فتأخر القبول عن الإيجاب فإن ذلك يصح ماداما في المجلس ، ولم يتشاغلا بما يقطعه كأن يتشاغلا ببيع وغيره من الأمور الخارجية ، لكن لو تشاغلا بما لا يقطعه كأن يقول له : زوجتك ابنتي ، فيقول : أي بناتك فيقول : البنت الكبرى ، فيقول : كم قدر المهر؟ فيقول : كذا ، فيقول : رضيت بهذا ولا يقطعه ، لكن لو تشاغلا بأمر أجنبي عن موضوع النكاح ثم قال بعد ذلك : رضيت فحينئذٍ لا يصح.

 

قوله : [ وإن تفرقا قبله بطل ]

مثاله : إذا قال الولي : زوجتك ابنتي ، ثم تفرقا من المجلس والخاطب لم يقل : رضيت ، ثم بعد ذلك اتصل بالهاتف أو غيره فقال : قد رضيت ، فلا يصح لأنهما تفرقا عن المجلس.

وعن الإمام أحمد أنه لا يبطل ، وأنه لو تشاغلا عنه بما يقطعه أو تفرقا قبله فإنه لا يبطل ، ويدل على ذلك قصة الواهبة نفسها ، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى النبي r فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي فنظر إليها رسول الله  r فصعد النظر فيها وصوبه ، ثم طأطأ رسول الله r رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست ، فقام رجل من الصحابة فقال : يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال r : فهل عندك من شيء ، فقال : لا والله يا رسول الله ، فقال r :  اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً  ، فذهب ثم رجع ، فقال : لا والله ما وجدت شيئاً ، فقال رسول الله  r :  انظر ولو خاتماً من حديد ، فذهب ثم رجع فقال : لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد ولكن هذا إزاري قال سهل : ما له رداءٌ فلها نصفه فقال رسول الله  r : ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لـم يكن عليك منه شيء ، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله  r مولياً فأمر به فدعي فلما جاء قال r :  ماذا معك من القرآن ، قال : معي سورة كذا وسورة كذا عددها ، فقال r :  تقرأهن عن ظهر قلبك ، قال : نعم  قال r : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ) ، فهنا قد وقع فاصل طويل عرفاً وتفرقاً في المجلس ومع ذلك لم يأمره بإعادة القبول ، هذا القول هو القول الراجح ما لم يكن تشاغله أو تفرقه عن المجلس دالاً على عدم رضاه.


فصل

 

قوله : [ وله شروط ]

فهذا الفصل في شرط من شروط النكاح ، فللنكاح شروط لا يصح إلا مع توفرها.

 

قوله : [ أحدهما: تعيين الزوجين ]

فيشرط أن يعين الزوجان – الذكر والأنثى – بما يتميز به كل واحد منهما كالبيع ، فكما أنه يشترط في المبيع عدم الالتباس بأن ، يتميز المبيع عن غيره فكذلك في النكاح.

 

قوله : [ فـإن أشـار الولي إلى الزوجة أو سماها أو وصفها بمـا تتميز به…..صح ]

إذا أشار الولي إلى الزوجة فقال : زوجتك هذه فقال :– زوجتك هذه – أو سماها فقال :– زوجتك فاطمة – أو وصفها بما تتميز به كأن يقول :– زوجتك ابنتي الكبرى أو الصغرى أو نحو ذلك.

 

قوله : [ أو قال : زوجتك بنتي الكبرى أو الصغرى أو نحو ذلك ]

إذا قال – زوجتك ابنتي ، وليس له إلا هي فإن الزواج يصح لعدم الالتباس ، أما إذا لم يعينها تعيناً يزيل الالتباس كأن يقول : زوجتك ابنتي وله غيرها ، فإن النكاح لا يصح للالتباس المتقدم.

مسألة : إن عيناها في الباطن ولم يعيناها في العقد فإذا عين الولي والزوج المرأة أو المعقود عليها في الباطن ، وأما في الألفاظ فلم يقع منهم تعيين – أي حال العقد – فهل يصح أم لا ؟

وجهان عند الحنابلة:

                           q                 الوجه الأول : الصحة.

                           q                 الوجه الثاني : البطلان.

والراجح هو صحة النكاح لعدم الالتباس ، لأن اتفاقهما في الباطن يزيل الالتباس.

 


فصل

 

قوله : [ الشرط الثاني : رضاهما ]

أي رضا الزوجين ، فيشترط الإذن ، لقول النبي r : ( لا تنكح الأيـِّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن ) ، وقياساً على البيع فإنه يشترط فيه الرضا فكذلك في النكاح.

 

قوله : [ إلا البالغ المعتوه والمجنونة والصغير والبكر ولو مكلفة ، لا الثيب فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجانهم بغير إذنهم ]

المعتوه : درجة لا تصل إلى الجنون.

فالبالغ المعتوه يجوز للأب أو وصيه أن ينكحه بلا إذنه ، لعدم اعتبار إذنه ، فإن إذنه لا فائدة منه فهو غير معتبر ، وكذلك البنت المجنونة يجوز لأبيها أو لوصيه – وهو من يقوم مقام الأب بعد موته – أن ينكحاها ، وكذلك يجوز للحاكم أن ينكح المعتوه أو المجنونة أو الصغير ، عند الحاجة إلى النكاح ، بل يجوز على الراجح لسائر الأولياء ذلك.

إذن الأصل أن الصبي العاقل لا يزوجه إلا الأب أو الوصي ، وكذلك البالغ المعتوه والمجنون أو المجنونة ونحو ذلك ، لكن كما هو المشهور في مذهب الحنابلة يجوز للحاكم أي عند فقد الأب والوصي ، يجوز للحاكم أي القاضي أن يزوجهم عند الحاجة أي عند الحاجة للوطء أو للخدمة أو نحو ذلك ، كأن يكون الصبي العاقل غير البالغ يحتاج إلى الخدمة كأن يكون معوقاً فيزوجه الحاكم ، وهو مختص بالحاكم ، والذي يترجح أنه عام في الحاكم و في سائر الأولياء عند الحاجة لمصلحة موليه ، والصغير يجوز لأبيه أن ينكحه بلا إذنه ، والصغير هو العاقل غير البالغ ، هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.

 

قوله: [ والبكر ولو مكلفة ]

البكر لها ثلاث أحوال :

الحالة الأولى : أن تكون البكر مكلفة أي بالغة عاقلة ، فجمهور العلماء على أن للأب ووصيه من بعده أن ينكحها بلا إذنها أي أن يجبرها على النكاح.

هذا هو مذهب الحنابلة والمالكية والشافعية ، واستدلوا بما روى مسلم في صحيحه أن النبي r قال : ( الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها ) قالوا فقوله r (الثيب أحق بنفسها من وليها) مفهومه أن غير الثيب ليست بأحق بنفسها من وليها ، وعليه فإن وليها أحق بها من نفسها فله أن يجبرها.

وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة كثيرة من أصحابه، واختار هذا القول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالرحمن السعدي رحمهم الله جميعاً ، قالوا : لا يجوز له أن يجبرها بل يشترط إذنها ، واستدلوا بقول النبي r في الحديث المتقدم : ( البكر تستأمر ) أي يطلب أمرها في النكاح  وبقوله r : ( لا تنكح الأيـم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن ) قيل فكيف إذنها قال ( أن تسكت ).

فهذان الحديثان يدلان على وجوب استئذانها ، وعليه فلا يجوز له أن يجبرها.

قالوا : وأما ما استدللتم به فغايته أن يكون مفهوماً ، والمنطوق مقدم على المفهوم.

فإن قيل : لم قال النبي r :- الثيب أحق بنفسها – ؟

فالجواب : لأنها تصرح بلفظها ، فإن الثيب تصرح بلفظها فتقول :  قبلت أو رضيت ، بخلاف البكر فإنها لا تصرح بلفظها حياءً ، وهذا هو القول الراجح

الحالة الثانية : أن تكون البكر دون تسع سنين ، فقد أجمع أهل العلم على أن البكر دون التسع ، يجوز للأب ووصيه من بعده – أن يجبرها على النكاح – هذا بإجماع العلماء حكاه ابن المنذر وغيره.

الحالة الثالثة : البكر بنت تسع سنين ، فجمهور العلماء على أن لأبيها أن يجبرها ومنهم الأحناف كما تقدم فإن الجمهور يقولون : البكر تجبر ولو كانت بالغة ، فأولى من ذلك بنت تسع.

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختاره أبو بكر من الحنابلة ، وقال بعض الحنابلة :– هو المنصوص عن الإمام أحمد –: أنه ليس للأب أن يجبرها وأن لها إذناً معتبراً وذلك لأن إمكان الحيض منها كثير ، ولأنها تتطلع إلى النكاح أكثر من دونها ، ولأن النبي r قال : ( البكر تستأذن ) هو عام في كل بكر فلا يخصص منه إلا مادل الإجماع على تخصيصه وهي ما دون تسع ، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة ، فعليه البكر تستأذن إلا أن تكون دون تسع فلأبيها ولوصيه من بعده أن يجبراها على النكاح بإجماع أهل العلم.

أما الثيب فلا يجوز للأب ولا لوصيه ولا غيرهما أن يجبروها على النكاح ، والمراد بالثيب التي قد تم لها تسع سنين ، فقوله :– لا الثيب – أي الثيب التي تم لها تسع سنين ، وظاهر ذلك أنها إن كانت دون تسع وهي ثيب أن له أن يجبرها وهو الصحيح في مذهب الحنابلة ، وهذا القول ظاهر إذ لا فرق بين البكر والثيب إلا في أمر واحد وهو كيفية بيان الرضا ، فالثيب تصرح بلفظها ، والبكر يمنعها الحياء من ذلك فتصمت ، وقال بعض الحنابلة ، وعبر عنه صاحب الإنصاف بقوله ، وقيل أنه ليس للأب أن يجبر الثيب دون تسع ، وفيه نظر لما تقدم ، إذ لا فرق بينهما إلا فيما تقدم من حيث أن الثيب تبين رضاها بصريح قولها ، وأما البكر فإنها تصمت ويكون صماتها دليلاً على رضاها.

 

قوله : [ كالسيد مع إمائه ]

فالسيد ينكح إماءه البالغات وغير البالغات بغير رضاهن لأنه يملك منافع بضعهن ، فإنهن ملك له وهذا ظاهر.

 

قوله  : [ وعبده الصغير ]

فيجوز له أن يجبر عبده الصغير على النكاح ، لأن هذا - رأى السيد - أولى من الأب ، وأما العبد الكبير البالغ فلا يجوز له إجباره ، لأنه يملك الطلاق وإذا كان يملك الطلاق فلا يملك إجباره على النكاح كالحر.

 

قوله  [ ولا يزوج باقي الأولياء صغيرة دون تسع سنين ]

حتى الجد في الصحيح من قولي العلماء - وهو مذهب الحنابلة - وقالت الشافعية: بل الجد له أن يجبر البكر على النكاح لأن ولايته بسبب الولادة فأشبه الأب وحكاه صاحب الإنصاف اختياراً لشيخ الإسلام وهو روايه عن الإمام أحمد والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة من أن الجد ليس له أن يجبر البكر _دون تسع سنين _ على النكاح وليس له _ على المذهب _ أن يجبرها بعد تسع وذلك لقوله r فيما رواه أبو داود والنسائي (ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر ) ، واليتيمة : هي من ليس لها أب ولأن شفقة الجد ليست كشفقة الأب فالصحيح أن سائر الأولياء كالأخ والعم وكذالك الجد ليس لهم أن يجبروا البكر وإن كانت محلاً للإجبار كالبكر دون تسع.

 

قوله  [ ولا صغيرة ولا كبيرة عاقلة ولا بنت تسع سنين إلا بإذنها ]

لما تقدم  إلا مع الحاجة - على الراجح - وعند الحنابلة أن ذلك  للحاكم خاصة والراجح أنه لسائر الأولياء  وعندما يحتاج موليه إلى النكاح للوطء أو للخدمة فإنه ينكحه لما في ذلك من مصلحته.

 

قوله  [ وهو صمات البكر ]

هذا هو الإذن فإذا قيل لها: خطبك فلان أترضين به ؟

فسكتت ، فهذا هو رضاها وقد قال النبي r ( وإذنها سكوتها ) .

 

قوله  [ ونطق الثيب ]

 فالثيب تبيّن وتعرب عن نفسها  _ كما تقدم في الحديث السابق تستأمر أي تأمر فيطلب أمرها – والثيب في المذهب هي الموطوءة من قبل في حل أو في حرمة وعليه فالمزني بها مكرهة أو غير مكرهة تدخل في هذا الحكم هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.

وقالت المالكية والأحناف : الموطوءة فجوراً ليست بثيب ، وهذا هو  الراجح واختاره ابن القيم ، ويرجحه أن النبي r قال : ( لاتنكح الأيم ) فتفسر الثيب بالأيم ، والموطوءة بالزنا ليست بأيم سواء كانت مكرهه أو غير مكرهه بل الأيم من فارقها زوجها بطلاقٍ أو فسخ أو موت وهذه الأيم قد باشرت النكاح سابقاً ، وحينئذٍ فلمباشرتها السابقة يزيل هذا الحياء الذي يمنعها من التصريح به حيث خُطِبَت مرةً أخرى ، ومن وطئت بالزنا ليس أمرها كذلك.

فالراجح ما ذهب إليه المالكية والأحناف : أن الموطوءة بالزنا سواءً كانت مكرهة أو غير مكرهة ليست بثيب بل هي في حكم الأبكار في هذه المسألة .

فالذي يتبين من الأدلة الشرعية أن الثيب هي الأيم ، والأيم من فارقها زوجها بطلاق أو فسخ أو موت وإن لم يطئها ، فلو عقد عليها فمات عنها قبل أن يطئها فهي في حكم الثيب ، فلا يكفي صماتها بل لابدَّ أن تعرب عن نفسها فتتلفظ بما يدل على رضاها.


فصل

قوله : [ الثالث : الولي ]

هذا هو الشرط الثالث من شروط النكاح وهو الولي فلا يصح النكاح إلا بولي لما روى الخمسة وصححه أحمد وابن المديني والبخاري والذهبي وغيرهم أن النبي r قال : ( لا نكاح إلا بولي ) ، أي لا نكاح صحيح إلا بولي ، ولما روى أحمد والترمذي وابن ماجة والحديث من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فإذا دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ) ، هذا هو مذهب عامة أهل العلم.

وقال الأحناف وهو مذهب أبي حنيفة : بل يصح النكاح بلا ولي واستدلوا بقوله تعالى : ] فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن [ ، فأضاف النكاح إليهن فدل على أنه من فعلهن ، وهذا القول ضعيف جداً وقد قال تعالى : ] فلا تعضلوهن [ فأضاف العضل إلى أوليائهن فدل على أن لهم تصرفاً في انكاحهن ثم إن السنة تبين القرآن وقد دلت السنة على شرطية الولاية في النكاح.

فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه عامة العلماء من شرطية الولاية في النكاح ، وكما يدل عليه الأثر فإن النظر يدل عليه فإن المرأة قاصرة النظر فقد تخدع ويغرر بها بما يكون فيه استحلال لفرجها وأسر لنفسها فلا شك أن هذا مقام مهم جداً فكان الاحتياط للمرأة بأن لا تنكح إلا بولي ، وذلك لقصور نظرها فقد تخدع وتغتر فيستباح فرجها وتكون أسيرة تحت من نكحها بغير ولي فاحتيط لها بأن لا يصح نكاحها إلا بولي ، وهنا تخريج في مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يجوز لها أن تنكح إن أذن لها وليها بالنكاح لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ) ، فدل على أنه إن أذن لها فنكاحها صحيح ، وهذا التخريج كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – هذا تخريج غلط – آ هـ ، وذلك لدلالة السنة الصحيحة في أنه لا نكاح إلا بولي ، وحينئذ فيكون قوله ( بغير إذن وليها ) مما يجري مجرى الغالب فيكون المراد إلا بإذن وليها مع ولايته ، ولما فيه من تبذل المرأة المخالف لصيانتها فإن انكاحها لنفسها تبذل لها ، والشرع يأتي بصيانتها لا تبذلها ولذا فالصحيح أنه لابد من ولي وأن إذن الولي لا يكفي حتى يكون هو المتولي للعقد.

 

قوله : [ وشروطه : التكليف ]

فيشترط التكليف لأن غير المكلف يحتاج لمن ينظر له وهو غير البالغ ، وغير العاقل يحتاج لمن ينظر له فلا ينظر لغيره ، فلابد أن يكون مكلفاً أي عاقلاً بالغاً.

 

قوله  : [ والذكورية ]

فلا تصح ولاية المرأة وإن كانت أُمّاً لقول النبي r الذي رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث حسن : ( لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها ) ، فالشرط الثاني هو أن يكون الولي ذكراً فالأنثى لا ولاية لها.

 

قوله  : [ والحرية ]

فيشترط أن يكون الولي حراً لأن العبد لا ولاية له على نفسه فأولى من ذلك أن تكون لا ولاية له على غيره ، فإنه لا ينكح إلا بإذن سيده فأولى من ذلك أن لا ينكح غيره.

قوله  : [ والرشد ]

فيشترط أن ، يكون الولي راشداً في العقد ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : - الرشد في كل مقام بحسبه - آ هـ ، فالرشد في البيع شيء والرشد في النكاح شيء آخر وهكذا ، فالرشد في النكاح : أن يكون عارفاً بالكفء وعارفاً بمصالح النكاح وإن كان غير رشيد في بيعه وشرائه ولكنه رشيد في النكاح ، ولا شك أن اشتراط الرشيد في النكاح أولى من اشتراطه في البيع ، فإن استحلال الفرج وما يترتب  على النكاح من آثارٍ أولى من خروج شيء من ملكيته من الأشياء المالية.

 

قوله  : [ واتفاق الدين ]

الشرط الخامس : اتفاق الدين فيشتَرط أن يكون الولي وموليته متفقي في الدين إما مسلمين أو نصرانيين أو يهوديين ونحو ذلك فلا بد أن يتفقا في الدين كالإرث لأن اختلاف الدين يمنع من التوارث فكذلك يمنع من الولاية ، لأن القربة سبب ولاية ويترتب عليها الإرث فاختلاف الدين أزال أثرها في التوارث فكذلك يزيل أثرها في النكاح فهو من باب القياس على التوارث ، فليس لمن لا يصلي – وهو تارك للصلاة – ولاية على بناته اللاتي يصلين وذلك لاختلاف الدين ، وكذا ليس لليهودي ولاية على النصرانية وهكذا.

 

قوله  : [ سوى ما يذكر ]

كالسلطان فإنه لا يشترط أن يكون السلطان يوافق دين المرأة التي سيتولى انكاحها التي هي من رعيته ، فإذا كان من رعيته امرأة ذمية فله أن ينكحها وهذا حيث ليس لها ولي ينكحها فإن وليها الأعظم وهو السلطان ينكحها أو القاضي الذي يتوب عن السلطان في ذلك ولو اختلف الدين ، وكذا السيد ينكح أمته الكافرة.

 

قوله  : [ والعدالة ]

الشرط السادس : أن يكون الولي عدلاً ، قالوا : ولو ظاهراً. آهـ ، وهو مستور الحال فيكون في ظاهره عدلاً فلا يظهر عليه فسق باقتراف شيء ظاهر من المعاصي مع عدم ظهور التوبة ، فالفاسق في الظاهر لا ولاية له وأما الذي فسقه باطن ليس بظاهر وهو مستور الحال فهو يُسر بالمعاصي ولكنه في الظاهر مستور الحال فإن ولايته صحيحة ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية.

قالوا : لأنها ولاية نظر فلم يستبد بها الفاسق ، فيشترط أن يكون الولي عدلاً ، فإذا كان الأب فاسقاً فإنه لا ولاية له وتنتقل إلى من بعده وهكذا حتى لو وصلت إلى السلطان.

وعن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي وهو مذهب الأحناف والمالكية : أن العدالة ليست بشرط في الولي في النكاح بل تصح ولاية الفاسق وهذا هو الراجح لعمومات الأدلة وعليه عمل الناس في كل عصر ، وفي كل مصر من عهد السلف الصالح والعمل على هذا ، ولذا قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله ، والأدلة ترده أي القول الأول وعمل السلف يرده. آهـ

وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واختاره الموفق ابن قدامة من الحنابلة واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم ، والفسق في الغالب لا يؤثر في مثل هذه المسائل لما له من الشفقة على موليته ، ولأنه ليس له أن يعضلها وإن عضلها فإن ولايته تبطل وكذا لو أراد إجبارها على نكاح غير الكفء فكذلك كما سيأتي تقريره وعليه فولاية الفاسق صحيحة.

 

قوله  : [ فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها ]

كما تقدم في قول النبي r : (لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها).

 

قوله  : [ ويقدم أبو المرأة في إنكاحها ]

الأب هو المقدم في باب الولاية لأنه أشد شفقة وأكمل نظراً من غيره فيقدم الأب حتى على الأبناء.

وعن الإمام أحمد  أن الأبناء يقومون على الأب وهو مذهب الإمام مالك قالوا : لأنهم أقرب عصبة من الأب ، والصحيح الأول لأن نظر الأب أكمل وشفقته أشد وهو مذهب جمهور العلماء.

 

قوله  : [ ثم وصيه فيه ]

أي ثم يقوم الوصي بعد الأب أي بعد موت الأب ، فإذا أوصى الأب أن تكون ولاية بناته لفلان الأجنبي عنهم أو لأحد أولاده دون غيره أو لأحد أخواله مع وجود أبنائه ونحو ذلك فإن الولاية تكون للوصي ، كالتوكيل في الحياة ، فكما أن الأب لو وكل رجلاً في نكاح بناته فيصح اتفاقاً فكذلك في الوصية بعد الموت ، ولأنه أقوى نظراً من غيره وغالباً لا يجعل الوصية إلا ممن يرى أن إنكاحه أصلح من إنكاح غيره.

 

قوله  : [ ثم جدها للأب وإن علا ]

ثم بعد الوصي الجد للأب ، أما الجد للأم فلا لأنه ليس من العصبة بل هو من ذوي الأرحام كما تقدم في باب الفرائض .

وعن الإمام احمد وهو مذهب المالكية : أن الإبن يقدم على الجد ، والذي يترجح أن الجد يقدم على الإبن أيضاً لأنه أكمل نظراً ولما له من الإيلاد المشابه للأب فيه ، وقد يقال في مثل هذه المسألة أنها ترجع إلى إجتهاد الحاكم أي القاضي لتعيين الأصلح منهما أي من الجد أو الإبن ، وقد يقال هذا أيضاً في مسألة الإبن والأب لأنهم عللوا ذلك بقولهم أكمل نظراً وأشد شفقة ، وقد يتبين للحاكم أن الإبن أشد شفقة وأكمل نظراً فتكون الولاية له ، إلا أن هذا النظر في مسألة الجد أولى من الأب لأن الولاية ثابتة في الأصل للأب فلا ينتقل عنها إلا بدليل فتقديم الأب على الإبن أولى من تقديم الجد على الإبن .

 

قوله  [ ثم إبنها ثم بنوه وإن نزلوا ثم أخوها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك ثم عمها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك ]

ترتيب العصبات كما تقدم في الفرائض .

 

قوله  [ ثم أقرب عصبةٍ نسباً كالإرث ]

أي ثم عم الأب ثم عم الجد وهكذا كما تقدم في الفرائض .

 

قوله  [ ثم المولى المنعّم ]

بالعتق تكون الولاية له إن لم يكن هناك عصبة فمولاها المنعم عليها بالعتق يتولى إنكاحها.

 

قوله  : [ ثم أقرب عصبته نسباً ]

أي ثم ينتقل إلى أقرب عصبة هذا المعتق نسباً.

 

قوله  : [ ثم ولاء ]

يعني المولى فالمعتق إن كان له معتق فتكون الولاية للمعتق إلا على ثبوت الولاية كما تقدم في كتاب الفرائض.

 

قوله  : [ ثم السلطان ]

ثم السلطان -وهو الإمام الأعظم ونائبه وهو القاضي لا الوالي كما نص أحمد - لقول النبي r : ( فإن اشتجروا - أي الولي وموليته – فالسلطان ولي من لا مولى له ) ، وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله : في النساء اللاتي يسلمن في بلاد كافرة وأولياؤهن كفار قال يتولى ذلك رئيس المركز الإسلامي . آهـ

وهذا لما له من الولاية حيث لا سلطان ، فإن تقدر وجود السلطان أو المركز الإسلامي فإنها توكل عدلاً ينكحها وقد روى البخاري معلقاً ( أن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قال لأم حكيم بنت قارظ : أتفوضين أمركِ إلي قالت(نعم) ، قال : تزوجتك).

فهنا فوضت أمرها إليه فإذا انعدم السلطان فلها أن تفوض أمرها إلى عدل ، ولكن يشكل على هذا أن السلطان موجود فقد يكون هذا برضا السلطان فإن السلطان إذا رضي أو أذن بذلك أو فوضت إلى غير هذا الأمر فإن ذلك جائز فللقاضي أن يولي عدلاً يقوم بالإنكاح.

 

قوله  : [ فإن عضل الأقرب ]

كأن يعضلها الأب مثلاً فمنعها من نكاح الكفء فيكون هذا فسق فيه وهنا يوجب هذا نقل الولاية عنه لأنه فعل أمراً محرماً يختص بالولاية فتبين أنه ليس بأهل للولاية ، فإذا أعضل الأب أو الولي الذي بعده وهكذا فإن الولاية تنتقل إلى من بعده ، قال شيخ الإسلام : وإذ1 امتنع الخطاب من الخطبة لشدته فإن الولاية تنتقل عنه. آ هـ ، فتنتقل عنه ولما فيه من الإضرار بالمرأة وقد قــال تعالى : ] فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف [ ، فإذا عضل الأقرب فتنتقل إلى الولي الأبعد وهكذا حتى تصل إلى السلطان.

 

قوله  : [ أولم يكن أهلاً ]

كأن يكون غير بالغ فتنتقل إلى الأبعد البالغ فلو كان أخوها غير بالغ ولها ابن أخ بالغ فالولاية لأبن أخيها البالغ وهكذا لعدم أهلية الولاية.

 

قوله  : [ أو غاب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة زوج الأبعد ]

فإذا غاب الولي غيبة منقطعة لا تقطع عرفاً إلا بكلفة ومشقة فحينئذٍ تنتقل الولاية إلى الأبعد فهو قد سافر سفراً ولا يأتي إلى هذه البلد ليقوم بولاية هذه المرأة إلا بكلفة ومشقة ومرجع هذا إلى العرف فحينئذٍ تنتقل الولاية إلى الأبعد لما في بقاء الولاية له من الإضرار بالمرأة فإذا كان في العرف يشق انتظاره لأن سفره سفر بعيد في العرف يشق معه أن يأتي لولاية المرأة أو أن يوكل فحينئذٍ تنتقل إلى الأبعد.

 

قوله  : [ وإن زوج الأبعد أو أجنبي من غير عذر لم  يصح ]

إذا زوج الأبعد كالأخ مع وجود الأب أو الأجنبي يزوج مع وجود الغريب من غير عذر وتقدمت بعض الأعذار ومن ذلك العضل ومن ذلك أن يكون غائباً غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة ، أو أن يجهل وجود الأقرب كأن يكون لها أبناء عم أباعد لا يدرى بهم فيزوجها السلطان مثلاً ولا يدرى بوجودهم إلا بعد ثبوت النكاح فحينئذٍ هذا عذر في تصحيح النكاح فيصح النكاح حينئذٍ ، أما إذا زوجها الأبعد أو الأجنبي من غير عذر فلا يصح النكاح ، وعن الإمام أحمد أنه موقوف على إجازة الولي كالبيع ، وفيه نظر للفارق بيين النكاح والبيع بدليل أن المرأة لا يحل لها أن تنكح نفسها بإذن وليها فكذلك إذا أنكحها غيره وإن كان الولي قد أذن بذلك ، فإذا استوى الوليان كأن يكون لها اخوة هم أولياؤها فأي أحد منهم أنكح صح إنكاحه لأن كلهم أولياء لها ، وكذا لو كان لها أبناء عم درجتهم واحدة وهكذا.

فإن أذنت لواحدٍ تعين ولم يصح نكاح غيره ، والمستحب أن يقوم الأفضل ثم الأسن ، فإن تشاحنوا في ذلك أقرع بينهم.

فإن زوجها وليان هذا زوج وهذا زوج فالزوج الأول وهو الصحيح لما روى الخمسة أن النبي r قال : ( أيما امرأة أنكحها وليان فهي للأول منها ) ، فإن جهل السابق أو علم فنسي فالمشهور في مذهب الإمام أحمد أن النكاحين يفسخان جميعاً ، ولهما نصف المهر يقترعان عليه.

وعن الإمام أحمد رحمه الله أنه يقرع بينهما وهذا أظهر ممن خرجت قرعته فهو زوجها ولكن يجدد العقد للوطء وهذا هو الأصح لأن القرعة تفعل حيث استوت الحقوق فلا مرجح لأحدهما على الآخر فإنه يقرع بينهما فإذا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهو زوجها ويجدد العقد للوطء.

 

فصل

قوله  : [ الرابع : الشهادة ]

أي الشرط الرابع من شروط النكاح الشهادة.

 

قوله  : [ فلا يصح إلا بشاهدين عدلين ذكرين مكلفين سميعين ناطقين ]

فالشهادة شرط في صحة النكاح عند جمهور العلماء واستدلوا بما روى البيهقي وغيره من حديث الحسن عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي r قال : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدين ) ، والحديث إسناده ضعيف جداً فإن فيه عبدالله بن محِّرز وهو متروك الحديث ولكنه صحيح إلى الحسن مرسلاً ، فالصواب فيه الإرسال وأما الوصل فإسناده ضعيف جداً.

وفي الدارقطني وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدلٍ ) ، ولكن سنده ضعيف مرفوعاً ، ولكنه صحيح موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنه وقد صحح وقفه الترمذي والبيهقي وغيرهما ، والعمل على هذا عند أهل العلم من اصحاب النبي r ومن بعدهم من التابعين كما قال ذلك الترمذي رحمه الله فهذا الحديث المرسل يشهد له عمل الصحابة رضي الله عنهم ويشهد له أيضاً الأثر الموقوف عن ابن عباس رضي الله عنهما ولا يعلم له مخالف ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.

وقال المالكية وهو مذهب ابن المنذر واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد – أن الإشهاد لا يشترط وإنما يشترط إعلان النكاح – واستدلوا بما ثبت في المسند بإسنادٍ صحيح من حديث عبدالله بن الزبير أن النبي r قال : ( أعلنوا النكاح ) والأمر للوجوب وثبت عند الخمسة إلا أبا داود بإسنادٍ جيد أن النبي r قال : ( فصل ما بين الحلال والحرام – أي النكاح والسفاح – الصوت والدف في النكاح ) ، ومن حديث عائشة رضي الله عنها نحو حديث ابن الزبير ( أعلنوا النكاح ) وفيه : ( واضربوا عليه بالغربال ) ، وهو الدف ولكن إسناده ضعيف.

فإذاً : مذهب مالك أن الشرط هو إعلان النكاح ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : لا أصل للإشهاد في الكتاب والسنة. آ هـ ، والذي يتبين مما تقدم أن الحديث مرسل والعمل عليه عند أصحاب النبي r فمن بعدهم ويعضده الأثر الموقوف عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فالذي يتبين هو شرطية الإشهاد ، كما أن الراجح أيضاً هو وجوب إعلان النكاح كما هو مذهب مالك والجمهور على الاستحباب ، والصحيح وجوب إعلانه وقد يقال – إن النكاح إذا أعلن فإنه يكتفي بإعلانه عن الإشهاد ، فإن إعلانه يقوم مقام الإشهاد بل أعظم وقد يستدل على هذا بما روى أنس بن مالك رضي الله عنهما كما في الصحيحين أن النبي r ( اشترى جارية على سبعة أرؤس فقال الناس – ما ندري أتزوجها النبي r أم جعلها أم ولد له ، فلما ركب حجبها فعلم الناس أنه قد تزوجها ) ، وليس في الحديث إشهاد.

وأجاب عنه الموفق رحمه الله ، بأن هذا من خصائص النبي r ، كما أن من خصائصه :عدم الولي فإن النبي r نكح غير واحدة من نسائه بلا ولي فهو من خصائصه فكذلك في الشهادة ، ومع ذلك فإن القول باشتراط إعلان النكاح فيه قوة لأن إعلان النكاح يقوم مقام الإشهاد ، ولا شك أن الإحتياط هو أن يشهد على النكاح ، وأن يعلن عليه . ولا يشترط في المذاهب الأربعة - إلا وجهاً ضعيفاً للشافعي وأحمد كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - لا يشترط الإشهاد على إذن المرأة فالإشهاد المتقدم إنما هو الإشهاد على تزويج الولي ، بل لو قال الولي : أذنت لي ، فإن قوله يقبل ولكن إن أنكرت بعد ذلك أن تكون أذنت لوليها فالقول قولها بيمينها . ولذا : فينبغي كما قال شيخ الإسلام وغيره الإشهاد على إذن المرأة ليكون النكاح متفقاً على صحته ، وليؤمن فسخه عند جحودها ، فعلى ذلك يستحب الإشهاد على إذنها ولكن لا يشترط لعدم الدليل عليه . فإذن : يشترط الإشهاد ويشترط على الراجح إعلان النكاح ويضرب عليه بالدف ، فظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله وكلام أصحابه أن ذلك على التسوية للرجال والنساء وأن الرجال يضربون بالدف كالنساء ، وقال الموفق رحمه الله تعالى : هو مخصوص بالنساء. آ هـ

وقوله أظهر لأن هذا غير معروف في عهد النبي r _أي أن يضرب الرجال بالدف في النكاح بل المعروف هو ضرب النساء على بالدف ، فدل على أن المراد بالأحاديث المتقدمة هو ضرب النساء عليه بالدف إذ لو كان المراد ضرب الرجال عليه أيضاً لفعل ذلك في عهد النبي  r ، ولكن إن سمع الرجال للدف مع كون الفتنة مأمونة كأن تكون الجواري هن اللآتي يضربن بالدف فإن ذلك جائز ، ويدل عليه ما رواه الحاكم بسند صحيح عن عامر بن سعد قال : ( دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يضربن بالدف فقلت – أنتم أصحاب النبي r وأهل بدر يفعل هذا عندكم – فقالا : إن شئت فأقم معنا وإن شئت فاذهب فإن النبي r رخص لنا باللهو في العرس ) ، فدل على جواز السماع مع أمن الفتنة.

فالأظهر هو ما قاله الموفق رحمه الله وأن الضرب بالدف إنما هو للنساء خلافاً لما يفيده ظاهر نصوص الإمام أحمد وظاهر كلام أصحابه لأن هذا غير معروف في عهد النبي r .

ويشترط في الشاهدين العدالة ولو ظاهراً كما تقدم في الولي ، وكذا أن يكونا ذكرين فلا تصح شهادة الأنثى ولا تصح شهادة رجل وامرأة ففي مصنف ابن أبي شيبة عن الزهري قال : مضت السنة أن شهادة المرأة لا تجوز في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق. آ هـ ، ولأن هذا الأمر يطلع عليه الرجال وليس بمالي فلم يحتج معه إلى شهادة النساء وسيأتي في الكلام على شهادة المرأة في باب الشهادة إن شاء الله ، وأن يكون مكلفين وكذا سميعين فلوا كانا أصمين فلا يصح لأنه لا يمكنه أن يشهد لأنه لم يسمع ، وكذا أن يكونا غير أخرسين فإن كانا أخرسين فلا تصح شهادتهما لأنهما لا يمكنهما الأداء ، وقال الشافعية في وجه بل يصح أن يكونا أخرسين وهذا هو الراجح لأنه يمكنه أن يؤدي الشهادة بالإشارة.

 

قوله  : [ وليست الكفاءة وهي دينٌ ومنصب ، وهو النسب والحرية شرطاً في صحته ]

الكفاءة ليست بشرط في صحة النكاح ودليل ذلك أن النبي r كما في الصحيحين (لما عتقت بريرة خيرها من زوجها وكان عبداً ) ، فهذا التخيير من النبي r يدل على أن ذلك ليس شرطاً في صحة النكاح وإنما هو شرط في لزومه أي في أن لا يثبت فيه الخيار فلا فسخ ، فإذا تزوج الرجل امرأة ليس بكفء لها فالنكاح صحيح ولكن يثبت الخيار للمرأة ولوليها الفسخ كما خير النبي r بريرة لما أعتقها والعبد ليس بكفء للحرة وبريرة حرة وزوجها عبد فليس كفأً لها فلم يبطل النبي r النكاح وإنما جعل لها الخيار.

فعليه ليست الكفاءة شرطاً في صحة النكاح بل هي شرط في لزومه بمعنى أن الكفاءة إن لم تثبت فالخيار ثابت واتفق أهل العلم أن الدين من الكفاءة ، فالمرأة الصالحة لا تزوج الرجل الفاسق لأنه ليس بكفءٍ لها ، فإذا زوجت امرأة صالحة بفاسق فلها الفسخ بالشرط الآتي ذكره ، كما أن الفاجر ليس بكفء للعفيفة فإذا زوجت فلها الفسخ أو لأحد أوليائها مالم يدل دليل على الرضا منها بقولها أو فعلها أو من الولي بقوله فلا فسخ.

والثاني : النسب ، فالعربي كفء للعربية ولكن الأعجمي ليس بكفء للمرأة العربية. فمثلاً : رجل ليس بقبلي تزوج امرأة قبلية لا يكون كفأً لها عند جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والأحناف ، فإذا لم تعلم أنه غير قبلي فلها ولوليها الفسخ بل لأي أحد من الأولياء ذلك ولو بعد حين في أي زمن كان فله أن يفسخ العقد . فمثلاً : امرأة تزوجها غير قبلي وهي قبلية ورضي الأولياء الحاضرون فولد بعد عشرات السنين ابن عم لها فقال : أن لا أرضى بذلك فحينئذٍ يفسخ النكاح كما سيأتي تقريره فالنسب من الكفاءة وفي البزار بسند جيد ، قال سلمان الفارسي رضي الله عنه : ( أنتم قد فضلكم الله علينا معشر العرب بألاننكح نساءكم ولانؤمكم ).

قال المالكية وهو مذهب البخاري واختاره ابن القيم وابن سعدي أن الكفاءة ليس منها النسب بل لو تزوج غير القبلي قبلية وهو رجل صالح فهو كفء لها: لقول النبي r : ( إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) رواه الترمذي والحديث حسن ، وقد ثبت أن النبي r قال لفاطمة بنت قيس وهي عربية قال لها : ( أنكحي أسامة بن زيد )  وهو مولى ، وفي البخاري ( أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنىَ سالماً وزوجه ابنة أخية هند بنت عتبة بن ربيعة وهو مولى لإمرأة من الأنصار ) فسالم مولى وزوجه قرشية ، وهذا الأرجح في هذه المسألة وأن مسألة النسب ليست من الكفاءة .

ثالثاً : الصنعة  ، فصاحب الصنعة الدنيئة كالحجام والكساح ونحوهم لا يزوجون بنات أصحاب الصناعات الرفيعة فان تزوجها فلها الفسخ أو لأحد أوليائها الفسخ وهذا هو المشهور في المذهب.

ومذهب مالك : أن هذا ليس من الكفاءة فقد روى أبو داود بسند جيد ( أن أبا هند حجم النبي r من اليافوخ وهو مولى فقال النبي r : يا بني بياضة – وهم عرب - أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ) ، وهو القول الراجح في هذه المسألة.

رابعاً : اليسار ، فإذا تزوج قرشي نسيب في قومه امرأة ذات يسار وهو فقير معسر فإن لها ولأحد أوليائها الفسخ حتى ولو قام بنفقتها الواجبة ولكنه ما دام لا ينفق عليها النفقة المناسبة لها فليس بكفء لها ، فيشترط في لزوم النكاح أن يكون الزوج ذا يسار إذا كانت المرأة ذات يسار ، وعن الإمام أحمد وهو الراجح أن ذلك ليس بشرط ولكن إن أعسر في النفقة الواجبة فسيأتي الكلام عليه في مسألة قادمة إن شاء الله.

خامساً: الحرية ، فالعبد ليس بكفء للحرة وهو ظاهر في قول النبي  r في الحديث المتقدم الذي فيه إثبات الخيار لبريرة لما عتقت فدل على أن العبد المملوك ليس بكفء للحرة ولو كانت سابقاً مملوكة ولكنها أعتقت فأصبحت حرة فليس العبد المملوك كفأً لها.

 

قوله  : [ فلو زوج الأب عفيفة بفاجر……. ، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ ]

هذا هو المذهب وأنه يصح تزويج العفيفة لمن عرف بالزنا ، وعن الإمام أحمد رحمه الله وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن السعدي ، المنع من ذلك وهو الصحيح الذي يدل عليه كتاب الله عز وجل حيث قال تعالى : ] الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين [ ، فمن عرف بالزنا فلا ينكح العفيفة والنكاح باطل كما أن العفيف لا ينكح الزانية كذلك لنص الآية المتقدمة.

 

قوله  : [ أو عربية بعجمي ، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ ]

أي تزوجت امرأة قبلية برجل ليس بقبلي فلها الخيار ، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن جنس العرب أفضل من جنس العجم ، ولكن هنا هل النسب من الكفاءة أم لا ، كما لو تزوج بلال رضي الله عنه أو سلمان الفارسي رضي الله عنه تزوج بامرأة قرشية أو تميمية فللزوجة أو لأي أحد من الأولياء أن يفسخ النكاح ، فلو رضيت المرأة و الأب بهذا الرجل الصالح الذي ليس بعربي فاعترض بعض الإخوة فله الفسخ ، ولو لم يكن موجوداً أثناء الزواج بل ولد بعده ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.

وقال الشافعية والمالكية : بل إذا زوج الأقرب فليس للأبعد أن يفسخ فإذا زوج الأب ورضي فليس للأخوة أن يفسخوا ، ذلك لأن رضاهم غير معتبر مع وجود الأقرب فالولاية للأقرب وهو الراجح وهذا على القول بأن النسب من الكفاءة.

ولكن هنا لو أن رجلاً زوج ابنته رجلاً غير صالح فاعترف  بعض الاخوة على ذلك فهل يقبل هذا الاعتراض ويفسخ العقد أم لا ؟

في المذهب نعم يفسخ ، ومذهب المالكية والشافعية وهو الراجح : أنه ليس له حق الفسخ وذلك لأن الراضي هو الولي الأقرب والولي الأبعد ليس بمعتبر مع رضا الولي الأقرب ، أما إذا كانوا في درجة واحدة كالاخوة مثلاً فجمهور العلماء على أن لكل واحدٍ منهم الفسخ ، وأن رضا كل واحدٍ منهم معتبر ولأن الولاية حق مشترك لهم جميعاً .

وقال الأحناف : بل إذا رضي بعضهم ولم يرض الآخرون فالعبرة بمن رضى لا بمن سخط وذلك لأنه حق لا يتجزأ كالقصاص ، والقياس على القصاص فيه نظر لأن القصاص لا يمكن تجزؤه لأنه لا يمكن إقامة القصاص على بعضه ولا ينطبق على البعض الآخر وأما هنا فيمكن الفسخ ومع ذلك فما ذهب إليه الأحناف فيه قوة ، لأن هذا ولي قد زوج ، وقد تقدم أن الحق لمن تقدم ، فالمرأة التي لها وليان فينكحاها فإن الحق للمتقدم وهنا كذلك فإذا زوجها أحدهم من ليس بكفء فليس للأخر الفسخ وذلك لأن الحق أصبح له لتقدمه.

 

 

 

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم


 





حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net