عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الأطعمة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الأطعمة
الأطعمـــة
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

كتــاب الأطعمـــة

 

        الأطعمة :- جمع طعام وهو ما يؤكل أو يشرب

قال تعالى: ]قـل لا أجد فيما أوحـي إلي محرماً علـى طاعم يطعمه إلا أن يكـون ميتة [ والميتة مما يؤكل ] أو دماً مسفوحاً [وهو مما يشرب وقد سماه الله طعاماً.

وقال تعالى في قصة ملك بني اسرائيل ] ومن لم يطعمه فإنه مني [ فسمى الشراب طعاماً  فالطعام يطلق على ما يؤكل أو يشرب .

 

قوله : [ والأصل فيها الحل [.

فالأصل  في الأطعمة الحل أي للمسلم الذي يعمل صالحاً فالله إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته قال تعالى : ] ليس على الذين أمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و أمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و أمنوا ثم اتقوا و أحسنوا و الله يحب المحسنين [.

و لقوله تعالى ] هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ و لقوله ] قل لا أجد فيما أوحى الى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميته [  لانه بهذه الآية يدل على انه ما سوى ذلك حلال  وعلى أن ما لم ينص الله على تحريمه  فهو خلال 0

وأوسع مذاهب العلماء في باب الأطعمة هو مذهب الإمام مالك رحمه الله ، وأصول مسائل الأطعمة هي :-

 

المسألة الأولى :

أن جمهور العلماء يحرمون كل ذي ناب من السباع كالذئب  و يحرمون كل ذي مخلب من الطير كالصقر والنسر ، ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم  أن النبي r ( نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ) فكل ذي ناب يفترس وينهش به ويعدو  به فهو محرم وكل ذي مخلب من الطير يفترس به ويعدو فهو محرم أيضاً 0

وقال مالك بل هو حلال لقوله تعالى ]  قـل لا أجد فيما أوحـي إلي محرماً علـى طاعم يطعمه إلا أن يكـون ميتةً أو دماً مسفوحاً [.

والصحيح مذهب الجمهور وذلك لأن الآيه مكية  وليس فيها إلا إلاخبار عما هو حرام  حينئذ - أي في مكة ثم دلت الأدلة الشرعية بعد ذلك على تحريم انواع كثيرة.

 

المسألة الثانية :

أن ما نهى الشارع عن قتله فهو حرام أيضاً كالنحل والهدهد ونحو ذلك 0

ففي مسند أحمد وسنن داود أن النبي  rنهى عن قتل أربع من الدواب ( النملة ، والنحلة ، والهدهد ، و الصُرَد ) والصُرَد هو نوع من أنواع الطير.

ونهى الشارع عن قتلها يدل على تحريم أكلها وذلك لأنه إذا أبحنا أكلها فهو ذريعة إلى قتلها والشريعة تأتي بسد الذرائع ، و هذا أيضا خلافا لمذهب مالك.

 

المسألة الثالثة :

أن كل ما أمر الشارع بقتله كالحية والعقرب فهو محرم الأكل ففي الصحيحين أن النبي صلى r قال (خمس يقتلن  في الحل والحرم :- الحية  والغراب الأبقع -وهو الذي فيه بعض بياض في رأسه أو في بقية بدنه - والحِدأة - وهي نوع من سباع الطير - والفأرة والكلب العقور ).

فهنا هذه الخمس قد أمر الشارع بقتلها  ، وقتلها أتلاف لها وهذا يدل على تحريمها إذ لو كانت حلالا لأمر الشارع بذبحها فلما أمر بقتلها وإتلافها وقد نهى عن  إضاعة المال دل على  أنها محرمه هذا هو مذهب الجمهور  خلافًا لمذهب مالك.

 

المسألة الرابعــة :

أن ما يأكل الجيف محرم عند الجمهور ؛ لخبث  مطعمه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الغراب الأبقع ، والغراب الأبقع إنما يأكل الجيف وليس من السباع ، وقد تقدم أن هذا يدل على تحريم أكله فقياس على ذلك كل ما يأكل الجيف و ذلك لخبث مطعمه ، فإن خبث مطعمه يترتب عليه خبث لحمه ، ومذهب مالك خلاف هذا.

 

المسألة الخامسة :

أن مذهب الجمهور أن ما استخبثه العرب  ذوو اليسار من سكان الحاضرة في المدن والقرى أنه محرم وهذا مذهب أحمد في المشهور و استدلوا بقوله تعالى :- ] ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [ فالمخاطب بهذه الآية هم العرب فيدل هذا على أن كل خبيث عند العرب أي من ذوي اليسار من أهل المدن والقرى فإنه محرم 0

ومذهب مالك أنه ليس حرام وهو اختيار  شيخ الإسلام ابن تيميه قال " وهو قول أحمد وقدماء أصحابه".

وهذا هو الراجح و يدل عليه أن النبي صلي الله عليه وسلم قـال  في الضب ( إني لم أجده في أرض قومي فأجدني أعافه ) فدل على أن كراهية بعض قريش  لبعض الطعام لا يقتضي تحريمه والنبي صلى الله عليه وسلم قد كره هذا الطعام و لم يحرمه.

ولأن هذا لا يوافق أصول الشرع فلا يصح أن يحرم الشرع شيئا على العجم وهم يستطيبونه لكون العرب يستخبثونه.

وعليه فمعنى الآية ] يحل لهم الطيبات [  أي كل طيب مما أحله الله عز وجل فهو طيب.

ويحرم عليهم الخبائث  فكل خبيث مما حرمه الله عز وجل فهو خبيث.

ويقاس عليه كل خبيث بذاته وكل طيب بذاته أي من غير اعتبار إلى من استطاب ذلك أو أستخبثه ، فكل خبيث بذاته مما فيه ضرر على الأبدان أو العقول أو الأخلاق فإنه محرم.

فكل ما فيه  ضرر على الأبدان كالسم أو العقول كالخمر أو الأخلاق كلحم السبع فإنه مضر بالأخلاق يثير بالآكل له قوة سبعية و لذا حرمه الشارع.

هذه أصول  مسائل الأطعمة ومن هنا يتبين أن مذهب مالك هو أوسعها.

ومن ثم فإنه يبيح الحية والعقرب والحشرات وغيرها وكون  بعض الناس يستخبثها هذا لا يدل على تحريمها هذا هو مذهب مالك.

ولم أر لشيخ الإسلام نصاً في إباحة الحشرات.

فالمقصود أنه متى ما ثبت في الشيء ضرر على الأبدان أو  الأخلاق أو العقول فإنه محرم.

 

قوله : [ فيـباح كل طاهر لا مضرة فيه  من حب وثمر وغيرهما [

        فكل طاهر  لا مضرة فيه فهو مباح.

 

قوله : [  ولا يحل نجس كالميتة والدم [.

وكل نجس و متنجس فإنه لا يحل وذلك لخبثه وقد قال تعالى : ] حرمت عليكم الميتة والدم [ .

وقال سبحانه ]  قل لا أجد فيما أوحى الى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس [  0

 

قوله : [ ولا ما فيه مضرة كالسم ونحوه [

لقوله تعالى ] ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة [

 

قوله  : [ وحيوانات البر مباحة الا الحمر الإنسية[.

لما ثبت في الصحيحين من حديث جابر أن النبي r ( نهى  يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل)0

 

قوله  :[ وما له ناب يفترس به  غير الضبع [ .

أستثنى الضبع لأنه قد ورد في الأدلة ما يدل على جوازه  وقد روى  الخمسة وصححه البخاري أن أبن أبي عمار قال لجابر " الضبع - يصح بتسكين الباء وضمها - أصيد هي؟ قال جابر: نعم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال جابر: نعم " وهذا أثر صحيح 0

فإن قيل : فما الفارق بين الضبع وبين غيرها  من السباع ؟

فالجواب : أن الضبع ليس فيها القوة السبعية التي في السباع فهي لا تفترس في الغالب والله أعلم ، و أيضاً لأن لها أضراساً صفيحة لا ناب فيها.

ثم ذكر أمثله كثيرة  تحتاج إلى تحقيق المناط  إي متى ما ثبت لنا أن فيه ناباً من السباع فهو محرم كالأسد والنمر والذئب والفيل والفهد والكلب والخنزير.و ابن آوى – نوع من الكلاب البرية - و ابن عِرس – يشبه الفأرة - و السنور و النمس و القرد و الدب

 

قال رحمه الله:[ وماله مخلب من الطير يصيد به [.

أي مخلب منعكف.

ثم ذكر أمثله كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والباشق والحدأة  والبومه و لأنها تأكل الجيف.

 

قال رحمه الله: [ وما يأكل  الجيف كالنسر [.

ثم ذكر أمثله كذلك تحتاج الى تحقيق المناط:

 

قال رحمه الله : [ والرخم واللَقْلَق – يأكل الحيات - والعَقْعَق والغـراب الأبقع والغداف وهو أسود صغير أغبر ، والغراب الأسود الكبيرة [

وذكره عدة أنواع من الغربان مما يدل على أن هناك من الغربان ما هو مباح كغراب الزرع لأن أكله الزرع.

 

قال رحمه الله : [ وما يستخبث [.

أى عند العرب ذوي اليسار :- قالوا أما خلاف العرب فلا عبرة  يهم لأنهم قد يستطيبون بعض ما يستخبث0

 

قال رحمه الله :- [كالقنفذ والنيص والفأرة [

فالقنفذ مستخبث عند العرب ولكن هل فيه ضرر ؟

يرجع في ذلك الى الطب لأن الصحيح أنه لابد أن يكون خبيثاً بنفسه وذاته.

والفأرة  ظاهرة للحديث المتقدم.

 

قال  [ و الحية  [

قالوا : لأنها خبيثة ولأن الشارع أمر بقتلها أما كونها خبيثة ، فهذا يحتاج إلى تحقيق واما كون الشارع أمر بقتلها فهذا ظاهر.

 

قال : [ والحشرات كلها [ .

لما تقدم.

 

قال : [ والوَطواط [.

هو ما يسمى بالخفاش .

قال : [ وما تولد من مأكول وغيره كالبغل  [.

فما تتولد من حيوانين أحدهما مأكول والأخر ليس بمأكول فإنه يحرم تغليباً لجانب التحريم.، كالبغل فإنه متولد من الحمار والخيل.

 

مسألة :

حمر الوحش إذا استأنست فهل تحرم ؟

الجواب : لا تحل نظراً لأصلها  ، فأصلها حلال ، وهي جنس آخر منتقل عن  الحمار الأهلي.

 

مسألة :

حديث قتل الخمس دواب ظاهره الوجوب لأنه خبر.

بمعنى الأمر يدل على الوجوب ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أنه قد وصفها بالفسق فدل على أن فيها استطالة واعتداء  وإزالة ذلك واجب.

 

مسألة:

كل ما حرم قتله فإنه يجوز أى  قتله حيث كان منه أذى دفعاً لمفسدته ولأنه حينئذ يكون كالصائل.

 

قال رحمه الله تعالى :- [ وما عدا ذلك حلال [

هذا هو الأصل ، فما لم يدل  دليل على تحريمه من المطعومات والمشروبات فإنه حلال مباح.

 

قال  :- [كالخيل  [.

وهو مذهب الجمهور لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم  أذن في الخيل

وقال الأحناف :- بل تحرم استدلوا بقوله تعالى ] والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه [ قالوا فلم يذكر الله تعالى أكلها وإنما ذكر أنها زينه وأنها مركب.

واستدلوا :- بما روى أبو داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن لحوم الحمر والخيل والبغال )0

والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول :-

أما الآية الكريمة  فإنه ليس فيها أن الأكل حرام فالله عز وجل لم يذكر إلا  أنها زينة وركوب ، لأنها مع غير المطعومات فإنها ذكرت  مع الحمر والبغال وهي محرمه فلم ينص على اباحة أكل الخيل لأنها مذكورة مع ما لا يحل أكله هذا هو الوجه الأول 0

والوجه الثاني  :- أن الله  سبحانه  وتعالى لم ينص على أنها  من المطعومات لأنها ليســت لذلك في الغالب فالغالب أن الناس لا يطعمونها  و إنما يركبونها ويتزينون بها.

وأما الحديث الذي رواه أبو داوود فهو ضعيف لا يصح  ضعفه  أحمـد والبخـاري و الدارقطني وغيرهم.

 

 

قال [ وبهيمة الأنعام [

من البقر والغنم والإبل قال تعالى ]أحلت لكم بهيمة الأنعام الا ما يتلي عليكم [.

 

قوله : [ والدجاج ]

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى موسى أن النبي r ( أكل الدجاج ) والأصل يدل على ذلك 0

 

قوله : [  والوحشي من الحمر والبقر ]

فيباح الوحشي من الحمر ، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة  في قصة صيده الحمار الوحشي  ، وفيه أن النبي r قال ( كلوا ما بقي من لحمه ).

وكذلك  يباح البقر الوحشي ، وهو ليس من بهيمة الأنعام  0

 

قوله : [ والظباء والنعامة والأرنب وسائر الوحش ]

كالزرافة وغيرها ، وذلك للأصل ، فالأصل  في المطعومات الحل.

 

قوله : [ ويباح حيوان البحر كله [.

يدل على ذلك قوله تعالى ] أحل لكم صيد البحر وطعامه [0

ويدل عليه ما روي الخمسه أن النبي  rقال  في البحر : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) وقوله ( ميتته ) مفرد مضاف يفيد العموم فدل على أن صيد البحر حلال كله.

لكن أستثنى المؤلف فقال :

 

[  إلا الضفدع والتمساح والحية [

فالضفدع هي من صيد البحر لكنها تعيش في البر فهي تعيش في البر والبحر.

و دليل تحريم الضفدع أن النبي صلى الله عليه وسلم  سأله طبيب عن قتل الضفدع  لتوضع في الدواء ( فنهى النبي r عن قتلها )  رواه أحمد وأبو داوود والنسائي وهو حديث صحيح ، و التمساح لأن له ناباً يفترس به .

و الحية أي حية البحر وذلك لأمر النبي r بقتلها ، قالوا ولأنها مستخبثة.

ولم يستثن الشافعية التمساح والحية ، والصحيح ما ذكره الحنابلة .

و الحية قد أمر النبي r بقتلها لكن هذا حيث كانت حية البحر تلدغ وتؤذي لان الشارع أمر بقتل  الحية في البر لأذيتها ولأن فيها عدوناً فمن  أكلها فإنه يكتسب شيئا من طباعها ، فإن كانت الحية  التي في البحر ليست كذلك فإنه لا باس بأكلها ، وقد ذهب الحنابلة إلى حلها.

و قال ابن همام إلا الكوسج و هو سمك خرطومه كالمنشار و لعله القرش لأنه يأكل الإنسان و الله أعلم.

 

 

 

قوله : [ ومن أضطر الى محرم غير السم حل له منه ما يسد رمقه ]

هذه المسألة في الاضطرار ، فمن اضطر إلى محرم كالميتة مثلا غير السم ، لأن السم قاتل وقد قال تعالى ] ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [  فإذا أضطر إلى محرم غير باع ولا عاد فلا إثم عليه

وقوله ] غير باغ [  إي غير طالب لذلك راغب فيه ( ولا عاد ) إي غير آكل منها مالا يحل له إي لا يتجاوز به ما يسد به رمقه.

ويحل له منها ما يسد رمقه ويحفظ قوته إي ما يدفع به ضرورته لقوله تعالى]  غير باغ ولا عاد  [ إي غير متجاوز ما يسد رمقه.

و ظاهر المذهب مطلقاً ، وقال الموفق يستثنى ما لو كانت الضرورة مستمرة لا مرجوة الزوال ، فلوا أن رجلا في مفازة من الأرض ،  يغلب على ظنه أنه لا يجد من يؤويه فله أن يأكل من الميتة حتى يشبع ، وذلك  لان غلبة  الظن دوام خوفه وهذا ظاهر وهو حينئذ لا يكون  متجاوزا ولا معتدياً 0

إذن الصحيح أن هذا ليس على إطلاقه بل إذا كانت الضرورة مستمرة فإن له أن يأكل من الميتة حتى يشبع وذلك لأن شبعه يدفع عنه الضرورة المستمرة.

و يجب في المشهور في المذهب تقديم السؤال على أكل المحرم و قال شيخ الإسلام لا يجب تقديم السؤال و ذكر أنه ظاهر المذهب و هو أصح لما يلحقه من الحرج و المنة.

 

مسألــة :-

قال شيخ الإسلام :- " ويجب على المضطر أكل الميتة في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم "

 

مسألــة :-

فإن لم يجد إلا طعام غيره فإن كان صاحب الطعام مضطراً أو خائفاً أن يضطر فهو أحق به و ليس له إيثاره لئلا يلقي بيده إلى التهلكة.

و أختار ابن القيم جواز الإيثار و أنه غاية الجود و هو أظهر.

فإن لم يكن لزمه بذله بقيمته في المذهب فإن أبى أخذه المضطر بالأسهل فالأسهل و يعطيه عوضه.

 

مسألة :-

ولا يجوز للمضطر أن يقتل معصوما فيأكله إجماعا ولو كان ذمياً.

فلو أن رجلا قتل ذمياً مضطرا الى ذلك فهذا لا يحل بإجماع العلماء وذلك لانه لا يحل له أن يبقي نفسه في إهلاك غيره .

فإن وجد معصوماً ميتاً فهل له أن يأكله ؟ 0

المشهور في المذهب :- أنه ليس له أن يأكله.

والقول الثاني :- واختاره الموفق وهو مذهب الشافعية  أنه يحل له وهو الصحيح ، و ذلك لان حرمة الحي اعظم من حرمة الميت.

وهل للمضطر أن يأخذ من بعض بدنه  ما يأكله كأن يأخذ من فخذه أو من عضده فيأكله ؟ 

المشهور في المذهب أنه ليس له ذلك 0

و القول الثاني في المذهب أن  له ذلك وهو الراجح لأنها مفسده صغري في درء مفسده كبرى 0

فإن لم يكن معصوماً كالحربي أو قاتل النفس للمضطر أن يقتله فيأكله.

 

قوله :-  [ ومن أضطر الى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد أو استسقاء ماء ونحوه وجب بذله له مجاناً  [

رجل أضطر الى نفع عين  من مال غيره  كأن يضطر الى ثوب لدفع برد أو استسقاء  ماء كأن يضطر الى دلو وحبل ليأخذ به الماء من البئر ما لمالك لذلك  يجب عليه أن يـبذل له  الثوب أو الدلو والحبل  مجاناً وذلك لان ذلك هو الماعون الذي نهى الشارع عن منعه  فقال سبحانه ]  الذين هم  يرآءون و يمنعون الماعون [  فذلك واجب فإن اضطر إلى عين كأن يضطر إلى طعام ليأكله أو إلى ماء ليشربه 0

فظاهر كلام المؤلف وهو المذهب أنه لا يجب بذله له مجاناً  لكن يجب بذله بالقيمة.

فمثلا رجل أدرك رجلا في الصحراء  وهو في غاية الجوع ومعه طعام كثير ، فيجب عليه أن يبذله بقيمته ولا يزيد على ذلك هذا هو المشهور في المذهب وهو أنه يجب أن يبذله بقيمته 0

فإن أبى وقال :- لا ابذله لك ولو دفعت مال الدنيا ؟

فحينئذ له أن يأخذه منه قهراً وإن قاتله على ذلك لأنه حينئذ كالصائل على النفوس 0

و اختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم :- أنه يجب بذل هذه العين مجاناً  وذلك لأن أحياء النفوس وإنقاذها من الملكة واجب  والواجب لا يحل أخذ العوض عليه 0 وهذا هو الراجح 0

 

قوله : [ ومن  مر بثمر بستان في شجره أو متساقط  عنه ولا حائط عليه ولا ناظر فله الأكل منه مجاناً من غير حمل و لو لغير حاجة[ 0

من مر بثمر بستان في شجره  أو متساقط عنه أى ليس بمجموع لان ما كان مجموعا فهو في حرز.

ولا حائط عليه وقد نص عليه أحمد  ، ولا ناظر أى حارس 0

فله الأكل مجاناً من غير حمل 0

فلو أن رجلا مر ببستان لا حائط له ولا حارس عليه فله أن يأكل منه مجاناً من غير أن يحمل. 

ومثل ذلك إذا وجد شاة لا راعي معها فله أن يشرب من لبنها من غير أن يحمل0

ومثل ذلك إذا وجد زرعا فله أن يأكل منه من غير أن يحمل سواءً كان محتاجاً إلى ذلك أو غير محتاج  هذا هو القول الأول في المسألة وهو مذهب الحنابلة 0

وقال الجمهور ، بل لا يحل له إلا أن يكون محتاجاً وعليه الضمان حينئذ وهو رواية عن الإمام أحمد 0

و استدلوا بعمومات الأدلة كقوله صلى الله عليه وسلم ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) قالوا وهذا ما مال مسلم فلا يحل إلا بإذنه.

و استدلوا بما ثبت في الصحيحيــن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحلب أحدكم من شاة أخيه بغير إذنه ).

والقول الأول هو الراجح  والدليل ما روى أبو داود و الترمذي وهو حديث صحيح قال فيه الترمذي حديث حسن صحيح وهو من حديث الحسن عن سمرة أن النبي r  قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية فإن  كان فيها صاحبها فليستأذن ، فإن أذن له فليحتلب وليشرب فإن لم يكن فيها أى صاحبها فليصوت ثلاثاً - ينادي الراعي - فإن  أجابه و إلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ) وفي البيهقي نحوه من حديث أبى سعيد الخدري وفيه ذكر الحائط قال  أبن القيم " وقد ورد هذا عن طائفة من الصحابة "  كما في سنن البيهقي منهم عمر بن الخطاب و الأثر عنه صحيح ولا يعلم له مخالف القول هو الراجح في المسألة.

و كذا إذا كان الشجر لا حائط له ولا حارس  وكذلك في الماشية والزرع فإن له أن يشرب أو يأكل من غير أن يحمل كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم  وعليه عمل الصحابة وهو المشهور في المذهب 0

 

قال :-  [وتجب ضيافة المسلم المجتاز به في القرى يوماً وليله [0

تجب ضيافة المسلم لا الذمي.

" المجتاز به في القرى " لا في المدن لأن المدن فيها أسواق فيمكنه أن يشترى الطعام فيطعمه يوما وليلة فالضيافة واجبة يوم وليلة.

إذن الضيافة  واجبة يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته ) قالوا : وما جائزته  قال ( يوم وليلة ، الضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقه)  والصحيح أنها ليست خاصة بالمسلم بل حتى الذمي.

وقدمه ابن رجب وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد ويدل عليه عموم الحديث ( فليكرم ضيفه ) وهذا عام في المسلم  وغيره أى حتى الذمي يجب له هذا  الحق.

وقوله ( يوما وليله ) للحديث المتقدم.

والقول الثاني في المسألة وهو قول طائفة من أصحاب الإمام احمد كأبي أبو بكر وأبن أبي موسى :- إن ذلك واجب ثلاثة أيام  لقوله r : ( الضيافة ثلاثة أيام ) وهو أظهر.

والحديث يدل على ذلك لأن النبي r قال ( الضيافة ثلاثـــة أيام  فما كان وراء ذلك فهو صدقه) فدل على أن الثلاثة أيام واجبة.

وأما قوله r :  ( فليكرم ضيفه جائزته ) فهذا  آكد أى اليوم والليلة آكد وفيها بر و إحسان لأن الجائزة تدل على البر والإحسان به.

فيكون في اليوم الأول منه مزيد بر و إحسان و حفاوة و أما بعد ذلك فيطعم من سائر الطعام.

ومرجع ذلك كما قال شيخ الإسلام إلى العرف والعادة.

فإن أبى فلم يضيفه فهل يجوز له أن يأخذ من ماله بغير إذنه بلا مفسدة ؟

وهل له أن يطالب بذلك عند القاضي ؟

قال الحنابلة بذلك وهو صريح قوله r كما في الصحيحين : ( فإن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي فأقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له ) وظاهره على وجه القوة حيث لم تترتب مفسدة هذا إن تعذر على الضيف أن يحاكمه.

 

باب الذكاة

 

والذكية هي الذبيحة .

                وتعريفها – اصطلاحاً – في المشهور في المذهب : " ذبح أو نحر المأكول البري المباح بقطع حلقومه ومريئه أو عقر ممتنع ".

       

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لا يباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة [

                لقوله تعالى : ) حرمت عليكم الميتة ( ، فإذا كان الحيوان مقدوراً على تذكيته فلا يحل إلا بالذكاة وهذا بإجماع العلماء .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلا الجراد والسمك وكل ما لا يعيش إلا بالماء [

                أما الجراد فلقول ابن عمر : " أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت و له حكم الرفع.

                وأما السمك : فلحديث : ( والحل ميتته ).

                وكل ما لا يعيش إلا في الماء : لقوله e : ( والحل ميتته ).

                لكن : إن كان يعيش في البر والبحر ، فظاهر كلام المؤلف أن الذكاة شرط فيه لأنه لم يستثن إلا ما لا يعيش إلا في الماء ، و هو المذهب.

                وعليه فما يكون من الحيوانات يعيش في البر والبحر كالسلحفاة ونحوها ، فإنها يشترط فيها التذكية إن كان فيها دم، وأما إن لم يكن فيها دم فلا يشترط ذلك .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشترط للذكاة أربعة شروط : أهلية المذكي : أن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً [

                هذا هو الشرط الأول : وهو أهلية المذكي.

                بأن يكون عاقلاً : لإشتراط قصد التذكية ، ولأن التسمية شرط في صحة التذكية – كما سيأتي – ولا يصح ذلك إلا من عاقل ، سواء كان مميزاً أو بالغاً ، وأما إذا كان غير عاقل ، كالمجنون أو السكران أو الطفل غير المميز فإن تذكيته لا تصح باتفاق العلماء .

                إلا أن الشافعية أجازوا تذكية الطفل غير المميز ، قالوا : لأنه له نوع قصد .

                والجواب : أن هذا النوع من القصد لا يكفي بل يُشترط أن يكون القصد تاماً .

                " مسلماً أو كتابياً " : أما المسلم فظاهر .

                وأما الكتابي : فلقوله تعالى : ) وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( قال ابن عباس كما في البخاري : " طعامهم ذبائحهم" أي ذبائح أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى ، وهذا باتفاق العلماء .

                وظاهر الأدلة الشرعية أنه لا يشترط أن يكون هذا الكتابي من أبوين كتابيين ، قال شيخ الإسلام : " وهو الثابت عند الصحابة بلا نزاع بينهم وعليه نصوص الإمام أحمد وهو مذهب أكثر الفقهاء " أ . هـ .

                وأما المشهور في مذهب الحنابلة فيشترط أن يكون أبواه كتابيين وهذا القول لا دليل عليه ، بل إطلاقات النصوص تدل على خلافه ، والثابت عن الصحابة خلافه ، وهو اختيار شيخ الإسلام .

 

مسألة :

                هل يُباح ما أهلّوا به لغير الله كأن يذبحوا على اسم المسيح ؟

                قولان لأهل العلم :

القول الأول : وهو مذهب مالك وهو رواية عن الإمام أحمد أنه مباح ، لعموم قوله تعالى : ) وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( . قال فدل هذا على أن عموم طعامهم مباح لنا ومن ذلك ما أهلوا به لغير الله .

و قال الجمهور : بل لا يحل ذلك ، للآيات الدالة على المنع منه كقوله تعالى : ) وما أهل به لغير الله ( وكقوله : )ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ( .

قالوا : وإذا ثبت ذلك في المسلم فأولى من ذلك الكتابي.

بمعنى : إذا كان المسلم لا تحل ذبيحته التي أهل بها لغير الله فأولى من ذلك الكتابي.

وإن كان هذا الاستدلال مشكلاً : من حيث أنه لا يكون مسلماً وقد ذبح لغير الله عز وجل.

لكن المقصود أنه إذا كان هذا شرطاً في صحة ذبيحة من هو مسلم في الأصل ، فأولى من ذلك أن يشترط في الكتابي فغاية ذبيحة أهل الكتاب أن تكون مثل ذبيحة المسلمين لا أن تكون أرفع منها.

وقالوا : إن الإهلال لغير الله والذبح على غير اسمه ليس من دين اليهود والنصارى وإنما هو من الشرك الذي دخل في دينهم.

ولا شك أن الراجح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء ، وذلك لما تقدم من الأدلة القوية و هو المشهور في المذهب.

 

مسألة :

هل يُباح ما ذبحه أهل الكتاب مما هو محرم عليهم كلاً أو بعضاً ؟

فمثال ما هو محرم كلاً لحوم الإبل فإنها محرمة على اليهود ، ومثال ما هو محرم بعضاً : الشحم فإنه محرم عليهم بنص كتاب الله تعالى قال تعالى : ) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظُفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ( .

فإذا نحر يهودي أو نصراني : بعير أو ذبح غنماً أو بقراً و في ذلك شحم فهل يحل لنا أكل البعير في المثال الأول ، وأكل الشحم في المثال الثاني أم لا ؟

قولان لأهل العلم "

القول الأول : وهو مذهب مالك أنه لا يحل لقوله تعالى : ) وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ( ، قال : وهذا ليس من طعامهم.

والقول الثاني في المسألة : وهو مذهب الجمهور : أن ذلك حلال.

قالوا : لأن الأدلة الشرعية قد دلت على صحة تذكيته وأنه أهل لأن يذكي ، وإنما حُرمت الإبل والشحم عليهم خاصة ، فعلى ذلك التذكية منهم صحيحة ، فإذا ذكوا الإبل فإن تذكيتهم صحيحة وهي إنما هي محرمة عليهم دوننا . وهذا هو القول الرجح في هذه المسألة.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولو مراهقاً [

وهو من قارب البلوغ .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أو امرأة [

ويدل على ذلك ما ثبت في البخاري : ( أن امرأة ذبحت شاة بحجر فسئل النبي e عن ذلك فأمر بأكلها ) " أي وكان الحجر حاداً قد أنهر الدم " .

والشاهد هنا : أن النبي e قد أمر بأكلها مع أن المذكية لها امرأة .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أو أقلف أو أعجمي أو جنباً أو حائضاً [

أو فاسقاً ، فما دام أنه مسلم أو كتابي فإن ذبيحته تصح .

والنصراني أقلف أي غير مختون ، ومع ذلك تصح ذبيحته فهذا دليل على صحة تذكية الأقلف .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تباح ذكاة سكران ومجنون [

لأنه يشترط أن يكون عاقلاً ، وليس المجنون ولا السكران كذلك .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ووثني ومجوسي ومرتد [

الوثني : لا تحل ذبيحته إجماعاً .

وكذلك المجوسي باتفاق العلماء ، إلا ما ذكر عن أبي ثور فإنه أباح تذكيته بناءً على أنه من أهل الكتاب .

والصحيح أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب كما تقدم تقريره في درس سابق ، وإنما أجرى النبي e عليهم الجزية كسائر الكفار ، لأن الصحيح أن الجزية ليست مختصة بأهل الكتاب كما تقدم تقريره في كتاب الجهاد .

" ومرتد " : وقد تقدم التنبيه على هذا وأن المرتد لا تحل ذبيحته حتى لو ارتدَّ إلى اليهودية أو النصرانية .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والثاني : الآلة فتباح الذكاة بكل محددٍ [

لقوله e : ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكُل ليس السن والظفر ، أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدي الحبشة) متفق عليه ، فكل ما أنهر الدم فإن التذكية به صحيحة مجزئة .

 

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولو مغصوباً [

في أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد ، وهو أصح القولين لأهل العلم .

وذلك : لأن المغصوب إذا ذُبح به ، فالنهي عنه ليس عائداً إلى الذات وإنما إلى أمر آخر .

لأن القاعدة  :أن التحريم إذا كان لأمر خارج فإن الفعل يجزئ وعليه فإن التذكية صحيحة ولكنه آثم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ من حديد أو حجر [

أي حادٍ ينهر الدم – كما تقدم في حديث المرأة - الذي رواه البخاري .

 

        قال  رحمه الله تعالى: [ و قصب وغيره  [

فكل ما أنهر الدم فالتذكية به جائزة .

 

        قال  : [ إلا السنَّ [

قالوا : إلا السنَّ خاصة ، للحديث المتقدم : ( ليس السن والظفر ).

و عن الإمام أحمد واختاره ابن القيم أن السن وسائر العظام كذلك ، وهو الراجح ، لقوله e : (أما السن فعظم ) فهنا علل النبي e المنع من التذكية بالسن بأنها عظم ، فدل على أن كل عظم لا يحل أن يذكى به.

وعليه فالتذكية أيضاً لا تصح لأن النهي لذاته.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والظفر [

لحديث : ( ليس السن و الظفر ، وأما الظفر فمُديُّ الحبشة ) ومُدي جمع مُدية وهي السكين ، أي كان الحبشة يطيلون أظافرهم فإذا أرادوا أن يذكوا ذكوا بالظفر فنهى النبي e عن ذلك .

والمشهور في المذهب : أن الظفر – مطلقاً – لا تحل التذكية به ، سواء كان متصلاً أو منفصلاً ، من إنسان أو من حيوان .

وقال الأحناف : لا يجزئ حيث كان متصلاً ، وهذا – فيما يظهر لي – أظهر ، لظاهر تعليل النبي e فإنه قال : (ما أنهر الدم ) ويدخل في ذلك الظفر فإن الظفر ينهر الدم ، واستثنى من ذلك الظفر وعلل ذلك بأنها مدى الحبشة فدل على أنه ما كان على صفة فعلهم فإنه لا يحل.

وقد يكون المنع من ذلك لما فيه من التشبه بهم ، ولما فيه من التشبه بالطيور ذات المخالب والسباع لذلك حُرم.

إذن : الراجح ما ذهب إليه الأحناف في هذه المسألة فالراجح أنه إنما يحرم حيث كان ظفر الإنسان خاصة وكان متصلاً  به و الله أعلم.

 

                قال  رحمه الله تعالى : [ والثالث : قطع الحلقوم والمريء [

الحلقوم : هو مجرى النفس .

والمريء : هو مجرى الطعام والشراب .

المشهور في مذهب أحمد والشافعي : أن الذبيحة لا تحل حتى يقطع الحلقوم والمريء .

قالوا : لأن بهما غياب الحياة في الحيوان.

وعن الإمام أحمد أنه لا يجزئ حتى يقطع الحلقوم والمريء والودجين " وهما الوريدان اللذان يحيطان بالمريء والحلقوم وهما مجرى الدم " و عليه فهما أولى بالقطع لكونهما مجرى الدم ، قال e : ( ما أنهر الدم ) .

وقال المالكية : لا يجزئ حتى يقطع الوَدَجَيْن والحلقوم .

وقال الأحناف : حتى يقطع ثلاثاً من أربع ، فإذا قطع أحد الودجين والحلقوم والمريء أجزأ ، وإذا قطع الودجين وقطع الحلقوم أو المريء فإن ذلك يجزئ .

وقال بعض الحنابلة كما قال – صاحب الكافي - : " يجزئ قطع الودجين " .

إذن : في المسألة خلاف كثير بين أهل العلم .

والنبي e قال : ( ما أنهر الدم ) فدل هذا على أن ما ثبت فيه إنهار الدم فإنه يجزئ و على ذلك فالذي يترجح ما ذكره بعض الحنابلة من أنه إذا قطع الودجان فإن ذلك يجزئ ، وذلك لأن قطع الودجين ينهر الدم .

وأما قطع الحلقوم فالذي يترجح وجوبه وأنه ليس شرطاً في الإجزاء لكنه يجب لما فيه من إراحة البهيمة وذلك لأن بقاء نفسها مع قطع ودجها فيه إيذاء كبير وقد أمر النبي e بإحسان الذبحة فقال : ( فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ) .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن أبان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح [

هذا ظاهر جداً .

فلو أخذ السيف فقطع رأسها مرة واحدة وفصله عن جسمها فحينئذٍ يكون قد قطع الودجين والحلقوم والمريء فلا إشكال في أنه يجزئ .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذكاة ما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشة والواقعة في بئر ونحوها يجرحه في أي موضع كان من بدنه [

" والنعم المتوحشة " كالإبل والبقر والغنم التي تتوحش .

فما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشة أو الواقعة في بئر ونحوها بأن يجرحه في أي موضع كان من بدنها ويدل عليه : ما ثبت في الصحيحين : قال : نّد بعير فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه فقال النبي e : ( إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ندَّ منكم فاصنعوا به هكذا)  فإذا فرَّ البعير وعجز عن إمساكه لتذكيته أو البقر أو غير ذلك من الحيوانات أو سقط شيء منها في بئر فلم نتمكن أن نذكيه إلا أن نرميه بسهم ونحوه فلا بأس.

إذن : الواجب علينا في البقر والغنم والإبل من بهيمة الأنعام الواجب التذكية لكن هذا مع القدرة على ذلك ، أما مع العجز عن التذكية كأن يفر البعير أو يسقط في بئر أو نحو ذلك فإنه يرمى بسهم من أي موضع كان في بدنه للحديث.

 

 

 

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلا أن يكون رأسه في الماء ونحوه [

إذا كان رأسه في الماء أو نحوه فإنه لا يباح " وذلك لأنه إذا سقط في الماء فمات فلا يُدرى هل السهم قتله أم الماء " لذا قال النبي e كما في الصحيحين : ( فإذا وجده – أي الصيد – غريقاً في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك ) .

ففي هذا الحديث دليل على أن ما يشترط تذكيته لا يحل حتى نتحقق من تذكيته .

أما إذا لم نتحقق من تذكيته فإنه لا يحل كأن يكون على رأس نهر فرمي بسهم فوقع في الماء فإننا لا ندري الماء قتله أو السهم فتغليباً لجانب الحظر يحرم ، لكن لو تحققنا أن السهم هو الذي قتله كأن يكون الماء قليلاً فيجوز أكله .

 

مسألة :

إذا ذبحت البهيمة وفي بطنها جنين ، فذكاتها ذكاة لجنينها .

لما ثبت في مسند أحمد – والحديث صحيح – أن النبي e قال : ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ) .

لكن إن خرج وفيه حياة مستقرة فحينئذٍ تجب تذكيته ، أما لو خرج ميتاً أو خرج يتحرك حركة المذبوح فإنه يحل للحديث المتقدم .

سواء أشعر أم لم يشعر أي سواء نبت الشعر عليه أم لا ؟

و في أثر موقوف صحيح على ابن عمر رواه مالك في موطئه ولا نعلم لابن عمر مخالف أنه قال " إذا أشعر الجنين فذكاة ذكاة أمه إن لم يشعر فهو أولى بالحل.

 

مسألة :

من أدرك متردية أو ما أكل السبع فذكاها فهل تحل أم لا ؟

نصَّ الله عز وجل على حلها بقوله : ) وما أكل السبع إلا ما ذكيتم (

فإذا أدركنا شاة مع سبع فذكيناها أو تردت شاة فأدركناها فذكيناها فإنها تحل بنص القرآن لكن اختلف أهل العلم متى تحل بالتذكية .

فقال الحنابلة والشافعية : إنما تحل حيث كانت فيها حياة مستقرة قالوا : " أي أكثر من حركة المذبوح " ، فلو أدركناها وهي حية حياة مستقرة فإنها تحل بالتذكية .

والقول الثاني : وهو مذهب الأحناف أنها تحل متى ما وجد فيها شيء من الحياة وإن كانت تتحرك كحركة المذبوح ، واختار هذا القول شيخ الإسلام : حيث خرج منها الدم الأحمر الذي يخرج من المذكاة في العادة، وهذا هو القول الصحيح في المسألة .

فإذا أدركها مع السبع أو قد تردت فلما ذبحها خرج الدم الأحمر الذي يخرج من المذكاة في العادة فإنها تكون حلالاً ويستدل على هذا : بما ثبت في البخاري عن كعب بن مالك : ( أن جارية له كانت ترعى غنماً بسَلْع فأصيبت شاة منها قال : فأدركتها فذبحتها ، فسئل النبي e عن ذلك فقال : كلوها ) .

وهنا النبي e لم يستفصل هل أدركتها وفيها حياة مستقرة أم أن فيها بعض حياة ، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الرابع : أن يقول عند الذبح " بسم الله " لا يجزئه غيرها [

هذا هو الشرط الرابع .

ودليله ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) فقوله : " وذكر اسم الله" في سياق الشرط فكانت من الشروط ، فدل على أن التسمية شرط ، وهو مذهب جمهور العلماء .

وقال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد : بل هي سنة واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن عائشة : إن ناساً قالوا يا رسول الله : إن قومنا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا فقال e : ( سموا عليه أنتم وكلوا )

قالوا : ولو كانت التسمية شرطاً لما اكتفى النبي e بقوله : ( سموا أنتم عليه وكلوا ) بل لا أشترط أن يتحقق من وجود التسمية أي لقال : " لا تأكلوا حتى يثبت لكم أنهم ذكروا اسم الله عليه " ، وهذا الاستدلال ضعيف ، بل الحديث يدل على شرطية التسمية فإن هذا السؤال إنما يدل على أن المتقرر عندهم هو فرضية التسمية ، لكنهم سألوا النبي e عن ناس من المسلمين وهم لا يدرون – أي المأتي إليهم باللحم – لا يدرون أذكر هؤلاء اسم الله عليه أم لا ؟ والأصل في ذبيحة المسلم الحل وأنه يذكر اسم الله عليها .

ولذا أرشدهم النبي e إلى ما هو مشروع في حقهم وهو قوله : ( سموا عليه أنتم وكلوا ) فهذا هو المشروع في حقهم والمتعلق بفعلهم ، وأما التسمية عند الذبح فهي متعلقة بفعل الذابح .

إذن : الصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن التسمية شرط .

" لا يجزئ غيرها " : فلو قال باسم الرحمن أو باسم الخلاق أو غير ذلك فإنه لا يجزئ لقوله e : ( وذكر اسم الله عليه ) واسم الله إذا أطلق فإنما ينصرف إلى قول : " باسم الله " .

وهو الثابت عن النبي e - كما في صحيح مسلم – لما ضحى أنه قال : ( باسم الله والله أكبر ) .

إذن : لا يجزئ إلا أن يقول : " باسم الله " .

لكن قالوا : لو قال بغير اللغة العربية ما يرادف باسم الله فإنه يجزئه ولو مع القدرة ، ومع القدرة فيه إشكال والذي يتبين عدم الإجزاء و هو قول لبعض الحنابلة وأما مع عدم القدرة فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن تركها سهواً أبيحة لا عمداً [

هذا هو المشهور في المذهب أن التسمية إذا تركت سهواً فإن الذبيحة تحل وأما إذا تركت عمداً فإنها لا تحل ، قالوا : وأما إذا تركها جهلاً فإنها لا تحل ، فالمشهور في المذهب : أنها شرط لكنها تسقط بالسهو ولا تسقط بالجهل.

قالوا : كالصوم فإن من أكل ناسياً عندهم فإنه لا يفطر ومن أكل جاهلاً فإنه يفطر ، هذا هو القول الأول في المسألة وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد وكذلك هو المشهور في مذهب مالك وأبي حنيفة .

والقول الثاني في المسألة : أنها سنة وهو مذهب الشافعي ورواية عن الإمام أحمد وتقدم ذكر دليلهم والجواب عنه .

والقول الثالث : وهو مذهب أهل الظاهر ورواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام : أنها لا تسقط - أي التسمية – لا بسهو ولا بجهل .

واستدل : بعمومات الأدلة كحديث : ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) ولقوله تعالى : ) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ( .

قالوا : وهذه أدلة عامة تدل على أنها لا تسقط لا بسهو ولا بجهل .

قالوا : وأما قوله e : ( رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) فهذا في رفع الإثم والمؤاخذة ، كما أن الرجل إذا صلى بلا وضوء فلا إثم عليه لكن صلاته لا تصح فكذلك إذا ذبح ولم يسم الله فلا إثم عليه لكن ذبيحته لا تجزئ .

والذي يترجح من هذه الأقوال ما ذهب إليه الحنابلة وذلك لأمور :

منها أن هذا هو الثابت عن ابن عباس فقد ثبت عنه أنه قال : ( إن نسي فلا بأس ) روى ذلك البخاري معلقاً و بوب عليه بما يدل على اختياره لهذا القول ووصل هذا الأثر الدارقطني ، وإسناده صحيح ولا يُعلم له مخالف ، وقول الصحابي يخصص العموم كما تقدم تقريره .

أن الطبري – وهو ممن اختار هذا القول – قد حكى الإجماع عليه ، وقال : فيمن قال لا يسقط بالنسيان ، وهو قول بعيد لشذوذه وخروجه عما عليه الجماعة و حكى الإجماع على هذا القول ولم يذكر خلافاً في المسألة .

ثم أن قوله تعالى : ) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ( يدل على أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه : مما أهل به لغير الله أو كان ميتة أ . هـ .

بدليل قوله تعالى : ) وإنه لفسق ( ومعلوم أن كون المسلم ينسى التسمية هذا ليس بفسق .

والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، فقد قال تعالى هنا : ) وإنه لفسق ( وقال في آية أخرى : ) أو فسقاً أهل لغير الله به( . فالذي يترجح هو ما ذهب إليه الحنابلة .

والحنابلة عمدتهم في التفريق بين الجاهل والناسي ليس حديث : ( رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) لأن هذا الحديث يدخل فيه الجهل .

وإنما عمدتهم : حديث ضعيف رواه الدارقطني : أن النبي e قال : ( المسلم يكفيه اسمه فإن نسي فلم يُسمِّ فليسمِّ وليأكل ) لكن الحديث إسناده فيه ضعف ، فعمدتهم تقويتهم لهذا الحديث و هو ضعيف ، وعلى ذلك فالجهل كذلك لأنه لا فرق في باب العذر بين النسيان وبين الجهل .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويُكره أن يذبح بآلة كالة [

أي غير حادة قد استعملت مراراً وتكراراً حتى صارت لا تنهر الدم إنهاراً تاماً وتؤذي البهيمة .

ويدل عليه قوله e : ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته ) وظاهر الحديث الوجوب وهو قول بعض الحنابلة وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ، لقوله : " إن الله كتب " والكتب يدل على الوجوب .

ولقوله : " وليحد وليرح " وهذا أمر وظاهر الأمر الوجوب .

       

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن يحدها والحيوان يبصره [

فيُكره أن تُحد السكين ونحوها والحيوان يبصره لما فيه من الأذى للحيوان .

وفي مسند أحمد بإسناد ضعيف أن النبي e : ( أمر أن تُحد الشفار وأن توارى عن البهائم ) .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن يوجه إلى غير القبلة [

يكره أن يوجه البهيمة إلى غير القبلة .

واستدلوا : بما روى البيهقي أن النبي e - في حديث جابر - : ( وجهها ) أي إلى القبلة وقال : ( وجهت وجهي .... ) الحديث . لكن الحديث إسناده ضعيف .

قالوا : و يقاس على الآذان ، قالوا : لأنه يتعبد الله بها فالمقصود أن غاية الأمر أن يكون ذلك مستحباً ، وأما أن يُقال إن ترك ذلك يكره فلا يظهر هذا .

       

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن يكسر عنقه أو يسلخه قبل أن يبرد [

فلو أن رجلاً كسر عنقها وفيها حياة أو سلخها وفيها حياة ، هذا لا يحل .

وقوله : " قبل أن تبرد " أي قبل أن تموت .

وقد قال هنا : " يكره " .

وهذا الحكم ضعيف بالنسبة إلى هذا الفعل ، والذي يستحقه هذا الفعل هو التحريم وهو قول القاضي من الحنابلة ، ويدل عليه حديث : ( إن الله كتب الإحسان ) وفيه : ( وليرح ذبيحته ) .

فالراجح : أن هذا الفعل محرم وهو قول القاضي من الحنابلة وظاهر اختيار شيخ الإسلام .

 

باب الصيد

 

                دل على إباحة الصيد : الكتاب والسنة وإجماع العلماء .

أما الكتاب : فقوله تعالى : ) وإذا حللتم فاصطادوا ( .

وأما السنة : ففيها حديث عدي بن حاتم وهو ثابت في الصحيحين وسيأتي ذكر بعض ألفاظه .

وأما الإجماع : فقد أجمع أهل العلم على ذلك أي على إباحة الصيد .

والصيد هو : اقتناص المأكول الحلال المتوحش طبعاً غير المقدور عليه .

                فقولنا : المتوحش طبعاً يخرج من ذلك ما توحش على غير طبع كالإبل والبقر إذا نَّدت ولها حكم الصيد كما تقدم ذكره في قوله صلى الله عليه وسلم : (   لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما نّد فيها فاصنعوا به هكذا ) .

                " غير المقدور عليه " يخرج من ذلك المتوحش طبعاً المتأهل وإن كان في الأصل متوحشاً كأن تؤخذ بعض صغار الغزلان أو غيرها ثم توضع في البيوت فتربى فهي في الأصل متوحشة ، لكنها في هذه الحال ليست كذلك بل هي متأهله فلا يحل صيدها وإنما لابد أن تذكى لأنها مقدور عليها .

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لا يحل الصيد المقتول في الإصطياد إلا بأربعة شروط أحدها : أن يكون الصائد من أهل الذكاة  [

                هذا هو الشرط الأول : وهو أن يكون الصائد من أهل الذكاة ، لأن الإصطياد يقوم مقام الذكاة ولذا قال صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين - : ( فإن أخذ الكلب ذكاة ) .

                وعليه فلابد أن يكون الصائد من أهل الذكاة ، فلو صاد غير المميز أو المميز غير العاقل فإن الصيد لا يحل.

إذن : لابد أن يكون الصائد عاقلاً مسلماً أو كتابياً كما تقدم ذكره .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الثاني : الآلة وهي نوعان : محدد يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح  [

                فالشرط الثاني : الآلة وهي نوعان .

                النوع الأول : محدد فيشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح فلا يحل أن يكون سناً ولا ظفراً لأن الإصطياد يقوم مقام الذكاة .

                وفي صحيح البخاري أن عدي بن حاتم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فإنه وقيذ فلا تأكل ) .

                والمعراض : ما يشبه الرمح .

                فلابد أن يكون محدداً ينهر الدم كأن يضرب بسهم أو أن يضرب بالرصاص أو غير ذلك مما يكون حاداً .

                وأما إذا لم يكن حاداً فإنه لا يحل للحديث المتقدم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأن يجرح  [

                فلابد أن يكون جارحاً .

                ويدل عليه ما تقدم من حديث عدي وفيه : ( إذا أصبت بحده فقتل فكل ) .

                أما لو ضرب بسهم لكن هذا السهم لم يجرحه فإنه حينئذ يكون وقيذاً .

                و لو رمى سكيناً و سمى الله عند مضيها فقتلت صيداً أبيح.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن قتله بثقلة لم يبح [

إذا قتله بثقلة فإنه لا يباح .

فلو رميت برمح فقتل طائراً لكنه قتله بثقله فإنه لا يحل لأنه لم يجرح .

إذن : لابد أن تكون الآله ذات حد وأن تجرح .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وما ليس بمحدد كالبندق [

المراد بالبندق : الحصى وهو كحصى الخذف فإذا ضربه به فإنه لايصح لأنه يكون وقيذاً .

وأما البندق الذي هو الرصاص فلا إشكال في حِلَّه بل هو أبلغ من السهم لأنه يجرح وينفذ أشد من نفوذ السهم.

        و إن رماه بالهواء أو على شجرة فسقط فمات حلّ لأن سقوطه بالإصابة و زهوق روحه بنيت الرمي و لا عكس الاضرار من سقوطه.

        و أما إن كان ترد من جبل يقتل مثله لم يحل أكله و ظاهره و لو كان الجرح موجباً و عنه إن كان الجرح موجباً حل و فيه قوة.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والعصا والشبكة [

        فلو وضع شبكة فصادت ، لكنه وجد الصيد ميتاً فيها ولم يدركه فيذبحه فلا يحل .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والفخ  [

        فلو وضع فخاً فصاد صيداً ، فوجد الصيد ميتاً فيه فإنه لا يحل .

        لكن لو أدركه في الشبكة أو الفخ فذبحه فإنه يحل لقوله تعالى : ) إلا ما ذكيتم ( .

        وهذه المسألة يرجع فيها إلى المسألة السابقة .

        والمشهور في المذهب إنه إذا كان فيه حياة مستقرة فإن الذبح يصح .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ النوع الثاني : الجارحة [

        لقوله تعالى : ) وما علمتم من الجوارح مكلبين ( .

        وهي نوعان :

النوع الأول : الجارح من السباع كالكلب والفهد .

النوع الثاني : الجارح من الطير كالصقر ونحوه ولا يحل إلا أن يكون معلماً لقوله تعالى  : ) وما علمتم من الجوارح مكلبين ( أي مؤدبين .

فإن كانت طيراً فتعليمها بشيئين :

أنها إذا أُرسلت استرسلت أي : إذا أشار إليها بالصيد انطلقت إليه .

و إذا زجرها انزجرت أي إذا قال لها قفي فإنها تقف أي بعبارته التي تفهمها منه .

فمتى ما كانت الطير هكذا فإنها تكون معلمة فإذا صادت فإن صيدها يحل .

وأما إذا كانت كلباً فيشترط فيها مع الشرطين المذكورين في الطير شرطاً ثالثاً : وهو ألا تأكل فإن أكلت فإنها ليست بمعلمه لقوله تعالى : ) فكلوا مما أمسكن عليكم (

ففي تأديبها ثلاثة شروط :

1-    إنها إذا أرسلت استرسلت .

2-    وإذا زجرت انزجرت .

3-    ألا تأكل مما أمسكت .

والمشهور في المذهب أن ذلك – أي عدم الأكل - يعرف بمرة واحدة .

فإذا أرسلها مرة واحدة فلم تأكل فإنها تكون معلمة .

والقول الثاني في المذهب أن ذلك يعرف بثلاث مرات

فإذا أرسلها ثلاث مرات فلم تأكل فإنها تكون معلماً .

والقول الثالث في المسألة : وهو مذهب الشافعية وقول في مذهب أحمد : أنه لا يكون معلماً إلا أن يكون ذلك من طبعه .

وقد يكون ذلك بثلاث مرات أو خمس أو عشر ، يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة – هذا هو الصحيح إذ لا دليل على التحديد ، وكونه لا يأكل في المرة الأولى أو لا يأكل حيث أرسل ثلاثاً هذا لا يدل على أنه أصبح معلماً ، بل حتى يكون من طبعه إنه إذا أرسل إلى الصيد لم يأكل منه .

و الفهد : يشترط فيه ما يشترط في الكلب في المذهب.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : بل يرجع فيه إلى أهل الخبرة ، فإن كان من تعليمه ألا يأكل فيكون كالكلب .

وإن كان من تعليمه أن يأكل ، ولا مانع أن يأكل كالطير فحينئذ يرجع إلى أهل الخبرة بذلك .

فقد تقدم إن الطير يكون معلماً إذا استرسل أرسل إذا وانزجر زجر وإن أكل مما يصيد .

وأما الكلب فيشترط ألا يأكل .

وأما الفهد فالمذهب كذلك ، واختار شيخ الإسلام أنه يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة فقد يكون عندهم يكتفي باسترساله إذا أرسل وانزجاره إذا زجر ولو أكل وهذا هو الراجح وأن مرجع ذلك إلى أهل الخبرة وهكذا في غير الفهد مما يصيد ننظر فيه إلى أهل الخبرة ، و ذكر الموفق أن الفهد لا يجيب داعياً و إن عد متعلماً و عليه فيرجع إلى ما يعده به أهل العرف معلّماً.

فإن قيل : لم فرقنا بين الطير وبين الكلب ؟

فالجواب : أن الطير لا يضرب فيشق حينئذ تعليمه . على ألا يأكل بخلاف الكلب ونحوه .

و لا يحل الصيد بالكلب الأسود كما هو المشهور في المذهب لأنه شيطان و لتحريم إقتناءه.

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الثالث : إرسال الآلة قاصداً [

أي قاصداً الصيد .

فلو أرسل الآلة ولم يقصد بها الصيد فإن الصيد لا يحل فلو أن رجلاً رأى شاخصاً في بيته فظنه لصاً ، فرماه فإذا هو وحش فلا يحل ، و ذلك لأنه لم يقصد صيده ومعلوم أن القصد شرط في التذكية فكذلك في الصيد ومن ثم اشترط أن يكون الصائد عاقلاً .

 

مسألة :

فإن أرسل يقصد طائراً ليصيده فصاد طائراً آخر أو أرسل سهمه ليصيد طائراً فصاده وصاد معه غيره فهل يحل ذلك أم لا ؟

الجواب : إنه يحل له ذلك ، قال صاحب الإنصاف : " بلا نزاع أعلمه " .

وكذلك إذا أصابه وأصاب معه غيره ، وذلك لأنه قصد الصيد فأجزاه ذلك .

 

مسألة :

رجل أخذ السكين ليذبح شاة وقال بسم الله ثم ذبح غيرها فما الحكم ؟

الجواب : أنه لا يجزئ لاشتراط التسمية عليها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) فلابد أن تكون التسمية على خصوص المذكاة .

أما الصيد فلا يشترط أن تكون التسمية على خصوصه فهنا فرق في باب التسمية بين الصيد وبين الذبيحة .

فالذبيحة : يشترط أن تكون التسمية لخصوصها فلو سمى على شاة وذبح غيرها لم يجزئ وذلك عنه لحديث : (ما انهر الدم .... )  الحديث .

وأما إذا قال : بسم الله وأرسل كلبه أو طائره ، أو رمى بسهمه فإنه يحل الصيد وإن صاد غيره وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل " ولم يقل وذكرت اسم الله عليه " مما أمسكن عليك ) وهو عام .

وكذلك في السهم فقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والحديث صحيح ، من حديث أبي ثعلبة الخشني قال قال صلى الله عليه وسلم : ( كل ما ردَّ عليك قوسك ) وهذا هو الذي تقتضيه السعة في هذا الباب ، فإن الصائد قد يقصد شيئاً فيصيد شيئاً آخر لأن الصيد غير مقدور عليه فليس تحت يده بخلاف المذكى فإنه تحت يده فلا يشق عليه أن يشترط أن تكون التسمية على خصوص العين المذبوحة .

 

مسألة :

إذا قال : باسم الله وأخذ سهماً ثم غير هذا السهم بسهم آخر ثم رمى به .

قال الحنابلة : لا يجزئ . فلو أن رجلاً جهز البندقية وفيها شيء من الرصاص ، فلما أراد أن يرمي بها فإنه  غير ذلك لأمر معين ثم وضع رصاصة أخرى ثم رمى بها فإنه لا يجزئ .

ولو وضع الشاة على الأرض ثم أخذ سكيناً فسمى الله فوجد السكين كاله فرماها ثم أخذ سكيناً أخرى فذبح بها فإنه يجزئ في المذهب في هذه الصورة وفي الصورة الأولى لا يجزئ .

ولا يظهر أن هناك فارق معتبر ، ولذا اختار الشيخ عبد الرحمن السعدي استواء الصورتين لأن المقصود هو التذكية ، فلا فرق بين الصورتين .

و عند الحنابلة أن التسمية على الآلة في الصيد كما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التسمية على الآلة مجزئة وإن لم تكن بخصوص المصيد ، لكن لا يظهر إن هذا فرقاً مؤثراً .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح  [

إذا استرسل الكلب أو غيره كالصقر بنفسه ، كأن يرى شيئاً من الصيد فانطلق إليه ليصيده فإنه لا يباح .

ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أرسلت كلبك " وهذا شرط " وذكرت اسم الله فكل )  .

       

 

 

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلا أن يزجره فيزيد في طلبه فيحل [

فلو رأى الصائد أن الطير قد انطلق إلى شيء مما يصاد ، فلما رآه انطلق زجره فانزجر وزاد في عدوه فإنه يحل وذلك لأنه لما زاد في عدوه دل على أنه إنما صاد لصاحبه ولأنه اجتمع فعل آدمي وفعل بهيمة ، وإذا وجد فعل الآدمي مع فعل البهيمة غلب فعل الآدمي .

وظاهر كلام المؤلف أنه لو زجره فلم يزد في عدوه فحينئذ ليس للآدمي أثر وعليه فلا يحل – وهو كما ذكر – وذلك لأن الكلب لم يسترسل بإرسال صاحبه وإنما استرسل بنفسه ، والشرط أن يرسله صاحبه للحديث المتقدم .

 

مسألة :

فإن أرسل الصائد كلبه فأكل فهل يحل أكله أم لا ؟

وهذا خاص في الكلب والفهد على قول ؟

الجواب : لا تحل ، لما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم وفيه : ( إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه ) .

والله عز وجل يقول : ) فكلوا مما أمسكن عليكم ( فإذا أكل منها فهذا يدل على أنه إنما أمسك على نفسه فلا يحل ذلك .

فإن قيل : فما الجواب عما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أرسلت الكلب وذكرت اسم الله فكل وإن أكل ) .

فالجواب : إنه من حديث عمرو الأودي وهو مقارب الحديث كما قال ذلك الإمام أحمد . لكن هنا خالف هذا الحديث المتفق عليه فكان حديثه منكراً ، فعلى ذلك الحديث منكر لا يصح .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ التسمية عند إرسال   أو الجارحة  [

أو قبيله بزمن يسير عرفاً لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله  ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أرسلت كلابك المعلمه وذكرت اسم الله ) .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن تركها عمداً سهواً لم يبح [

إذن في الصيد إن تركها سهواً فإنه لا يباح ، فقد فرقوا بين التسمية على الصيد وبين التسمية على الذبيحة .

قالوا : الفرق بينهما ، أن التسمية على الذبيحة يتسامح فيها لأن الذبح وقع في محله فقد قطع الحلقوم والمريء فكان الذبح في محله .

وأما الصيد فليس في محله فإنه قد يضربها في بطنها أو ظهرها فتموت بذلك فليس الذبح  في محله فلم يتسامح فيه.

وعن الإمام أحمد وهو قول الأحناف والمالكية : أن السهو كذلك هنا يعفى عنه كما يعفى في الذبيحة .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي : " والصواب التسوية بين النسيان والجهل في ترك التسمية على الذبائح والصيد لعدم الفارق بينهما ولأن الشارع قد سوى بينهما بعدم المؤاخذة " .

والصحيح هو هذا القول لعدم الفارق بين الذبيحة والصيد في هذا الباب ، بل الصيد أولى لأن الصيد يتسامح فيه

ولذا تقدم أنه إذا سمى على الآلة أو على الكلب ، فصاد ولو كان المصيد آخر غير الذي أرسل إليه فإنه يجزئ ، وكذلك لابد في الذبيحة أن يكون ذلك بقطع الودجين كما تقدم وأما هنا فالأمر يتسامح فيه ، فدل على أن الصيد يتسامح فيه .

وأيضاً في الغالب يكون النسيان ، فإنه قد يتبع الصيد فيغفل عن التسمية.

ولأنه قد يخرج عليه فجأة بخلاف الذبيحة فكان الصيد أولى بالتسامح .

وأما ما ذكروه فليس بمؤثر لأن الشارع جعل الإصابة بحد السهم أو بناب أو مخلب الجارح جعله في مقام الذبح تماماً.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويسن أن يقول فيها الله أكبر كالذكاة [

فيستحب في الذكاة والصيد أن يقول مع بسم الله ، الله أكبر .

أما في الذكاة فلما ثبت في صحيح مسلم أن النبي e قال على أضحيته : ( بسم الله والله أكبر ) .

قالوا : والصيد يقاس على ذلك .

وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا تشرع وذلك لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

 

 

 

 

 

 

والله أعلم و صلى الله وسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net