بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
كتـاب الديـات
الديات : جمع دية وهي المال المؤدى إلى المجني عليه أو أوليائه بسبب الجناية.
"المؤدى إلى المجني عليه" هذا إذا كانت الجناية فيما دون النفس كأن يقطع له طرف ، فدية هذا الطرف تدفع إلى هذا المجني عليه.
" أو أوليائه" إذا كانت الجناية في النفس، فإذا قُتل فديته إلى أوليائه.
قال رحمه الله: [ كل من أتلف إنساناً].
أي معصـوماً.
قال: [ بمبـاشرة أو سبب لزمتـه الديـة ].
بمباشرة كأن يضربه بالسيف فيقتله.
أو سبب : كأن يلقيه إلى سبع فيأكله ، أو يشهر في وجهه سلاح فيموت أو يحفر بئراً ليس له حفرها فعليه الدية ، فكل من أتلف إنساناً معصوماً بمباشرة أو سبب لزمته دية.
لقـوله تعالى: ] وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطئا ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا [
قال: [ فإن كانت عمداً محضاً ففي مال الجاني حالة ].
فإذا كانت الجناية عمداً سواء كانت في النفس أو فيما دون النفس فالدية في مال الجاني بالإجماع، لقـوله تعالى: ] ولا تزر وازرة وزر أخـرى [
ولما ثبت في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه أن النبي e قال: " لا يجني جان إلا على نفسه لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده " .
والأصل في ضمان المتلفات أنها تجب على المتلف نفسه.
قال: [ وشبه العمد والخطأ على عاقتله ]
فجناية شبه العمد الدية فيها تكون على العاقلة عند جمهور العلماء، ودليل ما تقدم ما ثبت في الصحيحن أن امرأتين من هذيل ضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى النبي e " بدية المرأة على العاقلة".
وهو قتل شبه عمدٍ ، وقد أوجب النبي e الدية على العاقلة ، ودية جناية الخطأ على العاقلة وهو من باب أولى ، فالشرع قد دل على أن دية شبه العمد تجب على العاقلة من باب التخفيف على القاتل مع كونه قد جنى لكن جنايته لم يكن مقصوداً بها القتل.
فإذا ثبت هذا في شبه العمد فأولى من ذلك أن يثبت في الخطأ وهذا بإجماع العلماء كما حكى ذلك ابن المنذر.
وقد قال المؤلف قبل ذلك في جناية العمد: [حالةً] ففي جناية العمد تجب الدية في مال الجاني حالة غير مؤجلة، فليس للقاضي أن يؤجلها، وذلك لأن هذا هو الأصل في المتلفات، وإن ضمانها يجب حالاً، ولا دليل يدل على جواز تأجيله.
وأما دية جناية شبه العمد والخطأ، فإنها تؤجل على ثلاث سنين، وقد استدل أهل العلم على هذا بأثرين، الأثر الأول: عن عمر والأثر الثاني عن علي رضي الله عنهما، رواهما البيهقي في سننه.
قالوا: ولا يعلم لهما مخالف.
وهذا لو صح الأثران، لكن الأثرين في إسنادهما ضعف فحديث عمر إسناده ضعيف، وحديث على إسناده منقطع.
لكن لاخلاف بين أهل العلم في ذلك فقد اتفق العلماء على التأجيل في جناية شبه العمد والخطأ، والنظر يدل على ذلك، وذلك لأن دية شبه العمد ودية الخطأ مخففة لكونها تجب على العاقلة ولا تجب على الجاني فناسب التخفيف.
وهذا التأجيل حيث لم ير الإمام أو القاضي المصلحة في الحلول، أما لو رأى الإمام أن المصلحة في كونها حالةً فله ذلك كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ونص عليه الإمام أحمد ، كأن يكون المجني عليه أو أولياؤه فقراء وأولياء الجاني أغنياء لا يحتاجون إلى التأجيل، فإنها تكون حالةً بناءً على الأصل.
فإن تعذر أخذها من العاقلة فمن بيت المال ، وقال شيخ الإسلام تؤخذ من الجاني عند تعذر العاقلة وهو أصح.
وهذا الحكم ثابت أيضاً في دية الكتابي كما هو ثابت في دية المسلم لأن دية الكتابي تجب في قتل النفس فاشبهت دية المسلم التي تجب في قتل النفس فهما نظيران، وهذا أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد .
إذن: دية الخطأ وشبه العمد تجب مؤجلة على ثلاث سنين ويكون ذلك في آخر الحول.
وتكون بداية الحول من حين الوجوب، فإذا كان قتل نفس فوقت الوجوب الموت فإذا مات في أول شهر محرم فإنها تجب في نهاية هذا الحول وهو نهاية شهر ذي الحجة لأنه بذلك يتم الحول فيجب الثلث، فإذا أتى نفس الوقت من السنة الثانية وجب الثلث الثاني ثم كذلك في الثلث الأخير.
وأما إذا كان فيما دون النفس، فإذا كان الجرح قد أندمل بلا سراية فوقت الوجوب من حين القطع وإذا أندمل بعد السراية فوقت الوجوب من حين الاندمال، فإذا قطع إصبعه فسرت الجناية إلى بقية الأصابع ثم اندمل الجرح فوقت وجوب الدية من حين الاندمال.
قال: [ وإن غصب حراً صغيراً فنهشته حية أو أصابته صاعقة إلى أن قال: .. وجبت الدية فيهما].
إذا غصب حراً ولم يقل عبداً، وذلك لأن العبد مال و المال لا تجب فيه الدية وإنما تجب القيمة.
فإذا غصب حراً صغيراً فحبسه فنهشته حية فمات أو أصابته صاعقة في الموضع الذي حبس فيه فمات فتجب الدية على الغاصب.
وهكذا في كل ما يتعلق بالمحل الذي حُبس فيه، كأن يقع السقف أو يصاب بوباء، أو نحو ذلك فتجب عليه الدية، وذلك لأنه هو المتسبب في قتله.
[ أو مـات بمـt ].
إذا حبس حراً صغيراً في غرفة أو دار أو في موضع ما فأصيب بمرض ليس بسبب الحبس ، فمات فيه فإن الغاصب تجب عليه الدية.
قالوا: لأن يده يد غاصبة فقد تلف هذا الحر الصغير في يده ويده يدٌ غاصبة، وهذا قول في المذهب.
والمشهور في المذهب خلاف هذا وأنه ليس فيه الدية وهو الراجح ، وذلك لأن هذا الحر الصغير ليس بمال وعليه فلا يدخل تحت اليد .
قال: [ أو غل حراً مكلفاً وقيّده فمات بالصاعقة أو الحية و جبت الدية فيهما ].
إذا غلَّ حراً مكلفاً في عنقه وفي يده ، وقيّده برجليه فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية، وكذلك لو قيّده في رجليه من غير أن يغُله لأنه إذا قيده في رجليه فإنه لا يستطيع الهرب من الصاعقة أو الحية بخلاف ما إذا غّله في عنقه أو يده فإنه يتمكن من الهروب من الموضع الذي أصابته الصاعقة فيه أو نهشته الحية فيه ، وعبر في الفروع بـ( أو ) وهي أظهر كما تقدم .
فإذا غله في يده في دار تحتاج إلى أن يفتح الباب فإن الحكم كذلك فتجب عليه الدية لأنه هو المتسبب في قتله والمتسبب تجب عليه الدية كما تقدم ، بخلاف ما لو كان في فضاء وغلت يده فإنه يمكنه الهروب.
فصـل
قال رحمه الله: [ وإذا أدب الرجل ولده، أو سلطان رعيته أو معلم صبية ولم يسرف لم يضمن ما تلف به]
إذا أدب رجل ولده، أو سلطان رعيته، أو معلم كمعلم القرآن صبيه ولم يسرف، لا في العدد ولا في الشدة ولم يكن هذا المؤدّب ليس محلاً للتأديب كمن لا يعقل كالصبي غير المميز أو غير العاقل، فإنه لا يضمن ما تلف به حتى لو مات المؤدّب.
وذلك لأن هذا الفعل مأذون فيه شرعاً، وما ترتب على المأذون فيه فليس بمضمون كالحد، فكما أن الحاكم لو ضرب الزاني مائة سوط فمات بذلك فلا ضمان لأنه فعل مأذون فيه شرعاً فكذلك هنا.
قال: [ ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنيناً ضمنه المؤدب ].
فإذا كان التأديب لحامل فأسقطت جنيناً فإنه يضمنه المؤدّب لأنه هلك بسببه، فالإذن وارد في المرأة وأما الصبي فإن هذا التلف قد حصل بسبب المؤدب ولم يؤذن له في ذلك، وإن لم يكن هذا من فعله بل كان خطأً لأن الخطأ من أنواع الجناية كما تقدم فلا إثم عليه لكن فيه الضمان.
قال: [ وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله تعالى أو استعدى عليها رجل بالشرط في دعوى له فأسقطت ضمنه السلطان والمستعدي ].
إذا طلب السلطان امرأة لكشف حق الله تعالى أو حق آدمي كحدّ أي تكون متهمة بالزنا ونحوه أو تعزير أو غيره كحقِ آدمي فأسقطت ضمنه السلطان أو استعدى عليها رجل بالشرط في دعوى له ولو كان ذلك عن طريق القاضي فأسقطت ضمنه المستعدي.
وذلك لأن الهلاك بسبب فعلهما، وفي مصنف عبد الرزاق: أن امرأة كان يدخل عليها رجل فأرسل إليها عمر ففزعت فأسقطت فمات جنينها فاستشار الصحابة فمنهم من قال لا شي عليك، وقال علي أما الإثم فنعم وأما الضمان فعليك فقضى بذلك عمر، وإسناده ضعيف ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة.
قال: [ ولو ماتت فزعاً لم يضمنا ].
فإذا طلب السلطان امرأة أو استعدى عليها رجل بالشرط في دعوى له فماتت فزعاً لم يضمنا، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وقول في المذهب وهو مذهب الشافعية وممن اختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
القول الثاني وهو المشهور في المذهب أن عليهما الضمان.
قالوا: لأن الهلاك بسببهما، أي بسبب السلطان في المسألة الأولى وبسبب المستعدي في المسألة الثانية.
وحجة أهل القول الأول في أنه لا ضمان عليهما، أنه فعل مأذون فيه شرعاً، فالقاضي قد فعل ما هو مأذون فيه شرعاً من طلب المرأة لكشف حق الله تعالى.
والمستعدي مأذون له في ذلك شرعاً، أي قد فعل ما هو مأذون له فيه وما ترتب على المأذون فليس بمضمون وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
وعليه: لو لم يكن مأذوناً له في ذلك بل كان متعدياً فحينئذ عليه الضمان.
فلو طلبها السلطان على وجه التعدي فلم يتحر ولم يتثبت بل تعجّل في طلبها وفرّط في التثبت فعليه الضمان والمستعدي إذا كان ظالماً لها فليس عليها حق له، فإن الضمان يثبت وذلك لأن هذا الفعل ليس بمأذون فيه.
قال: [ ومن أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً، أو يصعد شجرة فهلك به لم يضمنه ولو أن الآمر سلطان].
إذا أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك هذا المكلف فإنه لا يضمنه.
وذلك: لأنه لم يكرهه فلم يكن سبباً في إهلاكه، ولو كان الآمر سلطاناً لأنه لم يكرهه .
قال: [ كما لو استأجره سلطـان أو غيـره ].
فإذا استأجر سلطان أو غيره لحفر بئرٍ، أو صعد شجرة فهلك فإنه لا يضمن، فكذلك إذا أمره بالاستئجار على غير وجه الإكراه، ففي كلا المسألتين لا يضمن لأنه لم يتعّد.
وفي قوله: " ومن أمر شخصاً مكلفا" يدل على أنه لو كان المأمور غير مكلفٍ فإن عليه الضمان.
والذي يتبيّن أن هذا ليس على الإطلاق بل متى ما كان على وجه التعدي.
فلو أمره أن ينزل بئراً، ولم يكن هذا الصبي ممن يحسن ذلك فإنه حينئذ يكون عليه الضمان لتعديه.
وأما لو أمره بما يحسنه وهو مميز بأن يرسله في حاجة أو نحو ذلك فيحصل له هلاك ولا يكون في ذلك شيء من التعدي فالذي يترجح ألاّ ضمان عليه ؛ لأن العادة تجري بهذا حيث كان بينهما قرابة أو صحبة أو تعليم ونحوه وهو قول الموفق وحمله في الفروع على ماتقدم .
وإذا سلم ولده الصغير إلى سباح حاذق ليعلمه السباحة فغرق فلاضمان إذا لم يفرط السباح لأنه فعل ماجرت العادة به.
بـاب مقـادير ديـات النفـس
قال رحمه الله: [ دية الحر المسلم مائة بعير أو ألف مثقال ذهباً أو اثنا عشر ألف درهم فضه أو مائتا بقرة أو ألفا شاه].
وفي الحُلّة روايتان:
الرواية الأولى: وهي المشهور: أنها ليست من أصول الدية.
الرواية الثانية: أنها من أصول الدية، وفي ذلك مائتا حُلةً والحلل من برد اليمن إزار ورداء .
هذه هي أصول الدية في المشهور من المذهب وهي خمس، الأصل الأول، الإبل، والثاني: الذهب، والثالث: الفضة، والرابع: البقر، والخامس: الغنـم.
قال: [ فهذه أصول الدية فأيها أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله ].
هذا من مفردات المذهب .
فإذا أعطاه مائتي بقرة فإنه يجب عليه أن يقبل، أو أعطاه ألفي شاه، فيجب عليه أن يقبل وهكذا.
واستدلوا: بما روى أهل السنن عن ابن عباس: "أن رجلاً قتل فقضى النبي e أن ديته اثنا عشر ألفاً" هذا في الفضة.
وفي الذهب: بما روى النسائي وغيره أن النبي e قال: ( وعلى أهل الذهب ألف دينار) من حديث عمرو بن حزم.
واستدلوا: على أن البقر والشياه أصل بما روى أبو داود من حديث جابر أن النبي e قضى في الإبل مائة من الإبل وفي البقر مائتين من البقر، وفي الشياة ألفي شاه وفي الحلل مائتي حٌلة. هذه أدلة هذه الأصول.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الجمهور وراية عن أحمد واختيار الموفق ، وعليه أئمة الدعوة، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أن الإبل هي الأصل وأن غيرها بدل عنها، فعلى ذلك، تقوم الإبل في كل عصر، فننظر كم تساوي من البقر وكم تساوي من الشياه وكم تساوي من الذهب وكم تساوي من الفضة فتعطى كذلك.
ودليل هذا القول: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "كانت قيمة الدية على عهد النبي e ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، وكانت دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، حتى كان استخلاف عمر بن الخطاب فقال: ألا إن الإبل قد غلت ففرضها في الذهب ألف دينار وفي الورق اثنا عشر ألفاً وفي البقر مائتي بقرة وفي الشياه ألفي شاة وفي الحلل مائتي حلة ولم يزد في دية أهل الكتاب" وهذا يدل على أن الإبل هي الأصل، وعمر قاله بمحضر من الصحابة ولم ينكر فكان إجماعاً ، ويدل على هذا أيضاً: أن الدية في الإبل تتغلظ ولا يكون هذا في غير الإبل فدلّ على أنها هي الأصل، كما أنها أي الإبل: هي دية الأطراف والجراح كما سيأتي تقريره، وهذا القول هو الراجح.
وأما الأدلة التي استدل بها أهل القول الأول فهي أدلة ضعيفة.
فحديث ابن عباس، الصواب أنه مرسل.
وحديث عمرو بن حزم: كذلك.
وحديث جابر: فيه عنعنة محمد بن إسحاق.
فالصحيح أن الإبل هي الأصل، وعليه العمل في المحاكم عندنا وهو الذي عمل به أئمة الدعوة النجدية.
وعليه: فقوله: " فأيها أحضر من تلزمه لزم الولي قبوله" هذا ينبني على هذا القول أي قول الحنابلة وتقدم أنه قول مرجوح ، وعلى الراجح: لا يلزمه القبول.
وهل يشترط أن تكون الإبل من جنس إبله، أي إبل الغارم الذي وجبت عليه الدية، أم لا يشترط ذلك؟
قولان لأهل العلم هما وجهان في مذهب الإمام أحمد.
والراجح وهو المذهب أن ذلك لا يجب لإطلاقات النصوص، كقولهe وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" رواه النسائي وهو حديث حسن، وغير ذلك من الأحاديث التي سيأتي ذكرها.
فإن قيل: إنها تقاس على الزكاة، فكما أن الزكاة يجب عليه أن يخرجها من ماله فكذلك في الدية؟
والجواب: أن بينهما فارقاً، فإن الزكاة تجب من باب المواساة وأما الدية فإنها تجب من الضمان .
قال: [ ففي قتل العمد وشبه، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة]
والتغليظ كما يكون في دية النفس فكذلك في الأطراف والجراح لاتفاقهما في السبب الموجب .
هذه هي دية العمد وشبه العمد وهي دية مغلظة، تجب أرباعاً هذا هو المشهور في المذهب.
واستدلوا: بحديث ذكروه عن السائب بن يزيد، أن النبي e قال: ( الدية أرباعاً ثم ذكره).
والحديث ليس مشهوراً في شيء من كتب السنة، فيما رأيت، وذكره السيوطي في جمع الجوامع وضعّفه.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد اختاره طائفة من أصحابه ، أنها تجب ثلاثون حقه، وثلاثون جذعة وأربعون خلفه في بطونها أولادها.
وهذا هو القول الراجح، لما روى أبو داود، والترمذي والحديث حسن أن النبيe قال: ( الدية ثلاثون حقه وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها" ويدل عليه ما تقدم في حديث سابق: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها".
وتغلظّ الدية في قتل الخطأ في المشهور في المذهب والراجح أن العمد كذلك ، قال القاضي وهو قياس المذهب وهذا التغليظ خاص في دية النفس لا الطرف ، في أربعة مواضع: في الحرم ، أو في الأشهر الحرم ، أو كانت من مُحرِم في المشهور من المذهب ، وقال بعض الحنابلة كالقاضي : إذا قتل ذا رحم محرم فإنها تُغلّظ.
ودليل ما تقدم : ما ثبت في مصنف ابن أبي شيبه بإسناد صحيح أن عثمان قضى في امرأة قتلت في الحرم بديةٍ وثلث الدية" ولا يعلم لعثمان مخالف في هذه المسألة ، فإذا اجتمعت هذه الثلاث وجبت ديتان .
قال: [ وفي الخطأ تجب أخماساً: ثمانون من الأربعة المذكورة، وعشرون من بني مخاض].
فدية الخطأ تجب أخماساً ثمانون من الأربعة، أي عشرون من بني مخاض، وعشرون بنت لبون وعشرون حقه وعشرون جذعة وعشرون من بنت مخاض، وهي دية مخففة ،هذا هو المشهور في المذهب.
واستدلوا بما ورد عن ابن مسعود مرفوعاً أن دية الخطأ تجب أخماساً، رواه الدار قطني.
وقال الشافعية: تجب أخماساً ثمانون من الأربعة المتقدمة وعشرون من بنت لبون.
واستدلوا: ببعض روايات ابن مسعود، وهي عند أهل السنن ، لكن الحديث ضعيف بروايتيه ، والصواب أنه من قول ابن مسعود كما في مصنف ابن أبي شيبه بإسناد صحيح.
وورد في سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيe قضى أن من قتل خطأً فديته ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقه وعشرة من بني لبون، والحديث إسناده جيد، وبه قال طاووس من التابعين.
وقول ابن مسعود المتقدم، مخالف بقول عثمان وزيد بن ثابت كما في سنن أبي داود، أنهما قالا: إن دية الخطأ عشرون بنت مخاض، وعشرون بني لبون وثلاثون من بنات لبون وثلاثون حقه.
قال ابن القيم في تهذيب السنن هذه الآثار تدل على أن النبيe لم يقدر قدراً محدوداً وفي هذا قوة .
ويعمل حينئذ بإطلاق قوله e في النفس المؤمنة مائة من الإبل ، فالأمر في ذلك واسع، وهذا يناسب ما في دية قتل الخطأ من التخفيف.
قال: [ ولا تعتبر القيمة في ذلك بل السلامة ].
فلا تعتبر القيمة فيما تقدم ذكره بل السلامة.
فقد تقدم أن قيمة الإبل في المذهب اثنا عشر ألف درهم قيمة البعير الواحد مائة وعشرون درهماً.
فهل نقول: الواجب أن نشتري البعير بمائة وعشرين درهماً وإن كان البعير يفقد شيئاً من شروط السلامة أم لا بدّ وأن تتوفر فيه شروط السلامة سواء كان مساوياً هذا القدر أم كان أكثر منه؟
الجواب: هو الثاني وأنه لا تعتبر القيمة في ذلك بل السلامة خلافاً لأبي الخطاب من الحنابلة.
فقوله: أي أبي الخطاب، ضعيف لأنه يخالف إطلاقات النصوص فظاهر إطلاقات النصوص أن الواجب في الإبل السلامة وعليه فإنه لابد وأن تكون الدية مائة من الإبل تتوفر فيه شروط السلامة وإن كانت قيمة البعير أكثر من مائة وعشرين درهماً.
قال رحمه الله تعالى: [ ودية الكتابي نصف دية المسلم ].
الكتابي: هو اليهودي والنصراني معاهداً أو مستأمناً أو ذمياً.
فدية الكتابي نصف دية المسلم.
دليل ذلك: ما ثبت في سنن أبي داود أن النبيe "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين"، والعقل: الدية والحديث حسن.
وذهب الأحناف إلى أن دية الكتابي كدية المسلم.
واستدلوا: بقوله تعالى: ] وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله [
وبما صح عن عمر كما في مصنف عبد الرزاق: "أنه قضى على رجل مسلم قتل يهودياً من أهل الشام بألف دينار".
والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول للحديث المتقدم وأما قول عمر فهو قول صاحب لا يخالف به ما ثبت عن النبيe هذا لو كان صريحاً في المخالفة، مع أن الذي يظهر أن عمر إنما قضى بذلك من باب تغليظ الدية كما هو المشهور في مذهب أحمد خلافاً للجمهور وأن دية الكتابي تغلظ فتكون كدية المسلم إذا كان القتل عمداً، وفي ذلك أثر عن عثمان رواه البيهقي والدارقطني : أنه قضى على رجل مسلم قتل ذمياً عمداً بمثل دية المسلم وهو أثر صحيح .
فدل هذا على أن الدية تغلظ عن النصف إلى الكل وذلك حيث كان القتل عمداً وهو المذهب .
وعلى ذلك فإذا قتل المسلم ذمياً خطأً فعليه نصف الدية وقد تقدم أن دية المسلم اثنا عشر ألف وعليه فدية الكتابي ستة آلاف درهم.
قال: [ ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم ].
المجوسي هو الذي لا كتاب له ، والوثني عابد الأوثان ، ديتهما ثمانمائة درهم.
وقد تقدم أن مائتي درهم تساوي ستاً وخمسين ريالاً سعودياً فنتيجة ذلك أن يكون دية المجوسي والوثني مائتان وأربع وعشرون ريالاً سعودياً.
والريال السعودي يساوي نحو ثمانية أريل، فعلى ذلك تكون ديته نحو ألفين أو ثلاثة آلاف ريال ، وهذا حقه، لأنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وليس من أهل الكتاب.
هذا هو قضاء عمر وعلي وابن مسعود كما في الدارقطني وهو صحيح ولا يعلم لعمر من الصحابة مخالف.
قال: [ ونساؤهم على النصف ].
نساء أهل الذمة على النصف منهم، فديتهم ثلاثة آلاف درهم.
ونساء المجوس ونحوهم فديتهن أربعمائة درهم.
ولا يظهر أنها تقوم بالإبل، لأنا لو قومناها بالإبل فإنها تساوي نحو سبع من الإبل، والسبع من الإبل تختلف قيمتها بالدراهم من زمن إلى زمن.
لكن الأثر فيه تقويم بالدراهم ولا يظهر تقويمها بالإبل أو غيرها.
قال: [ كالمسلمين ].
فقاس رحمه الله نساء أهل الذمة ونساء المجوس في كونهن على النصف من ذكورهم ، قاس ذلك على نساء المسلمين فنساء المسلمين على النصف من ذكورهم.
ودليل ذلك: ما روى النسائي عن عمرو بن حزم أن النبيe قال: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها".
وله شاهد مرسل عن سعيد بن المسيب كما في موطأ مالك وله شاهد موقوف صحيح عن عمر بن الخطاب كما في مصنف ابن أبي شيبه.
وشاهد عن علي وابن مسعود، كما في سنن البيهقي فدية المرأة المسلمة على النصف من دية الرجل.
أما دية الأطراف والجراح بالنسبة للمرأة فكما تقدم في الأثر السابق، ديتها كدية المسلم حتى تبلغ الثلث من ديتها.
فالإصبع في الرجل ديتها عشرة من الإبل، فهي أقل من ثلث الدية فالمرأة ديتها كذلك.
واليد فيها خمسون من الإبل أي نصف دية، فالمرأة على النصف من ذلك ففيها خمس وعشرون من الإبل.
وهذا القول كما قال الشنقيطي رحمه الله مشكل جداً لأنه يقتضي إذا قطعت من يدها ثلاثة أصابع كانت ديتها ثلاثين من الأبل ، و إن قطعت من يدها أربعاً كانت ديتها عشرين من الأبل و قد أستشكله ربيعة بن عبدالرحمن على سعيد بن المسيب كما في الموطأ فقال هي السنة و قال لما عظمت مصيبتها قل عقلها.
ثم ذكر أن الحديث يحتمل أن الزائد فقط النصف فيكون في أربعة أصابع خمس و ثلاثون قال و هو معقول و ظاهر أما ما سبق فهو مخالف لما عهد من حكمة الشارعو ما ذكر رحمه الله قوي لكن لم أقف على قائل به
و مذهب الشافعي و أبي حنيفة أنها على النصف من ذلك فيما قل أو كثر.
قال: [ ودية قن قيمتـه ]
القن هو الرقيق سواء كان ذكراً أو أنثى.
فديته قيمته مهما بلغت، فلو كان يساوي مائتين من الإبل فديته كذلك ولو كان يساوي عشرة من الإبل فديته كذلك ، وذلك لأن الرقيق مال متقوم.
قال: [ وفي جراحه ما نقصه بعد البرء ]
فإذا جرحه إنسان فإنه يقوم بعد البرء، فمثلاً كان يساوي قبل الجرح مائة ألف، ثـم بعد الجرح أصبح لا يساوي إلا ثمانين ألفاً، فقد نقص منه عشرون ألفاً، فأرش الجناية عليه عشرون ألفاً هذا القول هو الراجح في المسألة وهو قول في المذهب واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وممن اختاره الموفق ابن قدامة ، و صوبه في الإنصاف.
والمشهور في المذهب أن الواجب بقسطه من القيمة فإذا قطعت يد الرقيق، فإن دية اليد من الحر نصف الدية فكذلك في العبد، فقيمته تساوي عشرة آلاف ريال فقطعت يده، فنصف العشرة آلاف هو خمسة آلاف هي دية اليد.
وهذا قول مرجوح، وذلك لأن القول الأول قد ألحق ما دون النفس بالنفس، فكما أن النفس ديتها القيمة فكذلك ما دونها لأن السبيل واحدة فهو مال.
قال: [ ويجب في الجنين ذكراً كان أو أنثى عشر دية أمه غرةٍ ]
يجب في الجنين ذكراً كان أو أنثى عشر دية أمه غرة ، إذا تبين فيه خلق الإنسان و أما إذا ألقته حياً حياة ً مستقرة ثم مات عن أثر الجناية ففيه دية كاملة.
والغُرة: العبد أو الأمة سمي بذلك لأنه من أنفس المال.
وفي الصحيحين في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا ومنه أن النبيe "قضى أن دية جنينها غرة عبدُ أو أمة" فدية الجنين عبد أو أمة.
وهنا المؤلف قال: "عشر دية أمه" وقد تقدم أن دية المسلمة خمسون من الإبل، فعشرها خمس من الإبل إذن قيمة هذا العبد أو الأمة خمس من الإبل.
فعليه أن يشتري عبداً أو أمة تساوي خمساً من الإبل وهذا القول لا خلاف بين العلماء فيه فهو اتفاق بين العلماء وذكره الموفق عن علي وزيد بن ثابت ولا يعلم لهما مخالف ولم أره بإسناد صحيح فإنه لم يعزه.
وكذلك الشيخ الألباني في إرواء الغليل: لم يقف على هذين الأثرين.
و إذا كانت الأم كتابية فديتها خمس وعشرون من الإبل فجب في جنينها عبد أو أمة يساويين بعيرين ونصف وهكذا.
قال: [ وعشر قيمتها إن كان مملوكاً وتقدر الحرة أمة ]
إذا كان الجنين مملوكا فإن ديته عشر قيمتها إن كانت مملوكة.
فإذا كان الجنين مملوكاً فديته عشر قيمة أمه إن كانت أمةً، أما إذا كانت أمه حرةً فإنها تقوم كما لو كانت أمةً.
فإذا كانت تساوي مثلاً مائة ألف، فدية الجنين عشرة آلاف قياساً على المسألة السابقة.
وخرّج المجد من الحنابلة قولاً آخر في هذه المسألة فقال: بل ما نقص من قيمة الأم بعد إسقاطه هو الدية.
فمثلاً: الأم وهي حامل تساوي مائة ألف، فلما أسقطته أصبحت لا تساوي إلا ثمانين ألفاً، فالدية عشرون ألفاً وهذا أقيس.
وذلك إلحاقاً بالبهيمة بجامع أن كليهما مال يباع ويشترى والرجل إذا ضرب بـهيمة فأسقطت ما في بطنها فإن هذه الجناية يلزمه بها الفارق ما بين قيمة هذه البهيمة وهي حامل وقيمتها وقد أسقطت.
وأما قياسهم على المسألة السابقة: فهو قياس مع الفارق لأن هناك الجنين حر وهنا مملوك، وفارق بين الحر والمملوك، فالحر لا يقوم فليس بمال وأما المملوك فهو مال يباع ويشترى.
إذن: الراجح ما ذكره المجد ابن تيمية في هذه المسألة.
قال: [ وإن جنى الرقيق خطأً أو عمداً، لا قود فيه، أو فيه القود واختير فيه المال أو أتلف مالاً بغير إذن سيده يعلق ذلك برقبته فيخير سيده بين الدية بأرش جنايته أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه، أو يبيعه ويدفع ثمنه]
إذا جنى رقيق خطأً أو عمداً لا قود فيه كالجائفة أو عمداً فيه قود واختار المجني عليه وأولياؤه المال.
أو أتلف العبد مالاً بغير إذن سيده، فالحكم يتعلق برقبته، ولم نقل بذمته لأنه لا ذمة له فهو مال لا يملك.
فيخير سيده بين:
- أن يفديه بأرش جنايته، إن كانت قدر قيمته فأقل فإن كانت أكثر لم يلزمه.
- أو يسلمه إلى ولي الجناية، فيعطيه ولي الجناية إن شاء أن يمتلكه وإن شاء أن يبيعه.
- أو يبيعه السيد ويدفع ثمنه، فإن كانت الجناية تساوي عشرة آلاف والعبد يساوي عشرة آلاف فإنه يدفع المال كله لولي الجناية.
وإن كانت الجناية تساوي خمسة آلاف، والرقيق يساوي ألفاً فإنه يدفع له القيمة وهي ألف.
وذلك لأنه متعلق بالرقبة فلا دخل للسيد بما زاد عن ذلك.
وفي قوله: [ أو تلف مالاً بغير إذن سيده ]
أما إذا أتلف مالاً بإذن سيده أو أمر فإن الضمان لا يكون عليه بل على سيده، وذلك: لأنه كسوطه وعصاه، و كما لو استدان عليه.
بـاب ديات الأعضـاء ومنافعهـا
الأعضاء: مثل العين، ومنافعها كالبصر وكذلك اللسان والذوق.
أما الأذن فليس السمع فيها بل في الدماغ، وكذلك الشم فهو ليس في الأنف بل في الدماغ.
ولذا فإن في الأذن الدية وفي السمع الدية، فلو أنه جنى على أذنه وسمعه ففيه ديتان.
قال: [ من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف واللسان والذكر ففيه دية النفس]
فمن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف ونحوه ففيه دية النفس.
قال: [ وما فيه منه شيئان كالعينين، والأذنين والشفتين واللحيين وثديي المرأة، وثندؤتي الرجل واليدين والرجلين والإليتين والأنثيين و إسكتي المرأة ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها ]
فمن أتلف ما في الإنسان منه شيئان ففيهما الدية كاملة، وفي أحدهما نصفها.
ففي اليد نصف الدية، وفي كلتيهما كلها، وهكذا.
و الجمهور على أن الواجب في الثندؤتين الحكومة لأنها ليس فيها منفعة مقصودة بل للجمال.
قال: [ وفي المنخرين ثلثا الدية، وفي الحاجز بينهما ثلثها]
فما كان في الجسم منه ثلاث ، ففي أحدها الثلث فالأنف يتكون من منخر "على وزن مسجد" ومنخرُ آخر ، والحاجز الذي بينهما ، ففي كل جزء الثلث.
قال: [ وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي كل جفن ربعها]
فـما في البدن منه أربعة، ففي كل شيء من هذه الأشياء الأربعة ربع الدية، وفي الكل الدية كاملة ، كالأجفان، والجفن هو غطاء العين.
هذا هو مذهب جماهير العلماء ، والآثار تدل على ذلك ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي أن النبي e قال: "في الأنف إذا أوعيب جدعه الدية وفي العينين الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي الصلب الدية" والحديث من حديث عمرو بن حزم وهو مرسل، لكن عليه العمل وله شواهد.
وفي البيهقي عن سعيد بن المسيب مرسلاً بإسناد صحيح إلى سعيد قال: (قضت السنة في العقل أن في الصلب الدية) وهو عظم الظهر من الكاهل إلى العجب و لو ذهبت مشيته أو جماعه ففيه الدية و لو ذهبا فديتان لأنهما منفعتان.
قال: [وفي أصابع اليدين الدية كأصابع الرجلين وفي كل إصبع عشر الدية ]
فـما كان في البدن منه عشر، ففي كل واحد منه عشر الدية، فأصابع اليدين عشر، ففيها الدية كاملة، وفي كل إصبع عشر الدية، لا فرق بين الخنصر والإبهام.
ففي مسند أبي داود ومسند أحمد أن النبي e قال: " الأصابع سواء والأسنان سواء الضرس والثنية سواء " ، وفي سنن الترمذي و صححه وهو كما قال عن ابن عباس مرفوعاً " دية أصابع اليدين و الرجلين عشرة من الإبل لكل إصبع"
قال: [ في كل أنملة ثلث عشر الدية والإبهام مفصلان ففي كل مفصل نصف عشر الدية]
فالإصبع فيها ثلاث أنامل، ففي كل أنملة ثلث عشر الدية، والإبهام فيه مفصلان، فإذا قطعه من مفصل ففيه نصف عشر الدية، فإذا كان مسلماً ففيه خمس من الإبل.
فإذا زاد على الإصبع ففيه حكومة أي هذا الزائد حكومة والمراد بالحكومة، أن يقوم عبداً صحيحاً وعبداً فيه نقص والفارق بينهما هو الحكومة.
قال: [ كـدية السـن ].
فدية السن خمس من الإبل لا فرق بين ضرس ولا ثنية، وفي حديث عمرو بن حزم أن السن خمس من الإبل ، رواه النسائي و له شواهد و رواه ابن ماجة من حديث ابن عباس.
وكذلك الظفر، كما صح عن ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبه فالظفر فيه خمس من الإبل.
هذا إذا لم يرجع الظفر، أما إذا رجع فليس فيه شيء إلا أن يكون فيه شيء من التشويه فيكون فيه حكومة كما تقدم.
إذن: ما يزيد على هذه الأعضاء ففيه حكومة، فاليد إذا قطعت من الرسغ ففيها نصف الدية فإن زاد قطعت مثلاً من نصف الساعد أو من العضد ففي هذا الزائد حكومة.
الرجل إلى الكعب، فإذا زاد على الكعب ففيه حكومة كما تقدم.
فصـل
قال: [ في كل حاسة دية كاملة وهي السمع والبصر والشم والذوق]
فإذا ضربه مع رأسه فأذهب سمعه أو بصره فإنه تجب دية كاملة ، وكذا إذا اذهب شمّه أو ذوقه ، و المذوقات خمس في كل واحدة خمس الدية و هي الحلاوة ،و المرارة ، و الملوحة.، و العذوبة ، و الحموضة.
و ذكر فقهاء المالكية وجوب الدية في ذهاب منفعة اللمس و هي التي تدرك بها الحرارة و البرودة والنعومة و الخشونة قياساً على الشم و هو ظاهر.
قال: [ وكذا في الكلام و العقل ومنفعة المشي والأكل والنكاح وعدم استمساك البول والغائط]
فكلها فيها دية كاملة ، و في الكلام إن أذهب حرفاً فيقسم على ثمانية و عشرين حرفاً .
فإن جمعها ففي كل واحدة دية، ففي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح " أن رجلاً ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره وعقله ونكاحه فقضى عمر عليه بأربع ديات ، وهو حي" فهذه أربع ديات، للسمع دية وللبصر دية وللعقل دية وللنكاح دية ، فالنكاح بأن يفقده الشهوة أو يكون عنيناً أو يذهب ماؤوه ، و في الأكل بأن يفقد شهوته أو منفعته أو يأكل و لا يهضم و نحو ذلك.
قال: [ وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية، وهي شعر الرأس واللحية، والحاجبين وأهداب العينين]
ففي كل واحد من الشعور الدية.
فإذا اعتدى عليه فاذهب شعر رأسه والمراد حيث لم يرجع شعره، وكذلك إذا حلق لحية غيره ولم ترجع كأن يعطيه دواءً فيذهب اللحية فلا ترجع ففيه دية كاملة.
وكذلك في الحاجبين: في كل حاجب نصف الدية وكذلك أهداب العينين، في كل هدب ربعها ، وفي العينين أربعة أهداب و أما الشارب ففيه حكومة.
إذن هذه الشعور فيها الدية كما ذكره المؤلف هنا وهو المشهور في المذهب.
وعند ابن المنذر وضعفه أن زيد بن ثابت قال: " في الشعر الدية".
والقول الثاني في المسألة: هو مذهب الشافعية والمالكية، أنه ليس فيه دية وهو القول الراجح.
و الدليل أن الأصل في مال المسلم العصمة ولا نص ولا إجماع ولا قياس يدل على ما ذكره الحنابلة ، و أما الأثر فضعيف.
وعليه: فلو اعتدى على لحيته أو شعر رأسه ففيه حكومة وليس فيه دية.
ولا شك أنها ليست كالمنافع التي تقدم ذكرها.
فإنها أي هذه الشعور - جمال – وليست بمنفعة تشبه منفعة السمع والبصر، فلا تقاس عليها.
قال: [ فإن عاد فنبت سقط موجبه ]
فإذا عاد الشعر فنبت سقط موجَبه وهي الدية المذكورة فإن كان أخذ شيئاً من الدية فإنه يعيده.
وعليه: فإنه إذا كان يرجى عود هذا الشعر أو هذا السن، فإنه لا يعطى الدية.
قال: [ وفي عين الأعور الدية كاملة ]
لأنه قد أذهب عليه حاسة البصر ، وله القصاص و نصف الدية.
قال: [ وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص]
إذا قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه عمداً.
وقال "المماثلة" لأنه لا قصاص إلا مع المماثلة فعليه دية كاملة ولا قصاص.
أما كونه لا قصاص فظاهر فلأن القصاص يفضي إلى إذهاب حاسة البصر ، وعليه دية كاملة، تغليظاً للدية لأنه متعمد، ومع التعمد تغلّظ الدية حيث منع من القصاص لمعنى فيه كقتل الذمي عمداً و هكذا كل من سقطت عنه العقوبة لمانع في المجني عليه ضوعف عليه الغرم ، وهو قول عمر وعثمان كما في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنهما.
فإذا أذهب الأعور عيني الصحيح كلتيهما فما الحكم؟
الجواب: أنه يقتص منه لأنه لا حيف حينئذ لأنه أذهب حاسة البصر.
وهل عليه دية مع القصاص؟
الجواب: فيه نصف الدية مقابل العين الأخرى ، وأما إذا لم يقتص فعليه دية كاملة.
مسـألـة:
إذا أذهب بعض حاسة البصر أو بعض حاسة السمع أو نحو ذلك فما الحكم؟
له حالتان:
الحالة الأولى: أن يمكن تقدير ما ذهب كأن يعلم أنه بقي له من حاسة البصر النصف.
ففي ذلك نصف الدية كالأصابع و إذا قطع أنملة ففيه ثلث عشر الدية.
الحالة الثانية: ألا يمكن التقدير.
ففيه حكومة: أي يقوم قبل هذه الجناية ويقوم بعدها والفارق هو الأرش و هو المذهب.
قال: [ وفي قطع يد الأقطع نصف الدية كغيره ]
رجل قطع يد الأقطع هل فيه دية كاملة أم لا؟
قال هنا: فيه نصف الدية وتقدم أن الأعور فيه الدية كاملة.
فمثلاً: رجل ليس له إلا يد واحدة وهي اليمنى أو اليسرى أو ليس له إلا رجل واحدة وهي اليمنى أو رجل واحدة وهي اليسرى فقطعها متعمد أو مخطئ ففي ذلك نصف الدية.
قالوا: لأن واليد اليمنى لا تقوم مقام اليد اليسرى و كذا العكس.
بخلاف العين فإنها تقوم مقام العين الأخرى فهو يبصر بها ، هذا هو الفارق بينهما وهذا القول نظر.
وعن الإمام أحمد: أن فيه الدية ، وهذا أظهر لأنه عطل منافعه من العضوين جميعاً
[ كغيره ]: أي كغير الأقطع.
فائدة : كل عضو شل ففيه الدية سوى الأذن و الأنف ففيها حكومة.
و كل عضو قطع و هو أشل ففيه حكومة سوى الأذن و الأنف ففيهما الدية ، وهو المذهب.
مسـألة:
أنه ورد في مسند أحمد وسنن أبي داود وهذا لفظ أحمد أن النبي e قال: " وإذا جدعت أرنبته – وهي طرف الأنف - فنصف العقل خمسون من الإبل ".
والحديث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولم أقف على قائل بهذا إلا ما نقله الخطابي عن ابن المنذر فإنه حكى هذا القول في الاختلاف ولم يعزه إلى قائل.
وذكر الحديث ابن القيم في قضاء النبي e ولم يتكلم بشيء فظاهر الحديث أن في أرنبة الأنف نصف الدية وفي ذلك قوة من حيث النظر وذلك لأن الدية في الأنف لأنه جمال الأنف وفي الأرنبة أعظم جمال الوجه فلا يبعد أن يقال به مع صحة الحديث الوارد.
مسألة :
اليد الشلاء إذا قطعت فإن فيها حكومة، كما هو مذهب جمهور العلماء وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد.
والرواية الثانية: أن في اليد الشلاء أو في السن السوداء وفي العين القائمة السادة محلها، أن في ذلك كله ثلث ديتها فاليد الشلاء فيها ثلث دية اليد الصحيحة، وهذا هو القول الراجح، ودليله: ما ثبت في سنن أبي داود وبإسناد حسن من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، (أن النبي e قضى في العين القائمة السادة مكانها بثلث ديتها وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها وفي السنن السوداء إذا قلعت بثلث ديتها ).
باب الشجاج وكسر العظام
الشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة.
فعلى ذلك الجرح في بقية اليدين لا يسمى شجةً.
قال رحمه الله تعالى : [ وهي عشرة ].
فالجروح التي تكون في الرأس والوجه عشر.
قال : [ الحارصة: التي تحرص الجلد أي تشقه قليلاً ولا تدميه]
فهي تشق الجلد قليلاً لكن لا يخرج دم، وهذه فيها حكومة وليس فيها دية.
قال : [ ثم البازلة وهي الدامية]
البازلة دامية أي تخرج الدم وهو دم يسير لذا قال الدامية، فهي تخرج دماً يسيراً ويقال دامعة تمثيلاً بالدمع لأن الدمع يسير فكذلك هذا الدم دم يسير وليس المراد من ذلك تبكي صاحبها.
قال : [ ثم الباضعة: وهي التي تبضع اللحم]
أي تشق اللحــم.
قال : [ ثم المتلاحمة: وهي الغائصة في اللحم ]
أي تدخل وتخترق اللحم.
قال : [ ثم السمحاق وهي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة]
فهي لم تصل إلى العظم بعد، لكنه كادت فليس بين هذا الجرح وبين هذا العظم إلا شيء يسير.
قال : [ فهذه الخمس لا مقدر فيها بل حكومة ]
فهذه الخمس لا مقدر فيها شرعا فإنه لم يثبت ذلك عن الشارع بل فيها حكومة، وسيأتي الكلام عن الحكومة.
قال : [ وفي الموضحة: وهي ما توضح العظم وتبرزه ]
والصواب ما توضح العظم كما قال الشارح إذن هي جرحت وبرز العظم ولو كان البارز شيئاً يسيراً كالإبرة.
قال : [ خـمسـة أبعره]
فالموضحة فيها خمسة أبعره ، ودليل ذلك ما ثبت في حديث عمرو بن حزم أن النبي e قال: " دية الموضحة خمس من الإبل " ، وتقدم الكلام على حديث عمرو بن حزم.
قال : [ ثم الهاشمة: وهي التي توضح العظم وتهشمه وفيها عشرة أبعرة]
قضى بذلك زيد بن ثابت كما في مصنف عبد الرزاق فالهاشمة تبرز العظم وتهشمه.
فإذا هشمته ولم توضحه فهذه فيها حكومة.
قال : [ ثم المنقّلة "بتشديد القاف مع الكسر" وهي ما توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها، وفيها خمسة عشر من الإبل].
ودليل ذلك ما ثبت في حديث عمرو بن حزم أن النبي e قال: " وفي المنقّلة خمسة عشر من الإبل " .
قال : [ وفي كل واحدة من المأمومة]
المأمومة: هي التي تصل إلى أم الدماغ وليس بينها وبين أم الدماغ إلا جلده رقيقة وهي التي تحيط بالدماغ.
قال : [ والدامغة]
فالدامغة تخترق هذه الجلدة الرقيقة التي تحيط بالدماغ.
قال : [ ثلث الدية]
ففي المأمومة والدامغة ثلث الدية.
ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم وفيه ، "وفي المأمومة ثلث الدية ".
والدامغة لم يذكرها النبي e لكن ذلك من باب قياس الأولى فإذا ثبت هذا في المأمومة ففي الدامغة من باب أولى لأنها أشد.
وقيل بل فيها أي الدامغة: ثلث الدية مع حكومة، وهذا أظهر لأنها زائدة بسبب خرق هذا الجلد الرقيق.
قال : [ وفي الجائفة ثلث الدية، وهي التي تصل إلى باطن الجوف].
فالجائفة هي التي تصل إلى الجوف، من البطن أو الظهر أو الحلق أو من غير ذلك، فهذه فيها ثلث الدية ، ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم وفيه " وفي الجائفة ثلث الدية " .
فإن دخلت من موضع وخرجت من موضع آخر كالسهم يدخل من جهة ويخرج من جهة أخرى فجائفتان.
كما أنه إذا جرحه من الرأس ثم امتد هذا الجرح حتى وصل إلى الوجه ففيه موضحتان لأنهما عضوان فالرأس عضو والوجه عضو.
قال: [ وفي الضِلَع وكل واحدة من الترقوتين بعير].
و حكى بتسكين اللام والمشهور هو الفتح (الضلَع).
والترقوة: هو العظم المستدير الذي يكون عند الحلق ففي كل واحد من الترقوتين وكل ضلع بعير أي إذا جبر مستقيماً أما إذا جبر غير مستقيم ففيه حكومةكما صح عن عمر كما في موطأ مالك أنه قال " في كل بعير وترقوة بعير" .
قال: [ وفي كسر الذراع وهو الساعد الجامع لعظمي الزند والعضد، والفخذ والساق إذا جـبر ذلك مستقيماً بعيران].
فإذا كسر الذراع فجبر مستقيماً ففيه بعيران.
وإذا كسر الفخذ فجبر مستقيماً ففيه بعيران.
وإذا كسر الزند فجبر مستقيماً ففيه بعيران وكذلك في الساق.
وقد ورد عن عمر عن ابن أبي شيبه: أن في الزند بعيرين.
أما إذا جبر غير مستقيم ففيه حكومة لأنه حصل عدم استقامة ففي ذلك تشويه وفي ذلك ضرر ولذا فإنا نوجب حكومة.
وهنا فرق بين السن والشعر، وبين ما ذكره المؤلف هنا من كسر الذراع، والضلع ومن الجائفة ونحو ذلك، فإن من كسر عظمه ثم عاد سليماً، أو أجيف ثم شفي ونحو ذلك فإن الدية ثابتة بخلاف الشعر والسن لأن السن والشعر تتجدد.
أما الشعر والسن إذا عاد فإنه يسقط موجبه و أما الذراع والجائفة ونحوهما فإنه إذا أعاد لا يسقط موجبه.
قال: [ وما عدا ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة]
ما سوى ما ذكره المؤلف هنا في الجروح وكسر العظام ففيه حكومة لعدم التقدير الشرعي.
قال: [ والحكومة: أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص عن القيمة فله مثل نسبته من الدية]
فمثلاً قومناه عبداً لا جناية به فأصبح يساوي مائة ألف ثم قومناه عبداً فيه جناية قد برأت فكان يساوي ثمانين ألفا ، فالفارق عشرون ألفاً، ونسبه العشرين ألفاً إلى المائة الخمس.
وعليه فالواجب خمس الدية، فإذا كان مسلماً فعشرون من الإبل وإن كان كتابياً فعشر من الإبل.
والفائدة من النظر في النسبة هو التفريق بين الناس في الدية لأنه إذا لم تنظر إلى النسبة فالفارق عشرون ألفاً فتجب للمسلم وللمرأة وللكتابي، فلا يفرق بين هؤلاء ومن هنا فلا بد من النظر في النسبة.
مسـألـة:
إذا لم ينقص منه شيء بعد الجناية، كأن تقطع اصبعه الزائدة فما الحكم؟
أو كانت هذه الجناية زادته حسناً فما الحكم أيضاً؟
الجواب: لا شيء في ذلك لكن فيه تعزير.
فإن كان أثناء جريان الدم قد نقص لكن بعد انقطاعه لم ينقص من قيمته شيء فهل نعلق الحكم بجريان الدم؟
المشهور في المذهب نعم.
واختار الموفق أنه لا يعلق به ذلك لأن ذلك لا يثبت فهو نقص ليس بثابت ، وهذا هو الراجح في هذه المسألة ، وعليه فلا شيء في ذلك بل فيه التعزير.
قال: [ كأن كان قيمته عبداً سليماً ستين، وقيمته بالجناية خمسين ففيه سدس الدية]
لأن العشرة نسبتها إلى الستين السدس.
قال: [ إلا أن تكون الحكومة في محل له مقدر فلا يبلغ بها المقدر]
فمثلاً الخارصة ليس فيها تقدير شرعي فلو قومناه وبه خارصة قد برأت فأصبح يساوي ثمانين وبلا خارصة يساوي مائة، فالفارق بينهما بنسبة الخمس وخمس الدية عشرون من الإبل، إذن زادت كثيراً على الموضحة لأن الموضحة خمس من الإبل.
فلا يمكن أن يبلغ بها المقدر، لأن الشارع أثبت هذا في المقدر وهو أعلى فلا يمكن أن يثبت هذا في الأدنى فإنه أدنى منه.
مسألة:
تقدم الكلام على ديات الشجاج وتقدم ما ذكره الحنابلة من أن في الشجاج الخمس التي دون الموضحة أن فيها حكومة ، وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء
وقال الشافعية، وممن قرره من الفقهاء المتأخرين من الحنابلة الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وهو نحو قول القاضي من الحنابلة ، قالوا: ينظر إلى نسبة هذه الشجة إلى الموضحة إن أمكن ذلك ، فإنه في كثير من الأحوال لا يمكن ذلك لأنا نحتاج إلى أن يكون في الرجل نفسه موضحه في الغالب حتى نقدر نسبة هذه الشجة إلى موضحته.
فإن كانت نسبة هذه الشجة إلى الموضحة الثلث ففي ذلك ثلث دية الموضحة.
أما القاضي فقال: يحكم بالأكثر منهما، فينظر هل الأكثر الحكومة أو ما ذكره الشافعية هنا ثم نحكم بالأكثر منهما.
وعن الإمام أحمد رواية وهي: أن الواجب في البازلة بعير و في الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعرة، فقد قدرت هذه الأربعة ولم تقدر الشجة الأولى وهي الخارصة.
وهذا أصح الأقوال لأن فيه أثراً ثابتاً عن زيد بن ثابت رواه البيهقي وهو أثر صحيح عنه.
وقد أشار إلى ضعفه البيهقي "محمد بن راشد المكحولي" وهو ثقة، فتضعيف البيهقي لا وجه له ، هذا هو أصح الأقوال وأنا نقدرها بالتقدير الثابت عن زيد بن ثابت.
وأما الخارصة: فإننا نحكم بالعدل، فإن أمكنت النسبة وكانت أعدل من الحكومة فإنا نحكم بها وإلا فإنا نحكم بالحكومة.
والمقصود هو العدل في هذه الأبواب إلا أن يرد أثر فيحكم بالأثر.
باب العاقلة وما تحمله
العاقل: من العقل وهي الدية، وسميت الدية عقلاً لأن الإبل تعقل بفناء أولياء المقتول أي تربط في رجلها.
قال: [ عاقلة الإنسان: عصبته كلهم]
فهم عصبته الذكور كلهم وهذا بالإجماع، أما ذوو الأرحام فليسوا من العاقلة وهذا باتفاق أهل العلم.
ووجه شيخ الإسلام أن ذوي الأرحام يكونون من العاقلة إن عدمت العصبة وفيه قوة ، وهذا كما ذكر رحمه الله بناءً على القول بوجوب النفقة عليهم وتقدم تقرير وجوب النفقة عليهم.
قال: [ من النسب والولاء قريبهم وبعيدهم]
قريبهم: كالأخ.
وبعيدهم: كابن ابن ابن العم.
وكذلك الحاضر منهم والغائب.
قال: [ حتى عمودي نسبه]
أي الآباء والأبناء، فهم من العاقلة.
وهذا هو مذهب المالكية والأحناف والمشهور في مذهب الحنابلة واستدلوا بعمومات الأدلة.
فمن ذلك ما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي e" قضى بدية المرأة على عصبة القاتلة من كانوا، ولا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل عن ورثتها".
والشاهد قوله "على عصبة القاتلة" وهذا عام وغير ذلك من الأحاديث التي فيها ذكر العصبة، والآباء والأبناء من العصبة.
وقال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد، أن الآباء والأبناء ليسوا من العاقلة.
واستدلوا: بما روي في أبي داود أن النبي e: " بّرأ زوجها وولدها" أي من العقل.
وللحديث المتقدم أن النبي e قال: " ولا يرثون منه شيئاً إلا ما فضل عن ورثتها"
والحديث الذي رواه أبو داود: "أن النبي e برّأ زوجها وولدها" فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف.
وحديث عمرو بن شعيب ليس صريحاً في ذلك، فقد أوجبها على العصبة، ثم العصبة في الغالب ليسوا ممن يرث فبين النبي e أن هذا العقل منهم لا يقتضي إرثهم إلا ما دل الدليل الشرعي على توريثه.
والمعنى يدل على هذا: إذ لا يناسب أن توجب على الأباعد ولا تجب على الأب والإبن.
ويحتمل أن يجاب عن هذا فيقال: إنا إذا أوجبناها على الأب والابن فقد يتحملها القاتل نفسه، والمقصود منه المواساة فإذا أوجبنا على الأب فإن ذلك يشق على الابن القاتل فلم يكتمل في ذلك معنى المواساة.
وإذا أوجبناها على الابن فإن مال الابن مالُ لأبيه، وقد قال e "أنت ومالك لأبيك" و الراجح الأول.
وقال بعض أهل العلم، وهو قول في المذهب و مذهب المالكية و الأحناف أيضاً ، تجب على الجاني نفسه، فالجاني نفسه يكون له من ذلك نصيب واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وظاهر الحديث عدم وجوب ذلك لأن النبي e أوجب ذلك على العصبة، وظاهره أنه لا يجب على القاتل شيء وقال الشيخ السعدي: لا يناسب أن يوجب ذلك على العصبة ولا يجب ذلك على الجاني ، وهذا وإن كان فيه قوة من حيث النظر لكن ظاهر الحديث يخالفه.
فالأظهر أنها تجب على العصبة ، الآباء والأبناء.
قال: [ ولا عقل على رقيق]
فالرقيق لا عقل عليه، وذلك لأن الرقيق لا يملك فلم يكن من أهل المواساة.
قال: [ وغير مكلف]
سواء كان مجنوناً أو صبياً، فلا يجب العقل في مالهما وذلك لأنهما ليسا من أهل النصرة وهذا هو مذهب جماهير العلماء.
قال: [ ولا فقيـر]
لأن الفقير ليس من أهل المواساة فلم تجب عليه.
قال: [ ولا أنثى]
لأنها ليست بعصبة، وقد أوجبها النبي e على العصبة ولأنـها ليست من أهل النصرة.
قال: [ ولا مخالف لدين الجاني]
فإذا كان الجاني مسلماً وكان من عصبته من هو يهودي أو نصراني أو العكس فلا عقل عليه وذلك لأنه ليس من أهل النصرة.
فإذا كانت العاقلة معدومة أو كانوا فقراء فيجب العقل في بيت المال لما ثبت في الصحيحين في قصة قتيل خيبر: أن النبي e "فداه بمائةٍ من إبل الصدقة".
فإن لم يقم بيت المال بذلك فلم يتحمله.
سقطت في المشهور في المذهب فلا يجب لأولياء المقتول شيء وكذلك المجني عليه لا يجب عليه شيء فتسقط.
قالوا: لأنـها واجبة على العاقلة، فالشارع أوجبها على العاقلة وقد عجزوا فسقطت فلا تجب على القاتل.
والقول الثاني وهو مذهب الشافعية وهو وجه ذكره بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام: أنها تجب.
قالوا: لأن الأصل أن الضمان يجب عليه لأنه هو الجاني ولأن الدية قيمة متلفه وأوجبت على العاقلة تخفيفاً ومواساة، وحيث لم تكن هناك عاقلة أو عجزت العاقلة فإنا نرجع إلى الأصل فنوجبهاً على الجاني ، وشيخ الأسلام يوجبها على الجاني قبل بيت المال و هو الأصح.
وقد قال تعالى: ] فدية مسلمة إلى أهله [ فأوجب الله الدية لهم فلا بد أن تصل إليهم سواء من طريق العاقلة أو من بيت المال أو من القاتل نفسه.
وهذا هو القول الراجح، لأن هذا قيمة متلفه والأصل في الضمان أن يكون في مال الجاني، فأوجب تخفيفاً على العاقلة فحيث لا عاقلة نعود إلى الأصل فنوجبه على الجاني.
فإذا كان الجاني كافراً فإنها تجب عليه نفسه، إن لم تكن له عاقلة في المشهور من المذهب وهو ظاهر على القول الذي تقدم ترجيحه ولا تجب في بيت المال لأن بيت المال لا يعقل عن الكفار فهو بيت مختص بالمسلمين.
و يوجبها الحاكم على العاقلة ولا يشق على العصبة، فينظر إلى ما يستطيعون فيوجبها على العصبة من غير أن يشق عليهم، لأنها إنما وجبت على جهة المواساة فلم يناسب أن يجحف ، فيحمل كل واحد ما يناسب.
والمشهور في المذهب: أنها تجب على الأقرب فالأقرب، فإذا كان له اخوة وأعمام، فإنا نوجب الدية على أخوته ونقسمها على ثلاث سنين كما تقدم، على حسب ما يناسبهم بحيث لا نشق عليهم، ولا نوجبها على عمومته.
قالوا: قياساً على الإرث وولاية النكاح ، فبدأ بالأباء ثم الأبناء ثم الأخوة ثم بنيهم ثم الأعمام.
وقال الأحناف: بل تجب على جميع العصبة الأقارب والأباعد ولو أمكن أن يتحملها أقاربه.
قالوا: لظاهر الحديث فإن النبي e أوجبها على عصبة القاتل فظاهر هذا أنها تجب على جميعهم ، وهذا هو القول الراجح لظاهر الحديث.
وأما الجواب عما ذكره الحنابلة، فإننا نقول هناك فارق بين أولياء النكاح والإرث وبين العاقلة.
والفرق أن العاقلة من المناسب أن يتحمل ذلك الجميع لما في ذلك مصلحة لأن في ذلك تخفيفاً.
وأما ولاية النكاح فإنه لا يناسب فيها أن يكون العصبة كلهم أولياء لأن في ذلك ضرراً على المرأة.
وفي الإرث كذلك: لأن حينئذ يكون النفع من المال قليلاً فإذا أكثرنا الورثة كان النفع قليلاً حتى أنه لا يكاد يستفيد منه الورثة.
قال: [ ولا تحمل العاقلة عمداً محضاً]
إذا قتل عمداً، أو قطع طرفاً عمداً، أو جرح عمداً، فلا تجب على العاقلة من ذلك شيء.
يدل على هذا ما روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: " لا تحمل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك".
وقوله: "ولا ما جنى المملوك" أي ما جني على المملوك كما فسره الأصمعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد ولم أر مخالفاً لهذا التفسير.
والنظر يدل على هذا لأنا إنما أوجبناه على العاقلة في الخطأ وشبه العمد، تخفيفاً والمتعمد لا يناسب التخفيف عليه.
قال: [ ولا عبــداً ]
إذا قتل عبداً أو جنى على عبد فإنا لا نوجب على العاقلة شيء وذلك للأثر المتقدم.
ووجهه من حيث النظر أن العبد مالُ فيجري مجرى المال، فلو تعمد الرجل فقتل بهائم أو غير متعمد.
قال: [ ولا صلحـاً]
إذا ادعى على رجل أنه قتل رجلاً، وهو ينكر ذلك فقيل له، احلف، فقال: أنا لا أحلف ولكن اطلبوا ما شئتم من المال فقالوا: تريد كذا من المال.
فهذا لا تتحمله العاقلة: وذلك لأنه وجب من قبل نفسه وكان يمكنه أن يدفع ذلك عن نفسه باليمين.
قال: [ ولا اعترافاً لم تصدقه به]
فإذا ذهب رجل إلى القاضي واعترف أنه قتل رجلاً خطأً فتجب عليه الدية لكن العاقلة لا تتحمل ذلك إذا كانت لم تصدقه به ، لما تقدم من أثر ابن عباس.
ولأنه يمكن أن يتواطأ على ذلك هو وأولياء المقتول يوجبون ذلك على العاقلة.
لكن: إن صدقته العاقلة بهذا الإقرار فيجب عليهم ذلك.
قال: [ ولا ما دون ثلث الدية التامة]
الدية التامة هي دية الذكر المسلم وهي مائة من الإبل فإذا وجب عليه الدية أقل من ثلث الدية التامة فإن العاقلة لا تتحمل ذلك.
فإذا وجبت دية الموضحة أو دية المنقلة فإنها لا يتحملها العاقلة.
أما إذا وجبت عليه دية لمأمومه فإن العاقلة تتحملها إن كانت دية مسلم ذكر.
لكن لو كانت المأمومة من كتابي أو امرأة ولو كانت مسلمة فإنها لا تتحملها العاقلة وذلك لأنها أقل من ثلث الدية التامة ، واستدلوا: بأثر ونظـر.
أما الأثر: مما ذكروه عن عمر أنه قضى بذلك رواه ابن حزم في المحلى عن ابن وهب.
وأما النظر: فقالوا: الأصل أن المال يجب على الجاني وهذا هو قيمة متلفه، فإذا كان ثلث الدية التامة فاكثر فإنه يجب على العاقلة لأن الثلث كثير يُجحف به فقد قالe " الثلث والثلث كثير".
وأما إذا كان دون الثلث، فإنا نوجبه عليه هو واستثنوا من ذلك دية الجنين إذا مات مع أمه أو بعدها والجناية واحدة.
واستدلوا: بالحديث المتفق عليه فإن النبيe قد أوجب دية الجنين وهي عزة عبد أو أمة أوجبها على العاقلة وهي أقل من الثلث.
فقالوا: كان تبعاً لأمه لأن الجناية واحدة، هذا إذا كان معها أو بعدها.
وأما إذا كان قبلها فإنها تجب على الجاني نفسه.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الشافعية أن العاقلة تتحمل دية الخطأ وشبه العمد سواء كانت الثلث فأكثر أو كانت أقل من الثلث.
قالوا: لأن ما تحمل الكثير فإنه يتحمل القليل.
وذلك للحديث المتفق عليه أن النبي e أوجب دية الجنين على العاقلة، وهي أقل من الثلث.
و الراجح ما ذهب إليه الجمهور لما تقدم من النظر و الأثر ما الحديث فيحمل على ما ذكر الحنابلة.
فصـل
هذا الفصل في كفارة قتل الخطأ وشبه العمد
قال تعالى: ] وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلى أن قال: فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين [
قال رحمه الله: [ ومن قتل نفساً محرمةً خطأً مباشرة أو تسبباً بغير حق فعليه الكفارة]
من قتل نفساً معصومة ذكراً كانت أو أنثى، حراً أو عبداً صغيراً أو كبيراً ولو جنينا مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً فيجب في ذلك الكفارة. وأما العمد فلا كفارة فيه وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعية ؛ لأن الله لم يوجبها ، أم شبه العمد فله حكم الخطأ .
قال تعالى: ] وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة [
سواء كان متسبباً أو مباشراً، وسواء كان منفرداً بالجناية أو مشاركاً فتجب عليه الكفارة.
وظاهره: ولو نفسه، وهو المشهور في المذهب لعموم قوله تعالى: ] ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة [ فيدخل في هذا العموم قاتل نفسه.
وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الموفق و الشيخ السعدي والشيخ محمد بن إبراهيم : أن قاتل نفسه ليس عليه كفارة أي لا يخرج من ماله وهذا هو القول الراجح.
ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين، أن عامر بن الأكوع رجع عليه سبعة فقتل نفسه، فلم يوجب النبيe الكفارة في ماله.
وأما الآية: فسياقها فيمن قتل غيره بدليل قوله تعالى (فدية مسلمة إلى أهله).
وتجب سواء كان القاتل مكلفاً أو غير مكلف لأنه حق مالي يتعلق بالقتل كالدية ولا يصام عنهما لكن إن صام الصبي المميز أجزأه .
والكفارة: تحرير رقبة فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين للآية المتقدمة.
وتقدم الكلام في باب الظهار، تقدم الكلام على تحرير الرقبة وصيام الشهرين المتتابعين.
فإن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين.
فالمشهور في المذهب فالإطعام قياساً على الظهار والجماع في نهار رمضان والأظهر أنها تسقط .
بـاب القسـامة
القسامة: من أقسم يقسم قسماً وقسامةً، فالقسامة اسم للقسم هذا لغةً: والقسم معروف وهو الحلف.
وأما في الاصطلاح فعرفها المؤلف بقوله: [ وهي أيـمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
سواء كان المعصوم مسلماً أو كافراً.
والأصل في القسامة ما ثبت في الصحيحين عن سهل بن أبي حثمة عن رجال من كبراء قومه، أن عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه، فأقبل هو وأخوه حُويصة وعبد الرحمن بن سهل، فذهب مُحيِّصة ليتكلم فقال رسو اللهe ( إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يأذنوا بحرب) فكتب إليهم في ذلك فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" قالوا: لا قال فيحلف لكم يهود" قالوا: ليسوا مسلمين، فوداه رسول اللهe من عنده، فبعث إليهم مائة ناقة).
وفي صحيح مسلم: أن النبيe (أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية).
وقوله في دعوى قتل معصوم: سواء كان القتل له أثر كأن يكون ملطخاً بالدم أم لم يكن له أثر وذلك لأنه يحتمل أن يقتل خنقاً أو نحو ذلك.
ولأن النبيe لم يستفصل الأنصار لما أدعوا على اليهود لم يستفصل أوجدوه ملطخاً بالدماء أم لا، فدل على أنه لا يشترط أن يكون هناك أثر للقتل وهو مذهب جمهور العلماء.
قال: [ ومن شرطها اللوث وهي العداوة، الظاهرة كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر].
فمن شرطها العداوة الظاهرة وليست الباطنة كالأحقاد ونحوها التي تكون بين الأسر أو بين الطوائف أو الأشخاص.
بل من شرطها العداوة الظاهرة كالقبائل التي يطلب بعضها بعضاً بالثأر، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
وقال الشافعية: بل متى ما ترجحت صحة الدعوى أي هناك قرائن تدل على صحة الدعوى فهي لوث فتثبت بها القسامة واختار هذا شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد.
بمعنى يكفي في إثبات القسامة ترجح صحة الدعوى وإن لم تكن العداوة ظاهرة.
كأن يتفرق جماعة عن قتيل أي ازدحموا فأنفض هذا الازدحام وهناك قتيل.
فإن أدعى أولياء المقتول على أحدٍ ممن حضر فإن هذه قرينة تقوي صحة دعواه ، أو كان عند المقتول رجل معه سيف أو سلاح ونحو ذلك فهذه قرينة تقوي ، أو شهد نساء أو صبيان، وشهادة النساء والصبيان لا تقبل هنا لكنها تكون قرينة قوية، لا سيما إذا تبين أنهم لا يتواطؤن على مثل ذلك، فيكون لوثاً تثبت به القسامة ولا نقول يثبت معه القتل لأنها ليست بينة.
وهذا القول هو الراجح وإن هذا الحكم ليس خاصاً بما ذكره الحنابلة بل يثبت بكل ما ترجحت معه صحة الدعوى.
وعلى هذين القولين ينبني فرع: وهو أن يقال، هل تثبت القسامة في الخطأ وشبه العمد كما تثبت في العمد أم لا؟
فعلى قول الحنابلة: لا تثبت إلا في العمد لأنهم اشترطوا العداوة الظاهرة، والعداوة الظاهرة ينتج منها قتل عمدٍ لا قتل شبه عمد أو خطأ.
ولذا فإن المشهور في مذهب أحمد أن القسامة لا تثبت في شبه العمد والخطأ.
وعلى قول الشافعية تثبت في الخطأ وشبه العمد لأنه متى ترجحت القرينة التي تقوي أنه قد قتل فإن القسامة تثبت سواء كان قتل عمد أو خطأ أو شبه عمد.
وتقدم ترجيح قول الشافعية وهذا الفرع ينبني عليه فهو الراجح.
والقسامة باتفاق العلماء مختصة بالنفس، أما ما دون النفس من الأطراف والجراح فلا قسامة فيها.
قال: [ فمن أدعى عليه القتل من غير لوث حلف يميناً واحدة وبرئ].
رجل أدعى عليه أنه قد قتل فلاناً، فيقال للمدعين وهل عندكم لوث قالوا: لا أو أدعوا ما ليس بلوث.
فحينئذ: يحلف يميناً واحدة ولا شيء عليه.
هذا إذا كانت الدعوى توجب مالاً وذلك لأنه إذا نكل فقال لا أحلف فنوجب عليه الدية.
مثاله: فلو أدعى على رجل قتل ذمي فإذا نكل فلا يثبت عليه قود لأن قتل الذمي لا قود فيه فنقول له احلف فإن حلف برئ، وإن لم يحلف فإنه تجب عليه الدية.
أما إذا كان يترتب عليه قود:
فالمشهور في المذهب أنه لا يحلف، كأن يدعي عليه أنه قتل إنساناً مسلماً فلا نحلفه، وذلك لأنه إذا نكل عن اليمين فإنا لا نثبت القود بذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات إذن لا فائدة من تحليفه.
والقول الثاني في المسألة: وهو قول في المذهب، واختاره عبد الرحمن بن سعدي، أنه يحلف لعموم قولهe: ( واليمين على المدعى عليه ) يعني من أنكر وهذا منكر فتجب عليه اليمين.
والفائدة من هذه اليمين، أنه إذا نكل فهي تعتبر لوثا، فلا يقام عليه الحد بنكوله لكنه لوث فتثبت بها القسامة.
فحينئذ: اجتمعت دعوى المدعي، ونكول المدعي عليه فكانت هذه قرينة قوية على صحة الدعوى ، وهذا هو القول الراجح في المسألة.
مسـألة:
ويشترط في القسامة اتفاق أولياء المقتول فإن أثبت بعضهم الدعوى وأنكرها البعض الآخر فلا قسامة لأنا لو أثبتنا القسامة فيترتب عليها القود ولا يمكن القود مع اختلافهم لأن القصاص لا يتجزأ.
أما لو أثبته بعضهم ولم يثبته البعض الآخر لكنهم لم ينكروا بل قالوا لا ندري فهل تثبت القسامة أم لا؟
قولان لأهل العلم.
القول الأول: أنها لا تثبت لعدم اتفاقهم وهذا هو مذهب مالك والمشهور في المذهب .
القول الثاني: أنها تثبت وهو مذهب الشافعية ووجه في مذهب الحنابلة.
والقول الراجح هو القول الثاني: وذلك لأن النبيe لم يشترط ذلك في حديث عبد الله بن سهل المتقدم، واكتفى بقوله عليه الصلاة والسلام ( يقسم خمسون منكم على رجل واحد منهم فتأخذونه برمته).
مسـألـة:
القسامة لا تصح إلا على معين سواء كان فرداً أو جماعة لقول النبيe على رجل منهم.
فإن كانت على غير معين كأن تكون على رجل مبهم أو على رجلين من غير تعيين أو كانت على أهل بلدٍ لا يمكن حصرهم فإن القسامة لا تثبت.
والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يكون واحداً وأن القسامة لا تكون على أكثر من واحد.
وعن الإمام أحمد: أنها تثبت على الجماعة كما تثبت على الواحد هو الراجح في هذه المسألة.
لأن القسامة بينة تثبت بها الحد على النفس، فتثبت بها الحد على أكثر من نفس.
فإن كانت على جماعة وقلنا بثبوت القسامة فهل يثبت القود على الجماعة فيقتلون أم لا يثبت إلا الدية؟
قولان لأهل العلم:
الجمهور قالوا: بالدية، قالوا: لأن القسامة بينة ضعيفة فلم يثبت بها القود على أكثر من نفس.
مذهب الشافعية: أن القود يثبت بها على أكثر من نفس وهو القول الراجح في هذه المسألة.
لأنها بينة قوية بدليل قتل النفس بها، وحيث يثبت بها قتل نفس فلا مانع أن يثبت بها قتل أكثر من نفس.
قال: [ ويبدأ بإيمان الرجال من ورثة الدم].
فيبدأ بالمدعي، وهم ورثة الدم فيحلفون أي الرجال، خمسين يميناً.
وأما النساء فلا دخل لهن في القسامة وكذلك الصبيان وهذا باتفاق العلماء.
أما الصبيان فقولهم ليس بحجة.
وأما النساء فلقولهe: ( يحلف خمسون منكم) أي خمسون رجلاً.
وورثة الدم كالأخ والعم وان العم والابن والزوج.
قال: [ فيحلفون خمسين يميناً].
تقسم بينهم على إرثهم من الميت، فتوضع مسألة للميت ثم تقسم هذه الأيمان بحسب إرثهم، فإذا كان له خمسة من الأبناء فعلى كل ابن عشرة أيمان.
والزوج إن لم يكن لها أولاد عليه قدر النصف من هذه الأيمان.
قالوا: ويجبـر الكسـر.
هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
واستدلوا: بقوله e: ( أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم).
قالوا: والمستحق هم الورثة.
والقول الثاني في المسألة: وهو رواية عن أحمد أن الذي يحلف هم العصبة، الأقرب فالأقرب، ولابد أن يحلف خمسون رجلاً كل رجل يميناً واحداً.
فيبدأ بتوزيعه على أبنائه، ثم على إخوانه وبني إخوانه ثم أعمامه وهكذا، كما تقدم في ترتيب العصبة في الإرث.
ويستدل على هذا القول: بما ثبت في الصحيحين في هذا الحديث أن النبيe قال: (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فتأخذونه برمته).
وقال e: ( فتبرؤكم يهود بأيمان خمسين منهم).
وهذا هو القول الراجح وهو ظاهر الحديث، وبه يتم الاحتياط التام للدم.
وأما قوله e: ( اتحلفون وتستحقون دم صاحبكم) فإن استحقاق الدم ليس مختصاً بالورثة.
نعم الورثة يستحقون إرثه لكن عصبته يستحقون ذلك لما في قلوبهم من الغيظ ولما يحتاجونه من التشفي من قتل موليهم.
ثم الحديث المتقدم نص ذلك ، و أما ما ورد في بعض الروايات من أنهم يقسمون خمسين يميناً فإن الخمسين يميناً تدخل في أقسام خمسين رجلاً ولا يدخل قسم خمسين رجلاً في خمسين يميناً.
ولا يقسم إلا من علم نسبه منه، أي علم أنه يتصل نسبه فعلاً عند فلان من أجداده.
وأما إذا كان لا يعلم اتصال نسبه كما يقع هذا في القبائل والتي لها عشائر كبيرة، فإنهم لا يعلمون متى يجتمعون في النسب كما لو كان قرشياً من قريش في هذا الوقت فإنهم لا يعلمون متى يكون اجتماع النسب القريب، فإنه لا يحلف ويدل على هذا أن الناس كلهم من أب واحد فيهم اتصال في النسب ومع ذلك لا أحد يقول إن أي رجل يقسم فلا بد أن يكون النسب معلوماً اتصاله كما قرر هذا الموفق ابن قدامة.
قال: [ فإن نكل الورثة أو كانوا نساءً حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ].
فإذا نكل الورثة عن الحلف أو كانوا نساءً فإن المدعى عليه يحلف خمسين يميناً ويبرأ.
لقولهe لما قال لهم: ( أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم) قالوا: لا فقال النبيe ( فيبرؤكم يهود بأيمان خمسين منهم).
فإن لم يرض الورثة بحلفه إما لفسقه أو لكفره أو نحو ذلك فتثبت ديته في بيت المال.
فإن نكلوا أي المدعى عليهم، عن الحلف فإنه تثبت الدية ولا يثبت القود لأن القود لا يثبت في النكول وإنما يثبت الدية.
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم