عدد الزوار : 163996
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النكاح
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النكاح
الخلع
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

باب الخلع

 

الخلع لغةً : مصدر خلع  من خلع الثوب إذا نزعه .

  وذلك أن المرأة لباس للرجل، والرجل لباس المرأة كما قال تعالى: ]هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [   فإذا افتدت المرأة نفسها من زوجها على عوض تبذله له فهذا خلع لأنها قد خلعت زوجها وزوجها لباس لها.

وإصطلاحاً : فراق الرجل امرأته على عوض تبذله له، والأصل فيه قوله تعالى : ] فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [ ، لا جناح على المرأة في فراق الرجل ، ولا جناح على الرجل في فراقها على هذا العوض.

 

قوله  : [ من صح تبرعه من زوجةٍ و أجنبي صح بذله لعوضه ]

من صح تبرعه وهو الحر الرشيد غير المحجور عليه لحظ نفسه، فإنه يصح بذله لعوض الخلع ، سواء كان الباذل للعوض الزوجة أو أجنبي كولي المرأة أو غيره ، فلا يصح بذل العوض إلا لمن يصح تبرعه لأن العوض تبرع فلا يصح إلا ممن يصح تبرعه، أما المحجور عليه لحظ غيره ، فإن بذله للعوض صحيح، وذلك لأن ذمته سالمة ويصح له أن يتصرف فيها.

فالقاعدة : أن من صح تبرعه صح بذله للعوض.

وعليه فإذا كانت الزوجة لا يصح تبرعها كأن تكون أمةً أو صبية صغيرة أو سفيهة فلا يصح بذلها للعوض لأن تصرفها غير صحيح ، وكذلك إذا كان الأجنبي الباذل للعوض الذي يريد خلع هذه المرأة من زوجها إذا كان صبياً أو سفيهاً أونحوذلك فلا تصح مخالعته لأن بذله للعوض لا يصح.

 

قوله  : [ فإذا كرهت خُلق زوجها أو خَلقه ]

فإذا كرهت خلقه بأن كان سيء الخلق – أي سيء الصورة الباطنة - ، أو كرهت خَلق زوجها كأن يكون قبيح الصورة.

 

        قوله  : [ أو نقص دينه ]

كأن يكون لا يقيم الجماعة ، والجماعة واجبة، أو لفعل غير ذلك من المعاصي التي يثبت الفسق معها على الزوج ، أو كرهت كبره أو ضعفه أو نحو ذلك.

 

قوله  : [ أو خافت إثماً بترك حقه أبيح الخلع ]

فيباح للمرأة أن تخالع إن كرهت من زوجها خلقاً أو خلقاً أو كرهت كبره أو ضعفه أو نقص دينه أو خشيت ألا تقيم حدود الله معه ، أي كرهت كفران العشير ، وفي البخاري :أن امرأة ثابت بن قيس قالت للنبي r :" ما أنقم من ثابت خلقاً ولا ديناً ولكن أكره الكفر في الإسلام – أي أكره الكفر الأصغر وهو كفران العشير – فقال النبي r : ( أتردين عليه حديقته ؟– وكانت مهراً لها – قالت : نعم  فقال النبي r : ( اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ) ، ويسن للزوج في المشهور من المذهب الإجابة أي حيث كان ما تقدم بأن كرهت خَلقه أو خُلقه أو غير ذلك ، والقول الثاني في المسألة وهو أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب ذلك ، فيجب عليه أن يقبل العوض الذي دفعته المرأة ويطلقها ، وهذا القول أظهر لقول النبي r: (اقبل الحديقة وطلقهـا تطليقة )، وهذا الأمر للوجوب ولما فيه من إزالة الضرر عن المرأة مع ثبوت حق الرجل وعـدم ضياع حقه ، وهذا هو الذي يترجح ، وعليه فالقاضي يلـزمه بذلك.

 

قوله  : [ وإلا كره ووقع ]

أي وإلا يكن الأمر كما تقدم فإن ذلك مكروه ، فإن كانت الحال مستقيمة بين الزوجين ، فليس بينهما ما يخشى معه عدم القيام بالحقوق الزوجية فحينئذٍ يكره الخلع ، ويقع الخلع ، هذا هو مذهب جمهور العلماء ، والقول الثاني في المسألة، وهو اختيار الموفق ابن قدامة: أن الخلع هنا محرم وهو قول ابن المنذر وداوود الظاهري ودليل ذلك ، ما روى أحمد وأبو داوود وغيرهما ، والحديث صحيح أن النبي r قال : ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس ، فحرام عليها رائحة الجنة ) ، فهذا يدل على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها من كبائر الذنوب ، وفي الترمذي وغيره ، والحديث صحيح : ( المختلعات هن المنافقات ) ، فعلى ذلك الراجح هو التحريم ، ووقوع الخلع فيه خلاف فالقول الثاني في ذلك وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب الظاهرية وقول ابن المنذر: أن الخلع باطل وأن الثمن مردود ، والأظهر أنه يصح مع التحريم.

 

قوله  : [ فإن عضلها ظلماً للافتداء ولم يكن لزناها أو نشوزها أو تركها فرضاً ففعلت لم يصح الخلع ]

إذا عضل الزوج امرأته ظلماً أي ضربها أو ضيق عليها أو منعها شيئاً من الحقوق الزوجية، كأن يمتنع من وطئها أو المبيت عندها أو نحو ذلك ، إذا فعل ذلك ظلماً لتفتدي منه ، ولم يكن لزناها أو نشوزها أو تركها فرضها كأن تترك الصوم أو غيره من الفرائض ، ففعلت أي اختلعت منه فدفعت له عوضاً وخلعها ، فلا يصح الخلع لقوله تعالى : ] ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [ ، والنهي يقتضي التحريم والبطلان، وعليه فالعوض مردود لأنه قد أخذه بغير حق ، أما إذا كان منها زناً أو نشوز أو ترك شيء من الفرائض فعضلها لتفتدي منه، فإن الخلع يصح وذلك لأنه أخذ العوض هنا بحق وقد قال تعالى : ] إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [ ، وكذا النشوز وترك الفرض فإن له أن يعضلها على ذلك لتفتدي منه وظاهر كلام المؤلف أنه إن عضلها لتفتدي منه فافتدت فإن الخلع يصح، لأنه قيده هنا بالإفتداء فلو أن رجلاً عضل امرأته ظلماً بغير حق ولم يكن ينوي أن تفتدي منه لكنها افتدت منه ، فالخلع يصح ، وله أخذ العوض في المشهور من المذهب ، واختار شيخ الإسلام أنه لا يحل أيضاً ، وعليه فالخلع باطل وهذا هو الراجح ، وذلك لأنه أخذٌ للمال بوسيلة الظلم فإنه وإن لم ينوِ لكنه كان ظالماً لها ، وبسبب هذا الظلم توصل إلى هذا المال.

 

 

قوله  : [ أو خالعت الصغيرة والمجنونة والسفيهة أو الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع]

فالأمة إذا أذن لها السيد بالخلع فالخلع صحيح، لأن الرقيق إنما يمنع من التصرف بغير إذن السيد ، قالوا: وأما الصغيرة والسفيهة فليس لهما المخالعة ولو أذن الولي، وأما المجنونة فهو ظاهر لأنه لا عقل لها فلا اعتبار بإذن الولي لها ، واختار الشيخ عبدالرحمن ابن سعدي وهو الراجح ؛ أن الصغيرة والسفيهة إذا أذن لهما الولي بالخلع، فالخلع صحيح كسائر المعاملات ، فلا فرق بين الخلع وبين غيره من المعاملات، وهذا هو الراجح ، وما يخشى من سوء تصرفها فمدفوع بإذن الولي ، وليس للولي أن يأذن إلا أن يكون في ذلك مصلحة لها.

 

مسألة :

هل للأب أن يخلع ابنته الصغيرة بمالها أم ليس له ذلك ؟

-         المشهور في المذهب أنه ليس له ذلك ، فمثلاً ؛ دفع لها هذا الرجل داراً مهراً لها ثم تبين للولي أن في هذا الرجل سوء خلق أو غير ذلك – فهل للأب أن يخلع البنت بمالها بأن يقول: خذ هذه الدار التي أمهرتها إياها واخلع ابنتي – ليس له ذلك في المشهور من المذهب.

-        والقول الثاني في المسألة وهو قول طائفة من الحنابلة ومال إليه الموفق واختاره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: أن ذلك جائز ، وذلك لأن له أن يتملك من مال ولده ما شاء ، وأولى من ذلك أن يكون له الحق في خلعها من زوجها لما في ذلك من دفع الضرر عنها، وهذا هو الراجح ، لكن ليس له ذلك إلا أن يكون فيه مصلحة للبنت.

 

قوله  : [ ووقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته ]

هذه المسألة فيما إذا خلع ، وكان العوض محرماً أي مردوداً ، كأن تخالع الصغيرة أو السفيهة أو الأمة بغير إذن سيدها ونحو ذلك فالخلع لا يصح ، كما تقدم لكن هل يقع الطلاق أم لا ؟

في المسألة تفصيل :

فإن كان الخلع بلفظ الخلع أو نية الخلع فالطلاق لا يقع لأن الخلع قد بطل ولا طلاق ، فليس هنا لفظ طلاق ولا نية طلاق.

الحالة الثانية ؛ أن يتلفظ بالطلاق أو ينويه كأن تقول: " خذ هذا المال عوضاً " ، فيقول: " قد طلقتك " أو " قد خالعتك " أو " فارقتك " وينوي الطلاق ، فحينئذٍ يصح الطلاق ويكون طلاقاً رجعياً أي إن لم يتم عدده ، لكن لو كان قد تم عدده كأن يكون قد طلقها طلقتين سابقتين ثم خالعها بنية الطلاق أو تلفظ بالطلاق فحينئذٍ يكون الطلاق بائناً ، هذا هو المشهور في المذهب ، وهم هنا قد نظروا إلى اللفظ أو النية ، فإذا تلفظ بالطلاق أونواه فإنه يقع وإن كان العوض موجوداً.

القول الثاني في المسألة، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ، وهو القول الصحيح في هذه المسألة: أن الطلاق لا يقع واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد وذلك لأنه إنما فسخ للعوض ، فإذا لم يحصل العوض لم يحصل المعوّض ، فالمعوض هو الفراق ، والعوض هنا هو هذا المال الذي قد دفعه إليه ، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ ولا بالمباني ، وهنا هو طلاق على عوض فهو خلع ، والطلاق الذي يكون فيه ما ذكره الحنابلة إنما هو الطلاق الذي لا يكون على عوض ، أما هنا فهو طلاق على عوض فهو خلع سواءً كان بلفظ الطلاق أو كان بغير لفظه ، وسواء كان بنية الطلاق أو بغير نيته ، فليس بطلاق لأنه بمعنى الخلع ، فالراجح أن العوض إذا كان مردوداً إلى المرأة فالمعوض مردود إليه فلا يقع الطلاق وإن نواه أو تلفظ به.

 

فصل

 

قوله  : [ والخلع بلفظ صريح الطلاق ]

بأن يقول للمختلعة : طلقتك ، فهذا صريح الطلاق.

 

قوله  : [ أو كناياته وقصده ]

أي كناية الطلاق وقصده ، بأي لفظ من الألفاظ ، كأن يقول للمختلعة: " أبَنْتُكِ " وينوي الطلاق.

 

قوله  : [ طلاق بائن ]

فهو طلاق بائن ، أما كونه طلاقاً فلاعتبار اللفظ ، أو الكناية مع النية فقد تلفظ به أو نواه مع كنايته فكان طلاقاً ، وأما كونه بائناً لا رجعياً ، لما كانت مالكة لنفسها ، لأن له حق المراجعة ، هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جمهور العلماء .

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أنه فسخ ولو كان بلفظ الطلاق أو كنايته مع قصده وذلك لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني ، فالعبرة ليست بالألفاظ وإنما بالمعاني ، فهنا قد قال: " طلقتك " لكنه ليس هو الطلاق المطلق بل هو طلاق مقيد حيث فيه العوض ، فهو فداء وليس بطلاق ، فلا عبرة بلفظه ولا بنيته مع كنايته ، يدل على هذا أن النبي r قال لزوج المختلعة : ( وطلقها تطليقه ) ، ومع ذلك فقد جعل عدتها حيضة ، ولو كان طلاقاً لجعل عدتها ثلاث حيض ، لأن عدة المطلقة ثلاثة قروء بنص القرآن وإجماع أهل العلم ، فدل على أنه فسخ وليس بطلاق بائن وإن كان بلفظ الطلاق ، فالراجح هو القول الثاني وهو أنه فسخ وليس بطلاق ، وثمرة الخلاف :- أنا إذا قلنا: إنه طلاق بائن، فإنها تحسب عليه ثلاث طلقات إن خالعها ثلاثاً فلا يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره وإن قلنا هو فسخ: فإذا خالعها ثم نكحها بعد ذلك فلا يحسب عليه طلقة بل لو خلعها عدة مرات فله أن ينكحها من غير تقييد ذلك بنكاح زوج آخر ، وهذه الثمرة ثابتة في المسألة الأخرى وهي..

 

قوله  : [ وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينوه طلاقاً كان فسخاً ، لا ينقص عدد الطلاق ]

إذا وقع بلفظ الخلع كأن يقول: " خالعتك "، أو بلفظ الفسخ كأن يقول: " فسختك "، أو الفداء بأن يقول: " فاديتك "، ولم ينوه طلاقاً فإنه يكون فسخاً ، هذا هو المشهور في المذهب وهو أحد قولي الشافعي ، وأما الجمهور فقالوا : هو طلاق بائن أيضاً ، ويستدلون بما تقدم ذكره في المسألة الأولى ، وهو قول ضعيف كما تقدم ، والراجح أنه فسخ ، لما تقدم في قصة المختلعة وأن النبي r أمرها أن تعتد بحيضة وهذا يدل على أنه ليس بطلاق بائن ، إذ لو كان طلاقاً بائناً لأمرها أن تعتد بثلاثة قروء ، ويدل عليه أيضاً أن الله عز وجل قال : ]الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان …..إلى أن قال …. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به …. إلى أن قال … فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره[ ، فذكر طلقتين أولاً ، ثم ذكر الخلع ، ثم ذكر طلقة ، فلو كان الخلع طلاقاً لكانت الطلقة التي ذكرها في ] فإن طلقها [ رابعة لا ثالثة وهذا ممتنع باتفاق أهل العلم ، فدل على أنه فداء وليس بطلاق ، ويدل عليه أيضاً أن الله ذكره بلفظ الفداء فقال: ] فيما افتدت به[ ، فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه الحنابلة في هذه المسألة فإذا قال: فسختك أو فاديتك أو نحو ذلك من ألفاظ الخلع فإنه فسخ وليس بطلاق ، وعليه فكل طلاق بعوض سواء كان بلفظ الخلع أو بلفظ الطلاق ، وسواء كان بنية الخلع أو بنية الطلاق فهو فسخ وليس بطلاق بائن في الراجح من المسألتين المتقدمتين ، وهوا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، وفي قوله: " لا ينقص عدد الطلاق " ، فإذا طلقها مرتين مثلاً ثم اختلعت منه فيحل له أن ينكحها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجاً آخر ، فلا تجب عليه طلقة بل هو فسخ.

 

قوله  : [ ولا يقع بمعتدةٍ من خلع طلاقٌ ]

إذا طلبت منه امرأته الخلع ، فخالعها ، فإذا طلقها بعد ذلك فإن هذا الطلاق لا يقع وذلك لأنه لا يملك بضعها فهي أجنبية عنه.

 

قوله  : [ ولو واجهها به ]

هذا إشارة إلى خلاف أبي حنيفة في هذه المسألة وهو: أنه إذا واجهها بالطلاق الصريح المعين فإنها تحسب طلقة وهو قول ضعيف ولا دليل عليه ، والطلاق الصريح بأن يقول: " أنت طالق " ، فقوله: " طالق " طلاق صريح وليس بكناية ، وهو معين لقوله " أنت " ، بخلاف ما لو كان مرسلاً كأن يقول: " كل نسائي طوالق " فلا تطلق عليه المختلعة ، هذا مذهب أبي حنيفة ولا دليل عليه ، فالراجح أنه لا فرق بين ما إذا واجهها بالطلاق الصريح أو لم يواجهها بل كله لا يقع.

 

قوله  : [ ولا يصح شرط الرجعة فيه ]

إذا شرط الرجعة في الخلع ، فلا يصح الشرط ، كأن يقول " نعم أقبل هذا الفداء بشرط أن يكون لي حق الرجعة " فهنا لا يصح الشرط ، وذلك لمخالفة مقتضى عقد الخلع ، فإن مقتضاه البينونة الصغرى ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو الصواب.

 

قوله  : [ وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصح ]

إذا خالعها بغير عوض كأن يقول: فسختك أو خالعتك بلا عوض أي مجاناً فهذا الخلع باطل ، وذلك لأن الفسخ الوارد في الشرع إنما هو فسخ بعوض ، فالزوج إنما يملك في الأصل الطلاق ، وإنما أذن له بالفسخ حيث كان العوض ، وهنا لا عوض فلا حق له بالفسخ ، وليس هذا هو الخلع الوارد في الشرع وعليه فيكون هذا الخلع باطلاً ، إذا خالعها بمحرم يعلمه الزوج كأن يخالعها على خمر وهو يعلم أنه خمر ، أو خالعها على مغصوب وهو يعلم أنه مغصوب ، أو على حرٍ وهو يعلم أنه حرٍ ، فهنا الخلع باطل ، وذلك لأن الخمر لا قيمة له فهو محرم والمحرم لا قيمة له ، فكما لو كان بلا عوض ، وكذلك لو خالعها على مغصوب أو على حرٍ وهو يعلم ذلك ، وذلك لأنه رضي بشيء لا قيمة له ، والشيء الذي لا قيمة له ليس بشيء ، فكما لو كان بلا عوض ، هذا إذا كان يعلم التحريم ، وأما إذا كان يجهله كأن يخالعها على خمر ظنه خلاً أو على حرٍ ظنه عبداً أو على مغصوب ظنه مملوكاً فيثبت له البدل لأنه إنما خالع على عوضٍ له بدل فكان الواجب البدل ، فإذا خالعها على دار فثبت أن هذه الدار مستحقة للغير فهي مغصوبة فإن العوض دار بقيمتها ، كذلك إذا كان على حرٍ ظنه عبداً ، فيكون على عبدٍ بقيمته وهكذا.

 

قوله  : [ ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته ]

وهذا كالمسألة التي تقدم البحث فيها في الدرس السابق.

 

قوله  : [ وما صح مهراً صح الخلع به ]

فهل ما صح مهراً يصح الخلع به ، وقد تقدم ما صح مهراً ؟

دليل هذه المسألة عموم قوله تعالى : ] فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به [ ، أي في الذي افتدت به ، ولفظة " ما " من ألفاظ العموم فكل ما صح مهراً فإنه يصح الخلع به ، كنفعٍ أو دين أو عين أو نحو ذلك.

 

قوله  : [ ويكره بأكثر مما أعطاها ]

فإذا كان قد أمهرها عشرة آلاف درهم فيُكره أن يكون الخلع عشرين ألفاً ، والمسألة فيها ثلاثة أقوال :

القول الأول : الجواز بلا كراهة ، وهو مذهب الجمهور لعموم قـوله تعالى: ]فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به[، وقالوا : هذا يعم القليل والكثير.

والقول الثاني في المسألة : وهو مذهب الحنابلة وهو ما ذكر المؤلف هنا وهو أن ذلك مكروه فهو جائز مع الكراهة ، واستدلوا بما روى ابن ماجة بإسنادٍ صحيح وجود إسناده ابن كثير في قصة المختلعة في حديث ابن عباس وفيه أن النبي r أمرها أن ترد إليه الحديقة " ولا يزداد " أي لا يزيد عليها ، وله شاهد مرسل عند البيهقي عن عطاء.

والقول الثالث في المسألة : وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة ، وهو قول طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس والـزهري أن ذلك محرم مردود.

ويستدلون بالحديث المتقدم وهو قوله:  " ولا تزداد " ، والنهي يقتضي التحريم والفساد والراجح ما ذهب إليه الحنابلة وأن النهي يحمل على الاستحباب لعموم الآية . 

 

قوله  : [ وإن خالعت حاملٌ بنفقة عدتها صح ]

الحامل لها النفقة إذا طُلقت ، فإذا طلبت من زوجها الخلع على أنه لا نفقة لها فقالت:  " أخلعني ولا نفقة لي عليك " ، فيصح ذلك خلعاً وذلك لأن النفقة مستحقة بسبب موجود وهو الحمل ، وهي في حكم المالكة له ، ومثل ذلك لو أبرأته من دين لها في ذمته أو من نفقة ماضية واجبة في ذمته ، فأبرأته من هذه النفقة الواجبة في ذمته على أن يطلقها ، ولو خالعته على إرضاع ولده فكذلك ، فإن النفقة واجبة لها عليه مقابل إرضاع الولد حولين كاملين فإذا قالت ارضع الولد وتطلقني – أي على الإرضاع مجاناً بلا أجرة – فإن هذا يصح المخالعة عليه.

 

 

 

قوله  : [ ويصح بالمجهول ]

يصح الخلع بالشيء المجهول ، كأن يقول: " أخلعتك على ما في يدك من الدراهم " وهو يجهل عددها ، أو على ما في بيتك من المتاع أو نحو ذلك ، وذلك لأن الخلع إسقاط حق ، وإسقاط الحق فيه مسامحة ظاهرة فجاز كالوصية وغيرها كما سبق ومثل المؤلف على ذلك بمسائل فقال :

 

[ فإن خالعته على حمل شجرتها ]

كـأن يكون لهـا نخـل وتقول : " أخلعني ولك حمـل نخلي " ، وحمل النخـل مجهول.

 

قوله  : [ أو أمتها ]

أي أو على حمل أمتها.

 

قوله  : [ أو ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاعٍ ، أو على عبدٍ صح ]

أي عبدٍ غير موصوف فإن ذلك يصح لأن الخلع إسقاط حق ، وإسقاط الحق فيه مسامحة ظاهرة ، فما يحصل من الحمل من الشجرة له ، وله ما يحصل من حمل الأمة ، وله ما في يدها وله ما في بيتها وله المتاع المذكور.

 

 قوله  : [ وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه ]

إذا خالعها على حمل الشجرة أو الأمة ثم لم تحمل ، أو خالعها على ما في بيتها من المتاع فلم يوجد شيء ، أو خالعها على عبدٍ فلم يوجد لها عبد ، فإن له أقل مسماه ، أي ما يصدق عليه أنه عبد ، وما يصدق عليه أنه حمل وهكذا ، وذلك لأن الاسم يصدق عليه.

 

قوله  : [ ومع عدم الدراهم ثلاثة ]

فإذا خالعها على ما في يدها من الدراهم ، فلم يكن معها شيء فيكون العوض ثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع.

 

فصل

 

قوله  : [ وإذا قال متى أو إذا أو إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالقٌ طلقت بعطيته وإن تراخى ]

إذا قال الزوج لزوجته : إن أعطيتيني ألفاً فأنت طالق ، أو قال الزوج لأجنبي : إن أعطيتني ألفاً فزوجتي طالق، طلقت بعطيته ، وذلك لحصول المعلق عليه ، فهو قد ربط الخلع والطلاق بصفة وقعت هذه الصفة ، قوله " وإن تراخى " أي وإن كان هذا الإعطاء على سبيل التراخي ، فلو أنها لم تعطه إلا بعد شهر أو نحو ذلك فإن هذه العطية تثبت مع الطلاق، وذلك لحصول المعلق عليه، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، وفصل الشافعية في هذه المسألة فقالوا : إن أتى بلفظ متى ونحوه فإن الحكم المتقدم يثبت ولو مع التراخي وذلك لأن هذا اللفظ يدخل فيه ما لو تراخى ، فإذا قال : " متى ما أعطيتني ألفاً فأنت طالق " ، فأعطته بعد شهر فإن هذا الإعطاء داخل في لفظه المتقدم ، أما إذا قال : "إذا أو إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق" ، فإنه لا يكون إلا على الفور ، فإن أعطته على التراخي فإن المشروط وهو الطلاق لا يحصل وذلك لأن هذا الباب هنا باب فداء ومعاوضة ، والمعاوضة إنما يكون قبولها على الفور ، فإذا قال : " بعتك هذا الشيء بألفٍ " فيقول : " قبلت " ، فإذا تراخى فإن هذه المعاوضة لا تثبت ، فهنا معاوضة ، والأصح ما ذهب إليه الشافعية.

 

قوله  : [ وإن قالت ؛ اخلعني على ألفٍ أو بألفٍ أو ولك ألفٌ ففعل بانت واستحقها ]

إذا قالت أخلعني على ألفٍ أو بألفٍ ففعل فوراً – حتى في المذهب – ونحن نستدل عليه بالدليل المتقدم وهو أنه من باب المعاوضة ، والمعاوضة إنما تقبل على الفور ولا يتراخى فيها ، فإذا فعل فقال : " خالعت " ولم يقل: " خالعتكِ على ألفٍ " فلم يأت بالمال الذي هو عوض عن هذا الخلع فإن الخلع يصح ويستحق المال الذي قد ذكرته في سؤالها ، وذلك لأن السؤال كالمعاد في الجواب ، فالسؤال كأنه معاد في الجواب ، بمعنى لما قالت له : " اخلعني ولك ألف " ، كأنه قال : " خالعتك على هذا الألف ".

 

قوله  : [ وطلقني واحدة بألفٍ فطلقها ثلاثاً استحقها ]

إذا قالت له : " طلقني واحدة ولك ألف " فقال : " أنت طالق ثلاثاً " ، فإنه يستحق الألف لأنه فعل ما استدعته وزيادة.

 

قوله  : [ وعكسه بعكسه ]

إذا قالت له " طلقني ثلاثاً " فقال ؛ " أنت طالق " فطلقها واحدة فلا يحصل له العوض المذكور وذلك لأنه لم يجبها إلى الشيء الذي قد بذلت العوض له ، وهذا كله مبني على ما تقدم في المذهب من أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق ، والصحيح أن الخلع بلفظ الطلاق فسخ فلا فرق بين قوله : " أنت طالق " و " أنت طالق ثلاثاً " .

 

قوله  : [ إلا في واحدةٍ بقيت ]

إذا قالت : " طلقني ثلاثاً ولك ألف ، فقال: " أنت طالق -" وكان قد طلقها طلقتين سابقتين - فهنا يأخذ العوض وذلك لحصول البينونة بهذه الطلقة ، فالحاصل من قوله: " أنت طالق ثلاثاً " هو نفسه الحاصل من قوله: " أنت طالق " حيث كان قد طلقها طلقتين سابقتين ، وهذا أيضاً مبنيٌ على المسألة التي تقدم أنها مرجوحة.

 

قوله  : [ وليس للأب خلعُ زوجةِ ابنه الصغير ولا طلاقها ]

فليس للأب أن يخلع زوجة ابنه الصغير وليس له أيضاً أن يخلع زوجة ابنه المجنون ، هذا في المشهور من المذهب وهو مذهب الجمهور ، واستدلوا بما روى ابن ماجة والحديث حسن أن النبي r قوله  : ( إنما الطلاق لمن أخذ بالساق ) ، أي إنما الطلاق للزوج ،

 والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد: أن له الخلع والطلاق ، واختار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: أن له الخلع ، وذلك لأن الأب له أن يمتلك من مال ولده ما شاء ، وقد أجازته الشريعة كما تقدم ، فأولى من ذلك أن يقبل الفداء من المرأة أي من زوجة ولده الصغير حيث ساءت العشرة بينهما ، وهذا القول ظاهر ، فهذا القول هو القول الأرجح ، والحديث المتقدم إنما هو في الطلاق ، كما أن الحديث عام ، والذي يظهر أيضاً ، استثناء الأب في مسألة الطلاق عن ابنه الصغير بشرط أن يكون للابن حظ ومصلحة في هذا الطلاق ، فقد يتضرر الابن في هذا النكاح وتلحقه النفقة ولا فائدة له به فحينئذٍ لأبيه أن يطلق ، حيث كان في ذلك مصلحة.

 

قوله  : [ ولا خلع ابنته بشئ من مالها ]

تقدم البحث في هذا وترجيح خلافه .

 

قوله  : [ ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق ]

هذه مسألة ظاهرة جداً ، فإن الخلع لا يسقط غيره من الحقوق ، إذا كان للمرأة حقوق على زوجها كأن تكون لها نفقات ماضية في ذمة الزوج ، ولها – مثلاً – مهر مؤخر ونحو ذلك ، فخالعته على عشرة آلاف فقبل هذه العشرة آلاف ، فثبوت الخلع لا يسقط ما في ذمته من الديون التي عليه لزوجته من نفقة أو مهر أو نحو ذلك، هذا ظاهر جداً ، إذ لا دليل على إسقاطه ، لكن لو شرطه في الخلع فقال: " بشرط ألا يكون في ذمتي لكِ شيء " فذلك يبرئ ذمته ، أما إذا خالعته على شيء من المال ولم تتعرض على ما في ذمته من الديون لها ، فإن هذه الديون يبقى ثابتة لها.

 

قوله  : [ وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوجدت ، ثم نكحها فوجدت بعده طلقت كعتقٍ وإلا فلا ]

هذه مسألة تحتاج إلى إيضاح ، قوله: " وإن علق طلاقها بصفة " ؛ قال لزوجته: " إن دخلتِ هذه الدار فأنتِ طالق " ، وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذه المسألة أي في مسألة التعليق ، قوله: " ثم أبانها " ؛ بخلع أو بطلاقٍ بثلاث أو بدون الثلاث ثم نكحها بعد ذلك ، قوله: " ثم نكحها " ؛ سواء شرطنا عليه أن يكون ذلك بعد زوج آخر أو لم يكن ذلك ، قوله: " فوجدت " ؛ أثناء البينونة دخلت هذه الدار أثناء البينونة ، إذاً قال لها: " إذا دخلتِ هذه الدار فأنت طالق ، ثم ثبت الخلع بينهما أو الطلاق البائن أو طلاق دون الثلاث ثبتت معه البينونة يعني إنتهت العدة ولم يراجعها ، وفعلت في أثناء البينونة هذه الصفة فدخلت في هذه الدار ، ثم نكحها بعد ذلك فوجدت بعد ، أي دخلت هذه الدار مرة أخرى وهي في عصمته.

قوله: " طلقت كعتقٍ " ؛ أي كمسألة العتق فالعتق أيضاً إذا قال للعبد: " إن فعلت كذا فأنت حر " ثم باعه ففعل هذا الشيء وهو مملوك لغيره ، ثم اشتراه مرة أخرى ففعله مرة أخرى فإنه يعتق ، قوله: " وإلا فلا " ؛ أي وإن لم توجد هذه الصفة بعده فلا ، إذا لم تدخل هذه الدار وهي في عصمته فإن الطلاق لا يثبت لعدم حصول المعلق عليه ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، وذهب الجمهور، وهو القول الثاني في مذهب الإمام احمد إلى أنه: لا يحصل الطلاق بفعل هذا الشيء.

فإذا دخلت الدار بعد أن تزوجها فلا تكون طالقاً بهذا الدخول ، وذلك لأن الشرط وهو دخول الدار قد حصل في وقت لا يمكن الطلاق معه وهو وقت البينونة ، فحينئذٍ فلا يقع الطلاق في المرة الثانية لأنه لما حصل في المرة الأول كان ذلك في وقت لا يمكن إيقاع الطلاق معه وذلك لأن الزوجة بائن ، فهي أجنبية عنه والأجنبية لا يقع عليها الطلاق وكذلك العبد غير مملوك له، وغير المملوك لا يحصل له عتق لأنه ليس بمملوك .

 وهنا حالة أخرى وهي فيما إذا لم تفعل هذا الشيء في البينونة ، يعني قال لامرأته : إن دخلتِ هذه الدار فأنت طالق ثم خالعها لم تفعله في البينونة ، لكنها فعلته بعد النكاح الثاني ، فالجمهور على أن اليمين تعود ، فإذا فعلته في النكاح الثاني فإن الطلاق يقع ، وعن الإمام أحمد وهو قول في مذهب الإمام الشافعي واختاره المزني من الشافعية وأبو إسحاق : أن اليمين لا تعود  وهذا فيما يظهر لي أظهر ، وذلك لأنه إنما أوقعها في النكاح الأول وهذا نكاح جديد وقد بطل النكاح الأول بالبينونة المتقدم ذكرها .

 وهنا مسألة إذا كان الخلع حيلة لفعل المحلوف عليه أو لئلا يحنث فيقع الطلاق ، مثال ذلك: إن قال لمرأته: " إن دخل شهر رمضان فأنت طالق " فقرب الشهر ، فأراد أن يحتال على عدم طلاقها فأوقع بينهما خلعاً حتى خرج شهر رمضان فحينئذٍ هذه الحيلة لا تنفعهما شيئاً ، وذلك لأن الحيل لا تحل ما حرم الله عز وجل والخلع باطل ، وذلك لأن الخلع أذن فيه الشارع للفرقة ولقطع النكاح وهنا بخلاف ذلك ، فإن المراد منه إبقاء النكاح فهو حيلة لإبقائه والشارع إنما أذن فيه مع أن النكاح في الأصل لازم وليس للزوج أن يفسخه إلا بالطلاق ، أباح الشارع الفسخ للفرقة ولقطع النكاح ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره.

 

 

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net