عدد الزوار : 163974
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الجنايات
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الجنايات
الجنايات
 

كتاب الجنايات

 

الجنايات : جمع جناية ، والجناية في اللغة : هي التعدي على مال أو عرض أو بدن.

فالسرقة جناية لأنها تعدٍ على المال ، و الزنا جناية لأنه تعدٍ على العرض و القتل جناية لأنه تعدٍ على البدن.

و أما الجناية في الاصطلاح : فهي التعدي على البدن خاصة بما يوجب القَوَد أو الدية .

و قتل النفس من أكبر الكبائر ، قال تعالى : ] و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً [  إلى قوله سبحانه ] و من يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها [

و ذلك من كبائر الذنوب و ليس بكفر أكبر بإجماع أهل العلم ، قال تعالى ] إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء [

و يدل عليه من الكتاب و السنة و الإجماع إقامة الحد على القاتل و لا تقام الحدود إلا على المسلمين.

و أيضاً يدل عليه ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : " بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً و لا تسرقوا و لا تزنوا و لا تقتلوا أولادكم و لا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم و أرجلِكم و لا تعصوا في معروف فمن وفّى فأجره على الله ، و من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ، و من أصاب من ذلك شيئاً و ستر الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه و إن شاء غفر له"

إذاً : لا يكفر و توبته تقبل بإجماع أهل العلم ، خلافاً للخوارج في التكفير ، و خلافاً للمعتزلة في أن توبته لا تقبل ، و لا يصح هذا القول عن أحد من السلف و إنما مراد من قال لا تقبل توبته أن حق المقتول لا يسقط بإستيفاء الوارث فيبقى حقه في الآخرة.

و القتل تتعلق به ثلاثة حقوق :

الأول : حق الله تعالى في الاعتداء على حدوده فإن القتل من أعظم الاعتداء على حدوده سبحانه.

الثاني : حق المقتول حيث أُزهقت نفسه.

الثالث : حق لأوليائه ، حيث أُ فقدوا وليّهم.

فإذا تاب إلى الله عز وجل سقط حق الله تعالى ، و حق الآدمي المقتول و عوضه الله أجراً و ثواباً في الآخرة ، و أما حق الأولياء فإنه ثابت في الدنيا فيخيرون بين الدية أو القصاص أو العفو.

 

قال المؤلف رحمه الله : [ وهي عمد يختص القَوَدُ به بشرط القصد ، وشبه عمد وخطأ ]

و القتل ثلاثة أنواع :

النوع الأول : العمد .

والنوع الثاني : الخطأ .

والنوع الثالث : شبه عمد .

و أضاف بعض أهل العلم ، كالموفق في المقنع و هو قول أبي الخطاب من الحنابلة قسماً رابعاً : و هو ما جرى مجرى الخطأ ، كالنائم ينقلب على طفل فيقتله أو من يَقتل بالسبب كأن يَحفر بئراً فيسقط فيها إنسان فيموت ، وهذا القسم لا مشاحة فيه و لا نزاع بين العلماء في أن النوع الثالث و هو الخطأ و النوع الرابع على القول به أن الحكم فيهما و احد.

أما العمد و الخطأ فقد اتفق أهل العلم على القول بهما و نازع الإمام مالك في شبه العمد ، و السنة حجة عليه فقد ثبت في الصحيحين : اقتتلت امرأتان من هُذيل ، فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، "فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن دية الجنين غُرَّة عبدٌ أو وليدة ، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها" و هذا الشاهد ، فإن هذا القتل ليس بخطأ ، و مع ذلك فإن النبي r قد قضى بأن دية المرأة على العاقلة ، و قتل العمد الدية على القاتل نفسه اتفاقاً لا على العاقلة ، فكان قسماً ثالثاً لأنه ليس بخطأ و لا عمد.

و يدل عليه أيضاً ما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالعصا والسوط ، مئة من الإبل ، منها أربعون في بطونها أولادها "

و الشاهد قوله " ألا إن دية الخطأ شبه العمد".

قوله بعد ذلك " منها اربعون في بطون أولادها" هي الدية المغلظة ، و الدية المغلظة تكون لشبه العمد ، و أما الخطأ فديته ، مخففه كما سيأتي.

إذاً : الصحيح ما ذهب إليه الجمهور ، و أن القسم الثالث لأقسام القتل شبه العمد بدلالة السنة النبوية

 

قال رحمه الله : [ فالعمد أن يقصد من يعلمه آدميا معصوما فيقتله بما يغلب على الظن موته به ]

فهو أن يقصد من يعلمه آدمياً ، فلا يظنه صيداً و لا هدفاً و لا غير ذلك.

" معصوم الدم " فليس من المحاربين للإسلام بل هو معصوم الدم.

" فيقتله بما يغلب على الظن موته" إذاً قصد هذا الآدمي معصوم الدم ، وقتله بما يغلب على الظن موته به ، كأن يرميه بسهم أو يضربه بسيف و نحو ذلك مما يغلب على الظن أنه يقتله به.

ثم ضرب أمثلةً:

 

قال رحمه الله : [ مثل أن يجرحه بما له مَوْرٌ في البدن]

 مَوْر : أي له نفوذ في البدن كأن يغرز أبرة في فؤده.

 

قال رحمه الله : [ أو يضربه بحجر كبير ونحوه ]

أي بمثِّقل ، لا بحجر صغير ، لأن الحجر الصغير لا يقتل غالباً ، لكن لو كرر الضرب أو كان المضروب مريضاً أو كبيراً أو صغيراً بحيث أن الحجر الصغير يقتله فكذلك.

و لو قال لا اعلم أنه مريض لم يُقتل به في المذهب و قيل يقتل إن كان مثله لا يجهله وهو أظهر.

 

 

قال رحمه الله : [ أو يلقي عليه حائطا أو يلقيه من شاهق أو في نار أو ماء يغرقه ولا يمكنه التخلص منهما]

أي لا يمكنه التخلص من الماء و النار ، لكن لو أمكنه التخلص و لم يفعل ، كأن يكون ممن يحسن السباحة و يقول : " ها أنت قد ألقيتني و لن أنجي نفسي و تكون بذلك قد قتلتني فيغرق " فإن دمه يكون هدرا.ً

 

قال رحمه الله : [ أو يخنقه]

أي بحبل و نحوه

 

 قال رحمه الله [ أو يحبسه ويمنعه الطعام أو الشراب فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالبا]

أي يموت في ذلك الحبس أو المنع من الطعام في مدة يموت فيها غالباً ، لكن لو مات بعد ساعة أو نصف ساعة أو نحو ذلك فإنه يعلم أنه لم يمت بسب هذا الحبس.

 

قال رحمه الله : [ أو يقتله بسحر يقتل غالبا أو سم]

و قوله " بسم " تصح بتثليث السين ، أي بأن يطعمه السم.

كذلك لو ألقاه في موضع فيه أسد أو حيَّة ، فيقتله الأسد أو تنهشه الحية.

و كذا بسحر يقتله غالباً ولا يقبل قوله إنه لا يعلم إن قتله لأنه خلاف الظاهر.

ومثله و هو ما قرره ابن القيم أن العائن إن كان يستطيع القتل بها ، و فعله باختياره ، و أما إن فعله بغير قصد الجناية فيتوجه أنه خطأ كما في كشاف القناع .

و كذا ما أتلفه بعين ففيه الضمان ، و أما إن كان بغير قصد فيتوجه عدم الضمان كما في كشاف القناع.

 

قال رحمه الله : [ أو شهدت عليه بينة بما يوجب قتله ، ثم رجعوا وقالوا عمدنا قتله ونحو ذلك ]

فإذا شهدت عليه ببينة بما يوجب قتله، كأن يشهد اثنان أنه قد قتل ، أو يشهد عليه أربعة أنه قد زنا و كان محصناً ، أو يشهد عليه اثنان أنه سخر من الدين و استهزأ به ، ثم رجعوا و قالوا : عمدنا قتله و نحو ذلك فحينئذ يكونون هم الذين قتلوه فيقام عليهم الحد و ذلك لأنهم قد قصدوا قتله بما يقتله غالباًو هي البينة.

فإذا كان الولي ، أي ولي المقتول عالماً بذلك ، كأن يشهدوا على رجل أنه قد قتل زيداً من الناس ، و هم كاذبون في ذلك ، و ولي زيد يعلم كذب هؤلاءالشهود و مع ذلك فقد اختار القصاص على الدية ، فإنه هو الذي يقام عليه الحد و ذلك لأنه هو الذي باشر قتله.

و إن كان الحاكم  ، أي القاضي ، يعلم كذب الشهود ، فحكمه حكم البينة " أي حكم الشهود " فإن كان الولي عالماً بذلك قتل الولي ، فإن لم يكن عالماً فإن الحكم يثبت على القاضي و على البينة لأنهم هم الذين قتلوه. و الدية عليهم على عددهم ، فإن كانت البينة اثنين ، فالدية على أثلاثاً على القاضي الثلث ، وعلى الشاهدين الثلثان و هكذا.

قال رحمه الله : [ وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالباً ]

فيشترك هو العمد بقصد الجناية ، لكن العمد بشيء يقتل غالباً ، و أما شبه العمد فإنه بشيء لا يقتل غالباً .

 

قال رحمه الله : [ ولم يجرحه بها ]

هذا قول في المذهب ، و فيه نظر كما سيأتي ، ثم ضرب أمثلة لقتل شبه العمد.

 

فقال رحمه الله : [ كمن ضربه في غير مقتل بسوط ، أو عصا صغيرة أو لكزه ونحو ذلك ]

كأن يغرز فيه إبرة ونحو ذلك ، فهذا قتل شبه عمد ، فالجناية مقصودة لكن الذي تم به القتل لا يقتل غالباً ، كالعصا ، و الحجرة الصغيرة و الإبرة و نحو ذلك.

و قيده المؤلف هنا بقوله " و لم يجرحه بها " و عليه فلو جرحه بها و لو كانت إبرة فخرج الدم و لو كان يسيراً ، فإنه يكون قتل عمدٍ.

و هذا فيه نظر و الراجح أنه و إن جرحه فهو قتل شبه عمد ما دام أن ذلك لا يقتل غالباً ، وهو اختيار  الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله و لا دليل على إخراج هذه الصورة ما دام الضابط فيها و هو أن الجناية لا تقتل غالباً.

لكن لو كرر الضرب بالعصا ، فمجموع هذا التكرار يجعل هذا الضرب مما يقتل غالباً ، و لو غرز إبرة في قلبه فإنه يقتل غالباً ، أو كان طفلاً صغيراً ، فضرب بحجر و نحوه فكذلك ، وقتل شبه العمد لا قود فيه ، فالقود بإتفاق أهل العلم مختص بالعمد ، أما قتل الخطأ و شبه العمد فلا قصاص فيه بإتفاق أهل العلم.

و الدية في قتل العمد على القاتل نفسه ، و أما في شبه العمد و الخطأ فهي على العاقلة ، والدية في شبه

 

قال رحمه الله : [ والخطأ أن يفعل ما له فعله ، مثل أن يرمي صيدا أو غرضا أو شخصا فيصيب آدمي لم يقصده ]

أن يفعل ما له فعله كأن يرمي صيداً ، فيصيب آدمياً أو يريد أن يتعلم الرمي أو يتمرس عليه فيرمي عرضاً شاخصاً فيصيب آدمياً فيقتله أو يرمي بسهمه على كافر محارب فيصيب بعض المسلمين.

و الخطأ إما أن يكون في القصد و إما أن يكون في الفعل ، فا الخطأ في القصد ، أن يقصد القتل لكنه يخطيء في ذلك ، فهو يقصد آدمياً غير معصوم فيصيب آدمياً معصوماً.

و أما الخطأ في الفعل ، فهو أن يقصد رمي شاخص أو رمي صيد فيخطيء ، فيصيب آدمياً.

فإذا رمى فأخطأ في فعله أو أخطأ في قصده فأصاب آدمياً فقتله فهذا هو قتل الخطأ ، لا قصاص فيه ، و فيه الدية المخففة.

فإن فعل ما ليس له فعله كأن يرمي حيواناً محرماً أو آدمياً معصوماً فيقتل آدمياً فهو عمد في المذهب كذا في المنتهى و في الإقناع أنه خطأ ، أما البهيمة فظاهر ، و أما الآدمي فقد قصد نظير هذه الجناية ، فالأظهر المذهب

قال رحمه الله : [ وعمد الصبي والمجنون ]

فعمد الصبي والمجنون خطأ ، باتفاق أهل العلم فإذا قتل الصبي متعمداً ، و كذلك المجنون فهو في حكم الخطأ ، وذلك لأنهما لا قصد لهما ، فأشبه هذا المكلف المخطيء ، فكما أن المكلف المخطيء قتله قتل خطأ لأنه لا قصد له فكذلك المجنون و الصبي إذا قتالا فقتلهما خطأ ففيه الدية و الكفارة ، فالدية تكون في مال العاقلة و أما الكفارة فتكون في مالهما و لا قود و لا قصاص ، لكن عند الشافعية إن كان الصبي مميزاً فالدية من ماله و هو أظهر.

و الفرق بين قتل الخطأ و بين العمد و شبه العمد هو أن قتل الخطأ لا تقصد فيه الجناية، و أما العمد وشبه العمد فالجناية مقصودة.

و الفرق بينهما أي بين العمد و شبه العمد أن العمد تقصد الجناية بما يقتل غالباً ، و أما شبه العمد فبما لا

يقتل غالباً.

 

فصل

 

قال المؤلف رحمه الله: [ تقتل الجماعة بالواحد ]

لما ثبت في البخاري: "أن عمر بن الخطاب، قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً واحداً وقال لو تمالئ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به" ولا يعلم لعمر مخالف ، وهو قول مشتهر فكان إجماعاً، وفي ذلك سد لذريعة سفك الدم الحرام ، و ذلك أن الجماعة لا تعجز عن قتل الشخص الواحد فيدفعون عن أنفسهم الحد بذلك حيث لم نقل بقتل الجماعة بالواحد.

وهذا الحكم حيث كان فِعْلُ كل واحدٍ منهم يوجب القصاص لو أنفرد ، كأن يجتمعوا على ضربه بسيوف ، كل واحدٍ منهم لو انفردت ضربته لقتلت غالباً.

 أو أن يجتمعوا على ضربه بالحجر الكبير بحيث أن ضربة كل واحدٍ منهم لو انفردت لأوجبت القصاص.

وأما إذا اجتمعوا على ضربه بما لا يقتل غالباً كأن يجتمعوا على ضربه بحجارة صغيرة فمات من ذلك فإن ذلك لا يوجب القصاص ما لم يتمالؤا على ذلك ، كأن يضربه هذا بعصا وهذا بحجرة صغيرة وهكذا ، وهم قد تـمالؤا على قتله فإن هذا يوجب القود ، ويعلم ذلك ببينة أو إقرار ، وذلك سداً لذريعة درء القصاص، أي لئلا يتطرق من هذا إلى الهروب من القصاص بإجماع طائفة من الناس على قتل رجلٍ بـما لا يقتل غالباً.

 

قال: [ وإن سقط القود أدوا دية واحدة ]

إذا اجتمع سبعة على قتل رجلٍ واحدٍ وكان فعل كل واحدٍ منهم يوجب القصاص بمفرده ، فإن هؤلاء السبعة يقتلون ، فإن اختار الولي الدية ، فإنها تجب دية واحدة على الجميع ، و ذلك لأن النفس واحدة و القتل واحد فلم يجب إلا ديةً واحدة.

 

قال: [ من أكره مكلفاً على قتل مكافئة فقتله فالقتل أو الدية عليهما ]

إذا أكره مكلفُ على قتل مكافئه ، " أي مكافَئه في الدين والحرية، والرق، وسيأتي الكلام على المكافئة" فقال: إن لم تقتل بكراً فإني قاتلك أو ساجنك أو متلف مالك ، فالقتل أو الدية عليهما جميعاً أي على المكرِه والمكَره.

أما المكرِه: فلأنه تسبب بما يقتل غالباً، حيث أكره هذا المكلف القادر على القتل، أكرهه على القتل.

وأما المكرَه: فلأنه مباشر للقتل على غيره في إبقاء نفسه، هذا هو المشهور في مذهب أحمد وغيره و هو الراجح لئلا يتذرع من الجاني بقتله عن طريق بعض الناس الذين لا قيمه للحياة عندهم.

و عن الإمام أحمد : أن الذي يُقتل هو المكرَه دون المكرِه.

وذلك لأنه اجتمع مباشر و متسبب والمرجّح هو المباشر فالمكرَه مباشر للقتل، والمكرِه متسبب فيه ، فهنا قد اجتمع عندنا مباشر ومتسبب فيكون القتل على المباشر.

وأما المكرِه فإنه يعزر تعزيراً بليغاً بما يراه السلطان ، فإنه يُعزر بالسجن الطويل أو الجلد ونحو ذلك مما يراه السلطان ، و الراجح ما تقدم فالمكرِه هنا كالمباشر سداً للذريعة.

 

قال: [ وإن أمر بالقتل غير مكلف أو مكلفاً يجهل تـحريمه أو أمر به السلطان ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه فقتل فالقود أو الدية على الآمر ].

إذا أمر بالقتل مكلف غير مكلف، كأن يأمر زيدٌ غير مكلفٍ صبياً، أو مجنوناً بالقتل فإنه يقتل الآمر.

وذلك لأن هذا الصبي والمجنون غير المكلفين هما كالآلة هنا ، و لا يجب عليهما القصاص لكونهما معذوران لأنهما غير مكلفين فهما كالآلة أي كالسكين وكالسيف بيده.

فإذن: يقتل الآمر وذلك لأن المباشر يمتنع عليه القصاص مع كونه معذوراً ، وذلك لما تقدم من أن عمد الصبي والمجنون خطأ والصبي والمجنون لا قصد لهما ، و عليه فلا يمكن إيجاب القصاص عليهما فوجب على المتسبب.

ومثل ذلك لو أمر مكلفا ً، يجهل تحريم القتل كأن يكون حديث عهد بإسلام ، فالقود أو الدية على الآمر وذلك لأن هذا جاهل بالشرع وعليه فهو مخطئ لأن الجهل خطأ وحينئذ فهو معذور فلا يمكن إيجاب القصاص عليه فوجب على الآمر.

ومثل ذلك: لو أمر السلطان رجلاً أن يقتل أحداً من الناس ظلماً و هذا القاتل المباشر لا يدري أن السلطان ظالم لهذا المقتول فحينئذ يكون الحد على السلطان لأن المباشر للقتل معذور لا يمكن إيجاب القصاص عليه فوجب على المتسبب.

و السلطان تجب طاعته فيما لا يعلم أنه معصية ، وهذا قد أطاع السلطان في أمرٍ لا يعلم أنه معصيةً .

و قال شيخ الإسلام لا يطع حتى يعلم جواز فتله لا سيما إذا كان معروفاً بالظلم و على ذلك فنقول إن القصاص على الآمر ما لم يكن معروفاً بالظلم.

أما لو كان غير معذور، كأن يأمره السلطان بقتل زيدٍ من الناس وهو يعلم أن السلطان ظالمُ له ، مع قتله فإن القصاص على القاتل لأنه هو المباشر.

 

قال: [ وإن قتل المأمور المكلف عالماً بتحريم القتل فالضمان عليه دون الآمر ]

إذا أمر زيد عمراً بالقتل، وعمرو مكلف عالم بتحريم القتل ومع ذلك قتل، فإن الضمان يكون على عمرو، وذلك لاجتماع مباشر ومتسبب، فالمأمور هو المباشر و الآمر هو المتسبب.

 

قال: [ وإن اشترك فيه اثنان لا يجب القود على أحدهما منفرداً لابوة أو غيرها فالقود على الشريك].

اشترك في قتل رجلٍ اثنان أحدهما أب للمقتول ، أو اشترك في قتل كافر اثنان ، أحدهما كافر مثله والآخر مسلم ، أو اشترك في قتل رقيقٍ أحدهما حر والآخر رقيق مثله.

ففي هذه المسائل لا يجب القصاص على الأب في المسألة الأولى، ولا على المسلم في المسألة الثانية ولا على الحر في المسألة الثالثة، لأن الأب لا يقتل بولده ، والمسلم لا يقتل بالكافر ، والحر لا يقتل بالعبد ، فحينئذ يكون القود على الشريك ، وذلك لأن فعله يوجب القصاص لا مسقط له وإنما أسقط عن الأب في المسألة الأولى وعن المسلم في المسألة الثانية وعن الحرفي المسألة الثالثة لمعنى يوجب الإسقاط.

وفي هذه المسائل الثلاث القتل متمحض فيه العدوان ، و أما إذا كان الطرف الآخر ليس بمعتدي أي ليس قتله بقتل عمدٍ عدوان ، كأن يشترك مخطئ ومتعمد أو يشترك في قتل رجل من الناس سبُع ، وقاتل كأن يضربه بالسيف ويكون معه سبع يشترك معه في القتل ، أو أن يكون قاتلاً لنفسه مع هذا المعتدي ، كأن يجرحه جرحاً قاتلاً ثم يشرب السم فيقتل نفسه أي يستعجل موت نفسه ، كذلك لو اشترك في قتله ولي قصاصٍ وعامد، فولي القصاص له حق في القتل ، كذلك لو اشترك في قتله مكلف وغير مكلف ففي هذه المسائل كلها في المشهور في المذهب أنه لا قصاص ، وذلك لأن العدوان غير متمحّض لأن أحدهما قتله ليس بقتل عدوان ، بخلاف المسائل المتقدمة فإن كلا الطرفين قتله قتل عدوان.

القول الثاني في المسألة: وهو رواية عن الإمام أحمد، و اختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح في المسألة ، أن القتل هنا ثابت على الطرف الذي اعتدى، وذلك لأن المؤاخذة على فعله هو، وفعله هو قتل عدوان يوجب القصاص ولا مسقط له.

فبالنظر إلى فعله هو بغضّ النظر عن فعل الآخر هل يؤاخذ فيه الآخر أم لا؟

وتجب نصف الدية مع شريك السبع إن عفي إلى الدية.

 

قال: [ فإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية ]

إذا عدل الولي إلى طلب المال فإنه يلزمه نصف الدية أي لزم من لزمه القود في المسألة الأولى لزمه الآن نصف الدية.

فإذا اشترك الأب وغيره في القتل، فيجب على الآخر القصاص فإن عفا الولي عن القصاص فلا تجب عليه إلا نصف الدية وذلك لأنه شارك في الإتلاف، وهذا الإتلاف يوجب مالاً فكان عليه بقدر ذلك وهو قد شارك بقدر النصف فكان الواجب عليه نصف الدية.

 

مسألة :

إن أمسك إنساناً لأخر ليقتله لا لضرب أو لعب فقتله أو أمسكه له ليسقيه سماً فيقتل القاتل.

و حبس الممليك حتى يموت و مقتضى كلام الموفق أنه يطعم و يسقى و قال في المبدع يحبس عن الطعام و الشراب و الأول أظهر فالجزاء من جنس العمل و فيه حديث عند الدارقطني لكن لا يصح.

 

باب شـروط القصـاص

 

وهذه الشروط إذا فقد منها شرط سقط حد القصاص.

قال: [ وهي أربعـهَ ]

استقــراءً

 

قال: [ أحدها عصمـة المقتـول]

أي أن يكون المقتول المجني عليه معصوم الدم غير مهدره والعلة ظاهرة، فإن القصاص إنما شرع لحفظ الدم المعصوم دون الدم المهدر.

 

قال: [ فلو قتل مسلم أو ذميُّ حربياً، أو مرتداً لم يضمنه بقصاص ولا دية ]

فإذا قتل مسلم أو ذميُّ حربياً أو مرتداً عن الإسلام فإنه لا قصاص ولا دية، وكذلك لو قتل مسلم زانياً محصناً فإنه لا يقتل به لأن دمه هدر.

كذلك تارك الصلاة وغيره ممن دمه مهدر ليس بدمٍ معصوم ولو كان ذلك قبل ثبوته عند الحاكم، ما دام أن البينة موجودة على زناه، وهو محصن فقتله مسلم أو ذمي فإنه لا يقتل به.

أو رجل مثلاً تارك للصلاة والبينة تدل على أنه تارك للصلاة، فكذلك، أو رجل ارتدَّ عن الإسلام فسب الله أو رسوله فكذلك فإن من قتلهم لا يقتل هذا إذا كان قبل التوبة.

وأما بعد التوبة فلا، فمن زنا وهو محصن فتاب فقتله قاتل بعد ذلك فإنه يقتل به لأن دمه يعصم بالتوبة كما قال تعالى: ]  إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم [ .

أما قبل التوبة فإنه لا يُقتل به، لكن هذا القاتل آثم لأنه قد افتات على السلطان في حقه ولذا فإن الإمام يعزره، وله أن يعزره تعزيراً بليغاً حفظاً لحقه في ذلك، فإن الحدود إنما يقيمها السلطان.

وعليه: فإن هذا الحكم حيث كان للإمام حق في القتل، فالإمام ليس له حق أن يقتل من زنا وهو محصن حتى تُثبت البينة ذلك ، وليس للإمام حق أن يقتل من ترك الصلاة حتى يثبت بالبينة ذلك ، فهذا القاتل إذا قتل بعد ثبوت البينة لكنها لم تثبت بعدُ عند القاضي فإنه لا يقتل به ولا دية في ذلك لأنذمته هدر ً، لكن ذلك اعتداء على الإمام في حقه و افتيات عليه.

 

قال: [ الثاني التكليف ]

هذا هو الشرط الثاني: التكليف أي أن يكون القاتل بالغاً عاقلاً.

 

قال: [ فلا قصاص على صغير ]

لأنه غيـر بـالـغ.

 

قال: [ ولا مجنــونُ ]

ولا معتـوه لأنهما غير عاقلين ، وذلك لأنه لا قصد لهما أو قصدهما ليس بقصد تام معتبر ولذا تقدم أن عمد الصبي والمجنون خطأً باتفاق العلماء ، وعليه فإذا قتل الصبي أو المجنون فأنه لا يقتل بذلك لكن الدية تكون على عاقلته.

 و مثل الصبي و المجنون: النائم و المغمى عليه و من زال عقله بعذر ، و أما قتل السكران ففيه القَوَد عند عامة العلماء سداً لذريعة القتل

 

قال: [ الثالث: المكافأة بأن يساويه في الدين والحرية والرق]

هذا هو الشرط الثالث وهو المكافأة.

 

قال: [ فلا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد ]

فلا يقتل المسلم بالكافر ولو كان الكافر ذمياً فإن أسلم الذمي بعد القتل فالمذهب أنه يقتل لأن الاعتبار بحاله الجناية لا الاستيفاء و هو مذهب الشافعي ، و قال الأوزاعي لا تقبل ، و مثله المرتد إذا قتل ذمياً ثم تاب و الراجح الأول لأنه وقت انعقاد السبب.

و ذلك لما ثبت في البخاري مرفوعاً في صحيفة علي رضي الله عنه "لا يقتل مسلم بكافر".

 و ذهب الأحناف: إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا: بما روى الدار قطني أن النبيe: "أقاد مسلم بذمي أو قال: أنا أحق من وفّى بذمته" لكن الحديث مرسل ضعيف.

وعليه فالراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن المسلم لا يقتل بالكافر.

وقال شيخ الإسلام بذلك لكنه قال: إلا أن يقتله غيلة أي خديعة، بأن يكون القتل على سبيل الخديعة وهو مذهب مالك ، فقد ذهب مالك إلى أن قتل الغيلة فيه القصاص مطلقاً فلا خيار للولي بين الدية والقصاص، كما أنه لا فرق بين مسلم وذمي في ذلك وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.

واستدلوا: بأثر عمر المتقدم لما قال: "لو تمالئ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به" فقال "لقتلتهم به" فأضاف القتل إليه، وكان قتل غرة.

وأما الجمهور فقالوا: بأنه يخير الولي بين الدية والقصاص ، واستدلوا بعمومات الأدلة، في قوله تعالى: ] فقد جعلنا لوليه سلطاناً [ ، في الحديث المتفق عليه: "فوليه بين خيرتي" وهما القصاص والدية.

والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول، لأن دليلهم خاص وأما دليل أهل القول الثاني فإنه عام.

فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: من أن قتل الغيلة يقتل الإمام من غير أن يرجع إلى الولي ، وأنه لا فرق بين مسلم وذمي لأنه من باب الحرابة، وقد قال تعالى: ] إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا [

فإذا قتلوا سواء كان قتلهم لمسلمين أو ذميين، فإن جزاءهم القتل، وسيأتي الكلام عليه في حد الحرابة إن شاء الله.

 

قال: [ولا حر بعبد]

فلا يقتل الحر بالعبـد ، قالوا: لما روى أحمد في مسنده: "أن السنة ألاّ يقتل الحر بالعبد" ، ولقوله تعالى: ]الحر بالحر والعبد بالعبد [ ، وهذا هو مذهب الجمهور.

والقول الثاني في المسألة: و هو مذهب الأحناف و اختيار شيخ الإسلام أن الحر يقتل بالعبد.

استدلوا: بقوله تعالى: ]  وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس [ ، وهذه آية عامة يدخل فيها قتل الحر بالعبد واستدلوا: أيضاً بقول النبي e: " المؤمنون تتكافئوا دماؤهم ". رواه أحمد وأبو داود والنسائي

فهذا عبدُ مؤمن وهذا حرُ مؤمن والمؤمنون تتكافئوا دماؤهم ، والراجح هو القول الثاني: لقوة أدلته، وأما الجواب عن أدلة أهل القول الأول:

فأما قوله تعالى: ] الحر بالحر والعبد بالعبد [ فهذه الآية نزلت كما قال غير واحد من السلف، في طائفة من الناس قالوا يقتل الحر من غيرنا بالعبد منا، ويُقتل الذكر من غيرنا بالأنثى منا، قالوا ذلك من باب الكبر لقوتهم عدداً وعدة، فأنزل الله قوله : ] الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى [ ، وقد أجمع أهل العلم على أن الذكر يقتل بالأنثى في النسائي أن النبي e قال: " يُقتل الذكر بالأنثى ".

وأما ما رواه أحمد من أن السنة ألا يقتل الحر بالعبد فالحديث إسناده ضعيف جداً فيه جابر الجُعفي وهو ضعيف الحديث.

ومما يدل على ما ذهب إليه الأحناف وهو القول الراجح : ما روى أحمد والترمذي وابن ماجه أن النبي e قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه".

وبهذا الحديث قال داود الظاهري، فإنه قال ويقتل السيد بعبده خلافاً للأحناف فإنهم يقولون يقتل الحر بالعبد لكن لا يقولون أن السيد يقتل بعبده.

ولذا قال المؤلف هنا "والرق" فالمالك لا يُقتل بمملوكه ، فإذا قتل المكاتب رقيقه فإنه لا يقتل به مع أن المكاتب عبد لكن لا يقتل بعبده لأنه مالك له.

والصحيح ما ذهب إليه داود في هذه المسألة وأن السيد يقتل بمملوكه لقوله e: "من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه" والحديث من حديث الحسن البصري عن سمرة والصواب أن الحسن ليس بمدلس، وأن سماعه من سمرة ثابت كما قال ذلك غير واحدٍ من الحفاظ كعلي بن المديني، والحديث حسنه الترمذي وهو كما قال  "تراجع".

 

قال: [ وعكسه يقتل ]

وهذا ظاهر، فالكافر يقتل بالمسلم، فإذا قتل الذمي مسلماً فإنه يُقتل وهذا بالاتفاق.

والعبد يُقتل بالحر وهذا بالاتفاق، وكذلك العبد يقتل بسيده وهذا باتفاق أهل العلم.

قال: [ ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر].

اتفاقاً، لقوله تعالى: ] وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس [

ولقوله e : " المؤمنون تتكافؤا دماؤهم " ، والأُنثى مؤمنة، وللحديث المتقدم الذي رواه النسائي أن النبي e قال: " يُقتل الذكر بالأنثى "

 

قال: [ والرابع: عدم الولادة، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل]

هذا هو الشرط الرابع وهو عدم الولادة ، فالأم والأب لا يقتلان بالولد وإن سفل الولد المقتول كأن يقتل الجد ابن ابنه، أو ابن بنته، أو بنت بنته وهكذا.

ودليل ذلك: ما رواه ابن الجارود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي e قال: "لا يقاد الوالد بالولد"، والحديث إسناده جيّد وصححه البيهقي ، ورواه الترمذي من حديث عمر بن الخطاب لكنه مضطرب، وهو قول جمهور العلماء.

والعلة في ذلك ظاهرة: فإن الوالد هو سبب وجود الولد فإنه قد خرج من صلبه أو خرج من رحمها وإن علا هذا الرحم وإن علا هذا الصلب، فلما كان الأمر كذلك فلا يمكن ولا يصح ولا يستقيم أن يكون سبباً لإعدامه وهو سبب لوجوده.

و عنه أن الجد يقتل به و حكاه الزركشي وجهاً و قال شيخ الإسلام إلحاق الجد و أبي الأم بعيد و هو أظهر و لأن النص أستثنى الأب و الأم و يبقى غيرهما على الأصل و الله أعلم.

 

قال : [ ويقتل الولد بكلٍ منهما ].

فإذا قتل الولد أباه أو أمه وإن عليا فإنه يقتل بهما اتفاقاً و هو ظاهر لا إشكال فيه.

 

بـاب استيفـاء القصـاص

 

استيفاء القصاص : هو فعل مجني عليه أو وليه بجانٍ مثل فعله أو شبهه.

فإذا قطع الجاني الطرف كأن يقطع اليد، فقطعٍ المجني عليه يده ، أو قطع وليه يده ، أو قتله فقتله.

فقوله "أو شبهه": إن كان المثل لا يجوز كأن يحرقه بالنار مثلاً، فالإحراق بالنار محرم وعليه فإنه يقتل بالسيف.

 

قال رحمه الله: [ يشترط له ثلاثة شروط أحدها كون مستحقه مكلفاً فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يستوفٍ وحُبس الجاني إلى البلوغ أو الإفاقة ].

فالشرط الأول من شروط استيفاء القصاص: أن يكون مستحقه مكلفاً أي بالغاً عاقلاً.

فإن كان غير مكلف بأن يكون صبياً أو مجنوناً فإنه لا يستوفي وذلك لأن استيفاء القصاص ولاية، قال تعالى: ] وقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل [ ، والصبي والمجنون لا ولاية لهما.

والمذهب أن الأب وكذا الوصي والحاكم لا يقومون مقام الصبي والمجنون بالاستيفاء ، ولذا قال " وحبس الجاني إلى البلوغ أو الإفاقه" للمجنون.

قالوا: لأن المقصود هو التشفي "أي إزالة الغيظ الذي يكون في القلب" وهذا لا يكون بفعل الغير.

وعن الإمام أحمد وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أن لوليهما العفو إلى الدية.

وذلك: لأنه يقوم مقامه في تصرفاته كلها فكذلك هنا ولأن ترك ذلك يترتب عليه فوات الحق أو تفويته فقد يموت الجاني قبل أن يقتل وقد يهرب أو يحصل ما يمنع من إقامة الحد عليه بفعل ظالم ونحو ذلك، فلئلا يفوت الحق فإنا نقيم الولي مقامه، وهذا هو القول الراجح ، و مثله الوصي و الحاكم و هو الرواية المتقدمة عن أحمد.

والمصلحة هنا وهي مصلحة عدم تفويت الحق وفواته أرجح من مصلحة التشفي، ولا شك أنه يحصل له تشفي عندما يختار وليه القتل، ويحصل له انتفاع بالدية إذا اختار الدية والولي يختار ما فيه مصلحة.

وقوله: " يحبس الجاني " فلا يقبل في مثل هذه المسألة كفالة إذ الفائدة من الكفالة هي أن يستوفي الحق من الكفيل إذا لم يحضر المكفول، وهنا لا يمكن أن يستوفي الحق من الكفيل لأن ذلك ظلم، بل ويحبس حتى يبلغ الصبي وحتى يفيق المجنون وهذا على المذهب.

والصحيح ما تقدم من أن الولي يقوم مقام الصبي أو المجنون ، و هو مذهب المالكية.

 

قال: [ الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه وليس لبعضهم أن ينفرد به ].

لأنه حق مشترك لجماعة فلم يكن لأحدهم أن يستقل به.

 

قال: [ وإن كان من بقي غائباً .. انتظر القدوم ].

وهذا ظاهر ، فإذا كان بعضهم غائباً فإنه ينتظر قدومه لأنه حق له فلم يتعجل حقه عنه، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم قال المالكية إن كان الغيبة بعيدة لم ينتظر و الراجح الأول لما تقدم.

 

قال: [ أو صغيراً أو مجنوناً انتظر القدوم والبلوغ والعقل].

فإذا كان بعض الأولياء صغيراً أو مجنوناً فإنه ينتظر ويحبس الجاني حتى يفيق المجنون، وحتى يبلغ الصبي فليس لبعض الأولياء أن يستقل بالقصاص وذلك لأنهم جماعة فلم يكن لأحدهم أن يستقل بالحق.

فينتظر حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ثم ينظر ماذا يختارون جميعاً القصاص أم الدية، فإن اختاروا القصاص واتفقوا على ذلك وإلا فتجب الدية.

وقال المالكية والأحناف و هو رواية عن أحمد ، بل هو للمكلفين دون غيرهم وذلك لأن استيفاء القصاص ولاية والولاية ليست للصبي والمجنون ، والأولياء البالغون العقلاء هم المخاطبون عند القتل بالاختيار فلم يكن لغير المكلف حق في ذلك ، وهذا هو القول الراجح، ويترتب على خلافه فوات أو تفويت للحق.

 

 

 

مسـألـة:

اعلم أن الذين لهم حق في استيفاء القصاص هم الورثة يدل على ذلك: قوله e : " من قُتل له قتيل فأهله بين خِيرَتين" رواه أبو داود والنسائي وأصله في الصحيحين فقوله "أهله" أي ورثته.

ويدل عليه أيضاً، ما ثبت في مصنف عبد الرزاق ، أن عمر أتى برجل قد قتل قتيلاً ، وورثته يريدون قتله فقالت زوجته " أي زوجة القتيل" وكانت أختاً للقاتل : قد عفوت عن حقي ، فقال عمر: "الله أكبر قد عتق القتيل" والأثر إسناده صحيح، ولا يعلم له مخالف.

واختار شيخ الإسلام أن الحق للعصبة الذكور لأن العار يلحقهم هم.

والصحيح هو الأول وذلك للأثر الثابت عن عمر ولا يعلم له مخالف، ولأنه حق للميت كسائر حقوقه فكان لورثته وهذا هو مذهب الجمهور.

 

مسـألـة:

إذا قتل بعض الورثة الجاني قبل أن يتفق الورثة على القصاص، فإنه يعزر على ذلك لا فتياته على حق غيره.

وهل يقتل أم لا؟

قولان لأهل العلـم:

القول الأول: وهو المشهور في مذهب أحمد: أنه لا يقتل وذلك لأن هذه النفس التي قتلها يستحق بعضها.

والقول الثاني: وهو مذهب بعض الشافعية: أنه يقتل وذلك لأنه قد قتل نفساً معصومة، فإن هذا القاتل معصوم الدم حتى يختار الورثة القصاص.

و الراجح هو القول الأول ، وذلك لأن دمه لم تثبت عصمته، بل بالقتل دمه هدر ما لم يختر الورثة الدية ويعفو عن القصاص، لأن الأصل هو القصاص، والأصل هو قتل النفس بالنفس.

ويدل على هذا القول أن الحدود تدرأ بالشبهات.

أما إذا قتله بعد اختيار بعضهم الدية فإنه يقتل به إن كان عالماً بالعفو لأن نفسه أصبحت معصومة باختيارهم الدية أو باختيار بعضهم الدية.

فإن قتل هذا الولي بعد اختيار بعض الورثة الدية أو بعد اختيارهم القصاص لكنه سبقهم فقلته، أي قتل الجاني فحق بقية الورثة هل يثبت في تركه الجاني المقتول الذي قد قُتل بيد هذا الولي المفتات، أم أنه يكون في مال الولي الذي قد تعدى فقتل؟

قـولان لأهل العـلم:

أظهـرهما أنه يكون في مال الولي المقتص و هو وجه في المذهب ، وذلك لأن الجاني قد أقتص منه وكان الواجب عليه إما القصاص وإما الدية، وقد اقتص منه فلا حق عليه، وعليه فتجب في مال القاتل الذي هو الولي و المذهب أن حقهم من الدية في تركة الجاني و يرجع ورثة الجاني على المقتص بما فوق حقه من الدم.

قال: [ الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء، أن يتعدى الجاني ].

هذا هو الشرط الثالث من شروط الاستيفاء، وهو أن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى الجاني إلى غيره ، لقوله تعالى: ] فلا يسرف في القتـل [

 

قال: [ فإذا وجب على حامل أو حائل فحملت لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ ].

فإذا وجب القصاص على حامل أو على حائل ثم حملت قبل الاستيفاء فإنه لا يستوفى منها حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ وهو أول اللبن، قالوا: والغالب أنه لا يعيش إلا به، فهذا لدفع الضرر عن الطفل، وقد قال e: ( لا ضرر ولا ضرار ).

 

قال: [ ثم إن وجد من يرضعه ].

فرضي بأن يلتقم ثدي غير أمه.

 

قال: [ وإلا تركت حتى تفطمه ].

دفعاً للضرر عن الغير.

 

قال: [ ولا يقتص منها الطرف حتى تضع والحد في ذلك كالقصاص ].

لما تقدم من دفع الضرر عن الغير.

 

فصــل

 

قال: [ ولا يستوفى قصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه ].

فلا يستوفى القصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه وذلك لكي يؤمن الحيف، ولأن ذلك يحتاج إلى اجتهاد فلم يكن ذلك إلا بحضرة سلطان أو نائبه.

فإنه يخاف الحيف والظلم كأن يقتص بآلة غير ماضية أو أن يتعدى إلى طرف آخر أو غير ذلك.

وظاهره مطلقاً في النفس وغيرها، وهو المذهب.

واختار شيخ الإسلام وهو احتمال ذكره الموفق أن النفس يجوز الاستيفاء فيها بلا حضرة السلطان واستدل بما ثبت في مسلم: أن رجلاً أتى النبيe برجلٍ يقوده بِنِسْعَةٍ ثم قال: إن هذا قد قتل أخي، ثم قال النبيe: " اذهب فاقتله "

والذي يترجح هو القول الأول: وأما الحديث فيقال فيه حيث أمن الحيف وذلك لأن قتل النفس قد يكون فيه حيفٌ ولذلك لا بد من حضرة سلطان أو نائبه.

لكن إن علم السلطان أن مثل هذا عنده وازعُ يمنعه من الحيف فأذن له أن يستوفي بلا حضرة السلطان ولا نائبه فلا بأس بذلك.

قال: [ وآلة ماضيـة ].

لا كآلة: " فلا بد أن تكون الآلة ماضية أي تقتل من غير أن يكون في ذلك أذى للمقتول "

لقوله e في صحيح مسلم  "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".

وإن كان الولي قادراً على استيفاء القصاص بنفسه أي أن يقتل بالسيف هو بنفسه فإن السلطان أو نائبه يمكنه من ذلك و إلا فإنه يأمره أن يوكل غيره من القادرين على استيفاء القصاص.

والمشروع أن ينصب الإمام من يقوم بذلك، ويكون له رزق من بيت مال المسلمين لأن هذا من المصالح العامة.

أما إذا لم يكن هناك أحد فإن الولي يوكل من يقوم عنه بالاستيفاء وإن شاء أن يقوم به هو فإن الإمام أو نائبه يمكنه من ذلك.

 

قال: [ ولا يستوفي القصاص في النفس إلا بضرب العنق بسيف ولو كان الجاني قتله بغيره].

هذا هو المشهور في المذهب وأنه لا يستوفي القصاص في النفس إلا بضرب العنق بالسيف ولو كان الجاني قتله بغيره كأن يرض رأسه أو أن يقطع أعضاءه قطعة قطعة حتى يموت أو أن يفعل به غير ذلك.

واستدلوا: بحديث " لا قود إلا بالسيف " رواه ابن ماجة لكن الحديث منكر.

وعن الإمام أحمد و هو مذهب المالكية و الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يمكن من القتل بمثل ما قتل به وليه، فالجاني يُقتل بمثل ما قتل إلا ما استثنى من الإحراق بالنار ونحوه فإن الشريعة نهت عن ذلك.

فلو قتله بإلقائه من شاهق فإنه يقتل بأن يُلقى من شاق ولو قتله بقطع أعضائه قطعة قطعة فكذلك ونحوه لك.

و هذا القول الراجح ، قال شيخ الإسلام: "وهو أشبه بالكتاب والسنة والعدل" أما العدل فظاهر.

وأما الكتاب فقوله تعالى: ] وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرُ للصابرين [  .

و أما السنة فبما ثبت في الصحيحين: أن جارية وجد رأسها قد رُض بين حجرين فقيل لها من قتلك فلان ، فلان ، ثم ذكروا يهودياً فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فأقر‍ّ  ،" فأمرّ النبيe أن يرضّ رأسه بين حجرين ".

فالراجح: أنه يقتل بمثل ما قتل إلا ما استثنى في الأدلة وهو التعذيب بالنار فإن ذلك لا يحل، ومثل ذلك لو قتله بفعل أمر محرم فيه، كزنا بامرأة أو لواط أو غير ذلك مما هو محرم فإنه لا يفعل به ذلك لأنه محرم في الشريعة الإسلامية.

 

 

 

 

 

 

 باب العفو عن القصـاص

 

قال: [ يجب بالعمد القود أو الدية فيخير الولي بينمها ].

فيتخير الولي في قتل العمد بين القصاص أو الدية، لما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُعطى وإما أن يقاد" أي إما أن يعطى الدية أو يقاد له القتيل.

 

قال: [ وعفوه مجاناً أفضل ].

لقوله تعالى: ] وأن تعفوا أقرب للتقـوى [ .

 وثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي e: " ما أتى بشيء من القصاص إلا أمر فيه بالعفو" والحديث اسناده صحيح من حديث أنس بن مالك.

و قال شيخ الإسلام " العفو لا يكون إحساناً إلا بعد العدل و هو أن لا يحصل بالعفو ضرر فإن حصل به ضررٌ كان ظلماً ، و قال في الإنصاف و هو عين الصواب.

و كذلك اختار رحمه الله تحتم القصاص إذا طالب به المقتول فلا يمكن الورثة بعد ذلك من العفو و هو قوي.

 

قال: [ فإن اختار القود أو عفا عن الدية فقط فله أخذها ].

إذا اختار الولي القصاص فله أخذ الدية، فمثلاً قال أنا أختار القصاص ثم قال: أريد أن أتنازل عن القصاص إلى الدية، فله ذلك- وهذا ظاهر.

وكذلك إذا عفا عن الدية فقط، فقال: عفوت عن الدية فقط، فلفظه هذا ليس فيه أنه قد عفا عن القصاص وحينئذ إذا رضي بالدية وقد عفا عنها فله أخذها.

وذلك لأنه انتقال من الأعلى إلى الأدنى وهو الانتقال من القصاص إلى الدية.

 

قال: [ والصلح على أكثر منها ].

فإذا كانت الدية مثلاً مائة ألف فقال الولي: أنا لا أقبل إلا مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف أو مليون وإلا فإني أختار القصاص فرضي بذلك القاتل، فللولي ذلك، وذلك لأن الحق لا يعدوهما، فإذا تراضيا على شيء من ذلك كان لهما.

 

قال: [ وإن اختارها أو عفا مطلقاً أو هلك الجاني فليس له غيرها ].

إذا اختار الدية فليس له بعد ذلك أن يقتصّ وذلك لأنه اختار الدية.

وكذلك إذا عفا مطلقاً فقال: (عفوت)، وإذا أطلق العفو فإنه ينصرف إلى المطلوب الأعظم، وهو العفو عن القصاص لأنه هو المطلوب الأعظم.

كذلك إذا هلك الجاني قبل أن يقتص منه فليس للولي إلا الدية ، لأن القود لا يمكن استيفاؤه وقد هلك الجاني فحينئذ ليس له إلا الدية فلا ينتقل هذا إلى أخ وابن أو غيره فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى بل يقال هلك الجاني فإن الدية تنتقل في تركته.

فإن لم يكن له تركة فلا شيء للولي كسائر الديون التي يفوت محلها فإنها تفوت بفوات محلها.

 

قال: [ وإذا قطع إصبعاً عمداً فعفا عنها ثم سرت إلى الكف أو النفس وكان العفو على غير شيء فهدر، وإن كان العفو على مالٍ فله تمام الدية ].

رجل قطعت إصبعه عمداً ففي ذلك عُشر الدية ، فعفا عن ذلك ثم سرت الجناية حتى أتلفت الأصابع كلها أو قتلت هذا الشخص كأن ينزف الدم حتى هلك، فهذه السراية هدر لا شيء فيها.

وذلك لأنه قد عفا عن الجناية وسرايتها كذلك لأن سرايَتها فرع عنها هذا قول في المذهب.

والمشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي: أن له أن يأخذ تمام الدية أي ما بقي منها وهو تسعة أعشارها في المثال المتقدم، وذلك: لأنه إنما عفا عن الجناية ولا سراية فيها، وأما مع السراية فإنه لم يثبت عفوه عنها، فلا يسقط من ذلك إلا ما عفا عنه، وهو إنما عفا عن دية إصبع، وهذا هو القول الراجح.

أما إذا كان العفو على مالٍ فله تمام الدية، وهذا ظاهر فإذا قال: أريد الدية ولا أريد القود، فإنه يأخذ عشر الدية ثم سرت الجناية فإنه يُعطى الباقي وذلك لأن السراية نتجت عن فعل الجاني فكان عليه ديتها أي دية السراية.

 

قال: [ وإن وكّل من يقتص ثم عفا فاقتص وكيله ولم يعلم فلا شيء عليهما].

رجل قال: اخترت القصاص، ثم وكّل زيداً من الناس أن يقتص عنه ثم بعد ذلك قال: قد عفوت، فقتل الوكيل ولم يعلم بعفو موكله فلا شيء عليهما.

أما الولي فلأنه محسن بالعفو وما على المحسنين من سبيل وأما الوكيل فلأنه لم يفّرط.

 

قال: [ وإن وجب لرقيق قود أو تعزير قذف فطلبه وإسقاطه إليه ].

فإذا وجب لرقيق قصاص أو تعزير قذف فطلب هذا أو إسقاطه إليه وليس لسيده لأن المقصود من ذلك هو التشفي وهو مختص به.

 

قال: [ فإن مـات فلسيـده ].

فإذا مات العبد فلسيده ذلك، وذلك لأن السيد أحق بعبده من غيره لأنه ملكه.

 

 

 

 

 

 

 

 

بـاب ما يوجب القصاص فيما دون النفس

 

قال: [ من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الطرف والجراح ].

فمن أقيد بأحدٍ في النفس لتوفر الشروط، فكذلك في الطرف والجراح.

 

قال: [ ومن لا فـلا ].

فمن لم يُقد بأحد في النفس فإنه لا يقاد به في الطرف والجراح فالمسلم لا يقاد بالكافر،   فكذلك إذا قطع المسلم يد كافر مثلاً فإنه لا تقطع يده، وكذلك إذا جرح مسلم كافراً فلا قود.

 

قال: [ ولا يجب إلا بما يوجب القود في النفس ].

فلا يجب إلا بما يوجب القود في النفس وهو العمد فلو قطع يد إنسان خطأً أو جرحه خطأً فلا قود.

إذن مسائل الجراح ومسائل الأطراف مبنية على مسائل النفس.

قال تعالى: ] وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص [

 

قال: [ وهو نـوعـان ].

أحدهما في الطرف، والثاني: في الجراح.

 

قال: [ أحدهما: في الطرف فتؤخذ العين والأنف والأذن والسن والجفن].

الجَفن: هو غطاء العين الأعلى أو الأسفل.

والسن إن نبتت فلا قصاص ، وكذا الأذن إن ردت فالتحمت بالحرارة فلا قصاص .

 

قال: [ والشفة واليد والرجل والإصبع والكف والمرفق والذكر والخصية والألية والشفر كل واحدٍ من ذلك بـمثله].

فاليد باليد، والعين بالعين، والأنف بالأنف وهكذا و الشُفر حافة الفرج كالألية .

 

قال: [ وللقصاص في الطرف شروط، الأول: الأمن من الحيف بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه كمارن الأنف وهو مالان منه ].

هذا هو الشرط الأول: وهو للأمن من الحيف وذلك بأن يكون القطع من مفصل كأن يقطع يده من الكوع ورجله من الكعب أو الركبة.

فإنه يثبت به القود وذلك لأمن من الحيف ومثل ذلك: إذا كان له حد ينتهي إليه ، كمارن الأنف فإن له حداً ينتهي إليه وهو القصبة.

أما مثلاً: الجائفة وهو الجرح يكون في البطن ونحوه فلا حد ينتهي إليه فلا قود فيه.

فإذا كان القطع ليس من مفصل كأن يقطع يد إنسان من منتصف الذراع أو منتصف الساق، فظاهر كلام المؤلف ألا قود مطلقاً وهو مذهب الجمهور وذلك لأن القطع ليس من مفصل.

القول الثاني في المسألة: وهو قول في مذهب الإمام أحمد ثبوت القصاص من المفصل الذي دونه ، فإذا قطع من منتصف الذراع فله أن يقتص من مفصل الكف.

وذلك لأنه اقتصر بما دونه فلم يكن فيه حيف ولا ظلم فهو اقتصر على بعض حقه فلم يكن ظالماً، وهذا هو الراجح في المسألة وهو مذهب الشافعية.

وهل له أرش على الزائد أم لا؟

قولان في مذهب الإمام أحمد: أصحهما ثبوت الأرش له وذلك لتعذر الاستيفاء فإذا تعذر الاستيفاء وجب الأرش، إذن الصحيح أنه إذا كان القطع من غير مفصل فله القود من المفصل الذي دونه، وله في أصح القولين الأرش .

 

مسألة :

 إذا قطع بعض لسانه أو شفته أو أذنه أخذ مثله بالأجزاء كالنصف والثلث والربع . 

 

قال: [ الثاني: المماثلة في الاسم والموضع: فلا تؤخذ يمين بيسار ولا خنصر ببنصر ولا أصلي بزائدٍ ولا عكسه].

الشرط الثاني: المماثلة في الاسم والموضع.

فلا تؤخذ يدُ برجل، ولا رجل بيد، ولا أنف بعين وهكذا، كذلك لا تؤخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر، ولا أصلي بزائد، فلو قطع إصبعاً زائدة، فإنه لا تقطع من الجاني اصبع أصلية وذلك لعدم المماثلة.

 

قال: [ ولو تـراضيـا لم يجـز].

فإذا قال الجاني: أنا أرضى أن تؤخذ يدي اليمنى بيده اليسرى لم يجز ذلك.

وذلك لأن الدماء لا تستباح بالإباحة والبذل، ولأنه لا يجوز له أن يتصرف في بدنه بما لم يأذن له به الله عز وجل. لكن تجزيء ويسقط القود لرضاه ولادية لأن ديتها متساوية.

وفي الإقناع وهو المذهب كما في الإنصاف: لو قال أخرج يمينك فأخرج يساره عمداً أو غلطاً أو ظناً أنها تجزيء فقطعها أجزأت ولم يبق قود ولاضمان . 

 

قال: [ الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاء].

الشرط الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلو أن رجلاً قطع يد رجلٍ شلاء فإنه لا تقطع يده السليمة بالشلاء وذلك لعدم الاستواء.

 

قال: [ ولا كاملة الأصابع بناقصة ].

إذا قطع يد رجلٍ أصابعها ناقصة، وأصابع يده، أي الجاني كاملة فلا تقطع يده الكاملة الأصابع بيد الآخر ناقصة الأصابع وذلك لعدم استوائهما في الكمال.

و هل له القطع من أصابع الجاني لقدر أصابعه منه وجهان أظهرهما أن له ذلك لإمكان الإستيفاء فيما دونه

 

قال: [ ولا عين صحيحة بقائمة ].

العين القائمة: هي العين التي يكون بياضها وسوادها صافيين لكنها لا تبصر، أي من رآها يظن أن صاحبها يبصر وهو لا يبصر ، فلو ضرب عين القائمة فأتلفها، فلا تؤخذ عينه الصحيحة.

 

قال: [ ويـؤخذ عكسـه ولا أرش].

فيؤخذ اليد الشلاء باليد الصحيحة فلو أن رجلاً قطع يد آخر اليمنى وكانت صحيحة، ويده اليمنى شلاء فتقطع ولا أرش، لإستوائهما في الخلقة إنما النقص في الصفة هذا هو المشهور في المذهب.

والراجح الأول فلا يجمع بين المال والقود .

 

فـصـل

 

[ النوع الثاني: الجراح فيقتص في كل جرحٍ ينتهي إلى عظم كالموضحة].

قال تعالى: ] والجروح قصـاص [

فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة، والموضحة: هي الشجة تكون في الرأس و الوجه تنتهي إلى العظم فتوضحه لكنها لا تهشمه فإذا هشمته فإنها تسمى الهاشمة.

 

قال: [ وجرح العضد والساق والفخذ والقدم].

فالجرح في العضد والساق والفخذ  والقدم يثبت فيها القود لأنها تنتهي إلى عظم، فيؤمن حينئذ الحيف.

 

قال: [ ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجراح غير كسر سن].

غير الموضحة وجرح العضد والساق والفخذ والقدم فإنه لا يقتص فيه وذلك لعدم أمن الحيف، إلا السن فإنها تثبت القصاص فيها لأنها يمكن أن تبرد.

 

قال: [ إلا أن يكون أعظم من الموضحة كالهاشمة والمنقلة والمأمومة فله أن يقتص موضحة وله أرش الزائد].

إذا كان الجرح أعظم من الموضحة كالهاشمة والمنقلة والمأمومة.

الهاشمة: وهي التي تهشم العظم.

والمنُقّلة: وهي التي تضرب العظم حتى تنقله من مكانه.

والمأمومة: وهي التي تصل إلى جلد الدماغ.

فإذا كانت أعظم من الموضحة فله أن يقتص موضحه وله أرش الزائد.

والهاشمة ديتها عشر من الإبل، والموضحة ديتها خمس من الإبل فالهاشمة لا يمكن ثبوت القصاص فيها لعدم أمن الحيف، فإن العظم إذا هشم قد يهشم أكثر من هشم الأول.

لكن له أن يقتص موضحة فيشج رأسه حتى يصل العظم، وله أرش الزائد وهو الفرق بين دية الموضحة ودية الهاشمة.

 

قال: [ وإذا قطع جماعة طرفاً، أو جرحوا جرحاً يوجب القود فعليهم القود].

كمسألة: قتل الجمـاعة بالواحـد ، فإذا قطع جماعة طرفاً أو جرحاً يوجب القود فعليهم جميعاً القود بالشرط المتقدم في قتل الجماعة.

وقد ثبت في صحيح البخاري: أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب، أن رجلاً قد سرق فقطع يده، ثم جاءاه وقالا: هذا السارق وأخطأنا بالأول: فردّ رضي الله عنه شهادتهما على الثاني وغرّمهما دية الأول وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما).

فإذا اجتمع جماعة على قطع أو جرح فالقود عليهم جميعاً كأن يضعوا حديدة على مفصل ثم يجتمعون عليها حتى يقطعوا اليد أو الرجل، أو يتواطؤا في ذلك كما تقدم تقريره على قتل الجماعة بالواحد.

 

قال: [ وسراية الجناية مضمونة في النفس فـما دونـها].

إذا سرت الجناية فإنها مضمونة.

فلو قطع رجل إصبع آخر ثم سرت الجناية إلى الإصبع الأخرى فالقود في الأصبعين.

أو قطع إصبعه فسرت الجناية لليد كلها كأن تنزف اليد حتى شُلت فيكون القود في اليد كلها.

وذلك لأن السراية من أثر الجناية فكانت مضمونة كالجناية.

 

قال: [ وسراية القود مهـدورة ].

رجل قطع يد آخر فقطعت يده فلما قطعت يده سرت الجناية إلى نفسه حتى مات بسبب قطع يده فلا ضمان وذلك لأنه لا تعدى ، هذا حيث لم يكن هناك إسراف.

لكن لو كان ذلك في  برد شديد أو حر شديد أو كان مريضاً لا يتحمل قطع اليد فقطعت يده، فحينئذ السراية مضمونة.

وكذلك لو قطعه بآلة كالة أو مسمومة فيثبت الضمان لوجود التعدي.

أما إذا لم يكن هناك تعدٍ فلا ضمان لأن ما ترتب على الفعل المأذون فيه فليس بمضمون.

 

قال: [ ولا يقتص من عضو وجرح قبل برئه كما لا تطلب له دية ].

فلو أن رجلاً قطعت كفه، ومازال الجرح فإنه لا قصاص ولا دية حتى يبرأ الجرح وذلك لاحتمال السراية فإنه يحتمل أن تسري الجناية إلى عضو آخر.

وفي المسند والحديث حسن أن النبي عليه الصلاة والسلام : ( نهي أن يقتص من جرح حتى يبرأ )

 فإن تعجل واقتص من الجاني فسرت الجناية بعد ذلك فلا شيء في ذلك وهي هدر، وذلك لأنه قد استعجل حقه ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

وإذا قلعت له سن أو أزيلت له منفعة ونحو ذلك فإنه لا يستعجل لا بالقصاص ولا بالدية حتى ينتظر وقتاً يحدده أهل الخبرة  يمكن أن تعود فيه فالسن إذا كانت مما يرجى عودها أو المنفعة إذا كانت مما يرجى عودها فلا قصاص ولا دية ويضرب الخبير  يمكن أن تعود فيها هذه المنفعة أو تعود فيها هذه السن وحينئذ لا دية ولا قصاص وإنما فيه تعزير.لكن لو مات الجاني بقيت الدية .

 

مسـألة:

اختار شيخ الإسلام وابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن المنذر وهو قول جماعة من أهل الحديث خلافاً لجمهور العلماء ثبوت القصاص في اللطمة والعصا والمال ونحو ذلك فإذا أتلف ماله فله أن يقتص بإتلاف المال وإذا هرب بالعصا فله أن يحرق سيارته المماثلة لها وذلك لحصول التشفي وهو مقصود.

وقال الجمهور: ليس له ذلك، لعدم المماثلة في الغالب فقد تكون العصا أشد من العصا، وقد تكون اللطمة أشد من اللطمة ونحو ذلك.

والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ومن وافقه في هذه المسألة وذلك لقوله تعالى: ] وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرُ للصابرين [

وقوله: ] فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [

وروى البخاري في صحيحه: "أن عمر رضي الله عنه أقاد من الدّر وأن علياً أقاد من ثلاثة أسواط".

وهذا هو القول الراجح، لقوة أدلته، وأما الجواب عما استدل به الجمهور: من أن المماثلة لا تثبت غالباً.

فالجواب: أن العدل مطلوب بحسب الإمكان ثم إن الجمهور يوجبون التعزير وهو أبعد مماثلة، فكوننا عندما يضرب رجل رجلاً سوطاً نسجنه يوماً فإن سجن يوم أبعد مماثلة من ضربه بعصا.

أما إذا ضرب بعصا وإن كنا نحتمل احتمالاً كبير أن يختلف قدر الضربة لكنهما متقاربان.

فإن قيل: إن في إتلاف المال إفساداً؟

فالجواب: أن إفساد المال ليس بأعظم من إفساد الأطراف ومن الجراح ومن قتل النفس، فإن الرجل تقطع يده إذا قطع يد الآخر ويده أعظم من ماله.

وهذا كله لمصلحة التشفي وإزالة الغيظ من المجني عليه.

فإذا اتلف ماله فله أن يتلف ماله المماثل له، وله أن يأخذ قيمة ماله، فهو مخير بين الأمرين.

و الله أعلم و صلى الله على نبينا محمد و على آله وصحبه و سلم






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net