عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - القضاء
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - القضاء
آداب القاضي
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

باب : آداب القاضي

يعني : أخلاقه ، فآداب القاضي هي أخلاقه .

       

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ينبغي [

لفظة ينبغي عند الفقهاء بمعنى يستحب .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] أن يكون قوياً من غير عنف [

لئلا يطمع فيه الظالم .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ليناً من غير ضعف [

لئلا يهابه صاحب الحق ، فإذا اجتمع فيه هذان الوصفان لم يهبه صاحب الحق فيدلي بحجته ويوضح بينته ، ولا يطمع فيه الظالم بل يهاب أن يتكلم بين يديه بغير حق .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] حليماً [

لئلا يغضب على خصمٍ فيحكم بغير الحق .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ذا أناة [

أي ذا تؤدة وعدم تسرع ، فليس متسرعاً مستعجلاً في قضائه.

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وفطنة [

أي صاحب فطنة لئلا يرى المحق مبطلاً ، والمبطل محقاً بسبب عدم الفطنة ، ولئلا يخدع ويُحتال عليه .

 

                قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وليكن مجلسه في وسط البلد فسيحاً [

ليكن مجلسه في وسط البلد ليمضي إليه كل أهل البلد على التساوي .

وإن كان في قرى فإنه يكون في وسطها أي في القرية المتوسطة .

" فسيحاً " لأن ذلك أشرح لصدره ، وله أثر في حسن نظره وحسن تصوره .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويعدل بين الخصمين  [

هنا : ويجب أن يعدل بين الخصمين كما قال الشراح .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] في لحظه ولفظه ومجلسه ودخولهما [

فيجب عليه أن يعدل بين الخصمين في لحظه : أي في نظرة ، فينظر إليهما نظرة واحدة لا يحسن النظر إلى إحدهما ويسيء النظر إلى الآخر ، بل ينظر إليهما نظراً واحداً ، و لا يقبل عليه بنظره دون خصمه لئلا يكون ذريعة إلى إنتصار قلبه.

" وفي لفظه " أي في إجابته السلام وفي السؤال ونحو ذلك فيكون عادلاً في ألفاظه التي يوجهها أو يجيب الخصوم بها .

" أو مجلسه " فيكونان في مجلس متساوٍ فلا يضع الشريف في مجلس وغير الشريف في مجلس دونه .

ولا يقدم أحدهما إلى المجلس الآدنى إليه ، ويجعل الآخر في المجلس الأبعد منه ، بل يكونان على درجة واحدة في المجلس .

" ودخولهما " بأن يدخلا مرة واحدة ، أو أن يقدم أحدهما الآخر بالدخول .

أما أن يقدم القاضي أحدهما بالدخول فلا .

إذن : يعدل بينهما في هذه الأمور الأربع في لحظه ولفظه وفي مجلسه وفي دخولهما .

قالوا : ويستثنى من ذلك ما إذا كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً فإن المسلم يقدم في المجلس .

وقيل : - كما في الانصاف – بل يجب عليه أن يجعلهما في درجة واحدة في مجلسهما وغير ذلك .

وهذا هو الأظهر وذلك لثبوت العلة هنا ، كثبوتها هناك .

والعلة في هذه المسائل الأربع : إنه إذا لم يعدل في هذه الأمور الأربع كان ذلك سبباً لإنكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته .

وهذه العلة يشترك فيها الناس لا فرق بين ما إذا كان الخصوم مسلمين ، أو كان بعضهم مسلماً وبعضهم كافراً ، فالمعنى واحد ، فإن إيجاب إيصال الحق إلى صاحبه يستوي فيه المسلم والكافر والله أعلم .

 

        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب ، ويشاورهم فيما يشكل عليه[

فينبغي أن يجمع فقهاء المذاهب الذين في بلده ، فيكون في المجلس فقيه حنفي وفقيه مالكي وفقيه شافعي وفقيه حنبلي ، فإذا أشكل عليه شيء عرض ذلك عليهم واستشارهم هذا هو المشهور في المذهب .

وفي ذلك نظر ؛ وذلك لما يترتب على ذلك من إفشاء السر ، فإنه قد تكون بعض القضايا فيها سر للناس فحضور هؤلاء لاشك أنه يؤدي إلى إفشاء الأسرار .

وثانياً : قد يضعف صاحب الحق من الإدلاء بحجته ، فتصبح وكأنها خطبة ، فقد يقف بين يدي فقهاء من المذاهب الأربعة هذا يجعله في هيبة عظيمة ، فقد لا يظهر حجته .

والعلة التي يذكرونها هي أنه قد يشكل عليه بعض الشيء فيستشرهم ، وهذا يمكنه أن يفعله بأن يؤخر الحكم في القضية حتى يراجع كتب أهل العلم ، وحتى يستشير أهل العلم المعاصرين.

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويحرم القضاء وهو غضبان كثيراً  [

والغضب الكثير : هو الغضب الذي يشغل الفكر ، ويؤدي في الغالب إلى عدم تصور المسألة ، وعدم تطبيقها على الأدلة الشرعية .

أما إذا كان الغضب يسيراً فلا يمنع من القضاء ومن ثم فإن النبي e قضى على الأنصاري – كما في الصحيحين – و قد قال : " أن كان ابن عمتك " فقضى النبي e عليه .

وأما الغضب الكثير الذي يشغل الفكر فإنه يحرم معه القضاء لقول النبي e : ( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) متفق عليه .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] أو حاقن أو حاقب أو في شدة جوع أو عطش أو هم أو ملل أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج   [

فكل هذه الأمور قياسها على المسألة التي ورد النص فيها ظاهر ؛ لأنها تشغل الفكر .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإن خالف فأصاب الحق نفذ  [

فإذا خالف القاضي ذلك فقضى وهو غضبان أو قضى و هو في عطش أو جوع أو ملل أو نحو ذلك فما الحكم ؟

إذا أصاب الحق فإن حكمه ينفذ وذلك لأن الشارع إنما منع من قضائه وهو غضبان خوفاً من أن لا يصيب الحق ، وهنا قد أصاب الحق فما يخشى فواته قد حصل ، وعليه فلا داعي للقول بالبطلان .

وأما إذا لم يصب الحق فإنه لا ينفذ حكمه ، لأن الشارع قد نهى عن القضاء حينئذ وحصل ما يخشى منه من عدم إصابة الحق فوجب عليه أن يعيد النظر في القضية .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويحرم قبول رشوة [

للعن النبي e الراشي والمرتشي رواه الترمذي و صححه.

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وكذا هدية [

فلا يحل للقاضي أن يقبل الهدية ، لما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( هدايا العمال غلول) و الغلول محرم.

 

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] إلا لمن كان يهاديه قبل ولايته إن لم تكن له حكومة [

فيستثنى من عدم جواز قبول الهدية ما إذا كان يهاديه قبل ولايته ، ثم أهدى إليه بعد الولاية ؛ فإنه يقبل الهدية لعدم التهمة إذا لم تكن له حكومة عند القاضي .

أما إذا كانت له حكومة عند القاضي ، فإن القاضي لا يقبل هذه الهدية وإن كان في الأصل يقبل هداياه .

إذن : لا يحل له أن يقبل الهدية إلا أن تكون ممن يهاديه قبل ولايته بشرط ألا تكون له حكومة .

والذي يظهر : أنه إذا كان لا يهاديه قبل ولايته لكن مثله ممن يهادي ، وقد طرأ ذلك فالذي ينبغي القول به هو قبول الهدية .

فلو أنه أتخذ صديقاً وكانت الصداقة طارئة أي بعد ولاية القضاء فلا يتبين أن هناك مانعاً من قبول القاضي لهديته إلا أن تكون له حكومة .

فظاهر قول المؤلف أنه لا يقبل إلا ممن كان يهاديه قبل الولاية .

والذي يظهر : أن من كان مثله فكذلك وإن لم يكن قد أهدى له قبل ذلك لكن طرأ السبب الذي يهدى به كان تطرأ صداقة أو تطرأ قرابة كأن يصاهر مثلاً بعد توليه القضاء فيهدي إليه صهره فلا يظهر إنه يمنع من ذلك لأن السبب لم يكن موجوداً قبل ذلك .

وهل للقاضي أن يبيع ويشتري ؟

المشهور في المذهب : أن له ذلك لكنه يكره ، إلا أن يضع وكيلاً لا يعرف به ، أي لا يعرف إن هذا وكيل القاضي.

والصحيح : أنه لا كراهية ببيعه وشرائه و لا دليل على الكراهية لكن ليس له أن يقبل المحاباة  .

بمعنى : إذا بيع له الشيء بأقل من سعره المعتاد أو اشترى منه الشيء بأكثر من سعره المعتاد فلا يحل له أن يقبل هذه المحاباة وذلك لأنها كالهدية .

إلا إذا كانت – هذه المحاباة – ممن كان يهاديه قبل ولاية القضاء ولم يكن في ذلك تهمة .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ويستحب ألا يحكم إلا بحضرة الشهود [

فيستحب ألا يحكم القاضي إلا بحضرة الشهود أي الشهود الذي ثبت الحكم بشهادتهم .

فإذا شهد اثنان على أن فلاناً قتل فلاناً عمداً فإنه لا يقضي بالقتل إلا بحضرة الشهود استحباباً.

وذلك لأنه قد يفوته بعض الشيء في شهادتهم فينبهه هؤلاء الشهود على ما قد فاته .

وكذلك : قد يتراجع بعضهم عن الشهادة إن كانت شهادة زور ، فإذا رأى أن الحكم يثبت وأن القاضي يصدع الآن بالحكم فإنه قد يتراجع عن هذه الشهادة .

وهذا من باب الاستحباب لأن شهادتهم قد أدوها قبل ذلك وضبطت عند القاضي .

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ولا ينفذ حكمه لنفسه [

بلا نزاع .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ولا لمن لا تقبل شهادته له [

كذلك لا ينفذ حكمه فيمن لا تقبل شهادته له كولده و والده و زوجته.

قالوا : قياساً على الشهادة ، لأن الحكم يتضمن الشهادة ، فإن القاضي يقول : أشهد أن الحكم في المسألة كذا " فلما كان الحكم متضمناً للشهادة لم ينفذ حكمه في نفسه ولا فيمن لا تقبل شهادته له ولا فيمن لا تقبل شهادته عليه كالعدو.

إذن : لا ينفذ حكمه لنفسه بلا نزاع .

ولا ينفذ حكمه فيمن لا تقبل شهادته له وهو مذهب الجمهور .

وعن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر عبد العزيز من الحنابلة أن حكمه يقبل ، فإذا قضى في مسألة بين أبيه وبين أجنبي ، فقضى لأبيه على الخصم فإن الحكم ينفذ ويقبل .

وفي هذا القول قوة ؛ لأن الأصل في القاضي البعد عن التهمة ، وكونه شاهداً ليس ككونه قاضٍ ، فإن كونه قاض هو بمنزلة النائب عن الإمام الذي يقرر شرع الله ويلزم به الناس فهو في محل ينبغي ألا يتهم فيه و إن حكم لأبيه فإن حكم عليه لا له صح لعدم التهمة.

والأحوط أن لا يقضي لمن لا تقبل شهادته له .

لكن لو رضي الخصم ، فقال : أنا أرض بقضائك وإن كنت أنت خصمي أو إن كان أبوك خصمي لعلمي أنك لا تقضي إلا بالحق فحينئذ لا إشكال في صحة القضاء ونفوذه وذلك لأن الحق له فأسقطه .

إذن : المشهور عند الفقهاء أن حكم القاضي لمن لا تقبل شهادته له لا ينفد .

أما حكمه على نفسه أو على من لا تقبل شهادته له فهذا ظاهر القبول .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] ومن أدعى على غير بَرْزة لم تحضر [

البرزة هي المرأة التي تبرز لقضاء حوائجها .

وغير البرزة : هي المرأة المخدرة التي لا تخرج لقضاء حوائجها فإذا أدعى على غير برزة لم تحضر للعذر ، ولأن حياءه يمنعها من القيام بالحجة .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وأمرت بالتوكيل [

فتؤمر بأن توكل لحفظ حق الخصم ، لأنه قد يكون الحق مع المدعي ، فلابد وأن توكل .

 

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وإن لزمها يمين أرسل من يحلفها [

فإذا لزمها يمين فإنه لا يمكن للوكيل أن يحلف عنها لأن اليمين لا نيابة فيها وحينئذ فيرسل القاضي من يحلفها .

 

                        قال المؤلف رحمه الله تعالى: ] وكذا المريض [

أي المصاب بمرض يشق عليه معه الحضور عند القاضي.

و حينئذ فإن القاضي يأمره بالتوكيل ، وإن احتاج إلى اليمين فإن القاضي يرسل إليه من يأخذ يمينه وهو في الموضع الذي يتمرض فيه .

 

مسألة :

إذا عُزل القاضي فهل ينعزل قبل علمه أم لا ؟

بمعنى : إذا قضى و حكم في مسائل قبل أن يعلم بالعزل فهل ينفذ هذه الأحكام أم لا ؟

قولان في المسألة :-

أصحهما وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا ينعزل قبل العلم وذلك لأن ولايته حق لله تعالى وحقوق الله تعالى لا يثبت النسخ فيها إلا بعد العلم أي بعد علم المكلف .

بل هل ينعزل القاضي بالعزل ؟ وهل ينعزل بموت المولي ؟

قولان لأهل العلم :-

والصحيح في مذهب أحمد : أنه لا ينعزل ، وهذا ينبني على مسألة هي :

هل القاضي نائب عن الإمام أو نائب عن المسلمين ؟

فإذا قلنا : هو نائب عن الإمام فإنه ينعزل بعزل الإمام ، وإذا مات الإمام انعزل أيضاً .

وإذا قلنا هو نائب عن المسلمين أي قائم بحق الله تعالى فإنه لا ينعزل بعزله ولو عزله الإمام وهذا هو المشهور في المذهب .

وعلى القول بإنه ينعزل ، هل ينعزل قبل العلم أولاً ؟

قولان : أصحهما أنه لا ينعزل قبل العلم كما تقدم واختار هذا شيخ الإسلام ويختار أيضاً أنه لا ينعزل وذلك لأن الولاية حق لله تعالى وهذا فيما يظهر أقوى والله أعلم .

 

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net