بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب نكاح الكفار
قوله [ حكمه كنكاح المسلمين ]
حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين في الصحة وفي وقوع الطلاق وفي القسمة وفي النفقة فيما يحل وما يحرم لقوله تعالى : ] فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم [ ، وقوله أيضاً ] فاحكم بينهم بما أنزل الله [ ، فيحكم بينهم بشرع الله وهو ما يحكم به للمسلمين.
قوله : [ ويقرون على فاسده ]
يقرون على فاسد النكاح كنكاح الخامسة أو نكاح المجوسي البنت أو الأخت يقرون عليه بشرطين
قوله [ إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ]
هذا هو الشرط الأول وهو أن يعتقدوا أنه صحيح في شرعهم كنكاح الخامسة ، فإن لم يعتقدوا جوازه في شرعهم كالزنا فإنهم لا يقرون عليه.
قوله : [ ولم يرتفعوا إلينا ]
هذا هو الشرط الثاني : أي لم يرفعوا إلينا هذه المسألة ، أما إذا رفعوا إلينا هذه القضية فيجب علينا أن نحكم بما أنزل الله فنفسد هذا النكاح للآيات المتقدمة ويدل على هذه المسألة – أي إقرارهم على أنكحتهم التي لم يرفعوها إلينا ولا يعتقدون فسادها في شرعهم - أن النبي r اخذ من مجوس هجـر الجزية ، ولم ينقل أن النبي r تعرض لهم لا في أنكحتهم ولا في سائر أحكامهم ، ومعلوم أنهم يستبيحون نكاح المحارم . وكذلك في نصارى نجران ، ولو كان التعرض لهم وإفساد أنكحتهم وغيرها مما لم يترافعوا إلينا فيها – لو كان لنقل ذلك عن النبي r نقلاً بيناً .
قوله [ فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا ]
إذا أتونا قبل عقد النكاح أي ترافعوا إلى القاضي المسلم ليعقد لهم نكاحاً فحينئذٍ نعقد لهم على حكمنا من إشتراط الولي وإشتراط شاهدي عدل منا وركنية الإيجـاب والقبول وغير ذلك من الأحكـام المترتبة على العقود لقوله تعالى : ] فاحكم بينهم بما أنزل الله[.
قوله [ وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان ]
أي أتونا بعد العقد أو أسلم الزوجان وكانا قبل ذلك يهوديين أو نصرانيين أو رفعوا إلينا الحكم في مسألة من مسائل أنكحتهم وكان ذلك بعد العقد ، فحينئذٍ لا نستفصل منهم هل توفرت شروط النكاح أم لا ، وهذا بإجماع أهل العلم أي لا يسألون عن كيفية نكاحهم هل توفرت فيه شروطه أم لا ، وقد أسلم خلق كثير في عهد النبي r ، وأسلمت معهم نساؤهم ولم يسألهم النبي r عن كيفية أنكحتهم بل أقرهم عليها .
قوله [ والمرأة تباح إذن أقرا ]
هذا شرط لابد منه أن تباح المرأة إذاً ، أي حين الترافع أو-- الإسلام ، أي حين ترافعوا إلينا في نكاح قد عقد سابقاً أو أسلم الزوجان فلا بدّ أن تكون المرأة المعقود عليها مباحة حينئذٍ ، مثال ذلك أن يكون قد نكحها في عدة وهي الآن قد انتهت عدتها ، أو في نكاح الأختين ، فكان قد نكح أختاً على أخت ، وكان حين الترافع أو حين الإسلام قد ماتت الأخت الأولى ، فالأخت الثانية مباحة حينئذٍ وإن كانت محرمة آنذاك لما كانت مضمومة إلى أختها ، وكذا مطلقته ثلاثاً لأنه طلاق من عاقل بالغ في نكاح صحيح ، وعليه إذا أسلم رجل فامرأته عنده على ما بقي من الطلاق إن كان قد طلّق مرتين أو ثلاثاً ، فحينئذٍ لا نحكم ببطلان النكاح ولا بفساده بل نحكم بينهم بما أنزل الله ونمضي هذا النكاح .
قوله [ وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها فرّق بينهما ]
إذا كانت حين الترافع لا يجوز ابتداء نكاحها فحينئذٍ يفرق بينهما ، كأن يترافعوا إلينا في زوجين والزوجة ذات محرم من زوجها وكأن يترافع المجوسي وتكون تحته اخته أو يترافع النصراني وتكون المنكوحة خامسة فلا يجوز ابتداء النكاح عليها ، وحينئذٍ فلا يحكم لهم بصحة النكاح بل يحكم ببطلانه.
قوله : [ وإن وطىء حـربي حربية فأسلما وقـد اعتقداه نكاحـاً أقرا ، وإلا فسخ ]
إذا وطء حربي حربية ثم أسلما فإن اعتقدا هذا الوطء الخالي من الولي ونحوه ، إذا اعتقداه نكاحاً فإنهما يقران عليه ، وإن لم يعتقدانه نكاحاً بل اعتقداه سفاحاً فلا يقران عليه لأنهم يقرون على ما اعتقدوا صحته.
قوله : [ ومتى كان المهر صحيحاً أخذته ]
إذا كانت القضية أو الخصومة التي حصل الترافع فيها في المهر ، فمتى كان المهر صحيحاً كأن يكون دراهم أو دنانير أخذته هذه المرأة لأنه واجب لها بالعقد وهذا هو حكم الله تعالى.
قوله : [ وإن كان فاسداً وقبضته استقر ]
فإذا كان فاسداً كأن يكون مهرها خمراً أو خنزيراً أو غير ذلك من المحرمات فهذا مهر فاسد ، فإن كانت قد قبضته فإنه يستقر المهر ، وذلك لأن هذه المسألة قد وقعت قبل الترافع وهي صحيحة عندهم فهي مما يعتقدون صحته في شرعهم وقد حصل القبض بحكم الشرك لا بحكم الإسلام.
قوله : [ وإن لم تقبضه ولم يسمِّ فرض لها مهر المثل ]
إذا لم تقبض هذا المهر الفاسد أو كان المهر لم يسم لها في العقد فرض لها مهر المثل ، لأن المهر فاسد ، أو لم يسمِّ لها مهراً فحينئذٍ تعطى مهر المثل.
فصل
قوله : [ وإن أسلم الزوجان معاً … فعلى نكاحهما ]
إن أسلم الزوجان معاً أي دفعة واحدة في زمن واحد بلحظة واحدة فهما على نكاحهما ، كأن يسلم زوجان كافران في لحظة واحدة دفعة واحة فهما على نكاحهما لعدم اختلاف الدين ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وذكر صاحب المغني : إحتمالاً أنه يصح ولو كان في المجلس ولو لم يكن دفعة واحدة وصوبه صاحب الإنصاف واختاره ابن القيم وهو الراجح ، وذلك لعسر الإسلام دفعة واحدة بل لا يكاد يقع ، كما ذكر ابن القيم أن المعروف في إسلام الصحابة في إسلام الزوج والزوجة أنه لا يكون دفعة واحدة ، وهذا ظاهر.
قوله : [ أو زوج كتابية فعلى نكاحهما ]
كأن يكون رجل يهودي زوجته يهودية فأسلم اليهودي فلا يبطل نكاحه لليهودية ، وذلك لأن نكاح المسلم للكتابية جائز ابتداءً فاستدامته أولى.
قوله : [ فإن أسلمت هي ]
أي أسلمت الزوجة الكتابية.
قوله : [ أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل ]
فإذا أسلمت كتابية تحت كتابي أوغيره أو أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل لقوله تعالى : ] ولا تمسكوا بعصم الكوافر [ ، هذا إن كان الزوج هو المسلم ولم تكن الزوجة كتابية ، وإن كانت المرأة هي التي أسلمت فلقوله تعالى : ] لا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن [ وهذا مذهب جماهير أهل العلم.
قوله : [ فإن سبقته فلا مهر ]
فإذا كانت المرأة هي السابقة للإسلام ، ولم يدخل بها بعد فلا مهر لها ، فمن المعلوم أن الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول فلها نصف المهر أو فسخ فلها نصف المهر ، وهنا الفرقة بالإسلام قد جاءت من قبل المرأة ، والقاعدة أن الفسخ إن كان من قبل المرأة فلا مهر.
قوله : [ وإن سبقها فلها نصفه ]
فإذا سبقها هو بالإسلام فأسلم فلها نصفه لأن الفرقة هنا جاءت من قبله وهذا هو المشهور في المذهب ، وعن الإمام أحمد وصوبه صاحب الإنصاف : أنه ليس لها مهر ، وهذا فيما يظهر لي أظهر ، وذلك لأن الفرقة لم تجيء من قبله بل الشرع فرق بينهما والأدلة إنما دلت على وجوب نصف الصداق حيث كان الفسخ منه أو الطلاق وهنا قد جاء التفريق من الشرع بينهما فلا يجب لها نصف المهر.
قوله : [ فإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على إنقضاء العدة فإن أسلم الآخر فيها دام النكاح وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول ]
إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة وإن أسلم الآخر بالعدة دام النكاح ، وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول ، فإذا انقضت عدتها ولم يسلم فلا نقول استأنفي عدة جديدة بل عدتها هي عدتها السابقة فلا تستأنف عدة جديدة ، واستدل الجمهور- القائلون بأن المرأة إذا انقضت عدتها فلا تحل لزوجها الكافر إلا بعقد جديد - استدلوا بما روى الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " أن النبي r رد ابنته - أي زينب – على أبي العاص بنكاح جديد " ، قالوا هذا لأن العدة انقضت وهذا الحديث فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف الحديث.
القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن المنذر واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم : أن النكاح يدوم ما لم تنكح فما دامت هذه المرأة لم تنكح وأسلم قبل أن تنكح فإن النكاح ثابت فإذا نكحت انفسخ النكاح ، قال شيخ الإسلام : ولا فرق ما بين قبل الدخول وبعده ، أي ولو كان إسلام أحدهما قبل الدخول فكذلك ، إذا أسلم زوجها قبل أن تنكح فإن النكاح يدوم وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الراجح ، أما المسألة الأولى وهي ما بعد الدخول فلما ثبت عند الخمسة من حديث ابن عباس : " أن النبي r رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول "، وهو من حديث داود بن الحصين عن عكرمة ، وحديث داود بن الحصين عن عكرمة ضعيف ، لكن للحديث شاهدان مرسلان عند سعيد بن منصور ولذا صححه الإمام أحمد وغيره.
ويدل عليه ما ثبت في صحيح البخاري – كما أنه يدل على أنه لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده ما لم تنكح المرأة - عن ابن عباس قال : " كانت المرأة إذا هاجرت من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض ثم تطهر فيحل لها النكاح فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه " ، وهذا عام في من دخل بها ومن لم يدخل بها ، وأيضاً في هذه الأحاديث لا تطرق لذكر العدة ولم يثبت أن النبي r كان يسأل النساء المهاجرات هل انقضت عدتهن أم لا.
وفي حديث أبي العاص في سنن الترمذي قال : " وكان ذلك بعد ست سنين " ، أي بعد انقضاء عدتها بزمن طويل ، والصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام وهو قول ابن المنذر ورواية عن الإمام أحمد ، وأن المرأة إذا دخل بها ثم أسلمت أو أسلم زوجها فإن الزواج باقٍ بينهما ما لم تنكح ، فإن نكحت فقد فسخت بنكاحها النكاح الأول ، ورجح شيخ الإسلام أنه لا فرق بين من دخل بها ومن لم يدخل بها ، وعمومات الأدلة تدل على هذا وفيه – كما ذكر شيخ الإسلام – مصلحة محضة ، فإن فيه ترغيباً لمن لم يسلم منهما في الإسلام.
قوله : [ وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة ، وقَبله بطل ]
فإذا كفرا أو أحدهما فإن كان ذلك قبل الدخول فالنكاح باطل وإن كان بعد الدخول وقف ذلك على انقضاء العدة فإن انقضت العدة بطل ، وقَبله يدوم ويثبت فلا فرق بين ما إذا أسلم أحد الزوجين أو ارتد أحد الزوجين لاختلاف الدين ، وتقدم كلام شيخ الإسلام في عدم التفريق ما بين قبل الدخول وما بعده.
مسألة :
فإن أسلم الرجل وقد نكح أكثر من أربع فإنه يخير بينهن ، كذلك إذا كان قد جمع بين أختين فإنه يخير بينهن لا فرق بين الأولى ولا الأخرى فله أن يختار الأخيرة وله أن يختار من نسوته الأخريات ويدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد والترمذي " أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة قد أسلمت معه ، فأمره النبي r أن يتخير منهن أربعاً " والحديث أعله الإمام أحمد والبخاري بالإرسال ، وهو مرسل كما قالا ، ولكن له شاهدان يحسن بهما الحديث ، شاهد عند البيهقي من حديث عروة الثقفي ، وشاهد أخر عند أبي داود من حديث قيس بن الحارث ، وبه قال جمهور أهل العلم خلافاً لأبي حنيفة.
وقد روى أبو داود وغيره عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه أنه قال r " إني قد أسلمت وتحتي أختان فقال r طلق أيتهما شئت " والحديث حسن ، وهذا يرجع إلى المسألة المتقدمة وهي أن ما يعتقدون صحته من أنكحتهم قبل الإسلام فإنها تكون صحيحة ، فحينئذٍ لا فرق بين النكاح الذي عندنا باطل والنكاح الذي هو عندنا صحيح لأن النكاحين قد وقعا قبل الإسلام ولذا فلا مزية لأحدهما على الأخر ، فأرجعا التخيير إليه لأن ذلك أمر راجع إلى رغبته وإلى من يسكن إليها ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ويدل عليه الأثر ويدل عليه النظر.
وهل يحل أن يطأ من اختارها في عدة من فارقها في مسألة الأختين ، وكذلك هل له أن يطأ الرابعة والخامسة في عدتها أم لا يحل له ذلك ؟
المشهور في المذهب أنه ليس له أن يطأ الأخت وكذلك في مسألة العدد ليس له أن يطأ حتى تنتهي عدة الأخرى.
وذهب المالكية والشافعية إلى أن له أن ينكح التي أبقاها في عدة التي فارقها من الأختين ، وكذلك في جميع العُدد ، وتقدم ذكر دليل المسألة السابقة وهو دليل لهذه المسألة فإنه قد فارقها وليست زوجة له فليست برجعية فحينئذٍ لا يكون قد جمع بين أختين ، ولا يكون جمع في وقته أربعاً ، وأيضاً يستدل عليه لخصوص المسألة أن النبي r لم يبين هذا لغيلان بن سلمة ولا لفيروز الديلمي ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وقال " نظرت في كلام عامة أصحابنا فرأيتهم قد ذكروا أنه يمسك أربعاً ولم يشترط في جواز الوطء الخروج من العدة لا في جمع العدد ولا في جمع الرحم"، فعامة أصحاب الإمام أحمد ظاهر كلامهم عدم ذكر هذا الشرط ولو كان هذا شرطاً عندهم لذكروه للإحتياج إلى ذكره ، وإنما ذكره الموفق رحمه الله ، فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية والمالكية.
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم