بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب وليمة العرس
الوليمة : هي طعام العرس خاصة ، فلا تطلق الوليمة في اللغة إلا على طعام العرس خاصة.
قوله : [ تسن ]
فالوليمة سنة لقول النبي r لعبدالرحمن بن عوف كما في الصحيحين : ( أولم ولو بشاة ) ، و لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: ما أولم النبي r على أحد من نسائه ما أولم عليها – يعني زينب بنت جحش – أولم بشاة ، ولا خلاف بين أهل العلم في مشروعية الوليمة.
وإنما اختلفوا هل هي سنة مستحبة – كما ذكر المؤلف – أم هي واجبة ؟
فالجمهور على أنها سنة ، وقال بعض أهل العلم بوجوبها وهو مذهب الظاهرية وقول في مذهب الشافعي وحكاه ابن عقيل عن الإمام أحمد ، وهو الراجح لظاهر الحديث : ( أولم ولو بشاة ) ، ولما ثبت في المسند بإسناد حسن أن النبي r قال لعلي لما تزوج فاطمة : ( لا بد للعرس من وليمة ) ، والمذهب أنها تسن بالعقد ، فوقتها المستحب في المشهور من المذهب العقد ، وقال شيخ الإسلام: تسن بالدخول ، وقال صاحب الإنصاف: " الأولى أن يقال إن وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس " ، وما ذكره أظهر ، ومرجع ذلك إلى العرف ، فإذا كان عرف الناس أن الوليمة تكون بعد العقد فتسن كذلك وإن كان عرفهم بالبناء بالمرأة والدخول بها فتستحب كذلك.
قوله : [ بشاةٍ فأقل ]
لا حد لأكثر الوليمة – بإجماع أهل العلم – فلو أولم بخمس شياه أو عشر فذلك كله جائز ما لم يكن ذلك إسرافاً أو مخيله ، والمستحب أن تكون بشاة فأقل ، لقوله r : ( أولم ولو بشاة ) ، ولما تقدم أنه أولم لزينب بنت جحش بشاة ، لكن ظاهر قول النبي r : ( أولم لو بشاة ) ، كما ذكر ذلك بعض الحنابلة أن الأولى أن تكون أكثر من شاة وذلك لأن النبي r جعل كونها وليمة قليلاً ، فقال ( أولم ولو بشاة ) أي أولم ولو بشيء قليل كالشاة ، فدل هذا على أن الأولى أن تكون الوليمة بأكثر من شاة ، ولو أولم بأقل من شاة فذلك جائز ، ففي الصحيحين أن النبي r ( أولم على صفية بالأقط والتمر والسمن ) ، وفي البخاري أن النبي r ( أولم على بعض نسائه بمدين من شعير ) ، لكن الأولى له أن يولم بشاة فأكثر.
قوله : [ وتجب في أول مرة إجابة مسلمٍ ]
تجب إجابة مسلم في أول مرة أي في وليمة اليوم الأول من أيام العرس ، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : ( شر الطعام وليمة العرس يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله ) .
وذكر بعض فقهاء الحنابلة كابن عقيل والشيخ عبدالقادر الجيلاني استثناءً فيه قوة وهو: أنه يكره لأهل العلم والفضل الإسراع في إجابة الدعوة والتهاون لما فيه من البذلة والدناءة والشره ، قالوا: لا سيما القاضي لأنه ربما كان فيه ذريعة إلى التهاون به وعدم المبالاة ، وهكذا أهل العلم والفضل ، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة ، فإنما تجب وليمة العرس في اليوم الأول ، وأما اليوم الثاني فإجابتها سنة.
وأما في اليوم الثالث فتكره ، وذلك لما روى الترمذي أن النبي r قال : ( طعام الوليمة في اليوم الأول حق ، وطعام اليوم الثاني سنة ، وطعام اليوم الثالث سمعة ومن سمع سمع الله به ) والحديث ضعفه الترمذي فقد رواه واستغربه فهو من حديث زياد بن عبدالله وعطاء بن السائب، وزياد بن عبدالله ضعيف الحديث، وعطاء بن السائب مختلط، وقد روى عنه زياد بن عبد الله بعد اختلاطه ، وعلى ذلك الحديث ضعيف فيه علتان :
1. ضعف زياد بن عبدالله.
2. اختلاط عطاء بن السائب ، وقد روى عنه عبدالله بن زياد بعد اختلاطه.
وبهذا الحديث احتج الحنابلة والشافعية على كراهية إجابة الدعوة في اليوم الثالث ، وقال المالكية: لمن كان له سعة أن يولم سبعة أيام ، لما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن حفصة بنت سيرين قالت: " تزوج أبي فدعا الصحابة سبعة أيام " قال البخاري: " ولم يوقت النبي r يوماً ولا يومين " وثبت في مسند أبي يعلى بسندٍ حسن: أن النبي r لما تزوج صفية " جعل عتقها صداقها وجعل الوليمة ثلاثة أيام " ، والذي يتبين أن مرجع هذا إلى العرف، لكن لا يتبين وجوب إجابة الوليمة في أيامها كلها بل لو أجاب في اليوم الأول فإن ذلك يجزئ لما في ذلك من الحرج من إجابة الوليمة في أيامها كلها ، ولأن تطيب خاطر الداعي يحصل في اليوم الأول ، فالذي يتبين أنه يجب في اليوم الأول وأما سائر الأيام فيسن ولا يجب.
قوله : [ يحرم هجره إليها إن عينه ]
فيجب إن عينه بالدعوة ، وأما إذا كانت الدعوة عامة فسيأتي الكلام عليها ، وبشرط أن يكون هذا المسلم ممن يحرم هجره ، وأما إذا كان ممن يجب هجره فإن من الهجر عدم إجابة دعوته.
قوله : [ ولم يكن ثم منكر ]
وسيأتي كلام المؤلف على هذا.
قوله : [ فإن دعاه الجَفلي ]
الجَفَلى : هي الدعوة العامة كأن يقول: " يا أيها الناس احضروا ".
قوله : [ أو في اليوم الثالث أو دعاه ذمي كُرهت الإجابة ]
تقدم أن الدعوة في اليوم الثالث لا تصح كراهيتها وكذلك دعوة الجفلى ، فلا يثبت دليل يدل على كراهيتها ، والقول الثاني في المذهب: أنها مباحة وهذا هو الراجح فلا دليل على كراهيتها ، بل لو قيل باستحباب الإجابة لعمومات الأدلة لكان فيه قوة ، ولا يقال بالوجوب .
إذا دعاه ذمي فتكره الإجابة قالوا : لأنه مطالب بإذلاله.
وهذا التعليل ضعيف ولا يقوى على الكراهية والراجح إباحة إجابة دعوته ، وهو القول الثاني في المسألة ، ويدل عليه ما ثبت في غير ما حديث عن النبي r : أنه كان يجيب دعوة اليهود ، فالراجح أن دعوة الذمي لا تكره إجابتها.
قوله : [ ومن صومه واجب دعا وانصرف ]
فمن كان صومه واجباً فإنه يدعو لصاحب الوليمة وينصرف، وذلك لما ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم ) ، ولا يحل له أن يفطر لما تقدم في كتاب الصيام من أن الصوم الواجب لا يجوز الفطر فيه كصوم رمضان أو صوم النذر.
قوله : [ والمتنفل يفطر إن جبر ]
أي إن جبر خاطر الداعي ، فإذا كان في ذلك جبراً لخاطر الداعي فإنه يرجح الفطر ، لما ثبت في البيهقي بإسنادٍ حسن عن أبي سعيد الخدري قال: " صنعت للنبي r طعاماً فجاءوا أصحابه ، فـلما وضع الطعام قـال رجل إني صائم فقال النبي r : ( دعاكم أخوكم وتكلف لكم – ثم قال له: – أفطر وصم يوماً مكانه إن شئت ) " ، ولا تجب إجابة الدعوة في غير العرس كالوكيرة والنقيعة وغير ذلك وإنما يستحب.
والوكيرة : هي دعوة البناء أي بناء البيت.
والنقيعة : هي الطعام للغائب.
وظاهر الأحاديث المتقدمة وجوب إجابتها ، لكن يدل على عدم الوجوب ما روى مسلم : " أن فارسياً كان طيب المرق فصنع للنبي r طعاماً ثم جاء يدعوه فقال له النبي r :( وهذه ) أي عائشة فقال: " لا " فقال للنبي r :( لا ) ثم جاءه يدعوه فقال له النبي r :( وهذه ) قال: " لا " فقال النبي r :( لا ) ثم جاءه يدعوه فقال له النبي r :(وهذه) فقال: " نعم " فقاما يتدافعان إلى منزله". ، ولا يترك النبي r الواجب لمثل هذا العذر ، فهذا عذر لا يقوى على ترك الواجب ، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم وأن إجابة غير وليمة العرس ليس بواجب بل مستحب.
قوله : [ ولا يجب الأكل ]
إذا حضر الوليمة فإنه لا يجب عليه الأكل ، وذلك لما ثبت في مسلم من حديث جابر أن النبي r قال : ( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ثم إن شاء فليطعم وإن شاء فليترك ) ، فلا يجب الأكل إنما يستحب لما تقدم في حديث أبي سعيد عند البيهقي فقد أمر النبي r الرجل بالفطر.
قوله : [ وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة ]
فلا يحل له أن يطعم إلا بإذن لفطر، أو إذن عرفي فالإذن اللفظي كأن يقول كلوا ، والإذن العرفي بأن يدعى إلى الطعام سابقاً ثم تقدم بين يديه ، وإلا فلا يحل له ، وذلك لأنه مـال غيره فلا يحل إلا بـإذنه، ولا يحل مـال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفس منه ، ولا يملكه بذلك فلوا أنه إذا وضع له الطعام تصدق به أو أخذه فلا يحل له ذلك ، وذلك لأنه إنما أباحه له ليطعمه ولم يُمّلِكهُ إياه، فعليه يهلك في ملكية الداعي أي يفنى الطعـام في ملكية الداعي فليس لـه أن يتصدق به إلا إذا أذن له بذلك صاحب الدعوة.
قوله : [ وإن علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره حضر وغيّره وإلا أبى ]
إذا علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره فإنه يحضر وجوباً ، أولاً ؛ لوجوب إجابة وليمة العرس ، وثانياً ؛ لإزالة المنكر.
فإن كان فيه منكر لا يقدر على إزالته كأن يكون فيه سماع محرم كالغناء أو يكون أشياء مرئية محرمة كخلطة النساء فلا يحل ذلك ، وفي الترمذي أن النبي r قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس من مأدُبةٍ يدار فيها الخمر ) ، وهو ثابت في المسند والحديث صحيح ، وفي سنن البيهقي بإسنادٍ صحيح : أن أبا مسعود الأنصاري صنع له طعام فدعي إليه فقال: " أفي البيت صور " فقيل له: " نعم " فأبى أن يدخل حتى نزعت الصور ثم دخل.
قوله : [ وإن حضر ثم علم به أزاله ]
فالمسألة الأولى قبل الحضور وهنا بعد الحضور ، فلما حضر وأجاب الدعوة علم أن ثم منكراً فيجب عليه أن يزيله.
قوله : [ فإن دام لعجزه انصرف ]
فإن دام المنكر لعجزه فهو غير قادر على إزالته، وإن كان أنكر بلسانه أو أنكر بقلبه لكنه لم يقدر على إزالة المنكر فإنه ينصرف، لئلا يكون مقراً للمنكر أولاً ، ولئلا يكون هذا طريقاً لرؤيته للمنكر أو لسماعه له فلا يجوز أن يجلس وثمَّ منكر فإن قدر على إزالته جلس، وإلا فإنه يجب عليه أن ينصرف.
قوله : [ وإن علم به ولم يره ولم يسمعه خُيِّر ]
إذا علم أن ثم منكراً لكنه لا يراه ولا يسمعه ، كأن يكون في مجلس وفي مجلس آخر منكرات سوى المجلس الذي هو فيه ، فإنه يُخير بين الجلوس وبين الإنصراف فإن شاء انصرف لوجود هذا المنكر الذي علم به ، وإن شاء جلس ، ولم يذكر المؤلف موقفه من هذا المنكر ، وظاهر كلامه أنه لا يجب عليه إنكاره ، والصحيح أنه يجب عليه الإنكار لقوله r : ( من رأى منكم منكراً … ) ، وهنا العلم يقوم مقام الرؤية فقد علم بالمنكر وتحقق منه فيجب عليه أن ينكره ، وأما ما ذكر المؤلف من كونه بالخيار بين الجلوس والانصراف فهو ظاهر، وذلك لأنه لا يعد مقراً للمنكر ولا يتطرق المنكر -إن كان مسموعاً- إلى سمعه، -وإن كان مرئياً -إلى بصره لكونه في موضع آخر.
قوله : [ وكره النِّثارُ والتقاطُه ]
النثار : هو أن يطرح طعام أو نحوه أي يرفع الطعام ثم يرمي في الهواء حتى يتساقط فهذا يكره فعله ويكره التقاطه ، لما في ذلك من امتهان الطعام ، ولما فيه من الدناءة.
قوله : [ ومن أخذه أو وقع في حجره فله ]
من أخذه أو وقع في حجره فإنه يكون له ، وذلك لأنه حازه بذلك وقد جعله مالكه لمن حازه.
قوله : [ ويسن إعلان النكاح ]
تقدم الكلام على هذا ودليله.
قوله : [ والدف فيه للنساء ]
وتقدم الكلام على هذه المسألة ، وتقدم أن هذا هو اختيار الموفق ، وظاهر كلام أصحاب الإمام أحمد التسوية بين الرجال والنساء.
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم