عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الرضاع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الرضاع
الرضاع
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

كتاب الرضاع

الرضاع : بفتح الراء وكسرها

وهو في اللغة : مص الثدي.

وفي اصطلاح فقهاء الحنابلة هو مَصُّ مَنْ دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.

هذا تعريفه في اصطلاح فقهاء الحنابلة ويأتي ما فيه من النظر وقد دل الكتاب والسنه والإجماع على ثبوت الرضاع قال تعالى ] وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [

وقال صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة ( يَحْرم من الرضاع ما يَحْرم من الولادة ) متفق عليه وفي الصحيحين من حديث ابن عباس : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )

وقد أجمع أهل العلم على ثبوت الرضاع في الجملة .

قوله :[ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ]

لما تقدم من حديث ابن عباس ، و حديث عائشة ، وما تقدم من الكتاب والإجماع .

قوله : [ والمحرِّم خمسُ رضاعات]

فا لمحرِّم خمس رضعات في المشهور في مذهب أحمد و مذهب الشافعي.

 ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت : ( كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي النبي e وهن فيما يتلى من القرآن ) أي أن بعض الناس لم يطلع على النسخ فبقي يتلو هذه الآيات ولا يعلم أنها منسوخة .

وعليه فالآيه الناسخة والمنسوخة كلاهما يتفقان في النسخ اللفظي ، والآية الثانية التي فيها التحريم  بخمس رضعات لم ينسخ حكمها ، وأما الآية الأولى التي فيها أن التحريم بعشر رضعات فقد نسخ لفظها وحكمها .

وذهب المالكيه والاحناف : الى أن مجرد الرضاع يُحرِّم فلو امتص شيئا قليلا من اللبن فإن الرضاع يثبت من غير أن ينظر إلى عدد ، واستدلوا بالإطلاق في قوله تعالى ] وأمهاتكم اللاتي أرضعناكم [ فالآية مطلقه فبمجرد الرضاع يثبت الحكم.

 واستدلوا بقول النبي r في حديث عقبة بن حارث وأنه تزوج أم يحي بنت إهاب فأتته امرأة فقالت : إني أرضعت عقبة والتي تزوج ، فأتى النبي e فذكر له ذلك ، فقـال النبي صلي الله عليه وسلم ( كيف وقد قيل ) ففارقها عقبة فنكحت زوجا غيره رواه البخاري .

فقد أثبت النبي صلي الله عليه وسلم هذا الحكم بمجرد ثبوت الرضاع.

وأجاب أهل القول الأول عن هذه الأدلة ؛ بأنها مطلقة وأن السنة قد قيدتها و بينت أن الرضاع المحرِّم هو خمس رضعات .

وذهب أهل الظاهر وهو رواية عن الإمام أحمد : أن الرضاع المحرِّم هو ثلاث رضعات ، وأدلتهم هي:

ما ثبت في مسلم من حديث عائشة أن النبي r قال : ( لا تحرم المصة والمصتان ) .

وقال من حديث أم الفضل : ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ) وهذه من الأدلة التي يُرد بها على أهل القول الثاني .

وأما الجواب عن استدلالهم أي - أهل الظاهر - فبأن يقال : إن ما ذكرتموه مفهوم فإن قوله ( لا تحرم المصة والمصتان ) مفهومه أن الثلاث تحرم ، و كذلك ( تحرِّم الإملاجة و الإملاجتان) فإن مفهمومه أن الثلاث تحرِّم.

لكن عندنا منطوق ، وهو حديث عائشة وأن الرضاع المحرِّم هو خمس رضعات معلومات والمنطوق مقدم على المفهوم كما هو مقرر في علم أصول الفقه.

إذن الصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية من أن الرضاع المحرِّم هو خمس رضعات معلومات .

واختلف أهل العلم فيما يسمى رَضْعةً :

فالمشهور في المذهب إنه إذا مص الثدي فتركه باختياره أو بغير اختياره فإنها تحسب رضعة ، فلو أنه امتص الثدي ثم انتقل الى الثدي الآخر ، أو قطعه لتنفس أو لعطاس و نحو ذلك فإنها تحسب رضعة أخرى .

والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية وهو وجه في مذهب الإمام أحمد واختاره ابن القيم و الشيخ عبدالرحمن السعدي أن الرضعة المحرِّمه هي الرضعة الكاملة التي يترك معها مص الثدي باختياره .

وأما إذا تركه بغير اختياره كأن ينتقل من ثدي الى آخر أو أن يتركه لتنفس أو نحو ذلك فإن مجموع ذلك يسمى رضعة واحدة .

فرجوعه الى الثدي بعد التنفس أو العطاس لا يعتبر رضعة ثانية بل كلاهما رضعة واحدة .

وهذا هو القول الراجح وهو الذي يدل عليه العرف ، فإن الرجل لا يعد قد أكل أكلتين أو ثلاثا إذا كان قطع أكله لتنفس أو لإنتقال الى طعام آخر أو لشرب ماء أو عطاس أو نحو ذلك ، بل لا يعد في العرف إلا أكلاً أكلة واحدة .

فلو أن رجلا حلف ألا يأكل في اليوم إلا أكلة واحدة فأكل ثم تنفس ثم أكل ، أو أكل ثم شرب ثم أكل ، أو انتقل الى طعام آخر فإنه لا يحنث لأنه لا يعد في ذلك العرف إلا أكلة واحدة .

قوله : [ في الحولين ]

فالرضاع المحرم إنما يكون في الحولين .

قالوا : لقوله تعالى ] والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [  

ولما روي الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا رضاع إلا في الحولين ) وهذا هو مذهب الجمهور .

واختار شيخ الإسلام وهو قول بعض السلف : أن الرضاع المحرِّم ما يكون قبل الفطام سواء كان ذلك في الحولين أو بعدهما ، فلو أنه فطم بعد سنة من ولادته ثم رضع فإن هذا الرضاع ليس بمعتبر عند شيخ الإسلام .

ولو أنه تأخر فطامه الى ما بعد الحولين فرضع بعد الحولين فإن الرضاع معتبر اذن العبرة بالفطام سواء كان هذا في الحولين أو بعدهما ، وهذا هو القول الراجح ويدل عليه أدلة منها:

ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( إنظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة ) أي حيث كان اللبن يسد جوعته وينشر عظمه وينبت لحمه .

ويدل عليه أيضا - وهو أصرح - دلاله ما ثبت في سن الترمذي بإسناد صحيح وصححه الترمذي و غيره ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يُحرِّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعـاء في الثدي وكان قبل الفطام ) والشاهد قول : ( وكان قبل الفطام ) .

وقوله : "في الثدي" أي في زمن الرضاع وفي صحيح مسلم أن النبي e قال : ( إن إبراهيم مات في الثدي فجعل الله له مرضعاً في الجنة )

والجواب عما استدل به أهل القول الأول :

أن قوله : ] يرضعن أولادهن حولين كاملين [  هذا بناءً علي الغالب ، فالغالب في الرضاع أن يكون في الحولين .

وأما حديث : ( لارضاع إلا في الحولين ) فالصواب وقفه علي ابن عباس رضي الله عنه كما رجح ذلك الدارقطني وابن عدي .

فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام:

وذهب أهل الظاهر الى أن رضاع الكبير مؤثر ، فلو رضع ابن عشرين أو ثلاثين فإن الرضاع مؤثر ، وهو قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و دليله : ما رواه مسلم في صحيحه : أن سهيلة بنت سهل زوج أبي حذيفة سألت النبي e فذكرت له أن سالماً مولى أبي حذيفة قد بلغ مبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وأنها ترى في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا وفي راوية أنه ذو لحية فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ارضعيه تحرمي عليه )

قالوا : فهذا يدل على أن رضاع الكبير مطلقا مؤثر وهو قول أم المؤمنين عائشة و أبى ذلك سائر أزواج النبي e - كما في صحيح مسلم - وقالنا : ما نرى إلا أنها رخصة أرخصها النبي e لسالم خاصة .

وما أجابته نساء النبي e وهو جواب الجمهور فقالوا هذا الحديث خاص بسالم هي عندهم خصوصية عين.

واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم : أن الخصوصية خصوصية وصف لا عين وهو القول الراجح في المسالة إذ الأصل عدم الخصوصية ، فلو أن امرأة أخذت لقيطاً فربته عندها فبلغ مبلغ الرجال واعتاد على الدخول عليها وشق عليه أن يستغني عنهم فلها أن ترضعه و إن كان ابن عشرين سنة كما هو اختيار شيخ الإسلام و تلميذه هو القول الراجح.

قوله [ و السعوط و الوجور]

السعوط : أن ينقط الحليب في الأنف.

والوجور : هو أن يصب الحليب فـي فيه أي في الطفل فيثبت حكم الرضاع بذلك.

وكذلك لو جُبِنَ عند الجمهور.

وفي أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعية و وجه عند الحنابلة ما لو حقن في دبر فكل ذلك يثبت به التحريم ؛ وذلك لأن هذا الفعل من سعوط أو وجور أو حقنه أو تجبين يحصل به ما يحصل بالرضاع من الفائدة والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

قوله : [ ولبن الميتة ]

كذلك لبن الميتة يثبت به التحريم كما هو مذهب الجمهور خلافاً الشافعي وذلك لأنه رضاع .

فلو أنه رضع أربع رضعات وهي حية ، ثم رضع منها الخامسة وهي ميته فإن هذا الرضاع مؤثر لأنه يسمى رضاع ولأنه يحصل بهذا اللبن من الميتة ما يحصل من لبن الحية وهذا القول هو الراجح وهو مذهب جمهور العلماء .

قوله : [ والموطورة يشبه أو بعقد فاسد ]

فإذا وطئت المرأة بشبه كان يطأ الرجل امرأة يظنها زوجته فينتج عن هذا الوطء حمل و ثاب من هذا الحمل لبن ، فإذا رضع طفل من هذا اللبن ، فإن هذه الموطوءة  بشبة تكون أماً له ، والواطء بشبة يكون أباً له .

كذلك الموطوءة بعقد فاسد ؛ وذلك لأنه لبن ويحصل منه ما يحصل من لبن الموطوءة بنكاح صحيح ولأن النسب يثبت فثبت الرضاع فإن الرضاع يتفرع عن النسب.

قوله : [ أو باطل ]

فالموطوءة بعقد باطل كمن نكح امرأة في عدتها فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن ، فرضع منه الطفل فالحكم يثبت ؛ لأنه قد رضع من هذه المرأة وهي ذات لبن ويحصل من لبنها ما يحصل من لبن غيرها.

قوله : [ أوزنا محرم ]

فلو زنى بامرأة فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن فكذلك يثبت حكم الرضاع لكن في المسالتين الأخيرتين لا يكون الزاني و لا الناكح نكاحا باطلاً لا يكون أبا له من الرضاع ؛ وذلك لأن الرضاع فرع عن النسب فكما أن النسب لا يثبت فكذلك الرضاع.

قوله : [ وعكسه البهيمة ]

اتفاقا فلبن البهيمة لا يثبت به التحريم باتفاق أهل العلم.

قوله : [ وغير حبلى ولا موطوءة]

إذا رضع من امرأة بكر لم توطأ ، أو رضع من امرأة موطوءة وهي غير حبلى - إذن فيها لبن لكنه لم يثبت من حمل - فإنه لا يثبت به التحريم هذا هو المشهور في المذهب .

وذهب الجمهور ، وهو راوية عن الإمام أحمد : أنه مؤثر للتحريم قالوا : لأنه رضاع فيدخل في قوله تعالى : ] وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم [

وأما الحنابلة : فقالوا : ليس بلبن بل هو رطوبة متولدة فلا يكون قد امتص لبنا بل امتص رطوبة متولدة فلا ينبت لحماً ولا ينشر عظماً.

مرضع هذه المسالة الى أهل الخبرة .

وإن كان من حيث النظر ما ذهب إليه الحنابلة هو الراجح في هذه المسالة ، فلا يتبين أن اللبن الذي يكون في المرأة غير الحامل لا يتبين أن فيه فائدة فينشر عظماً أو ينبت لحماً .

لكن إن قرر أصحاب الخبرة من الأطباء أن البن الذي يكون في غير الحامل فيه النفع الذي يكون في لبن الحامل فيكون له نفس الحكم أي يكون مؤثرا للتحريم ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدماً فالذي يترجح الآن هو ما ذهب إليه الحنابلة .

قوله : [ فمن أرضعت امرأة طفلاً صار ولدها في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية ]

فمتى أرضعت امرأة طفلا بالشروط المتقدمة صار ولدها في النكاح أي في تحريم النكاح قال تعالى : ] وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاع [

ويعتبر ولدها أيضا في إباحة النظر والخلوة والمحرمية ؛ لأنها فرع عن تحريم النكاح بسبب مباح ويدل عليه ما ثبت في الصححين عن عائشة : أن أفلج أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها بعد الحجاب قالت : فأبيت أن آذن له فلما جاء رسول e أخبرته بالذي صنعته فأمرني أن آذن له علي وقال : ( إنه عمك ) فهذا يدل على إباحة الخلوة ونحوها من النظر .

إذن يحرم النكاح ويباح له الخلوة و النظر و المحرمية .

ولا يترتب على الرضاع شيء من الإحكام التي تترتب على النسب من إرث ، أو نفقه ، أو ولاية أو نحو ذلك بل لا يترتب عليه إلا النكاح وما يتفرع عنه من جواز النظر والخلوة و ثبوت المحرميه .

قوله : [ و ولدَ من نسب لبنها إليه بحمل أوطء ]

أي وصار المرتضعُ ولد مَن نُسب لبنها إليه .

وفي مسلم من حديث عائشة المتقدم : أنها قالت يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم (تربت فيمنيك) ، فقد أنكر عليها النبي e وذلك فاللبن للرجل وعليه فثبت له الأبوة من الرضاع .

 

مسـألة : إذا كان له امرأتان فأرضعت إحداهما الطفل رضعتين ، و أرضعت الأخرى الطفل ثلاثا فمجموع إرضاعهما خمس رضعات ، هنا لا أشكال في أن الأمومة لا تثبت لأن كل واحدة منهما لم ترضع هذا الطفل خمس رضعات معلومات ، لكن هل تثبت الأبوة من الرضاع أم لا ؟

قولان لأهل العلم هما وجهان في مذهب أحمد والشافعي :

القول الأول : أن الأبوة لا تثبت قالوا لأنه رضاع لم يثبت الأمومة فلم يثبت الأبوة.

القول الثاني : أن الأبوة تثبت وهو القول الراجح و هو المذهب ؛ وذلك لأن الطفل قد رضع من لبنه ، فاللبن الذي في امرأته لبن له وقد ثبت أن هذا الطفل رضع من لبنه خمس رضعات معلومات.

وليست الأبوة فرعا عن الأمومة كما هو ظاهر القول الأول بل الأبوة أصل منفرد فليس ثبوتُ أبوته فرع لثبوت أمومة المرأة و إنما لكون هذا الطفل قد رضع من لبنه و هو ما يسمى بلبن الفحل.

أما لو كان الرضاع من بناته ، كأن يكون له خمس بنات مثلاً فترضع كل واحدة منهن الطفل رضعه واحدة  فإن الأمومة لا تثبت كما تقدم .

وهل يثبت للأب الجدودة من الرضاع أم لا ؟

هنا لا تثبت ؛ وذلك لأن اللبن ليس له ، وثبوت الجدودة  له من الرضاع متفرعة عن ثبوت الأمومة لبناته فالفرعية هنا متحققه بخلاف الفرعية في المسالة الأولى.

مسـألة :

وهي عكس المسالة المتقدمة .

لو أن امرأة أرضعت طفلاً رضعتين من لبن زوجها ثم طلقها ثم تزوجت آخر فأرضعت هذا الطفل ثلاث رضعات من لبن الزوج الآخر ، فهنا الأبوة لا تثبت وذلك لأن الزوجين كليهما لم يرتضع هذا الطفل من لبنه خمس رضعات معلومات .

وأما المرأة فقد رضع منها خمس رضعات فتكون المرضعة أماً له ؛ وأما الزوجان فليس أحدهما أباً له .

مسـالة : إذا طلق الرجل امرأته و فيها لبن فتزوجها آخر ، فرضع الطفل من لبنها بعـد الزواج الجديد فهل يكون ابنا من الرضاع للأول أو للثاني ؟

في هذا المسالة تفصيل ، فللمسالة أربعة أحوال :

الحالة الأولى : ألا يزيـد اللبن ، ولا تـلد المرأة  ، حملت أو لم تحمل ، أو يزيد ولا تحمل.

فلو أن رجلا طلق امرأته وفيها لبن فتزوجت آخر ولم يزد اللبن على ما هو عليه بسبب النكاح الجديد سواء حملت أم لم تحمل ما لم تلد منه ، أو زاد اللبن بعد الزواج الثاني لكنها لم تحمل فهنا يكون ابنا من الرضاع للأول لأن اللبن على ما هو عليه و لم يتحدد ما ينقله و هذا بإتفاق العلماء.

الحالة الثانية : أن يزيد اللبن بسبب الحمل من الثاني فهنا يكون ابنا لهما جميعا لأن اللبن مشترك.

الحالة الثالثة : أن تلد من الثاني ، ويأتي اللبن بعد الولادة و يزداد فهنا قد اتفق العلماء علـى أن اللبن يكون للثاني ، وأن الولادة فاصلة.

فإن لم يزدد فالمذهب أنه لهما و القول الثاني في المذهب و حكاه ابن المنذر إجماعاً أنه للثاني.

الحالة الرابعة : ألا تلد من الثاني ، لكنها قد حملت منه ، واللبن قد انقطع قبل الحمل ، ثم نشأ بعد الحمل ، بمعنى تزوجت الثاني فانقطع اللبن من الأول ثم حملت من الثاني فنشأ لبن جديد فهنا في المسالة قولان لأهل العلم هما وجهان المذهب :

القول الأول : أنه يكون لهما معاً ، وأن الحمل يكون قد أعاد اللبن و هو المشهور في المذهب.

القول الثاني : أنه يكون للثاني منهما دون الأول.

وهذا هو الراجح وصوبه صاحب الإنصاف وذلك لأن انقطاعه ظاهر في زوال حكمه ، كما أن نشوءه بسبب الحمل ظاهر في أنه للثاني .

قوله : [ ومحارمه محارمه]

أي وصار محارمُ الأب من الرضاع ، محارم المرتضع ،  فالأب من الرضاع له محارم وهم اباؤه وأمهاته ، وأجداده وجداته ، وأعمامه وعماته ، وأخواله وخالاته ، وأبناؤه وبناته ، وإخوته وأخواته ، فهؤلاء كلهم يكونون محارم للمرتضع .

فإذا كان الأب من الرضاع له بنت فإنها تكون أختاً لهذا المرتضع ، وإذا كان لهذا الأب من الرضاع أخٌ فإنه يكون عماً للمرتضع وهكذا سواءً كان بالنسب أو بالرضاع.

قوله : [ ومحارمها محارمه ]

فمحارم المرضعة محارم للمرتضع .

فأم المرضعة تكون جدته ، وأختها تكون خالته ، وأخوها يكون خاله ، وابنها يكون أخاه وهكذا .

قوله : [ دون أبويه وأصولهما وفروعهما ]

فلا يتأثر بالتحريم إلا المرتضع وفروعه ، أما أبواه وأصولهما وفروعهما وهم الحواشي فلا يتأثرون بالتحريم .

فلا يتأثر بالتحريم إلا المرتضع ، وفروعه أي أبناؤه و بناته ، فابن المرتضع تكون المرضعة جدةً له من الرضاع ، و يكون صاحب اللبن جداً له من الرضاع.

وأما إخوان المرتضع وأخواته ، وأعمامه وعماته ، وآباؤه وأمهاته ، فلا دخل لهم بهذا الرضاع . وهذا بإجماع العلماء .

قوله:[ فتباح المرضعة لأب المرتضع ]

فأبو المرتضع هو من الأصول ، فيجوز له أن يتزوج المرضعة التي أرضت ابنه .

قوله : [ وأخيه من النسب ]

فيجوز لأخ المرتضع من النسب ، أن يتزوج أم المرتضع ، وابتنها ، أو خالتها ، أو عمتها ، وذلك لأن التحريم لم يتعلقة به.

قوله : [ وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع ]

فيجوز ان يتزوج ابوه من الرضاع ، أمه من النسب ، ويجوز أن يتزوج أخوه من الرضاع أخته من النسب وهكذا ، فما ذكره المؤلف هنا من باب التمثيل.

مسـالة : هل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة أم لا ؟

بمعنى هل تحرم عليك أمَّ زوجك من الرضاع ، أي لك زوجة ولها أم من الرضاع فهل تحرم عليك؟

وهل تحرم عليك زوجة أبيك من الرضاع ، أي لك أب من الرضاع وله زوجة فهل تحرم عليك؟

وهل تحرم عليك زوجه ابنك من الرضاع ، وهل تحرم عليك ابنة زوجتك من الرضاع ؟

جماهير أهل العلم على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة وحكي ذلك إجماعاً .

و قال شيخ الإسلام : ( إن كان أحد قد قال بعدم التحريم فهو أقوى ) و نصر ذلك تلميذه ابن القيم أي القول بأنه لا يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة لقوله تعالى : ] وأحل لكم ما وراء ذلكم [  والنبي e إنما قال : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وفرقٌ بين النسب وبين المصاهرة ، وقد قال تعالى : ] وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً [

ومما يدل على هذا قوله تعالى ] و أمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم[  إلى قوله ] و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم [

وهذا الإطلاق لا يدخل فيه زوجه الابن من الرضاع ، ولا أم الزوجة من الرضاع ، ولا بنت الزوجة من الرضاع.

يدل على ذلك أن الله تعالى قال قبل ذلك : ] وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة[  فلم يكتف بقوله ]  حرمت عليكم أمهاتكم [  عن قوله ]  وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم [  و لم يكتف بقوله ] أخواتكم [ عن قوله ]  وأخواتكم من الرضاعة[  فدل علي أن الأخت إذا أطلقت لا تدخل فيها الأخت من الرضاع و أن الأم إذا أطلقت لا تدخل فيها الأم من الرضاع.

وكذلك أمهات النساء إذا أطلقن فلا يدخل فيهن أمهات النساء من الرضاع .

وقد نصر هذا القــول ابن القيم ، و نفى أن يكون فيه إجماع ، وهو من الإجماع الظني وغاية ما فيه عدم معرفة الخلاف .

و الراجح ما ذهب إليه الجمهور لحديث ( يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة ) و امراة الابن حرمت لولادة الابن و هكذا.

مسـالة : اللبن المشوب بالماء هل يثبت به التحريم أم لا ؟

الجواب : إن كان اللبن المشوب ويحصل فيه ما يحصل باللبن غير المشوب ، من كونه يُنشز العظم ،  و ينبت اللحم فإن الحكم يثبت فيه فإذا شربه كانت رضعة و ضابطه في المذهب إن يكون لونه و طعمه وريحه باقيه.

مسـالة :

كره الإمام أحمد رحمه الله أن تُستَرضَع الفاجرة ، و الكافرة ،  و الحمقاء وقد ورد عن عمر بن الخطاب و عمر بن عبدالعزيز أنهما قالا : (اللبن يشبه) كما في سنن البيهقي وقال الموفق رحمه الله : ( كان يقال الرضاع يغير الطباع ) فلما خشى من تأثر الرضيع بالمرضعة فإنه يكره أن تُسترضع الحمقاء أو المشركة أو الفاجرة .

وفي أبي داود  والحديث مرسل أن النبي e : (نهى أن تُسَتْرضَع الحمقاء) .

مسـالة :

المشهور في مذهب الإمام احمد : أن الرضاع يثبت بشهادة امرأة ثقة فإذا شهدت امرأة ثقة بالرضاعة فإنه يثبت هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب أهل الظاهر .

وقال الأحناف : لا يثبت إلا بشهادة رجل وامرأتين

وقال الشافعية : لا يثبت إلا بشهادة أربع نسوة .

وقال المالكية : لا يثبت إلا بشهادة امرأتين.

واصح هذه الأقوال القول الأول و دليله ما تقدم في قصة عقبة بن الحارث وهي ثابتة في البخاري ، وأن النبي e قال ( كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما )

قال الشعبي : (كان القضاة: أي من السلف يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة المرأة الواحدة في الرضاع ) فهو مذهب جمهور السلف.

و عنه وهو قول اسحاق أنه تستحلف و روي عن ابن عباس " و أنها إن كذبته لم يحل الحول حتى تبيض ثدياها " أي بالبرص

والحاجة داعية إلى ذلك فإن الرضاع الغالب فيه ألا تشهد فيه إلا المرأة والواحدة أو المرأتان .

قوله : [ ومن حرمت عليه ابنتها فأرضعت طفلة حرمتها عليه وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجته]

مَنْ حرمت عليه ابنتها كالأم ، و الأخت ،  و بنت الأخت ، وبنت الأخ ونحوها ، فأرضعت طفلة فإنها تحرمها عليه وتفسخ نكاحها منه إن كان قد تزوجها .

فمثلاً : الأخت ابنتها من النسب محرمة على أخيها فإذا أرضعت طفلة فإنها تُحرِّمها على أخيها .

 قوله : [ وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها ]

هذا المسالة في إفساد المرأة نكاح نفسها ، وهذه المسالة وإن كانت نادرة لكن وقوعها ممكن وصورة هذه المسالة ان يكون للرجل امرأتان امرأة كُبرى ، وامرأة صغرى ، والمرأة الصغرى لا تزال في الحولين فترضع زوجته الكبرى زوجته الصغرى فحينئذ تكون الصغرى ابنةً له من الرضاع ، والكبرى تكون أمَّ زوجته من الرضاع فتحرم عليه المرأتان جميعاً .

أما الأولى ؛ فلأنها ابنته من الرضاع ، وأما الثانية ؛ فلأنها أم زوجته من الرضاع.

فإذا أفسدت المرأة نكاح نفسها وكان ذلك قبل الدخول ، فلا مهر لها ؛ وذلك لأن الفرقة قد أتت من جهتها .

قوله : [ وكذا إن كانت طفلة فدبت فرضعت من نائمة ]

كذلك إن كانت له زوجة وهي طفلة فدبت هذه الطفلة فرضعت من نائمة كأمه أو أخته ، فإنها تحرم عليه لأنها تكون أخته أو ابنة أخته من الرضاع فتحرم عليه .

فهذه لا مهر لها لأن الفرقة من قِبَلها .

قوله : [ وبعد الدخول مهرها بحاله ]

أما إذا كان هذا الإفساد بعد الدخول فإن المهر لها بحاله  ؛ وذلك لأن المهر يستقر بالدخول.

إذن إذا أفسدت نكاحها بنفسها وكان ذلك قبل الدخول فلا مهر لها ، وأما بعد الدخول فلها المهر ، هذا هو مذهب جمهور أهل العلم .

والقول الثاني في المسالة وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله أن خروح البُضع عليها مُتَقوَّم ، فهي قد أخرجت بفعلها بُضْعَها من ملكية هذا الرجل والبضع متقوم ،  ولا شك أن هذا هو العدل وهذا هو الأصح .

قوله : [ وإن أفسده غيرها فلها على الزوج نصفُ المسمى قبله وجميعه بعده ]

فالمسالة المتقدمة حيث كان المُفْسد هو المرأة بنفسها ، وأما هنا فالمُفسد هو غيرها .

فإذا أفسده غيرها ، فلها على الزوج نصف المسمى قبل الدخول و جميعه بعده لأن الفرقة لم تأت من قِبلِها ، ولا فعل لها في فسخ النكاح فثبت لها الحق من المهر.

قوله : [ ويرجع به الزوج على المُفْسد ]

فالزوج يعطيها المهر ،  إما نصفه حيث كان لم يدخل بها ،  و إما جميعه حيث دخل بها و يرجع على المفسد فالمفسد هو الذي حصلت هذه الفرقة بسببه وهي المُرضعة فيرجع الزوج عليها لذلك وذلك لأن الإفساد جاء من قبلها أي من قبل هذا المرضعة.

 قوله : [ ومن قال لزوجته أنت أختي لرضاع بطل النكاح ]

 إذا قال الرجل لزوجته أنت أختي لرضاع  ، أو أنت عمتي لرضاع ونحو ذلك ، فإن النكاح يبطل ؛ وذلك لأنه قد أقر على نفسه بما يثبت معه فسخ النكاح فلزمه ذلك .

قوله : [ فإن كان قبل الدخول وصدقته فلا مهر ]

فإذا كان هذا قبل الدخول وصدقته فلا مهر لها ، فمثلا عقد على المرأة ولم يدخل بها ثم قال أنت أختي في الرضاع وصدقته المرأة فلا مهر لها ؛ وذلك لإنهما قد اتفقا على بطلان هذا النكاح ، والنكاح الباطل لا مهر فيه.

قوله : [ وإن أكذبته فلها نصفه ]

إذا قالت له أنت كاذب فلها نصف المهر - أي قبل الدخول - وذلك لأن هذا القول منه فيه إسقاط حقها فلم يلزمها قبوله بلا بينه ، أما إذا كانت هناك بينه فيلزمها قبوله ، وهذا ظاهر لكن الكلام هنا حيث لا بينه .

قوله : [ ويجب كُّله بعده ]

سواء صدقته أو أكذبته فإذا كان ذلك أي قوله لها أنت أختي من الرضاع بعد الدخول فلها المهر كاملاً سواء صدقته أو أكذبته وذلك لإستقرار المهر بالدخول .

لكن إن مكنته من نفسها فاستحل فرجها وهي تعلم أنها أخته من الرضاع ، وطاوعته ، ومكنت نفسها له فهي زانية ، والزانية لا مهر لها.

إذن هنا حيث كانت جاهلة أو مكرهه فلها المهر بما استحل من فرجها.

قوله : [ وإن قالت هي ذلك وأكذبها فهي زوجته حكماً]

إذا قالت المرأة لزوجها أنت أخي من الرضاع  وأكذبها فهي زوجته حُكما أي في الظاهر.

وذلك لأن قولها بإسقاط حقه لا يلزمه قبوله فهو قول منها في فسخ النكاح ، والنكاح حق له ، وهذا القول يترتب عليه إسقاط حقه فيفسخ النكاح، فلم يلزمه القبول ، فحينئذ تكون زوجته في الحكم الظاهر وأما في الباطن فإما أن تكون صادقةً في نفس الأمر وإما أن تكون كاذبة .

فإن كانت صادقة فالنكاح باطل ويجب عليها أن تفتدي نفسها منه و ألا تمكنه من نفسها ، وأما إن كانت كاذبة في قولها فالنكاح صحيح في الظاهر وفي الباطن .

قوله : [ وإذا شك في الرضاع أو كماله أو شكت المُرضعة ولا بينة فلا تحريم ]

إذا شك في الرضاع و لا بينه فلا يدري هل ثبت هذا الرضاع أم لم يثبت ، أو شك في كماله ولا بينه ، لا يدري هل ارضعته خمساً أم أربعاً ، أو شكت المرضعة في ثبوته أو كماله ولا بينه فإنه لا تحريم في الكل ، وذلك لأن الأصل عدم الرضاع والأصل هو الحل قال تعالى : ] وأحل لكم ما وراء ذلكم [ واليقين لا يزول بالشك.

و إن كان لا يدري هل أرضعته قبل الفطام أو بعده ، وعلى القول المرجوح لا يدري هل أرضعته في الحولين أو بعدهما فالمذهب التحريم لأن الأصل الإرضاع في الصغر.

 

 

 

 

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net