بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب الصداق
الصداق : عوض يسمى في عقد النكاح أو بعده وكذا ما ألحق به كالوطء بشبه كالتي يتبن أنها أخته من الرضاع ، أي يسمى في عقد النكاح ، أو يسمى بعده وهذا في النكاح الذي لم يسم فيه مهر ، والصداق مشروع بالإجماع قـال تعـالى : ] وأتـوا النساء صدقاتهن نحلة [ وقـال : ] وآتوهن أجورهن [ ، والأحاديث في ذلك كثيرة يأتي ذكر شيء منها.
قوله : [ يسن تخفيفه ]
أي تخفيف المهر لقول النبي r : ( خير الصداق أيسره ) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
قوله : [ وتسميته في العقد ]
فيسن تسميته في العقد لقول النبي r لخاطب الواهبة نفسها ( التمس ولو خاتماً من حديد ) ، ولا يشترط ذلك ، فلو نكحها ولم يسمِّ لها مهراً فالنكاح صحيح ، أي مع ثبوت المهر لكنه لم يسمِّ لها أي لم يفرض ويحدد قدره ، لكنه نكاح على مهر كما يقع في بعض البلاد من الانكاح على مهر لكنهم لا يذكرون قدره حياء ، وكذا قال تعالى : ] لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [ ، ولا طلاق إلا بعد عقد فعلى ذلك تسمية الصداق في العقد مستحبة قطعاً للنزاع ولفعل النبي r ولأمره كذلك كما في قوله : (التمس ولو خاتماً من حديث ).
قوله : [ من أربعمائة درهم إلى خمسمائة ]
لما ثبت في سنن أبي داود والترمدي والنسائي بإسنادٍ صحيح عن عمر قال " ألا لا تغالوا في صُدُق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل لكان أولاكم بها النبي r ما اصدق النبي r امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته إلا ثنتي عشرة أوقية " ، أي تزيد على أربع مائة درهم بشيء يسير ، وقالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم : " كان صداق النبي لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشَّا قالت : أتدري ما النش ؟ فقال الراوي ( لا ) فقالت : نصف أوقية فتلك خمس مائة درهم فهذا صداق النبي r لأزواجه " ، فالمستحب في صدق النساء أن تكون يسيرة ، وأما ما روي من إنكار المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة ، فاستدلت عليه بالآية ] أو آتيتم إحداهن قنطاراً [ فإنه لا يصح فقد رواه البيهقي بإسنادٍ منقطع ، فالمستحب من أربعمائة إلى خمسمائة فإن زاد فلا بأس فقد روى أبو داود بإسنادٍ صحيح ، أن أم حبيبة مات عنها زوجها عبدالله بن جحش في الحبشة فزوجها النجاشي النبي r وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم وبعثها مع شرحبيل بن جسنة.
قوله : [ وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وإن قل ]
كل ما صح ثمناً لمبيع من عين أو دين أو منفعة.
من عين : كدرهم ودينار .
أو دين : سواء كان مؤجلاً أو حاضراً.
أو منفعة : كأن يقول " على أن أعمل لكم سنة " فهذا جائز.
فسواء كان عيناً أو ديناً أو منفعة معلومة قياساً على البيع والإجارة بجامع أن كليهما عوض ، قال تعالى : ] إني أريد أن أنكحـك إحـدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمانــي حجج [ ، فهذا من باب الإنكاح بالمنفعة ، فكل ما صح ثمناً لمبيع أو أجرة ، ـ وتقدمت شروط الثمن وشروط الأجرة ـ فإنه يصح مهراً ولو قل أي ولو كان درهماً ولو كان ديناراً ولو كان خاتماً من حديد ولذا قال النبي r : ( التمس ولو خاتماً من حديد ) ، وثبت في الصحيحين أن عبدالرحمن بن عوف قال للنبي r : " إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب فقال : ( بارك الله عليك ، أولم ولو بشاة ) " ، فإن قل فذلك جائز.
إذن لا حد لأقله فما يصدق عليه أنه ثمن أو أجرة فإنه يصح مهراً ، وقال المالكية والأحناف : بل لا يصح إلا مما تقطع به اليد بجامع استباحة العضو " ، فهذا قياس يخالف النص فلا اعتبار به ، وقد تقدم قوله التمس ولو خاتماً من حديد ، وعلى ذلك أقل المهر عند المالكية ربع دينار ، وعند الأحناف عشرة دراهم ، وقد روى الدارقطني بإسنادٍ ضعيف جداً : ( ألا مهر أقل من عشرة دراهم ) ، فالراجح ما ذهب إليه الشافعي والحنابلة من أنه لا أقل للمهر كما أنه لا حد لأكثره ، ولذا قال تعالى : ] أو آتيتم إحداهن قنطاراً [ ، والقنطار الشيء الكثير الوافر من الذهب ، وهذه الآية لا يستدل بها على استحباب المغالاة ، وإنما فيها الإخبار والإخبار لا يدل على الجواز فضلاً عن استحباب ذلك ، إذن لا حد لأقله ولا حد لأكثره.
قوله : [ وإن أصدقها تعليم قرآنٍ لم يصح ]
فلا يصح أن يكون صداقها تعليمها القرآن وهذه المسألة تقدم ذكرها ، وهي هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؟
فالأحناف والحنابلة يمنعون من ذلك ، وهنا كذلك يمنعون من ذلك مهراً ، والشافعية والمالكية يجيزون أخذ الأجرة على القرآن ، ويجيزون هنا أيضاً أن يكون عوضاً عن الزواج ، ويستدلون بقول النبي r : ( ملكتكها بما معك من القرآن ) ، وتقدم أن الراجح في المسألة السابقة جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن للمحتاج ، فهذا كذلك ، والرجل الذي قال له النبي r : ( ملكتكها بما معك من القرآن ) ، كان محتاجاً ولذا أمره النبي r أن يلتمس ولو خاتماً من حديد ولم يجد ذلك ، فدل على أن ذلك مخصوص بالمحتاج.
قوله : [ بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم ]
فهذا جائز لأن أخذ الأجرة عليه جائز ، فيجوز أن يكون صداقاً ، وهكذا سائر العلوم الدينية والدنيوية. فان طلقها قبل الدخول فعليه نصف الأجرة .
قوله : [ وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح ولها مهر مثلها ]
إذا قال صداقك أن أطلق ضرتك ، فلا يصح ذلك لأن هذا محرم في الشرع في قوله r : ( لا تسأل المرأة طلاق أختها ) ، أو هي قالت له : عوضي في النكاح طلاق ضرتي ، فهذا محرم ، وعليه فلا يصح هذا مهراً لنهي النبي r ، وفي المسند بإسنادٍ ضعيف : ( لا تنكح المرأة بطلاق اختها ) ويشهد له ما تقدم في الصحيحين ، وعليه فلها مهر مثلها
في مذهب جمهور أهل العلم وذلك لفساد التسمية ، وقال بن عقيل من الحنابلة : أن لها قدر مهر الضرة ، قال شيخ الإسلام كما في الإختيارات وهذا أجود ، وقال أيضاً رحمه الله " ولو قيل ببطلان النكاح لم يبعد " و الراجح ما ذهب إليه الجمهور لفساد التسمية .
قوله : [ ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل ]
إذا بطل المسمى في العقد لجهالته أو لعدم ماليته أو لكونه مغصوباً فيجب مهر المثل ، مثال ما كان فاسداً لجهالته كأن يصدقها عبداً من غير أن يصفه أو يعينه ، ومثال ما كان فاسداً لعدم ماليته : أن يصدقها شيئاً محرماً كخمر ونحو ذلك كما تقدم مما يقع في نكاح النصارى …. وغيرهم ، فهذا المهر فاسد فيجب لها مهر المثل عند الجمهور ، وعنه يجب مثله خلاً وهو أظهر لأنه أقرب للمماثلة ، ومثال ما كان فاسداً لكونه مغصوباً : كأن يقول لك هذه الدار ، وتكون هذه الدار مغصوبة ، فحينئذٍ لها مهر المثل يوم التسمية لأن العقد وقع على التسمية ، واختار شيخ الإسلام فيما إذا كان فساده لكونه مغصوباً ، أنها يكون لها مثل المغصوب أو قيمته ، وهذا ظاهر ، وذلك لأنها قد رضيت بهذا المغصوب وهذا يماثله أو يساويه في القيمة ، بخلاف مهر المثل فقد لا تكون راضية به وهو أيضاً قد لا يكون راضياً به. وهو القول الراجح.
وأما إذا كان مجهولاً ، فالمذهب أن الجهل إن كان يسيراً فإن الثابت هو هذا المهر الذي قد حدد وعين لأن جهالته يسيرة كعبد من عبيده فيخرج بالقرعة .
مثال ذلك : لو قال : لك أرض من الأراضي التي أملكها أولك دار من الدور التي أملكها ، ولم يعين لها الدار فإنه يمكن التعين بالقرعة ، فهنا الجهل يسير لأنه يمكن تعينه بالقرعة ، هذا هو أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وإن كان الجهل غير يسير ، فهنا خلاف في المذهب :
1. فالمشهور في المذهب أنه يجب مهر المثل مطلقاً.
2. واختار القاضي من الحنابلة إن كان المجهول لا تزيد جهالته على جهالة مهر المثل صح ، مثال ذلك إذا قال " صداقك دارٌ ، فيمكن أن نحدد هذه الدار بأن نجعلها الدار الوسط أو اللائقة بمثلها عرفاً ونحو ذلك ، فهنا الجهالة أيسر من جهالة مهر المثل أما إذا كانت جهالته أكثر من جهالة مهر المثل فإن هذا المهر يفسد ويثبت مهر المثل.
مثال ذلك :لك قمح ولا يذكر قدره فهذا جهالته أشد من جهالة مهر المثل فلا يصح ويجب مهر المثل ، وهذا هو القول الأرجح ، وذلك لأنه أقرب للرضى من الطرفين كليهما ، وعليه فما اختاره القاضي هو الراجح . فيقال إذا كان المهر مجهولاً وجهالته لا تزيد على جهالة مهر المثل فإن هذا المهر يصح وتزال جهالته بأن يوضع الوسط ، فأما إن كان يزيد كأن يقول : لك قمح أو غير ذلك مما لا يمكن تحديده ، وجهالته أعسر من جهالة مهر المثل فإن هذا المهر يفسد ويجب حينئذ مهر المثل.
فصل
قوله : [ إن أصدقها ألفاً إن كان أبوها حياً و ألفين إن كان ميتاً ]
فيجب مهر المثل لفساد التسمية ، فهنا التسمية فاسدة في المشهور في المذهب ، و ذلك لانه لا يعلم أبوها حي أو ميت ، و لانه لا غرض له في موت أبيها .
وعن الإمام أحمد : أن المهر يثبت على ما شرط ، وذلك لأن ألفاً من ألفين معلومة ، لأنه قال : " إن كان أبوها ميتاً فلها ألفان " فلها ألف حيث كان أبوها حياً أو ميتاً ، وحينئذ فألف معلومه وإنما الألف الأخرى موقوفة على شرط فإن ثبت هذا الشرط كانت زيادة في صداقها وهذا لا محذور فيه ، والجهالة هنا تؤول إلى العلم ، فليس المهر كله مجهولاً ؛ بل ألفٌ معلومة وألفٌ هي التي فيها الجهالة ، ثم إنها قد علقت بشرط إن وجد هذا الشرط فهي لها فيكون ذلك زيادة في مهرها ، وهذا القول هو الأصح فليس في مثل هذا محذور ، ولها غرض في ذلك كنفقة الأب عليها ان كان حيا بما يغنيها عن زيادة المهر .
قوله : [ وعلى إن كانت لي زوجة بألفين أو لم تكن بألف يصح بالمسمى]
إذا قال : إن كانت لي زوجة فمهرك ألفان ، وإن لم تكن فمهرك ألف ، قال هنا: صح ، والفرق بين المسألتين أن المسألة الأولى لا غرض له فيها وهنا للمرأة في ذلك غرض ومصلحة ، وعلى ترجيح القول المتقدم في المسألة السابقة فلا تشكل هذه المسألة.
قوله : [ وإذا أجل الصداق أو بعضه صح ]
إذا أجل الصداق فقال : لك عشرة آلاف إلى سنة أو قال : لكِ خمسة آلاف حالة وخمسة آلاف مؤجلة إلى سنة ، فإن هذا التأجيل يصح كثمن المبيع بجامع أن كليهما- أي المهر وثمن المبيع - عوض في معاوضة صحيحة سواء كان هذا التأجيل للمهر كله أو لبعضه لحديث ( المسلمون على شروطهم ) .
قوله : [ فإن عَيَّن أجلاً ]
كأن يقول لك كذا إلى سنة أو سنتين أو خمس سنوات فإنه يتعين ، فيجب عليه أن يعطيها هذا المهر إذا حل الأجل المعين.
قوله : [ وإلا فمحله الفرقة ]
إذا لم يعين له أجلاً فمحله الفرقة ، سواء كانت الفرقة عن بينونة أو كانت بموت ، هذا هو المشهور في المذهب ، وقال الشافعية : إذا لم يعين أجلاً فيكون لها مهر المثل لعدم بيان المحل الذي يجب فيه إعطاء هذه المرأة مهرها المؤجل فتفسد التسمية ، وقال الأحناف: بل يبطل التأجيل وتجب حالة ، وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد ، والراجح ما ذهب إليه الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وذلك لأن العرف يقضي بذلك ، فإن العرف- فيما إذا كان المهر مؤجلاً - أنه يجب بالطلاق البائن ، فإذا أبانها أعطاها مهرها المؤجل ، أو بالموت فإذا ماتت فإنه يكون من إرثها ، وعليه فإذا طلقها طلاقاً رجعياً ولم تنقض عدتها فلا يجب أن يعطيها هذا المهر ، أي لا يحل بالطلاق الرجعي ، وإنما يحل بالطلاق البائن أو غيره من الفسوخ كالخلع وغير ذلك ، وهذا هو الذي يقضي به العرف.
قوله : [ وإن أصدقها مالاً مغصوباً أو خنزيراً ونحوه وجب مهر المثل]
هذه المسألة تقدمت في الدرس السابق ،ويجب عليه أقرب الحيوانات مماثلة للخنزير كالبقر على الراجح ، والمذهب يجب عليه مهر المثل .
قوله : [ وإن وجدت المباح معيباً خيرت بين أرشِه وقيمته ]
إذا أصدقها شيئاً من العبيد أو شيئاً من الحيوان أو غير ذلك من الأموال فوجدته معيباً فتخير المرأة بين الأرش والقيمة إن كان مقوماً وإلا فالمثل ، فلها أن ترد هذا المعيب وتأخذ قيمته إن كان مقوماً أو مثله إن كان مثلياً ، والخيار الآخر أن تأخذ الأرش فيقوم هذا الشيء معيباً ويقوم صحيحاً ، والفارق بينهما هو الأرش ، وفرق بين البيع – و قد تقدم ألا أرش فيه -، وبين النكاح هنا ، فإن البيع يمكنه أن يرجع السلعة ، وأما هنا فإنه قد تعذر رد المعوض لأننا نصحح النكاح وقد استباح بضعها.
قوله : [ وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحت التسمية ]
إذا قال الأب في النكاح مهرها ألف لي وألف لها ، فهذا صحيح لقول النبي r : ( أنت ومالك لأبيك ).
قوله : [ فلو طلق قبل الدخول وبعد القبض رجع بالألف ولا شيء على الأب لهما ]
إذا طلق المرأة قبل الدخول وكان قد أعطاها ألفاً لها وألفاً لأبيها ، وبالطلاق لا يكون للمرأة إلا نصف المهر فحينئذٍ لا يجب على الزوج إلا ألف ، فيرجع بالألف إلى الزوجة وأما الأب فقد أخذ ما أخذ لقوله r : ( أنت ومالك لأبيك ) ، وعليه فإذا كان المال للأب جميعه كأن يقول : " أزوجك ابنتي على أن يكون لي مائة ألف " ثم طلق المرأة قبل الدخول وبعد قبض المائة ألف.
فالمذهب أن الزوج يرجع إلى الزوجة ولا يرجع إلى الأب ، أما في المسألة الأولى فهذا فيه قوة ، وأما هنا فإن المرأة أصبحت غارمة ، والذي يترجح كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : والصحيح - وهو الوجه الثاني في المذهب - أنه يرجع إلى من قبض المهر ، أي سواء كان القابض هو الولي أو المرأة ، وهذا هو الراجح ، وأن الزوج إذا أقبض الأب المهر وكان الأب قد اشترطه لنفسه أو اشترط النصف لنفسه فإنه يرجع إلى الأب لأنه هو القابض ، وإن كانت الزوجة التي قبضت فإنه يرجع إليها ، هذا هو الأظهر وهو وجه في المذهب وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ، أما لو طلقها قبل القبض كأن يقول مهرها ألف درهم ثم طلق قبل أن تقبض فحينئذٍ يدفع النصف وهو خمسمائة درهم وحينئذٍ للأب أن يأخذها كلها أو ما شاء منها بالشروط التي تقدم ذكرها عند قوله r : ( أنت ومالك لأبيك ).وللأب قبض صداق ابنته المحجور عليها ل الكبيرة الرشيدة ولو بكر إلا بإذنها لأنها المتصرفة في مالها فلا يبرأ الزوج فإن غرم رجع على الأب ، وعن الإمام أحمد أنه يقبضه بغير إذنها مطلقاً للعرف ولجواز تملكه بشروطه وهو مذهب أبي حنيفة .
قوله : [ ولو شرط ذلك لغير الأب فكل المسمى لها ]
إذا قال : أتزوج أختك على أن يكون لك كذا وكذا ولها كذا وكذا ، فالمسمى كله للمرأة ، وذلك لأنه عوض على بضعها والشرط باطل هنا ، فإذا شرط الأخ أو الجد أو غيرهم سوى الأب مالاً ، فإن هذا المال يدخل في مهر موليته وليس له منه شيء لأن ذلك عوض على بضعها فهو مستحق لها دون غيرها ، وعليه فهذا الشرط شرط باطل ويكون المسمى كله للمرأة فإذا قال : علي عشرة آلاف لك وعشرة آلاف لها ، فيكون مهرها عشرين ألفاً ، لأن هذا المال المذكور المسمى كله عوض لبضعها فكانت هي المستحق له ، وأما الأب فله حكم آخر لقوله r : ( أنت ومالك لأبيك ) وقول الله تعالى في شرع من قبلنا : ] إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج [ ، فمهرها هنا منفعة للأب.
قوله : [ ومن زوج بنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها صح ]
إذا كان مهر مثيلاتها عشرة آلاف درهم ، فزوجها بخمسة آلاف درهم. فيصح هذا ، وذلك لقوله r : ( أنت ومالك لأبيك ) ، ولأنه إذا جاز أن يشرط المهر لنفسه كله فأولى من ذلك أنه يجوز له أن يزوجها بدون مهر مثلها ، ولو قيل بتقييد ذلك بألا يكون في ذلك إضرار بها فإن في ذلك قوة ، كما تقدم في شروط جواز أخذ الوالد من مال ولده، فإن كان يضر بها فلا يتبين هذا، لأن الأب إنما يجوز له أن يأخذ من مال ولده بالمعروف حيث لا ضرر، وأما إن كان هناك ضرر فلا.
قوله : [ وإن زوجها به وليٌ غيره بإذنها صح ]
إذا زوجها جدها أو أخوها بعشرة آلاف درهم ومهر مثيلاتها عشرون ألفاً وكان ذلك بإذنها ورضاها فلا بأس لأنها قد أسقطت حقها بنفسها.
قوله : [ وإن لم تأذن فمهر المثل ]
فإن زوج الأخ الأخت بخمسين ألفاً ومهر مثيلاتها مائة ألف ولم تأذن فيجب على الزوج مهر المثل على المذهب، لأنه عوض بضعها ولم تأذن بإسقاطه.
واختار شيخ الإسلام وهو نص الإمام أحمد وصوبه صاحب الإنصاف: "أنه يجب على الولي ولا يلزم الزوج" ، وهو أظهر، لأن هذا الولي كالوكيل في البيع، فكما أن الوكيل يضمن إن باع بثمن أنقص من ثمن المثل فكذلك الولي في النكاح، فعلى ذلك الولي هو الذي يجب عليه أن يكمل لها مهرها إلا أن ترضى.
قوله : [ إن زوج ابنه الصغير بمهر المثل أو أكثر صح في ذمة الزوج ]
إذا كان له ابن صغير ولهذا الابن مال فزوجه بمهر المثل أو بأكثر من مهر المثل فإنه يصح لأن الأب أعلم بمصلحته فقد يكون في زيادة المهر مصلحة له، ويجب في ذمة الابن لأن العقد له ، والقول الثاني لا يتزوج له بأكثر من مهر المثل وهو قول القاضي ، قلت :و المذهب الراجح ؛لأن تصرف الأب ملحوظ فيه المصلحة .
قوله : [ وإن كان معسراً لم يضمنه الأب ]
إذا كان هذا الابن معسراً لا مال له، لم يضمنه الأب، لأنه نائب عنه فلا يلزمه ما لم يلتزمه.
وعن الإمام أحمد أنه يجب عليه للعرف ، وهذا حيث كان العرف يدل على ذلك،فإن الأب يضمن عرفاً ابنه الذي زوجه وهو معسر .
وعن الإمام أحمد أنه يجب على الأب أصالةً وهذا يرجع إلى مسألة يأتي البحث فيها، وهي هل انكاح الابن من النفقة الواجبة أم لا ؟ والراجح أنه من النفقة الواجبة
فصل
قوله : [ وتملك المرأة صداقها بالعقد ]
تملك المرأة مهرها بالعقد، قياساً على البيع ، فكما أن ثمن المبيع وهو عوض السلعة يملك بالعقد ، فكذلك المهر وهو عوض بضعها يملك بالعقد وعنه لا تملك إلا نصفه والراجح المذهب لأن الأصل استقراره .
قوله : [ ولها نماء المعين قبل القبض ]
فلها نماء المهر المعين .
المعين : كأن يقول: " لك نخل هذا البستان صداقاً " فهذا الصداق معين.
فقبل القبض لها نماؤه المعين ، فإذا نمت هذه النخلات وأثمرت وأنتجت نخلاً فإن هذا النماء من الثمر وغيره يكون لها.
قوله : [ وضده بضده ]
أي ضد المعين وهو ما كان في الذمة بضده في الحكم نماؤه لا تملكه المرأة ، والمبهم كأن يقول : " لك عشر نخلات من نخلي "، فليس لها النماء لأنه لم يعين والضمان كذلك ، فهناك عليها الضمان ولذا كان النماء لها وهنا الضمان على الزوج ولذا فالنماء له ، وهذه المسائل كمسائل البيع في القبض ، وقد تقدم ذكر مسائل القبض في البيع وهنا كذلك.
قوله : [ وإن تلف فمن ضمانها إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه ]
إذا تلف المهر أي المعين فإنه يكون من ضمانها إلا أن يمنعها زوجها من القبض فإذا تلف فإن الضمان يكون عليه لأنه قد منعها أن تقبضه فأشبه الغاصب ، هذا فيما يشترط فيه القبض ، وأما ما لا يشترط فيه القبض فلا فرق ما بين قبل القبض وبعده.
قوله : [ ولها التصرف فيه وعليها زكاته ]
فلها التصرف في صداقها لأنه ملك لها ، كما أن عليها زكاته وذلك لأنه مالها فهو مال فيدخل في عموم قوله تعالى : ] خذ من أموالهم صدقة [ ، وهو مال لها فوجبت الزكاة عليها ، فيجب عليها أن تزكي المعين ، ويجب أن تزكي المبهم من تعيينه ، فإذا قال: " لك عشر نخلات ، وهي هذه النخلات "، فتزكي عليها إذا أثمرت ، وإذا قال : " لك كذا وكذا من الدراهم "، فإن عليها أن تزكيها إذا مضى عليها الحول ، وأما إن قال: " لك أربعون شاة من شياهي " ولم يعين لها ، فهذا في الذمة فلا تزكيه حتى يعينه لها.
قوله : [ وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكماً ]
أي قهراً كالإرث ، فليس راجعاً إلى إرادته واختياره فهو ماله فالطلاق سبب لنقل الملك ، فإذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول بها وقد سمى لها صداقاً ، فلها نصفه وله النصف قال تعالى : ] وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وإن تعفوا أقرب للتقوى [ ، فله هو أن يعفو ولها هي أن تعفو فلكلٍ منهما العفو عن صاحبه ، فللزوجة أن تعفو فتقول: " أنا لا أريد شيئاً منها " فلكل واحدٍ منهما له أن يعفو بشرط أن يكون جائزَ التصرف؛ لأن من ليس كذلك لا يصح تصرفه ، ودليل جواز العفو وأن لكل منهما العفو قوله تعالى : ] إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح [ وليس للولي أن يعفو عن مولاه ذكراً كان المولى أو أنثى ، فليس لولي الزوج أن يعفو وليس لولي الزوجة أن يعفو وذلك لأن المهر مال للمرأة فلم يملك غيرها هبته ولا إسقاطه – هذا في ولي الزوجة -، وولي الزوج كذلك ، فهو مال له وقد دخل في ملكه كالإرث فليس لأحدٍ أن يتصرف بهبته ولا إسقاطه، ولأنه لا مصلحة له في ذلك ، فليس لولي المحجور عليه أن يسقط النصف الذي وجب لمولاه؛ وذلك لأنه لا مصلحة له في هذا الإسقاط بل هو ضرر محض ، وولي الزوجة لا يملك إسقاط هذا المهر المستحق لها لأنه مال لها فليس لأحد أن يتصرف فيه، هذا إن كانت رشيدة ، وكذلك إن كانت غير رشيدة لأن الولي لا يجوز له أن يتصرف بما ليست فيه مصلحة ، وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى : ] إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح [ ، هل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو الولي ؟
1- فمن قال هو الزوج قال بالقول الـذي تقدم ذكره وهو مذهب الجمهور ومنهم الحنابلة.
2- ومن قال هو الولي - وهو مذهب المالكية – فإنه يجيز للولي أن يسقط نصف مهر المرأة ، فمذهب المالكية أن للولي سواء كان أخاً أو عماً أو ابن عم أو غيره له أن يسقط ما استحقته المرأة بطلاقها قبل الدخول، ويفسرون هذه الآية بالولي ، فهو الذي بيده عقدة النكاح وذلك لأن الزوج لا يملك عقدة النكاح بعد طلاقها.
والقول الأول - وهو مذهب الجمهور- أرجح وأن المراد بذلك الزوج وانه هو الذي بيده عقدة النكاح ، وأن المراد بالنكاح هو النكاح الأول الذي وجب له المهر وهو قول علي بن أبي طالب ، وقد روي مرفوعاً إلى النبي r ولا يصح ، وفي الدارقطني أن النبي r قال : ( ولي العقد الزوج )، والحديث لا يصح مرفوعاً فإن إسناده ضعيف ، لكنه صحيح موقوفاً على علي بن أبي طالب ، كما روى ذلك ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ورجح هذا القول ابن جرير في تفسيره ، ويرجح هذا القول ما تقدم من التعليل المذكور وهو أن المهر مال للمرأة فلم يملك غيرها إسقاطه فإن في ذلك تعدٍ على حقها ، ولأنه قال بعد ذلك ] وإن تعفو أقرب للتقوى [ وليس هذا أقرب للتقوى ، فليس حرمان المرأة من نصف مهرها الثابت لها بالطلاق قبل الدخول ليس هو بأقرب للتقوى ، بل الأقرب للتقوى أن تعطى حقها وألا تحرمه إلا برضا منها وإسقاط.
وعنه أن الأب له العفو لالأنه بيده عقدة النكاح و إنما لأن له أن يأخذ من مالها ما شاء وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح وهو المذهب في الصغيرة .
مسألة :
المذهب أن المرأة إذا أبرأته من صداقها أو وهبته له ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصفه ؛ لأنه عاد إليه بعقد مستأنف فلا يمنع استحقاق النصف بالطلاق .
وعنه لا يرجع وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وهو قول الشافعي لأن الصداق عاد إليه وهو أصح .
قوله : [ دون نمائه المنفصل ]
إذا أصدقها أربعين شاة مثلاً - فإنها تملك ذلك بالعقد – ثم أنتجت هذه الشياه ، وقبل الدخول طلقها، فإن النتاج يكون للمرأة ويرجع بعشرين شاة ، كذلك إذا أصدقها عشرين نخلة مثلاً ثم طلقها قبل الدخول ؛ فالثمر لها وله نصف هذه النخلات وذلك لأنه نماء ملكها، و نماء الملك لمالك.
قوله : [ وفي المتصل له نصف قيمته دون نمائه ]
أما النماء المتصل كسمن في عبد أو غير ذلك ، أو كبر في نخل أو غير ذلك فله نصف قيمته بدون نمائه ، فيقوم هذا الشيء الذي قد نما نموا متصلاً - يقوم في يوم الصداق - ويعطي نصف القيمة، وإن قالت: " أنا ارضى أن أعطيه النصف بنمائه " وكانت رشيدة فذلك جائز.
قوله : [ وإن اختلف الزوجان أو ورثهما في قدر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به فقوله ]
إذا اختلف الزوجان أو ورثهما أو ولياهما إذا اختلفوا في قدر الصداق فقالت المرأة: قد أمهرني عشرة آلف ، وقال: بل امهرتها خمسة آلاف فالقول قول الزوج لأنه منكر ، فإنه ينكر هذه الخمسة آلاف الزائدة ، والمنكر القول قوله مع يمينه والأصل براءة ذمته ، وهذا حيث لم تكن هناك بينة ، كذلك إذا اختلفوا في عينه كأن يقول: " أصدقتها هذه الدار " وقالت: " بل أصدقني هذه الدار الأخرى " ، فالقول قول الزوج لأنه منكر والأصل براءة الذمة ، وكذلك إذا اختلفوا فيما يستقر به المهر كأن يقول: " أنا لم أدخل بها " فتقول: " بل دخل بي " فهنا القول قوله لأنه منكر والأصل براءة الذمة ، وهذا كله حيث أنه لم يعارض هذا الأصل ما هو أقوى منه ، فلو جرت العادة بما يدل على عدم صدقه فإن القول قولها كأن يكون ذلك بعد إعلان النكاح ، فإذا جرت العادة أن المهر أربعين ألفاً فقالت أصدقني أربعين ألفاً وهي من النساء اللاتي يرغب بمثلهن وقال بل أصدقتها عشرة آلاف فالقول قولها لأن العادة جارية بما قالت وهذا أقوى من الأصل.
إذن الأصل أن القول قول الزوج لأنه منكر والأصل براءة ذمته ، ولكن لو جرت العادة بما قالت المرأة أو دلت القرائن على قولها فالقول قولها بيمينها.
لكن لو قبضته ثم تنصف بالطلاق فقالت أعطيتني ألفاً وقال بل ألفين فالقول قولها لأنها غارمة منكرة .
قوله : [ وفي قبضه فقولها ]
إذا اختلفوا في قبضه فالقول قولها لأن الأصل عدم القبض، ومن كان الأصل معه فالقول قوله، ولأنها منكرةً.
مسـألة :
إذا أصدقها صداقين ، صداقاً في السر وصداقاً في العلن ،
فالمذهب الأخذ بالزائد مطلقاً ، وصورة هذه المسألة : اتفق ولي المرأة - برضا المرأة - والزوج على أن يكون مهر المرأة عشرة آلاف، لكنْ في العلن قالوا: نريد أن نجامل الناس فنقول أربعين ، وكذلك العكس، كأن يقول: أنا لا أزوجك ابنتي إلا بمائة ألف ، والناس يزوجون بعشرين ألفاً فيقول الآخر: قبلت ويتفقان على ذلك ويعقدان العقد في السر على ذلك ، وأما في العلن فيكتبان ويتفقان على أنه عشرين ألفاً ، فالمذهب على أنه يؤخذ بالزائد مطلقاً سواء كان الزائد هو السر أو العلن ، أما إن كان الزائد هو صداق السر فذلك لأنه قد وجب به فقد تعاقدا بالنكاح على ذلك، وكان هذا هو الصداق الذي وقع عليه عقد النكاح فوجب به ، وإن كان الزائد في العلن ؛ كأن يتفقا على عشرة آلاف في السر وعلى أربعين في العلن ، فيجب الزائد وهو أربعون ألفاً، وذلك لأنه قد بدله لها فلزمه ذلك وإن كان العقد هو ما يكون في السر ، هذا هو المشهور في المذهب للتعليل المتقدم.
والمشهور في المذهب أنه يستحب الوفاء لأنهما قد اتفقا وتشارطا على شيء يخالف هذا الزائد أو على الزائد وظاهر الأمر على أن ما في العقد أقل من الزائد ، فيستحب لمن كان عليه الزائد أن يوفي ، فيستحب للمرأة إذا كان العقد في السر على عشرة آلاف ، وفي العلن على أربعين ألفاً ، فيستحب لها أن ترد عليه ثلاثين ألفاً ولا تأخذ إلا العشرة آلاف .
والصحيح وجوب ذلك، وهو القول الثاني في المذهب ، وصوبه صاحب الإنصاف وهو القول الراجح ، وذلك لأن المسلمين على شروطهم ، ولوجوب الوفاء بالعقود والعهود وهذا من العهد فولي الزوجة قد تعهد له والزوجة كذلك ، وكذلك الزوج فإن المرأة لم تبح له بضعها إلا على المهر الذي هو الزائد وإنما اتفقا في المهر على شيء في الظاهر أقل من الزائد لعلة أخرى.
مسألة :
إذا أهدى الزوج إلى زوجته قبل العقد أو بعده هدايا فلا يدخل ذلك في المهر لأنه ليس مما يتفق عليه وإن كانت قبل العقد ولم يوفوا له بالنكاح فإن ماتت قبل العقد أوكان الإعراض منه فلا رجوع ، أو كانت الهدايا بعد العقد وحصلت فرقة اختيارية مسقطة للمهر كله كالفسخ بالعيب ونحوه فإن الهدايا ترجع إليه وذلك لأن هذه الهداية هدية مشروطة ببقاء عقد النكاح ، ودلالة الحال تدل على ذلك فهو لم يهدي إلا لهذا السبب وهو ابقاء عقد النكاح حيث ولم ينكحوه أو حصلت فرقة اختيارية مسقطة للمهر فإنه حينئذٍ لم يتم مراده ولا مقصوده وحينئذٍ يرجع له حقه لأن العقد قد زال وحينئذٍ يترتب على ذلك عدم السبب الذي قد أهد له ، وهذا هو المشهور في المذهب لكن إن كان من قبله فلا رجوع لأن زوال العقد ليس من قبلها فإن كان الفسخ يبقى معه المهر أو نصفه فتثبت معه الهدية.
فصل
قوله [ يصح تفويض البُضع ، بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة ، أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر]
التفويض في اللغة : الإهمال ، فكأن المهر أهمل لما لم يسمّ وهو نوعان : تفويض بضع ، وتفويض مهر .
فأما النوع الأول: فهو أن يزوج الرجل ابنته المجبرة بلا مهر ، أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر ، فيكون المهر منفياً ، فهذا يصح كما قال المؤلف ، فيكون لها مهر نسائها هذا هو مذهب جمهور الفقهاء واستدلوا : بقوله تعالى : ] لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة [ قالوا : ولما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح : أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات فقال رضي الله عنه : ( لها مثل صداق نسائها لاوَكسْ ولاشطط - أي لا نقص ولا ظلم -، وعليها العدة ولها الميراث )، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : " قضى النبي r بروع بنت واشق -إمرأة منا- بمثل ما قضيت به " ، والحديث مرفوع إلى النبي r .
قالوا : فهذا يدل على صحة تفويض البضع ، والقول الثاني في المسألة ، وهو قول في مذهب أحمد واختاره شيخ الإسلام واختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه لا يصح النكاح إلا بمهر، والمهر إما أن يكون مسمى فيجب المسمى كأن يقول :" نكحت موليتك على عشرة آلاف "، وإما أن يكون مسكوتاً عنه فيجب مهر المثل ، فهوا مسكوت عنه فليس بمنفي بل قد نكحها على مهر لكنه لم يفرض لها فيكون لها مهر مثيلاتها، وأما أن يكون منفياً فلا ، وهو مخالف لكتاب الله تعالى ولسنة نبيه r ، ومن الأدلة على ذلك قــوله تعالى : ] وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم [ ، أي – ما فرضنا من المهور-، وأيضاً قوله تعالى : ] أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين[ ، ولذا النبي r لم يبح الواهبة نفسها لخاطبها مع فقره الشديد حتى قال له : (التمس ولو خاتماً من حديد) ولم ينكحه بلا مهر حتى أنكحه بما معه من القرآن ، وهذا القول هو القول الراجح.
وأما الأدلة المتقدمة فإنه ليس فيها أن المهر منفي، وإنما المهر مسكوت عنه ، فالمهر لم يفرض -أي لم يسم- وليس في ذلك أنه منفي ، وعلى ذلك فتفويض البضع باطل فالنكاح باطل ،ولذا أبطل النبي r نكاح الشغار لعدم المهر- أي المهر منفي فيه -.
قوله : [ وتفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما ، أو أجنبي ]
هذا هو النوع الثاني من التفويض وهو تفويض المهر كأن يقول " أتزوجك على ما شئت من المهر " أي على ما شأت الزوجة من المهر أو تقول هي: " أرضى بنكاحك على أن يكون لي من المهر ما شئتُ " ، أو يفوضاه إلى أجنبي عنهما كأن يقول: " على ما شاء فلان "، فهذا هو تفويض المهر فهنا قد فوض المهر وأهمل ولم يسمي فالنكاح صحيح ويجب مهر المثل . والفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة أن هذه المسألة المهر ثابت وهي لا ترضى إلا به ، فهي إنما نكحته على مهر لكن هذا المهر مجهول ، فلما كان مجهولاً كان فاسداً وعليه فيجب لها مهر المثل ، وأما المسألة السابقة فلا مهر بل هو منفي.
قوله : [ ولها مهر المثل بالعقد ويفرضه الحاكم بقدره ]
[ بقدره] : أي بحسب ذلك باعتبار الزوجة لا الزوج .
فالحاكم - أي القاضي- ، هو الذي يقدر مهرها بالنظر إلى نسائها ثم قال بعد ذلك:ولها مهر نسائها فيقدر الحاكم مهر المثل بالنظر إلى مهر نسائها والمشهور في المذهب أن مهر نسائها هو مهر قريباتها من أبيها وأمها ، كالأم والعمة والخالة والأخت ونحو ذلك ، ويقدر المهر لها على حسب ما يكون لقريبتها المساوية لها جمالاً ومالاً وسناً وعقلاً وبكارةً وثيوبةً وأدباً ، وقال مالك: بل يقدر لها المهر باعتبار ما فيها من الصفات بقطع النظر عن نسائها ، بمعنى ينظر ما فيها من الصفات من نسب وجمال ونحو ذلك فيقدر لها المهر بحسب ما فيها من الصفات.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختاره الموفق : أنه يقدر لها المهر بالنظر إلى نسائها من جهة أبيها لا من جهة أمها مع النظر إلى الصفات التي تقدم ذكرها بمعنى ينظر من جهة الأب كالأخت والعمة وعمة الأب وبنت الأخ ، ثم ينظر من يساويها في جمالها ومالها وأدبها وعقلها وبكارتها أو ثيوبتها ونحو ذلك، ثم يقدر لها المهر بحسب ذلك ، وهذا القول هو أرجح هذه الأقوال.
أما ما ذهب إليه الإمام مالك ففيه ضعف، وذلك لأن ما ذكره من الشروط من جمال ونحوه في المرأة معتبر في القولين الآخرين لكنهم قيدوه بنسائها ولا شك أن نساءها – حسنهن واحد ، ولا شك أن حسب المرأة له أثر في المهر ولذا قال النبي r : ( تنكح المرأة لأربع لحسبها ….. ) ، و رجحنا القول الثالث على القول الأول : ذلك لأن الحسب إنما هو معتبر من جهة الأبوة لا من جهة ، الأمومة لأن أمها قد لا تكون من حسبها فقد تكون أعلى من عصبتها نسباً وقد تكون دونهن نسباً، فجهة الأمومة لا أثر لها هنا لأن الحسب إنما يكون من جهة العصبة لا من جهة الأم ، فأرجح الأقوال ما ذهب إليه الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الموفق أنه يجب أن يكون لها مهر نسائها من عصبتها - أي من قرابتها من جهة الأب - مع اعتبار الصفات الثابتة في المرأة من مال وجمال وأدب وعقل وبكارة أو ثيوبة ونحو ذلك ، ويدل على اعتبار كونها من نسائها ما تقدم من قول ابن مسعود: " لها مثل صداق نسائها " وقول معقل بن سنان: " قضى بذلك النبي r ".
قوله : [ وإن تراضيا قبله جاز ]
فإذا تراضيا الزوجان على شيء من المهر قبل أن يقدره الحاكم ، فذلك لهما وذلك لأنه حق لهما فلا يعدوهما.
قوله : [ ويصح إبراؤها من مهر المثل قبل فرضه ]
فإذا أبرأته المرأة من المهر قبل أن يفرضه الحاكم وذلك كأن تقولَ: " قد أبرأته منه" فحينئذٍ يسقط عنه، لأنها هي صاحبة الحق فذلك حقها وقد أبرأت زوجها منه ، وقد صح النكاح لأن المهر ليس بمنفي ، لكن لو كان المهر منفياً – ويدخل هذا في عموم عبارة المؤلف وهو المذهب أيضاً – لو كان منفياً فكذلك ، لكن الصحيح كما تقدم أن المنفي باطل من أصله ، ولو قبضت المهر ثم وهبته إياه وكانت جائزة التصرف فيجوز بلا خلاف.
قوله : [ ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر ولها مهر نسائها ]
فمن مات من الزوجين قبل الإصابة - أي قبل الجماع والخلوة وقبل أن يفرض لها صداقاً- فإنه يرثه الآخر للحديث المتقدم : ( فعليها العدة ولها الميراث ) ، وكان لم يسم لها صداقاً وقد مات قبل أن يدخل بها.
قوله : [ وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره ]
إذا طلق المفوضة – بفتح الواو – أو المفوضة – بكسر الواو – وكذلك من لم يسمي لها مهراً أو سمى لها مهراً فاسداً ، فإذا طلقها زوجها قبل الدخول فلها المتعة.
المفوضة : قد نفي مهرها حيث كان التفويض في بضعها وحيث لم يكن في بضعها بل بمهرها فالمهر مجهول ، وكذلك إذا لم يسمِّ لها مهراً ، فإذا طلقها زوجها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره لقوله تعالى : ] لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن وتفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين [ ، وفي قوله ] حقاً [ ما يدل على فرضيته ، وفي قوله ] متاعاً بالمعروف[ ما يدل على أن هذا المتاع يرجع فيه إلى العرف من خادم أو سكن أو ثياب أو نحو ذلك مما تعارف الناس على أنه متاع للمطلقة، فإنه يجزئه أن يعطيه إياها.
واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد : أن المطلقة بعد الدخول كذلك لها المتعة، خلافاً لمذهب جمهور ٍالعلماء لقوله تعالى : ] وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين [ وما ذهب إليه ظاهر فالآية تدل عليه.
وعليه فالمذهب أن مفوضة المهر وهي التي تزوجها على ما شاء أحدهما ومثلها التي مهرها فاسد تجب لها المتعة فقط .
وعنه وهو ظاهر ما في الخرقي وقال في الإنصاف هو المذهب أنه يجب لها نصف مهر المثل وهو مذهب الشافعي لأنها لم ترض بغير صداقٍ فلم تجب المتعة كالمسمى لها بخلاف التي فوضت بضعها فرضيت بلا مهر فتجب لها المتعة والأظهر الأول للآية .
قوله : [ ويستقر مهر المثل بالدخول ]
يستقر مهر المثل وكذلك المهر المسمى بخلوة أو وطء – من يطأ مثله بمن يُوطأ مثلها في قبل أو دبر ، أما بالوطء وهو ظاهر قوله تعالى : ]وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن[ ، فدل على أنه إن طلقها بعد المسيس فيجب المهر كاملاً ، وأنه لا ينصف، هذا هو مفهوم المخالفة لهذ الآية فيجب للمرأة المهر كاملاً إذا مسها ، وكذلك الخلوة في مذهب جمهور العلماء ، فإذا خلا الرجل بالمرأة فيجب لها المهر وإن لم يمسها، وذلك لما روى سعيد بن منصور في سننه عن زُرارة بن أبي أوفى قال: " قضاءُ الخلفاء الراشدين: إذا أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب الصداق والعدة "، وزُرارة لم يدرك الخلفاء الراشدين ، لكنه ثابت بالسند الصحيح في سنن البيهقي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب ولا يعلم لهما مخالف فكان إجماعاً.
والقول الثاني وهو مذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد قالوا: " لا يثبت لها المهر كاملاً إن خلا بها ما لم يمسها لظاهر الآية المتقدمة .
والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لما تقدم ، فهو قول عمر وعلي ولا يعلم لهما مخالف ولأن الخلوة سبب ومظنة للوطء وتزول الخلوة بمميزٍ لا بطفل دون التمييز ولو كان معها أعمى مالم تمنعه المرأة من وطئها فإن منعته ولم تمكنه من نفسها لم يستقر المهر فإن كان المنع ليس من فعلها بل من جهة أخرى فإن المهر يستقر بذلك كأن يكون بها مانع شرعي كالحيض أو مانع حسي كأن يكون بها قرن أو فتق أو كان الرجل مجبوب الذكر .
قوله : [ وإن طلقها بعده فلا متعة ]
بالعقد وهو الوطء فقد فعلت ما يجب عليها، لكنه لم يطء وكان ذلك من جهته لا من جهتها ولأن التسليم المستحق وجد من جهتها فكان بوطئها.
وهل يجب المهر كاملاً بغير خلوة ولا وطء، وإنما بما دون الوطء كأن يستمتع بها في غير وطء بلا خلوة كمس يد أو قبلة أو نظر إلى الفرج بشهوة ونحو ذلك ؟
قولان في المذهب :
1- القول الأول: وهو قول في المذهب وجوب المهر بذلك كالوطء، لأنه استمتاع فأشبه الوطء ولأنه نال منها ما لايباح لغيره .
2- والقول الثاني: وهو اختيار الموفق وهو قول أكثر الفقهاء: أن المهر لا يثبت كاملاً بذلك، لأن ظاهر الآية إنما دل على أن المهر يثبت بالمسيس أي بالوطء ، وذلت أثار الصحابة على أنه يثبت بالخلوة، وليست القبلة ونحوها في حكم المسيس ولا في حكم الخلوة .
والأظهر المذهب لأنه استمتع بها ونال منها مالايباح إلا للزوج فكان كالخلوة .
قوله : [ وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر ]
إذا نكحها نكاحاً فاسداً كأن ينكحها بلا ولي ثم فارقها قبل أن يدخل بها، فلا مهر، وذلك لأن هذا نكاح فاسد فكان وجوده كعدمه ، فالنكاح الفاسد وهو نكاح شبهة عقد ، فإذا طلقها قبل الدخول فلا مهر لها، لأنه فاسد فكـان وجوده كـعدمه ، ولقوله r : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ولها المهر بما استحل من فرجها ) ، وظاهره أنه لا مهر لها إن لم يستحل فرجها.
قوله : [ وبعد أحدهما يجب المسمى ]
فبعد الدخول أو الخلوة يجب المسمى ، وإن لم يكن قد سمى المهر فيجب مهر المثل ، أما إن مسها فهذا ظاهر لقول النبي r في الحديث المتقدم : ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) ، وأصرح منه ما ورد في رواية ابن حبان : ( ولها ما أعطاها بما أصابها ) ، أي لها ما أعطاها من المهر بما أصابها ، وأما إن كانت مجرد خلوة ولم يطأها فلا يتبين أنه يجب عليه المهر، وذلك لأنه نكاح فاسد فكان وجوده كعدمه والنبي r إنما أوجب المهر حيث أصابها وهنا لم يصبها ، وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار الموفق ابن قدامة ورواية عن الإمام أحمد وهو قول أكثر أهل العلم.
وأولى من ذلك النكاح الباطل كنكاح الخامسة، والنكاح الباطل عند الفقهاء هو: ما أجمع على بطلانه كنكاح الخامسة ، وأما النكاح الفاسد فهو: ما اختلف فيه كالنكاح بلا ولي، ففي النكاح الباطل إن طلقها قبل الدخول فلا شيء لها لأنه نكاح باطل فوجوده كعدمه، وإن كان بعد الدخول ، فالمذهب وهو الصحيح في هذه المسألة: أن لها المهر إن استحل فرجها للحديث المتقدم: ( ولها ما أعطاها بما أصابها ) ، ولا فرق فيما حرمه الشارع بين ما أجمع عليه أو لم يجمع عليه، لكن إن كانت عالمة بأن النكاح باطل أو فاسد فلا شيء لها لأنها زانية مطاوعة فلا شيء لها.
قوله : [ ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة ]
إذا وطئت بشبهة كأن يظنها زوجته فيطأها، فيجب مهر المثل، قال الموفق: بلا خلاف أعلمه. والشبهة هنا شبهة اعتقاد أو شبهة العقد فهي أن يعقد عليها عقداً يظنه صحيحاً وهو فاسد كنكاح الأخت من الرضاع جهلاً .
قوله : [ أو زناً كرهاً ]
فإذا أكرهها على الزنا فيجب لها المهر بما استحل من فرجها ، هذا هو مذهب الجمهور للحديث المتقدم: ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) ، وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه لا مهر لها ولا عوض لها وإن كانت مكرهة وذلك لأن هذا العوض خبيث وهو سحت فهو مقابل حرام فكان سحتاً محرماً ولم يكن حلالاً مباحاً ولا يقاس هذا بهذا ، ولا يلحق ما أباحه الله بما حرمه الله، وهذا هو الراجح وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي.
قوله : [ ولا يجب معه أرش بكارة ]
هذا على القول بوجوب مهر المثل ، فهل يجب أرش البكارة ؟
قال: لا يجب أرش البكارة ، وذلك لأن مهر المثل يدخل فيه أرش البكارة ، فإنها قدرت على أنها بكر ، وقدر مهرها على أنها بكر ، فنظر إلى بكارتها أثناء تقدير مهرها، وعلى القول الراجح المتقدم وهو أنه لا مهر لها فحينئذٍ يحتاج أن يجعل لبكارتها مهرا،ً وذلك لأنه قد أتلف عليها شيئاً مما ينتفع به، فكان عليه أرش ذلك ، ويعرف أرش البكارة بأن ينظر إلى مهرها وهي بكر وينظر إلى مهرها وهي ثيب، والفارق بينهما هو أرش بكارتها.
قوله : [ وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال ]
فإذا تزوج الرجل امرأة على أن يصدقها عشرة آلاف حالةً، ثم قال: أريد أن أبني بالمرأة ولم يعطها صداقها فللمرأة أن تمتنع ولوليها أن يمنع من ذلك، وذلك لأن العوض وهو المهر لم يقبض فكان لهم المنع من تسليم المعوض ، فلهم المنع من تسليم المعوض وهو البضع حتى يستلموا عوضه، وهذا بإجماع أهل العلم وهذا ظاهر ، ولأنه قد يتعذر استيفاء العوض فيتعذر عليها إرجاع المعوض ، وظاهر قوله: "حالاً" أنه لو كان مؤجلاً فليس لها أن تمنع ولذا
قوله : [ فإن كان مؤجلاٍ ….. فليس لها منعها ]
فإذا كان المهر مؤجلاً كأن يقول: " أتزوجها على عشرة آلاف إلى سنة،" ثم أراد أن يبني بها فليس لها أن تمنعه من نفسها، وذلك لأنها قد رضيت بتأخير صداقها وهو متضمن رضاها بتسليم نفسها قبل قبض صداقها.
قوله : [ أو حل قبل التسليم ]
إذا قال: المهر أدفعه لكم بعد شهر فرضوا بذلك فمر الشهر ولم يسلم الصداق، فيجب عليها أن تمكنه من نفسها وألا تمنع نفسها منه ، وقالوا :وذلك لأنها قد وجب عليها واستقر وجوب تسليم بضعها قبل القبض فلم يكن لها أن تمتنع.
والقول الثاني في المذهب: أنه لا يجب عليها ذلك، وهذا فيما يظهر لي أظهر للعلة المتقدمة وهي منع تسليم المعوض قبل أخذ عوضه، ولأنه قد يتعذر استيفاء العوض فيفوت عليها منعه بضعها.
قوله : [ أو سلمت نفسها تبرعاً فليس لها منعها ]
إذا اتفقوا على صداق حال ، فسلمت نفسها له تبرعاً فليس لها أن تمنع نفسها بعد ذلك ، وذلك لأن المهر قد استقر بهذا التسليم فلم يكن لها المنع ، ولأنها قد رضيت فسلمت نفسها عن رضى فاستقر العوض بذلك.
والقول الثاني في المسألة، وهو مذهب أبي حنيفة النعمان ورواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: أن لها أن تمنع نفسها وقد تبرعت له، وذلك لأن رضاها ليس مطلق بل هو مقيد بشرط وهو أن يعطيها صداقها، وأن يقبضها إياه، فقد مكنته من نفسها بهذا الشرط فليس رضاها رضا مطلقاً بل هو مقيد بهذا الشرط وهو أن يسلمها صداقها وحينئذٍ فلها أن تمنع نفسها، وهذا هو القول الراجح.
قوله : [ فإن أعسر بالمهر الحال ، فلها الفسخ ولو بعد الدخول ]
إذا أعسر بالمهر الحال قبل الدخول فلها الفسخ، وذلك لتعذر الوصول إلى العوض قبل تسليم المعوض ، ولو كان بعد الدخول ، فإذا دخل بها ولم يسلم مهرها الحال فلها أن تفسخ حيث أعسر، وذلك لأن لها حينئذٍ منع نفسها على الصحيح فكان لها الفسخ ، ولأنها إنما مكنت نفسها لأخذ حقها وصداقها وحيث أعسر بذلك فلها الحق بالفسخ ، لكن الفسخ لابد أن يكون بحكم حاكم في المشهور في المذهب ولذا قال المؤلف:
[ ولا يفسخه إلا حاكم ]
وتقدم كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة وأن الفسوخ تصح بغير حكم حاكم، وأن الحاكم إنما يأذن بذلك. ويبقى المهر في ذمته لأنه استقر بالدخول .
والوجه الثاني : المذهب وأنه لافسخ لها واختاره ابن حامد من الحنابلة والموفق ؛ لأن المعقود عليه قد استوفى كما لو أفلس المشتري بعد تلف المبيع أو بعضه .
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم