بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب الشروط والعيوب في النكاح
وهذا فصل في ذكر الشروط في النكاح
وقد تقدم البحث في شروط النكاح ، وهنا الكلام على الشروط في النكاح ، والمراد بالشروط فيه ، الشروط التي يشترطها أحد الزوجين على الآخر وله في ذلك غرض صحيح أي مصلحة ، والمعتبر من الشروط ما كان في صلب العقد أو كان قبله هذا هو المشهور في المذهب.
واختار شيخ الإسلام وهو ظاهر المذهب – كما قال رحمه الله ، وهو منصوص كلام الإمام أحمد وهو ظاهر كلام متقدمي أصحابه وهو قول محققي المتأخرين منهم ، وهو القول الراجح لعموم الأدلة ، فإن عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعقد كقوله تعالى : ] اوفوا بالعقود [ ، تتناول ما قبل العقد كما تتناول ما يكون في صلبه ، وتقدم نظير هذه المسألة في كتاب البيوع ، ولذا فإن هذه قاعدة في كل العقود وأن الشروط معتبرة فيها سواء كانت في صلب العقد أو كانت قبله، وقال في الإنصاف : وهو الصواب الذي لاشك فيه .
والشروط في النكاح منها ما هو شرط صحيح لازم ومنها ما هو شرط فاسد ، والشرط الفاسد نوعان:
الأول : شرط فاسد باطل مبطل للنكاح.
الثاني : شرط فاسد غير مبطل للنكاح.
والمذهب لا يجب الوفاء بالشرط وإنما يسن ولها الفسخ واختار شيخ الإسلام الوجوب وهو أصح.
وقد شرع المؤلف هنا في ذكر أمثلة للشروط الصحيحة فقال :
[ إذا شرطت طلاق ضرتها أو أن لا يتسرى أو أن لا يتزوج عليها يخـرجها من دارها أو بلدها أو شرطت نقداً معيناً أو زيادةً في مهرها صـح ]
فهذه شروط صحيحة ، قال الحنابلة الشرط في الشروط ألا تخالف مقتضى العقد. وتقدم كلام شيخ الإسلام هذا وأن الشروط صحيحة ما لم تخالف الشرع ، وأن الأصل في الشروط الجواز ما لم تخالف الشرع فتحل ما حرم الله أو تحرم ما أحل الله ، تقدم الكلام على هذه القاعدة في كتاب البيوع . وهنا كذلك فالشرط الصحيح في النكاح ما لا يخالف كتاب الله عز وجل ، ودليل ثبوت هذه الشروط ولزومها ما ثبت في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر أن النبي r قال : ( إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج ) ، فدل هذا على أن الشروط في النكاح آكد من الشروط في غيره من العقود.
فإن قيل أليس في هذا تحريم ما أحل الله حيث اشترطت ألا يتزوج عليها وألا يتسرى ونحو ذلك؟
فالجواب : أنه ليس فيه تحريم ما أحله الله بل غايته ثبوت حق الفسخ لها بمعنى إن لم يوف بهذه الشروط فلها حق الفسخ فان تزوج وقبل أن تفسخ طلق فقياس المذهب كما قال شيخ الإسلام أنها لاتملك الفسخ . ولذا قال المؤلف :
[ فإن خالفه فلها الفسخ ]
فإن خالف الشرط فلها حق الفسخ ، وحق الخيار في الفسخ ثابت لها على التراخي ما لم يدل دليل على رضاها بالزوج بعد مخالفته للشرط ، فإن دل دليل قولي كأن تقول رضيت بذلك أو فعلي بأن تمكنه من نفسها بأن يطأها مع علمها بمخالفته للشرط فحينئذٍ لا حق لها في الفسخ لرضاها به ، ويقبل قولها بيمينها إذا نفت علمها بمخالفته للشرط ، فإذا نفت العلم فقالت : أنا مكنته من نفسي وأنا لا أعلم بمخالفته للشرط فيقبل قولها لأن هذا مختص بها وهو أمر خفي وكذا يقبل قولها في نفي التمكين من نفسها لأنه مما يخفى ، هذا هو القسم الأول من الشرط في النكاح وهو شرط صحيح لازم وهو ما لا يخالف شرع الله ، لكن لو شرط عليها ألا تنكح بعده أو شرطت عليه ألا ينكح بعدها فهذا شرط باطل ولا مصلحة لأحدهما فيه لأنه يكون بعد الفراق أو بعد الموت، واختار شيخ الإسلام أن المرأة إذا شرطت على زوجها شرطاً وقالت أنا أحق بنفسي إن خالفت ويكون الطلاق بيدها ، فهذا شرط صحيح ولها أن تطلق نفسها لأن هذا يكون من باب التوكيل وسيأتي الكلام على توكيل الزوجة في الطلاق.
وهل يجب الوفاء بالشرط إذا كان بعد العقد ؟
إذا قال بعد العقد لكي عليّ ألا أنكح فإن نكحت فلكي حق الفسخ ، فهل يعتبر هذا الشرط أم لا ؟
المشهور في المذهب أنه لا يلزم وذلك لفوات محله فإن محله في صلب العقد.
وقال ابن رجب يتوجه صحة الشرط ، وما قاله قوي لوجوب الوفاء بالعقود ووجوب الوفاء بالعهود فهذا عهد فيجب عليه الوفاء به ، فالأظهر وجوب الـوفاء به لأن الله أمـر بالوفاء بالعهد ، وهذا عهد فيجب عليه أن يوفي به.
والمذهب كما تقدم يصح أن تشترط طلاق ضرتها والراجح وهو قول الموفق .
قوله : [ وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان ]
هذا في الشروط الفاسدة التي تبطل النكاح من أصله وهي أربعة :
1- نكاح الشغار.
2- نكاح المحلل.
3- نكاح المتعة.
4- النكاح المعلق .
إذا زوجه وليته بشرط أن يزوجه الآخر وليته فجعلوا بضع هذه مهراً لهذه وبضع الأخرى مهراً للأخرى فهذا لا يجوز وهو نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي r ، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي r " نهى عن نكاح الشغار " ، ونحوه في مسلم من حديث أبي هريرة فإذا زوج أحداهما وليته الأخر مشارطة بلا مهر فالنكاح باطل وهو نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي r ، والنهي يقتضي الفساد والشغار في الأصل هو الخلو ، وسمي نكاح الشغار بهذا الاسم لخلوه من الصداق ، يقال شغر المكان إذا خلا .
قوله : [ فإن سمي لهما مهر صح ]
إذا سمي للمرأتين مهر صح والمراد بالمهر هنا المهر المستقل الذي لا يكون قليلاً ولا حيلة ، هذا هو المشهور في المذهب وقال بعض الحنابلة يشترط أن يكون مهر المثل وهذا ظاهر درءً للحيلة ، فإذا سمى كل واحدٍ منهما لمنكوحته مهراً فالنكاح صحيح في المشهور من مذهب أحمد والشافعي.
قال نافع كما في الصحيحين وهو راوي حديث ابن عمر : " والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الأخر ابنته ولا صداق بينهما " ، فهذا تفسير من نافع ولا يصح رفعه إلى النبي r وليس أيضاً من قول ابن عمر ولكنه تعريف صحيح للشغار ، ولأنهما إذا سميا مهر المثل فلا محذور في مثل هذا النكاح إلا ما يكون من مسألة الرضا فيمن من يشترط رضاها ، وقال الخرقي في مختصره : " لا يصح وإن كان بينهما صداق وهو رواية عن الإمام أحمد " ويستدل لهذا القول بما روى أبو داود في سننه وهو من حديث محمد بن اسحاق لكنه صرح بالتحديث : أن العباس بن عبدالله بن العباس أنكح عبدالرحمن بن الحكم ابنته ، وانكحه عبدالرحمن بن الحكم ابنته وكانا جعلا صداقاً ، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم – وكان واليه بالمدينة – بأن يفرق بينهما وقال في كتابه " لهذا الشغار الذي نهى النبي r عنه" ، فهذا الحديث قد يستدل به على أن هاذين الرجلين قد سميا صداقاً ، وقد سماه معاوية رضي الله عنه شغاراً ، وفسر صاحب عون المعبود قوله " وكانا جعلا صداقاً " بأن المفعول الأول لجعل محذوف والتقدير " وكانا جعلا إنكاح كل واحدٍ منهما الأخر ابنته صداقاً " ، وهذا هو الظاهر في تفسير الحديث لأن الكلام الأول ليس فيه ذكر المشارطة وإنما فيه أن هذا أنكح ابنته هذا ، وهذا أنكح ابنته هذا ، وليس فيه ذكر المشارطة وإنما المشارطة مذكورة في قوله " وكانا جعلا صداقاً " ، ويدل عليه ما تقدم من أن مثل هذا مع ثبوت رضا من يشترط رضاها وثبوت مهر مثلها لا محذور فيه مطلقاً ، فالقول الراجح هو جواز ذلك ، وهو اختيار شيخ الإسلام.
قوله : [ أو تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها ]
هذا هو نكاح التحليل وهو من كبائر الذنوب فقد قال r فيما رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وهو كما قال من حديث ابن مسعود ( لعن الله المحلل والمحلل له ).
المحلِّل : هو الزوج الثاني في الظاهر.
المحلَّل له : فهو الزوج الأول.
وهو نكاح باطل ، لأن النهي يقتضي البطلان
قوله [ أو نواه بلا شرط ]
إذا نوى التحليل من غير شرط ، فلم يشرط أو يُشترط عليه أنه متى ما نكحها ووطأها أنها تطلق عليه ، فهذا محرم والنكاح باطل لقوله r ( إ نما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) ، ولما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن رجلاً سأل ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة " أي من غير تواطؤ " ليحلها له فهل تحل له فقال ( لا إلا نكاح رغبة ، لقد كنّا نعد هذا على عهد النبي r سفاحاً ) .
قوله [ أو قال : زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها ]
هذا من باب الشروط المستقبلة ، والشرط ثلاثة أنواع :
1) شرط حاضر: كأن يقول " زوجتكها إن شئت " فيقول الآخر " شئت " والمذهب أن هذا الشرط صحيح
2) شرط ماضي : كأن يقول " زوجتكها إن كانت بنتي" وهي بنته في المضي
وهو شرط صحيح في المذهب .
3) شرط مستقبل :كأن يقول " زوجتكها إن جاء زيد أو إن رضيت أمها ، فهذا شرط باطل في المذهب ، قالوا لأن وقف النكاح على شرط لا يصح ، وهذا فيه وقف للنكاح على شرط . واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وقوّى هذا القول ابن رجب واختاره صاحب الفائق من الحنابلة وهو القول الراجح في هذه المسألة أن هذه الشروط صحيحة ، ولا دليل على المنع من وقف النكاح على شرط ولا محذور في مثل هذا ، والأصل في الشروط الصحة ولا دليل يدل على بطلان هذا الشرط .
قوله [ أو إذا جاء غد فطلقها أو وقّته بمدّة بطل الكل ]
هذا هو نكاح المتعة ، وهو النكاح مع تحديد أجل له ، وهو ممنوع منه شرعاً ، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال ( نهى النبي r عن نكاح المتعة عام خيبر ) وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال : ( رخص النبي r في نكاح المتعة عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنه ) وعام خيبر قبل عام أوطاس، وعليه فيكون نكاح المتعة قد نهى عنه أولاً ثم أبيح ثلاثة أيام ثم نهى عنه ، وليس له نظير في هذا ، وفي صحيح مسلم أن النبي r قال - من حديث الربيع بن سبرة ( إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده شئ منهن فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ) ، فعلى ذلك نكاح المتعة محرم وهو النكاح إلى أجل أي ينفق هو ووليها على أن ينكحها شهراً أو أسبوعاً بأجرة مسماه هذا محرم باتفاق أهل العلم . والمذهب أنها إن دخل بها فلها مهر المثل ، وان كان منه مسمى ومن يتعاطاه عالما تحريمه فانه يعزر ومثله ذا تزوجها بغير ولي ولا شهود سواء اعتقده جائزا أم لم يعتقده فانه عقد شبهة ويلحق فيه النسب ، وظاهر كلام شيخ الإسلام أنها لايجب لها مهر وهو الأصح .
وعن أحمد عليه الحد إذا اعتقد تحريمه واختاره ابن حامد من الحنابلة وهو الأصح .
وهل يحل ما يسمى بالنكاح بنية الطلاق ؟ وهو أن ينكحها بنية طلاقها
1) المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو قول الأوزاعي تحريم ذلك وبطلانه ؛ لأنه شبيه بالمتعة .
2) وذهب عامة أهل العلم إلى الجواز وهو اختيار الموفق وحكى الإجماع على ذلك ابن القاسم المالكي .
3) وقال شيخ الإسلام : وهو مكروه ، ثم قال في موضع آخر :" والكراهية تتردد بين كراهية التحريم وكراهية التنزيه " وليعلم أن النكاح بنية أنها إن أعجبته ورغب فيها وإلا طلقها هذا بابه باب آخر ، فقد اتفق أهل العلم على إباحته فهو موجب النكاح والآخر ينافيه لقصده والفارق بينه وبين المسألة السابقة ظاهر التوقيت فإنه هنا ينوي الاستدامة إلا ألا يرغب فيها ، وهذه نية أكثر من ينكح النساء ، وأما المسألة السابقة فإنه ينوي طلاقها وهو عازم عليه فهو لا ينـوي استدامتها وإن كان قد لا يطلقها ، وهذا – كما قال شيخ الإسلام – مكروه ، والكراهية تتردد بين كراهية التنزيه وكراهية التحريم ، والجمهور على الجواز قياساً على ما إذا نوى أنها إن وافقته وإلا طلقها ،ولكن هذا قياس مع الفارق كما تقدم .وفارق بينه وبين النكاح بنية التحليل لأن النكاح بنية التحليل نكاح لمن لا يريدها لنفسه ، فهو لا يريدها لشئ إلا بان يحللها لغيره ، وأما الآخر فله نية في الاستمتاع بها ، ثم ان نكاح المحلل شر من نكاح المتعة فانه لم يبح قط .
والراجح ما ذهب اليه الجمهور لأنه لاتجب نية استدامة النكاح وقد يستديمه فقد ينوي مالايفعل ويفعل مالاينوي وأما المتعة ففيها شرط لفظي بالتأقيت كما أن دوام النكاح ليس بشرط وكان من السلف كالحسن بن علي كثير الطلاق فلعل غالب من تزوجها كان بنية أن يطلقها ولم يقل أحد ان ذلك متعة كما قال شيخ الاسلام لكن يكره لأنه نوى مالو أظهره لفسد النكاح ولأن المرأة منه كالمستأجرة فان كانوا لايرضون بذلك فهو حرام مع الصحة لما فيه من الغش والخداع .
مسألة :
إذا تزوجت المرأة بنية التحليل ؟ أي تزوجت لكي يطلقها هذا الزوج ثم ترجع إلى زوجها، فهل هذه النية تبطل النكاح أم لا ؟
1) القول الأول : أن النكاح صحيح وهو المذهب ، وذلك لأن المرأة لا يفوض إليها الطلاق، فليس الأمر بيدها بخلاف الزوج فإن الأمر بيده ولذا لعن النبي r المحلِّل والمحلِّل له ، ولم يذكر المرأة لأنه ليس بيدها شئ ، وهناك قول في المذهب : أن النكاح صحيح في الظاهر باطل في الباطن وعليه فإنه تسعى ولو بالمخالفة لمفارقته لأنه باطل في الباطن ، لأن المرأة أحد طرفي العقد ، والذي يتبين هو القول الأول لأنها ليس بيدها .
فصل
هذا الفصل في النوع الثاني من القسم الثاني من الشروط الفاسدة فقد تقدم أن الشروط الفاسدة نوعان :
1) شروط فاسدة تبطل النكاح .
2) وشروط فاسدة لا تبطل النكاح فالنكاح يصح والشرط يفسد.
قوله :[ وإن شرط أن لا مهر لها ]
فإذا شرط ألا مهر لها فإن النكاح يصح والشرط يفسد وعليه ، فيجب لها مهر المثل ، واختار شيخ الإسلام وهو مذهب مالك ، وقال شيخ الإسلام وهو مذهب أكثر السلف أن النكاح يفسد ، فالعقد يفسد ، وذلك لأن العقد الذي لا مهر فيه عقد فاسد كنكاح الشغار ، فإن النبي r قد أبطل نكاح الشغار لأنه لا صداق فيه ، ولم يصححه النبي r وأوجب مهر المثل ، وهذا القول الراجح وأن النكاح لا يصح إلا بمهرٍ.
قوله : [ أو لا نفقة أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر ]
ونحو ذلك من الشروط فإن النكاح يصح والشرط يفسد أما كون النكاح يصح فلأن الشرط يرجع إلى معنى زائد لا يضر الجهل به ، ولا يشترط في العقد ذكر النفقة إثباتاً ولا عدلاً ، وكذلك القسم بين الزوجات لا يشترط إثباتاً ولا عدلاً ، فلم يرجع هذا الشرط الفاسد إلى العقد وإنما رجع إلى معنى زائد فكان النكاح صحيحاً ، وأما كون الشرط فاسداً فلأنه يخالف مقتضى العقد فعليه تجب لها النفقة وتجب لها القسمة الشرعية . واختار شيخ الإسلام أن هذه الشروط صحيحة معتبرة وهذا كالشروط التي تقدم أنها تصح من المرأة ، فإن هذا ليس فيه مخالفة لشرع الله تعالى بل فيه أنها إن شاءت قبلت هذا الشرط وإلا فإنه لا ينكحها ، وعلى ذلك هذه الشروط صحيحة والنكاح صحيح ، لأنها لا تخالف الشرع ، والأصل في الشروط الوفاء. وعليه فليس له المطالبة بالنفقة لكن شرطها أن يقسم لها أكثر من ضرتها باطل لما فيه من العدوان .
قوله : [ أو شرط فيه خياراً ]
إذا شرط فيه خياراً فلا يصح ، كأن يقول – زوجتك ولي الخيـار ثلاثة أيام – أو نحو ذلك ، فلا يصح في المشهور من المذهب ، وذلك لأن مقتضى عقد النكاح التنجيز والخيار يخالف التنجـيز فيكون مخالفاً لمقتضى العقد ، وفي المسألة ثلاثة أقوال – كما قال ذلك شيخ الإسلام – وهي روايات عن الإمام أحمد :
القول الأول : وهو ما ذكره المؤلف هنا ، وهو أن الخيار فاسد والنكاح صحيح ، وذلك لأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد ، وهو معنى زائد على العقد فلم يبطل به العقد.
القول الثاني : أن النكاح يبطل.
القول الثالث : أن النكاح يصح والخيار يثبت ، واختاره شيخ الإسلام ، وذلك للقاعدة المتقدمة وهي أن الأصل في الشروط الوفاء ، وله غرض صحيح في الخيار ، فإن الخيار لا يشترطه إلا من له في ذلك غرض صحيح وهو شرط فيه مصلحة . وأرجح هذه الأقوال أن النكاح يصح وأن الخيار يثبت وهذا أيضاً لا يخالف الشرع فليس فيه تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما أحل الله ، وعليه فإن كان الفسخ بعد الدخول فلها المهر وإن كان قبله فلا مهر لها ، ومثل هذا قوله :
[ أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما ]
أي إن جاء بالمهر المقدم في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما فهذا شرط صحيح - على الراجح – لما تقدم لأن الشروط يوفى بها ، ولا يخالف هذا شرع الله وكونه يخالف مقتضى مطلق العقد فلا يعني أن يكون مخالفاً لشرع الله ، وأما المذهب فإنهم يرون بطلان هذا الشرط.ومن فاته الشرط فلا فسخ له في النكاح لأنه عقد لايقصد منه المعاوضة فقط كالبيع .
قوله : [ بطل الشرط وصح النكاح ]
ففي المسائل المتقدمة كلها يبطل الشرط على المذهب ويصح النكاح فيبطل الشرط لمخالفته لمقتضى العقد ويصح النكاح لأنه يرجع إلى معنى زائد عن العقد.
قوله : [ وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية ، أو شرطها بكراً أو جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ ]
أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح ، هناك من العيوب ما ينفسخ به النكاح وسيأتي الكلام عليه ، وهناك من العيوب ما لا ينفسخ بها النكاح ، فإذا شرط أن تكون جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ ، وذلك لأن هذا الشرط له فيه غرض صحيح ، وقد شرطه فوجب له الوفاء حيث شرط ، وهنا خولف شرطه وعليه فله الفسخ ، فإن كان لم يدخل بهذه المرأة فلا مهر عليه وإن كان بعد دخوله بالمرأة فلها المهر بما استحل من فرجها ، ويرجع على من غره بها سواءً كان الولي أو غيره
قوله [ وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها بل تحت عبد ]
إذا عتقت الأمة فلا تخلوا من حالتين :
الحالة الأولى : أن تعتق تحت عبد فتكون حرةٌ ويكون – لو أمضينا هذا الزواج – زوجها عبداً فهنا لها الخيار بإجماع أهل العلم بدليل ما ثبت في الصحيحين أن النبي r لما عتقت بريرة خيرها بين بقائها عند زوجها وبين فسخ النكاح وكان زوجها عبداً – كما ثبت هذا في صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة ، ومن حديث القاسم عن عائشة في سنن النسائي.
وأما ما رواه النسائي من حديث الأسود عن عائشة أنه كان حراً فالرجح أنه عبدٌ لأن عروة والقاسم أقرب إلى أم المؤمنين عائشة من الأسود بن يزيد فروايتهما ترجح على رواية الأسود لأنهما أقرب ولأنهما أكثر وأيضاً لما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال : " كان زوج بريرة عبداً أسود لبني المغيرة يقال له مغيث.
الحالة الثانية : أن تعتق تحت حر فقد اختلف أهل العلم في هل يثبت لها الخيار أم لا ؟
المذهب وهو مذهب الجمهور أنه لا يثبت لها الخيار ، ولذا قال المؤلف – وإن أعتقت تحت حر فلا خيار لها – وذلك لأن الكفاءة ثابتة بعد حريتها.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن لها الخيار، وهذا الخلاف يرجع إلى مسالك أهل العلم في كون النبي r خير بريرة من زوجها مغيث ، هل كان هذا لفقدان الكفاءة بينهما بعد ثبوتها فأصبحت ذات كمال تحت ذي نقص ، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور ، وأن النبي r إنما خيرها بهذا المعنى .
المسلك الثاني : أن النبي r إنما خير بريرة لأنها لما عتقت ملكت رقبة نفسها وملكت بضعها ومنافع بضعها وكانت قد زوجت من سيدها بلا رضا منها لأنها مملوكة لها ، وحينئذٍ فلا فرق بين أن تكون تحت حر أو عبد ، وذلك لأن المعنى ثابت في هاذين النكاحين ، وهذا المسلك هو الأرجح وذلك لضعف المسلك الأول من وجهين – كمـا قرر هذا ابن القيم في زاد المعاد – أما الوجه الأول : فلأن شروط النكاح لا تشترط استدامتها . من ذلك : أن الزانية لا يحل نكاحها فإن زنت في عصمة الرجل فإن النكاح لا يبطل عند عامة أهل العلم ، ومن ذلك أن رضا المرأة غير المجبرة شرط في صحة النكاح ابتداءً ، وليس شرطاً في أثناء النكاح فلو كرهته ولم ترض به بعد النكاح فإن النكاح لا ينفسخ بذلك ، فإن ثبت هذا في الشرط فكذلك في المكافأة.
الوجه الثاني : وهو نظير هذه المسألة تماماً أن زوال المكافأة لا يبطل النكاح بفسق الزوج في المذهب وفي مذهب جمهور أهل العلم بل لعل ذلك إجماعاً ، ومثل ذلك فقدان المكافأة في الحرية فإن من المكافأة الدين ، فلا تزوج الصالحة بفاسق ، فإذا فسق الزوج وفجر فإن هذه المكافأة قد فقدت وقد زالت ومع ذلك فإن النكاح لا يبطل بل يكون صحيحاً وحينئذٍ فيقع في هذا المذهب على هذا التعليل تناقض ، فإذا عللنا بالمسلك الذي ذكره فإنه يقع هذا التناقض ، فإنه يلزمنا أن نقول بالفسخ عند فسق الزوج ويلزمنا أن نقول بالفسخ عند عدم رضا المرأة بالنكاح ويلزمنا إذا زنت المرأة أن نقول ببطلان النكاح لأن هذا شرط في صحته ابتداءً فكان شرطاً في استدامته انتهاءً ، فعلى ذلك الراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب الأحناف وهو أن المسلك هو أن هذه المرأة قد ملكت نفسها وكانت قد أجبرت على بضعها وقهرت عليه بملك اليمين فلما عتقت ملكت نفسها وملكت بضعها ولأنها زادت صفة وهي الحرية.
فصل
هذا فصل في ذكر عيوب النكاح ، والعيوب تثبت فيها خيار الفسخ كالبيع تماماً وهذا الفسخ لا يكون كالطلاق بل يكون فسخاً بلا طلاق بلا خلاف بين أهـل العـلم فلا ينقص به عدد الطلاق ، فلوا تزوجها بعد ذلك لـم تحسب عليه تطليقه.
قوله : [ ومن وجدت زوجها مجبوباً ]
أي مقطوع الذكر.
قوله : [ أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ ]
فمن وجدت زوجها مجبوباً أو بقي له ما لا يطأ به فإنها يثبت لها الفسخ.
قوله : [ وإن ثبتت عنّته ]
العنّة : هو ألا يكون قادراً على الجماع بأن لا ينتشر ذكره عند الجماع.
قوله : [ بإقراره أو بينة على إقراره ]
فإذا ثبت ذلك بإقراره بأن يقر على نفسه بذلك وكذا إذا نكل عن اليمين ، أو بينة على إقراره أي يشهد شهود على أنه أقر أو بنكوله عن اليمين.
قوله : [ أجل سنة منذ تحاكمه ]
والعلة من تأجيله سنة قالوا لأن السنة ذات فصول أربعة فإذا كان هذا سبب تغيير في الطبيعة فإنه يتغير بتغير الفصول الأربعة وهذا التعليل مقتضاه أن تكون السنة شمسية ، لكن أهل العلم يقولون : إنها سنة هلالية وهذا هو مقتضى إطلاقهم وذلك لقوله تعالى : ] يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ ، فأحكام الشرع ترجع إلى السنة القمرية لا الشمسية ثم إن الفارق بين السنة الشمسية والهلالية أيام يسيرة.
فإن علم أن عجزه عن الوطء لعارض من صغر أومرض مرجو الزوال لم تضرب له مدة لأنه ليس بعنين ولو اعتزلته بعض المدة لم تحسب عليه .
قوله : [ فإن وطء فيها وإلا فلها الفسخ ]
أي للمرأة الفسخ لثبوت العيب فيه ، ودليل تأجيل العنين سنة ما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن ابن مسعود قال : ( يؤجل العنين سنة فإن جامع وإلا فرق بينهما ) ، ورواه سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب وقال الحافظ رجاله ثقات، ولا يعلم لهما مخالف.وكذا على الصحيح لو كان يطأ إحدى زوجتيه دون الأخرى فلها الفسخ .
قوله : [ وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين ]
أي ولو مرة واحدة لأن بالوطء ولو مرة واحدة يستقر المهر وتثبت العدة فثبتت الحقوق الزوجية بذلك فإذا وطئها ولو مرة فلا فسخ للعيب لأن العيب حينئذٍ يكون طارئاً ولها أن تخلع نفسها منه كما سيأتي في باب الخلع ، والمذهب أنه يكفي إيلاج الحشفة وهو الراجح، واختار القاضي اشتراط إيلاجه جميعه وهذا مبني على أن العنة لا تطرأ والراجح طريانها وهو قول لبعض الحنابلة .
قوله : [ ولو قالت في وقت رضيت به عنينا سقط خيارها أبداً ]
إذا قالت في وقتٍ ما رضيت به عنيناً فإن خيارها يسقط وذلك كما لو نكحته وهي تعلم أنه عنين ، فإنه لا خيار لها بعد ذلك لأنها دخلت على بصيره فكذلك إذا رضيت ، والمشهور في المذهب أنه ليس للزوجة الفسخ من زوجها إن ثبت عقمه أو كان يطؤها ولا ينزل ، وقال الحسن البصري " بل إن كان عقيماً فلها الخيار" ، وهذا – فيما يظهر لي – أظهر ، ودخل في قول ابن القيم كل عيب ينفر الزوج الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والسكن فإنه ثبت معه الخيار ، وهذا أظهر وهو اختيار شيخ الإسلام ، ولأن للمرأة حقاً في الولد ، وكذلك عدم إنزاله هذا يضعف كمال الوطء فلا تحصل به المرأة شهوتها وعليه فيثبت لها الخيار فيه.
فصل
قوله : [ والرتق ]
وهو انسداد فرج المرأة.
قوله : [ والقرن ]
لحم يكون في فرجها يمنع من وطئها.
قوله : [ والعفل ]
رطوبة ورغوة تكون في فرجها.
قوله : [ والفتق ]
أن يكون سبيلاها سبيلاً واحداً ، فالعيوب المتقدمة في الفصل السابق مختصة بالرجل ، وهذه مختصة بالأنثى.وإن اختلفا في عيوب النساء أريت النساء الثقات ، ويقبل قول امرأة واحدة عدل .
قوله : [ واستطلاق بول ونجوٍ ]
هذا مشترك بينهما.
قوله : [ والقروح السيالة في فرج ]
وهذا في المرأة.
قوله : [ وباسور وناصور ]
هذا مشترك بينهما.
قوله : [ وخصاء وسل و وجاء ]
هذا في الرجل فالسل للخصيتين والوجاء رضهما .
قوله : [ وكون أحدهما خنثى واضحاً ]
هذا مشترك بينهما.
قوله [ وجنون ولو ساعة وبرص وجذام ]
الجذام : تناثر اللحم ، وهذه عيوب مشتركة بينهما.
قوله [ يثبت لكل واحد منهما الفسخ ]
هذه العيوب في المشهور من المذهب ، واختار ابن القيم أن كل عيب ينفر الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة فإن الفسخ يثبت به ، وحكاه قولاً لبعض الشافعية وحكاه قولاً للزهري ولشريح القاضي واستدل – رحمه الله – بأن ثبوت الفسخ هنا أولى من ثبوته في البيع فإن شروط النكاح أوثق وكذلك الفسخ فيه أولى ، قال ولأن الإطلاق يحمل على الأصل وهو السلامة من العيوب ، وهو قد أطلق فلم ينفي العيوب فإنه إذا نفى عيباً لا ينفسخ النكاح به ، فإن الفسخ ثبت حيث ثبت هذا العيب لكن هنا حيث لم يشترط نفيه فالأصل السلامة من العيوب وإطلاقه يحمل على ذلك والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً ، فإن العرف يقضي بذلك فإنه إنما خطب السليمة من العيوب ، قال ولأن ذلك أقبح التدليس والفحش أي إذا سكتوا عن ذكر عيوبها ، قال في الإنصاف في هذا القول وما هو ببعيد.آهـ
واختاره الشيخ عبدالرحمن السعدي . وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته ، لكن إن قيل: إنه قد فرط في عدم السؤال أو السعي إلى النظر إليها والجواب عن هذا الإشكال هو وإن كان مفرطاً في ذلك فإن هذا التفريط منه ليس كسكوتهم عن العيب الذي يعتبر كما تقدم من أقبح الغش والخداع ، ويدل عليه ما ثبت في مصنف عبدالرزاق وموطأ مالك بإسناد صحيح من حديث سعيد بن المسيب عن عمر وسماعه ثابت منه كما قال ذلك الإمام أحمد ولو فرض أنه لم يسمع منه فإن أحاديثه التي يرفعها مرسله إلى النبي r مقبولة عند أهل العلم فأولى من ذلك ما يرسله عن الصحابة رضي الله عنهم أن عمر قال " أيما رجلٍ تزوج امرأةً فوجد بها جنوناً أو برصاً أو جذاماً فمسها فلها صداقها كاملاً وذلك لزوجها غرم على وليها " ، وثبت في البيهقي بإسنادٍ صحيح أنه قال " إذا تزوجها عمياء أو برصاء فدخل بها فلها الصداق ويرجع إلى من غره " ، والعمى ليس مذكوراً في جملة العيوب التي تقدم ذكرها وورد عنه رضي الله عنه العقم كما في مصنف عبدالرزاق ورجاله ثقات ، وهنا قد ذكر العمى وهو ليس من العيوب التي تقدم ذكرها عند الفقهاء ومعلوم أن الخاطب أو العاقد يمكنه أن يسأل عن ذلك فلا شك أنه قد وقع منه تفريط ومع ذلك فإن الفسخ ثابت له لثبوت هذا العيب فعلى ذلك إذا تزوجها وبها خرس أو عمى أو قطع في اليدين أو الرجلين فالصحيح وهو اختيار ابن القيم – خلافاً للمشهور في المذهب بل خلافاً للمذاهب الأربعة – ثبوت الفسخ.
مسألة :
تقدم في الدرس الماضي مسألة العيوب وهل هي محصورة أم لا ؟ المشهور في مذهب الحنابلة أنهم يخصون العيوب بالعيوب التي تقدم ذكرها –على خلاف في بعضها– واختار ابن القيم أن كل عيب ينفر الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة فإن الفسخ يثبت به ، وحكاه قولاً لبعض الشافعية وحكاه قولاً للزهري ولشريح القاضي واستدل – رحمه الله – بأن ثبوت الفسخ هنا أولى من ثبوته في البيع فإن شروط النكاح أوثق وكذلك الفسخ فيه أولى ، قال ولأن الإطلاق يحمل على الأصل وهو السلامة من العيوب ، وهو قد أطلق فلم ينفي العيوب فإنه إذا نفى عيباً لا ينفسخ النكاح به ، فإن الفسخ ثبت حيث ثبت هذا العيب لكن هنا حيث لم يشترط نفيه فالأصل السلامة من العيوب وإطلاقه يحمل على ذلك والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً ، فإن العرف يقضي بذلك فإنه إنما خطب السليمة من العيوب ، قال ولأن ذلك أقبح التدليس والفحش أي إذا سكتوا عن ذكر عيوبها ، قال في الإنصاف في هذا القول وما هو ببعيد.أهـ
واختاره الشيخ عبدالرحمن السعدي . وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته ، لكن إن قيل : انه قد فرط في عدم السؤال أو السعي إلى النظر إليها والجواب عن هذا الإشكال هو وإن كان مفرطاً في ذلك فإن هذا التفريط منه ليس كسكوتهم عن العيب الذي يعتبر كما تقدم من أقبح الغش والخداع ، ويدل عليه ما ثبت في مصنف عبدالرزاق وموطأ مالك بإسناد صحيح من حديث سعيد بن المسيب عن عمر وسماعه ثابت منه كما قال ذلك الإمام أحمد ولو فرض أنه لم يسمع منه فإن أحاديثه التي يرفعها مرسله إلى النبي r مقبولة عند أهل العلم فأولى من ذلك ما يرسله عن الصحابة رضي الله عنهم أن عمر قال " أيما رجلٍ تزوج امرأةً فوجد بها جنوناً أو برصاً أو جذاماً فمسها فلها صداقها كاملاً وذلك لزوجها غرم على وليها " ، وثبت في البيهقي بإسنادٍ صحيح أنه قال " إذا تزوجها عمياء أو برصاء فدخل بها فلها الصداق ويرجع إلى من غره " ، والعمى ليس مذكوراً في جملة العيوب التي تقدم ذكرها وورد عنه رضي الله عنه العقم كما في مصنف عبدالرزاق ورجاله ثقات ، وهنا قد ذكر العمى وهو ليس من العيوب التي تقدم ذكرها عند الفقهاء ومعلوم أن الخاطب أو العاقد يمكنه أن يسأل عن ذلك فلا شك أنه قد وقع منه تفريط ومع ذلك فإن الفسخ ثابت له لثبوت هذا العيب فعلى ذلك إذا تزوجها وبها خرس أو عمى أو قطع في اليدين أو الرجلين فالصحيح وهو اختيار ابن القيم – خلافاً للمشهور في المذهب بل خلافاً للمذاهب الأربعة – ثبوت الفسخ.
قوله : [ ولو حدث بعد العقد ]
لو حدث بعد العقد فإن الفسخ يثبت ، فالعيب يحكم معه بوجوب الفسخ وإن كان طارئاً بعد العقد ، و ذلك قياساً على الإجارة بجامع أن كليهما عقد على منفعة ولأنه إذا ثبت مقارناً فيثبت طارئاً ، وخيار العيب ثابت لدفع الضرر فإذا ثبت مقارناً فيثبت طارئاً فعليه إذا ثبت في الرجل عيب بعد العقد فللمرأة الفسخ أو ثبت في المرأة عيب بعد العقد فله الفسخ ولا مهر لها لثبوت العيب ، أما إن دخل بها فسيأتي الكلام عليه.
قوله : [ أو كان بالأخر عيب مثله ]
وذلك لوجود سببه فلو كان في الأخر عيب أخر فكذلك لوجود سببه ، فإذا وجد سبب الفسخ وجد الفسخ وسببه ثبوت العيب في أحد الزوجين فلو ثبت في الأخر عيب أخر أو عيب مثله فإن الحكم كذلك لا يتغير لوجود سببه ولأن الإنسان يرضى بعيب نفسه ولا يرضى بعيب غيره كما هو متقرر في الفطر.
قوله : [ ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له ]
إذا رضي هذا الزوج الناكح للمرأة المعيبة بعيبها بقوله أو ظهر منه ما يدل على الرضا كأن يطأها وهو عالم بعيبها فلا خيار له بلا خلاف بين أهل العلم وكذلك المرأة إذا رضيت بعيب زوجها بقولها أو فعلها فإنه لا خيار لها وظاهره ولو كان مستحق الفسخ جاهلاً بحق الفسخ وهذا هو المشهور في المذهب وأن الخيار يسقط وإن كان مستحقه جاهلاً والراجح أن الجهل يعذر به لأنه حق كسائر الحقوق لا يسقط إلا بما يدل على الرضا والرضا المعتبر : إنما يكون حيث علم أن له حق الفسخ أما إن سكت وهو لا يعلم أن له حق الفسخ أو سكتت وهي لا تعلم أن لها حق الفسخ فلا . وقد تقدم أن هذا هو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي.
قوله : [ ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم ]
فلا يصح الفسخ إلا بحاكم ، فلو فسخ مستحق الفسخ لم يثبت فسخه إلا بحكم حاكم هذا هو المشهور في المذهب قالوا لأن المسألة مجتهد فيها بخلاف المسائل المتفق عليها كالمعتقة تحت العبد فإنها تفسخ نفسها منه بلا حكم حاكم ، وقال شيخ الإسلام : بل الفاسخ هو ، والحاكم يأذن بالفسخ أو يحكم به ، فالفسخ يثبت تارةً برضاهما وتارةً بحكم الحاكم وعليه فالفسخ يثبت بمجرده من مستحقه ، فإن أمضاه الأخر وإلا أمضاه الحاكم وهذا القول هو الراجح لأن الفسخ حقٌ له فثبت بفسخه والحاكم إنما يمضي ، ولا فرق – حيث ثبت له الفسخ – بين ما إذا كانت المسألة مجمع عليها وبين ما إذا كانت مختلفاً فيها فهو مستحق للفسخ في المسألتين كلتيهما وهذه قاعدة لشيخ الإسلام في جميع الفسوخ ، وأن جميع الفسوخ لا تقف على حكم الحاكم بل لصاحب الحق – في الفسخ – أن يفسخ وإن لم يترافعا إلى الحاكم فإن أمضى الأخر وإلا فإنها يترافعان إلى الحاكم ليمضي الفسخ.
قوله : [ فإن كان قبل الدخول فلا مهر ]
فإذا ثبت الفسخ قبل الدخول بها فلا مهر ، وذلك لأن الفسخ إما أن يكون من المرأة وإما أن يكون من الرجل ، فإن كان من المرأة فإنه من قِبَلِها فلم تستحق شيئاً ، وإن كان من الرجل فإنه إنما فسخ للعيب فلا تستحق شيئاً ، فإذا ثبت الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة سواء كان العيب ثابتاً في الرجل أو المرأة وسواء كان الفاسخ الرجل أو المرأة.
قوله : [ وبعده فلها المسمى ]
أما إذا كان الفسخ بعد الدخول يثبت لها المسمى في العقد سواء كان أقل من مهر المثل أو أكثر من مهر المثل ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، ومذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد ، أن لها مهر المثل ، قالوا : لأنه فسخ يرجع إلى العقد والفسخ الذي يرجع إلى العقد يكون فيه مهر المثل كعامة الفسوخ التي ترجع إلى بطلان النكاح ، والراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول وذلك لأن المهر يستقر بالدخول ، فإذا دخل بالمرأة فقد استقر المهر وقد سمي لها مهراً ، وأما ما قاله الشافعية من أنه فسخ يرجع إلى العقد فكان فيه مهر المثل.
فالجواب : أنه إنما يرجع إلى العقد في العقود الفاسدة ، وهذا لو كان فاسدا لم يمض ولم نثبت فيه خياراً بل لأبطلناه ، ويدل على هذا ما تقدم من الآثار عن عمر فـإنه قال : " فلها صداقها كاملاً " ، وقـال في الأثر الآخـر : " فلها الصداق " ، أي الصداق المسمى كما تدل عليه الرواية الأخرى ، فالراجح أن لها المهر المسمى ، ويرجع بهذا المهر الذي قد سماه لنا ، ويرجع إلى من غرّه.
والغار : هو من علم بالعيب وكتمه سواء كان الولي أو الوكيل أو المرأة فيرجع إلى من غره.
وعليه فيرجع إلى الولي ، وقد تقدم أثر عمر " وذلك لزوجها غرم على وليها " فيرجع على الولي ، فإن أنكر الولي بيمينه أنه لا يعلم هذا العيب وكان هذا العيب ممكن أن يخفى عليه ويمكن أن يصدق ككثير من العيوب التي تكون باطنة ، أو أن يكون ولياً بعيداً كأن يزوجها ابن عمٍ فيخفى عليه عيب ظاهر فيها ، يطلع عليه أهل بيتها ، فإن ثبت أنه لا يعلم باليمين فإنه يرجع إلى المرأة ، لأنها هي التي غرته من نفسها ، لأن الولي ثبت أنه لا يعلم بيمينه فحينئذٍ يرجع إلى المرأة إن كانت المرأة عاقلة وعالمة ، أما إذا لم تكن عاقلة فإنه لا يرجع وكذلك إن كانت غير عالمه.
فإن قيل : هل يتصور أن تكون المرأة ليست بعالمه ؟
فالجواب : إن هناك من العيوب ما يكون خفياً عن المرأة نفسها ، كأن يكون هناك بقعة من البرص في موضع لا يطلع عليه في العادة ، وكأن يكون في ظهرها فإنها تصدق بقولها ، وحينئذٍ فإذا ثبتت براءة الوكيل ، والوكيل لم يطلع على شيء من ذلك فحينئذٍ لا يرجع على أحد وذلك لأن المهر قد استقر بالدخول وليست ثمت مغرر يرجع إليه ، والرجوع إلى المغرر ثابت عن عمر كما في الأثر السابق وورد في البيهقي عن علي " أنه لا يرجع بل يثبت لها المهر بما استحل من فرجها " ، لكن الأثر من رواية الشعبي عن علي ، وراية الشعبي عن علي منقطعة ، وعليه فالأثر ضعيف ولا يعلم لعمر مخالف صحيح ، إذن يرجع إلى المغرر – وهو الولي المباشر بعقد النكاح – ، فإن نفى ذلك الولي وأمكن تصديقه وحلف على ذلك فإن هذا الزوج يرجع إلى المرأة ، فإذا كانت المرأة جاهلة به وأمكن تصديقها فإنه لا يرجع إلى أحد ، ولها المهر بما استحل من فرجها ، وليست ثمت مغرر يرجع إليه.
قوله : [ والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب ]
فليس لولي هؤلاء أن يزوجهن بمعيب وذلك لأن ولايته ولاية نظر موجب أن ينظر ما فيه حظ ومصلحه لهن ، وعليه فالنكاح باطل إن كان معيباً .
ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا أنكح الكبيرة البكر، إن زوجها معيباً فلا يصح بلا خلاف بين أهل العلم ، وذلك لأن ولايته ولاية نظر موجب عليه أن ينظر ما فيه مصلحة وحظ لهن ، فإذا زوجها غير عالم بالعيب فعليه الفسخ .
قوله [ فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع ]
إذا قالت : رضيت بهذا الزوج وإن كان مجبوباً وإن كان عنيناً فإنها لم تمنع لأن حق الوطء لها فإذا أسقطته فإنه يسقط بإسقاطها ، وقال الموفق وهو قول في المذهب : بل له أن يمنعها وذلك لأن رضاها غير موثوق بدوامه ، والضرر ثابت دائم ولا شك أن الضرر الثابت الدائم لا شك انه أرجح من هذا القبول غير الموثوق بدوامه واستمراره ، ولأن الولي يمنعها من نكاح الكفؤ فكذلك هنا .
قوله [ بل من مجنون ومجذوم وأبرص ]
أي تمنع من الرضا بهؤلاء وذلك لما فيه من الضرر عليها والضرر على أوليائها ، ولأنه يخشى أن يلحق ولدها مثل هذا فإنها تمنع منه لما فيه من الضرر ، وتقدم أن الصحيح أنها تمنع من كل هؤلاء المعيبين لأنه إنما جعل ولياً لها لينظر ما فيه مصلحة وحظ وعليها فيه ضرر ، وإن أسقطت حقها فإن هذا الإسقاط لا يوثق بدوامه .
قوله [ ومتى علمت أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ ]
إذا حدث للرجل عيب بعد العقد أو علمت المرأة بالعيب بعد دخوله بها فليس لوليها أن يجبرها على الفسخ ، وذلك لأن ولايته ثابتة في ابتداء النكاح لا في دوامه ، فالولي إنما دلت الأدلة على ولايته في ثبوت النكاح ابتداءً وأما في دوامه فلا ، فإنه ليس له حق في ذلك وعليه فلا يجبرها .
مسألة:
إن ادعى الجهل بالخيار ومثله يجهله كما من لا يخالط الفقهاء فالأظهر ثبوت الفسخ واختاره شيخ الإسلام .
مسألة أخرى:
إن فسخ لظنه عيباً، فبان غير عيب كبياضٍ ظنه برصاً بطل الفسخ.
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم