عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
[an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النكاح
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النكاح
المحرمات في النكاح
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

باب المحرمات في النكاح

المحرمات ضربان :

1)                  الضرب الأول : محرمات على الأبد ، فلا تحل له أبداً.

2)                  الضرب الثاني : محرمة إلى أمد أي إلى غاية ، فمتى ما زال المانع فإنها تحل له.

وقد شرع المؤلف في هذا الباب بذكر المحرمات على الأبد :

فقال رحمه الله تعالى: [ تحرم أبداً الأم وكل جدة وإن علت ]

لقوله تعالى : ] حرمت عليكم أمهاتكم [ ، فتحرم الأم والجدة من الأم والجدة من الأب وإن علت ، فكل أنثى لها إليك ولادة فهي أم لا تحل.

 

قوله  : [ والبنت وبنت الابن وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلت ]

البنت محرمة لقوله تعالى ( وبناتكم ) وهكذا بنت البنت وإن نزلت وبنت الابن وإن نزلت والبنت هي كل أُنثى لك إليها ولادة فالبنت تحرم سواءً كانت من نكاح حلال أو من نكاح شبهة أو من الزنا المحرم فالبنت من النكاح الصحيح محرمة والبنت من النكاح الشبهة محرمة وهذا بإجماع أهل العلم  وكذلك المنفية باللعان فإذا نفى من زوجته ما في بطنها أو إبنة لها فإنها لا تحل له لاحتمال أن تكون من مائه ، والاحتياط في الفروج واجب .

وأما التي هي من السفاح المحرم فالمشهور في مذهب الإمام أحمد :أنها تحرم عليه.

وقالت الشافعية : بل تحل له واستدلوا بأنها لا تنتسب إليه ولا ترث منه فهي أجنبية عنه.

والراجح هو القول الأول وذلك لأنها خلقت من مائه ولأنها بعض منه وهذا لا يترتب على حل ولا حرمه فهي بنت له فتدخل في عموم قوله ( وبناتكم ) وإنما لم تنسب إليه لأن السبب في كونها منه ليس سبباً شرعياً وإلا فهي بنته ومما يدل على أنها محرمة عليه قوله r في امرأة هلال بن اُمية لما لاعنها زوجها قال (انظروه فإن جاءت به على كذا وكذا _ ووصفه r _ فهو لشريك بن السمحاء )- وهو الزاني - فقد قال ( فهو لشريك ) أي هو ابن له وهو وإن لم ينتسب له وإن لم يرث منه لكنه ابنٌ له وكذلك البنت.

 

قوله  : [ وكل أخت وبنتها وبنت بنتها ]

وكل أخت سواء كانت من أبوين وهي الأخت الشقيقة أو من أبٍ وهي الأخت لأب ، أو كانت من أم وهي الأخت لأم فكلهن محرمات لقوله تعالى :  ] وأخواتكم [ وكذلك بنت الأخت وبنت بنت الأخت وإن نزلت لقوله تعالى : ] وبنات الأخت [.

 

قوله  : [ وبنت كل أخٍ وبنتها وبنت ابنه وبنتها وإن سفلت ]

لقوله تعالى : ] وبنات الأخ [ ، بنت الأخ وبنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ كلهن محرمات.

 

قوله  : [ وكل عمة وخالة وإن علتا ]

فالعمة الشقيقة والعمة لأب والعمة لأم ، وعمة الأم وعمة الأب وعمة الجد كلهن محرمات ، وهكذا الخالات ، لقوله تعالى : ] وعماتكم وخالاتكم [ والجمع في الجمل المتقدمة في هذه الآية جمع مضاف والجمع المضاف يفيد العموم ، وعليه فلا تحل له ممن يجمعه النسب وإياها إلا بنات العم وإن نزلت وبنات العمة وإن نزلن ، وبنات الخالة وإن نزلت وبنات الخال وإن نزلت ، والمراد بالنسب القرابة بخلاف الصهر وقد قال تعالى : ] يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللآتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك [.

والضابط في المحرمات بالنسب أنها :

1- الأصول وان علون .

2- الفروع وان نزلن .

3- فرع الأصل الأدنى وان نزلن .

4- فرع الأصل الأعلى لا إن نزلن.

 

قوله  : [ والملاعنة على الملاعن ]

فالملاعنة تحرم على الملاعن على الأبد ، ولذا قال النبي  r للملاعن ( لا سبيل لك عليها ) فتحرم عليها.

 

قوله  : [ ويحرم بالرضا ما يحرم بالنسب ]

تقدم ذكر المحرمات بالنسب وهن سبع ، وهؤلاء المحرمات بالنسب يحرم ما يقابلهن من الرضاع ، فأم الرضاع محرمة وبنت الرضاع محرمة وهكذا لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي r قال ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

 

قوله  : [ إلا أم أخته وأخت ابنه ]

هذا استثناء ، فأم الأخت من الرضاع لا تحرم ، فإذا كان لك أخت من الرضاع ولها أم لم تحرم عليه وكذلك أخت ابنه من الرضاع فإذا كان له ابن ولإبنه  من الرضاع أخت لم تحرم عليه وهذا الاستثناء الذي ذكره المؤلف فيه نظر من حيث الاستثناء لا من حيث الحكم أما من حيث الحكم فهو ظاهر وأما من حيث الاستثناء ففيه نظر ، ولذا ذكر الزركشي وغيره أن جمهور الأصحاب من الحنابلة لم يستثنوه وذلك لأن المستثنى منه هن المحرمات بالنسب والمستثنى هنا من التحريم بالمصاهرة ، فإن أم الأخت محرمه لأنها زوجة الأب فيقابلها من الرضاع أم الأخت من الرضاع  وكذلك أخت ابنه فإن أخت الابن هي مقابلة للربيبة والربيبة تحريمها من باب التحريم بالمصاهرة وليس من باب التحريم بالنسب ولذا فإن الاستثناء هنا ليس بصحيح .

 

قوله  [ ويحرم بالعقد زوجة أبيه وكل جد ]

بمجرد العقد تحرم زوجة الأب وزوجة الجد سواءً كان جداً من أم أومن أب وإن علوا لقوله تعالى ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسـاء إلا ما قد سلف) فزوجة الأب محرمة وكذلك زوجة الجد والأب من له عليك ولادة .

 

قوله  [ وزوجة ابنه وإن نزل ]

فزوجة الابن محرمة وإن نزل الابن فزوجة الابن من الصلب وزوجة ابن الابن وابن البنت كلهم من المحرمات ولذا قال النبي r في الحسن (إن ابني هذا سيد) وهو ابن بنته فكل ذكر لك عليه ولادة فهو ابن لك فحليلته محرمة عليك لقوله تعالى ( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) فزوجة الابن محرمة بمجرد العقد –أي محرمة على الأب وإن علا الأب .

 

 قوله  : [ دون بناتهن وأمهاتهن ]

فزوجة الابن محرمة لكن بنتها ليست محرمة على الأب ، وأمها ليست محرمة  – أي على الأب – فله أن يتزوج أم زوجة ابنه ، أو ابنة زوجة ابنه لقوله تعالى : ] وأحل لكم ما وراء ذلكم [ ، فليست مما حرمه الله عز وجل .

 

قوله  : [ وتحرم أم زوجته وجداتها بالعقد ]

هذه المحرمة الثالثة من المحرمات بالصهر وهي أم الزوجة وكذلك جداتها فإنهن يحرمن بمجرد العقد وذلك لقوله تعالى : ] وأمهات نسائكم [.

 

قوله  : [ وبنتها وبنات أولادها بالدخول ]

هذه المحرمة الرابعة بالصهر ، وهي بنت الزوجة وبنات أولادها إذا دخل بها وهي الربيبة وهي لا تحرم إلا بالدخول ، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالدخول :

فقال الحنابلة الدخول هو الوطء ، وهو قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ]وربائبكم الآتي في حجوركم من نسائكم اللآتي دخلتم بهن [ ، قال في الدخول : هو الجماع.

وعن الإمام أحمد أن الدخول هو الخلوة ، فإذا خلا بها فقد دخل بها ، وهذا الدخول في العرف ، فإن الدخول في العرف هو الخلوة ، يقال دخل بالمرأة أي بنى بها وإن لم يطأها.وهو مذهب أكثر الفقهاء أن الدخول هو أن يمسها بشهوة على اختلاف بينهم في تفصيل ذلك.

وأرجحها أن المراد به الوطء وهو تفسير ابن عباس ولا أعلم له مخالفاً ، وقد رواه عنه ابن جرير في تفسيره واختاره ، وحكي الإجماع على أن الدخول هنا لا يراد به الخلوة وهذا الإجماع يصرفنا عن تفسير الدخول بالخلوة ولكن تقدم ما روي عن الإمام أحمد في هذا الباب ، ولكن مع ذلك يرجحه من جهة أخرى تفسير ابن عباس ، والوطء ثابت في الوطء بالقبل بلا ريب.

وهل يثبت بوطئها في الدبر أم لا ؟

المشهور في المذهب أنه يثبت بوطئها بالدبر قياساً على وطئها بالقبل

وقال بعض الحنابلة لا يثبت الدخول بذلك حتى يطأها بالقبل وذلك لأن الله إنما حرّم بالمباح فهو الدخول المباح وهو وطؤها في قبلها ، ووطؤها في دبرها محرم والمحرم مباين أعظم المباينة للنكاح وهذا هو الراجح

 

 

 

 

قوله  [ فإن بانت الزوجة أو ماتت بعد الخلوة أبِحن ]

إذا بانت الزوجة أي إذا طلقها بعد الخلوة وقبل الدخول فإن ابنتها حلال له للآية المتقدمة ( فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) وهو لم يطأها وكذلك إذا خلا بها ثم ماتت قبل أن يدخل بها فإن ابنتها تحل له وذلك للآية المتقدمة لأنه لم يدخل بها وكونها قد ماتت فإن موتها ليس في حكم الدخول بها.

 إذن :  المحرمات بالمصاهرة أربع كلهن يحرمن بمجرد العقد إلا الربيبة أي بنت الزوجة فإنها لا تحرم إلا بالوطء . واختلف أهل العلم في قوله تعالى ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) هل هذا القيد له مفهوم أو لامفهوم له ؟

 فقالت : الظاهرية وهو قول علي بن أبي طالب كما في مصنف عبد الرزاق وقال الحافظ إبن كثير (إسناده ثابت قوي) وقال ( هو غريب جداً )أي على علي بن أبي طالب وهو أن هذا القيد معتبر فعلى ذلك لا تحرم عليه إلا إذا كانت في حجره . وقد قال ابن كثير حدثنا شيخنا الذهبي أنه سأل الإمام تقي الدين ابن تيميه عن هذا الأثر فاستشكله وتوقف في ذلك .

القول الثاني وهو قول عامه أهل العلم : أن القيد هنا لا مفهوم له وإنما هو يجري مجرى الغالب وذلك لأن الغالب أن بنت الزوجة تكون في حجره ويدل على ذلك أن كونها في حجره ليس بمؤثر شرعاً فإن الرجل لو ربى بنتاً كأن يربي بنت عمه أو بنت خاله فإنها لا تحرم عليه ويكون أيضا ذكر القيد إشارة إلى العلة فهي كبناته إذ إنها في حجره. فدل هذا على قوة ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من أن هذا القيد لا مفهوم له، وأما الأثر فضعفه ابن المنذر والطحاوي.

وكذلك ما كان من نكاح شبهة ، فإذا وطئ رجل امرأة في نكاح شبهة ولها بنت فإنها تحرم عليه وهذا بالإجماع ، وهل تحرم عليه بنت من زنى بها ؟

 قال الحنابلة : تحرم عليه قياساً على النكاح .

القول الثاني في المسألة ، وهو المشهور في مذهب الشافعية والمالكية أنها لا تحرم عليه واختاره شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح ، إذ لا يصح كما قال الشيخ عبد الرحمن : قياس السفاح بالنكاح بوجه من الوجوه ، وأيضاً فإن الله عز وجل إنما حرم أم الزوجة وبنت الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والمزني بها ليست بزوجة فلا تثبت لها هنا الأحكام ،فإذا زنا الأب بامرأة فإنها لا تكون زوجة له فتحرم على إبنه , ومن غرائب العلم أن المشهور في مذهب الحنابلة أن اللواط تنتشر به الحرمة , وأن الرجل إذا فعل بآخر حرمت عليه أم المفعول به وابنة المفعول به وهكذا ، وهذا من غرائب العلم وهو من القياس الباطل البعيد ،وهذا من مفردات المذهب ، وخالف في هذه المسألة أبو الخطاب من الحنابلة والموفق ابن قدامه .


 

فصل

 

 قوله  : [ وتحرم إلى أمدٍ معتدته وأخت زوجته وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما ]

هذا الفصل في المحرمات إلى أمد ، أما حرمة الجمع بين الأختين فقوله تعالى – في سياق ذكر المحرمات – ( وأن تجمعوا بين الأختيـن إلا ما قد سلف) وأما الدليل على النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) وقوله (لا يجمع ) خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فيحرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ومن باب أولى حرمة الجمع بين المرأة وابنتها ، والقاعدة في المذهب : " المنع من الجمع بين كل أنثيين بينهما نسب أو رضاع بحيث لو كانت إحداهما ذكرا ًلما جاز له أن ينكح الأخرى " ، هذا هو الضابط في المشهور من المذهب ، وعليه فلا يجوز الجمع بين المرأة وعمة أبيها و المرأة وخالة أبيها،  وكذلك لا يجوز الجمع بين الأختين من الرضاع ولا بين المرأة وعمتها من الرضاعة و هكذا.

وأختار شيخ الإسلام الجمع بين الأنثيين إن كان بينهما رضاع لا نسب ، فله أن يجمع بين المرأة وعمتها من الرضاعة و بين المرأة وخالتها من الرضاعة و بين الأختين من الرضاعة وذلك لأن الجمع بين الأنثيين اللتين بينهما رضاع ليس تحريمه بمنصوص عليه وليس بمعنى المنصوص عليه ، فليس بمنصوص عليه ولا يقاس على المنصوص عليه للفارق في المعنى ، أما كونه ليس بمنصوص عليه ، فلأن الأم إذا أطلقت والأخت إذا أطلقت والعمة إذا أطلقت والخالة إذا أطلقت لا تدخل فيها أم الرضاع ولا أخت الرضاع ولا عمة الرضاع ولا خالة الرضاع بدليل أن الله قال : في كتابه الكريم ] حرمت عليم أمهاتكم [ ، ثم قال : ] وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم [ ، وقال : ] وأخواتكم [ ، ثم قال : ] وأخواتكم من الرضاعة [ ولو كان قوله : ] حرمت عليكم أمهاتكم [ يدخل فيه أم الرضاع لما ذكر تحريم الأمهات من الرضاع بعد ذلك ، وكذلك في الأخت فلو كان قوله : ] وأخواتكم [ تدخل فيه الأخوات من الرضاعة لما بين تحريمها في قوله : ] وأخواتكم من الرضاعة [  ، فعليه قوله :] وأن تجمعوا بن الأختين [ وفي حديث ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ) لا يدخل في هذه الألفاظ العمة من الرضاع ولا الخالة من الرضاع ولا الأخت من الرضاع .

وأما كونه لا يقاس على المنصوص عليه ، فلأن العلة من تحريم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ما يفضي إليه الجمع من قطيعة الرحم التي أمر الله بصلتها والشارع إذ نهى عن شئ فإنه يسد الذرائع الموصلة إليه ومن ذلك ما يقع من العداوة من الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها – مما يفضي كثيراً أو غالباً إلى قطيعة الرحم ،وليس بين الأختين من الرضاعة ولا بين المرأة وعمتها من الرضاعة ليس بينهما رحم . فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام . وهل يجوز الجمع بين الأختين ، وبين المرأة وعمتها ، وبين المرأة وخالتها إن كنّ إماءً في الوطء أم لا ؟ أي هل يجوز أن يكون تحت ملكه أمتان يطؤهما وهما أختان أو إحداهما عمة للأخرى أو خالة للأخرى أم لا يجوز ذلك ؟ أما الجمع بينهما في الملك فلا خلاف بين أهل العلم في جوازه  وذلك لأن الرجل قد يمتلك الأمة للخدمة ونحوها ، وأما الجمع بينهما في الوطء فمذهب الأربعة وأكثر الصحابة أن ذلك محرم وهو اختيار شيخ الإسلام.

والقول الثاني : وهو : مذهب الظاهرية على جواز ذلك وهو رواية عن الإمام احمد فإنه قال : لا أقول بتحريمه لكني أنهى عنه ، أي لا أقول هو حرام لكني أحث على اجتنابه واستدلوا بقوله تعالى : ] أو ما ملكت أيمانكم [ ، والقول الأول ارجح وذلك لأن قوله تعالى : ] أو ما ملكت أيمانكم [ ، إنما إتاحة جنس المملوكات وليس فيه بيان ما يحرم منهن وما يحل ، والجمع بينهن في الوطء يورث ما تقدم ذكره بين الحرائر فإنه يفضي إلى قطعيه الرحم التي أمر الله بصلتها .

 

قوله  [ فإن طُلقَت وفرغت العدة أبحن ]

إذا طلق المرأة وفرغت من عدتها فله أن ينكح أختها وله أن ينكح عمتها وله أن ينكح خالتها وذلك لأن التحريم إلى أمدٍ وليس بتحريم على الأبد . فقد زال المانع وهو الجمع وهنا لا جمع ، فإذا طلق المرأة وقضت عدتها أو ماتت ثم نكح أختها أو عمتها أو خالتها فذلك جائز لزوال المانع . وقد اتفق عامة أهل العلم على جواز الجمع بين المرأة وربيبتها فالعلاقة بينهما ليست علاقة نسب وليست بعلاقة رضاع وإنما علاقة مصاهرة .

فله أن يجمع بين المرأة وبين ربيبتها أي المرأة وبنت زوجها ، ويدل على ذلك قوله تعالى : ] وأحل لكم ما وراء ذلكم[

 

قوله  : [ وإن تزوجها في عقدٍ أو عقدين معاً بطلا ]

إذا تزوجهما في عقدٍ ، بأن قال له الولي : ( زوجتك ابنتي هاتين ) ، أو قال له : ( زوجتك أختي هاتين ) ، فهذا العقد باطل لأنه منهي عنه ، ولأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى ، وحينئذٍ فالنكاح باطل في حق الاثنتين ، وكذلك لو كانا في عقدين معاً كأن يقول الأب قد زوجتك بنتي ، ويقول الأخ قد زوجتك أختي ، فإحداهما عمة للأخرى ، فالعقدان وقعا معاً ، فإن العقدين يبطلان لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.

فإن لم يدرِ أيهما الأسبق :

فإنه يجب عليه أن يفارق الاثنتين وذلك لأنه لا يدري أيهما نكاحها باطل فوجب عليه أن يفارق الاثنتين ، لكن في باطن الأمر إحداهما نكاحها صحيح لأن إحداهما قد سبق نكاحها الأخرى لكنه يجهل أيهما السابق فحينئذٍ يكون الحكم كما تقدم وجوب فراق الجميع ثم يعقد عقداً جديداً على أيهما شاء ، لكن في الباطن إحداهما نكاحها صحيح ولذا فيجب نصف الصداق لإحداهما ، فيصطلحان على نصف الصداق ، فإن أبيا الاصطلاح فحينئذٍ تكون بينهما القرعة ، فمن خرجت لها القرعة فلها نصف المهر ، فإن استباح فرج احداهما فلها مهر مثيلاتها بما استحل من فرجها ، فإن كانت هي التي خرجت القرعة لها فيدخل نصف الصداق بالمهر كله.

 

قوله  : [ فإن تأخر أحدهما ]

إذا تأخر عقد أحدهما بطل المتأخر ، فإذا عقد على فلانة ثم على أختها ، فإن الأخرى نكاحها باطل ، لأن الجمع المحرم المبطل للنكاح قد حصل بعقدها.

 

قوله  : [ أو وقع في عدة الأخرى وهي بائنٌ أو رجعيةٌ بطل ]

إذا طلق المرأة ونكح أختها أو عمتها أو خالتها في عدتها فما الحكم ؟

لا يخلوا هذا من حالتين :

1)      أن تكون العدة عدة الرجعيات ، بمعنى تكون المرأة طلاقها رجعياً ، فبإتفاق أهل العلم يبطل النكاح وذلك لأن الرجعية زوجه.

2)      أن تكون العدة عدة البائنات أي كانت المرأة مطلقة طلاقاً بائناً كأن يطلق امرأته ثلاثاً ، بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة فحينئذٍ تكون في بينونة فطلاقها طلاق بائن ، فقد اختلف أهل العلم في ذلك أي في هل يجوز أن ينكح امرأة وقد طلق أختها أو عمتها أو خالتها وهي في عدة البينونة على قولين :

1.      القول الأول : وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة ، ما ذكره المؤلف هنا وأن النكاح باطل.

2.      وذهب الشافعية والمالكية إلى أن النكاح صحيح ، وهو القول الراجح في هذه المسألة،  وذلك لأنه لا سبيل له إليها ولأن العلة المتقدم ذكرها قد زالت فإن مثل هذا لا يورث عداوة ولا يفضي إلى قطيعة رحم فإن هذه المرأة قد آيست من رجوعها ولأنها ليست بزوجته فالمطلقة طلاقاً بائناً ليست بزوجته  فإذا نكح عليها عمتها أو خالتها فإنه لم يجمع بين المرأتين في عصمته.

 

قوله  : [ وتحرم المعتدة ]

لا يحل نكاح المعتدة لقوله تعالى : ] ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله [.

 

قوله  : [ والمستبرأة من غيره ]

فالمستبرأة لا يجوز نكاحها لقوله r : ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حملٍ حتى تستبرأ بحيضة ) ، والمستبرأة هي التي يطلب براءة رحمها – أي يراد إثبات أن رحمها بريء لا حمل فيه .

 

قوله  : [ والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها ]

الزانية لا يحل نكاحها في المشهور من المذهب خلافاً لمذهب الجمهور ، والحجة مع ما ذهب إليه الحنابلة لقوله تعالى : ] الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين [ ، وفي المسند وأبي داود والترمذي والنسائي بإسنادٍ صحيح أن مرثد بن أبي مرثد سأل النبي r في نكاح عناق وكانت امرأة تسافح في مكة فسكت النبي  r فنزلت ] الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك [ ، فقال النبي r ( لا تنكحها ) ، فنكاح الزانية لا يجوز حتى تتوب وتعرف توبتها في المشهور من المذهب بأن تراود فتمتنع ، وأنكر هذا الموفق رحمه الله ، والحق مع من أنكر هذا ، وذلك لأن مراودتها منكر عظيم ، ولذا قال الشيخ عبدالرحمن السعدي : فإن المراودة أعظم المنكرات وأقرب الوسائل لوقوع الفاحشة ، واختار هذا الشيخ محمد بن إبراهيم واستظهره صاحب الفروع فالصحيح أنها لا تراود ، ولكن توبتها تعرف بأن يظهر من أحوالها ما يدل على صدق توبتها من مكثها في بيتها وبعدها عن وسائل الفاحشة واستخبار النساء العليمات بحالها ، وكذلك إنكاح الزاني باطل حتى يتوب لقوله تعالى : ] والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة [ كما هو اختيار الشيخ عبدالرحمن السعدي.

فلا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها ، وانقضاء عدتها إن كانت حاملاً بأن تضع حملها ، وإن لم تحمل من الزنا فبأن تستبرأ بحيضة ، ولا يحل للزاني إن تاب أن ينكحها في عدتها وإن كان ما يخشى من الحمل منه ، وإن كان الإستبراء من مائه وذلك لأن الماءين مختلفان طيباً وخبثاً وكذلك الوطئان يختلفان حلاً وحرمة.

 

قوله  : [ ومطلقة ثلاثاً حتى يطأها زوجٌ غيره ]

لقوله تعالى : ] فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره [ ، أي حتى يطأها.

 

قوله  : [ والمُحرمة حتى تحل ]

لما ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( لا ينكح المحرم ولا يُنكح ) والنهي يقتضي الفساد ، فإذا نُكحت المحرمة فالنكاح باطل.

 

قوله رحمه الله : [ ولا ينكح كافر مسلمة ]

سواءً كان هذا الكافر كتابياً أو وثنياً لقوله تعالى : ] ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا [.

 

قوله  : [ ولا مسلم ولو عبداً كافرة إلا حرة كتابية ]

فلا يحل لمسلم ولو كان عبداً مملوكاً ان ينكح الكافرة لقوله تعالى : ] ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [ ، إلا الحرائر الكتابيات العفيفات فيحل نكاحهن لقوله تعالى : ] والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن [ ، وفي المذهب أن تركه أولى ، أي ترك نكاح الكتابيات ، واختار شيخ الإسلام كراهية ذلك وهو نص الإمام احمد وهو مذهب أكثر أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام ، وقيده المؤلف هنا بالحرة ، وذلك لأن الأمة الكتابية لا يحل نكاحها وإنما توطأ بملك اليمين وأما نكاحها فلا يحل لقوله تعالى : ] ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات [ ، ولأن الأمة الكتابية إن نكحت جمع بين إرقاق الولد وبين كونه مع كافرة وهي الأمة الكتابية.

 

قوله  : [ لا ينكح حر مسلم أمة مسلمة ]

فليس للمسلم أن ينكح الأمة المسلمة ، فهذا أمر لا يجوز إلا بشرطين ذكرهما المؤلف :

 

قوله  : [ إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة المتعة أو الخدمة ويعجز عن طول حرةٍ أو ثمن أمة ]

فالشرط الأول : أن يخاف عنت العزوبة.

والثاني : أن يعجز عن طول حرة أي عن مهرها سواء كانت الحرة كتابية أو مسلمة وأن يعجز عن شراء أمة لنفسه ودليل هذين الشرطين قوله تعالى : ] ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ….. ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم [

فإن نكح مع عدم توفر هذين الشرطين فالنكاح باطل وإنما حرم لما في ذلك من إرقاق الولد ، فإن الولد يكون رقيقاً لسيد الأمة لأنه ينكح الأمة وهي في ملك سيدها فيكون ولده ملكاً لهذا السيد.

 

قوله  : [ ولا ينكح عبد سيدته ]

وذلك لما فيه من التنافي الكبير بين كونه مملوكاً وبعلها وبين كونها سيدته وموطوءته ، وفي هذا تنافي كبير كما قرر هذا ابن القيم رحمه الله ، وهذا فيه قبح ظاهر في الفطرة والعقل ، فتنزهت الشريعة عن إباحته ، ولذا حكى ابن المنذر تحريم ذلك عن أهل العلم إجماعاً وهو قول عمر كما في سنن البيهقي.

قوله  : [ ولا سيدٌ أمته ]

وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم كما قال الموفق والعلة أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح فلا يحتاج إلى عقد النكاح مع ثبوت ملكه لها.

 

قوله  : [ وللحر نكاح أمة أبيه ]

لأن أمة الأب ليست بملك له وليس ثمت شبهة ملك ، فهي مملوكة لأجنبي وهذا بالشرطين المتقدم ذكرهما.

 

قوله  : [ دون أمة ابنه ]

وذلك لأن أمة الابن فيها شبهة ملك ، فإن الولد وماله لأبيه ، فهنا شبهة ملك ، وملك اليمين أقوى من عقد النكاح ، وقال أبو حنيفة :- بل يجوز ذلك لأنها ليست مملوكةٍ له – والذي يتبين أن هذه المسألة راجعة إلى مسألة تقدم ذكرها وهي أنه إذا توفرت الشروط في جواز ملكية الأب لمال ولده فلا يجوز له أن ينكحها لأنه يمكنه أن يملكها وأما إذا كانت الشروط غير متوفرة كأن يكون الولد محتاجاً ، فحينئذٍ ليس له أن يمتلكها وبالتالي له أن يعقد النكاح عليها.

 

قوله  : [ وليس للحرة نكاح عبد ولدها ]

فلا يجوز للحرة أن تتزوج عبد ولدها ، لأن شبهة الملك ثابتة ولكن هذا فيه نظر لأن شبهة الملك إنما تثبت للأب دون الأم كما تقدم تقريره في باب سابق ، ولذا قال بعض الحنابلة بجواز هذا النكاح وهو القول الأظهر.

 

قوله  : [ وإن اشترى أحد الزوجين أو ولده الحر أو مكاتبه الزوج الأخر أو بعضه انفسخ نكاحهما ]

إذا نكح أمةً لغيره ثم اشتراها بعد ذلك فإن النكاح ينفسخ وذلك للعلة المتقدمة وهي أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح ومثل ذلك إذا اشتراها ولده الحر فإذا نكح أمة ثم اشتراها ولده الحر فإن النكاح ينفسخ ، وكذلك لو اشتراها مكاتبه ، وذلك لأن المكاتب ما يشتريه يكون ملكاً لسيده فهو قن ما بقي عليه درهم.

 

قوله  : [ ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا أمة كتابية ]

فالقاعدة أن كل من حرم وطؤها بعقد فإنه يحرم وطؤها بملك يمين ، فهذه قاعدة مطردة في المذهب ، ويستثنى من ذلك الأمة الكتابية فإنها لا يحل وطؤها بعقد ويحل بملك يمين ، وسبب المنع من النكاح هو عدم الجمع بين إرقاق الولد وبين كونه تحت كافرة ، ومن أمثلة هذه القاعدة المجوسية مثلاً لا يحل له أن ينكحها لقوله تعالى : ] ولا تنكحوا المشركات[ ، ولم يستثن الله إلا المحصنات من الذين أتوا الكتاب ، وكذلك عابدة الوثن والملحدة لا يحل نكاحهن ، فإذا كان لا يحل نكاحهن فكذلك لا يحل وطؤهن بملك يمين ، فإذا وقعت المجوسية أوالوثنية سبياً فلا يحل وطؤها بملك اليمين هذا هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكي إجماعاً والذي رأيته من أدلتهم : القياس على الوطء في النكاح قالوا فكما لا يحل الوطء في النكاح فلا يحل الوطء في ملك اليمين.

واختار شيخ الإسلام وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان وعمرو بن دينار أن ذلك جائز واستدلوا بعمومات وخصوصات ، أما العمومات فقوله تعالى : ] أو ما ملكت أيمانكم [ ، وهو عام في الكافرة الكتابية والكافرة الوثنية وأما الخصوصات : فمنها ما تقدم أبي أبو داود وغيره وهو حديث صحيح أن النبي r قـال في سبايا أوطاس – وهن من عبدة الأوثان – قـال : ( لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة ) ، فأجاز النبي r للصحابة وطأهن بملك اليمين . ثانيا: أن أكثر السبي في عهد النبوة كان من الكفار الوثنين لا يحرمونهن ، ولم ينقل عن النبي r تحريم ذلك ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فكان من سبيهم سبي هوازن وسبي بني حنيفة وغيرهم ، ثالثاً : أن الصحابة لما قاتلوا الفرس كان قتالهم مع الفرس كما هو معلوم بعد وفاة النبي r ، والفرس مجوس فكانت من أعظم الدول وأكثرها عدداً وقد وقعت تحت أيدي المسلمين فوقع السبي تحت أيدي الصحابة فلم ينقل أنهم كانوا يحرمونهن.

وحكاية الإجماع مع مخالفة مثل سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس وعمرو بن دينار وهم أئمة بل بعضهم أعظم قدراً في الإسلام وجلالة من الأئمة الأربعة وحكاية الإجماع مع مخالفة هؤلاء لا شك أنه باطل و هذا هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام.

 

قوله  : [ ومن جمع بين محللة ومحرمة في عقد صح فيمن تحل ]

كأن يجمع بين نكاح بنتي عم وكانت إحداهما معتدة والأخرى غير معتدة وقد جمع بينهما في عقد واحد فإنه يصح في غير المعتدة ويبطل في المعتدة وهذا ظاهر لأن غير المعتدة محل للنكاح فلا موجب لبطلان نكاحها.

 

قوله  : [ ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره ]

لأنه يحتمل أن يكون ذكراً فلا يحل نكاحه لعدم تحقق جواز النكاح.

مسألة : إذا أيسر الرجل وقد نكح أمة فاستطاع أن ينكح حرة أو نكح حرة فهل يبطل نكاح الأمة أو لا ؟

الجواب : يبطل نكاح الأمة لزوال الحاجة الداعية إليه وهذا أحد القولين في المذهب ، والمذهب أن النكاح يستدام ولكن الراجح أن النكاح يبطل وذلك لزوال الحاجة الداعية لذلك.

 

 

 

 

 

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net