عدد الزوار : 163007
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - القضاء
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - القضاء
القضاء
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

كتاب القضاء

 

القضاء في اللغة : الفصل والحكم .

في الاصطلاح الفقهي : تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات .

" تبيين الحكم الشرعي " وبهذا يتفق القاضي مع المفتي في تبيين الحكم الشرعي ، وإن كان المفتي أوسع دائرة منه في تبيين الحكم الشرعي وذلك لأن القاضي إنما يبين الحكم الشرعي في المسائل المتنازع فيها .

وأما المفتي فإنه يبينها في المسائل المتنازع فيها وفي غيرها .

وفي قولنا : " والإلزام به " يفترق بهذا القيد المفتي عن القاضي فإن المفتي لا يُلزِم بالحكم الشرعي وأما القاضي فإنه يلزم به .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وهو فرض كفاية [

فالقضاء فرض كفاية ؛ لأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا به وهل يتعين على أحد أن يتولى القضاء ؟

لا يتعين ذلك إلا ألا يكون هناك من يقوم به سواه ، فإذا لم يكن في الإقليم أو في المنطقة أو في البلدة من يقوم بالقضاء وقد توفرت فيه شروطه ، سوى هذا العالِم فواجب عليه أن يقوم به فهو فرض عين عليه ، إذن القضاء في الأصل فرض كفاية لكن قد يتعين .

فإن كان غير متعين فهل يسن أن يتولى القضاء أم لا ؟

قولان لأهل العلم هما روايتان الإمام أحمد :

القول الأول : أنه لا يسن ، واستدلوا : بما روى الأربعة أن النبي e قال : ( من ولى القضاء فقد ذُبح بغير سكين ) والحديث حسنه الترمذي وهو كما قال .

واستدلوا أيضاً : بما روى الخمسة أن النبي e قال : ( القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة ، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فلم يقضي به وجار في الحكم فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار ) .

واستدلوا بحديث ضعيف في مسند أحمد أن النبي e قال : ( سيأتي على القاضي العدل ساعة يود أنه لم يقض بين الناس في تمرة ) .

والقول الثاني : أنه سنة ، يدل على ذلك أن النبي e : ( كان يتولى القضاء ، وإن خلفاءه الراشدين كان يتولونه) ولذلك كان خيار الناس وفضلائهم في القرون المفضلة يتولون القضاء ، وهذا هو القول الراجح في المسألة وأنه مستحب .

وأما الدليلان اللذان استدل بهما أهل القول الأول : فليس فيهما أنه ليس بسنة ، وإنما فيهما ما يحيط القاضي من المخاوف في قضائه ، فإنه يخشى عليه الرغبة أو الرهبة أو المجاملة أو المحاباة .

وأما أن يكون من تأهل للقضاء لا يستحب له ذلك مع أمنه على نفسه من هذه المخاوف فلا ، إذن : أرجح القولين أنه سنة ، قال شيخ الإسلام : " والواجب في ولاية القضاء اتخاذها ديناً وقُربة فإنها من أفضل القربات وإنما فسد حال الأكثر بطلب الرئاسة والمال فيها " أ . هـ

فهو إذن من أفضل القربات لما فيه من فصل النزاع بين الناس وإقامة العدل بينهم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] يلزم الإمام أن ينصب في كل إقليم قاضياً [

ففرض على الإمام أن ينصب في كل إقليم من الأقاليم الإسلامية قاضياً يقضي بين الناس .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويختار أفضل من يجده علماً وورعاً [

يختار الإمام أفضل من يجده علماً وورعاً ، لأنه – أي الإمام ناظر للمسلمين – والواجب على الناظر أن يختار الأصلح .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويأمره بتقوى ، وأن يتحرى العدل ويجتهد في إقامته [

قال شيخ الإسلام : " ومن عمل بما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه فإذا تحرى العدل واجتهد في الوصول إليه فإنه معذور عند الله عز وجل فيما يعجز عنه " ، فمن تحر ى واجتهد فإنه لا أثم عليه بعد ذلك .

ولذا قال النبي e - فيما ثبت في الصحيحين - : ( إذا أجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أجتهد فأخطأ فله أجر ) ، و قال e : ( إنما أقضي بنحو ما أسمع ) .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] فيقول : وليتك الحكم أو قلدتك ونحوه [

فيقول : أي الإمام الأعظم ، ومن ينوب عنه في توليته الناس القضاء كما يكون هذا في رئيس القضاة ونحوه .

فيقول لمن يريد أن يوليه القضاء : وليتك الحكم أو قلدتك ونحوه من الألفاظ التي تدل على توليه القضاء .

فكل قول يدل على توليه القضاء فإنه يعمل به.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويكاتبه في البعد [

فإذا كان بعيداً فإنه يكاتبه بذلك ، أي يكتب الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه ، يكتب له ورقة فيها توليته القضاء ، وهذا كالوكالة ، فكما أن الوكالة تجوز كتابةً فكذلك تولية القضاء.

ثم شرع المؤلف في بيان ما يستفاد من ولاية القضاء أي الأعمال التي يقوم بها القاضي . وما يذكره المؤلف مبني على ما جرت به العادة عندهم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وتفيد ولاية الحكم العامة الفصل بين الخصوم ، وأخذ الحق لبعضهم من بعض ، والنظر في أموال غير الراشدين [

أي النظر في أموال السفهاء والصبيان .

 

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] والحجر على من يستوجبه لسفه أو فلس [

فمن استوجب الحجر عليه لفلس أو سفه فإنه يتولى ذلك القاضي .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] والنظر في وقوف عمله ليعمل بشرطها [

أي النظر في أوقاف الإقليم الذي هو فيه .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وتنفيذ الوصايا ، وتزويج من لا ولي لها [

كما تقدم في الحديث : ( فإن أشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ) .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإقامة الحدود وإمامة الجمعة والعيد ، والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن الطرقات وأفنيتها [

والفناء ما يتسع أمام الدار.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ونحوه [

من أخذ الخراج وجبي الزكاة .

هذا يستفاد من الولاية في عصر المؤلف ، وليس لذلك حد شرعي كما قال ذلك شيخ الإسلام بل مرجع ذلك إلى الألفاظ والعرف .

ونحن في عرفنا لا يتسع كل ما ذكره المؤلف للقضاة بل منه ما يكون لهم ومنه ما لا يكون لهم .

إذن : يستفاد من ولاية القضاء عندهم ما ذكره المؤلف هنا إلا أن يستثنى شيء من ذلك ، كأن يُنصب الإمام عاملاً لجبي الزكاة ، أو أن ينصب رجلاً لإمامة العيد والجمعة ونحو ذلك ومرجع ما يستفاد من الولاية إلى الألفاظ والعرف .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويجوز أن يولي عموم النظر في عموم العمل ، ويولي خاصاً فيهما أو في أحدهما [

فالأحوال أربعة :

الحال الأولى : أن يولي المولي " وهو الإمام الأعظم " يولي عموم النظر في عموم العمل .

أي أن يوليه عموم النظر في المسائل المتنازع فيها وما يتصل فيها من المسائل التي تقدم ذكرها ، في عموم العمل.

فيقول : قد وليتك سائر الأحكام في سائر البلدان وهذه أعلاها .

الحال الثاني : أن يوليه خاصاً فيهما ، أي يوليه نظراً خاصاً في عمل خاص " أي إقليم خاص " .

                فيقول – مثلاً - : أنت ولي أمر النكاح في الإقليم الفلاني فهنا ولاية النكاح نظر خاص ، والإقليم الفلاني عمل خاص .

الحال الثالث : أن يكون النظر عاماً والإقليم خاصاً .

                كأن يقول له : وليتك سائر الأحكام في الإقليم الفلاني وهذا هو الكثير ، فقوله : " سائر الأحكام عموم في النظر".

                وقوله : " في الإقليم الفلاني " خصوص في العمل .

الحال الرابع : أن يكون النظر خاصاً والعمل عاماً .

        كأن يقول : وليتك أمور الأنكحة في سائر البلدان .

إذن المراد بقوله : " عموم النظر " أي عموم النظر في الأحكام والمراد بالعمل هنا أي الأقاليم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويشترط في القاضي عشر صفات [

هنا شرع في الشروط التي يشترط في القاضي .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] كونه بالغاً عاقلاً [

أي مكلفاً لأن غير المكلف تحت ولاية غيره فلا يصح أن يكون والياً وهذا بالاتفاق .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ذكراً [

                لأن الأنثى لا يصح أن تتولى ولاية في الإسلام ، لقول النبي e : ( لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) رواه البخاري .

                وقال أبو حنيفة : يجوز ذلك في باب الأموال ونحوها أي دون الحدود لصحة شهادتها ، وهذا نظر يخالف النص فلا عبرة به ، فالصحيح أن المرأة لا يصح أن تتولى القضاء لا في الأموال ولا في الحدود .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] حراً [

قالوا : لأن العبد مشغول بخدمة سيده .

واختار ابن عقيل وأبو الخطاب من الحنابلة : أنه يصح وهذا أظهر لأن إذ ما ذكروه لا يقوى على المنع .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] مسلماً عدلاً [

" عدلاً " لقوله تعالى : ) ولا ينال عهدي الظالمين ( وهذا بالاتفاق فالعدالة شرط في القاضي .

                وعند العدم – أي عندما يعدم العدل - فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : يولي الأنفع من الفاسقين وأقلهما شراً ، فيولي الأمثل فالأمثل وذكر أن ذلك ظاهر كلام أحمد وغيره ، وذلك لأن الشروط تعتبر حسب الإمكان ، فإن لم يوجد عدل فإنه يولي من الفساق أعدلهم وأنفعهم .

                " مسلماً " وهذا شرط ظاهر ، ولا خلاف فيه بين أهل العلم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] سميعاً [

لأنه أن لم يكن سميعاً فإنه لا يسمع كلام المتخاصمين .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] بصيراً [

لأن الأعمى لا يميز المدعي من المدعى عليه .

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] متكلماً [

                لأن الأخرس لا ينطق بالحكم ؛ و لأن إشارته قد لا تعلم .

والراجح في هذه الشروط الثلاثة أنها شروط كمال وليست شروط صحة .

أما السميع والبصير فقال صاحب الإنصاف : " وقيل لا يشترطان "

                و قال شيخ لإسلام في قضاء الأعمى " قياس المذهب يجوز كما تجوز شهادته لأنه لا يعوزه إلا عين الخصم و لا يحتاج إلى ذلك.

وأما الأخرس فهو قول في مذهب الشافعي ، وأن الأخرس يجوز كونه قاضياً .

وهذا ظاهر وذلك لأن غير السميع يمكن أن تكتب له القضية فيقضي فيها .

وغير البصير يمكن أن ينصب ثقات عنده يبينون له الناس فيعرفونه بالمدعي من المدعى  عليه .

والأخرس الذي لا يتكلم يمكنه أن يكتب ، أو أن يكون عنده من يعرف إشارته .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] مجتهداً  [

وحكى ابن حزم الإجماع على ذلك .

وذهب أبو حنيفة : إلى أنه لا يشترط .

و الأدلة دالة على اشتراط ذلك . قال تعالى : ) وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ( وقال e : ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ) .

وقال e : - في ذكر القاضي الذي هو أحد ثلاثة قضاة قال : ( ورجل عرف الحق فقضى به )  ، فيشترط أن يكون مجتهداً .

وأما أبو حنيفة فلم يشترط ذلك قال : لأن المقصود من ذلك فصل النزاع وهذا قول ضعيف جداً ، لأنه ليس المقصود فصل النزاع فحسب ، بل المقصود فصل النزاع بالحق بكتاب الله وسنة رسوله e .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ولو في مذهبه [

أي لضرورة ،  وهذه إشارة إلى خلاف ، فيشترط أن يكون مجتهداً ولو في المذهب أي بأن يحكم بالمقدم من المذهب قالوا : ولو اعتقد أن الحق خلافه ، قال الشيخ محمد بن إبراهيم " و الصحيح القول الآخر و أن الحاكم لا يحكم بما يخالف اعتقاده أبدا "ً.

وهذا  كما قال الشيخ عبد الرحمن السعدي : " هذا في غاية الضعف وهو مبني على قول ضعيف جداً وهو وجوب الالتزام بمذهب من المذاهب الأربعة ، والأخذ بالمقدم عند أئمة المذهب ، قال وهذا قول لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع بل الأدلة تدل على بطلانه " .

وهذا ما يقرره شيخ الإسلام ، والأدلة المتقدمة تدل على بطلانه .

فإن ألزم السلطان بالقضاء في مذهب من المذاهب فما الحكم ؟

قال شيخ الإسلام : " فهذا شرط باطل لأنه يخالف كتاب الله عز وجل " أ هـ .

وأما توليته للقضاء فتكون صحيحة .

ولكن أن اشترط السلطان ذلك فهل يتولى من هو أهل للاجتهاد أم لا ؟

قال شيخ الإسلام : " لكن إن لم يمكنه إلا أن يقضي به " أي لألزام السلطان بذلك فإنه ينبغي له أن يقضي بذلك المذهب وذلك تقديماً لأدنى المفسدتين ، وخروجاً من أعلاهما .

فإذا تولى وهو من أهل الاجتهاد والعدالة والدين كان ذلك دفعاً أن يتولى القضاء من ليس كذلك ، لكن عند الضرورة يولّى المقلد قال في الإنصاف " و عليه العمل من مدة طويلة و إلا تعطلت أحكام الناس " ، و قال شيخ الإسلام " يولي عدل المقلدين و اعرفهم بالتقليد أي لعدم مجتهد".

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإذا حكم اثنان منهما رجلاً يصلح للقضاء نفذ حكمه في المال والحدود واللعان وغيرها [

في مذهب أكثر الفقهاء ، فإذا حُكَّم اثنان بينهما رجلاً ، وهذا الرجل يصلح للقضاء بأنه ينفذ حكمه ، وأيضاً يلزم قاضي البلد بهذا الحكم ، هذا هو مذهب أكثر الفقهاء و لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض .

وذلك لأنهما تعاقدا على الرضا بحكمه وهو من أهل القضاء ، و لكل واحد منهما الرجوع قبل الشروع في الحكم لا بعده ، و قد قال تعالى : ) ياأيها اللذين آمنوا أوفوا بالعقود ( وفي سنن أبي داود – في قصة ابي شريح – أنه كان يُكنى أبا الحكم فسأله النبي e فقال : " إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين فقال النبي e : ( ما أحسن هذا ) " .

إذن : قد تراضيا فلزمهما ذلك ، لأن الله عز وجل يقول : ) ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ( فقد تعاقدا على الرضا فلزمهما ذلك وهو حكم مبني على شرع فكان على القاضي أن يلزم به.، وهو في المشهور في المذهب : في المال ، والحدود واللعان ، وغيرها لكنه لا ينفذّ لأن التنفيذ إلى الإمام ، وإذا نفذَّ كان في ذلك افتيات على السلطان .

وقال القاضي من الحنابلة : بل هو في المال خاصة .

والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور و ذلك لأن العلة ثابتة في الحدود واللعان كما هي ثابتة في المال ، فقد تعاقدا على الرضا وهو من أهل القضاء فوجب عليهما أن يلتزما بحكمه فهو مخبرٌ عن الله عز وجل وعن دينه.


باب : آداب القاضي

 

يعني : أخلاقه ، فآداب القاضي هي أخلاقه .

       

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ينبغي [

لفظة ينبغي عند الفقهاء بمعنى يستحب .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] أن يكون قوياً من غير عنف [

لئلا يطمع فيه الظالم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ليناً من غير ضعف [

لئلا يهابه صاحب الحق ، فإذا اجتمع فيه هذان الوصفان لم يهبه صاحب الحق فيدلي بحجته ويوضح بينته ، ولا يطمع فيه الظالم بل يهاب أن يتكلم بين يديه بغير حق .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] حليماً [

لئلا يغضب على خصمٍ فيحكم بغير الحق .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ذا أناة [

أي ذا تؤدة وعدم تسرع ، فليس متسرعاً مستعجلاً في قضائه.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وفطنة [

أي صاحب فطنة لئلا يرى المحق مبطلاً ، والمبطل محقاً بسبب عدم الفطنة ، ولئلا يخدع ويُحتال عليه .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وليكن مجلسه في وسط البلد فسيحاً [

ليكن مجلسه في وسط البلد ليمضي إليه كل أهل البلد على التساوي .

وإن كان في قرى فإنه يكون في وسطها أي في القرية المتوسطة .

" فسيحاً " لأن ذلك أشرح لصدره ، وله أثر في حسن نظره وحسن تصوره .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويعدل بين الخصمين  [

     هنا : ويجب أن يعدل بين الخصمين كما قال الشراح .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] في لحظه ولفظه ومجلسه ودخولهما [

        فيجب عليه أن يعدل بين الخصمين في لحظه : أي في نظرة ، فينظر إليهما نظرة واحدة لا يحسن النظر إلى إحدهما ويسيء النظر إلى الآخر ، بل ينظر إليهما نظراً واحداً ، و لا يقبل عليه بنظره دون خصمه لئلا يكون ذريعة إلى إنتصار قلبه.

        " وفي لفظه " أي في إجابته السلام وفي السؤال ونحو ذلك فيكون عادلاً في ألفاظه التي يوجهها أو يجيب الخصوم بها .

        " أو مجلسه " فيكونان في مجلس متساوٍ فلا يضع الشريف في مجلس وغير الشريف في مجلس دونه .

ولا يقدم أحدهما إلى المجلس الآدنى إليه ، ويجعل الآخر في المجلس الأبعد منه ، بل يكونان على درجة واحدة في المجلس .

        " ودخولهما " بأن يدخلا مرة واحدة ، أو أن يقدم أحدهما الآخر بالدخول .

أما أن يقدم القاضي أحدهما بالدخول فلا .

إذن : يعدل بينهما في هذه الأمور الأربع في لحظه ولفظه وفي مجلسه وفي دخولهما .

قالوا : ويستثنى من ذلك ما إذا كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً فإن المسلم يقدم في المجلس .

        وقيل : - كما في الانصاف – بل يجب عليه أن يجعلهما في درجة واحدة في مجلسهما وغير ذلك ، وهذا هو الأظهر وذلك لثبوت العلة هنا ، كثبوتها هناك .

                والعلة في هذه المسائل الأربع : إنه إذا لم يعدل في هذه الأمور الأربع كان ذلك سبباً لإنكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته .

        وهذه العلة يشترك فيها الناس لا فرق بين ما إذا كان الخصوم مسلمين ، أو كان بعضهم مسلماً وبعضهم كافراً ، فالمعنى واحد ، فإن إيجاب إيصال الحق إلى صاحبه يستوي فيه المسلم والكافر والله أعلم .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب ، ويشاورهم فيما يشكل عليه[

        فينبغي أن يجمع فقهاء المذاهب الذين في بلده ، فيكون في المجلس فقيه حنفي وفقيه مالكي وفقيه شافعي وفقيه حنبلي ، فإذا أشكل عليه شيء عرض ذلك عليهم واستشارهم هذا هو المشهور في المذهب .

        وفي ذلك نظر ؛ وذلك لما يترتب على ذلك من إفشاء السر ، فإنه قد تكون بعض القضايا فيها سر للناس فحضور هؤلاء لاشك أنه يؤدي إلى إفشاء الأسرار .

        وثانياً : قد يضعف صاحب الحق من الإدلاء بحجته ، فتصبح وكأنها خطبة ، فقد يقف بين يدي فقهاء من المذاهب الأربعة هذا يجعله في هيبة عظيمة ، فقد لا يظهر حجته .

        والعلة التي يذكرونها هي أنه قد يشكل عليه بعض الشيء فيستشرهم ، وهذا يمكنه أن يفعله بأن يؤخر الحكم في القضية حتى يراجع كتب أهل العلم ، وحتى يستشير أهل العلم المعاصرين.

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويحرم القضاء وهو غضبان كثيراً  [

والغضب الكثير : هو الغضب الذي يشغل الفكر ، ويؤدي في الغالب إلى عدم تصور المسألة ، وعدم تطبيقها على الأدلة الشرعية .

أما إذا كان الغضب يسيراً فلا يمنع من القضاء ومن ثم فإن النبي e قضى على الأنصاري – كما في الصحيحين – و قد قال : " أن كان ابن عمتك " فقضى النبي e عليه .

وأما الغضب الكثير الذي يشغل الفكر فإنه يحرم معه القضاء لقول النبي e : ( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) متفق عليه .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] أو حاقن أو حاقب أو في شدة جوع أو عطش أو هم أو ملل أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج   [

فكل هذه الأمور قياسها على المسألة التي ورد النص فيها ظاهر ؛ لأنها تشغل الفكر .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإن خالف فأصاب الحق نفذ  [

فإذا خالف القاضي ذلك فقضى وهو غضبان أو قضى و هو في عطش أو جوع أو ملل أو نحو ذلك فما الحكم ؟

إذا أصاب الحق فإن حكمه ينفذ وذلك لأن الشارع إنما منع من قضائه وهو غضبان خوفاً من أن لا يصيب الحق ، وهنا قد أصاب الحق فما يخشى فواته قد حصل ، وعليه فلا داعي للقول بالبطلان .

وأما إذا لم يصب الحق فإنه لا ينفذ حكمه ، لأن الشارع قد نهى عن القضاء حينئذ وحصل ما يخشى منه من عدم إصابة الحق فوجب عليه أن يعيد النظر في القضية .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويحرم قبول رشوة [

للعن النبي e الراشي والمرتشي رواه الترمذي و صححه.

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وكذا هدية [

فلا يحل للقاضي أن يقبل الهدية ، لما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( هدايا العمال غلول) و الغلول محرم.

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] إلا لمن كان يهاديه قبل ولايته إن لم تكن له حكومة [

فيستثنى من عدم جواز قبول الهدية ما إذا كان يهاديه قبل ولايته ، ثم أهدى إليه بعد الولاية ؛ فإنه يقبل الهدية لعدم التهمة إذا لم تكن له حكومة عند القاضي .

أما إذا كانت له حكومة عند القاضي ، فإن القاضي لا يقبل هذه الهدية وإن كان في الأصل يقبل هداياه .

إذن : لا يحل له أن يقبل الهدية إلا أن تكون ممن يهاديه قبل ولايته بشرط ألا تكون له حكومة .

والذي يظهر : أنه إذا كان لا يهاديه قبل ولايته لكن مثله ممن يهادي ، وقد طرأ ذلك فالذي ينبغي القول به هو قبول الهدية .

فلو أنه أتخذ صديقاً وكانت الصداقة طارئة أي بعد ولاية القضاء فلا يتبين أن هناك مانعاً من قبول القاضي لهديته إلا أن تكون له حكومة .

فظاهر قول المؤلف أنه لا يقبل إلا ممن كان يهاديه قبل الولاية .

والذي يظهر : أن من كان مثله فكذلك وإن لم يكن قد أهدى له قبل ذلك لكن طرأ السبب الذي يهدى به كان تطرأ صداقة أو تطرأ قرابة كأن يصاهر مثلاً بعد توليه القضاء فيهدي إليه صهره فلا يظهر إنه يمنع من ذلك لأن السبب لم يكن موجوداً قبل ذلك .

وهل للقاضي أن يبيع ويشتري ؟

المشهور في المذهب : أن له ذلك لكنه يكره ، إلا أن يضع وكيلاً لا يعرف به ، أي لا يعرف إن هذا وكيل القاضي.

والصحيح : أنه لا كراهية ببيعه وشرائه و لا دليل على الكراهية لكن ليس له أن يقبل المحاباة  .

بمعنى : إذا بيع له الشيء بأقل من سعره المعتاد أو اشترى منه الشيء بأكثر من سعره المعتاد فلا يحل له أن يقبل هذه المحاباة وذلك لأنها كالهدية .

إلا إذا كانت – هذه المحاباة – ممن كان يهاديه قبل ولاية القضاء ولم يكن في ذلك تهمة .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويستحب ألا يحكم إلا بحضرة الشهود [

فيستحب ألا يحكم القاضي إلا بحضرة الشهود أي الشهود الذي ثبت الحكم بشهادتهم .

فإذا شهد اثنان على أن فلاناً قتل فلاناً عمداً فإنه لا يقضي بالقتل إلا بحضرة الشهود استحباباً.

وذلك لأنه قد يفوته بعض الشيء في شهادتهم فينبهه هؤلاء الشهود على ما قد فاته .

وكذلك : قد يتراجع بعضهم عن الشهادة إن كانت شهادة زور ، فإذا رأى أن الحكم يثبت وأن القاضي يصدع الآن بالحكم فإنه قد يتراجع عن هذه الشهادة .

وهذا من باب الاستحباب لأن شهادتهم قد أدوها قبل ذلك وضبطت عند القاضي .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ولا ينفذ حكمه لنفسه [

بلا نزاع .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ولا لمن لا تقبل شهادته له [

كذلك لا ينفذ حكمه فيمن لا تقبل شهادته له كولده و والده و زوجته.

قالوا : قياساً على الشهادة ، لأن الحكم يتضمن الشهادة ، فإن القاضي يقول : أشهد أن الحكم في المسألة كذا " فلما كان الحكم متضمناً للشهادة لم ينفذ حكمه في نفسه ولا فيمن لا تقبل شهادته له ولا فيمن لا تقبل شهادته عليه كالعدو.

إذن : لا ينفذ حكمه لنفسه بلا نزاع .

ولا ينفذ حكمه فيمن لا تقبل شهادته له وهو مذهب الجمهور .

وعن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر عبد العزيز من الحنابلة أن حكمه يقبل ، فإذا قضى في مسألة بين أبيه وبين أجنبي ، فقضى لأبيه على الخصم فإن الحكم ينفذ ويقبل .

وفي هذا القول قوة ؛ لأن الأصل في القاضي البعد عن التهمة ، وكونه شاهداً ليس ككونه قاضٍ ، فإن كونه قاض هو بمنزلة النائب عن الإمام الذي يقرر شرع الله ويلزم به الناس فهو في محل ينبغي ألا يتهم فيه و إن حكم لأبيه فإن حكم عليه لا له صح لعدم التهمة.

والأحوط أن لا يقضي لمن لا تقبل شهادته له .

لكن لو رضي الخصم ، فقال : أنا أرض بقضائك وإن كنت أنت خصمي أو إن كان أبوك خصمي لعلمي أنك لا تقضي إلا بالحق فحينئذ لا إشكال في صحة القضاء ونفوذه وذلك لأن الحق له فأسقطه .

إذن : المشهور عند الفقهاء أن حكم القاضي لمن لا تقبل شهادته له لا ينفد .

أما حكمه على نفسه أو على من لا تقبل شهادته له فهذا ظاهر القبول .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ومن أدعى على غير بَرْزة لم تحضر [

البرزة هي المرأة التي تبرز لقضاء حوائجها .

وغير البرزة : هي المرأة المخدرة التي لا تخرج لقضاء حوائجها فإذا أدعى على غير برزة لم تحضر للعذر ، ولأن حياءه يمنعها من القيام بالحجة .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وأمرت بالتوكيل [

فتؤمر بأن توكل لحفظ حق الخصم ، لأنه قد يكون الحق مع المدعي ، فلابد وأن توكل .

 

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإن لزمها يمين أرسل من يحلفها [

فإذا لزمها يمين فإنه لا يمكن للوكيل أن يحلف عنها لأن اليمين لا نيابة فيها وحينئذ فيرسل القاضي من يحلفها .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وكذا المريض [

أي المصاب بمرض يشق عليه معه الحضور عند القاضي.

و حينئذ فإن القاضي يأمره بالتوكيل ، وإن احتاج إلى اليمين فإن القاضي يرسل إليه من يأخذ يمينه وهو في الموضع الذي يتمرض فيه .

 

مسألة :

إذا عُزل القاضي فهل ينعزل قبل علمه أم لا ؟

بمعنى : إذا قضى و حكم في مسائل قبل أن يعلم بالعزل فهل ينفذ هذه الأحكام أم لا ؟

قولان في المسألة :-

أصحهما وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا ينعزل قبل العلم وذلك لأن ولايته حق لله تعالى وحقوق الله تعالى لا يثبت النسخ فيها إلا بعد العلم أي بعد علم المكلف .

بل هل ينعزل القاضي بالعزل ؟ وهل ينعزل بموت المولي ؟

قولان لأهل العلم :-

والصحيح في مذهب أحمد : أنه لا ينعزل ، وهذا ينبني على مسألة هي :

هل القاضي نائب عن الإمام أو نائب عن المسلمين ؟

فإذا قلنا : هو نائب عن الإمام فإنه ينعزل بعزل الإمام ، وإذا مات الإمام انعزل أيضاً .

وإذا قلنا هو نائب عن المسلمين أي قائم بحق الله تعالى فإنه لا ينعزل بعزله ولو عزله الإمام وهذا هو المشهور في المذهب .

وعلى القول بإنه ينعزل ، هل ينعزل قبل العلم أولاً ؟

قولان : أصحهما أنه لا ينعزل قبل العلم كما تقدم واختار هذا شيخ الإسلام ويختار أيضاً أنه لا ينعزل وذلك لأن الولاية حق لله تعالى وهذا فيما يظهر أقوى والله أعلم .

 

باب طريق الحكم وصفته

 

أي : كيف يقضي القاضي بين الناس ، فهذا الفصل في صفة القضاء .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إذا حضر إليه خصمان قال : أيكما المدعي ]

ونحو ذلك من الألفاظ فليس هذا لفظاً تعبدياً ، وإنما يقول هذا اللفظ أو ما يدل عليه . وليس له أن يقول : يا فلان ما تقول ؟ وذلك لأن تخصيص أحدهما بالسؤال ليس من العدل .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن سكت حتى يُبدأ أجاز ]

فإذا سكت القاضي ولم يقل : " أيكما المدعي " بل سكت حتى يبدأ المدعي جاز ذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فمن سبق بالدعوى قدمه ]

فمن سبق بالدعوى من الخصمين قدمه ، فإذا كان كل واحد منهما مدعٍ على الآخر فسبق أحدهما بالدعوى فإنه يقدمه وذلك لسبقه ، فهو قد سبق فكان أولى من الآخر . وإن لم يتكلم أحدهما – وكل منهما مدعٍ – فإنه يُقرع بينهما.

إذن : إذا كان أحدهما مدعٍ والآخر مدعى عليه فإن القاضي يقول : أيكما المدعي فيتكلم حينئذٍ المدعي أو يسكت القاضي حتى يتكلم المدعي .

وأما إن كان كل واحد منهما مدعٍ فإنه يُقرع بينهما ، فإن سبق أحدهما بالكلام فإنه يسمع لدعواه لسبقه .

وظاهر كلام المؤلف أن كل دعوى تُسمع ، ولو كان المدعى عليه من أهل المروءة والشرف ، وذلك حفظاً للحقوق ودفعاً للظلم .

فلو أن رجلاً من فقراء الناس ادعى على رجل من أشراف الناس دعوى فإن دعواه تُسمع ، ويطالب القاضي بهذا الشريف فيحضر وإن شاء وكَّل ، وذلك حفظاً للحقوق ودفعاً للظلم ، إذ من الممكن أن يكون المدعي صادقاً .

فإن قيل : قد يكون في ذلك أذى لأصحاب الشرف فلا يستطيع أحد أن يؤديهم بذلك إلا إذا آذاهم ؟

فالجواب : إن هذا وإن كان ضرراً متوقعاً لكن حفظ حقوق الناس ودفع الظلم عنهم أعظم من ذلك فنرجح هذه المصلحة ويمكنه – أي صاحب الشرف – أن يوكل من يخاصم عنه .

إلا أن تكون الدعوى ظاهرة الكذب ، كأن يأتي إنسان مشهور بالفقر ويقول : قد اقترض مني هذا الغني : " وهو صاحب مال كثير " كذا من المال مما يبعد في العادة أن يقترض مثله ، فهنا قد يُقال – لا سيما إذا ظهر فيه الكذب – قد يُقال أنه لا تسمع الدعوى حينئذ .

لكن مع ذلك القول بالعموم فيه قوة من باب ترجيح حفظ حقوق الناس .

و ظاهر كلام المؤلف أيضاً أن الدعوى تسمع في القليل و الكثير فلو أدعى عليه بدرهمٍ سمعت ودعواه و قال بعض الحنابلة لا تسمع في مثل ما لا تتبعه الهمة و فيه قوه

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإذا أقرَّ له حُكم له عليه ]

إذا قال المدعي : ادعى على هذا أنه اقترض مني عشرة آلاف ريال ، وقال المدعى عليه : أُقرُّ بذلك واعترف فإنه يحكم عليه بذلك وهذا ظاهر جداً .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإذا أنكر ]

أي قال : ليس عندي لفلان شيءٌ أو فلان لا يستحق عليَّ شيئاً .

 

قال رحمه الله تعالى : [ قال المدعي : إذا كان لك بينة فأحضرها إن شئت ]

فيقول القاضي للمدعي : إن كان لك بينة فأحضرها إن شئت ولا يجب عليه إحضار البينة بل يحضرها إن شاء ، والبينة : سيأتي الكلام عليها .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن أحضرها سمعها وحكم بها ]

فإذا أحضر المدعي البينة فإن القاضي يسمعها ، ولا يعنِّت الشهود بالأسئلة ، وذلك لأن تعنيت الشهود بالأسئلة ذريعة إلى كتمان الشهادة وعدم القيام بها . إلا إذا ارتاب بالشهود فله أن يسأل ما يظهر به الحق من الباطل.

فإذا قال : يشهد فلان وفلان ، وأتى بهم أني أقرضت فلاناً عشرة آلاف ريال فحينئذٍ يحكم بها.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يحكم بعلمه ]

فلا يحكم القاضي بعلمه : لا في حقوق الله ولا في حقوق الآدميين ، وهذا هو مذهب الجمهور لقول النبي e : ( وإنما أقضي على نحو ما أسمع ) متفق عليه ، ولم يقل : " على نحو ما أعلم " .

فلو أن القاضي رأى رجلاً يسرق أو يقتل أو رأى فلاناً وهو يُقرض فلاناً ، فليس له أن يحكم بذلك أي بعلمه ، للحديث المتقدم .

ولأن هذا ذريعة إلى اتهام القاضي ، فيُقال : قد قضى بالجور ولم يقض ببينة .

ولأن هذا ذريعة إلى باب شر عظيم ، فقد يسلك هذا قضاة الجور فيحكمون بعلمهم .

والقول الثاني : وهو قول في مذهب الشافعي ورواية عن أحمد : أنه يحكم بعلمه .

قالوا : لأن علمه بالشهود مقبول أي علمه بثقة الشهود أو تجريحهم مقبول ، فكذلك هنا .

وهذا قياس مع الفارق ، وذلك لأن حكمه بعلمه ، حكم على وجه المباشرة ، وأما حكمه بثقة الشهود أو تجريحهم فليس حكماً على المباشرة وإنما حكم بالشهود لكنه يعدل الشهود فليس هذا كهذا ، فالأول حكم على المباشرة أي يحكم بعلمه مباشرة ، وأما هنا فهو واسطة الشهود وهو يعلم أن هؤلاء الشهود ثقات فقضى بقبول شهادتهم .

وقال أبو حنيفة : يقضي بعلمه في حقوق الآدميين دون حقوق الله ، لأن حقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة أما حقوق الآدميين فهي مبنية على المشاحة .

والصحيح : هو القول الأول لقوله e : ( إنما أقضي على نحو ما أسمع ) ، لكن هنا ثلاث مسائل تستثنى ، فيجوز للقاضي أن يحكم فيها بعلمه :

المسألة الأولى :

وقد تقدمت وهي أن حكمه بعلمه بتوثيق الشهود أو تجريحهم مقبول .

فإذا أتاه الشاهدان فقال : لا أقبل شهادتكما لعلمي بجرحكما فإنه يُقبل . أو قبل الشهود ولم يطلب من يزكيهم لعلمه بهم ومعرفته لهم فإن هذا مقبول اتفاقاً .

المسألة الثانية :

في أصح القولين وهو المشهور في المذهب أنه يحكم بعلمه فيما يكون في مجلس القضاء .

فمثلا : ادعى زيد على عمرو في مجلس القضاء عشرة آلاف ريال ، فقال عمرو : أُقرُّ بذلك لا أنكره ، ثم بعد ذلك أنكر عمرو ، فإن القاضي يحكم بالإقرار بناءً على إقرار الرجل في مجلسه ، ولا يحتاج إلى شهود ليشهدوا على الإقرار .

المسألة الثالثة :

إذا كان الأمر مستفيضاً مشهوراً عند الناس يعلمه الخاص والعام ، فإن للقاضي أن يحكم بعلمه وذلك لزوال ما يخشى من الاتهام .

فإذا كان الناس – مثلاً- يعلمون أن هذا الموضع تبع للمسجد يعلمه كل أهل السوق ، وربما عامة أهل البلد يعلمون ذلك فادعى شخص أنه  له ، فإن القاضي يحكم أن الأرض للمسجد بناءً على ما اشتهر واستفاض عند الناس وحينئذٍ لا يكون محلاً للاتهام .

فإن قيل : إذا رأى القاضي رجلاً يقتل فماذا يفعل ؟

الجواب : يشهد عند قاضٍ آخر أنه قتل .

وكذلك إذا علم أن فلاناً قد أقرض فلاناً ، فإنه يشهد عند قاضٍ آخر بذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن قال المدعي : ما لي بينة ]

ونحو ذلك من الألفاظ ، كأن يقول : لا أعلم لي بينة أو كانت لي بينة فنسيتها ونحو ذلك .

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ أعلمه الحاكم أن له اليمين على خصمه على صفة جوابه للمدعي ]

فإذا ادعى رجل أن له على فلان عشرة آلاف ، فقلنا : هل لك بينة فقال : ما لي بينة ، فيقول له القاضي : لك اليمين على خصمك ، لقول النبي e للحضرمي : ( ألك بينة ، قال: لا ، فقال النبي e : فلك يمينه ، فقال يا رسول الله : إنه رجل فاجر لا يتورع عن شيء فقال النبي e : ليس لك إلا ذلك ) رواه مسلم.

وتكون اليمين على صفة جوابه ، فإذا قال المدعي قد أقرضت هذا الرجل عشرة آلاف فقال المدعى عليه : ما عندي له شيء ، فتكون يمينه بأن يقول : " والله ما عندي له شيء " .

فلا يلزمه القاضي أن يقول – مثلاً - : " والله ما أقرضني شيئاً " بل يلزمه بالحلف على اللفظ الذي تلفظ به حال الإنكار لأنه قد يكون أقرضه سابقاً ثم ردَّه عليه .

إذن : تكون يمينه على صفة جواب المدعى عليه .

فلو قال : أقرضته عشرة آلاف ، فقال : ما أقرضني إلا خمسة آلاف فتكون يمينه : " والله ما أقرضني إلا خمسة آلاف " .

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن سأل إحلافه أحلفه وخلى سبيله ]

فإذا سأل المدعي إحلاف المدعى عليه وقال : أريد يمينه فإن القاضي يحلفه ويخلي سبيله .

فيقول له القاضي : احلف ، فيقول : " والله ما عندي له شيء " فإن القاضي يخلي سبيله وبذلك تنتهي القضية .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يعتد بيمينه قبل مسألة المدعي ]

إذا قال المدعي إني أقرضت فلاناً عشرة آلاف ، فقال المدعى عليه منكراً : " والله ما أقرضني " فإن هذه اليمين لا تكفي فلا يُعتد بها قبل مسألة المدعي ، وذلك لأن اليمين حق له – أي حق للمدعي – فلا تستوفى إلا بطلبه.

لكن هل المراد طلبه اللفظي أم طلبه العرفي ؟

ظاهر كلام المؤلف : أن المراد بذلك طلبه اللفظي لكن كذلك طلبه العرفي ، فإذا كانت العادة أن القاضي هو الذي يسأل ، وإن هذا ما أتى إلا ليثبت حقه فحينئذٍ ، بمجرد ما يقول : ادعى علي فلان بكذا ، فيقول المدعى عليه : أنكر ذلك فيقول له القاضي : احلف ، فيحلف ، فإن هذه اليمين يعتد بها لجريان عادة القضاة بذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن نكل ]

فالقضية مثلاً في قرض قدره عشرة آلاف .

فإذا قال المدعي : قد أقرضته عشرة آلاف ، فقال المدعى عليه : لا لم يقرضني شيئاً ، فيقول القاضي للمدعي : هل لك بينة ؟ فإذا قال : لا ، فإنه يقول للآخر : احلف أو يقول للمدعي : نُحلِّف صاحبك ، فإن قال : حلِّفوه فيقول له : احلف ، فإن حلف فذاك وتبرأ ذمته وإن قال : لا أحلف فيكون حينئذٍ قد نكل .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ قضى عليه ]

فإذا نكل فإنه يقضي عليه وذلك لقول النبي e : ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) فحصر – عليه الصلاة والسلام – البينة على المدعي ، وحصر اليمين على من أنكر .

وقد حكم بالنكول عثمان على ابن عمر كما في موطأ مالك بإسناد صحيح .

إذن : إذا نكل المدعى عليه فإنه يقضي عليه ، ولا ترد اليمين إلى المدعي وهذا هو المشهور في المذهب . وقال بعض أهل العلم وهو قول في مذهب أحمد بل ترد اليمين إلى المدعي .

استدلوا : بحديث رواه الدارقطني أن النبي e : ( ردَّ اليمين على صاحب الحق ) لكن الحديث إسناده ضعيف .

واختار شيخ الإسلام : التفصيل في هذه المسألة فقال : إذا كان العلم في هذه القضية في جانب المدعي وحده فإن اليمين ترد عليه ، وأما إذا لم يكن كذلك فلا ترد إليه اليمين .

مثال ذلك : قال رجل لورثة ميت ، قد اقترض مني والدكم عشرة آلاف ريال – وهو ميت – فهذه العشرة آلاف مستحقة في التركة ، فقال للورثة : احلفوا على عدم علمكم فقالوا : لا نحلف على هذا فامتنعوا من ذلك تورعاً ، ففي هذه الحال ترد اليمين على المدعي فإن حلف أستحق ما أدعاه.

و قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي : ترد اليمين على المدعي متى ما رأى القاضي ذلك خصوصاً إذا كان منفرداً بالعلم وهذا قول قوي حفاظاً على الحق ، لأنه في كثير من الأحوال المدعى عليه لا يحلف فيترتب على ذلك إضاعة الحق ، فإذا حلفنا المدعي كان في ذلك حفظاً للحقوق .

إذن : أصبحت الأقوال أربعة :

القول الأول : وهو المشهور في المذهب أنها لا ترد إلى المدعي مطلقاً .

القول الثاني : وهو قول في المذهب : أنها ترد مطلقاً إلى المدعي .

القول الثالث : أنها ترد إذا رأى القاضي ذلك .

القول الرابع : أنها ترد إذا كان المدعي منفرداً بالعلم .

والذي يظهر – ولا يتبين أن شيخ الإسلام يخالف هذا – أنه متى ما كانت هناك قرائن عند القاضي تقوى أن يحلف المدعي فإنه له ذلك .

فأحياناً يأتي للقاضي رجل معروف بالصدق ، وهناك شخص يدعي عليه أنه أقترض منه عشرة آلاف ، فيقول القاضي للمدعى عليه أتقر بذلك فيقول لا بل أنكر ، فيقول القاضي : أحلف ، فيقول لا أحلف ، لعله أقترض مني ولكن نسيت ، فأنا لا أحب أن أحلف ، فإن شئت أن تقبل أنكاري وإلا فليأخذ من مالي ما شاء ، وعلم القاضي صدقه فإنه يحلف المدعي .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويقول : إن حلفت وإلا قضيت عليك  ]

فإذا نكل فإنه يقضي عليه مباشرة فيقول : إما أن تحلف وإما أن نقضي عليك من غير حبس ، خلافاً لما ذهب إليه بعض أهل العلم من الحبس ولا دليل عليه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن لم يحلف قضى عليه  ]

فإن لم يحلف – أي المدعى عليه – قضى عليه .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينة حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق  ]

لما ادعى زيد على عمرو أنه أقرضه عشرة آلاف ، فقال القاضي : هل تقر بذلك يا عمرو قال : لا ليس عندي له شيء ، فقال له : احلف على ذلك فحلف فإنه بذلك تنتهي القضية على هذا ثم من الغد أحضر المدعي بينة فكيف نعمل ؟ فقد كنا حكمنا بالأمس أن ذمة المدعى عليه بريئة وقد حلف على ذلك لكن المدعي الآن أحضر بينة ، فإنه يحكم بها .

وظاهر كلام المؤلف سواء كان المدعي قال : " لا أعلم أن لي بالبينة أو قال : " كانت لي بينة فنسيتها " فقلنا للآخر احلف فحلف فحينئذٍ انتهت القضية ، فإذا أتانا من الغد ومعه شاهدان فإننا نقبل لأن إتيانه بالشهود في هذا اليوم لا يناقض قوله بالأمس وهذا هو المشهور في المذهب .

والصورة الثانية : أن يكون المدعي قد قال : " ليس لي بينة " ثم من الغد أو بعد زمن يأتي بالشهود فإن إتيانه بالشهود اليوم يناقض قوله : " ليس لي بينة " فحينئذٍ لا تقبل .

هذا هو المشهور في المذهب : وإنها أي البينة إنما تُقبل منه حيث كان قوله لا يناقضها كأن يقول : " لا أعلم لي بينة " أو : " كان لي بينة فنسيتها " أو نحو ذلك .

أما إذا قال : " ليس لي بينة " ونحو ذلك فلا تقبل منه البينة بعد ذلك .

لكن قول المؤلف هنا على خلاف هذا ، فظاهره العموم أي سواء كان قوله : " لا أعلم لي بينة " أو : " كانت لي بينة فنسيتها " أو كان قوله : " ليس لي بينة " فإنه تُقبل منه البينة ، لأنه قال قبل ذلك : " وإن قال المدعي ما لي بينة "  إلى أن قال : " إن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينة حكم بها " .

فظاهر كلام المؤلف خلاف المشهور في المذهب وهو أحد القولين في المسألة وهو قول في المذهب وهو القول الراجح في المسألة .

لأن قوله قبل : " لا بينة لي " هذا بناءً على ما يعتقد الآن لكنه قد تذكر بعد ذلك أو أتاه بعض الشهود فأخبروه .

فالصحيح أنه يحكم له بالبينة سواء كان قال : " لا أعلم لي بينة " أو قال : " ما لي بينة " .

أما إذا قال : " لا أعلم لي بينة " فهذا هو المشهور في المذهب . وأما إذا قال : " لا بينة لي " فالمشهور في المذهب خلاف ذلك لكن الصحيح خلاف المذهب وذلك لأن اليمين ليست مزيلة للحق لأن اليمين إنما ترفع النزاع لكنها لا تزيل الحق .

 

 

 

 

فصلٌ

 

          قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تصح الدعوى إلا محررة معلومة المدَّعى به إلا ما نصححه مجهولاً كالوصية]

لا تصح الدعوى ولا ينظر إليها القاضي ولا يلتفت فيها إلا أن تكون محررة ، أي موضحة مبينة .

فإذا أدعى أن له على فلان طعاماً فإنه يقول : لي عليه مائة صاع من الأرز الجيد ، فيذكر الجنس ويذكر النوع ويذكر الوصف ويذكر القدر .

فإن لم تكن موضحة كأن يقول : أدعى عليه طعاماً فإنها لا يسمع حتى يحررها وحتى يبينها ويوضحها ، وذلك لأن القاضي لا يمكنه أن يلزم المدعى عليه بالمدعي به وهو مجهول .

فلابد وأن تكون محررة موضحة إلا ما استثنى مما نصححه مجهولاً كالوصية .

فلو أن رجلاً أوصى لزيد بشيء فتقدم أن هذا الشيء المجهول تصح الوصية به ، وعليه فيسمع القاضي الدعوى به ، فلو قال رجل : أدعى على ورثة فلان أن مورثهم قد أوصى لي بشيء ، فإن الدعوى تسمع لأن القاضي يحكم بشيء ويكون له في الوصية أي شيء ولو كان شيئاً يسيراً .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وعبد من عبيده مهراً ونحوه  ]

فلو أمهرها عبداً من عبيده فقد تقدم أي يصح ، فكذلك إذا ادعت المرأة على زوجها فقالت قد أمهرني عبداً من عبيده فحينئذ يسمع القاضي هذه الدعوى وذلك لأن هذه الجهالة لا تضر ، فإذا أقر الزوج بذلك فيقول القاضي بأن لها عبداً من عبيده .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ونحوه  ]

أي سواء كان مهراً أو غيره مما يصح فيه هذه الجهالة كالخلع كأن تخالعه على عبد من عبيدها أو أرض من أراضيها فإن الخلع يصح على مثل هذا وعليه فإن الدعوى تسمع وينظر فيها .

إذن : هذه المسألة في الدعوى التي تسمع من القاضي لابد أن تكون محررة معلومة المدعى به وذلك لأن القاضي يلزم بذلك ولا يمكن أن يلزم بشيء مجهول .

والقول الثاني في المسألة : أن الدعوى تسمع ، والقاضي يستفصل وهذا أظهر ، لأنه إذا استفصل فإنه – حينئذ – لا يلزم بمجهول و هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.

ويدل على ذلك : حديث الحضرمي والكندي في صحيح مسلم ، وفيه أن الحضرمي قال : يا رسول الله : إنه قد أخذ مني أرضاً كانت لأبي فقال الكندي : هي بيدي وأنا أزرعها " .

فهنا قد قال : " قد أخذ مني أرضاً كانت لأبي " ومع ذلك فإن النبي r قد سمع هذه الدعوى .

فالأظهر أن الدعوى تسمع لكن يستفصل إلا إذا علم القاضي أنها ليست محررة عنده ، كأن يكون عند القاضي من يستفصل في الدعاوى قبل عرضها على القاضي ويكون القاضي قد علم أن هذا المدعي ليس له شيء محرر فإنه حينئذ لا يمكنه أن يقضي.

كذلك لا يسمع الدعوى  في المشهور من المذهب إن كانت على دين مؤجل لإثباته.

فإذا جاء رجل فقال : أريد أن أثبت على فلان ديناً لي عليه مؤجل إلى سنة ، ولم يحل الدين ، فإن الدعوى لا تسمع لإثباته حتى يحل.

والقول الثاني في المذهب : أن الدعوى تسمع لإثباته وهذا هو الصحيح ، وذلك لأنه يخشى موت الشهود أو نسيانهم فيحتاج أن يثبت الدين الذي له وإن كان الدين موجلاً فهو لا يطالب بإعطائه قبل حلوله لكنه يطالب بإثباته وإثبات الدين حق له ،

إذن الصحيح أنها تسمع مادامت لإثبات مؤجل.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أدعى عقد نكاح أو بيع أو غيرهما فلابد من ذكر شروطه  ]

فإذا أدعى عقد نكاح فلابد من ذكر شروطه .

فإذا قال – مثلاً – أدعي أن فلانة زوجة لي ، وشروط النكاح متوفرة الشرط الأول كذا ، والشرط الثاني كذا ، والشرط الثالث كذا فإن كانت المرأة ممن يشترط رضاها فإنه يذكر ذلك.

فلو قال : أدعي أن فلانة زوجة لي ولم يذكر الشروط فإن هذه الدعوى لا تقبل ولا تسمع حتى يذكر الشروط.

والقول الثاني في المسألة وهو مذهب مالك وأبي حنيفة أن الدعوى تسمع ، ولا يشترط فيها ذكر شروط النكاح ، وذلك لأن النكاح نوع ملك فكما لو أدعى أن هذه العين له.

والأظهر في الاستدلال أن يقال : الأصل صحة النكاح فلا يحتاج إلى ذكر شروط.

وأما المشهور في المذهب من أن ذكر الشروط لابد منه ، فتعليلهم أن الشروط في النكاح مختلف فيها ، فقد لا يكون هذا النكاح صحيحاً عند القاضي.

والصحيح أن ذكر الشروط عند القاضي لا يشترط لأن الأصل في أنكحة الناس الصحة و أنها على الشرع و هو قول لبعض الحنابلة.

وإذا قال : أدعى أن فلاناً قد باع علي أرضه ، وهؤلاء هم الشهود ، فيقال له : أذكر شروط البيع وذلك للعلة المتقدمة .

والقول الثاني في المذهب أن ذلك ليس بشرط ، وذلك لأن الأصل صحة البيع ، وهذا هو الصحيح وأنه لا يشترط ذكر شروط البيع ولا غيره من العقود كالإجارة ونحوها و هو وجه في المذهب.

وعلى ذلك فالصحيح في هذه المسائل كلها أن ذكر الشروط لا يحتاج إليه .

ويقوى بناءً على التعليل المتقدم من أن الأصل من العقود الصحة – يقوى أن القاضي إذا ارتاب في هذا البيع و أنه لا يصح فإنه يسأل كما تقدم في مسألة الشهود .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن ادعت امرأة نكاح رجل لطلب نفقة أو مهر أو نحوهما سمعت دعواها ]

فإذا أدعت المرأة أن فلاناً زوج لها ، فسئلت لماذا أدعت ذلك ؟ فقالت : أريد النفقة أو أريد مهري أو نحوهما كأن تقول : أريد السكنى فهل تسمع دعواها ؟

قال المؤلف : " سمعت دعواها " لأن لها حقاً .

فهذه الدعوى إذا سمعت وثبتت ، ثبت لها ما يترتب على النكاح من الحقوق التي نسألها من نفقة أو سكنى أو مهر .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن لم تدع سوى النكاح لم تقبل  ]

أي إذا أدعت النكاح فقط و لم تدع مهراً معه و لا نفقه ، قالوا : لأن الحق في النكاح للزوج فلم تسمع دعواها في حق غيرها .

والقول الثاني في المذهب : أن دعواها تسمع وهو الصحيح وذلك لأن ثبوت هذه الدعوى سبب لحقوق لها ، ثم إن المرأة لها حق في النكاح ويترتب على هذه الدعوى حقوق لها من قسم ونفقة وسكنى ونحو ذلك وإن لم تذكرها في الدعوى لكن هذه حقوق لها ثبتت بالنكاح .

ثم أن المرأة قد تدعى هذا النكاح وهي لا تريد نفقة ولا سكنى ولا مهراً لكن تريد أن يثبت هذا النكاح ثم تطالب بالطلاق لتحل نفسها للأزواج فلا تكون معلقة بهذا النكاح الذي تعتقده .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن ادعى الإرث ذكر سببه ]

فإذا أدعى الإرث فقال : أنا وارث من فلان ، فلابد من ذكر سببه لأن أسباب الإرث تختلف ، ويختلف الإرث بها .

ولأن الإرث لا يثبت إلا بسببه من نكاح أو نسب أو ولاء .

وأما سائر الدعاوى فلا تحتاج إلى ذكر سبب لكثرة الأسباب .

فإذا قال : " لي على فلان ألف ريال ، فلا يشترط أن يذكر سبب ذلك .

فلا نقول : هل هي فرض أم بيع أم غير ذلك ، بل تسمع دعواه وإن لم يذكر السبب .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وتعتبر عدالة البينة ظاهراً وباطناً  ]

فالشهود يشترط أن يكونوا عدولاً في الظاهر وفي الباطن .

في الظاهر : بمعنى ألا يظهر عليهم فسق ، فيكون الصلاح فيهم هو الظاهر .

" وفي الباطن " هي أن يعلم من حاله في باطن أمره أنه عدل ، فإن الإنسان قد يكون في ظاهره حسن لكنه في باطنه سيئ ، يعلم ذلك من له خبرة بحاله .

ويدل على ذلك : ما ثبت في البيهقي بإسناد صحيح : إن رجلاً شهد عند عمر رضي الله عنه ، فقال له عمر : ( إني لست أعرفك ، ولا يضرك أني لا أعرفك فأتني بمن يعرفك " فقال رجل : أنا أعرفه يا أمير المؤمنين ، فقال له : بأي شيء تعرفه فقال : بالعدالة ، فقال : هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخارجه فقال : لا ، قال : عاملك بالدرهم والدينار اللذين يُستدل بهما على الورع ، فقال : لا ، قال فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق قال : لا فقال : لست تعرفه ، ثم قال للرجل : أئتني بمن يعرفك )  .

فهذه هي العدالة الباطنة ، يعلمها الجار الأدنى ، ويعلمها الصاحب ويعلمها الذي يعامل الناس ببيعهم وشرائهم وغير ذلك من معاملاتهم فبهذا تعرف العدالة الباطنة ، وليس المراد شق القلوب فإن ذلك لا يعلمه إلا الله عز وجل .

والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة أنه يكتفي بالعدالة الظاهرة ؛ لأن الأصل في المسلمين العدالة .

والصحيح هو الأول ، للأثر المتقدم ، ولأن الأصل في المسلمين ليس العدالة – كما قرر هذا شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم لقوله تعالى : ] وحملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً [  فالإنسان مركب من الظلم والجهل.

فالصحيح هو القول الأول : يدل عليه قوله تعالى : ]  وأشهدوا ذوي عدل منكم [  فلم يقل وأشهدوا اثنين منكم ، يدل على أنه لا يكتفي بالإسلام بل لابد أن يكون من أهل العدالة .

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية : أنه يكتفى بما يرضاه الناس ، بمعنى : أن يكون الرجل أميناً ليس معروفاً بالكذب فمن رضيه الناس فإن شهادته تصح ، لقوله تعالى : ] ممن ترضون من الشهداء [ .

وقوله في الآية المتقدمة : ]  وأشهدوا ذوى عدل منكم [  هي في التحمل ، فالإنسان لا يُحمِّل الشهادة إلا ذوي العدالة لأن من لم يكن كذلك يخشى ألا يحمل الشهادة ، لكن إن حملها وأداها فإنها تقبل منه لأن الله قال : ]  واشهدوا ذوى عدل منكم [ فالشهادة تحمل ذوي العدالة لكن إذا أداها من ليس بعدل لكنه مرضي عند الناس فإن الشهادة تقبل .

وهذا القول هو الذي لا يسع الناس غيره ، وذلك لأن الناس تقل فيهم العدالة – أي العدالة الظاهرة والباطنة - فهذا يسب الناس وهذا يغتابهم وهذا يتكلم بالنميمة وغير ذلك فيقل في الناس العدالة فلا يسع الناس إلا ما ذكره شيخ الإسلام فمن كان مرضياً عند الناس يعلم أنه يحمل الشهادة وأنه يصدق فيها و إن كان ممن يقترف بعض الكبائر أو يصر على بعض الصغائر فإنه متى علم أنه يؤدي الشهادة أداءً صحيحاً وأنه مرضي فإن شهادته تقبل ، وهذا موضع ضرورة ولا يسع الناس إلا هذا .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ومن جهلت عدالته سأل عنه  ]

فإذا جهلت العدالة ، فلا يدري القاضي هل هذان الشاهدان عدلان أم لا فإنه يسأل أهل الخبرة الباطنة بهم .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن علم عدالته عمل بها  ]

فإذا علم القاضي أن هذا عدل فإنه يعمل بذلك اتفاقاً ، كما تقدم في مسألة سابقة.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن جرح الخصم الشهود كُلِّف البينة به  ]

فإذا قال الخصم : هؤلاء الشهود ليسوا بعدول لا تصح شهادتهم فيطالب بالبينة به ، فيقال له : أحضر من يشهد على هذا أي من يشهد على أنهما ليسا بعدلين و أنهما فاسقان ، ويشترط في هذا الجرح أن يكون مفسراً .

فلو أتى بشاهدين فشهدا على أن هذين الشاهدين فاسقان فلا يقبل ذلك حتى يبينا سبب الفسق ، فيقولا مثلاً : يشربان الخمر أو غير ذلك.

وذلك لأن الناس يختلفون اختلافاً كبيراً في أسباب الجرح فقد يجرح الجارح بما ليس بجرح ، وقد يفسق بما لا يفسق بمثله.

ولا تقبل شهادته هو " على شهود الخصم " فلا تقبل شهادته  على فسق الشهود ؛ لأنه متهم بذلك .

إذن : إذا جرح الخصم الشهود كلف البينة بذلك ، فيأتي بشاهدين يقولان : إن هذين الشاهدين فاسقان يشربان الخمر ، وسبب فسقهما كذا وكذا .

أو يستدل بالاستفاضة فيقول : هذا مستفيض عند الناس ، فهم يعرفون أن هذين فاسقان ، فإذا ثبتت هذه الاستفاضة فإن الشهود يكونون مجروحين .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وأنظر له ثلاثاً إن طلبه  ]

فإذا طلب الخصم الإنظار ، فقال : أنظروني حتى أثبت أنهم ليسوا بعدول فإنه ينظر ثلاثة أيام .

فإن طلب أكثر من ثلاثة أيام فإنه لا ينظر إلا أن يرضي بذلك خصمه ، فإذا رضي خصمه بذلك فإنه ينظر لأن الحق للخصم .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وللمدعي ملازمته  ]

فإذا قال المدعي : أنا أريد أن ألازم هذا الخصم " أي المدعي عليه لئلا يهرب فيضيع حقي ، لأن الحق قد ثبت له ، فله ذلك .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن لم يأت ببينة حكم عليه  ]

فإذا لم يأت ببينة على جرحهم فإن القاضي يحكم عليه عملاً بالبينة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن جهل حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم ]

فإذا قال القاضي للمدعي : أنا لا أعرف عدالة هؤلاء الشهود الذين أتيت بهم ، فحينئذ يطلب من المدعي تزكيتهم فيقول – أي القاضي – للمدعي : أئت بمن يزكيهم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويكفي فيها عدلان يشهدان بعدالته  ]

فيكفي في التزكية لكل شاهد ، عدلان يشهدان بعدالته هذا هو المشهور في المذهب .

وقال شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد : بل يكفي مزك واحد وهو الراجح .

وذلك لأن التزكية خبر لا يفتقر إلى شهادة ، فلم يشترط فيه أكثر من واحد كالرواية ، ولأنه خبر ديني فقبل فيه خبر الواحد.

فالصحيح أنه يكفي في التزكية تزكية عدلٍ واحد : فإذا أتى عدلٍ واحد فقال : أزكي هذين الشاهدين جميعاً فأنا أعرفهما فإن قوله يُقبل وتثبت بذلك عدالتهم .

فإن قال : لا أعلم فيهما إلا خيراً فهل يُقبل ذلك ؟

قولان : أظهرهما – وهو المشهور في المذهب – أنه لا يُقبل وذلك لأن الفاسق الذي هو فاسق في الباطن لا يُعلم منه في الظاهر إلا خيراً ، فالجاهل بالفاسق لا يعلم منه إلا خيراً .

فلابد أن يتلفظ بما يدل على عدالتهما الظاهرة والباطنة .

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يقبل في الترجمة والتزكية والجرح ]

الترجمة : أن يكون أحد المدعيين أو كلاهما غير عربيين ، فالقاضي يحتاج لمن يترجم ، فلا يكفي واحد بل لابد من عدلين اثنين يترجمان للقاضي ، فلا يكفي أن يكون عدلاً واحداً .

وكذلك في التزكية كما تقدم .

والجرح : فإذا ادعى الخصم جرح الشهود فلا يكفي أن يأتي بعدلٍ واحد يثبت جرحهم بل لابد أن يأتي باثنين عدلين يشهدان على ذلك .

 

 قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والتعريف ]

التعريف كان يُحتاج إليه قبل ظهور البطاقات الشخصية فعندما يدعي رجلٌ على رجل ، فإن القاضي سيكتب ادعى فلان ابن فلان على فلان ابن فلان بكذا وكذا ، فلابد أن يعرف القاضي بالمدعي و أن يعرف بالمدعى عليه ، فلابد أن يكون التعريف من عدلين ، فيعرف المدعي عدلان ، ويُعرِّف المدعى عليه عدلان.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والرسالة ]

فإذا أرسل القاضي إلى قاضٍ آخر رسالة ، فلابد أن يقول عدلان إن هذه هي رسالة القاضي إليك .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إلا قول عدلين ]

فلا يُقبل في هذه المسائل إلا قول عدلين .

واختار شيخ الإسلام أنه يكفي في هذه المسائل كلها قول عدل وهو الصحيح – كما تقدم – لأن هذا خبرٌ لا يفتقر إلى شهادة فقُبل فيه خبر الواحد العدل كالرواية ، لكن الجرح لا يقبل فيه إلا عدلان .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويُحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق ]

أي الغائب مسافة قصر ، فإذا ادعى زيد على عمرو مالاً ، فقلنا : أين عمرو ؟ فقيل : عمرو غائب في سفر تُقصر فيه الصلاة .

كأن يدعي رجلٌ في حائل على رجلٍ في الرياض فإن القاضي يحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق .

فيقول القاضي للمدعي : أحضر بينتك ، فإذا أحضرها فإنه يقضي عليه .

قالوا : لما ثبت في الصحيحين : أن هند بنت عتبة ادعت على زوجها أبي سفيان أنه لا يعطيها وولدها ما يكفيهما بالمعروف ، فقال لها النبي r : ( خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف ).

قالوا : فقد قضى عليه النبي r وهو غائب .

وهذا الاستدلال فيه نظر من وجهين :

الوجه الأول : أن أبا سفيان لم يكن غائباً عن مكة بل كان في مكة أثناء هذا القضاء ، وهم لا يقولون بالقضاء على الغائب في البلد .

الوجه الثاني : أن هذا من باب الفتوى وليس من باب القضاء بدليل أن النبي r لم يسألها البينة .

ولذا فذهب بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن الغائب لا يُقضى عليه حتى يحضر.

استدلوا : بما ثبت عند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي وحسنه – وهو كما قال – أن النبي r قال لعلي : ( إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي ) ، والقاضي إذا حكم على الغائب فإنه لم يسمع منه ، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة .

إلا أن تكون هناك ضرورة ، وتكون هناك قرائن قوية عند القاضي تقوي له أن المدعي مُحِق فحينئذ له أن يقضي لأن الموضع موضع ضرورة فله بينة والقرائن تدل على صدق قوله .

إذن : المشهور في المذهب : أن القاضي يحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق .

لكن هل يحلف المدعي أم لا ؟

ادعى زيد أنه اشترى من عمرو داراً و معه بينة على ذلك فقيل له : أين خصمك فقال : في الرياض .

فإذا قضى القاضي بالبينة على الخصم ، فهل يسأل المدعي اليمين أم لا ؟ أي هل يُحلِّف زيداً أم لا ؟

قولان لأهل العلم :

القول الأول : وهو المشهور في المذهب : أنه لا يُحلِّفه ، لأن البينة على المدعي وهذا هو المدعي فعليه البينة وليس في ذلك ذكر اليمين .

والقول الثاني في المذهب : وهو مذهب الشافعية : أنه يُحلِّفه وذلك احتياطاً لحق الغائب ، وذلك لأنه يحتمل أن يكون قد طرأ بعد البينة ما يجعل الحق للغائب ، كأن يبيعه هذه الدار في أول السنة ثم يشتريها منه في آخر السنة ، فالذي في البلد يحضر شهوداً يشهدون أنه قد باعه هذه الدار وهم صادقون في شهادتهم وقد باعها إياه ، لكنه بعد ذلك باعها إلى من اشتراها منه .

أو أن يكون قد أقرضه ثم أرجع إليه ماله ، والشهود هؤلاء قد شهدوا على القرض وللغائب شهود يشهدون على أنه أعاد المال فاحتياطاً لحق الغائب فإن القاضي يُحلِّفه .

ثم هل يُطالب القاضي بكفيل للمدعي ، لأنه قد يكون الحق مع الغائب ، فإذا رجع وأتى إلى القاضي وقال : هذه بينتي التي تدل على أن الحق لي ، وثبت للقاضي أن له الحق ، فقد يكون المال قد ضاع ، فهل نضع كفيلاً أو رهناً أو نحو ذلك ؟

قولان لأهل العلم :

المشهور في المذهب : أنه لا يوضع كفيل .

والقول الثاني : قال صاحب الإنصاف : " وما هو ببعيد " أنه يوضع الكفيل – وهذا هو الأظهر احتياطاً لحق الغائب – هذا كله على القول بجواز القضاء على الغائب وهو المشهور في المذهب .

وأيضاً على القول الذي ترجَّح من أن له أن يقضي إذا كانت هناك قرينة فكذلك يحتاط لحق الغائب باليمين و بالكفيل.

و مثل الحكم على الغائب الحكم على غير المكلف و إذا حضر الغائب و كلف الآخر فهو على حجته و كذا في المذهب الممتنع عن الحضور

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن ادعى حاضر في البلد غائب عن مجلس الحكم وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة ]

إذا قال : ادعي على عمرو وهذه بينتي ، قيل له : أين عمرو ؟ قال : عمرو في البلد ، فهنا لا يسمع القاضي الدعوى ولا يحكم له ببينته حتى يحضر الخصم في مجلس القاضي وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم .

لكن إن كان مختفياً أو امتنع من الإتيان لمجلس القاضي فإنه يحكم عليه ، فإنه إن كان مختفياً فهو كالمسافر ، ثم إن اختفاءه قرينة قوية على أنه لا حق له .

وإذا امتنع من حضور مجلس القاضي فالقاضي يحكم للعذر .

إذن : إذا كان في البلد فلابد من إحضاره في مجلس القاضي ، ولا يحكم القاضي بالبينة حتى يحضر الخصم إلى المجلس لكن إن امتنع من الحضور أو اختفى فإن له حينئذ أن يحكم .

 

استدراك :

إذا ادعت الزوجة أن هذا زوجاً لها وأتت ببينة تدل على أنه زوج لها و أنكر ذلك فهل يمكن منها في الظاهر ؟

قولان لأهل العلم وهما قولان في المذهب :

القول الأول : أن يُمكَّن منها في الظاهر لأن الحاكم قد حكم بأنها زوجة له ، وعليه فيمكن منها في الظاهر.

والقول الثاني : أنه لا يمكَّن منها في الظاهر ، وذلك لأنه ينكر أن تكون زوجة له ، فهو لا يُقر بهذه الزوجة ، وهذا هو الصحيح ، لأنه مقرٌ على نفسه أنه لا حق له في هذه المرأة ، فيعامل بإقراره في حقه ، وأما المرأة فيثبت لها ما يترتب على ذلك حتى يفارقها و هو المذهب.

 

باب كتاب القاضي إلى القاضي

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] يقبل كتاب القاضي إلى القاضي [

إجماعاً ، لأن الحاجة تدعو إليه .

فإذا كتب القاضي إلى قاضٍ آخر في قضية لينفذها القاضي الآخر أو في قضية ليحكم فيها الآخر .

فيأتي المدعي والمدعى عليه إلى القاضي ويدلى المدعي ببينة ، ويتم القاضي القضية ثم يحكم فيها ثم يكتب إلى قاضٍ آخر في بلد أخرى أو في البلد نفسها ، يكتب إليه بحكمه ، فيقول : حكمت على فلان بأن لفلان عليه مائة ألف فنفذ هذا القضاء ٍ .

أو ادعى فلان على فلان أنه قد قذفه وأتى ببينة تدل على ذلك فحكمت بجلده ثمانين جلدة فنفذ ذلك .

أو أن يكتب القضية ولا يحكم فيها ، فيكتب شهد عندي فلان وفلان على أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا ، أو يقول : ثبت عندي أن فلاناً قد أقرض فلاناً كذا و يكتب البينة .

ففي الصورة الأولى : أرسل إليه بالحكم لينفذه .

وأما في الصورة الثانية : فإنه لم يحكم سواء عبّر بقوله " شهد عندي فلان وفلان " أو بقوله : " ثبت عندي أن لفلان على فلان " ولا يقال : إن قوله : " ثبت عندي " حكم ، للفرق بين الحكم والثبوت ، فإن الحكم فيه أمر ونهي يقتضي الإلزام وأما الثبوت فليس كذلك ومثل هذه المسألة يحتاج إليها فقد يكون القاضي في هذا البلد ضعيفاً لا يستطيع أن ينفذ الحكم فيكتب بالقضية لتنفذ من قاضٍ أقوى منه .

أو أن يكون المدعى عليه له بالقاضي صلة قوية فيخشى إن نفذ الحكم أو حكم أن يترتب على ذلك قطيعة رحم فيرسل بالقضية إلى قاضٍ أخر للمصلحة .

فالحاجة إذن تدعو إلى كتاب القاضي إلى القاضي ومن ثم فقد أجمع أهل العلم على صحة كتاب القاضي إلى القاضي .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ في كل حق حتى القذف لا في حدود الله كحد الزنا ونحوه  ]

فالقضايا التي تقبل فيها كتابه القاضي إلى القاضي هي كل حق أي من حقوق آدمي – حتى القذف .

فكل ما كان من حقوق الآدميين فإن القاضي له أن يكتب بالقضية إلى القاضي الآخر وهذا بالاتفاق .

واستثنى المؤلف حدود الله كحد الزنا ونحوه ، فلا تقبل فيها كتابة القاضي إلى القاضي ، فلا يحل أن يكتب القاضي قد شهد عندي أربعة شهود على أن فلاناً قد زنا .

قالوا : لأنها من حدود الله ، وحدود الله ينبغي فيها الستر ولأن الحدود تدرأ بالشبهات ، و كتابة القاضي إلى القاضي فيها شبهة – وهذا هو المشهور في المذهب وهذا القول ضعيف .

و اختار شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية والمالكية وحكى رواية عن الإمام أحمد : أن كتابة القاضي في الحدود مقبولة .

وذلك لأنه لا فرق بين المسألتين  وما ذكروه فهو ضعيف .

أما قولهم : إن حدود الله يجب فيها الستر .

فالجواب : أنه قد يكون في الإظهار مصلحة وقد قال تعالى : ) وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ( .

ثم إن مصلحة كتابة القاضي إلى القاضي في القضية أعظم من هذه المصلحة .

وأما قولهم : أن الحدود تدرأ بالشبهات ؟

فالجواب : أن هذه شبهة ضعيفة أشبه ما تكون بشبهة كذب الشهود ، فإن الشهود يحتمل منهم الكذب ، ومع ذلك فإذا شهد شاهدان أن فلاناً قد قتل فلاناً عمداً فإن القتل يثبت مع أن الكذب محتمل .

فليس كل شبهة ينظر إليها ، بل لابد أن تكون الشبهة قوية يدرأ بها الحد – كما تقدم في كتاب الحدود .

إذن : الصحيح أن حدود الله كذلك أي يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويقبل فيما حكم به لينفذه  ]

هذه الصورة الأولى : وهي أن يكتب القاضي إلى قاضيٍ أخر بالحكم كأن يكتب له : قد حكمت على فلان بأن يجلد مائة جلدة لأنه قد ثبت عليه الزنا " فهنا يقبل هذا الكتاب ويجب على القاضي أن ينفذه ، وذلك لأن حكم القاضي لازم فيجب تنفيذه .

 

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن كان في بلدٍ واحد  ]

كأن يكتبه قاضٍ في المحكمة إلى قاضٍ آخر في المحكمة نفسها أو في محكمة أخرى في البلد ، أو أن يكتب بعض القضاة إلى رئيس القضاه لينفذ ونحو ذلك و لو كانا في بلد واحد ، لوجوب تنفيذ حكم القاضي .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة قصر  ]

هذه الصورة الثانية : وهي أن يكتب إلى قاضٍ أخر فيما ثبت عنده ليحكم به فلا يقبل هذا الكتاب إلا أن يكون بينهما مسافة قصر ، وأما إن كانا في بلدٍ واحد فلا يقبل هذا الكتاب هذا هو المشهور في المذهب .

ولم أر دليلاً يصار إليه في هذه المسألة .

والقول الثاني في المسألة : وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يقبل وهو أظهر لأن الحاجة داعية إليه .

فقد ثبت عنده القضية و لم يحكم بها لمصلحة من المصالح أو لدفع مفسدة من المفاسد فيرسل بالقضية إلى قاضٍ أخر ليحكم فيها فلا مانع من صحة هذا الكتاب وقبوله .

فالذي يترجح : أن الكتاب إلى قاضٍ آخر ليحكم يقبل سواء كان بينهما مسافة قصر أم لم يكن بينهما مسافة قصر .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويجوز أن يكتب إلى قاضٍ معين ، وإلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين  ]

اتفاقاً ، فيجوز أن يكتب إلى قاضٍ معين كأن يقول : " من القاضي فلان إلى القاضي فلان  " فهنا قد كتب إلى قاضٍ معين .

ويجوز أن يكتب إلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين ، فهو جائز فيجوز على التعيين ويجوز على التعميم .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يقبل إلا أن يُشهد به القاضي الكاتب شاهدين فيقرأه عليهما ثم يقول : " اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ثم يدفعه إليهما ]

فإذا كتب القاضي القضية سواء كان فيها حكم أو لم يكن فيها حكم فإنه يأتي بشاهدين ويقرأ عليهما الكتاب ويقول : هذا كتابي فادفعاه إلى القاضي فلان ، فلا يُقبل إلا أن يشهد عليه القاضي شاهدين عدلين ويقرأه عليهما ثم يقول : اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ثم يدفعه إليهما ، وهذا هو المشهور في المذهب .

والقول الثاني في المسألة : وهو مذهب مالك و رواية عن الإمام أحمد : أنه لا يشترط أن يقرأ عليهما الكتاب ، بل يكفي أن يقول : هذا كتابي إلى القاضي فلان فإذا دفعاه إليه .

قالوا : لأنهما يشهدان أن هذا كتاب القاضي إليه ، وهذا كافٍ ، فإن المقصود هو الشهادة على أن هذا الكتاب هو كتاب القاضي الأول إلى القاضي الثاني وإن لم يقرأ عليهما مع ما في القراءة من ظهور شيء من الأسرار و هذا القول أصح من الذي قبله.

والقول الثالث : وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن القيم و و أختاره الشيخ محمد بن إبراهيم و عليه العمل : أنه يصح ولو لم يشهد عليه ما دام أن المكتوب إليه عرف أن هذا هو كتاب القاضي الأول إليه أي قد عرف خطه.

فإذا أتاه من حائل أو من الرياض كتاباً من القاضي فلان وهذا هو خطه وعليه ختمه فإنه يقبل ذلك ، وذلك لأن المقصود هو العلم أو غلبه الظن أن هذا هو كتاب القاضي إليه ، وقد حصل ذلك .

قال ابن القيم : " وهذا هو عمل الخلفاء والقضاة والأمراء والعُمَّال من عهد النبي e إلى الآن " أ. هـ .

أي أنهم يعتمدون على كتب بعضهم إلى بعض ، وهذا هو الراجح في هذه المسألة .

 

باب القسمة

 

القسمة : : هي جعل الشيء أقساماً .

والقسم : هو النصيب .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] لا يجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو ردِّ عوض إلا برضاء الشركاء [

إذا كان بين شريكين مال كأرضٍ ونحوها ، فلا تجوز قسمتها إن كانت لا تنقسم إلا بضرر أو برد عِوض ، فلا يجوز قسمتها إلا برضاء الشركاء .

وما هو الضرر ؟

فيه روايتان عن الإمام أحمد :

الرواية الأولى :وهي المذهب : أن الضرر هو نقصان القيمة بعد القسم في كل نصيب أو في نصيب أحدهما .

والرواية الثانية : أن الضرر هو ألاَّ يمكن الانتفاع بها بعد القسم.

صورة هذا : إذا كان الاثنان يشتركان في أرض مساحتها مائتا متر ، لإحدهما الخمس ، وأربعة أخماسها للأخر ، فإذا قسمناها فإن نصيب صاحب الخمس يكون أربعين متراً والأرض ليست في موضع تجاري ، فلا يمكن الانتفاع بها بعد ذلك فحينئذ : لا يجوز القسمة إلا برضا الشركيين وذلك لوجود الضرر وهو أنه لا يتمكن من الانتفاع بها.

ومثال نقصان القيمة : إذا كانت الأرض تساوي مائة ألف ، ومساحتها خمسمائة متراً ولإحدهما الخمسان ، والآخر له ثلاثة أخماس ، فإذا قسمناها صار للأول مائتا متر وللآخر ثلاثمائة متر وقد كانت الأرض بكاملها تساوي مائة ألف ، ونصيب صاحب الخمسين فيها أربعون ألفاً ، والآخر نصيبه ستون ألفاً وبعد التقسيم أصبحت المائتا متر لا تساوي إلا ثلاثين ألفاً فقد تضرر بذلك لنقصان القيمة وهذا – فيما يظهر – أقوى وذلك لثبوت الضرر لأن هذا نوع ضرر .

إذن : لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر والضرر في المشهور – هو أن تنقص قيمة قسم أحدهما بعد القسمة و عليه العمل.

" أو رد عوض " : أي لا يمكننا أن نقسم حتى نقول لأحدهما : أعط الآخر خمسة آلاف أو عشرة آلاف لتكون القسمة عادلة فلا يلزم أحدهما بالقسمة بلا رضا ، بل لابد من الرضا .

وهذا هو النوع الأول من القسمة وهو : قسمة التراضي .

فمتى ما كان في القسمة ضرر أو رد عوض فلا تجوز القسمة إلا بالرضا .

وتكون القسمة هنا بيع في المشهور في المذهب ، وعليه فيشترط فيها الرضا وفيها خيار المجلس لأنها بيع.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ كالدور الصغار ]

فمثلاً : يملكان شقة فيها ثلاث غرف ولها حمام واحد ومطبخ واحد فلا تمكن القسمة من غير ضرر ورد عوض .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والحمام والطاحون الصغيرين  ]

" الحمام " فإذا كان لكل منها غرفة والحمام مشترك بينهما فأردنا قسمته فإذا هو متر في نصف متر فلا يمكن أن يقسم من غير ضرر ، فإنه لا يجوز إلا بالرضا .

" والطاحون " هو ما يسمى عندنا في السابق " بالرحى " وله دار خاصة به  فإذا كانت هذه الدار صغيرة والرحى كذلك فلا يمكن القسمة إلا برضا الشريكين.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والأرض التي لا تنعدل بأجزاء ولا قيمة لبناءٍ أو بئرٍ في بعضها ]

كأن تكون الأرض مساحتها خمسمائة متر ، وفيها شيء من الحجارة الثابتة أو فيها بعض البناء أو فيها بئر ، ولا يمكن أن تتعدل بالأجزاء وكان لكل واحد فيها النصف ، فلو أعطينا كل واحد مائتين وخمسين متراً لكن في قسم أحدهما بئر والأخر ليس في قسمه بئر ، أو في قسم أحدهما جبل والأخر ليس فيه ذلك ، فليست قسمة عادلة فلا يمكننا أن نعدل بينهما بالأجزاء أو بالقيمة بأن يكون في هذا الجانب بئرٌ يساوي مائة وهنا بئر يساوي مائة.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فهذه القسمة في حكم البيع ولا يجبر من امتنع من قسمتها  ]

لأنها في حكم البيع ويشترط في البيع التراضي .

ولقوله e - حيث كان ضرراً - : ( لا ضرر ولا ضرار ) .

فإن قال أحدهما : " ما دامت الأرض لا يمكننا أن نقسمها بيننا ، ولا يرضى أحدنا بالنصيب الأقل ، فاطلب أن تباع الأرض و آخذ نصيبي من القيمة فهل يلزم الآخر بذلك أم لا ؟

الجواب : أن الآخر يلزم بذلك ، لدفع ضر ر الشراكة فإن أبى أن يبيع فإن الحاكم يجبره و كذا لو طلب الإجارة.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وأما ما لا ضرر ولا رد عوض في قسمته ]

هذه قسمة الإجبار ، فلا يشترط الرضا فيها لأنه لا ضرر ولا رد عوض في قسمته .

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ كالقرية والبستان  ]

فلو كانت هناك قرية بين اثنين فاقتسماها فهذا صحيح .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والدار الكبيرة  ]

كأن تكون الدار فيها عشرة غرف وفيها مجلسان وفيها مطبخان وحمامان ، فقسمت بينهما فهذا صحيح .

والدار الكبيرة : أي التي يمكن أن تقسم قسمة عادلة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والأرض  ]

كأن تكون لهما أرض مساحتها ألف متر ، فيأخذ كل واحد خمسمائة متر فهذا جائز .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والدكاكين الواسعة   ]

كأن يكون لهما في السوق دكان مساحته عشرة أمتار في خمسة أمتار ، فيقول : خمسة في خمسة لي ، وخمسة في خمسة لك و يضع بينهما جداراً فهذا جائز ويكون في هذه القسمة إجبار .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والمكيل والموزون من جنس واحد كالأدهان والألبان ونحوها  ]

كالأرز ونحو ذلك ، فهذه مكيلة أو موزونة ، يمكن قسمتها قسمة عادلة ولا ضرر ولا رد عوض .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها  ]

أي على القسمة لأنه لا ضرر ولا رد عوض وهي مشتركة بينهما .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وهذه القسمة إفراز لا بيع  ]

فهذه القسمة ليست بيعاً وإنما هي أفراز أي تمييز حق كل ذي حق منهما ، ففيها تمييز حق كل واحد منهما عن الآخر ، وعليه فلا يشترط فيها الرضا – كما تقدم – ولذا كانت إجباراً ، وإذا قسمت بينهما فلا يثبت خيار لأنها ليست بيعاً وإنما هي إفراز .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ و يجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وبقاسم ينصبونه أو سألوا الحاكم نصبه ]

فيجوز للشركاء في قسمة الإجبار : أن يتقاسموا بأنفسهم أو بقاسم ينصبونه أو يسألوا الحاكم نصبه ، لأن الحق لهم ويشترط أن يكون القاسم عالماً بالقسمة ليوصل الحقوق إلى أهلها .

و يكفي قاسم واحدٌ إلا أن يكون مع تقويم فلا يكفي الواحد بل لا بد في المشهور من أثنين ، و الراجح و هو اختيار ابن القيم أنه يكفي الواحد لأنه من باب الخبر و هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام و الشيخ محمد بن إبراهيم

 

 

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وأجرته على قدر الأملاك  ]

فأجرة هذا القاسم تكون على الشركاء بقدر أملاكهم ؛ لأنها مؤنة ملك فكانت بقدره ، كما لو كان هناك عبد مشترك بينهما فنفقته بقدر الأملاك ، و لو شرط خلافه فالشرط باطل و هو المشهور في المذهب.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة  ]

فإذا اقتسموا بأنفسهم – في قسمة الإجبار – أو بقاسم ينصبونه أو سألوا – الحاكم نصبه – فإذا اقتسموا على ذلك لزمت القسمة ، وذلك لأن القسمة بينهما قسمة إجبار ورضاهما لم يكن معتبراً في الأصل فكذلك بعد القسمة.

وإذا كانا قد نصبا حاكماً ٍعالماً بالقسمة فكما لو حكما بينهما قاضياً فيلزمهما كذلك .

وإذا كان قد قسما بينهما القسمة من غير قاسم : فإذا كانا قد تراضيا على ذلك فكذلك أي تلزم القسمة لأنهما قد تراضيا على ذلك .

وأما إذا لم يتراضيا فلا ؛ لأنه قد يقول أحدهما : القسمة جائزة  فلا يلزمه الرضا .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وكيف اقترعوا جاز ]

بأي كيفية اقترعوا جاز ذلك سواء كان ذلك بالحصى أو بالأوراق وغير ذلك.

فإذا لم يرضا كل واحد منهما بهذا النصيب فوضعوا القرعة بينهما فخرجت لأحدهما فيلزم الآخر.

ولا شك أنه ليس المراد أن يكون أحدهما غانماً أو غارماً بل المقصود إنهما اجتهدا في التسوية ، ومن أجل أنهما قد يختلفان في اختيار النصيب وضعت القرعة بينهما وأما إذا كان أحدهما غانماً و الآخر غارماً فلا يجوز ذلك .

 

باب الدعاوى والبينات

 

        الدعاوى : بفتح الواو وكسرها جمع دعوى وهي في اللغة : الطلب قال تعالى : ) ولهم فيها ما يدعون (.

وأما في الاصطلاح : فهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته .

كأن يقول : مثلاً : هذه الدار لي ، والدار بيد رجل آخر ، فهي دعوى .

أو يقول : في ذمته لي عشرة آلاف ، فهي دعوى .

أما البينات : فهي جمع بينة وهي : ما أظهر الحق وأبانه كالشاهد فالشاهد يظهر الحق ويبينه

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ المدعي : من إذا سكت ترك والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك  ]

يعني مع المطالبة .

فإذا ادعى زيد على عمرو أن في ذمته له عشرة الآف ، ثم سكت زيد عن الدعوى فإنه يترك لأن الحق له .

وأما المدعي عليه وهو عمرو في هذا المثال ، فإذا سكت فإنه لا يترك .

وقيل غير ذلك .

وتعريفهما واضح : فالمدعي هو المطالب ، والمدعى عليه هو المطَالب . وفيه تعريفات أخرى

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف ]

جائز التصرف : هو الحر المكلف الرشيد وقد تقدم ذلك في كتاب البيع .

فإذا ادعى ابن سبع سنين أو ادعى السفيه غير الرشيد أو ادعى العبد – فلا تسمع دعواه أي في المال

وكذلك إنكاره فكما لو لم ينكر ، فلا يسمع إنكاره .

        إذن : لا تسمع دعواه ولا يسمع إنكاره ، وذلك لأنه قول في المال ، وغير جائز التصرف لا قول له في المال ، والدعوى والإنكار ، قول في المال .

        و يستثنى من ذلك إنكار السفيه فيما يؤاخذ به لو أقر به كطلاق و حد.

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإذا تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه  ]

        إذا كان عمرو عنده أرض يزرعها فادعى زيد عليه أن هذه الأرض له ، فنقول : هي لمن هي بيده وهو عمرو مع يمينه .

        ولو أن رجلاً راكب راحلة فادعى رجل أن هذه الراحلة له ، فهي لراكب الراحلة مع يمينه . ودليله : ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) يعني : المطالب .

        وفي البيهقي : ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) و فيه ضعف وأجمع أهل العلم على ذلك أي على أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إلا أن تكون له بينة فلا يحلف  ]

        فإذا قال المدعي : هذه بينتي وأحضر من يشهد له ، فإنه يحكم بها ولا يحلف أي المدعي .

وإنما حكمنا بها في المسألة السابقة لمن هي بيده لشاهد الحال ، فإن الحال يشهد أنها له .

لكن لو كان الحال يشهد أنها ليست له ، فحينئذ يحكم بها لمن يشهد له الحال .

        مثال ذلك : إذا وجدنا رجلاً معه عمامة بيده و آخر قد حسر رأسه في الشارع فتحاكما إلينا ، وأحدهما على رأسه عمامة وفي يده عمامة و الآخر حاسر الرأس ، وكلاهما معروف أنه لا يخرج على هذه الصفة ، فإننا نحكم بالعمامة لمن كان حاسر الرأس ، وإن كانت العمامة ليست بيده لشاهد الحال و نقول له – أي لحاسر الرأس – إحلف أنها لك

        والأصل أن من في يده المدعى به أنه له إلا أن يعارض ذلك قرينة ظاهرة ، وذلك لأن اليمين في جانب أقوى المدعيين ، ففي المثال المتقدم ، من لبس المدعى به " وهي العمامة " في يده جانبه أقوى فعليه اليمين .

ومثال آخر :-

        لو أن رجلاً طلق امرأة ، و ادعى شيئاً مما يختص بالنساء ادعى أنه له فإنه يحكم به للمرأة مع يمينها .

        والعكس بالعكس فلو كانت الدعوى في سيارة فادعت المرأة أنها لها – وطبعاً يوجد الآن في هذا الوقت الاستمارات التي يكتب فيها اسم مالك السيارة ، لكن لنفرض أن هذا ليس بموجود – فإننا نحكم بها للرجل مع يمينه إلا أن تأتي المرأة ببينة .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقام كل واحد منهما بينة أنها له ]

        كأن تكون هناك أرض يزرعها زيد ، فادعى عمرو أنها له وأحضر بينة ، وأحضر زيد بينة أيضاً ، فتعارضت عندنا البينات فلمن نحكم ؟

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ قضي للخارج ببينة ولغت بينة الداخل ]

        ففي المثال المتقدم نحكم بها لعمرو لأنه هو الخارج ، ولغت بينة زيد وهو الداخل .

        فإذن يقضى بها للخارج وهو المدعي الذي ليس المدعى به في يده ، وأما الداخل فهو من كان المدعى به في يده ، فإن بينته تلغى .

        قالوا : لأن البينة في جنب المدعي ، فالبينة على المدعي واليمين على من أنكر ، فالبينة إنما تسمع من المدعي ، وعلى ذلك فوجودها من المدعى عليه كعدمها .

        قالوا : ولأن معه – أي مع الخارج – زيادة علم لأنه ناقل عن الأصل فالخارج هو الناقل عن الأصل ؛ لأن الأصل أنها لمن هي بيده .

        وقال الجمهور وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم أنه يقضي بها للداخل .

        قالوا : لشاهد الحال ، فإن شاهد الحال يدل على أنها للداخل ، والبينتان تعارضتا فتساقطتا ، فكلما لو لم يكن لهما بينة وعليه فحكم لمن هي بيده .

        قالوا : وأما كون البينة في جنب المدعي في الأدلة الشرعية فلأن الأصل ألا يكون في القضايا إلا بنية واحدة ، ولقوة جانب المدعى عليه اكتفينا بيمينه ولم نقبل من الآخر دعواه إلا ببينة ، فجانبه أقوى وأما المدعي فلما كان جانبه أضعف اشترطنا البينة .

        قالوا : وأما ما ذكرتموه من أن في دعوى المدعي زيادة علم فهذا معارض بالأصل ، فإن الأصل أنها لمن هي في يده ، وهذا أقوى من هذا النقل .

        إذن : الصحيح أن البينتين إذا تعارضتا وكان المدعى به تحت يد أحد الطرفين فإنا نحكم له مع يمينه – كما هو مذهب الجمهور - .

        فإذا كان المدعى به تحت يديهما جميعاً .

        كأن يأتي اثنان إلى قاضٍ براحلة كل واحد منهما قد أخذ بزمام الراحلة فهنا لا ترجيح .

        فلو كان أحدهما أقوى : كأن يكون أحدهما راكباً للراحلة والآخر آخذ بزمامها فإنا نرجح الراكب لأن يده أقوى .

        أما هنا : فإن كليهما آخذ بزمام الراحلة ، فاليدان مشتركتان لا مزية لأحداهما على الأخرى فما الحكم ؟

        الجواب : إن كان لا بينة لأحدهما فإننا نحلفهما جميعاً ، ونجعلها بينهما نصفين ، و إن نكل أحدهما فهي للآخر بيمينه.

        وإن كان لكل واحد منهما بينة فكذلك أي نقول : احلفا وتناصفا .

        والقول الثاني في المسألة : أننا لا نحلفهما – أي حيث أدلى كل واحد منهما ببينة – لأن بينة كل واحد منهما  تثبت النصف فلا نحتاج إلى اليمين وهو قول الأكثر .

        وعن الإمام أحمد في المسألتين كلتيهما – أي حيث  لم يأتيا ببينة ، أو أتى كل واحد منهما ببينة – أننا نقرع بينهما فمن خرجت القرعة له فإنه يحلف فيكون جانبه أقوى .

        فعلى هذا القول : نقوي جانب أحدهما بالقرعة .

        فهذا له بينة وهذا له بينة قد تعارضتا فتساقطتا وهذا الدابة تحت يده وهذا الدابة تحت يده فليس أحدهما مرجحاً على الآخر ، وكذلك إذا كانت الدابة ليست عند أحد منهما بل هي عند شخص آخر فكذلك – إذن جانب كل واحد منهما يساوي جانب الأخر فحينئذ يقرع بينهما فمن خرجت القرعة له كان جانبه أقوى فحينئذ نقول له احلف ، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة .

        ويدل عليه : ما ثبت في سنن أبي داود – والحديث صحيح - : ( أن رجلين تداعيا عيناً وليس لأحدهما بينة فأمرهما النبي e أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها ) .

        فهذان الرجلان اختصما في عين وليس لأحدهما بينة ، كما أن العين ليست تحت يد أحدهما بدليل قصة الحضرمي والكندي فإن النبي e جعل البينة على الحضرمي لما كانت الأرض بيد الكندي ويزرعها ، أما هنا فليس المدعى به تحت يد أحدهما ، فلما كان الأمر كذلك رجح جانب من خرجت القرعة له .

        وفي سنن البيهقي ومراسيل أبي داود بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أن رجلين اختصما إلى النبي e في شيء فجاء كل واحد منهما بشهود على عِدَّة الآخر فأمر النبي e أن يقترعا وقال : ( الله يقضي بينكما ) وله شاهد مرسل عن سليمان بن يسار ومراسيل سعيد بن المسيب صحيحه عند أهل العلم .

        ففي هذا الحديث أنه قد جاء كل واحد منهما بشهود عدول بعدد شهود الآخر فقضى النبي e بالقرعة وقال : ( والله يقضي بينكما ) وهو استهام على اليمين كما في الحديث الأول فليس فيه إلا تقوية جانب أحدهما .

        إذن : الصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وأنهما إن كانت العين تحت يديهما وليس لأحد منهما بينة أو لكل واحد منهما بينة أو كان الأمر كذلك لكن العين ليست تحت يد أحد منهم فإنا – حينئذ – نقرع بينهما ومن خرجت له القرعةو نقول له : احلف فإن حلف فإنه يأخذ العين .

إذن : عندنا حالات :

        الحالة الأولى : إذا ادعى رجل على أخر أن هذه العين التي تحت يده له ولا بينة له فإنا نحكم بالعين لمن هي في يده ونقول له : احلف كما في حديث الحضرمي والكندي وهو ثابت في صحيح مسلم .

        الحالة الثانية : أن تكون العين ليست تحت يد أحد منهما أو تحت يديهما جميعاً ، ولا بينة لأحدهما على الآخر أو لكل واحدٍ منهما بينة فحينئذ نقرع بينهما ومن خرجت القرعة له فإنه يحلف – هذا في أصح أقوال أهل العلم.

 

وفي تعارض البينتين مسألتان ، المسألة الأولى:

        هل يُرجح بين البينتين أو لا ؟

        فإذا كانت إحد البينتين شهودها أكثر أو أشهر فهل يرجح أم لا .

مذهب الجمهور : أنا لا نرجح أحدهما على الأخرى لأن كلاً منهما بينة فهي حجة ، فلو جاء أحدهما بمائة شاهد ، وجاء الآخر بشاهدين فإن البينتين متعارضتان لا نرجح أحداهما على الأخرى ، وكذلك لو أتى أحدهما بشهود مشهورين بالعدالة وأتى الآخر بشهود عدول لكنهم ليسوا على درجة الشهود الأول فإنا لا نرجح .

والقول الثاني : وهو مذهب مالك وهو قول مُخَرَّجَّ في مذهب أحمد : أنا نحكم بالبينة التي هي أرجح ، وهذا أظهر كأدلة الشرع ، فإن أدلة الشرع كل دليل بمفرده حجة لكن لما تعارضت الأدلة وأمكننا الترجيح فإننا نرجح ، فكذلك البينات هنا ، ولأن من معه بينة أقوى فإن جانبه أقوى واليمين في جانب أقوى المدعيين .

        إذن : الراجح أن البينات إذا تعارضت فإنه يقدم الأرجح .

        ولا شك أن هذا القول قوي حيث كان الرجحان ظاهراً ، أما أن يدخل في ذلك شيء من التلاعب بالترجيح الخفي فليس هذا هو المراد ، لكن المراد أن يكون الترجيح ظاهراً بيناً حتى لا يتهم القاضي .

        ويقوي هذا القول ما تقدم في حديث سعيد بن المسيب فإن فيه : ( وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة الآخر ) أي على عدد شهود الآخر.

المسألة الثانية :

المشهور في المذهب : أن البينة المتقدمة مقدمة على البينة المتأخرة ، فإذا كان لأحدهما شاهدان يشهدان أن الأرض لفلان قبل سنتين وهذا له شاهدان يشهدان أن الأرض لفلان قبل سنة ، قالوا : نُقدم البينة المتقدمة ، قالوا : لأن البينة المتقدمة تثبت الملك في زمن لا تعارضها فيه البينة المتأخرة .

والقول الثاني في المسألة وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة أن البينتين متساويتان ، قالوا : لأن البينة المتأخرة تثبت ملكاً حادثاً ، ولذا لو قالت البينة الحادثة أنه يملكه منذ سنة بهبة من زيد فإن البينة الأولى تطرح لأنه لا تعارض .

لكن الكلام : إذا قالت البينة المتأخرة نحن لا نقول إنه قد وهبه أو نحو ذلك لكن نثبت أنه ملك له قبل سنة فهذه البينة تثبت ملكاً حادثاً ، والبينة المتقدمة تثبت ملكاً قديماً ، ولا شك أن إثبات الملك الحادث أقوى من إثبات الملك القديم .

        قالوا : وهذا دليل يقتضي ترجيحها فلا أقل من أن يقتضي التساوي .

        يعني : أن هذه العلة تعارض بتلك العلة ، فهذه تدفع هذه وحينئذٍ يكونا متساويين ، ولم أرَ قائلاً يقول بتقديم البينة الحادثة .

        إذن : الصحيح أنهما على التساوي كما هو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو ظاهر قول الخِرقي من الحنابلة .

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net