عدد الزوار : 162994
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الايلاء
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الايلاء
الإيلاء
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

كتاب الإيلاء

 

الإيلاء : هو الحلف ، من آلى يولي إذا حلف ، والألية هي اليمين.

وعرف المؤلف الإيلاء بقوله :

[ وهو حلف زوجٍ بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر ]

والأصل في الإيلاء قوله تعالى : ] للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [ .

 قوله " هو حلف زوجٍ بالله تعالى أو صفته " ظاهر قول المؤلف أنه لو حلف بنذرٍ أو حلف بطلاقٍ أو حلف بعتقٍ فليس بإيلاء وهذا هو المشهور في المذهب ، قالوا : لأن حقيقة اليمين أن تكون بالله ، فلو قال: " علي صوم الدهر إن وطئتك " فهذا حلف بنذر ، أو قال: " علي الطلاق إن وطئتك " فهذا حـلف بطلاق أو قــال: " إن وطئتك فعـبـيدي أحرار " فهذا حلف بعتق.

والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الجمهور ورواية عن الإمام أحمد:  أنه إيلاء وذلك لأنها يمين في الامتناع عن وطء المرأة فكان إيلاءً.

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ، وذلك لأن الحلف بالنذر أو بالطلاق أو بالعتق يمين ، سـواء قلنا هي يمين حقيقية أو يمين مجازية ، فـإنها تدخل في قـوله تعالى : ] للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر [.

قوله: " على ترك وطء زوجته " ؛ سواء كانت الزوجة مسلمة أو ذمية لعموم قوله تعالى: ] للذين يؤلون من نسائهم [ ، وأما لو كانت سريته – أي أمته – فليس بإيلاءٍ لأنها لا تدخل في نسائه فلا تدخل في الآية.

" أكثر من أربعة أشهر " ؛ أما إذا كانت المدة أربعة أشهر فأقل فليس بإيلاء ، فلو قال لامرأته: " والله لا وطئتك أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر " فليس بمولٍ لظاهر الآية، فإن الله تعالى قال : ] تربص أربعة أشهر[ ، وفي الصحيحين – وهذا لفظ البخاري- أن النبي r  آلى من نسائه شهراً ، فالإيلاء الممنوع – وهو محرم لما فيه من ترك الوطء الواجب – إنما يكون في مدة أكثر من أربعة أشهر ، وإذا كان يضر بها الشهر والشهران فإنه لا يحل لما تقدم من وجوب معاشرتها بقدر كفايتها من غير أن يضر ببدنه أو معاشه.

 

قوله : [ ويصح من كافر ]

يصح الإيلاء من كافر لعموم الآية ] للذين يؤلون من نسائهم [ ، وهذا يعم الكافر والمسلم ؛ أي إذا ترافع إلينا وتقاضى إلينا فإنه يحكم عليه كما يحكم على المسلم في الإيلاء.

 

قوله : [ وقنٍّ ]

أي عبد ، لعموم قوله تعالى : ] للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر [، فالآية عامة في العبد والحر ، فلو آلى الرقيق أن لا يطأ زوجته فهذا إيلاء لعموم الآية.

 

قوله  : [ ومميزٍ ]

فإذا كان الزوج صبياً مميزاً لم يبلغ بعد فآلى من زوجته فكذلك هو إيلاء لعموم الآية ، ولأن طلاقه يصح فصح إيلاؤه.

والقول الثاني في المسألة وهو اختيار الموفق ؛ أن حلف الصبي ليس بإيلاء لأنه غير مكلف ، والراجح هو القول الأول ، وذلك لتعلق ذلك بحق الآدمي – وهي الزوجة- ، لكن لا كفارة عليه لأن الكفارة حقٌ لله تعالى وهو ليس بمكلف ، لكنه يُتربص به أربعة أشهر فإن فاء وإلا أُمر بالطلاق لعموم الآية، فهو في حكم الإيلاء كما سيأتي.

 

قوله  : [ وغضبان وسكران ]

هنا كالطلاق في السكران فيه وجهان الصحيح لا يقع ، و أما الغضبان فيصح إيلاءه و ظهاره كسائر الايمان لا فرق فيها بين غضب ورضا لعموم الادلة.

 

قوله  : [ ومريضٍ مرجو برؤه ]

فإذا آلى المريض الذي يرجى برؤه فهو إيلاء لعموم الآية، أما إذا كان غير مرجو الشفاء من هذا المرض ، كأن يكون به شلل أو أن يكون مجبوباً أو غير ذلك فلا إيلاء له وذلك لأن الامتناع عن الوطء ليس سببه في الحقيقة اليمين إنما سببه العجز عن الوطء فكانت اليمين لغواً لأنه حلف على شيء مستحيل فقد حلف على ترك ما يستحيل عليه فعله.

 

قوله  : [ وممن لم يدخل بها ]

لعموم الآية ، فالآية في المدخول بها من النساء وغير المدخول بها.

 

قوله  : [ لا من مجنون ومغمى عليه ]

لأنهما لا قول لهما ، وكذلك النائم ، وهي يمين فلم تصح ممن لا قول له ، ولذا فالصبي غير المميز لا إيلاء له لأن قوله لا ينعقد.

 

قوله: [ وعاجزٍ عن وطء لجبٍ أو شلل ]

لأن الامتناع عن الوطء سببه العجز لا اليمين.

 

قوله: [ فإذا قال : والله لا وطئتك أبداً ]

إذا قال الرجل لامرأته: " والله لا وطئتك أبداً " فهو مولٍ لأنه أكثر من أربعة أشهر.

كذلك إن قال: " والله لا وطئتك " لأن الأصل في اليمين التأبيد ، أو قال لها: " والله لا وطئتك مدة " ولم يعين هذه المدة بلفظه لكنه عينها في قلبه بأكثر من أربعة أشهر كأن ينوي سنة وتقدم أن الأيمان مبناها على النيات ، فهنا لفظه يحتمل أقل من أربعة أشهر ويحتمل أربعة أشهر ويحتمل أكثر من أربعة أشهر فانصرفت اليمين إلى أكثر من أربعة أشهر لنيته.

 

قوله  : [ أو عين مدة تزيد على أربعة أشهر ]

فإذا قال: " والله لا وطئتك سنة " فهو مولٍ.

 

قوله : [ أو حتى ينزل عيسى أو يخرج الدجال ]

فكذلك لأن ذلك ونحوه يغلب على الظن أنه لا يكون إلا بعد أربعة أشهر.

 

قوله : [ أو حتى تشربي الخمر أو تسقطي دينك أو تهبي مالك ونحوه فمولٍ ]

في كل هذه الألفاظ يكون مولياً.

 

قال : [ فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قناً ]

لا نقول أن القن يتربص به شهران لعموم الآية ، فالآية عامة في العبد والحر وأنه يتربص بهم أربعة أشهر.

 

قوله : [ فإن وطئ ولو بتغييب حشفةٍ ]

تقدم أن الأحكام تترتب بتغيب الحشفة.

 

قوله  : [ فقد فاء وإلا أمر بالطلاق ]

فإذا مضت أربعة أشهر من يمينه فإن وطء المرأة بتغييب الحشفة في قبلها فإنه يكون قد فاء ، وعليه كفارة اليمين.

وهذه المدة يتربصها حيث لا عذر من جهة المرأة أي بأن يكون متمكناً من وطئها هذه المدة ، أما إذا كان في المرأة عذر سوى الحيض فإنه تستأنف هذه المدة بعد زوال هذا العذر ، وكذا إن كانت المرأة ناشزاً أو كانت المرأة نفساء ، في أصح الوجهين و هو المذهب ، أو كانت المرأة محرمة أو غير ذلك من الأعذار التي تكون من جهتها ، هذه تقتضي استئناف المدة.

إذا نشزت المرأة أثناء مدة التربص فإنه يتربص به أربعة أشهر أخرى وذلك لأن هذا التربص لهذه المدة حيث أمكنه الوطء وهنا لم يمكنه الوطء لأمر من جهتها.

وأما إذا كان لأمر من جهته هو ؛ كأن يحبس أو غير ذلك ، فإنه يتربص به أربعة أشهر بما فيها هذه المدة التي له فيها عذر ، وذلك لأن المانع من جهته هو وليس من جهة المرأة ، وهذا حق آدمي فلم يقبل فيه هذا العذر.

وأما الحيض فلا ، وذلك لأن الحيض لا يخلو منه شهر ، فلو جعلناه عذراً تستأنف بعد زواله مدة التربص لأدى ذلك إلى عدم وطئها أبداً.

قال: " فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه " ولا يفتقر هذا إلى حكم حاكم ، وذلك لأن الله نص عليه فإذا حلف ألا يطأها قبل شهر وترافعا اليوم إلى القاضي فلا يتربص أربعة أشهر ابتداءً من اليوم بل ابتداءً من اليمين ، فلا يتوقف في مدة التربص على حكم الحاكم وإنما يبتدأ بها – أي عدة التربص – من يمينه ، وذلك لأن هذه المدة منصوص عليها فلم يفتقر ذلك إلى حكم حاكم.

 

 

قوله  : [ فإن أبى طلق حاكمٌ عليه ]

إن أبى الطلاق فإنه يطلق القاضي عليه ، وذلك لأن الطلاق هنا بحق والطلاق مما تكون فيه النيابة ، كما تقدم في الوكالة بالطلاق.

 

قوله  : [ واحدةٌ أو ثلاثاً أو فسخ ]

يعني للقاضي أن يطلق واحدة وله أن يطلق ثلاثاً وله أن يفسخ لأنه قائم مقام الزوج و عليه فيفعل ما فيه مصلحة و لا يطلق إلا بطلبها لأنه حق لها .

وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي ؛ أنه ليس له إلا أن يطلق واحدة ، كما أنه ليس له أن يأخذ من المدين سوى ما عليه من الحق ، فكذلك لا يطلق إلا واحدة ، والطلاق الثلاث تقدم أنه محرم.

وذكر القاضي من الحنابلة ؛ أن المنصوص عن الإمام أحمد أن الطلاق يكون بائناً ، وفيه – فيما يظهر لي – قوة ، وذلك لأنه طلاق من قبل الحاكم فأشبه هذا الفراق الذي يكون في اللعان فإنه طلاق بائن.

لكن لا يكون أبداً للفرقة بينهما ، فالملاعن  يتهم امرأته بالزنا – أي الملاعن – وهذا ليس  كذلك فلا يكون أبدياً ولكن يكون بائناً بينونة صغرى ، ولأن المقصود منه إزالة الضرر عن المرأة ، وإذا أجزنا له الرجعة فإننا نعيد الضرر إليها.

فالذي يترجح أن الطلاق يكون بائناً ، فتكون طلقة واحدة لكن الطلاق يكون بائناً وليس له الرجعة ، فإذا انقضت عدة المرأة أو قبل أن تنقضي عدتها فهو خاطب من الخطاب.

 

قوله  : [ وإن وطئ في الدبر أو دون الفرج فما فاء ]

إن وطء في الدبر أو دون الفرج أي باشرها دون الفرج فما فاء ، وذلك لأن الإيلاء امتناع عن الوطء في الفرج كما تقدم ، وعليه فلا تكون الفيئة أي الرجوع في وطء سواه أو المباشرة دونه ، لأن هذا لا يكون رجوعاً ولا فيئة بل الفيئة والرجوع أن يطأها في فرجها ، فإذا أتاها من دبرها أو باشرها دون الفرج فإنه مولٍ ولا يخرج عن حكم الإيلاء بهذا الوطء لأنه ليس بفيئة.

 

قوله : [ وإن ادعى بقاء المدة ]

إن ادعى أن المدة لا زالت باقية ولا بينة للمرأة فالقول قوله ، لأنه هو المتلفظ وهو أعلم بقوله من غيره ، ولأن الأصل معه وهو بقاء المدة.

إذن : إذا اختلفا هو يقول: " لم تنقض المدة " وهي تقول: " بل انقضت " ولا بينة مع المرأة فالقول قوله لأن الأصل معه.

 

قوله : [ أو أنه وطئها وهي ثيب صدّق مع يمينه ]

يعني ادعى أنه وطئها قال: " بل وطئتها " ، وهي تقول: " لم يطأني " وهي ثيب صُدق ، لأن هذا الأمر لا يعلم إلا من جهتها ، و الطلاق يتعلق به هو فكان القول قوله ، لكن مع يمينه ، لأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، فهو منكر لعدم الوطء ، وهي تدعي عدم الوطء ، فكان القول قوله وعليه اليمين.

قوله: [ وإن كانت بكراً أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأةٌ عدل صُدقت ]

إن كانت بكراً وهو يقول أنه قد وطئها ، أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل صُدقت ، لقيام ما يدل على كذبه ، فإذا ثبت أنها بكر بالبينة فحينئذٍ يحكم بقولها ، لأن ثبوت كونها بكراً يدل على كذبه في دعوى الوطء.

 

قوله: [ وإن ترك وطأها إضراراً بها بلا يمين ولا عذر فكمُولٍ ]

إذا امتنع من الوطء أكثر من أربعة أشهر إضراراً بها بلا يمين فهو مولٍ ، وذلك لأن هذا الإمتناع بمعنى اليمين ، فالذي يحصل من اليمين قد حصل بهذا الامتناع ، ولأن حكم الإيلاء إنما شرع لدفع الضرر عنها الحاصل بامتناعه عن الوطء أكثر من أربعة أشهر ، فإذا امتنع بلا يمين فكذلك ، فعليه ؛ إذا امتنع الرجل من وطء امرأته أكثر من أربعة أشهر فلها أن تطالب بالفيئة أو أن يطلق، وذلك لحصول الضرر هنا الحاصل باليمين ، وكذلك إذا لم يكفر كفارة الظهار فمضت أربعة أشهر ولم يكفر كفارة الظهار ، ولا يحل له أن يطأها حتى يكفر – ولا يحل للمظاهر أن يطأ امرأته حتى يكفر بنص القرآن – فإذا تأخر عن الكفارة هذه المدة فكذلك ، لما في ذلك من الضرر عليها ، وهذا أيضاً امتناع عن الوطء فهذا فيه إضرارٌ بها فيؤمر بالكفارة ، يعني يقال له: " كفر وإلا طلق ".

 

 

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net