بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتاب الشهادات
الشهادات : جمع شهادة ، مشتقة من المشاهدة لأن الشاهد يخبر عما شاهده
والشهادة هي : الإخبار بما علمه بلفظ أشهد ، هذا هو المشهور في المذهب .
فلو قال : " سمعت فلاناً يُقرُّ بكذا " أو " رأيت فلاناً وهو يشرب الخمر " ونحو ذلك ، فإن شهادته لا تُقبل ، بل لا يُقبل حتى يقول : " أشهد على فلان أنه قد شرب الخمر " أو " أشهد على فلان أنه قد اقترض من فلان " ونحو ذلك.
فالمشهور في المذهب أن الشهادة لا تصح إلا بلفظ : أشهد أو شهدت .
واختار شيخ الإسلام وتلميذه وهو مذهب المالكية والأحناف و رواية عن أحمد أختاره الشيخ محمد بن إبراهيم : أنها تصح الشهادة بكل لفظ يدل على الشهادة ، فلو قال : " سمعت " أو " رأيت " فإن شهادته تصح.
وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا في إجماع العلماء ولا في القياس الصحيح ولا في أقوال الصحابة ما يدل على أنها لا تصح إلا بلفظ الشهادة – كما قرر ذلك شيخ الإسلام – فالصحيح أن الشهادة تصح بكل لفظٍ يدل عليها .
لكن لو قال : " أعلم أن فلاناً قد أقرض فلاناً " أو : " أعلم أن فلاناً يشرب الخمر " فإنها ليست بشهادة ولا تُقبل ، وذلك لأن العلم قد يحصل بإخبار الثقة ، فقد يكون أخبره ثقة بأن فلاناً قد شرب الخمر وهو يثق بقوله ، فصدقه وأخبر بما علم .
فقال : " أعلم أن فلاناً قد فعل كذا " فإذا قال مثل هذا اللفظ فإنه لا يقبل في الشهادة حتى يصرح بالسماع أو الرؤية .
قال المؤلف رحمه الله : [ تَحَمُّل الشهادات في غير حق الله تعالى فرض كفاية ]
فتحمل الشهادة في غير حق الله – فرض كفاية لقوله تعالى : ) ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ( أي إذا ما دعوا للتحمل أو الأداء فإن دعوا لتحمل الشهادة أو أدائها فلا يجوز لهم أن يأبوا للآية المتقدمة .
ولأن حقوق الناس إنما تثبت وتحفظ بالشهادة فالشهادة طريق لحفظ وثبوت حقوق الناس فكانت فرض كفاية فإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين.
و تجب كتابتها لئلا ينساها و هو المشهور في المذهب.
وقال المؤلف هنا : " في غير حق الله تعالى " أي في حقوق الآدميين وأما حق الله تعالى فلا يجب فيه تحمل الشهادة ولا أداؤها لأن حقوق الله عز وجل مبناها على المسامحة ، ولأن المشروع فيها الستر
فإذا دعي لتحمل الشهادة في رؤية رجل يشرب الخمر ، أو يكون قد رآه يشرب الخمر فيدعى عند القاضي لأدائها .
أو يدعى للنظر لرجل يزني بامرأة فيتحمل الشهادة أو يدعى لأدائها عند الحاكم فأن ذلك لا يجب بل هو مباح بل لا يستحب لأن الستر هو المشروع .
و للقاضي و هو المذهب أن يُعَرِّض للشهود التوقف عنها.
قال صاحب الفروع : " يتوجه عدم الستر لمن عُرف بالشر والفساد " ، وصوبه صاحب الإنصاف وهو كما قال .
فإذا كان الرجل معروفاً بالشر والفساد فأمكن أن تُتحمل الشهاده أو أن تؤدي بما يزجره عما هو عليه وبما يزيل عن المسلمين شره وفساده فإنها تتحمل حينئذ للمصلحة العامة فالستر عليه مصلحة خاصة ، ودرء الفساد عن الأمة مصلحة عامة والمصلحة العامة راجحة على المصلحة الخاصة .
فإذا كان ترك الشهادة يترتب عليه ضرر على الآدميين ، فالذي يظهر هو وجوب أداء الشهادة وإن كانت في حقوق الله تعالى .
فلو شهد ثلاثة على أن فلاناً قد زنا ، وهناك رابع قد رأى لكنه لم يشهد عند الحاكم ، فإذا أتاه هؤلاء الثلاثة وقد قذفوا ذلك الرجل بالزنا وهم يحتاجون إلى شهادة هذا الرجل ليدفعوا عن أنفسهم معرَّة الفسق وكذلك ليدفعوا عن أنفسهم الحد ، فالذي يتبين أنه يجب أداء الشهادة لما في ذلك من دفع الضرر عن الآدمي .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه ]
فإذا لم يوجد إلا اثنان يشهدان على أمر من الأمور فإن الشهادة تتعين عليهما.
وهكذا سائر فروض الكفاية ، فإنها تتعين حيث لم يوجد إلا من يقوم بالحق .
فإذا كان ليس في البلد إلا مجتهد واحد فإنه يتعين عليه القضاء كذلك إذا لم يمكن حمل الشهادة إلا من هذين الشخصين فإن الشهادة تتعين كسائر فروض الكفاية .
مسألة : هل يجوز أخذ الأجرة على الشهادة ؟
المشهور في المذهب : أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليها لأنها فرض كفاية ، فإذا قام بها فقد قام بفرض .
والقول الثاني : أنه يجوز أخذ الأجرة عليها للمحتاج واختاره شيخ الإسلام وهو مبني على مسألة سابقة في جواز أخذ الأجرة على القرب فاختار شيخ الإسلام هنا وهناك جوازه عند الحاجة .
والأولى في مثل هذه المسائل التي تتعلق بحقوق الناس الأولى سد هذا الباب لما يترتب على أخذ المال من الفساد ، فقد يشهد بالزور ليأخذ المال .
فالصحيح في هذه المسألة : أنه لا يجوز أخذ الأجرة لئلا يفتح هذا الباب على الناس فيشهد الرجل بالزور ليأخذ المال .
قال المؤلف رحمه الله : [ وأداؤها فرض عين على من تحمَّلها ]
لقوله تعالى : ) ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ( فأداؤها فرض عين على من تحملها .
قال المؤلف رحمه الله : [ متى دعى إليه وقدر بلا ضرر في بدنه أو عرضه أو ماله أو أهله وكذا في التحمل ]
فلا يجب تحمل الشهادة ولا أداؤها إلا أن يقدر على ذلك بلا ضرر لقوله تعالى : ) ولا يضار كاتب ولا شهيد ( ولقوله e : ( لا ضرر ولا ضرار ) رواه أحمد .
أما إذا كان يترتب على ذلك ضرر في عرضه أو ماله أو أهله فلا يجب كأن يضرب أو يحبس أو يؤخذ ماله أو يشق عليه السير لإدائها و نحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا يحل كتمانها ]
لقوله تعالى : ) ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ( .
مسألة : هل له أن يؤدي الشهادة قبل أن يسألها ؟
الجواب : نعم له ذلك لقوله e : ( ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها ) رواه مسلم .
وذلك لأن المشهود له قد يخفي عليه أن فلاناً شاهد له فحينئذ يبادر بالشهادة حيث يظن أن المشهود له يخفى عليه أن هذا شاهد له .
كذلك قد لا يخفى عليه بل يعلم أنه شاهد لكنه – أي المشهود له – يحتاج إلى هذه الشهادة – والشهادة أمانة ، فكما أن الأمانة يبادر بها عند الحاجة فكذلك الشهادة .
والطلب الحالي و العرفي كالطلب اللفظي ، فهذا المشهود له – وإن لم يأت إلى الشاهد ويسأله أن يشهد له لكن حاله تسأل .
وأما قوله e : ( يشهدون ولا يستشهدون ) فهذا حيث كانوا متساهلين في الشهادة يسارعون إليها من غير تثبت بل ربما يشهدون وهم يعلمون أنهم كاذبون فهذا محل الذم .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا أن يشهد إلا بما يعلم ]
لقوله تعالى : ) إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ( وفي مستدرك الحاكم بإسناد ضعيف أن النبي e قال لرجل : ( ترى الشمس قال : نعم فقال : على مثلها فاشهد أو دع ) لكن الحديث معناه صحيح.
قال المؤلف رحمه الله : [ برؤية أو سماع ]
لا بخبر ثقة .
" برؤية " كأن يرى فلاناً يزني أو يشرب الخمر ونحو ذلك .
" أو سماع " كأن يسمعه وهو يطلق امرأته أو أن يسمعه وهو يبيع أو ينكح أو نحو ذلك .
قال المؤلف رحمه الله : [ أو استفاضة ]
الاستفاضة : أن يشتهر الخبر عند الناس فيتناقلونه .
قال المؤلف رحمه الله : [ فيما يتعذر علمه بدونها ]
فالاستفاضة تقبل فيما يتعذر علمه غالباً بدونها – أي بدون الاستفاضة – فلا يمكننا أن نثبت هذا الحق في الغالب إلا بالاستفاضة فلا يمكن اثباته بالسماع أو الرؤية .
قال المؤلف رحمه الله : [ كنسب ]
فالواحد منا الآن يعرف أن فلان بن فلان من العائلة الفلانية وأنه ابن فلان ، يعرف ذلك من طريق الاستفاضة .
فهو لم ير و لم يسمع لكن يعرف هذا باشتهاره عند الناس .
فإذا قيل له : هل تشهد أن فلان بن فلان ؟ فإنه يشهد بناءً على الاستفاضة .
قال المؤلف رحمه الله : [ وموت ]
فمثلاً : مرت الجنازة فقيل لك : هذه جنازة فلان بن فلان ، والعائلة تُعزى واشتهر هذا عند الناس .
فإذا دعيت لتشهد على وفاته للإرث ونحوه ، فإنك تشهد بناءً على الاستفاضة .
قال المؤلف رحمه الله : [ وملك مطلق ]
الملك المطلق : هو غير المقيد بشراء ولا هبة ولا نحو ذلك ، فهل تشهد أن هذا البيت لفلان وأنه ملكه ؟ فإنك تقول : نعم أشهد لأني أرى أنه مشهور مستفيض عند الناس .
لكن لا يشهد بالاستفاضة أنه قد اشتراه من فلان أو وهبه له فلان وذلك لأن هذا لا يكتفى فيه بالاستفاضة لأن الشهادة ممكنة بالرؤية أو السماع .
قال المؤلف رحمه الله : [ ونكاح ووقف ونحوها ]
الولاية والعزل ونحوها ، فإن هذه الأمور لا يمكن في الغالب اثباتها إلا بطريق الاستفاضة ، و أما الطلاق فالصحيح أنه لابد فيه من الشهادة اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم خلافاً للمشهور في المذهب.
إذن : أصبح عندنا ثلاث طرق للشهادة :
الطريق الأول : السماع .
والطريق الثاني : الرؤية . وهما الأصل
والطريق الثالث : الاستفاضة حيث تعذر في الغالب السماع والرؤية .
وهل يشترط أن يكون قد تلقى هذا الأمر المستفيض ممن يثبت العلم بهم أم يكفي أن يخبره أحد من الناس أن هذا أمر مستفيض ؟
مثال ذلك : إذا أتاك رجل فقال : أريد أن أشهد أنا وأنت عند القاضي على أن هذا الرجل ابن لفلان فقلت : هل هذا مستفيض عند الناس ؟ فقال : نعم ، فهل تشهد به أو لا تشهد حتى يستفيض هذا عندك ؟
المشهور في المذهب : أنه لا يشهد حتى يأتيه عن عدد كثير يثبت العلم بهم .
واختار شيخ الإسلام وهو اختيار المجد ابن تيمية " جد شيخ الإسلام " – أنه يكفي في ذلك الثقة الواحد الذي تسكن إليه النفس .
وقال القاضي من الحنابلة : يكفي عدلان .
وأظهرها الأول ؛ وذلك لأن الشهادة إنما تبنى على الاستفاضة وهنا لم يستفيض عنده ذلك بل أخبره الثقة به ، وهذا أشبه بمسألة السماع والرؤية فإذا أخبره الثقة بأنه قد سمع ، فالثقة يشهد وأما هو فلا يشهد وقد علم بخبر الثقة ، فكذلك هنا ، فهناك لا نقبل أن يكون هناك واسطة في السماع والرؤية ، وهنا كذلك لا نقبل أن يكون هناك واسطة في الاستفاضة.
قال المؤلف رحمه الله : [ ومن شهد بنكاح أو غيره من العقود فلابد من ذكر شروطه ]
إذا شهد بنكاح أو غيره من العقود فلابد أن يذكر شروطه وهذه المسألة تنبني على مسألة سابقة .
فالقاعدة عندهم : " أن ما صحت به الدعوى تصح به الشهادة " ولا تصح الدعوى من غير ذكر شروط النكاح أو شروط البيع أو غيره من العقود في المذهب .
فكذلك هنا في الشهادة ، فإذا قال : " أشهد أن فلاناً قد نكح فلانة ، فنقول له هل توفرت الشروط ، فإن قال : نعم فنقول له : ما هي هذه الشروط فيذكرها لنا ؛ لأنه قد يشهد على نكاح فاسد ويظنه صحيحاً .
والصحيح هنا كالصحيح هناك .
فالراجح أن ذكر الشروط في الشهادة ليس بشرط وذلك لأن الأصل هو الصحة .
ولذا فإن النبي e لما قيل له : إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندرى اذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ فقال e : ( سموا أنتم وكلوا ) فهنا لم يشترط النبي عليه الصلاة والسلام أن يثبت عندهم تحقق الشرط وهو التسمية بناءً على الأصل ، لأن الأصل أن المسلم إذا ذكى فإنه يذكر اسم الله على ذبيحته فكذلك الأصل في نكاح المسلمين الصحة.
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن شهد برضاع ]
فإذا شهد برضاع فلابد أن يصفه ، فتقول المرأة : " أشهد أن فلانة قد أرضعت فلاناً خمس رضعات معلومات من ثديها " أو تذكر أن الحليب وضع في إناء فشربه خمس مرات فلابد وأن تصفه بما يقتضي التحريم وذلك للاختلاف في الشروط .
والصحيح ما تقدم وهو أنه لا يشترط ذلك إلا أن يرتاب القاضي في الشاهد هل يعلم الرضاع المحرم أم لا ؟ فإنه يسأله أما إذا لم يرتب فإنه لا يسأله بناءً على الأصل .
ولذا فإن النبي e لما قالت المرأة : ( قد أرضعتكما ) قال النبي e : ( كيف وقد قيل ) فلم يأمره أن يستوصف منها كيفية الرضاع وعدده بناءً على الأصل .
قال المؤلف رحمه الله : [ أو سرقة أو شرب أو قذف فإنه يصفه ]
فإذا شهد بسرقة فلابد وأن يصف هذه السرقة بما يقتضي الحد وتقدم الكلام على هذا في حد السرقة .
وكذلك الشرب فلابد عند الشهادة أن يصفه بما يقتضي الحد وكذلك إذا أراد أن يشهد أن إنساناً قذف آخر فلابد أن يصفه بما يقتضي الحد و يبين لمَ قذفه.
فإن قيل : لم اشترطنا الوصف في هذه المسائل ، ولم نشترطه في عقد النكاح وسائر العقود وفي الرضاع ؟
فالجواب :
أن هذه حدود والحدود تدرأ بالشهادة فلابد من الوصف وأما المسألة السابقة فإننا نبني على الأصل .
قال المؤلف رحمه الله : [ ويصف الزنا بذكر الزمان والمكان والمزنِّي بها ]
فإذا شهد أن فلاناً قد زنا بفلانة فنقول له : في أي ساعة ؟ قال : في أول النهار ، في أي مكان ؟ قال في المكان الفلاني فنقول : أذكر لنا المرأة فيقول : هي فلانة أو يصفها وصفاً بيناً فلابد من هذه الأمور .
فإن قال : بعض الشهود في أول النهار ، وقال الآخر : في آخره وقال بعضهم في الغرفة الفلانية في الدور الأسفل وقال الآخر في الدور الأعلى فحينئذ نرد شهادتهم لأن هذا الاضطراب يدل على كذبهم .
لكن هل يشترط ذكر المزني بها ؟
ذكر المؤلف هنا أن ذلك شرط وهو المشهور في المذهب .
والقول الثاني في المذهب : أن ذلك ليس بشرط .
و الصحيح المذهب لأن الحدود تدرأ بالشبهات فيحتمل أنها امرأته أو من لا يقام عليه الحد بها كأن تكون أمة لابنه ونحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله : [ ويذكر ما يعتبر للحكم ويختلف به في الكل ]
ففي كل القضايا لابد للشاهد أن يذكر ما يعتبر للحكم وما يختلف به الحكم وذلك لأن الحكم مرتب على الشهادة .
فـــــصلٌ
قال المؤلف رحمه الله : [ شروط من تقبل شهادته ستة ]
هذا الفصل في شروط من تقبل شهادته .
قال المؤلف رحمه الله : [ والأول : البلوغ فلا تقبل شهادة الصبيان ]
فالبلوغ شرط في قبول الشهادة فالصبي المميز لا تقبل شهادته لقوله تعالى : ) ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ( و الصبي لا يأثم لأن قلم التكليف مرفوع عنه .
فالصبي المميز لا تقبل شهادته وهذا في الأداء وأما في التحمل فتحمله صحيح .
وظاهر كلام المؤلف – وهو المذهب – أن هذا على إطلاقه حتى في شهادة بعضهم على بعض.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب مالك واختيار ابن القيم و الشيخ محمد بن إبراهيم : أن شهادة بعضهم على بعض تقبل في الجراح إذا شهدوا بذلك قبل التفرق ، وهو قول ابن الزبير ، صح عنه ذلك ، كما قال ذلك ابن حزم ويدل عليه : احتياط الشرع في حفظ الدماء ، لكن لابد أن يكون في حال العدالة أي أحواله حسنة غير معروف بالكذب و الفساد.
ولأن هذه الجراح التي تكون بينهم ، لا يطلع عليها في الغالب إلا الصبيان ، فأشبهت المسائل التي تقبل فيها الشهادة على خلاف الأصل لكون الشاهد لا يطلع عليها إلا هو في الغالب كشهادة المرأة في الرضاع ونحوه ، فإنها تقبل شهادة المرأة الواحدة وغيرها من المسائل التي لا يطلع عليها إلا النساء في الغالب وكذلك الشهادة بالاستفاضة .
إذن : شهادة بعضهم على بعض في الجراح مقبولة بشرط أن يشهدوا قبل التفرق .
أما إذا شهدوا بعد التفرق فإن شهادتهم لا تقبل وذلك لاحتمال التلقين ، فيحتمل أن يلقنوا من أوليائهم .
قال المؤلف رحمه الله : [ الثاني : العقل ]
وهذا شرط بالاتفاق ، فالمجنون والمعتوه لا تقبل شهادتهم وكذلك الصبي غير المميز وهو الطفل .
قال المؤلف رحمه الله : [ فلا تقبل شهادة مجنون ]
المجنون : هو من لا عقل له مطلقاً .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا معتوه ]
وهو من له عقل لكنه لا يميز به التمييز التام فهو مختل العقل.
قال المؤلف رحمه الله : [ وتقبل ممن يُخنق أحياناً في حال إفاقته ]
فتقبل الشهادة ممن – يخنق أحياناً أي يجن إذا شهد في حال إفاقته .
وذلك لأنه شهد في حال العقل فهي شهادة من عاقل .
قال المؤلف رحمه الله : [ الثالث : الكلام ]
هذا هو الشرط الثالث .
قال المؤلف رحمه الله : [ فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته إلا إذا أداها بخطه ]
فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته – هذا هو المشهور في مذهب أحمد و هو مذهب الجمهور.
قالوا : لأن إشارته لا تفيد اليقين .
والقول الثاني في المسألة : وهو مذهب المالكية أنها تقبل.
وهذا هو الصحيح ، لأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه فإذا علمنا ما يريد وفهمناه فإن ذلك كالنطق .
وأما قولهم إنها لا تفيد اليقين .
فالجواب : أنها تفيد اليقين حيث فهمت ، فإنها إذا فهمت تفيد اليقين كما يفيده اللفظ .
( إلا إذا أداها بخطه ) : فإذا كتب الأخرس شهادته بخط يده ، فإنها تقبل وذلك لأن دلالة اللفظ كدلالة الخط ، وقد قال e : ( ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عند رأسه ) فالخط مقبول في الشرع .
وهنا إذا كتب الأخرس شهادته بيده فإنها تقبل حتى في المشهور من المذهب .
إذن : المشهور في المذهب أن شهادة الأخرس لا تقبل إلا أن يؤديها بخطه .
والصحيح أنها تقبل مطلقاً حتى لو أشار وعلمت إشارته .
أما إذا لم تعلم إشارته فإن شهادته لا تقبل قولاً واحداً فإذا لم يدرى ما يريد فإن شهادته لا تقبل.
قال المؤلف رحمه الله : [ الرابع : الإسلام ]
لقوله تعالى : ) وأشهدوا ذوي عدل منكم ( فيشترط في الشهود أن يكونوا مسلمين .
وهنا مسألتان :-
المسألة الأولى : أن المشهور في المذهب – وهو من مفردات المذهب – أن شهادة أهل الكتاب على الوصية في السفر عند الضرورة جائزة لقوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ( فهذه الآية نص في جواز ذلك .
فإذا أراد أن يوصي ولم يجد شاهدين مسلمين فإنه يشهد اثنين من أهل الكتاب إذا كان في سفر .
وعن الإمام أحمد : أنه لا يشترط أن يكونا من أهل الكتاب فلو كانا من غير أهل الكتاب كأن يكونا مجوسيين أو وثنيين فكذلك وهو اختيار شيخ الإسلام وهو ظاهر الآية فإن الله عز وجل قال : ) أو آخران من غيركم ( وهو عام في أهل الكتاب وغيرهم .
فالصحيح أن الشهادة تقبل عند الضرورة سواء كانت من أهل الكتاب أم من غيرهم .
واختار شيخ الإسلام – أيضاً : أن هذه الشهادة تصح ولو في غير سفر للضرورة ، لأنها موضع ضرورة ، فإذا جازت في السفر جازت في الحضر وهذا هو الراجح .
المسألة الثانية : أن مذهب الجمهور - منهم الحنابلة – أن شهادة الكفار بعضهم على بعض لا تقبل .
فإذا شهد يهودي على يهودي أو شهد يهودي ليهودي أو شهد نصراني على نصراني أو لنصراني ، أو شهد يهودي على نصراني أو شهد نصراني على يهودي وهكذا ، فإن الشهادة لا تقبل .
وذهب الأحناف إلى أنها تقبل وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .
وهذا هو أصح القولين ، وذلك لأن الآيات الواردة في اشتراط العدالة إنما هي في المؤمنين خاصة ، قال تعالى : ) يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ( إلى أن قال سبحانه : ) اشهدوا ذوي عدل منكم ( وقال سبحانه : ) يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ( إلى أن قال – سبحانه – ) واستشهدوا شهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتين ممن ترضون من الشهداء ( .
فالآيات في اشتراط العدالة إنما خوطب بها المؤمنون ولأن المقصود من العدالة انتفاء التهمة وغلبة الظن بالصدق ولم يشترط العدالة إلا لهذا.
ولأن الحقوق إنما تحفظ بذلك ، فإن الغالب في حقوقهم أنهم يثبتونها بشهود منهم فإذا لم تقبل شهادة بعضهم على بعض فإن ذلك يترتب عليه ضياع الحقوق .
فالراجح قبول شهادة بعضهم على بعض .
وهل يشترط اتحاد الملة أم لا ؟
القول الأول : أنه لا يشترط اتحاد الملة ، فعلى ذلك تقبل شهادة اليهودي على النصراني والعكس ، وهو مذهب أبي حنيفة .
والقول الثاني أنه يشترط وهو قول إسحاق وأبي عبيد والصحيح هو الثاني ، للتهمة في اختلاف الدين .
ولأنه إنما يحتاج إلى شهادة بعضهم في بعض – في الغالب – عند اتفاق دينهم ، فالغالب إنهم إنما يحفظون حقوقهم بشهداء من ملتهم ، فأصح القولين أنه يعتبر اتحاد الملة .
قال المؤلف رحمه الله : [ الخامس : الحفظ ]
فلا تقبل شهادة من عرف بكثرة السهو والخطأ ، لأنه لا يوثق بقوله .
قال المؤلف رحمه الله : [ السادس : العدالة ]
وتقدم الكلام عليها ، قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله : " العدالة بحسب الإمكان وهكذا سائر شروط الشهداء فإنها إنما تعتبر بحسب الإمكان .
وهذا ما يدل عليه كلام شيخ الإسلام ، وأن العدالة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فالعدل فينا ليس كالعدل في القرون المفضلة .
فشارب التنباك " الدخان " لا تقبل شهادته كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم : لكن إذا كان في بلد الدخان فيها فاش فإن شهادته تقبل وذلك لأنهم يرضون شهادته ، لأن الدخان هناك فاش وعلى ذلك فإنه يقع حتى ممن هو معروف بالصدق والأمانة .
قال ابن القيم : " وتقبل شهادة الفاسق الأمثل فالأمثل عند الضرورة وعليه العمل وإنما ينكره أكثر الفقهاء بألسنتهم"
فالعمل على هذا لأن الناس لا يسعهم إلا هذا .
قال المؤلف رحمه الله : [ ويعتبر لها شيئان : الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض بسننها الراتبة ]
الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض بسننها الراتبة فمن داوم على ترك السنن الرواتب فليس بعدل ولا تقبل شهادته في أحد القولين في المذهب ،و هو المشهور في المذهب.
أما دليل ما ذكره المؤلف فهو أن من ترك سنن الراتبة فإنه لا يسلم – كما قالوا – من ترك فرض .
لكن هذا ضعيف بدليل قول النبي e - في الرجل الذي قال لا أزيد على هذه الفرائض ولا انقص منه فقال النبي e : ( أفلح والله إن صدق ) .
فالصحيح أن أداء السنن الراتبة لا يشترط في العدل قال في الإنصاف " و هو الصحيح من المذهب".
قال المؤلف رحمه الله : [ واجتناب المحارم ]
ويبين ذلك بقوله :
قال المؤلف رحمه الله : [ ألا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة ]
لأن إصراره على الصغيرة يدل على استهانته بما حرم الله عز وجل وهذا يجعله مظنة الكذب ولا يوثق بقوله .
والكبيرة – كما عرفها شيخ الإسلام – ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ترتب عليه لعن أو غضب أو نفي إيمان.
قال المؤلف رحمه الله : [ فلا تقبل شهادة الفاسق ]
فشهادة الفاسق لا تقبل لأنه ليس بعدل .
سواء كان فاسقاً في عمله أو فاسقاً في اعتقاده .
فالفاسق في عمله : كمن يزني أو يشرب الخمر فلا تقبل شهادته .
والفاسق في اعتقاده : هو من لم يكفر من أهل البدع ، فإنه فاسق باعتقاده ، فلا تقبل شهادة أهل الأهواء في المشهور في المذهب .
وذهب الشافعي وهو مذهب أبي حنيفة واختيار ابن القيم : إلى قبول شهادة المتحفظين المتدينين من أهل الأهواء .
وهذا ظاهر ، لأنهم قد اعتقدوا ما اعتقدوه من البدع على اعتقاد إن هذا هو دين الله عز وجل ، فهو كمن فعل أمراً محرماً يعتقد إباحته ، فإن شارب النبيذ ممن يعتقد إباحته لا يفسق ، فكذلك من له اعتقاد يخالف اعتقاد أهل السنة والجماعة فإن شهادته لا ترد لأنه متحفظ في دينه ، يعتقد أن هذا هو دين الله ويتعبد لله عز وجل بهذه البدعة فتقبل شهادته .
نعم : قد ترد شهادته زجراً له حيث لم نضطر إلى قبولها و أما إذا كنا نحتاج إلى شهادته فالصحيح قبولها ، فإذا كانت الحقوق تثبت بها فالصحيح هو قبولها و ذلك لأنه مادام أنه يعتقد أن هذا هو الحق و إن هذا هو دين الله فالتهمة بعيدة عنه والغالب صدقه فهو معروف بالصدق والأمانة .
قال المؤلف رحمه الله : [ الثاني : استعمال المرؤة وهو فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه ]
" فعل ما يجمله ويزينه " من محاسن العادات كالسخاء و الشجاعة ونحو ذلك .
" واجتناب ما يدنسه ويشينه " ذكروا لذلك أمثلة : منها أن يطعم في الشارع فإذا أخرج إناء الطعام عند بيته فأكل فإن ذلك يدنسه ويشينه وهذا في البلاد التي تعيب ذلك ، وأما البلاد التي لا تعيب ذلك فإن ذلك لا يدنسه ولا يشينه .
قالوا : ومن ذلك مضغ العلك عند الناس و من ذلك الطفيلي الذي يأتي إلى الدعوة من غير أن يدعى لها ، ومن ذلك المتمسخر الذي يحكي أفعال الناس و يضحكهم ، فهذه أفعال تشين وتنقص مروءته فلا تقبل شهادته لأنه مظنة الكذب .
فاستعمال المروءة : هو فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه " وهذا ليس مرجعه – في الغالب – إلى الشرع وإنما مرجعه إلى العادة .
فكون الرجل يخرج وهو حاسر الرأس فليس معيباً في كثير من البلاد الإسلامية الآن لكن في هذه البلاد قد كان معيباً وأما الآن فليس معيباً بذلك القوة الدرجة بينما كانوا في زمن قديم يستعيبون أن يخرج الرجل بلا مشلح .
قال المؤلف رحمه الله : [ ومتى زالت الموانع : فبلغ الصبي وعقل المجنون وأسلم الكافر وتاب الفاسق قبلت شهادتهم ]
لأن هؤلاء إنما اشترط فيهم ما اشترط في الأداء لا في التحمل فإذا كان رجل فاسق وعنده شهادة فإننا لا نقبلها منه فإذا تاب إلى الله فإن شهادته تقبل وإن كان قد تحملها فسقه .
ولو أن غير البالغ تحمل شهادة فإننا لا نقبلها منه ، فإذا أداها بعد بلوغه فإننا نقبلها منه.
ولو أن رجلاً يحمل شهادة وهو كافر فلا تقبل منه ، لكن إذا أسلم فإنها تقبل منه تلك الشهادة .
أما العقل شرط في الأداء والتحمل وبذلك الحفظ فإنه شرط في الأداء العمل .
وأما الكلام فإنه شرط في الأداء لا في التحمل ، فإن الأخرس يتحمل الشهادة لكن هل يؤديها ؟ فيه الخلاف المتقدم والصحيح أن شهادته تقبل أيضاً .
إذن : إذا زالت الموانع فبلغ الصبي وأسلم الكافر وتاب الفاسق وعقل المجنون قبلت شهادتهم وذلك لزوال المانع الموجب لرد الشهادة .
ذكر المؤلف – كما تقدم – شروطاً ستة للشاهد ولم يذكر فيها الحرية ، فليس من شروط الشاهد أن يكون حراً بل يصح أن يكون عبداً لعمومات الأدلة كقوله : ) وأشهدوا ذوي عدل منكم ( ) واستشهدوا شهيدين من رجالكم ( والعبد كذلك .
ولما ثبت في البخاري في قضية المرأة التي قالت : ( إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج ) فقال النبي e : ( كيف وقد قيل ) وفي رواية أنها كانت أمة سوداء .
وقال الجمهور : لا تقبل شهادة العبد ؛ وذلك لما فيه من النقص بالرق ، فأشبه النقص بالكفر ، وهذا قياس باطل لأن الله عز وجل يقول : ) ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ( فلا يصح قياس العبد المسلم بالكافر ، فالصحيح هو القول الأول .
وفي الحديث المتقدم – وهو شهادة المرضعة – فيه صحة شهادة الإنسان على فعل نفسه ، كالمرضعة على الرضاع والقاسم على القسمة ، والحاكم على حكمه بعد العزل فقد شهدت هذه المرأة على فعل نفسها وهو الرضاع وقبل ذلك النبي e .
باب موانع الشهادة
قال المؤلف رحمه الله : [ لا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض ]
المانع : هو ما يلزم من وجوده العدم .
فهذه الموانع يلزم من وجودها رد شهادة الشاهد وإن توفرت فيه الشروط التي تقدم ذكرها .
ومدار هذه الموانع كلها على التهمة .
" فلا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض "
وعمودا النسب : هما الأصول والفروع فلا تقبل الشهادة للآباء والأمهات وإن علوا ولا تقبل الشهادة للأولاد وإن نزلوا .
فإذا شهد لابنه أو لأمه لم تقبل شهادته وإن كان عدلاً وإذا شهد لجده أو لجدته فكذلك وإذا شهد لابنه أو ابنته فكذلك وإذا شهد لبنت ابنته أو لابن ابنه ، فكذلك و هكذا .
فمتى شهد الأصل لفرع وإن نزل هذا الفرع لم تقبل شهادته ، ومتى شهد الفرع لأصل وإن علا هذا الأصل فإن شهادته لا تقبل .
قالوا : للتهمة لقوة القرابة ، وهذا هو أحد أقوال أهل العلم في هذه المسألة .
وهو مذهب الجمهور : أن شهادة الأصول للفروع و شهادة الفروع للأصول لا تقبل .
و القول الثاني : وهو مذهب أهل الظاهر وهو قول شريح القاضي ، والمزني وابن المنذر وأبي بكر بن حزم أنها تقبل.
قالوا : لعمومات الأدلة : ) و أشهدوا ذوى عدل منكم ( ) واستشهدوا شهيدين من رجالكم ( والوالد عدل والولد عدل من رجالنا.
و هذا القول قد ورد عن عمر ، ففي مصنف عبدالرزاق أن عمر رضي الله عنه قال : ( تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده ، والأخ لأخيه ) .
و القول الثالث : أن شهادة هؤلاء تقبل مع انتفاء التهمة وترد للتهمة.
إذن : جعلوا المناط للرد هو التهمة فإن كان هناك تهمة فإنها لا تقبل ، وإن لم تكن فإنها تقبل وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن القيم وهو أظهر هذه الأقوال وهو ظاهر اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي و الشيخ محمد بن إبراهيم وذلك لأن العدل مقبول الشهادة كما دلت عليه الأدلة الشرعية فهو عدل والعدل مقبول الشهادة و إن كانت التهمة لا تكاد تنتفي.
وقد ورد أثر عن عمر يدل على الرد بالتهمة ، وهو ما ثبت في سنن البيهقي بإسناد صحيح : أن عمر قال : ( المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً بحد أو مجرباً بشهادة زور أو ظنيناً " أي متهماً " في قرابة أو ولاء ) .
فقد قال : " أو ظنيناً " أي متهماً ، فلما كان متهماً ردت هذه الشهادة .
وأثر عمر يدل على الرد بالتهمة ولا يدل على الرد بالقرابة لأنه لم يقل : " ولا قريباً " وإنما قال : " ولا ظنيناً في قرابة أو ولاء " .
وهم – أي الجمهور – لا يقولون بهذا الأثر على عمومه ، فإن هذا الأثر يدل على أن كل قريب ترد شهادته على قريبه وليس فيه تخصيص الولد والوالد بل هو عام في الولد والوالد وسائر الأقارب.
فأظهر هذه الأقوال : عدم قبول الشهادة عند التهمة والقبول عند انتفائها .
وعلى ذلك فينظر الحاكم في كل قضية بعينها ، فإذا ظهرت له التهمة ، فإنه لا يقبل ، وإن لم تظهر له التهمة فإنه يقبل فإذا كان الشاهد ممن هو مبِّرز في العدالة يبعد في العادة أن يشهد لولده شهادة زور أو أن يشهد لوالده شهادة زور ، فالتهمة منفية عنه فتقبل شهادته أما إذا كان ليس مبرزاً في العدالة ، فله عدالة ظاهرة لكن العدالة الباطنة غير معلومة منه ، فيقوى حينئذ الرد في التهمة .
وقد اتفق أهل العلم على قبول شهادة الأخ لأخيه ، وشهادة الأخ لعمه وشهادة الرجل لابن عمه وسائر الأقارب فهم إنما خصوا المنع بمن بينهم قرابة إيلاد ، وأما من بينهم قرابة أخرى فإنها لا تقتضي المنع عند جمهور العلماء .
وهكذا أيضاً شهادة الصديق لصديقه فهي مقبوله .
واستثنى الإمام مالك : شهادة الصديق لصديقه حيث كانت الصداقة وكيده " بالغة " وهو اختيار ابن عقيل وهذا الضابط الذي ذكروه – في الحقيقة – قد يكون أقوى في التهمة مما يكون بين الوالد وولده ، فإن الرجل قد يحابي صديقه أكثر مما يحابي ولده ، بل قد يحابي صديقه أكثر مما يحابي والده وهذا ظاهر حيث كانت الصداقة مؤكدة .
وعليه : فالصداقة المؤكدة تدخل في المسألة السابقة فإذا كانت التهمة موجودة لم نقبل هذه الشهادة .
وأما إذا لم تكن التهمة موجودة كأن يكون الشاهد معروفاً في العدالة فإن شهادته تقبل .
وعن الإمام مالك : أن شهادة الأخ لأخيه لا تقبل حيث كان منقطعاً على صلته أي لا واصل له إلا أخوه فهو يسكن عنده ويطعمه ويبره .
وهذه أيضاً تدخل في المسألة السابقة .
الصحيح في هذه المسألة ما هو صحيح في المسألة السابقة من القبول عند عدم التهمة والرد عند وجودها وقد قال e : - كما في مسند أحمد وسنن أبي داود - : ( لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذى غَمَر " أي حقد " على أخيه ولا القانع لأهل البيت ) .
والقانع هو المنقطع لأهل البيت يبرونه ويصلونه ، وعليه فكذلك لو كان أجنبياً لكن أهل البيت يقومون بصلته فهو منقطع إليهم كأن يكون لهم معتق يصلونه ويبرونه أو فقير يصلونه ويبرونه فهو منقطع إليهم لا واصل له سواهم فالمحاباة احتمالها قوي جداً ، فعلى ذلك : لابد أن ينظر في شهادته .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه ]
فإذا شهد الرجل لامرأته ، أو شهدت المرأة لزوجها فترد الشهادة قالوا : لقوة الصلة بينهما .
وحيث عللنا بالتعليل المتقدم وهو احتمال التهمة ، فالتهمة ظاهرة بين الزوجين .
ولكن – كما تقدم – إنما ترد مع التهمة وأما إذا كانت التهمة منتفية أو ضعيفة فإننا نقبل الشهادة بناءً على الأصل ، فالأصل هو قبول شهادة العدل وقبول شهادة ذات العدالة .
فالمشهور في المذهب وهو قول الجمهور أن شهادة أحد الزوجين لصاحبه لا تقبل ، قالوا : لقوة الصلة .
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية : أنها تقبل مطلقاً لعموم الأدلة .
والصحيح التفصيل في ذلك كما تقدم في المسألة السابقة .
وشهادة أحد الزوجين لصاحبه ترد – كما هو المشهور في المذهب – ولو كان ذلك بعد الطلاق .
وكذلك إذا كان أثناء الطلاق فإنها ترد ، فإن كانت رجعية فظاهر لأنها زوجة ، وإن كانت بائناً فإنها كانت زوجة وبينهما قوة صلة فكذلك ولو كان الطلاق قبل الدخول .
والصحيح في هذه المسألة ما تقدم ، و أنا ننظر إلى التهمة لكن : إذا كانت المرأة مطلقة طلاقاً بائناً قد انتهت من عدتها به فإن التهمة بعيدة فإنها أجنبية عنه فالتهمة ضعيفة .
قال المؤلف رحمه الله : [ وتقبل عليهم ]
لقوله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ( فشهادة الرجل على ولده ، وشهادته على والده وشهادة المرأة على زوجها وشهادة الزوج على امرأته ، شهادة مقبولة بنص الآية ، ولا مانع من قبولها ولا دليل يدل على المنع .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا من يجر إلى نفسه نفعاً ]
فلا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه نفعاً فإذا كان الشاهد يجر إلى نفسه نفعاً بهذه الشهادة فإنها لا تقبل .
مثال ذلك : إذا شهد الورثة أن مورثهم مات بالجرح قبل اندماله ، فالذي يترتب على ذلك أن تكون لهم الدية لأنهم هم الورثة فلا تقبل شهادتهم في ذلك لأنهم يجرون إلى أنفسهم نفعاً .
ومثال أخر : شهادة الشريك لشريكه في مال الشركة ، فإذا باع أحد الشريكين شيئاً من مال الشركة فلا يصح أن يكون الشريك الآخر شاهداً على ذلك أي حيث وقع خلاف أو نزاع أو خصومة ، وذلك لأن الشهادة تجر له نفعاً فهو كالشاهد لنفسه لا تقبل شهادته أتفاقاً.
قال المؤلف رحمه الله : [ أو يدفع عنهم ضرراً ]
فإذا كانت الشهادة تدفع ضرراً عن الشاهد فإنها لا تقبل منه فإذا شهد الشهود أن فلاناً قتل فلاناً خطأ فيترتب على ذلك ثبوت الدية ، والدية على العاقلة ، فإذا شهدت العاقلة أن هؤلاء الشهود مجروحون فلا تقبل شهادتهم ، فلو قال أحد العاقلة هذا يشرب الخمر وقال الآخر نعم هو كذلك ، وقالوا في الثاني هو زنى وقال الأخر نعم هو كذلك ، فلا نقبل شهادة العاقلة على جرح هؤلاء الشهود وذلك لأن في ذلك دفع ضرر عنهم لأن ثبوت هذه الشهادة يترتب عليها الدية والدية عليهم فإذا شهدوا على جرح الشهود ترتب على ذلك دفع الضرر عنهم .
إذن : لا تقبل شهادة من يدفع عن نفسه ضرراً ، لأنه شاهد لنفسه ، والتهمة في ذلك ظاهرة .
و علم مما تقدم أن شهادة أهل الحسبة تقبل فأهل الحسبة يقومون بعملهم غيرةً و احتساباً و هو ما قرره الفقهاء و هم لا يجرون لأنفسهم نفعاً بخلاف الشرط فإنه قد يحصل لهم نفع بعملهم.
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا عدو على عدوه ]
للحديث المتقدم : ( ولا ذي غَمَر على أخيه ) والغمر هو الحقد فإذا شهد العدو على عدوه فلا تقبل شهادته .
ومثل لذلك المؤلف بقوله :
قال المؤلف رحمه الله : [ كمن شهد على من قذفه ]
قذف زيد عمراً بزنا أو لواط - فلما قذفه – وهذا لا شك أنه يثير بينهما عداوة – قال : أشهد أن لفلان عليه كذا وكذا فلا تقبل هذه الشهادة للعداوة .
قال المؤلف رحمه الله : [ أو قطع الطريق عليه ]
فإذا شهد أن فلاناً قد قطع الطريق عليه ، فلا تقبل شهادته بذلك لأن ذكره أن فلاناً قد قطع الطريق عليه هذا إقرار منه بالعداوة فلم تقبل شهادته .
وكذلك إذا رمى الزوج امرأته بالزنا و شهد عليها بذلك فلا تقبل شهادته وذلك لأن رميه لها بالزنا تصريح منه بعداوته وبغضائه لها وحينئذ فلا تقبل شهادته .
إذن : لا تقبل شهادة العدو على عدوه – وهذا حيث كانت عداوه دنيوية .
وأما إذا كانت دينية فلا ترد بل تقبل ، كما لو شهد مسلم على كافراً أو شهد سني على مبتدع فإن الشهادة تقبل و ذلك لأن دينه يمنعه من شهادة الزور وهو لا يبغضه لشخصه ولنفسه وإنما يبغضه لدينه – فدينه الذي يحمله على بغضائه لهذا المبتدع – وعلى بغضه لهذا الكافر يمنعه من أن يشهد عليه بالكذب .
قال المؤلف رحمه الله : [ ومن سره مساءة شخص أو غمه فرحه فهو عدوه ]
هذا هو العدو ، فإذا سمع أنه قد أصيب بمصيبة سره ذلك وإذا سمع أنه قد أصيب بخير ونعمة فإن ذلك يحزنه ويسيئه فهذا هو العدو ، فضابط العدو : من يسره أن يساء هذا الشخص أو يغمه أن يفرح .
فإن قيل ألا يقتضي ذلك : رد شهادته مطلقاً لأن هذا هو الحاسد ؟
فالجواب : أنه ليس كذلك مع كل أحد وإنما مع هذا الشخص المعين للعداوة التي بينهما .
أما لو كان يسيئه أن يسر أي شخص ويغمه أن يفرح أي شخص فهذا لا شك أنه حاسد فإذا ظهر فيه ذلك فليس بعدل .
لكن إذا شهد العدو لعدوه فهل تقبل ؟
الجواب : نعم لعدم التهمة ولا مانع من قبولها .
فإن قيل : ألا يحتمل أن يكون شهد له لدفع ضرره ؟
فالجواب : أنه يحتمل ذلك لكنه احتمال ضعيف وبعيد فلا ترد به شهادة المسلم العدل .
فصل
هذا الفصل في عدد الشهود وهم البينة ، وعدد الشهود يختلف باختلاف المشهود به كما سيتبين من خلال الشرح.
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة ]
لا يقبل في الزنا إلا أربعة ، فإذا شهد أربعة على شخص بالزنا فإن الزاني يحد ، كما تقدم في حد الزنا ، قال تعالى : ) حتى يأتوا بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ( .
فبينة الزنا أربعة شهود وتقدم بيان هذا في حد الزنا .
" والإقرار به " : فإذا شهد أربعة أن فلاناً قد أقر على نفسه بالزنا أربعاً فإنه يحد بذلك فإن أنكر لم يحد و لم يحدوا.
فلو أن رجلاً في مجلس أقر على نفسه أربعاً أنه قد زنا بالزنا الصريح فتلفظ بما يدل على أنه قد زنا فشهد عليه أربعة بهذا الإقرار فإنه يحد وذلك لأنه إثبات للزنا فلم يثبت إلا بأربعة كشهود الفعل فنقيس شهود الإقرار على شهود الفعل ، فكما أن شهود الفعل يشترط فيه أن يكونوا أربعة فكذلك شهود الإقرار بجامع أن كليهما إثبات للزنا .
والقول الثاني في المسألة : وهو رواية عن أحمد : أنه يكتفي بالإقرار بشهادة اثنين كسائر الإقرارات فسائر الإقرارات يكتفي فيها بشهادة اثنين فكذلك في الإقرار بالزنا .
والأول أظهر ، لما تقدم فتعليله أقوى لأنه إثبات للزنا فاشترط فيه أن يكون الشهود أربعة كفعل الزنا .
إذن : لا يقبل في الزنا ولا في الإقرار به إلا أربعة وكذلك ما يوجب حد الزنا كاللواط ، فإنه يشترط فيه أيضاً شهود الزنا لأنه يوجب حد الزنا في المشهور من المذهب وتقدم أن الراجح : أن حده أعظم وأنه لا فرق بين المحصن وغيره ، وعليه فيشترط فيه أربعة من باب أولى .
وإذا قلنا في إتيان البهيمة أنه يوجب حد الزنا فيشترط فيه أربعة ، وتقدم أن الصحيح أن حكمه ليس كذلك .
قال المؤلف رحمه الله : [ ويكفي على من أتى بهيمة رجلان ]
وذلك لأن هذا الفعل لا يوجب حد الزنا وإنما يوجب التعزير فاكتفى فيه بشهادة رجلين .
قال المؤلف رحمه الله : [ ويقبل في بقية الحدود والقصاص ]
سائر الحدود كالقذف والسرقة ، وكذلك القصاص أي القود.
قال المؤلف رحمه الله : [ وما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال ، ويطلع عليه الرجال غالباً كنكاح ... يقبل فيه رجلان ]
فالحدود كالسرقة وغيرها من الحدود يقبل فيها رجلان اتفاقاً وكذلك القصاص ، فإذا شهد اثنان أن زيداً قتل عمراً عمداً فهذا يوجب القصاص بالشروط التي تقدم ذكرها وعليه فيشترط فيه شاهدان ذكران .
وما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالباً يشترط فيه رجلان.
" كنكاح " : فيشترط في النكاح أن يشهد عليه رجلان وكذلك في الطلاق وكذلك في الرجعة والخلع والنسب والولاء و كذلك في الإيصاء إليه يعني بغير المال .
فإذا أدعى رجل إلى ورثة فلان أن فلاناً قد أوصى إليه بإنكاح بناته ، أو قال : أوصاني أبوكم أن أقوم برعاية القصار فيشترط في ذلك أن يكون الشهود رجلين .
إذن : عندنا ثلاثة أشياء يشترط فيها شاهدان .
الأول : الحدود سوى الزنا .
الثاني : القصاص .
الثالث : ما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد فيه المال ويطلع عليه الرجال غالباً ، قال تعالى : ) واشهدوا ذوي عدل منكم ( .
وهل يكفي شهادة رجل وامرأتين أو الشاهد واليمين في هذه المسائل أم لا ؟
الجواب : فيه تفصيل : أما الحدود والقصاص فالراجح أن شهادة النساء لا تصح فيها هذا هو مذهب عامة أهل العلم ، ويدل عليه قوله تعالى : ) حتى يأتوا بأربعة شهداء ( فاشترط الله عز وجل في بينة الزنا الذكوريه فيقاس عليها سائر الحدود ويُلحق بها القصاص لأن القصاص يحتاط فيه لأن فيه إزهاقاً للنفس أو إتلافاً للطرف أو جرحاً للبدن.
وذهب بعض السلف وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن السعدي : إلى أن شهادة النساء يجزئ فيه ، واستدل رحمه الله بالأثر والنظر.
أما الأثر : فهو قوله e - في الصحيح - : ( أليس شهادة المرأتين كشهادة الرجل ) وهذا عام .
وأما النظر : فإن مبنى الشهادة على الحفظ والضبط والصدق وهذه الصفات ثابتة في النساء كما هي ثابتة في الرجال ، وما يكون في النساء من نقص يجبر بمضاعفة العدد .
وهذا الاستدلال وإن كان قوياً فالأظهر ما ذهب إليه أهل القول الأول وذلك لما تقدم في اشتراط الله عز وجل الذكورية في حد الزنا ، ويلحق به غيره ويلحق به القصاص احتياطاً للدماء ، وعليه العمل عند عامة أهل العلم .
وأما ما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال كالنكاح ونحوه فالصحيح فيه وهو رواية عن الإمام أحمد قبول شهادة رجل وامرأتين .
فإذا شهد رجل وامرأتان على نكاح أو طلاق أو رجعة أو خلع أو نسب أو ولاء أو إيصاء بغير مال ، فإن ذلك يجزئ .
وذلك لما تقدم من قول النبي e : ( أليس شهادة المرأتين كشهادة الرجل ) .
و ليست هذه الشهادة بمعنى الحدود والقصاص ، و ليس ثمت إجماع يخالف .
وهل يقبل فيها الشاهد واليمين أم لا ؟
فإذا أدعى رجل أنه قد راجع زوجته قبل انتهاء عدتها وأتى بشاهد يشهد على ذلك ، و حلف مع الشاهد فهل نثبت له الرجعة حتى يأتي بشاهدين .
المشهور في المذهب : إنها لا تثبت له الرجعة حتى يأتي بشاهدين .
والقول الثاني في المسألة : وهو رواية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام : أن الشاهد ويمين المدعي يقبل في هذه المسائل أي المسائل التي يطلع عليها الرجال غالباً وليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد بها المال .
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي e : ( قضى بيمين وشاهد ) وليس في الحديث ما يدل على أنه في المال فقط ، وهذا هو الراجح .
قال المؤلف رحمه الله : [ ويقبل في المال وما يقصد به كالبيع والأجل والخيار فيه أو نحوه رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي ]
" يقبل في المال " : إذا ادعى زيد أن له في ذمة عمرو عشرة آلاف ريال ، فنقول : إن أتيت بشاهدين ثبت الحق لك وإن أتيت برجل وامرأتين ثبت الحق لك ، وأن أتيت بشاهد مع يمينك ثبت الحق لك .
قال تعالى : ) واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ( وهذه الآية في مسألة مالية وهي المداينة : ) يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ( .
" وما يقصد به كالبيع " : فإذا أدعى فلان أن فلاناً قد باعه داره فأتى برجلين يشهدان قبل ذلك أو أتى برجل وامرأتين قبل ذلك ، أو أتى بشاهد مع يمينه .
" والأجل " : إذا أدعى زيد أن عمراً قد باعه هذه الدار بمائة ألف مؤجلة إلى سنة فأقر عمرو بالبيع ولم يقر بالأجل فنقول له : أحضر البينة ، وبينتك رجلان أو رجل وامرأتان أو شاهد مع يمينك .
" الخيار فيه " : كأن يقول : أنا اشترطت لي الخيار ثلاثة أيام .
فنقول : أحضر البينة ويكفي في ذلك شاهدك ويمينك أو شاهد ذكر وامرأتان .
" ونحوه " : كالقرض والرهن والغصب والعتق ، وعامة المسائل المالية .
ودليل ثبوت الحقوق المالية بالشاهد واليمين ، ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن النبي e : ( قضى بيمين وشاهد ) ونحوه من حديث أبي هريرة في سنن أبي داودو والترمذي .
وهل يقبل فيه – أي في المسائل المالية – شهادة امرأتين مع اليمين أم لا ؟
إذا أدعى رجل أن فلاناً قد باعه داره ، فقلنا له : احضر لنا البينة .
فقال : بينتي امرأتان مع يميني ، فهل يقبل ذلك ؟
قولان لأهل العلم :-
المشهور في المذهب : أن ذلك لا يقبل .
واختار شيخ الإسلام وهو مذهب مالك وأحد الوجهيين في المذهب قبول ذلك وهو الراجح لقوله e : ( أليس شهادة المرأتين كشهادة الرجل ) .
ولأن شهادة المرأتين قرينة قوية تجعل الظاهر مع المدعي واليمين في جنب أقوى المتداعيين .
قال شيخ الإسلام : " ولو قيل : بقبول المرأة مع اليمين لتوجه " .
وفيه قوة لأن شهادة المرأة تجعل الظاهر مع المدعي فحينئذ تكون قرينة قوية ، فإذا حلف معها كان القول قوله.
إذن : وجه شيخ الإسلام قبول شهادة المرأة الواحدة مع اليمين قال : كخبر الديانة فكما أن المرأة يقبل خبرها في الدين ، فكذلك هنا .
وأما قوله تعالى : ) واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ( يقول : هذا في التحمل فيحتاط في التحمل وأما في الأداء فليس كذلك .
والمشهور – وحُكي إجماعاً – عدم قبول شهادة أربع نسوة فإذا شهدت أربع نسوة بأن فلاناً قد باع فلاناً داره فإن شهادتهن لا تقبل .
ولو قيل بقبول شهادتهن لكان قوياً ؛ لما تقدم من أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل . والله أعلم .
وهل تقبل اليمين قبل الشاهد ؟
الجواب : لا تقبل اليمين إلا بعد الشهادة وذلك لأن اليمين إنما صارت في جنبه بعد الشاهد ، فإذا شهد الشاهد كانت اليمين له أي للمدعي .
قال المؤلف رحمه الله : [ وما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والحيض والولادة والرضاع والاستهلال ونحوه يقبل فيه شهادة امرأة عدل ]
" كعيوب النساء " : كبرص ونحوه .
" والاستهلال " : أن يخرج المولود صارخاً فيثبت له الإرث ونحوه من الأحكام .
" ونحوه " : كالجراحة تكون في مجمع النساء كعرس أو حمام أو نحو ذلك فإنه يقبل في ذلك شهادة امرأة عدل.
فإذا شهدت امرأة أن في فلانة برصاً في جلدها أو شهدت أنها بكر أو أنها ثيب أو شهدت إنها حائض أو شهدت لولادة أو رضاع أو استهلال فإن شهادتها تقبل في هذه المسائل لأن هذه المسائل مما لا يطلع عليها الرجال في الغالب ، فقد يطلع عليها الرجال لكن إطلاعهم نادر ، فقبلت فيها شهادة النساء .
وقد تقدم حديث المرأة التي قالت – وهي أمة سوداء - : ( أني قد أرضعت عقبة والتي تزوج ، فقال النبي e : ( كيف وقد قيل ) وقبل النبي e شهادتها وهي امرأة واحدة وهكذا في عامة ما ذكره المؤلف من المسائل .
إذن : ما لا يطلع عليه الرجال في الغالب تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة .
وقال المالكية : بل لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين .
وقال الشافعية : بل لا يقبل فيه إلا شهادة أربع نسوة .
والأظهر : هو القول الأول ، كشهادة المرضعة على الرضاع وقد قبل النبي e شهادتها .
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإن الغالب في مثل هذه المسائل ألا يشهد فيها إلا المرأة الواحدة فيتعسر في الغالب شهادة أكثر من امرأة .
و أما القود فلا يثبت بذلك وإنما هو في المسائل المالية إذ لا مدخل لشهادة النساء في الحدود والقصاص.
قال المؤلف رحمه الله : [ والرجل فيه كالمرأة ]
بل أولى : فإذا شهد رجل برضاع فقال : أشهد أن فلاناً قد رضع من فلانة فهو أولى من المرأة لأن شهادته أعلى من شهادة المرأة ، فإذا قبلنا شهادة المرأة فأولى من ذلك شهادة الرجل .
وظاهر كلام المؤلف أن هذه الشهادة لا تفتقر إلى يمين وهو نص الإمام أحمد وهو ظاهر الحديث المتقدم في قصة شهادة المرضعة فإن النبي e لم يستحلفها .
إذن : إذا شهدت المرأة على أمر لا يطلع عليه في الغالب إلا النساء فإن شهادتها تُقبل بلا يمين .
لكن إن ارتاب القاضي فله أن يحلفها ، لقوله تعالى : ) فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ( الآية .
قال المؤلف رحمه الله : [ ومن رجلٍ وامرأتين أو شاهدٍ ويمين فيما يوجب القود لم يثبت به قودٌ ولا مال ]
تقدم أن القود يشترط فيه شهادة رجلين .
فإذا أتى مدعٍ برجلٍ وامرأتين أو بشاهد ويمين فيما يوجب القود ، كأن يدعي رجلٌ أن فلاناً قد قتل وليُّه عمداً وأحضر رجلاً وامرأتين أو أحضر رجلاً وقال : أنا أحلف على ذلك فلا يثبت به قودٌ ولا مال ، فلا يثبت القود لأنه يشترط في القصاص شهادة رجلين فلم تكمل البينة .
ولا يثبت المال ، فلو قال : أنا أحضرت لكم رجلاً وامرأتين فاقضوا لي بالدية فلا يُحكم له بذلك ، وذلك لأن المال فيها بدل عن القود ، وإذا لم يثبت المُبدل لم يثبت البدل . فلم يثبت القود بهذه الشهادة ، والمال بدل عنه فكذلك لا يثبت .
لكن لو أتى برجلٍ وامرأتين أو بشاهد مع يمينه يشهدون أن فلاناً قد قتل وليه خطئاً فإن المال يثبت هنا لأن هذه المسألة مالية ، والمسائل المالية تثبت بشهادة رجلٍ وامرأتين أو شاهد مع يمين .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإذا أتى بذلك في سرقة ثبت المال دون القطع ]
إذا ادعى رجلٌ على آخر أنه سرق منه عشرة آلاف ريال ثم أتى برجلٍ وامرأتين يشهدون على ذلك ، فلا يثبت حد السرقة لأن حد السرقة يشترط فيه شهادة رجلين .
لكن يثبت له المال الذي ادعاه .
والفارق بين هذه المسألة والتي قبلها هو : ثبوت السرقة يترتب عليه شيئان : القطع وهو الحد ، والشيء الثاني : الضمان ، فليس المال فرعاً عن القطع كالمسألة الأولى ، فإذا لم تُستكمل بينة الحد واستكملت بينة المال ثبت المال .
وكذلك في الشاهد واليمين ، فإذا ادعى أن فلاناً قد سرق منه عشرة آلاف ريال وقال : بينتي هذا الشاهد ، ثم أدلى الشاهد بشهادته ثم حلف هو أي المدعي فإنا نضمن المدعى عليه المال الذي ادعى عليه لأنها أصبحت مسألة مالية ، لكن لا تثبت السرقة وبالتالي تقطع يده لأن بينة الحد لم تُسكمل .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن أتى بذلك في خُلعٍ ثبت له العِوض وثبتت البينونة بمجرد دعواه ]
إذا ادعى رجل أنه خالع امرأته على عشرة آلاف وأحضر رجلاً وامرأتين بينة على ذلك ، فلا يثبت الخلع بذلك – في المشهور في المذهب – لأنه ليس بمال ولا نقصد به المال فلم يثبت إلا بشهادة رجلين هذا في المشهور في المذهب وتقدم الراجح.
إذن : لا يثبت الخُلع بهذه البينة ، لكنه يثبت عليه الخُلع بإقراره ولذا قال : " وتثبت البينونة بمجرد دعواه " ويثبت له العوض لأنه مال والمال تُقبل فيه هذه البينة .
فإذا ادعت المرأة الخلع ، فقالت : قد خالعت زوجي على عشرة آلاف ريال وأتت بشاهد ذكر وامرأتين ، فلا يثبت الخُلع لأنه لا يثبت إلا برجلين في المشهور في المذهب ، وبالتالي لا نلزمها العوض لأن العوض مرتب على صحة الخُلع .
والصحيح - كما تقدم – أن الخُلع يثبت بشهادة رجلٍ وامرأتين .
فصل
هذا الفصل في الشهادة على الشهادة
إذا شهد زيد أن لعمروٍ على بكرٍ ألف ريال – مثلاً – فقال : زيد وهو الشاهد الأصل ، قال لسعدٍ : احفظ عني أني شاهد لعمروٍ على بكرٍ بألف ريال ، أو أشهد على شهادتي أن هذا البيت وقف أو أشهد على شهادتي أن هذا قد قذف فلاناً ، ونحو ذلك .
إذن : عندنا شاهدان شاهد أصل وهو الذي قد سمع أو رأى ، وشاهد فرع وهو الذي لم يسمع ولم يَر لكنَّه حُمَّل شهادة غيره واستحفظ .
كأن يحتضر رجلٌ فيقول لبعض أولاده : أشهد عليَّ أني شاهد لفلان بكذا على فلان ونحو ذلك .
وهي – أي الشهادة على الشهادة – جائزة بالإجماع ، والحاجة تدعوا إليها كما يكون في الوقوف ، وأيضاً قد يتأخر عرض القضية على الحاكم فيُحتاج إلى شهادة الفرع في حفظ الحقوق .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا تُقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي ]
فهذه المسألة متفرعة عن مسألة سابقة وهي كتابة القاضي إلى القاضي.
وقد تقدم أن المشهور في المذهب أن كتابة القاضي إلى القاضي لا تصح إلا في حقوق الآدميين ، ولا تصح في الحدود ، وتقدم أن الراجح خلافه .
وهنا كذلك ، فهذه المسألة كتلك المسألة ، فالمشهور في المذهب أنها لا تصح إلا في حقوق الآدميين ولا تصح في الحدود .
وفي المشهور في مذهب الشافعي صحة الشهادة على الشهادة في الحدود .
فالصحيح : أن الشهادة على الشهادة لا يُشترط فيها أن تكون في حقوق الآدميين بل تصح في حقوق الآدميين وغيرها فلو شهد فرع عن أصل في حد زنا أو في حد قذف أو في حد سرقة ونحو ذلك فإن هذه الشهادة صحيحة .
فمثلاً : أراد اثنان أن يذهبا إلى القاضي ليشهدا على فلان أنه سرق فاحتضر أحدهما فالقى بالشهادة إلى آخر لم يرَ ولم يسمع فهي شهادة فرع فتُقبل .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا يحكم بها إلا أن تتعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبة مسافة قصر ]
فإذا أمكنا أن نحكم بشهادة الأصل فلا يجوز أن نحكم بشهادة الفرع ، وذلك لأن شهادة الأصل هي الأصل ، وشهادة الفرع بدلٌ عنها .
ولأن في شهادة الفرع تطويلاً فإنا نحتاج إلى أن ننظر في عدالة شهود الأصل وننظر في عدالة شهود الفرع ، ولأن احتمال الخطأ يكون أكبر .
إذن : لا يجوز أن نحكم بشهادة الفرع إلا أن تتعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبة مسافة قصر أو بخوف من سلطان ، إذن لا يجوز لنا إلا عند الحاجة فهي كالماء والتراب ، فلا يجوز التيمم بالتراب إلا عند عدم الماء أو الضرر باستعماله ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وهل يكفي أن يشهد فرعٌ عن الأصلين ؟
الجواب : لا يكفي ذلك .
فإذا كان زيد وعمرو يشهدان على قضية تحتاج إلى شاهدين ، فحفظ عنهما هذه الشهادة بكر فلا تُقبل شهادة الفرع ، وهذه هي الصورة الأولى .
الصورة الثانية : أن يشهد لكل أصل فرع .
فإذا حفظ زيد وعمرو شهادة فهما شاهدا أصل فحفظ شهادة زيد بكرٌ وحفظ شهادة عمروٌ سعد فإنها تُقبل في المشهور في المذهب .
قالوا : لأنها نقلٌ للشهادة فقُبل فيها خبر الواحد كخبر الديانة .
وقال الجمهور بل لا يقبل وذلك لأنها شهادة في إثبات حقٍ كالإقرار فاشترط فيها شاهدان و عليه فلابد أن يكون لكل أصل فرعان فيجتمع في القضية أربعة شهود أو أن يكون الفرعان قد حفظوا الشهادة عن هذا ، وعن هذا .
والقول الأول أظهر لأنه تعليله أقوى ، فهي نقل للشهادة وليست إثبات حقٍ وذلك لأنها لا تثبت الحق عليه فإن هذا الشاهد بشهادة الفرع لا يثبت على شاهد الأصل حقاً وإنما هي نقل لشهادته .
فالأظهر هو قبول ذلك كما هو المشهور في المذهب وهو قول إسحاق ، قال الإمام أحمد : " لم يزل الناس على هذا" فعليه عمل السلف ، ونحوه عن إسحاق .
الصورة الثالثة : أن يشهد عن كل أصل فرعان .
ففي المثال المتقدم : يقول بكر أشهد على زيد وعمرو أنهما قد شهدا بكذا ، ويقول سعد : أشهد على زيد وعمرو أنهما قد شهدا بكذا وهي مقبولة .
إذن : الخلاف فيما إذا كان لكل أصل فرع واحد والصحيح القبول لكن لا يتفرد في القضية ، فلابد في القضية أن يكون شهود الأصل كشهود الفرع فإن كانت القضية مما يقبل فيها شهادة رجلين فلابدَّ وأن يكون الفرع كذلك ، وإذا كانت مما يُقبل فيها شهادة رجل وامرأتين فيكون الفرع كذلك ، والنساء لهن مدخل في هذا الباب على الصحيح وهو المشهور في المذهب .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل ]
فإذا كنت في مجلس فسمعت زيداً يقول : " أشهد أن هذا البيت وقف " فليس لك أن تشهد على شهادته – كما ذكر المؤلف – حتى يسترعيك أي حتى يستحفظك ، فإذا قال : اشهدوا عليَّ ، أو اشهد علي يا فلان ، فحينئذٍ ٍتصح شهادتك .
إذن : يشترط أن يسترعي شاهد الفرع.
قالوا : لأنه يحتمل أن تكون شهادته على العلم ، فيحتمل لما شهد لم يشهد على ما سمع ورأى بل شهد على العلم أي : يعلم أن هذا البيت وقف فقال : أشهد أن هذا البيت وقف فهو إنما يشهد بعلمه ، ومعلوم أن الشهادة بالعلم لا تصح.
القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد : أن شهادة الفرع تصح وإن لم يسترعه شاهد الأصل .
قالوا : لأن الأصل في الشهادة أن تكون بما يسمع وبما يُرى أما كونه يشهد بعلمه هذا خلاف الأصل .
فإن قيل : قد يكون شهد على أمرٍ ماض ؟
فالجواب : أن هذا – أيضاً – خلاف الأصل ، والأصل بقاء ما كان على ما كان وفيه قوة.
قال المؤلف رحمه الله : [ فيقول : اشهد على شهادتي بكذا ]
فيقول شاهد الأصل لشاهد الفرع : " أشهد على شهادتي بكذا " فيكون بذلك قد استرعاه أي قد استحفظه الشهادة .
قال المؤلف رحمه الله : [ أو يسمعه يُقرُّ بها عند الحاكم ]
فإذا سمع شاهد الفرع شاهد الأصل يُقرُّ بالشهادة عند الحاكم فإنه يحفظها عنه ويجوز له أن يشهد عنه بذلك لأنه يزول الاحتمال المتقدم .
فإذا كان في مجلس الحاكم فأتى بشاهدين لكن القاضي لم يحكم بالقضية لأمر ما أو لم تكمل البينة ، فشهد رجلٌ أن فلاناً قد شهد عند الحاكم بكذا ، كأن يكون قد مات هذا الشاهد الذي شهد في مجلس الحاكم ، وكان هناك ممن يجلس عند القاضي فشهد أن فلاناً قد شهد فحينئذٍ تقبل لزوال الاحتمال المذكور .
قال المؤلف رحمه الله : [ أو يعزوها إلى سببٍ من قرضٍ أو بيعٍ أو نحوه ]
فعزوها إلى سببٍ يقويها ، وحينئذٍ يضعف ذلك الاحتمال فإذا قال : " أشهد أن فلاناً قد شهد أن لفلان على فلان كذا وكذا قيمة داره التي باعها إياه " .
أو قال : " أشهد أن فلاناً شهد أن لفلانة على فلان كذا وكذا مهراً لها " .
إذن : المشهور في المذهب : أنه يُشترط أن يسترعيه الشهادة إلا أن يشهد في مجلس القاضي أو أن يشهد على شيء ويذكر سببه ، فحينئذٍ لا يُشترط أن يسترعيه الشهادة .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض ويلزمهم الضمان دون من زكاهم]
إذا رجع شهود المال بعد الحكم لم يُنقض ولو قبل الاستيفاء هنا ثلاث أحوال :
الحالة الأولى : أن يرجع شهود المال قبل الحكم ، كأن يشهد زيدٌ وعمروٌ أن لبكرٍ على سعد عشرة آلاف ريال وأثناء جلوسهم مع القاضي وقبل أن يبت بالحكم رجعوا عن الشهادة .
فالحكم أن القاضي لا يحكم وذلك لأن الشرط في الحكم قد زال فشرط الحكم الشهادة وقد زالت قبل الحكم .
الحالة الثانية : أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء ، أي لما حكم القاضي و بت بالقضية قالوا : رجعنا ، وكان ذلك قبل الاستيفاء أي قبل أن يعطي المدعى عليه المدعي هذا المال المدعى به ، فالحكم : أن الحكم لا يُنقض .
الحالة الثالثة : أن يرجعا بعد الحكم وبعد الاستيفاء ، فالحكم لا يُنقض .
إذن : بعد الحكم سواء كان بعد الاستيفاء أو قبله فإن الحكم لا يُنقض وذلك لأن الحكم قد ثبت بتوفر شروطه ، ولئلا يكون حكم القاضي أُلعوبة بأيدي الشهود .
وقد يكون رجوعهم لرغبة أو رهبة ، لرغبة بمال كأن يُعطوا رشوة أو رهبةً كأن يُهددوا ليرجعوا .
ويلزم هؤلاء الشهود الضمان دون من زكاهم ، فنقول للمدعى عليه اعط المدعي حقه الذي قد ثبت ، وارجع بحقك إلى الشهود وذلك لأن الشهود هم الذين قد أخرجوا منه ماله بغير حق فكان الضمان عليهم ما لم يصدقهم المشهود له.
" دون من زكاهم " : فإذا رجعوا فإن الحق يثبت عليهم دون من زكاهم لأن من زكاهم إنما بنى على ظاهر أمرهم من العدالة.
لكن إذا بان أن هؤلاء الشهود فُسّاق أي لم يرجعوا لكن بان فسقهم وكان فسقهم ظاهراً ، فحينئذٍ : يرجع على المزكي ولا يُقال : أنه يرجع إليهم هم - أي الشهود - لأنهم لا يزالون يثبتون الحق ولا يزالون يقولون نحن شهود على كذا ، لكن شهادتهم لا تُقبل ، والذي غررّ الحاكم بهم هم هؤلاء المزكون كما قرر هذا شيخ الإسلام.
وفي قوله : " شهود المال " : قيد يُخرج القصاص والقود ، فإذا كان الشهود قد شهدوا في قصاص فإذا رجع الشهود بعد الحكم وقبل الاستيفاء ، فإن القصاص لا يستوفي .
فإذا شهد فلان وفلان أن زيداً قتل عمراً عمداً ، حكمنا على زيد بالقود واختار ذلك الأولياء ، وقبل أن يستوفي رجع الشهود ، فحينئذٍ لا ننفذ القود ، وذلك احتياطاً للدماء والأطراف .
وكذلك في الحدود ، لأن الحدود تُدرأ بالشبهات ولا شك أن رجوع الشهود شبهة كبيرة .
ولكن هل نثبت الدية ؟
الجواب : نعم نثبت الدية ، فرجوع الشهود بعد الحكم لا ينقض حكم القاضي ، لكن احتياطاً للدماء فلم ننفذ القود ، لكننا نثبت الدية ، فشهادتهم تثبت الدية وبرجوعهم لا نقيم القصاص احتياطاً للدماء .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن حكم بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غرم المال كله ]
إذا حكم القاضي بشاهدٍ ويمين .
كأن يدعي زيد على عمرو أن له عليه عشرة آلاف وليس عنده إلا شاهد فنقول : تحلف على ذلك ، فقال : نعم ، فشهد الشاهد وحلف هو ، ثم رجع الشاهد ، فإنه يرجع إلى الشاهد بالمال كله ، وذلك لأن الشاهد هو حجة الدعوى وأما اليمين فهي قول الخصم .
فعليه : إذا رجع هذا الشاهد فإنا نضمنه المال كله .
باب اليمين في الدعاوى
قال المؤلف رحمه الله : [ لا يُستحلف في العبادات ]
إذا ادعى رجلٌ أنه قد أخرج زكاة ماله أو أنه أوفى بنذره أو أنه يصلي في بيته ، فإنه لا يُستحلف على ذلك ، لأن العبادات حقوق الله وهي مبنية على المسامحة .
وقال الشافعية : بل يُستحلف لأنها دعوى .
والصحيح هو الأول ، لأن اليمين إنما شُرعت في حقوق الآدميين في قول النبي e : ( لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجالٍ وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) .
فاليمين إنما شُرعت في حقوق الآدميين ولا تُقاس عليها حقوق الله للفارق ، فإن حقوق الله مبنية على المسامحة.
إذن : إذا قال عند صاحب الحِسبة إني أصلي في بيتي ، فإن ذلك يُقبل منه بلا يمين .
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا في حدود الله تعالى ]
لأن حدود الله تعالى حقٌ مبني على المسامحة .
ولأن المشروع هو الستر ، وإذا كان يُلقَّن عدم الإقرار فأولى من ذلك ألا يستحلف وهذا باتفاق العلماء .
قال المؤلف رحمه الله : [ ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي ]
فيُستحلف المنكر في كل حقٍٍ لآدمي إذا كان الحق مالاً أو يُقصد به المال .
فإذا ادعى زيد أنه أقرض عمراً ألف ريال فأنكر ذلك عمرو ، فنقول : احلف .
وكذلك إذا ادعى زيد أن عمراً قد باعه داره فأنكر ذلك عمرو فنقول له : احلف ونحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا النكاح والطلاق والرجعة والإيلاء وأصل الرق والولاء والاستيلاد والنسب و القود والقذف ]
أصل الرق : إذا ادعى فلان أن اللقيط الذي عنده في البيت رقيق له فهنا قد ادعى أصل الرق .
" والاستيلاد" : في استيلاد الأمة .
فهذه الأمور التي ذكرها المؤلف مستثناة لأنها ليست بمال ولا يُقصد بها المال فلا يُستحلف فيها المنكر .
فإذا ادعت امرأة أن زوجها قد طلقها فنقول : أحضري البينة ، فإذا قالت : لا بينة عندي ، فإننا لا نحلِّف الرجل .
وإذا ادعى رجل أنه قد راجع امرأته فأنكرت المرأة كذلك فنقول للرجل : أحضر البينة ، فإن قال : ليس عندي بينة فلا نطلب منها اليمين .
كذلك في الإيلاء : إذا ادعت المرأة أن زوجها قد آلى منها أي حلف ألا يطأها فأنكر ذلك فلا نقول له احلف ، وهكذا عامة المسائل التي ذكرها المؤلف هنا .
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية : أن الاستحلاف ثابت في هذه المسائل من حقوق الآدميين وأن حقوق الآدميين كلها يستحلف فيها سواء كانت في الأموال أو في غير الأموال .
وهذا هو القول الراجح في المسألة : ويدل عليه قول النبي e : ( لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ) فدل على أن اليمين تثبت حتى في الدماء أي حتى في القود .
فلو قال رجل : ادعى أن فلاناً قد قتل وليه عمداً ، فنقول : أحضر البينة فقال : لا بينة لي ، فنقول للمدعى عليه احلف أنك لم تقتل وليه عمداً .
وهل يقضى بالنكول ؟
تقدم أن في المسألة قولين ، وتقدم اختيار شيخ الإسلام في هذه المسألة وأنه يقضى بالنكول إلا أن يكون المدعي يختص بالعلم ، فإن اليمين ترجع إليه .
إذن : في النكاح والطلاق والرجعة وفي عامة المسائل التي هي من حقوق الآدميين يثبت اليمين ، أما حقوق الله عز وجل فلا .
قال : [ واليمين المشروعة هي اليمين بالله ]
تقدم ذكر هذا .
قال رحمه الله : [ ولا تُغلَّظ إلا فيما له خطر ]
فلا تُغلظ اليمين إلا فيما له خطر كالجناية التي لا يترتب عليها قود ، لأن الجناية التي يترتب عليها قود ليس فيها - في المذهب - استحلاف ، لكن الجناية التي يثبت فيها مال كأن يدعي زيد أن عمراً قد قتل وليه خطئاً فإن المدعى عليه يُستحلف – حتى في المذهب – لأنها في الأموال ، وهذه المسألة لا خطر فيها وللإمام أن يُغلِّظ في اليمين .
أو كان ذلك في طلاق ، كأن تدعي المرأة أن زوجها قد طلقها ثلاثاً وهو ينكر ذلك، وقلنا بالاستحلاف بأنها تُغلَّظ حينئذٍ وذلك لأن الأمر فيه خطورة .
وكذلك في العتق ، فإذا ادعى العبد أن سيده قد أعتقه فالأمر فيه خطر فحينئذٍ تُغلظ اليمين .
والتغليظ في اليمين مشروع – كما قال شيخ الإسلام – حيث رأى القاضي مصلحة في ذلك .
بل قد مال شيخ الإسلام إلى وجوبه حيث كان فيه مصلحة والأمر كذلك لأنه وسيلة إلى إيصال الحق إلى صاحبه .
والتغليظ قد يكون بالقول ، كأن يقول له : قل : " والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة أنه ليس لفلان علي كذا " .
ويدل عليه قول النبي e – في صحيح مسلم – لعالم من علماء اليهود : ( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون الحد في كتابكم ) .
وقد يكون التغليظ بالزمان ، وذلك بعد صلاة العصر قال تعالى : ) تحبسونهما من بعد الصلاة فيُقسمان بالله ( وهي صلاة العصر بإجماع المفسرين .
وقد يكون التغليظ في المكان : كالمنبر في الجامع .
لما روى مالك في موطئه وأبو داود وابن ماجه وغيرهم : أن النبي e قال : ( من حلف على منبري يميناً آثمة فليتبوأ مقعده من النار ).
قال الفقهاء : ويقاس عليه غير منبره e والله أعلم ، لكن لا بأس بذلك من باب التغليظ .
قالوا : كذلك بين الباب والركن عند الكعبة فهذا تغليظ في المكان .
إذن : له أن يُغلِّظ بالزمان وله أن يُغلِّظ بالمكان وله أن يُغلِّظ باللفظ فإذا نكل فما الحكم ؟
أي قيل له قل : " والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة أنه ليس لفلان علي حق " فقال : أنا لا أحلف إلا أن أقول : " والله " أو قيل له : احلف بعد صلاة العصر أو احلف على المنبر فقال : لأ أحلف إن شئتم مني : " والله " وإلا فلا أحلف فما الحكم ؟
قالوا : يُقبل منه ذلك ، ولا يُحكم بنكوله لأنه ليس عليه إلا اليمين وقد قام بما عليه وهي اليمين .
وقال شيخ الإسلام أنه يُحكم بنكوله لأنه لا فائدة من التغليظ إلا هذا ، فالمقصود زجره وردعه عن الإنكار بحيث أنه إذا أنكر فحلف بهذه اليمين انزجر وارتدع ونكل فيثبت الحق لصاحبه وهذا هو الراجح .
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .