بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتاب اللعان
اللعان : مشتق من اللعن لقوله تعالى : ] والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين [.
وأما تعريفه : فهو أن يقذف الرجل امرأته بالفاحشة فيشهد على نفسه بذلك أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، والغضب أقبح من اللعن، وذكر الغضب هنا، لأن الغضب لمن يعلم الحق ويترك القول به ، والذي يغلب على الظاهر أن الرجل صادقٌ في قوله، إذ يبعد في الغالب أن الرجل يرمي امرأته على رؤوس الأشهاد بالفاحشة ويلعن نفسه بالخامسة إلا وهو صادقٌ في دعواه ، وأن المرأة قد اضطرته إلى ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ يشترط في صحته أن يكون بين زوجين ]
لقوله تعالى : ] والذين يرمون أزواجهم [ ، فلو قذف أجنبية عنه فإما أن يأتي بأربعة شهود فتحد المرأة وإما أن يجلد ثمانين جلدة ، وهو حد القذف ، فحكم اللعان مختص بالزوج فقد يرى الرجل من امرأته ما يكره ، وليس ثمت من يشهد له ، وقد رأى ذلك بعينه أو تيقن حصول ذلك فيحتاج إلى نفي الولد منه وحينئذٍ فيلاعن امرأته فيشهد على نفسه أربع شهادات إنه لمن الصادقين ، واختُلف هل هي أيمان أم شهادات:
1. القول الأول وهو مذهب الجمهور ؛ أنها أيمان مؤكدة بالشهادة.
2. القول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة ؛ أنها شهادات.
وينبني على هذا الخلاف من يصح لعانه ، فإن قلنا: إن اللعان شهادات فلا يصح إلا ممن تصح شهادته ، فالفاسق لا تصح شهادته وعليه فلا يصح لعانه وكذلك الكافر والعبد ، وإن قلنا: إن اللعان أيمان فإنه يصح ممن تصح يمينه فيصح من العبد ويصح من الكافر ويصح من الفاسق لأن أيمانهم منعقدة صحيحة.
اسـتدل أهل القول الثاني القائلين بأنها شهادات، بلفظ الشهادة في قوله تعالى : ] ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم [ ، فدل على أنهم شهداء فما يحصل منهم فهو شهادة.
واستدل أهل القول الأول ، بقوله تعالى : ] فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [ فقوله ( بالله ) من ألفاظ القسم ، قالوا : والشهادة تأتي في القرآن وفي لغة العرب بمعنى اليمين ، ومنه قوله تعالى : ] فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهم وما اعتدينا [ ، أي ليميننا ، ولقوله تعالى : ] إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله [ ، ثم قال بعد ذلك ] اتخذوا أيمانهم جنة [ ، فقولهم ( نشهد ) يمين.
ومن شعر العرب قول بعضهم ؛ (( فأشهد بالله أني أحبها )).
فقوله ( أشهد ) ؛ أي يمين ، وهو من الشعر المحتج به ، وقد أورده ابن القيم في زاد المعاد ، وهذا القول هو القول الراجح.
وأما قوله تعالى ] ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم [ فهذا من باب الاستثناء المنقطع ، أي لم يكن لهم شهداء لكن أنفسهم.
ويدل على القول الراجح حديث لكنه ضعيف أن النبي r قال : ( لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ) رواه أبو داود
وعلى القول الراجح فمن صحت يمينه صح لعانه ، وعليه فالفاسق يصح لعانه وكذلك الكافر والعبد وأما غير البالغ فلا يصح لعانه لأن يمينه لا تصح، فلو قذف الصبي امرأته بالزنا فلا لعان وذلك لأن يمينه لا تصح ويدل على صحة قول الجمهور عموم قـوله تعالى : ] والذين يرمون أزواجهم [ ، فهو عامٌ في الحر والعبد وفي المسلم والكافر وفي العدل والفاسق ، ولأن ذلك موضع ضرورة فيحتاج إليه الكافر ويحتاج إليه العبد ويحتاج إليه الفاسق ، فهو موضع حاجة ، لأنه يحتاج إلى اللعان لينفي الولد عنه.
قال : [ ومن عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها وإن جهلها فبلغته ]
من عرف العربية فيشترط في صحة لعانه ، أن يكون بها، لكن إن جهلها فبلغته كما تقدم في النكاح.
والقول الثاني في المسألة وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد و الشافعي: أن اللعان يصح بغير اللغة العربية مع القدرة عليها ، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة ، وذلك لأن اللعان يمين ، واليمين تصح بغير اللغة العربية مع القدرة عليها ، واللعان نوع من الأيمان ، فلو حلف بالله عز وجل في لغته فإنها يمين فكذلك اللعان.
قال : [ فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان ]
إذا قذف امرأته بالفاحشة في قبل أو دبر ، فله إسقاط الحد باللعان ، إذن ؛ إن قذف امرأته بالزنا فعليه حد القذف ، لكن يدرأ عنه الحد أن يلاعن ، ولذا قال r كما في البخاري : ( البينة وإلا حدٌ في ظهرك ).
قال : [ فيقول قبلها أربع مرات أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه ويشير إليها ، ومع غيبتها يسميها وينسبها ]
أي ينسبها بما تتميز به فيذكر اسمها ويذكر ما يحتاج إليه من نسبها لتتميز عن بقية نسائه.
قال : [ وفي الخامسة : وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ]
فيقول هذه الخامسة : وأن لعنة الله عليه إن كان إن كان من الكاذبين ، فيقول أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه ، أو نحوها من الألفاظ التي يرميها بها في الزنا ، فلو قال : " أشهد بالله أن ما في بطنها ليس مني " ، فهذا كافٍ في رميها بالزنا.
قال : [ ثم تقول هي أربع مرات : أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا ]
ونحو ذلك من الألفاظ التي تبرئ بها نفسها.
قال : [ ثم تقول في الخامسة : وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ]
ويستحب أن يحضر ذلك جماعة من الناس ، ففي البخاري عن سهل بن سعدٍ قال: ( فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي r )، ويستحب أن يكون ذلك في المسجد كما في البخاري من حديث سهل بن سعد : " أن ذلك كان في المسجد " ، ويستحب أن يتلاعنا قياماً وذلك لأنه أردع في حقهما، ويستحب للحاكم أن يعظهما وأن يذكرهما، وأن يأمر رجلاً يضع يده على فيَّ الرجل في الخامسة ، ويقول له: " إنها موجبة " ، ففي صحيح مسلم أن النبي r : ( ذكر الملاعن ووعظه وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، ثم دعا المرأة فوعظها كذلك ) ، وفي سنن أبي داود والنسائي بإسنادٍ صحيح أن النبي r : ( أمر رجلاً أن يضع يده عند الخامسة على فيه ، ويقول: " إنها موجبة " ) ، أي موجبة للعنة الله تعالى.
قال : [ فإن بدأت باللعان قبله …….. لم يصح ]
إذا بدأت المرأة باللعان قبل الرجل فلا يصح اللعان في مذهب جمهور العلماء ، خلافاً لأبي حنيفة ، وذلك لأن الله عز وجل قد شرع بذكر لعانه قبل ذكر لعانها ، والحكمة من أن لعان الرجل قبل لعان المرأة من وجهين :
q الوجه الأول : أن الرجل قاذفٌ مدعي فبُدئ به أولاً ، لأنه هو القاذف لها وهو الذي رماها بهذه الفاحشة العظيمة.
q والوجه الثاني : أن الرجل جانبه أقوى ، فالغالب أنه صادقٌ في دعواه ، إذ يبعد أن يرمي امرأته بالزنا في هذا المشهد بين الناس إلا وهو صادق في دعواه.
قال : [ أو نقص أحدهما شيئاً من الألفاظ الخمسة …. لم يصح ]
لأنه خلاف ما أمر الله عز وجل به ، فلا يصح إلا أن يأتي كل واحدٍ منهما بالألفاظ الخمسة ، فلو قال : " أشهد بالله إنها زانية ، وأشهد بالله إنها زانية ، أشهد بالله إنها زانية – ثم قال : " وأن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين " ، لم يصح لعانه ، أو قال : " أشهد بالله إنها زانية ، أربعاً " ، ثم سكت ولم يقل: " وأن لعنة الله علي إن كان من الكـاذبين ، فـإن لعانه لا يصح حتى يأتي باللـعان كما أمره الله عز وجل ، وكذلك المرأة.
قال : [ أولم يحضرهما حاكمٌ أو نائبه ……. لم يصح ]
لأنها دعوى فيها يمين ، فاشترط فيها حضور الحاكم أو نائبه كسائر الدعاوى ، فلو كانت بين يدي من ليس بحاكم أو كان ذلك في بيتها فلا تثبت الأحكام التي تقدم ذكرها ، فهو لعان غير صحيح.
قال : [ أو أبدل لفظة أشهد بأقسم أو أحلف ]
فـلو قال : " أقسم بالله " أو قال : " أحلف بالله إنها زانية " لم يصح حتى يقول : " أشهد بالله " ، وذلك لأن قـوله : " أقسم بالله " يمين غير مؤكدة بالشهادة ، بينما قـوله " أشهد بالله " يمين مؤكدة بالشهادة ، فإذا قال : " أقسم بالله " أو " أحلف بالله " فهو خلاف ما أمره الله تعالى به فلا يصح حتى يقول : " أشهد بالله " أو " أشهد والله " المقصود أنه يجمع بين اليمين والشهادة.
قال : [ أو لفظة اللعنة بالإبعاد أو الغضب بالسخط لم يصح ]
إذا أبدل لفظة اللعنة بالإبعاد فقال في الخامسة : " وأن إبعاد الله تعالى لي من رحمته إن كنت من الكاذبين " ، أو أبدلت المرأة لفظ الغضب بالسخط فقالت في الخامسة : " وأن سخط الله علي إن كان من الصادقين " ، فلا يصح.
والقول الثاني في المسألة وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد: أن ذلك يصح لأنه وإن لم يكن منصوصاً عليه لكنه بمعنى المنصوص والعبرة بالمعاني لا بالمباني ، فقوله : " أبعدني الله من رحمته " بمعنى قوله : " لعنني الله تعالى " ، وكذلك المرأة قولها : " وأن سخط الله علي " هو كقولها : " وأن غضب الله علي " ، هذا هو القول الراجح. و الله أعلم و الأولى التزام الألفاظ الواردة.
فصل
قال رحمه الله : [ وإن قذف زوجته الصغيرة أو المجنونة بالزنا عُزر ولا لعان ]
إذا قذف امرأته الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فإنه يعزر ولا لعان ، وذلك لأن اللعان يمين فلا يصح إلا من مكلف ، وهذه الصغيرة ليست بمكلفة فلم يصح لعانها ، فلا يلاعن الزوج وإنما يُعزر ، وكذلك المجنونة لأنها غير مكلفة.
أما إن قذف امرأته الصغيرة التي يوطأ مثلها – وهي في المشهور من المذهب بنت تسع سنين – فإن اللعان يثبت لكن لا يصح حتى تبلغ ، وعليه فيتربص لها حتى تبلغ، فإن طالبت بحق القذف على زوجها الذي قذفها فحينئذٍ للزوج أن يلاعن ليدرأ الحد عن نفسه ، وتلاعن هي أيضاً لأنها أصبحت مكلفةً.
قال : [ ومن شرطه قذفها بالزنا لفظاً ، كزنيتِ أو يا زانية أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر ]
فشرطه أن يرميها بالزنا ، قال تعالى : ] والذين يرمون أزواجهم [ أي بالزنا ، وقال المؤلف : " في قبل أو دبر " ، أما إن كان في قبل فظاهر ، وأما إذا كان في دبر فهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من الحنابلة وغيرهم ، وهذا القول متفرع عن ثبوت حد القذف في رمي المرأة بالزنا في دبر.
وقال الأحناف : بل إن كان في دبر فلا لعان ، وهذا متفرع عن قولهم من أن المرأة إذا قذفها زوجها بالزنا من دبر فإن الحد أي حد القذف لا يقام ، وإنما فيه التعزير، فاللعان لا يثبت عندهم، وذلك لأن اللعان إنما يشرع لدفع الحد وهنا لا حد ، فإذا قذف امرأته في دبرها فلا حد ، وعليه فلا لعان ، ويأتي تحقيقه إن شاء الله في الكلام على القذف.
وأما إن قذفها بمباشرة دون الفرج كأن يقول : " قد بوشرت " ، أو قد باشرك فلان ، أو قد خلا بك فلان أو قد قبلك أو نحو ذلك فلا لعان وذلك لأنه لا حد – أي لا حد قذف - ، واللعان متفرع عن الحد ، فاللعان إنما يشرع لدرء حد القذف عن الزوج وهنا لا حد في ذلك وعليه فلا لعان.
قال : [ فإن قال : وطئت بشبهةٍ أو مكرهةً أو نائمة أو قال : لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان ]
فإذا قال لامرأته : وطئت بشبهة أو مكرهةً أو نائمة أو لم تزني ولكن هذا الولد ليس مني ثم شهدت امرأة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان ، أما كونه لا لعان ، فلأن الحد لا يثبت بمثل ذلك ، فإذا قال الرجل لامرأته : " وطئتِ بشبهة أو إكراه أو نحو ذلك " فإنه لا حد في ذلك.
لكن هل ينفى الولد أم لا ؟
هنا قال : شهدت امرأة ثقة بأنه ولد على فراشه لحقه ، وذلك لقول النبي r : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) متفق عليه
فإذا أثبتت البينة – وتكفي شهادة امرأة واحدة – أنه قد ولد في فراشه فإنه يثبت بذلك لحوق النسب ، و عليه فله أن يلاعن لنفي الولد ، والمشهور في المذهب أنه ليس له أن يلاعن وذلك لأن اللعان إنما شرع بعد القذف ، قال تعالى : ] والذين يرمون أزواجهم [ ، وهنا لا قذف ، فاللعان إنما شرع لدرء حد القذف عن الزوج وهذا حيث كانت المرأة مرمية بالزنا ، وهنا ليست مرمية بالزنا وعليه فلا لعان وهذا أظهر ، فالشرع إنما شرع اللعان حيث كان مسبوقاً بقذف وهنا لا قذف وعليه فيلحقه الولد وليس له أن ينفيه ، وكما قال r : ( الولد للفراش..).
قال : [و من شرطه أن تكذبه الزوجة ]
فمن شرط اللعان أن تكذبه الزوجة ، وأما إن صدقته في دعواه فأقرت أنها قد زنت فلا لعان أو ثبتت بالبينة وهي أربعة شهود أنها قد زنت فلا لعان فاللعان إنما يشرع حيث تنكر المرأة و لا بينة ولذا فإنها تلاعن بعده.
قال : [ وإذا تم اللعان سقط عنه الحد والتعزير ]
فإذا تم اللعان سقط عنه الحد فيما يثبت فيه الحد والتعزير فيما يثبت فيه التعزير، ويثبت التعزير إن كانت ذميةٌ أو أمةٌ أو نحو ذلك ، دليل هذه المسألة قوله r : ( البينة وإلا حدٌ في ظهرك ).
قال : [ وتثبت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد ]
فإذا تم اللعان فإن الفرقة تثبت بينهما بتحريم مؤبد فلا تحل له أبداً ، ففي الصحيحين أن النبي r قال : ( لا سبيل لك عليها ) ، وفي مسلم أن النبي r : ( بدأ بالرجل فشهد أربع شهادات ثم ثنى بالمرأة ثم فرق بينهما ) ، وفي سنن أبي داود من قول سهل بن سعد : ( مضت السنة أن المتلاعنين يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً ).
ولا يتوقف ذلك – أي التفريق – على حكم حاكم بل يثبت من غير حكم حاكم وذلك لثبوته بنص الشارع.
ويثبت هذا الحكم وإن كذب نفسه بعد ذلك ، فإذا لاعنها بحضرة الحاكم وكان اللعان صحيحاً قد توفرت فيه الشروط ثم كذَّب نفسه بعد ذلك فإنها لا تحل له ، لكن يحد أو يعزر ويلحقه الولد في نسبه ، لأنه أقر بما يدل على كذبه في يمينه ، وإنما درء عنه الحد ليمينه وقد كذبها بقوله ، وحينئذٍ فيبقى عليه الحد – أي حد القذف – ويلحقه النسب.
واعلم أن اللعان إن كان مجرداً عن نفي الولد فلا ينفى الولد بل يلحق الزوجَ ولده ، وذلك لأن اللعان إنما فيه رميها بالزنا ، ورميها بالزنا لا يوجب نفي الولد ، لكن إن نفاه صراحةً أو تضمنا فإنه ينتفي عنه ، فإن قال : " أشهد بالله أنها زانية وأن ما في رحمها ليس مني " ، فإنه ينفى عنه لأنه قد نفاه في لعانه وهنا صراحة ، وأما تضمناً فبأن يقول مثلاً : " أشهد بالله إنها قد زنت في طهر لم أجامعها فيه " ، فيعلم أنها قد حملت من غير زوجها بقذفه ، وأما إذا لم ينفه في اللعان فإنه لا ينتفي.
فإن قيل: فما هو الجواب عما روى أبو داود في سننه أن النبي r : ( قضى في اللعان ألا يدعى الولد لأبيه ) ، فالجواب : أن هذا من حديث سهل بن سعد ، وفي البخاري أن الرجل قد أنكر حملها.
مســألة :
هل يشترط لنفي الولد أن ينفيه بلعان عند الوضع أم يكفي عند الحمل ؟
q قال الحنابلة في المشهور عندهم : يشترط أن ينفيه عند الوضع ، قالوا : لأنه – وهو حمل – غير مستيقنٍ منه ، فقد يكون – ريحاً - أو شيئاً آخر واللعان لا يتعلق بشرط ، وهنا لا بد أن يعلق النفي على كونه موجوداً فيقول : " إن كان الولد موجوداً فليس مني " ، واللعان لا يتعلق بشرط.
q والقول الثاني : وهو قول المالكية والشافعية وهو قول في مذهب الإمام أحمد: أن نفي الولد يثبت وإن نفاه وهي حامل لم تضع بعد.
وهذا هو القول الراجح وهو الذي يدل عليه حديث سهل بن سعد المتقدم ففيه أنها كانت حاملاً فأنكر حملها ، ولم يصح أن النبي r أمره باللعان لنفي الولد عند الوضع ، ولا أنه فعل ذلك عند النبي r .
أما قولهم أنه ليس بمستيقن؛
فالجواب عنه : أنه مظنون وهنا أمارات تدل عليه ، والشارع يعلق الأحكام بمثل ذلك ، بدليل اختلاف نفقة الحامل عن الحائل ، والتوقف عن القصاص في الحامل ، والفطر في رمضان للحامل وغير ذلك ، مع أنه مظنون وليس بمستيقن.
مســألة :
وجماهير أهل العلم على أنه إن أقر به أو ظهر منه ما يدل على الرضا فليس له أن ينفيه بعد ذلك.
ومثال ظهور ما يدل على الرضا ؛ كأن يدعى له فيؤمن ، أو يُهنأ به فيسكت ويرضى بذلك ونحو ذلك ، فليس له أن ينفيه بعد ذلك ، كما أنه إذا أمكنه أن ينفيه ولم ينفه ، فليس له أن ينفيه بعد ذلك ؛ وذلك لأنه خيار لدفع الضرر فكان على الفور و لأن ذلك دليل أعراضه في نفيه فإذا تراخى ولم ينف مع امكان النفي فليس له أن ينفي بعد ذلك ، لكن لو ادعى عدم علمه بذلك وأمكن جهله بذلك فإن قوله يقبل وله أن ينفيه.
مســألة :
إذا نكلت المرأة عن اللعان فهل يقضى بنكولها ؟
بمعنى : لاعن الرجل امرأته لكن المرأة نكلت عن اللعان فهل يقضى بنكولها فيفرق بينهما وينفى الولد إن نفاه وتحد المرأة أم يخلى سبيلها أم تسجن حتى تقر بالزنا أو تلاعن ؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم :
q القول الأول : وهو المشهور في المذهب ؛ أن سبيلها يخلى ، وهو قول ضعيفٌ جداً.
q القول الثاني : أنها تسجن حتى تقر بالزنا أو تلاعن.
q القول الثالث وهو مذهب المالكية والشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح في المسألة : أنها إن نكلت فإنها تحد ، وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ] ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين [ ، فحد القذف ثابت في حق الرجل حتى يلاعن ، فإذا لاعن الرجل فنكلت المرأة فعليها الحد ، ويدرأ عنها العذاب أن تلاعن.
وقال الحنابلة : الحد لا يثبت بلعان الزوج فقط بدليل مطالبة المرأة بالملاعنة بعده ، ولا يثبت بالنكول فقط لأن الحدود تدرأ بالشبهات ، و النكول فيه شبهة.
الجواب عن هذا : أن يقال إنها لا تحد بهذا بمفرده ولا بهذا بمفرده ؛ بل تحد بمجموعهما ، فإنها تحد بيمين الزوج أولاً و بنكولها ثانياً.
فصل
هذا الفصل فيمن يلحق نسبه.
قال رحمه الله : [ من ولدت زوجته من أمكن كونه منه لحقه ]
فمن ولدت زوجته ولداً أمكن أن يكون هذا الولد - ذكراً كان أو أنثى - منه لحقه ذلك لقول النبي r : ( الولد للفراش ..) ، ثم بين المؤلف هذا الإمكان المذكور بقوله :
[ بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه أو دون أربع سنين منذ أبانه ]
أي أن تلده بعد ستة أشهر لأن أقل الحمل ستة أشهر لقوله تعالى : ] وحمله وفصاله ثلاثون شهراً[ ، وقد ذكر تعالى في آية أخرى أن فصاله أربعٌ وعشرون شهراً أي سنتان قال تعالى ] والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [ ، فبقي للحمل ستة أشهر ، وهو قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف ، - أو دون أربع سنين لأن أكثر الحمل أربع سنين في المذهب ، قالوا : بوقوع ذلك فقد وقع من بعض النساء – وهي ثقة امرأة صدقٍ – أنها قد ولدت لأربع سنين.
والقول الثاني في المذهب وهو اختيار ابن سعدي : أنه لا يتقيد بأربع سنين ؛ بل قد يكون أكثر من ذلك ، وقال : " لأنه الموافق للواقع " وهو كما قال . فالمسألة مسألة وقوع ، فإذا وقع الحمل لأربع سنين فلا مانع أن يقع أكثر من ذلك ، وقد قال النبي r (الولد للفراش ..) ، و إن كان الطلاق رجعياً فمنذ انقضت عدتها في المشهور في المذهب لأنها زوجة.
قوله : " منذ أمكن وطؤه " أي أن تلد بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه ، فإذا عقد على المرأة وأمكن وطؤه ثم ولدت بعد نصف سنة فإن الولد يلحق به ، فإذا عقد على امرأة وهو وهي في بلد واحد ولم يدخل بها ، فهنا يمكن الوطء لكننا لم نتحقق من الوطء لعدم الدخول ، فهنا يلحق به ، لكن لو تحققنا وعلمنا عدم إمكان الوطء ، كأن يكون هو في بلد وهي في بلد آخر بعيد ويعلم أنه لا يخفي مسيره من تلك البلدة إلى هذه البلدة ، فحينئذٍ قد تحققنا أنه لم يطأها فلا يلحق به ، هذا هو تحرير مذهب الحنابلة في هذه المسألة.
إذن : يعلقون الإلحاق بإمكان الوطء ، لكن لو تحققنا أنه لم يطأها فإنه لا يلحق به ، ولذا فلو كان مجبوب الذكر والأنثيين فإنه لا يلحق به ، وذلك لأننا نقطع أن مثله لا يولد له.
واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره طائفة من متأخري أصحابه ومنهم والد شيخ الإسلام ، واختاره ابن القيم : أن إمكان الوطء غير كافٍ في الإلحاق ، بل حتى يعلم الوطء وذلك بالدخول ، فإذا بنى بالمرأة ودخل بها فولدت منه لستة أشهرٍ أو دون أربع سنين – على المذهب – منذ أبانها فحينئذٍ يلحق به.
إذن : لا تكون المرأة فراشاً حتى يتحقق الوطء ، وذلك بالبناء بها ، وهذا هو القول الراجح فإن مجرد العقد مع إمكان الوطء لا تعدُّ فيه المرأة فراشاً لا في اللغة ولا في العرف ، فلا يقال: " إن المرأة فراشٌ للرجل " وهو لم يبنِ بها ، لا في لغة العرب ولا في عرف الناس ، وهذا ظاهر.
قال : [ وهو ممن يولد لمثله كابن عشر ]
هذا قيد آخر ؛ وهو أن يكون ابن عشر سنين ، أي ممن تم له عشر سنين وشرع في السنة الحادية عشر قالوا : لقوله النبي r : ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) ، فأمر النبي r بالتفريق بينهم في المضاجع ، فدل على أن مثله يطأ ، فعليه يلحق به النسب.
والقول الثاني في المسألة : وهو قول في مذهب الإمام أحمد وهو قول طائفةٍ من كبار اصحابه كأبي بكر ، وهو قول أبي الخطاب وابن عقيل : أنه لا يلحق به حتى يبلغ، أي ينزل فإذا ثبت إنزاله ؛ أي ثبت احتلامه فإنه يلحق به وهذا ظاهر جداً ، وذلك لأن الولد يكون من الماء ، ومن لم يبلغ فلا ماء له فكيف يكون منه الولد ، وكيف يلحق به ، وأما قوله r : ( وفرقوا بينهم في المضاجع ) ، وهذا لأن ابن عشر مظنة البلوغ ومظنة المراهقة ، فلذا يمنع من المبيت عند البنت لأنه مظنة الوطء.
والقول الثاني هو الراجح ، فلا يلحق به الولد حتى يبلغ.
قوله : [ ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه ]
فعلى المذهب - عندما يلحق به الولد – فهل تثبت الأحكام الأخرى فيه فيكون في حكم المكلفين ؟
الجواب : لا تثبت الأحكام الأخرى كحد الزنا والقصاص مع الشك فلا تلحق به الأحكام الأخرى حتى يثبت بلوغه ، واليقين لا يزول بالشك.
قال : [ ومن اعترف بوطء امته في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة فأزيد لَحِقَهُ ولدها إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه ]
اعلم أن المشهور في المذهب وهو قول الجمهور وهو الراجح : أن الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء ، ودليله دليل المسألة التي تقدم ذكرها ، إذاً الحنابلة فرقوا بين الحرة والأمة ، فقالوا : إن الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء ، أما بمجرد إمكان الوطء فلا ، وأما الزوجة فإنها تكون فراشاً بمجرد إمكان الوطء ، ففرقوا بين الزوجة والسرية، وهنا اعترف رجل أنه قد وطء أمته في الفرج فولدت لنصف سنة فأزيد فإنه يلحقه ولدها ، لقول النبي r : ( الولد للفراش ) ، إلا أن يدعي الإستبراء ، أي يدعي أنه قد استبرأها بحيضة فيقول مثلاً : " أنا قد وطئت هذه الأمة لكن استبرأتها بحيضة فقد حاضت بعد وطئي لها ، ثم بعد ذلك حملت وعليه فلا يكون الحمل منه ، لأنه قد استبرأها بحيضة ، فيقبل قوله وذلك لأن هذا أمرٌ خفي ، لا يعلم إلا منه فيقبل قوله فيه ، لكن يحلف على ذلك لحق الولد فإن هذه اليمين تمنع الولد من نسبه إلى هذا الرجل ، فهذه اليمين قد تعلق بها حق الآدمي.
وكذلك لو اعترف أنه وطء أمته دون الفرج ثم ولدت لنصف سنة فأزيد فكذلك يلحق الولد به ، وذلك لأنه لا مانع من أن يلج ماؤه فرجها وهو واقع ، ثم هي فراشٌ له وقد قال النبي r : ( الولد للفراش).
قال : [ وإن قال وطئتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل أو عزلت لحقه ]
إذا قال : " أنا قد وطئتها في الفرج ولم أنزل " ، أو قال : " عزلت " ؛ فإنه يلحقه أيضاً، أو قال: " وطئتها دون الفرج ولم أنزل " فإنه يلحقه أيضاً، وعن الإمام أحمد : أن قوله يقبل ولا يلحقه النسب.
والقول الذي يترجح لي في هذه المسألة : هو التفصيل ؛ فيقال إن اعترف أنه وطئها في فرجها ثم ادعى أنه لم ينزل أو أنه قد عزل فإن الولد يلحقه ، ويدل عليه ما ثبت في مسلم ؛ أن رجلاً قال للنبي r : يا رسول الله إن عندي جارية وأنا أعزل عنها فقال النبي r : ( إن ذلك لا يمنع مما أراد الله شيئاً ) ، ويدل عليه ما ثبت عند الشافعي بإسنادٍ صحيح أن عمر قال : " ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلون ، لا تأتيني أمة اعترف سيدها أنه يطأها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا " – وأما إن كان قد اعترف أنه قد وطئها دون فرجها وقال : إنه لم ينزل ، أو قد عزل ، فالذي يترجح أنه لا يلحق به ، وأن قوله يقبل بيمينه وذلك للفرق بين المسألتين ؛ فهنا لم يطأها والولادة إنما تكون بالوطء ، وكونه قد عزل عنها أو لم ينزل عندما باشرها فيما دون الفرج ؛ هذا يمنع أن يتسرب شيءٌ منه إلى فرجها بخلاف ما لو أنزل فإنه لا يمنع من تسرب شيءٍ إلى فرجها فلا ينسب الولد إليه ، لأنه لا ولد إلا بجماع وهنا لا جماع وكذلك لا مظنة ، لأنه لو كان قد باشرها دون الفرج فأنزل فإنه لا مانع من أن يكون تسرب شيءٌ إلى فرجها فيكون ذلك مظنة ، وأما هنا فليس الأمر كذلك و هذا قول لبعض الحنابلة ، والله أعلم.
قال : [ وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد بدون نصف سنة لحقه والبيع باطل ]
إذا أعتق أمةً أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولدٍ دون نصف سنة فحينئذٍ نعلم أنه منه ، لأنه لو كان نصف سنة فأكثر لاحتُمل أن يكون من هذا المشتري الجديد، لكن هنا لدون نصف سنة فحينئذٍ نعلم أنه منه فنلحق الولد به ، والبيع يكون باطلاً، لأنها تكون أم ولدٍ له ، وقد تقدم أن المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور أن أم الولد لا يحل بيعها.
وهنا مسائل :
q المسألة الأولى : أن الشبه غير معتبر مع الفراش ؛ فإذا ثبت الفراش فإن الولد يلحق بصاحب الفراش وإن ثبت الشبه لمدّعٍ غيره ، ففي الصحيحين عن عائشة قالت : اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلامٍ ، فقال سعد بن أبي وقاص : هو ابن أخي عتبة عهد إلي أنه ابنه وانظر إلى شبهه ، وقال عبد بن زمعة : هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته ، فنظر رسول الله r فوجد به شبهاً بيناً بعتبة – إذاً هنا تعارض بين الشبه والفراش فالشبه لعتبة والفراش لزمعة – فقال النبي r : ( هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، ثم قال النبي r : ( احتجبي منه يا سودة بنت زمعة ) ، و سودة هي زوج النبي r أمرها أن تحتجب منه احتياطاً لوجود الشبه.
q المسألة الثانية : أنه إذا لم يثبت فراش فادعى رجل أن هذا ابن له – أي من الزنا – فهل يلحق به أم لا؟
قولان لأهل العلم :
1. القول الأول وهو مذهب الجمهور : أنه لا ينسب إليه.
2. القول الثاني : وهو قول إسحاق وطائفة من التابعين وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه ينسب إليه حيث لم يعارض الفراش أي ليس ثمة فراش معارض ، قالوا : لأن هذا - أي الملحق به – أحد الزانيين ونحن نلحقه بأمه، فإذا ثبت أن هذه المرأة قد زنت وأن هذا ولد لها من الزنا فإنه يلحق بها ويرثها وترثه ويتصل بقرابتها كاتصال ولدها وهي أحد الأبوين الزانيين، فكذلك الآخر إذا ادعاه وليس ثمة معارض وهو الفراش ، فهذا الذي ادعاه أبوه من الزنا ، وقد قـال النبي r في حكايته لقصة جريج أنه قال للولد : من أبوك ، فقال : الراعي ، والراعي أبوه من الزنا.
وقال الجمهور: بل لا يلحق به ، واستدلوا بما روى أبو داود في سننه أن النبي r : { قضى أن كل مستلحق يستلحق بعد أبيه الذي يدعى له، إن كان من أمة يملكها يوم أصابها فادعاه ورثته فإنه يلحق به ، ثم إن ألحق به وكان هناك ميراثٌ قد قسم فليس له منه شيء، وما أدرك مما لم يقسم فله منه نصيبه – فإذا استلحق مستلحق ولداً بعد أبيه فإن هذا الولد إن كان من أمة يملكها هذا الأب يوم أصابها ثم ادعى الورثة أن ولد هذه الأمة التي كانت ملكاً لأبيه أنه أخٌ لهم فحينئذٍ يلحق به ، وحينئذٍ فما قسم من الميراث فليس له منه شيء ، وما لم يقسم بعد فله منه نصيبه – إلا أن ينكره أبوه ، ولا يلحق به إن أنكره الذي يدعى له – فإن كان أبوه الذي ينسب له الابن وهو مالك الأمة إن كان قد أنكره وهو حيٌ فإنه لا ينسب إليه بعد ذلك لأن الورثة يقومون مقامه ، فنحن إنما قبلنا استلحاقهم لأنهم يقومون مقامه ، وهنا قد أنكر هو فلا يمكن بعد ذلك أن يثبتوا هم ما أنكره هو – وإن كان من أمة لا يملكها أو حرة قد عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرثه – وهذا هو الشاهد – وإن كان قد ادعاه الذي يدعى له – أي وإن كان هذا الأب يدعي في حياته أن هذا ولد له – وإنما هو ولد زنيةٍ من أمة كان أو حرة } والحديث إسناده جيد ، وفيه أنه لو كان هذا المُدعى من أمة لا يملكها من يدعي أنه أبٌ ، أو من حرة قد زنا بها فإنه لا يلحق به ولا يرث منه ولا يرثه.
وهذا هو القول الراجح لثبوت هذا الحديث ، وقال ابن القيم : " إن ثبت هذا الحديث وجب القول بموجبه والمصير إليه ، وإلا فالقول كما قال إسحاق ومن وافقه " ، والحديث إسناده جيد.
والذي يستلحقُ هو الأب أو من يقوم مقامه وهم ورثته ، ويشترط أن يتفقوا على ذلك فإن خالف بعضهم فإنه لا يلحق لأنهم يقومون كلهم مقامه.
q المسألة الثالثة : أن من وطئ امرأةً في شبهة - أي وطء امرأة يظنها زوجته- فحملت من هذا الوطء فإنه يلحق به ، وذلك لأنه وطءٌ يعتقد الواطئ حله ؛ فأشبه الوطء بعقدٍ فاسد كالنكاح بلا ولي ، فإن الرجل إذا نكح امرأةً بلا ولي وهو يعتقد حل ذلك فإن الولد ينسب إليه بلا خلاف ، فكذلك إذا وطئها بنكاح شبهة لأنه يعتقد حل هذا الوطء.
q المسألة الرابعة : القاعدة عند أهل العلم: " أن الولد يلحق بأبيه " لقوله تعالى : ] ادعوهم لآبائهم [ ، إلا المنفي باللعان فإنه ينسب لأمه كما تقدم.
وينسب لأمه في الحرية والرق فإذا كانت أمه حرة فهو حر وإن كان أبوه رقيقاً، وإن كانت أمه رقيقةً فهو رقيق وإن كان أبوه حراً.
وأما في الدين فإنه يلحق بأخيرِهِما ، فإن كان أحد الأبوين مسلماً والآخر كتابياً فإنه يلحق بالمسلم منهما سواءً كان أباً أو أماً ، وإن كان أحدهما نصرانياً ولآخر وثنياً فإنه يلحق بالنصراني سواءً كان أباً أو أماً.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم