عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النفقات
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - النفقات
النفقات
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

كتاب النفقات

 

النفقات : جمع نفقه وهي في اللغة : الدراهم ونحوها من الأموال.

وأما في اصطلاح الفقهاء فهي : إعطاء من يَمُونهُ ما يكفيه قوتاً ومسكناً وكسوة وما يتبع ذلك .

 

قوله : [ يلزم الزوج نفقة زوجته ]

إجماعا ، قال تعالى : ) لينفق ذو سَعَة من سَعَته ومن قدر عليه رزقة فلينفق مما آتاه الله (

وقال تعالى : ) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم (

وقال r كما في الصحيحين من حديث هند بنت عتبة : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف )

وقال r : ( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) رواه مسلم .

وفي أبي داود والنسائي و ابن ماجه بإستاء جيد أن النبي e لما سئل عن حق الزوجة قال : ( أن تُطعمها إذا طَعِمت وتكسوها إذا اكتسيت ) الحديث .

فقد دل كتاب الله وسنة نبيه وإجماع العلماء على وجوب النفقة على الزوجة سواء كانت الزوجة موسرةً أم معسرةً.

 

قوله : [ قوتا وكسوة وسكناها بما يصلح لمثلها ]

قوتا : من إدام أو لحم أو غير ذلك .

وكسوة وسكنى بما يصلح لمثلها وفي العرف لقوله e : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) وفـي الحديث الآخر : ( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) .

 

قوله: [ ويعتبر الحاكم ذلك بحاليهما عند التنازع ]

فإذا تنازع الزوجان في النفقة فإن الحاكم أي القاضي يعتبر ذلك بحالهما جميعا أي بحال الزوج وحال الزوجة فالاعتبـار بحاليهما جميعا وبيـان ذلـك:

 

قوله : [ فيفرض للموسرة تحت الموسر قدر كفايتها ]

وكذلك في الصورة الثانية والثالثة نفرض لها قدر كفايتها ، فالكفاية واجبة في المسائل كلها لقوله r لهند : ( خذي ما يكفيك ) .

وقال الشافعي : تأخذ مُدين من قمح إن كانت تحت موسر و مداً إن كانت تحت معسر و مداً ونصف إن كانت تحت متوسط ، وهذا القول ضعيف ولا دليل عليه .

والجمهور على أنها تأخذ الكفاية سواء كانت تحت موسر أو معسر أو متوسط.

لكن الطعام يختلف باختلاف الإعسار واليسار وأما الكفاية فإنها تأخذها

قوله: [ من أرفع خبز البلد وأدمه ، ولحماً عادة الموسرين بمحلهما ]

فمرجع ذلك الى العادة وهذا الكلام من المؤلف إيضاح لما جرت العادة به عندهم .

 

قوله : [ وما يلبس مثلها من حرير وغيره ، و للنوم فراش ولحاف وإزار ومخدة ، وللجلوس حصير جيد و زِلِّي ]

"و زِلِّي ": نوع من الحصر ، وهذا كله لما جرت العادة عندهم به .

وأما نحن فيختلف الأمر عندنا – فالأرز واللحم أرفع القوت وما يتبع ذلك من فواكه وخضراوات و نحوها و غرف النوم و ما يتبعها والمساكن أيضا .

فالمقصود : أن لها أرفع المساكن وأرفع المطاعم وأرفع الفرش وأرفع الألبسة .

 

قوله :  [ و للفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد وأدم يلائمه وما يلبس مثلها وما يجلس عليه ]

قوله : " يلائمه " أي يلائم هذا الخبز

 

قوله : [ وللمتوسطة مع المتوسط ، والغنية مع الفقير وعكسهما ما بين ذلك عرفاً ]

فإذا كانت متوسطة مع متوسط ، أو هي غنية و زوجها فقير ، أو هي فقيرة و زوجها غني فحينئذ يكون الوسط لأن الاعتبار بحال الزوجين معاً ، هذا هو المشهور في مذهب الإمام احمد .

وقال المالكية والأحناف : بل الاعتبار بحال الزوجة فإذا كانت الزوجة غنية فيجب على زوجها أن يكسوها وأن يطعمها وأن يسكنها ما يكون للأغنياء وإن كان هو فقيراً أو متوسطاً .

و إن كانت فقيرةً فينفق عليها نفقه الفقراء ولو كان غنياً ، قالوا لحديث : ( خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف )

وقال الشافعية وهو قول في مذهب الإمام احمد : أن الواجب أن ينظر الى حال الزوج فإن كان الزوج موسراً فنفقة موسر وإن كان معسراً فنفقة معسر ، وإن كان متوسطاً فنفقة متوسط ، واستدلوا : بقوله تعالى : ) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ( وهذا القول هو القول الراجح وهو ظاهر القرآن وأما حديث هند بنت عتبة : فهي قضية عين ، وأبوسفيان رضي الله عنه كان من الأغنياء .

 

قوله  : [ وعليه مؤنة نظافة زوجته ]

فما يكون من ماء تحتاج إليه للنظافة أو سدر وغيره من أدوات التنظيف وأجرة الماشطة و المشط ونحو ذلك مما تحتاج إليه في التنظيف فإنه يجب على الزوج وذلك لجريان العادة به .

وعللوا هذا أيضا بتعليل ضعيف فقالوا :أنها كالدار المستأجرة فكما أن المستأجر يجب عليه أن ينظف داره فكذلك يجب عليه أن يقوم بمؤنة تنظيف زوجته والأولى أن يقال لجريان العادة بذلك .

 

قوله : [ دون خادمها ]

فالخادم الذي يكون للزوجة لا يجب على الزوج ان ينفق عليه للتنظيف وذلك لأن التنظيف غير مراد فيه وقيل : بل يلزم

و الأظهر : أن هذه المسالة راجعة الى العرف فإن حكم العرف بذلك وجب و إلا فلا .

ويجب على الزوج ان كانت المرأة ممن جرت العادة والعرف بأن يخدم مثلها فيجب عليه الخادم كأن تكون من ذوي الأقدار العالية أو أن تكون مريضة تحتـاج الـى من يخـدمها وهـذا لقوله تعالى : ) وعاشروهن بالمعروف ( ولا شك أن هذا من المعروف .

فإن قالت المرأة : أنا اخدم نفسي واعطني الأجرة ، فهل يجب عليه ذلك ؟

الجواب : لا يجب عليه ذلك ، وذلك لأن الأجرة عليه فكان الخادم إليه ، ولأن إخدامها يوفر هذه المرأة لحقوق زوجها ، وأيضا فيه إعلاء لقدرها وفيه توفير لها لزوجها لتقوم بحقوقه .

ولا يجب عليه ان يُملَّكها الخادم بل يجب عليه ان يأتي بمن يخدمها و إن لم يكن ذلك على سبيل التمليك .

وقوله : " وعليه مؤنه نظافة زوجة " ظاهره أنه ليس عليه مؤنة تزيينها ، فليس عليه أن يعطيها مالاً للكحل أو لتزيين الوجه أو للبس الحلي ، أو للطيب ونحو ذلك مما تتزين به المرأة – وهذا هو المذهب - وذلك لأن حق الاستمتاع بالمرأة له فلا يجب عليه ما يدعو الى الاستمتاع بها والتزين يدعوه الى الاستمتاع بها .

وهناك وجه في المذهب : أن ذلك واجب عليه ، والذي يترجح أن هذه المسالة راجعة الى العرف وكون ذلك يراد للاستمتاع فليس ذلك مختصاً بالاستمتاع بل المرأة أيضا تحتاج الى التزين و التجمل عند بنات جنسها .

 

قوله: [ لا دواء و اجرة طبيب ]

لا يجب عليه ان يعطيها مالاً لطبيب استأجرته ، ولا ان يدفع لها مالاً لتشتري به الدواء .

قالوا : لأن ذلك من الحاجيات غير المعتادة وإنما يكون لعارض.

وعلله بعضهم بتعليل ضعيف وهو أن يقال : إن المرأة كالدار المستأجرة فإذا فسد شيء من الدار المستأجر كأن يسقط شيء من أطرافها فلا يجب عليه أن يصلح ذلك .

ولا شك ان هذا تعليل ضعيف ، فكيف تقاس المرأة بالدار المستأجرة وقد أمر الله بمعاشرتها بالمعروف .

والقول الثاني في المسالة وهو قول في المذهب : وجوب ذلك على الزوج وهو أظهر .

لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف وقد قال تعالى : ) وعاشروهن بالمعروف ( فليس في المعاشرة بالمعروف أن تمرض المرأة فلا يأتي لها بطبيب و لا يدفع له أجرة .

وقد قال تعالى : ) ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ( فالصحيح وجوب ذلك عليه .

 

قوله : [ فصلً : ونفقة المطلقة الرجعية وكسوتها وسكناها كالزوجة ]

فالمطلقة الرجعية لها النفقة ولها السكنى كالزوجة قال تعالى : ) لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينه ( ولأن الرجعية زوجة ، وفي النسائي أن النبي e من حديث فاطمة بنت قيس : ( إنما السكنى والنفقة لمن تملك الرجعة )

 

قوله : [ ولا قسم لها ]

كما تقدم في الكلام على القسم بين النساء في باب عشرة النساء

 

قوله :  [ والبائن بفسخ أو طلاق لها ذلك إن كانت حاملاً ]

البائن بفسخ كالمختلعة أو البائن بطلاق وهي من بت طلاقها لها النفقة إن كانت حاملًا لقوله تعـالى : ) و إن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن (

وفي مسند احمد و سنن أبي داود في حديث فاطمة بنت قيس أن النبي e قال : ( لكِ النفقة إن كنت حاملاً ) و لها الكسوة و السكنى لدخولها في النفقة و هو المذهب.

وظاهر كلام المؤلف – وهو المذهب – أنه لا نفقة لها ولا سكنى إن لم تكن حاملاً وهو الذي دل عليه حديث فاطمة بنت قيس ففي صحيح مسلم قالت : " طلقني زوجي ثلاثاً فلم يجعل لي النبي e سكنى ولا نفقة ".

وقد قال تعالى بعد قوله : ) لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ( قال تعالى : ) لا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً ( وهذا يدل على أن قوله تعالى : ) لا تخرجوهن من بيوتهن ( الآية إنما هي في المطلقة الرجعية بدليل قوله تعالى : ) لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ( أي رجعة والمطلقة البائن لا يمكن ان يحدث أمر فقد بت طلاقها.

 

قوله : [ والنفقة للحمل لا لها من أجله ]

 هذه النفقة التي تجب للمطلقة البائن الحامل ، هي للحمل فقط لا لها من أجله هذا هو المشهور في المذهب .

قالوا : لأن النفقة تجب بوجوده – أي الحمل- ولا تجب بعدمه فدل ذلك على أن النفقة للحمل. وعليه فلو كانت امراته ناشزاً و هي حامل فيجب عليه أن ينفق عليها لأن النفقة للحمل .

و لو أنه لم ينفق عليها للحمل ومضى الزمن ولم تنفق هي بنية الرجعة ولم تستدن هي لتنفق على نفسها بنية الرجعة فإن النفقة تسقط لأن النفقة للحمل ، والحمل ولدٌ فتكون من باب النفقة على الأقارب و ليست من باب النفقة على الزوجات و النفقة على الاقارب تسقط  بمضي الزمان فلو أن رجلاً لم ينفق علي ابنه فإننا لا نأمره بأن ينفق عليه فيما مضى من الزمان إلا أن يكون قد أُنفق عليه بنية الرجوع .

وعن الإمام أحمد رحمه الله : أن النفقة لها من أجله أي للحامل من أجل الحمل ، قالوا : بدليل أنها تجب عند اليسار والإعسار والنفقة على الأقارب لا تجب عند العسر بخلاف الزوجة فإنها يجب الإنفاق عليها في حال الإعسار واليسار.

واختار شيخ الإسلام رحمه الله الجمع بين القولين : فقال النفقة للحمل ولها وهو الصحيح لأن العلتين المتقدمتين قويتان، وعليه فالراجح أنها للحمل ولها والمعنى يدل على ذلك.

أما كونها للحمل فهو ظاهر لأن الحمل ولدٌ له فالإنفاق على الحامل ينتفع به ولده بل بقاء ولده موقوف على النفقة على الحامل ، وأما كونه لها فلأنها تتكلف حمله وتلحقها المشقة في ذلك فكان لها أيضا .

إذن الصحيح : أنها له بدليل أن النفقة تسقط بعدمه وتجب بوجوده وهي لها بدليل وجوب النفقة في الإعسار واليسار وعليه فتجب للناشز ، وعليه أيضا لا تسقط بمضي الزمان لأنها لها ونفقة المرأة لا تسقط بمضي الزمان .

 

 

 

 

قوله : [ ومن حبست ولو ظلما أو نشزت أو تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج أو أحرمت بنذر حج أو صوم أو صامت عن كفارة أو قضاء رمضان مع سعة الوقت ، أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت النفقة ]

 فالنفقة تسقط في هذه المسائل ، أما المسألة الأولى ، فلأن النفقة في مقابل تمكينها نفسها لزوجها وهنا لم تمكن نفسها له .

وأما المسألة الأخيرة وهي قولـه : " أو سافرات لحاجتها ولو بإذنه " فلأنها منعت نفسها منه بسبب من غير جهته ، هذا هو المشهور في المذهب في هذه المسائل كلها .

والقول الثاني في المسالة وهو اختيار الشيخ السعدي وهو الصحيح في هذه المسالة : أن نفقة الزوجة لا تسقط إلا حيث نشزت أو عصت ، وأما ما سوى ذلك فإنها لا تسقط وذلك لأن الأصل هو وجوب النفقة على الزوجة ولا دليل على إسقاطها .

ولا نسلم أن النفقة تجب في مقابل تمكينها نفسها له بدليل أن النفقة تجب للمريضة التي لا يطأها و تجـب للنفساء ، فليس هذا في مقابل تمكينها نفسها له بل تجب النفقة بالزوجية .

و قوله : " أو صامت عن كفارة أو قضاء رمضان مع سعة الوقت " بخلاف ما لو كان الوقت غير متسع كأن تصوم القضاء من رمضان في آخر شعبان ، فهنا لا تسقط نفقتها على المذهب وذلك لوجوب الصيام شرعاً .

وقد تقدم أن الراجح عدم سقوطها مطلقاً إلا إذا نشزت أو عصت .

 

قوله : [ ولا نفقة ولا سكنى لمتوفى عنها ]

تقدم البحث في هذه المسالة وأن الراجح وجوب السكنى لها دون النفقة و هو رواية عن الإمام أحمد .

 

قوله : [ ولها اخذ النفقة كل يوم من أوله ]

للمرأة أن تأخذ نفقة كل يوم من أوله فمثلاً : ما يكفيها من الأرز ومن الخبز ومن الأدم ونحو ذلك فإنها تأخذه من أول النهـار وذلك لأنه أول وقت الحاجة ، وهذا القول فيه نظر ظاهر وذلك لأن العادة لم تجر بمثل هذا بل يرجع في هذا الى العرف والعادة .

 

قوله : [ لا قيمتها ]

فلا يجب عليه أن يعطيها القيمة فلو قالت له : " آخذها دراهم " فإن ذلك لا يجب عليه ، ولا أصل لتقويم الطعام بالدراهم لا في كتاب الله ولا في سنه رسول الله ولا في أقوال الصحابة ولا التابعين ولا أتباعهم ولا نص عليه أحد من أئمة الإسلام كما قرر هذا ابن القيم.

 

قوله : [ ولا عليها أخذها ]

فلو قال الرجل : " أنا اعطيك الدراهم " فقدر لها مائة ريال في كل يوم فلا يلزمها قبول ذلك وهذا ظاهر وذلك لأن الواجب لها ما جرت العادة به والعادة جارية بالطعام لا بقيمته ، ولأنها تحتاج من يشتري لها بهذه الدراهم الطعام.

 

 

 

قوله : [ فإن اتفقا عليه أو على تأخيرها أو تعجيلها مدةً طويلة أو قليلة جاز ]

إذا اتفقا على القيمة ، أو اتفقا على تأخيرها بأن تأخذها في آخر السنة أو اتفقا على تعجيلها بأن تأخذها في أول السنة سواء كان هذا التعجيل أو التأخير مدة طويلة أو قليلة جاز ذلك ، وذلك لأن الحق لهما فلا يعدوهما .

 

قوله : [ ولها الكسوة كل عام مرة في أوله ]

فالكسوة تجب في أول كل عام ، وقيل في أول الصيف كسوة الصيف وفي أول الشتاء كسوة الشتاء ، و الصحيح وهو قول في المذهب : أن ذلك يجب بقدر الحاجة و تبعاً للعرف .

بقدر الحاجة : بمعنى أنها لو لم تبلى كسوتها فلا يجب عليه أن يعطيها في العام الجديد كسوة أخرى ولو بليت كسوتها فيجب عليه أن يعطيها كسوة جديدة ولو كان ذلك قبل نهاية العام.

فالصحيح أنها تجب بقدر الحاجة وهي تتبع العرف وهذا اختيار الشيخ السعدي و ذلك لقوله تعالى: ) وعاشروهن بالمعروف ( فمرجع هذه المسألة إلى العرف .

 

قوله : [ وإذا غاب ولم ينفق لزمته نفقة ما مضى ]

رجل غاب سنة عن امرأته فلم ينفق عليها فيجب أن يعطيها نفقة ما مضى وهي نفقة سنة أو نفقة سنتين أو نفقة ثلاث سنين .

وهذا ظاهر وذلك لأن النفقة تجب لها مع الإعسار واليسار فلم تسقط بمضي الزمان ، فهي حق لها كالأجرة تجب مع الإعسار واليسار فلم تسقط بمضي الزمان .

 

قوله : [ و إن أنفقت في غيبته من ماله فبان ميتاً غرمها الوارث ما أنفقته بعد موته ]

امرأة غاب زوجها فأنفقت في غيبته من ماله فبأن ميتاً فإن الوارث يغرِّمها ما أنفقته بعد موته وذلك لتبيُّن عدم  استحقاها ، لأنها بموت زوجها لا نفقة لها، وعليه الوارث أن يعرفها ما معنى .

القول الثاني في المسألة أن لا يرجع عليها و هو رواية عن الإمام أحمد لأنها محبوسة عليه و هو الراجح.

وتقدم أن الصحيح أن المتوفى عنها زوجها لها السكنى .

 

مسالة :

لو أن رجلاً أنفق على مطلقته البائن يظنها حاملاً فبانت حائلاً أي ليست بحامل ، فله أن يرجع في النفقة وذلـك لتبين عدم استحقاقها، والعكس أيضا : فلو أنه لم ينفق عليها يظنها حائلاً فبانت حاملاً فإنها ترجع إليه بالنفقة وذلك لتبين استحقاقها .


 

فصل

قوله: [ ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها ]

ذكر المؤلف شرطين لوجوب النفقة على الزوجة :

الشرط الأول : التسليم والمراد به التسليم التام وذلك بأن تبذل المرأة نفسها لزوجها.

فإن امتنعت من ذلك أو امتنع وليها أو تساكتا بعد العقد أي الزوجان فلم تبذل ولم يطلب فلا نفقة وهذا الشرط لا خلاف فيه بين أهل العلم .

الشرط الثاني : أن تكون هذه المرأة ممن يوطأ مثلها أي من حيث السن و هذا شرط عند جمهور العلماء.

و من يوطأ مثلها في المشهور في المذهب : بنت تسع سنين والصحيح ما تقدم : و أن السن غير مؤثر هنا بل متى كانت المرأة يمكن وطؤها سواء كانت بيت ثمان سنين أو بنت تسع أو بنت عشر أو بنت اثني عشرة سنة وهذا يختلف باختلاف النساء واختلاف الطبائع .

و الصحيح أن هذا لا ارتباط له بالسن وهو قول في المذهب ، فلو بذلت نفسها أو بذلها أولياؤها وهي صغيرة لا يوطأ مثلها فلا نفقة ، هذا هو مذهب الجمهور ؛ وذلك : لأن لها حالاً أخرى يمكنه أن يستمتع بها استمتاعاً كاملاً ، والحال الأخرى حيث كانت كبيرة و الظاهر أنه تزوجها إنتظاراً لتلك الحال بخلاف ما لو كانت رتقاء أو مريضة أو نفساء أو حائض فإنه يجب عليه أن ينفق عند جمهور العلماء.

والقول الثاني في المسالة وهو قول الثوري وقول في مذهب أحمد : أن المرأة إذا ثبت التسليم التام ببذلها نفسها أو ببذل الأولياء لها فإن النفقة تجب و إن كانت لا يوطء مثلها ، وهذا هو القول الراجح في المسالة ؛ و ذلك لأن الأصل وجوب النفقة على الزوجة ولا مسقط لها و تعذُّر الوطء هنا لعجزها لا لمعصيتها ولا نشوزها.

والمراد بالتام في قولنا " التسليم التام" أن يكون التسلم غير مقيد بقيد لم يشترط في العقد  فلو قالت المرأة لا أسلم نفسي لزوجي إلا في بيتي أو في بيت أبي أو في بلدي ونحو ذلك ولم يشترطا في العقد ذلك فإن النفقة تسقط لأن التسليم ليس بتسليم تام .

أما إذا كان التسليم تاماً ، أو كان مقيداً لكنها قد اشترطت ذلك في العقد فحينئذ تجب النفقة و مثل  ذلك ما لو قيدته بشيء يشهد العرف به فإن النفقة تجب لها .

قوله: [ ولو مع صغر زوج ومرضه وجبه وعُنته ]

وهذا ظاهر لأن عدم الوطء من جهته وليس من جهتها هي ، وأما هي فقد سلمت المُعَوَّض له .

 

 

قوله: [ ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال ]

 فللمرأة أن تمنع نفسها من زوجها بألا تمكنه من وطئها حتى تقبض صداقها الحال.

وكذلك لها أن تمتنع من التسليم التام الذي يترتب عليه الوطء حتى تقبض صداقها الحال.

فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض صداقها الحال وذلك لئلا تفوت عليها منفعة بُضْعها ، فإنه إذا جامعها فقد فاتت عليها منفعة البُضع بحيث لا يمكنها استدراك ذلك و تسليمها قبل تسلم صداقها يفضي الى تسليم منفعتها المعقود عليها بالوطء.

وأما الصداق المؤخر المؤجل فليس لها ان تمنع نفسها من زوجها حتى تأخذه وذلك لأن رضاها بتأجيله يتضمن رضاها بالوطء قبل تسليمه .

قوله: [ فإن سلمت نفسها طوعاً ثم أرادت المنع لم تملكه ]

فإذا سلمت امرأة نفسها طوعاً لا كرهًا فليس لها بعد ذلك ان تمتنع عن زوجها.

قالوا : لأن هذا التسليم منها قد استقر به العوض وهو المهر برضا المسلِّم فلم تمكَّن من استعادة المعوَّض بعد ذلك كالمبيع .

فإذا سلم صاحب السلعة المشتري سلعته ولم يقبض الثمن بعد فإنه لا يُمكَّن بعد التسليم من أخذ السلعة مرة أخرى فكذلك هنا فعذه المرأة قد سلمت نفسها لزوجها فاستقر بذلك المهر وكان ذلك برضا منها فلم تمكن بعد ذلك من الامتناع كالمبيع  هذا مذهب الجمهور وهو أحد الوجهين في المذهب وهو المشهور في المذهب .

والقول الثاني في المسالة وهو قول أبي حنيفة والوجه الثاني في المذهب أن المرأة لها ان تمنع زوجها من وطئها بعد ذلك.

قالوا : لأن التسليم يوجبه عقـد النكاح فلا فرق بين التسليم الأول والتـسليم الثاني ، فكما جاز لها ان تمتنع من التسليم الأول فلها ان تمتنع من التسليم الثاني ، ويفارق هذا المبيع :بأن التسليم مستمر أي باستمرار وطئها بخلاف المبيع أي السلعة فإنها حيث اُستلمت اصبحت ملكاً للمشتري في المرة الأولى .

وأما هنا فالانتفاع ببضعها مستمر فكان امتناعها بعد ذلك لحفظ حقها جائزاً لها.

ولأنها إنما مكنت نفسها بناءً على أنه سيعطيها صداقها وقد منعها صداقها فكان لها أن تعود الى الامتناع و هذا القول اظهر لقوة تعليله.

ولها النفقة حيث منعت نفسها بحق فلو أن امرأة قالت لا أسلم نفسي لك حتى تعطيني صداقي الحال فلم يعطها فيجب عليه أن ينفق عليها في زمن الامتناع ، لأن هذا الامتناع منها بحق والأصل وجوب النفقة على الزوجة ، وهنا المرأة لم تعص ولم تنشز و إنما امتنعت من الوطء  لحفظ حقها و أخذ صداقها فكان هذا الامتناع بحق.

قوله: [ وإذا أعسر الزوج بنفقة القوت أو الكسوة أو ببعضها أو المسكن فلها فسخ النكاح ]

إذا أعسر زوج المرأة بنفقة القوت أو بنفقة الكسوة أو ببعض ذلك أو كان ينفق عليها يوما ويعجز في اليوم الآخر أو عجز عن المسكن فلها فسخ النكاح أي أعسر عن نفقة المعسر لا إن أعسر عما زاد عنها لأنها تسقط بإعساره و إن كانت عالمةً بإعساره قبل العقد.

إذن للمرأة أن تفسخ النكاح بسبب عسر الزوج سواءً كان هذا العسر طارئاً على الزوج أو كان معسراً أصلاً أي بأن تكون عالمة بإعساره قبل الزواج هذا هو مذهب الجمهور.

واستدلوا: بقوله تعالى : ] فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ وبقوله تعالى : ) ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا [ واستدلوا : بما روى الدارقطني عن سعيد بن المسيب أنه قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال : ( يفارقها ) فقيل له ( سنه ) فكان ( سنه) وهذا مرسل صحيح .

وقال الأحناف و هو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار ابن القيم و أختاره من متأخري الحنابلة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي : أن المرأة ليس لها أن تفسخ النكاح حيث أعسر الزوج .

ومن باب أولى إذا كان معسراً في الأصل ثم نكحته وهي تعلم بإعساره ورضيت بذلك .

واستدلوا : بأن العسر كان كثيراً في عصر الصحابة رضي الله عنهم بل كان العسر أضعاف اليسر بل أضعافاً مضاعفة ولم يمكن النبي e امرأة قط من الفسخ بسبب عسر زوجها.

قالوا : و العسر واليسر مطيتان يمتطيهما الناس و أكثر الناس يتقلبون بين عسر ويسر فلو مكنت المرأة من الفسخ في عسر زوجها لحصل في ذلك فساد كبير . قالوا : وقد قال تعالى : ) ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ( وهذا القول الراجح في المسالة .

إلا أن يكون ثمت ضرر على المرأة بأن تكون المرأة فقيرة غير قادرة على التكسب .

أما إذا كانت المرأة غنية أو قادرة على التكسب من غير أن يترتب على ذلك أذى لها فإنه ليس لها أن تفسخ وأما إذا كان هناك ضرر عليها بأن كانت فقيرة غير قادرة على التكسب فإنها لها الفسخ فقد قال e : ( لا ضرر ولا ضرار ) وقد قال تعالى : ) ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا (

وأما أثر سعيد بن المسيب فليس فيه أن الفسخ مطلق فيحمل هذا على ثبوت الضرر على أن الصحيح كما قرر ابن القيم : أنه موقوف على أبي هريرة حيث قال كما في البخاري : ( والمرأة تقول أطعمي أو اطلقي ) ومثل هذا عن أبي هريرة ليس فيه أن لها حق الفسخ لكن فيه الخبر من أن المرأة تطالب بالطلاق أو الإنفاق.

فالصحيح مذهب الأحناف وهو اختيار ابن القيم أن المرأة لا تمكن من الفسخ حيث أعسر زوجها إلا أن يترتب على ذلك ضرر عليها فيدفع الضرر عنها بحق الفسخ لها.

وأما إذا كانت غنية أو قادرة على التكسب فليس لها الفسخ وعليه فليس للزوج أن يمنعها من التكسب بل تمكن من ذلك .

وظاهر كلام الفقهاء : أنها إن اختارت البقاء وصبرت على عسر زوجها فليس له أن يمنعها من التكسب مطلقاً و لو كانت غنية وذلك لأنها محبوسة علية بشرط أن ينفق عليها لكن هذا القول فيه نظر ، فلا يتبين ان المرأة تمكن من التكسب بلا إذن وليها ولو كانت غنية بل إذا كانت فقيرة فنعم ، وأما إن كانت غنية فلا تمكن من ذلك إلا بإذن الزوج وذلك لوجوب طاعة الزوج وهذا الوجوب لا مسقط له فحق الزوج على زوجته ان تطيعه وحيث كانت غنية فلا مسقط لهذا الحق .

والمشهور في مذهب أحمد أنها تمكن من الفسخ على الفور وعند الشافعية أنها تمكن من الفسخ على التراخي وضربوا لذلك ثلاثة أيام ، وعند المالكية ضربوا لذلك شهراً.

و إن أختارت المقام كانت النفقة ديناً في ذمته أي نفقة الفقير.

والصحيح أنها لا تمكن من الفسخ مطلقاً بل تلزم بالبقاء إلا ان يكون ثمت ضرر ، فإن كان ثمت ضرر فإن ذلك على الفور ليدفع عنها الضرر .

قوله: [ فإن غاب ولم يدع لها نفقه وتعذر أخذها من ماله واستدانتها عليه فلها الفسخ بإذن الحاكم ]

 فإذا غاب الزوج ولم يدع لزوجته نفقة وتعذر عليها أخذها من ماله بأن يكون له محل أو دار لها إيجار أو نحو ذلك و تعذر ان تستدين على زوجها فلها الفسخ بإذن الحاكم وهذا بناء على المسالة المتقدمة ، فلها الفسخ أيضا كالإعسار لأنه النفقة قد تعذرت فكان هذا كالإعسار .

وقوله : " بإذن الحاكم " وذلك لأن هذه المسالة من المسائل المتنازع فيها فاشترط فيها إذن القاضي ليثبت الإعسار ثم الفسخ .

والجمهور على أنه فسخ وليس بطلاق في المسألتين كليهما.

فإذا فرق بين المرأة و زوجها لإعساره أو لكونه غائباً ولم يترك لها نفقة فإن هذا الفُرقة فسخ وليست بطلاق فلا تحتسب تطليقه .

وعليه فلا يرجع إليها إلا بعقد جديد ،فمثلا فسخت اليوم ثم تيسرت حاله فإنه لا يرجع إليها إلا بعقد جديد ولا تحتسب عليه تطليقه .

 

 

وهنا مسائل :المسالة الأولى :

أن المرأة إذا كان زوجها موسراً فلها إن ماطل أن تأخذ نفقتها ونفقة خادمها ونفقة أولادها بالمعروف من غير إذنه ولا علمه لقول النبي e لهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) متفق عليه .

وهكذا كل سبب ظاهر لا يحتاج الى إثبات فكذلك كحق الضيف وغير ذلك من الحقوق الظاهرة ، وحق القريب كأن يأخذ الابن من مال والده حيث كان الابن لا ينفق عليه وهكذا .

وأما إذا كان السبب غير ظاهر بل يحتاج الى إثبات كالدين فليس له أن يأخذ ذلك لقوله e : ( أدِّ الأمانة الى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) .

إذن الأخذ من مال الغير حيث كان له فيه حق  لا يخلو هذا الحق من كونه ظاهراً أو خفياً فإذا كان ظاهراً فله الأخذ وإن لم يعلم .

وإن كان خفياً فليس له الأخذ إلا بإذنه و علمه فلو أن رجلاً اخذ منك دينا ثم وضع عندك أمانة وكان قد جحد دينك أو ماطل فيه ، فليس لك أن تأخذ من ماله الذي ائتمنك عليه وليس لك ان تأخذ حقك منه وذلك لأن السبب خفي وليس بظاهر .

وهكذا ما يعتقده بعض الناس من حقه في بيت المال ، فيأخذ على سبيل الخفية وهذا لا يجوز .

فهذا وجه خفي فحينئذ يكون محرماً فقد قال النبي e : ( أد الأمانة الى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) فلا بد أن يكون السبب ظاهراً لا خفياً كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وهذه المسالة تسمى مسالة الظَفَر أي الظفر بالحق .

المسالة الثانية :

إذا مضي زمن لم ينفق فيه الرجل على امرأته فهل تسقط النفقة أو لا تسقط ؟

الجواب : جمهور العلماء على أنها لا تسقط وهو الصحيح الذي يدل عليه أثر عمر بن الخطاب ففي البيهقي (أن عمر كتب  الى امراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا  فإن طلقوا بعثوا بنفقة ماحبسوا ) ، إذن نفقه الزوجة لا تسقط بمضي الزمان .

المسالة الثالثة :

إذا اختلف الزوج و زوجته في النفقة فأنكرت المرأة النفقة ولا بينه لأحد منهما ، فالمشهور في المذهب : أن القول قول الزوجة لأن الأصل معها إذ الأصل عدم النفقة .

والقول الثاني وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام  وتلميذه ابن القيم أن القول قول الزوج إذا شهد له العرف وهو القول الراجح وذلك لأن الأصل الذي ذكره الحنابلة معارض بالظاهر.

فالظاهر حيث سكتت الزوجة أن زوجها ينفق عليها فما تطعمه وأجرة مسكنها و غير ذلك أنه من الزوج فحينئذ يعارض عندنا ظاهر الحال الأصل ، و ظاهر الحال أقوى من الأصل هذا إذا شهد بذلك العرف . أما إذا لم يشهد بذلك العرف كأن لا يكون العرف على ذلك فنقول بالأصل وهو ما تقدم .

 

 

 

    باب نفقة الأقارب المماليك                                                                   

قوله : ( يحب أو تتمتها لأبويه وإن علوا ولولده وإن سَفَل حتى ذوي الأرحام ) :                 

أجمع أهل العلم على وجوب النفقة على الوالدين ووجوب النفقة على الولد

قال تعالى : ) وبالوالدين إحساناً (

قال e : ( أفضل ما يأكل الرجل من كسبه , وإن ولده من كسبه )

وفي الصحيحين أن النبي e قال : لهند بنت عتبة : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف )

إلا أن مالكاً لم يوجبها إلا أن يكون الوالد والداً على المباشرة وكذلك الولد وأما مع الواسطة كالجد أو الجدة أو ابن الابن أو بنت لابن ونحوهم فإن الإمام مالك لم يوجب ذلك 0 

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لظاهر الأدلة : ) وبالوالدين إحساناً ( فالجد والد , والجدة والدة , ولقوله e :

 ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) فابن الابن ولد , وبنت الابن بنت وهكذا 0

وقد قال e : ( إن ابني هذا سيد ) , وقال أبوبكر t وكما في صحيح البخاري : ( الجد والد )

إذن : النفقة واجبة على الوالدين وإن علو , وعلى الأولاد وإن نزلوا حتى ذوي الأرحام منهم

فمثلاً : أم أب الأم هذه من ذوي الأرحام وهي تجب لها النفقة وبنت البنت منهم ذوي الأرحام كما تقدم في كتاب القرآن نص فتجب لهم النفقة وإن كانوا من ذوي الأرحام أي ليسوا من ذوي الفرض ولا التعصيب

فلا يشترط في النفقة على الأصول – وهم الوالدان وإن علوا – ولا الفروع – وهم الأولاد وإن نزلوا – الإرث سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا كذلك فإن النفقه واجبة عليهم لعمومات الأدلة الشرعيه وقد تقدم بعضها 0

قوله : ( حَجَبَه معسر أو لا ) :    

سواءً حجبه معسر أو لا ولذلك لأن الإرث ليس بشرط فمثلاً : إذا كان له جدة أب وأبوه معسر فتجب عليه النفقه وإن كان ليس بوارث فالوارث هنا هو الأب فإن ابن الابن لا إرث له مع الابن فهنا يجب عليه أن ينفق على جده وإن كان الأب موجوداً وهو الوارث وذلك لأن الإرث ليس بشرط

أو لم يحجبه : كأن يكون له جد لأب ويكون أبوه ميتاً وذلك لما تقدم لأن الإرث ليس بشرط 0

فالمقصود : أنه سواء كان محجوباً بمعسر أم لم يكن كذلك فالنفقة واجبة

فالقاعدة : أن النفقة على الأصول والفروع واجبة سواءً كانوا وارثين أم لم يكونوا كذلك 0

قوله : ( وكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم سوى عمودي نسبه ) :

عمودا النسب هما الأصول والفروع , فالنفقة واجبة على كل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم سوى عمودي النسب , فقد تقدم الكلام على عمودي النسب 0

وهنا الكلام فيما سوى عمودي من الحواشي والولاء , هنا يقول : يجب لكل من يرثه بفرض أو بتعصيب لا برحم فالقاعدة في الحواشي : أن النفقة واجبة بشرط الإرث فإن كنت ترثه لو مات فيجب عليك أن تنفق عليه وإلا فلا

فمثلاً : له أخ وهذا الأخ له أبناء فهنا لا يرث أخاه لوجود أبنائه فلا يجب عليه أن ينفق عليه وأما إذا كان له أخ هو يرثه فإن النفقة واجبة له إذن القاعدة في الحواشي أن النفقة واجبة بشرط الإرث بأن يكون المُنفق يرث المُنفَق عليه

قوله : ( سواء ورثه الآخر كأخ أو لا كعمه وعتيق ) :

أي سواءً كان الآخر وهو المنُفَقَ عليه يرث كأن يكون المُنفَق عليه أخ أو كان لا يرث كأن يكون عمه أو عتيقاً

فالشرط في وجوب النفقه هو أن يكون المُنفق وارثاًُ للمنُفَقِ عليه ولا ننظر هل يرث المنُفَق عليه المنُفِق أم لا

 بل سواء ورثه أو لم يرثه , هذا هو المشهور في مذهب الامام أحمد 0              

وقال الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم : تجب النفقة للحواشي مطلقاً سواءً كان المُنفق       

وارثاً أم لم يكن وارثاً 0

إذن : الحنابلة لا يوجبون النفقة على الحواشي إلا إذا كان المُنفق وارثاً فلا يوجبونها للخال ولا للأخ إذا كان له

أبناء وهكذا , واستدلوا : بقوله تعالى : ) وعلى الوارث مثل ذلك (

وأما الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه إبن القيم فقالوا : بوجوبها للخال وغيره من ذوي الأرحام ,

واستدلوا : بعمومات الأدلة الدالة على وجوب النفقة على الأقارب قال تعالى : ) وبالوالدين إحسانا وذي القربى (

وقال تعالى : ) وآتي ذا القربى حقه ( وقال e كما في الصحيحين لما قيل له : من أحق الناس

بصحابتي قال : ( أمك ) قيل ثم من ؟ قال : ( أمك ) قيل ثم من ؟ قال : ( أمك ) قيل ثم من ؟ قال : ( أبوك ) ثم

أدناك فأدناك , وفي الترمذي وأبي داود نحوه وفيه : ( ثم الأقرب فالأقرب ) 0

فهذه أدلة عامة توجب النفقة على الأقارب سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا وارثين وهذا هو القول الراجح في المسألة 0

وأما قوله تعالى : ) وعلى الوارث مثل ذلك ( فهذا فيه أن الإرث يقتضي النفقة وليس فيه أن الرحم لا يقتضي ذلك وعليه فهناك سببان للنفقة :

1- الإرث و يدل عليه قوله تعالى : ) وعلى الوارث مثل ذلك (

2- وهناك سبب آخر وهو الرحم دلت عليه الأدلة الشرعية .

قوله : ( بمعروف ) :

لقوله تعالى : ) وعلى المولود له رزقهن و كسوتهن بالمعروف ( تجب النفقة بالمعروف أي بحسب ما يليق بهم والسكنى والكسوة من النفقة وكذا أيضاً إعفافهِ وهو المشهور في المذهب .

قوله : ( مع فقر من تجب له وعجزه عن تكسب ) :

هذا شرط لا بد منه ، فلابد أن يكون المنفق عليه فقيراً عاجزاً عن التكسب أما لو كان غنياً أو قادراً على التكسب

أي يمكنه أن يتكسب صنعة ونحو ذلك فلا تجب النفقة له لكن لو كان العمل الذي يعمله الأب لا يليق بالمسلم أن

يترك أباه يعمله بأن يكون عملاً ممتهناً فلا شك أن هذا من العقوق وأن ذلك لا يجوز .

إذن : لابد أن يكون فقيراً ليس عنده مال حاصلًا و لا متحصل بصناعة أو غيره .

لكن مثل الوالد والوالدة لو قدرا على التكسب بمهنة ممتهنة عند الناس وهو قادر على أن ينفق عليهما وهما من ذوي الشرف أو دون ذلك فليس مناسباً لهما العمل به ، فليس له أن يتركهما يعملان هذا العمل وذلك لأن هذا من عقوق الوالدين .

قوله : ( إذا فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته وكسوة وسكنى من حاصل أو متحصل ) :

هذا هو الشرط الثاني : وهو غنى المنفق فلابد أن يكون المنفق غنياً وذلك بأن يكون له مال يفضل عن قوت نفسه وقوت زوجته ورقيقه ويومه وليلته , قال e : ( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ) 0

" من حاصل " أي مال بيده 0

" أو متحصل " كصنعة ونحوها .

قوله : ( لا من رأس مال وثمن ملك وآله صنعة ) :

فلا نأمره أن ينفق على قريبة من رأس ماله , كأن تكون له تجارة ومعاشه قائم على هذه التجارة فلا نأمره أن يأخذ من رأس المال لينفق على أقاربه .

كذلك لا نأمره أن يبيع شيئاً من ملكه حيث من ملكه يتضرر بذلك ولا أن يبيع آله الصنعة , لقول النبي e : ( لا ضرر ولا ضرار )

إذن : يشترط أن يكون المُنفِق غنياً وذلك بأن يكون هذا المال الذي أوجبنا أن ينفقه على قريبه أن يكون فاضلاً عن قوته وقوت ولده وقوت زوجته وقوت رقيقة وأن يكون من مال حاصل أو متحصل ، فلا يكون من رأس ماله ولا من ثمن ملكه ولا من ثمن صنعته لحصول الضرر عليه بذلك 0

ومقتضى تعليلهم أن لو لم يكن يتضرر بذلك ، كأن يكون له رأس مال ، ورأس المال فائض عن القدر المناسب كأن تكون هذه التجارة يكفيها عشرة الآف وقد وضع فيها عشرين ألفاً فحينئذ يأخذ من رأس المال لأنه لا يتضرر .

قوله : ( ومن له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم ) :

الحنابلة : يشرطون في الحواشي أن يكون المُنفِق وارثاً للمُنفَقِ عليه فالأب له حكم آخر وأما من له وارث غير أب فإنه ينفق عليه على قدر إرثه .

فـالأب : ينفق وحده على أولاده لقوله e لهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) فالأب يستقل بالنفقة فإنها واجبة عليه .

والمشهور في المذهب مطلقاً لكن إن كان له ابن فالقياس في المذهب كما قال القاضي وأبو الخطاب أن يلزم الأب السدس فقط .

وأما سوى الأب فإنه ينفق بقدر إرثه وقد ضرب المؤلف لذلك مثالاً :

فقال :  (  فعلى الأم الثلث ، والثلثان على الجد )

فلو كان هناك فقير وله أم و جد ، فإن ثلث نفقته تجب على الأم ، والثلثان الآخران يجبان على الجد لأن إرثهم منه كذلك .

قوله : ( وعلى الجدة السدس والباقي على الأخ ) :

فلو كان هناك فقير وله جدة و أخ ، فإن سدس النفقة يجب على الجدة والباقي يجب على الأخ وذلك لأن إرثهم منه كذلك .

وهناك مسالتان : المسالة الأولى :

أن ما ذكره المؤلف هو المشهور في المذهب وأن الواجب أن تكون النفقة بقدر الإرث .

والقول الثاني في المسالة وهو اختيار إبن القيم : أن النفقة مختصة بالعصبة

فالأم لا تنفق والجدة لا تنفق وهكذا ، فالنفقة مختصة بالعصبة أي حيث كان هناك عصبة 0

ففي المسالة الأولى إذا كان هناك فقير وله أم و جد فإن النفقة لا تجب إلا على الجد وهذا هو مذهب الشافعي و رواية عن أحمد وهو القول الراجح في هذه المسالة وذلك لأن الشارع لم يوجب النفقة على الأم بل أوجبها على الأب في قوله e : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) وهذا يدل على أن النفقة تختص بالعصبة وأما من ليسوا بعصبة فإن النفقة لا تجب عليهم 0

المسالة الثانية :

أن المذهب أنه إن كان الباقون غير قادرين على النفقة فلا يجب عليه أن ينفق إلا بقدر إرثه إلا عمودي النسب مثال هذا :

لو كان هناك فقير وله أخ و أخت فعلى الأخ الثلثان وعلى الأخت الثلث ، فإذا كان الأخ معسراً لا مال له ، و الأخت غنية فلا يجب عليها إلا ثلث النفقة ، هذا هو المشهور في المذهب .

وعن الإمام أحمد : أنه يجب عليها الكل ، بمعنى إذا قسمنا النفقة على من يرثه من ذوي رحمه فوجدنا أن بعضهم قادر وبعضهم غير قادر ، فنوجب النفقة كلها على القادرين ، وهذا هو الصحيح ، وذلك لأن الأدلة العامة تدل على وجوب المواساة أي وجوب ذوي الرحم لرحمهم والمواساة إنما تكون بالتمام ، وأما ان يكون بالبعض فلا ، بل لابد أن يعطيه ما يكفيه .

ويستثتنى في المذهب عمودا النسب فيجب عليهم النفقة تامة وإن انفرد بها أحدهم لقوة القرابة .

قوله : ( ومن له ابن فقير و أخ موسر فلا نفقة له عليهما ) :

لو أن رجلاً له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما وذلك لأن الابن فقير فاختل فيه شرط وهو غنى المنفق

وأما الأخ الموسر فلا تجب عليه النفقة في المشهور من المذهب لأنه لا يرث فهو محجوب بالابن الفقير وقد تقدم أن الصحيح وجوب النفقة عليه من قِبلِ الأخ 0

 

قوله : ( ومن أمه فقيرة وجدته موسرةً فنفقته على الجدة ) :

من كانت أمه فقيرة وجدته موسرة , فإن نفقته تجب على الجدة مع أنها لا ترث مع الأم وذلك لأن عمودي النسب لا يشترط فيهم الإرث والجدة من عمودي النسب 0

قوله : ( ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته ) :

فإذا أوجبنا النفقة على الأب على ولده فكذلك ينفق على زوجته وذلك لأن هذا من تمام حاجته وكذلك يجب عليه أن يُنكحه إن كان قادراً على ذلك لأنه من تمام حاجته وهذا هو المشهور في المذهب , قال شيخ الإسلام وعلى الولد الموسر أن ينفق على أبيه المعسر وزوجة أبيه وعلى إخوانه الصغار 0

قوله : ( كظِئرٍ لحولين ) :

الظئر : هي المرضعة 0

أي يجب الإنفاق على المرضعة لحولين لقوله تعالى : ) والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ( إلى أن قال سبحانه : ) وعلى الوارث مثل ذلك ( فإذا أرضعت امرأةٌ ولده فإنه ينفق عليها 0

قوله : ( ولا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاء ) :

هذا شرط ثالث في وجوب النفقة وهو اتفاق الدين فلا يجب عليه أن ينفق على أبيه الكافر ولا على ولده الكافر ولا على أخيه الكافر 0

فيشترط اتفاق الدين في وجوب النفقة , إلا في الولاء وذلك لثبوت الإرث مع الولاء فإذا كان عتيقه كافراً فإنه يجب عليه أن ينفق عليه هذا هو المشهور في المذهب 0

وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد : بل تجب النفقة بشرط اتفاق الدين إلا في عمودي النسب فالأب يُنفَق عليه وإن كان كافراً والولد ينفق عليه وإن كان كافراً وأما الأخ فلا يُنفق عليه إلا أن يكون مسلماً 0

وقيل وهو قول في المذهب : بل لا يُشترط مطلقاً اتفاق الدين وهذا هو القول الراجح الذي تدل عليه عمومات الأدلة

وعنه تجب في عمودي النسب خاصة 0

وقد قال تعالى في عمودي النسب : ) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ( وهكذا قوله : ) وبالوالدين إحسانا ( وقوله : ) وآت ذا القربى حقه ( فالأدلة عامة في الكافر والمسلم فيجب عليه أن ينفق على عمودي نسبه وعلى الحواشي وإن كانوا كفاراً 0

نعم : إذا كان من المحاربين للإسلام فإنه لا ينفق عليه وذلك لأن الحربي المقصود إتلاف نفسه لا إبقاؤه , والنفقة تحفظ نفسه فحينئذ الإنفاق عليه يخالف مقصود الشارع 0

قوله : ( وعلى الأب أن يسترضع لولده ) :

أي يجب على الأب أن يسترضع لولده لقوله تعالى : ) وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ( أي إن حصل التعاسر

بين الأب وأم الطفل الرضيع فسترضع له أخرى أي استرضعوا له أخرى 0

قوله : ( ويؤدي الأجرة ) :

لقوله تعالى : ) وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ( إلى أن قال : ) وعلى الوارث مثل ذلك ( فيجب على الأب أن يطلب مرضعة لولده ويدفع الأجر لها 0

قوله : ( ولا يمنع أمه إرضاعه ) :

سواءً كانت تحته أو بائناً منه فلا يحل له أن يمنعها من إرضاعه لقوله تعالى : ) والوالدات يرضعن أولادهن ( ولأنها أشفق عليه وهي أحق به من غيرها 0

قوله : ( لا يلزمها إلا لضرورة كخوف تلفه ) :

فلا يلزم الأم أن ترضع ولدها فليس ذلك واجباً عليها إلا أن يخاف تلفه بمعنى : أن يأبى قبول ثدي غير أمه فحينئذ يتحتم أن يرضع من أمه فيجب عليها أن ترضعه سواءً كانت بائناً أو تحته , هذا هو مذهب جمهور العلماء 0

والمسألة على الصحيح فيها تفصيل : وهو أن يقال أما إن كانت بائناً أي قد فسحت أو طُلقت ثلاثاً فلا يجب باتفاق العلماء ويدل عليه قوله تعالى : ) وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ( أي إن حصل التعاسر بين أب الطفل وأمه فحينئذ استرضعوا له مرضعة أخرى 0

وأما إن كانت زوجة فكذلك عند الجمهور , أي أنها لا تلزم بذلك وليس واجباً عليها واختار شيخ الإسلام وهو قول ابن أبي ليلى من الفقهاء أن ذلك واجب عليها 0

واستدل بقوله تعالى : ) والوالدات يرضعن أولادهن ( وهذا خبر بمعنى الأمر ولأن هذا هو العرف 0

والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام وأن الأم يجب عليها أن ترضع ولدها والجمهور على أن أم الطفل وهي زوجة أنها إن أرضعت فلها أن تطالب بالأجرة وهذا قول ضعيف 0

واختار شيخ الإسلام مع وجوبه على الأم عدم ثبوت الأجرة لقوله تعالى : ) وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ( وهي لها الرزق والكسوة بمقتضى الزوجية 0

قوله : ( ولها طلب أجرة المثل ولو أرضعه غيرها مجاناً ) :

قال تعالى : ) فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ( وقال تعالى : ) فإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ( فإذا كانت أم الطفل بائناً منه فلا يجب عليها أن ترضعه إلا أن يُخاف تلفه , وإن أرضعته فلها أن تطالب بأجرة المثل ليست أجرةً زائدة عن المثل , ولو كان هناك متبرع كأن تكون أم الزوج أو أخته تقول أنا أرضع الطفل فَلِحَقّ الأم في الرضاع نقدمها على هذه المتبرعة , ولها الأجرة لما تقدم من قوله تعالى : ) فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن (

قوله : ( بائناً كانت أو تحته ) :

تقدم الكلام عليه 0

قوله : ( وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول ) :

فللزوج الثاني أن يمنع المرأة أن ترضع ولدها من الزوج الأول , وذلك لأن هذا أي الإرضاع يفوت استمتاعه بها

 

قوله : ( ما لم يضطر إليها ) :

فإذا اضطر الولد إليها كأن يأبى إلا ثديها , فحينئذ يجب عليها أن ترضعه وليس لزوجها الثاني منعها من ذلك 0

أو أن تكون شرطت ذلك في العقد كأن تقول وهي يعقد لها على الزوج الثاني ( اشترط إرضاع ولدي ) فالمسلمون على شروطهم 0

إذن : إذا اضطُر الطفل إلى ذلك أو شرطت ذلك في العقد وإلا فإنه له أن يمنعها من إرضاع ولدها من الزوج الأول وذلك لتفويت تمام استمتاعه بها 0

                                                  فصل

هذا الفصل في النفقة على المملوك :

قوله : ( وعليه نفقة رقيقه طعاماً وكسوة وسكنى ) :

على السيد نفقة رقيقه طعاماً وكسوة وسكنى بالمعروف ففي صحيح مسلم أن النبي e قال : ( للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) 0

والواجب أن تكون النفقة بالمعروف أي ما يليق بالمملوك وما تعارف الناس أنه نفقة للمملوك والمستحب أن يطعمه من جنس طعامه وأن يكسوه من جنس كسوته وان يسكنه من جنس سكناه 0

ففي الصحيحين أن النبي e قال : ( إخوانكم خَوَلُكم – أي خدمكم – جعلهم الله تحت أيديكم فاطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسونه ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم ) 0

قوله : ( ولا يكلفه مُشِقّاً كثيراً ) :

لقول النبي e : ( ولا يُكلفه من العمل إلا ما يطيق ) وقوله : ( ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم ) فلا يحل له أن يكلفه مُشِقّاً كثيراً أي ما يكون فيه مشقة ظاهرة عليه 0

وله أن يؤدبه بالضرب غير المبرح إذا أذنب , وكذلك يجتنب الوجه قياساً على ضرب الزوجة والولد وفي صحيح مسلم: أن أبا مسعود t ضرب غلاماً له فقال النبي e ( اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام )

فلا يحل ضربه إلا أن يذنب فيُضرَب ضرباً غير مبرح أو يوبخه ويجتنب الوجه لنهي النبي e كما في صحيح مسلم وغيره عن ضرب الوجه 0

قوله : ( وإن إتفقا على المخارجة جاز ) :

فإذا اتفق السيد ورقيقه على المخارجة جاز ذلك والمخارجة هي ما يجعله السيد على رقيقه كل يوم أو كل شهر أو كل سنة 0

كأن يقول له إعمل وأحضر لي في كل يوم عشرة دراهم , أو إعمل وأحضر لي في كل شهر مائة درهم أو إعمل وأحضر لي في كل سنة ألف درهم وهكذا 0

وهي جائزة : لما ثبت في الصحيحين أن النبي e حجمه أبو طَيبَة فأمر له النبي e : ( بصاعين من طعام وكلم له أهله فوضعوا عنه من خراجه ) فهذا إقرار من النبي e على المخارجة فهو يدل على جوازها 0

لكن لا تحل المخارجة حيث خشى عليه كأن تخارج المرأة التي لا صنعة لها فيؤدي ذلك إلى زناها أو يخارج الصبي فيؤدي ذلك إلى سرقته ففي موطأ مالك أن عثمان t قال : ( لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب

فإنكم متى كلفتموها كسبت بفرجها , ولا تكلفوا الصبي الكسب فإنه إن لم يجد سرق ) 0

وظاهر كلام المؤلف ولا نزاع في هذا كما ذكر صاحب الإنصاف ولم أر فيه خلافاً بين أهل العلم من غير الحنابلة وأن المخارجة لا تصح إلا حيث إتفقا على ذلك أي لابد من رضا الطرفين وهما السيد والعبد المملوك وذلك لأن المخارجة عقد معاوضة فاشترط فيه الرضا كالكتابة فكما أن العقد لا يلزم بالمكاتبة فكذلك لا يلزم الرقيق بالمخارجة لأنه عقد معاوضة 0

وله ما فضل وإلا لما كان هناك فائدة من التقدير فإذا قال له إعمل وأحضر لي في كل يوم عشرة دراهم فمعنى ذلك أن ما فضل فهو للعبد وإلا فلا فائدة من التقدير 0

ويشترط في المخارجة أن يفضل للعبد ما ينفق به على نفسه , يقول له : " أخارجك على عشرة دراهم " وهذا العبد لا يكسب في اليوم إلا عشرة دراهم ففي هذه الحالة لا تصح المخارجة 0

قوله : ( ويريحه وقت القائلة والنوم والصلاة ) :

فيريحه في وقت القائلة والنوم في الليل والصلاة المفروضة وجوباً , وذلك ليدفع الضرر عنه وقد قال e : ( لا ضرر ولا ضرار ) 0

قوله : ( ويركبه في السفر عُقبة ) :

" عُقبة " أي نوبة , ففي السفر يركبه عقبة أي تارةً يمشي وتارةً يركب وذلك لئلا يشق عليه ولئلا يكلفه ما لا يطيق قوله : ( وإن طلب نكاحاً زوجه أو باعه ) :

لقوله تعالى : ) أنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادك وإمائكم ( 0

قوله : ( وإن طَلَبته أَمة وطئها أو زوجها أو باعها ) :

فإذا طلبت أمته النكاح فإنه يطؤها – أي السيد ليدفع عنها ضرر شهوتها أو يزوَّجها أو يبيعها 0

                                              فصل

هذا الفصل في النفقة على البهيمة

قوله : ( وعليه علف بهائمه وسقيها وما يصلحها ) :

فيجب عليه علف بهائمه وسقيها وما يصلحها لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض ) 0

قوله : " ما يصلحها " أي من دواء ونحو ذلك 0

قوله : ( وألا يحملها ما تعجز عنه ) :

لما في ذلك من الضرر عليها 0

 

قوله : ( ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها ) :

لقوله e : ( لا ضرر ولا ضرار ) ولا يلعنها , لما ثبت في صحيح مسلم : أن النبي e كان في سفر فلعنت امرأةً ناقة فقال النبي e : ( خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة ) يظهر لي أن هذا من باب التعزير المالي 0

وكذلك لا يحل له أن يَسِم بهيمة مع الوجه , وأما مع غير الوجه فلا بأس بذلك عند الحاجة إلى ذلك كأن يَسِمَها

ليميزها عن غيرها من البهائم , أو أن يكون الفخذ من القبيلة أو العشيرة لهم وسماً خاصاً بهم لكن لا يكون ذلك في الوجه بأن يكون على العنق أو على صفحة الظهر ونحو ذلك 0

ويدل على ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي e : ( لعن من وَسَم الوجه وضربه ونهى عن ذلك ) 0

قوله : ( فإن عجز عن نفقتها أجر على بيعها أو احارتها أو ذبحها إن أكلت ) :

فإذا عجز عن نفقة دوابه وكانت مما يؤكل فإنه يخير بين ثلاث : إما أن يبيعها , وإما أن يؤجرها , وإما أن يذبحها وأما إن كانت مما لا يؤكل فإنه يخير بين أن يبيعها أو يؤجرها 0

فإن أبى ذلك فعل الحاكم الأصلح أي فعل القاضي ما هو الأصلح من بيع أو إجارة أو ذبح وذلك لأن إبقائها مع ترك الإنفاق عليها ظلم والظلم تجب إزالته 0

مسألة :

الصحيح : أن الخصي أي خصي البهيمة لا بأس به وذلك لما فيه من تطييب اللحم ففيه مصلحة ومنفعة للأدمي 0

ويجوز إحراق الزنابير إن لم تندفع بتداخين ونحوه وهو المشهور في المذهب 0

 

 

 

 

 

         والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين        

   

 

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net