بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
باب الدعاوى والبينات
الدعاوى : بفتح الواو وكسرها جمع دعوى وهي في اللغة : الطلب قال تعالى : ) ولهم فيها ما يدعون ( .
وأما في الاصطلاح : فهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته .
كأن يقول : مثلاً : هذه الدار لي ، والدار بيد رجل آخر ، فهي دعوى .
أو يقول : في ذمته لي عشرة آلاف ، فهي دعوى .
أما البينات : فهي جمع بينة وهي : ما أظهر الحق وأبانه كالشاهد فالشاهد يظهر الحق ويبينه
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ المدعي : من إذا سكت ترك والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك ]
يعني مع المطالبة .
فإذا ادعى زيد على عمرو أن في ذمته له عشرة الآف ، ثم سكت زيد عن الدعوى فإنه يترك لأن الحق له .
وأما المدعي عليه وهو عمرو في هذا المثال ، فإذا سكت فإنه لا يترك .
وقيل غير ذلك .
وتعريفهما واضح : فالمدعي هو المطالب ، والمدعى عليه هو المطَالب . وفيه تعريفات أخرى
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف ]
جائز التصرف : هو الحر المكلف الرشيد وقد تقدم ذلك في كتاب البيع .
فإذا ادعى ابن سبع سنين أو ادعى السفيه غير الرشيد أو ادعى العبد – فلا تسمع دعواه أي في المال
وكذلك إنكاره فكما لو لم ينكر ، فلا يسمع إنكاره .
إذن : لا تسمع دعواه ولا يسمع إنكاره ، وذلك لأنه قول في المال ، وغير جائز التصرف لا قول له في المال ، والدعوى والإنكار ، قول في المال .
و يستثنى من ذلك إنكار السفيه فيما يؤاخذ به لو أقر به كطلاق و حد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإذا تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه ]
إذا كان عمرو عنده أرض يزرعها فادعى زيد عليه أن هذه الأرض له ، فنقول : هي لمن هي بيده وهو عمرو مع يمينه .
ولو أن رجلاً راكب راحلة فادعى رجل أن هذه الراحلة له ، فهي لراكب الراحلة مع يمينه . ودليله : ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) يعني : المطالب .
وفي البيهقي : ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ) و فيه ضعف وأجمع أهل العلم على ذلك أي على أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إلا أن تكون له بينة فلا يحلف ]
فإذا قال المدعي : هذه بينتي وأحضر من يشهد له ، فإنه يحكم بها ولا يحلف أي المدعي .
وإنما حكمنا بها في المسألة السابقة لمن هي بيده لشاهد الحال ، فإن الحال يشهد أنها له .
لكن لو كان الحال يشهد أنها ليست له ، فحينئذ يحكم بها لمن يشهد له الحال .
مثال ذلك : إذا وجدنا رجلاً معه عمامة بيده و آخر قد حسر رأسه في الشارع فتحاكما إلينا ، وأحدهما على رأسه عمامة وفي يده عمامة و الآخر حاسر الرأس ، وكلاهما معروف أنه لا يخرج على هذه الصفة ، فإننا نحكم بالعمامة لمن كان حاسر الرأس ، وإن كانت العمامة ليست بيده لشاهد الحال و نقول له – أي لحاسر الرأس – إحلف أنها لك
والأصل أن من في يده المدعى به أنه له إلا أن يعارض ذلك قرينة ظاهرة ، وذلك لأن اليمين في جانب أقوى المدعيين ، ففي المثال المتقدم ، من لبس المدعى به " وهي العمامة " في يده جانبه أقوى فعليه اليمين .
ومثال آخر :-
لو أن رجلاً طلق امرأة ، و ادعى شيئاً مما يختص بالنساء ادعى أنه له فإنه يحكم به للمرأة مع يمينها .
والعكس بالعكس فلو كانت الدعوى في سيارة فادعت المرأة أنها لها – وطبعاً يوجد الآن في هذا الوقت الاستمارات التي يكتب فيها اسم مالك السيارة ، لكن لنفرض أن هذا ليس بموجود – فإننا نحكم بها للرجل مع يمينه إلا أن تأتي المرأة ببينة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقام كل واحد منهما بينة أنها له ]
كأن تكون هناك أرض يزرعها زيد ، فادعى عمرو أنها له وأحضر بينة ، وأحضر زيد بينة أيضاً ، فتعارضت عندنا البينات فلمن نحكم ؟
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ قضي للخارج ببينة ولغت بينة الداخل ]
ففي المثال المتقدم نحكم بها لعمرو لأنه هو الخارج ، ولغت بينة زيد وهو الداخل .
فإذن يقضى بها للخارج وهو المدعي الذي ليس المدعى به في يده ، وأما الداخل فهو من كان المدعى به في يده ، فإن بينته تلغى .
قالوا : لأن البينة في جنب المدعي ، فالبينة على المدعي واليمين على من أنكر ، فالبينة إنما تسمع من المدعي ، وعلى ذلك فوجودها من المدعى عليه كعدمها .
قالوا : ولأن معه – أي مع الخارج – زيادة علم لأنه ناقل عن الأصل فالخارج هو الناقل عن الأصل ؛ لأن الأصل أنها لمن هي بيده .
وقال الجمهور وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم أنه يقضي بها للداخل .
قالوا : لشاهد الحال ، فإن شاهد الحال يدل على أنها للداخل ، والبينتان تعارضتا فتساقطتا ، فكلما لو لم يكن لهما بينة وعليه فحكم لمن هي بيده .
قالوا : وأما كون البينة في جنب المدعي في الأدلة الشرعية فلأن الأصل ألا يكون في القضايا إلا بنية واحدة ، ولقوة جانب المدعى عليه اكتفينا بيمينه ولم نقبل من الآخر دعواه إلا ببينة ، فجانبه أقوى وأما المدعي فلما كان جانبه أضعف اشترطنا البينة .
قالوا : وأما ما ذكرتموه من أن في دعوى المدعي زيادة علم فهذا معارض بالأصل ، فإن الأصل أنها لمن هي في يده ، وهذا أقوى من هذا النقل .
إذن : الصحيح أن البينتين إذا تعارضتا وكان المدعى به تحت يد أحد الطرفين فإنا نحكم له مع يمينه – كما هو مذهب الجمهور - .
فإذا كان المدعى به تحت يديهما جميعاً .
كأن يأتي اثنان إلى قاضٍ براحلة كل واحد منهما قد أخذ بزمام الراحلة فهنا لا ترجيح .
فلو كان أحدهما أقوى : كأن يكون أحدهما راكباً للراحلة والآخر آخذ بزمامها فإنا نرجح الراكب لأن يده أقوى .
أما هنا : فإن كليهما آخذ بزمام الراحلة ، فاليدان مشتركتان لا مزية لأحداهما على الأخرى فما الحكم ؟
الجواب : إن كان لا بينة لأحدهما فإننا نحلفهما جميعاً ، ونجعلها بينهما نصفين ، و إن نكل أحدهما فهي للآخر بيمينه.
وإن كان لكل واحد منهما بينة فكذلك أي نقول : احلفا وتناصفا .
والقول الثاني في المسألة : أننا لا نحلفهما – أي حيث أدلى كل واحد منهما ببينة – لأن بينة كل واحد منهما تثبت النصف فلا نحتاج إلى اليمين وهو قول الأكثر .
وعن الإمام أحمد في المسألتين كلتيهما – أي حيث لم يأتيا ببينة ، أو أتى كل واحد منهما ببينة – أننا نقرع بينهما فمن خرجت القرعة له فإنه يحلف فيكون جانبه أقوى .
فعلى هذا القول : نقوي جانب أحدهما بالقرعة .
فهذا له بينة وهذا له بينة قد تعارضتا فتساقطتا وهذا الدابة تحت يده وهذا الدابة تحت يده فليس أحدهما مرجحاً على الآخر ، وكذلك إذا كانت الدابة ليست عند أحد منهما بل هي عند شخص آخر فكذلك – إذن جانب كل واحد منهما يساوي جانب الأخر فحينئذ يقرع بينهما فمن خرجت القرعة له كان جانبه أقوى فحينئذ نقول له احلف ، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة .
ويدل عليه : ما ثبت في سنن أبي داود – والحديث صحيح - : ( أن رجلين تداعيا عيناً وليس لأحدهما بينة فأمرهما النبي e أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها ) .
فهذان الرجلان اختصما في عين وليس لأحدهما بينة ، كما أن العين ليست تحت يد أحدهما بدليل قصة الحضرمي والكندي فإن النبي e جعل البينة على الحضرمي لما كانت الأرض بيد الكندي ويزرعها ، أما هنا فليس المدعى به تحت يد أحدهما ، فلما كان الأمر كذلك رجح جانب من خرجت القرعة له .
وفي سنن البيهقي ومراسيل أبي داود بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أن رجلين اختصما إلى النبي e في شيء فجاء كل واحد منهما بشهود على عِدَّة الآخر فأمر النبي e أن يقترعا وقال : ( الله يقضي بينكما ) وله شاهد مرسل عن سليمان بن يسار ومراسيل سعيد بن المسيب صحيحه عند أهل العلم .
ففي هذا الحديث أنه قد جاء كل واحد منهما بشهود عدول بعدد شهود الآخر فقضى النبي e بالقرعة وقال : ( والله يقضي بينكما ) وهو استهام على اليمين كما في الحديث الأول فليس فيه إلا تقوية جانب أحدهما .
إذن : الصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وأنهما إن كانت العين تحت يديهما وليس لأحد منهما بينة أو لكل واحد منهما بينة أو كان الأمر كذلك لكن العين ليست تحت يد أحد منهم فإنا – حينئذ – نقرع بينهما ومن خرجت له القرعةو نقول له : احلف فإن حلف فإنه يأخذ العين .
إذن : عندنا حالات :
1-الحالة الأولى : إذا ادعى رجل على أخر أن هذه العين التي تحت يده له ولا بينة له فإنا نحكم بالعين لمن هي في يده ونقول له : احلف كما في حديث الحضرمي والكندي وهو ثابت في صحيح مسلم .
2- الحالة الثانية : أن تكون العين ليست تحت يد أحد منهما أو تحت يديهما جميعاً ، ولا بينة لأحدهما على الآخر أو لكل واحدٍ منهما بينة فحينئذ نقرع بينهما ومن خرجت القرعة له فإنه يحلف – هذا في أصح أقوال أهل العلم.
وفي تعارض البينتين مسألتان :-
1-المسألة الأولى :
هل يُرجح بين البينتين أو لا ؟
فإذا كانت إحد البينتين شهودها أكثر أو أشهر فهل يرجح أم لا .
一- مذهب الجمهور : أنا لا نرجح أحدهما على الأخرى لأن كلاً منهما بينة فهي حجة .
فلو جاء أحدهما بمائة شاهد ، وجاء الآخر بشاهدين فإن البينتين متعارضتان لا نرجح أحداهما على الأخرى .
وكذلك لو أتى أحدهما بشهود مشهورين بالعدالة وأتى الآخر بشهود عدول لكنهم ليسوا على درجة الشهود الأول فإنا لا نرجح .
二- والقول الثاني : وهو مذهب مالك وهو قول مُخَرَّجَّ في مذهب أحمد : أنا نحكم بالبينة التي هي أرجح .
وهذا أظهر كأدلة الشرع ، فإن أدلة الشرع كل دليل بمفرده حجة لكن لما تعارضت الأدلة وأمكننا الترجيح فإننا نرجح ، فكذلك البينات هنا .
ولأن من معه بينة أقوى فإن جانبه أقوى واليمين في جانب أقوى المدعيين .
إذن : الراجح أن البينات إذا تعارضت فإنه يقدم الأرجح .
ولا شك أن هذا القول قوي حيث كان الرجحان ظاهراً ، أما أن يدخل في ذلك شيء من التلاعب بالترجيح الخفي فليس هذا هو المراد ، لكن المراد أن يكون الترجيح ظاهراً بيناً حتى لا يتهم القاضي .
ويقوي هذا القول ما تقدم في حديث سعيد بن المسيب فإن فيه : ( وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة الآخر ) أي على عدد شهود الآخر.
2- المسألة الثانية :-
一- المشهور في المذهب : أن البينة المتقدمة مقدمة على البينة المتأخرة .
فإذا كان لأحدهما شاهدان يشهدان أن الأرض لفلان قبل سنتين وهذا له شاهدان يشهدان أن الأرض لفلان قبل سنة ، قالوا : نُقدم البينة المتقدمة .
قالوا : لأن البينة المتقدمة تثبت الملك في زمن لا تعارضها فيه البينة المتأخرة .
二- والقول الثاني في المسألة وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة أن البينتين متساويتان .
قالوا : لأن البينة المتأخرة تثبت ملكاً حادثاً .
ولذا لو قالت البينة الحادثة أنه يملكه منذ سنة بهبة من زيد فإن البينة الأولى تطرح لأنه لا تعارض .
لكن الكلام : إذا قالت البينة المتأخرة نحن لا نقول إنه قد وهبه أو نحو ذلك لكن نثبت أنه ملك له قبل سنة فهذه البينة تثبت ملكاً حادثاً ، والبينة المتقدمة تثبت ملكاً قديماً ، ولا شك أن إثبات الملك الحادث أقوى من إثبات الملك القديم .
قالوا : وهذا دليل يقتضي ترجيحها فلا أقل من أن يقتضي التساوي .
يعني : أن هذه العلة تعارض بتلك العلة ، فهذه تدفع هذه وحينئذٍ يكونا متساويين ، ولم أرَ قائلاً يقول بتقديم البينة الحادثة .
إذن : الصحيح أنهما على التساوي كما هو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو ظاهر قول الخِرقي من الحنابلة .
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .