بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتاب الإقرار
الإقرار : هو الاعتراف بالحق .
وهو أقوى البينات ، ذلك لأن العاقل لا يكذب على نفسه بما يُضِّرها فلا يمكن أن يعترف أن لفلان عليه شرة آلاف وهو كاذب على نفسه .
والفقهاء منهم من وضعه في آخر كتاب الفقه تفاؤلاً بالإقرار بالشهادتين عند الموت .
ومنهم من يضع العتق في آخر كتاب الفقه تفاؤلاً بالعتق من النار .
قال المؤلف رحمه الله : [ يصح من مكلف ]
فإذا كان الإقرار من غير مكلف كالصبي والمجنون ، فإنه لا يصح فإذا أقر صبي أن عليه عشرة آلاف فإن إقراره لا يصح ، و كذلك أقر المجنون أو المغمى عليه أو النائم لقوله e : ( رفع القلم عن ثلاثة ) وذكر منهم – "الصبي والمجنون والنائم " .
لكن هل للصبي أن يقر بما يصح تصرفه فيه ، مما يأذن له فيه وليه ؟
له أن يأذن للصبي أن يتصرف ببعض الشيء الذي لا يضر بماله ، فإذا أذن له أن يتصرف بشيء من البيع والشراء ، فهل له أن يقر به ؟
الجواب : نعم ؛ لأنه لما صح تصرفه فيه صح إقراره فيه .
مسألة : إذا أقر الصبي ابن عشر أو الجارية بنت تسع بالاحتلام – وهذه هي السن التي يمكن فيها الاحتلام في مذهب أحمد كما تقدم – فما الحكم ؟
الجواب : إنهما إذا أدعياه فإنه يقبل منهما ، فاقرارهما بالاحتلام مقبول .
وذلك لأن الاحتلام لا يعلم إلا من جهتهما ، فكان القول قولهما .
لكن لو أدعى السن ، فقال : قد بلغت خمس عشرة فلا تقبل إلا ببينة ، وذلك لأن بلوغ السن الخامسة عشر ظاهر معلوم ، يعلم من غير صاحبه فاحتيج إلى بينة .
قال المؤلف رحمه الله : [ مختار ]
أي ليس بمكره ، لقوله تعالى : ) إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ( ولقول النبي e : ( إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) فالإكراه مرفوع .
فإذا أكره على الإقرار بالمال فأقر به مكرهاً فهذا الإقرار لا يصح .
قال المؤلف رحمه الله : [ غير محجور عليه ]
أي غير محجور عليه لسفه ، وذلك لأن تصرفه في المال لا يصح وعليه فلا يصح إقراره اختاره الموفق و المذهب أنه يصح و يتبع له بعد فك الحجر عنه ، و كذا إقراره بحد أو قصاص أو نسب أو طلاق فيصح و يتبع بالحال لأنه مكلف .
وأما المحجور عليه لفلس فقد تقدم أن إقراره يصح و يكون في ذمته.
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا يصح من مكره ]
هذا تفريع على قوله " مختار " فلا يصح من مكره .
فلو أن رجلاً ضرب حتى أقر أنه قد طلق امرأته ، أو حتى أقر أن لفلان في ذمته عشرة آلاف فلا يصح إقراره لأنه مكره .
فإذا أقر وأدعى الإكراه فما الحكم ؟ و لو شهد شاهدان على هذا الإقرار .
رجل أقر أن لفلان عليه عشرة آلاف ثم أدعى أنه قد أكره على هذا الإقرار فما الحكم ؟
الجواب : لا يقبل منه ذلك إلا ببينة تدل على الإكراه وكذلك إذا كان هناك ما يدل على الإكراه كأن يكون إقراره في حبس أو في قيد أو اثناء ضرب فإن هذه تدل على الإكراه فيكون القول قوله مع اليمين.
وعليه : فإذا ضرب المتهم حتى اعترف فهل يصح إقراره ؟
الجواب : لا يصح إقراره لأنه مكره .
لكن هل هذا على إطلاقه ؟
في المسألة قولان لأهل العلم : - كما حكى ذلك شيخ الإسلام - .
القول الأول : أن ذلك على إطلاقه وهو قول بعض أصحاب أحمد والشافعي ، فإذا ضرب الرجل فاعترف فإنه لابدَّ وأن يصدق إعترافه مرة أخرى أي لابد وأن يقرر مرة أخرى عند القاضي فإذا أقرَّ بعد ذلك فإن الإقرار يصح .
والقول الثاني في المسسألة : وهو الذي عليه القضاء أن ذلك ليس على إطلاقه بل إذا أقر وكان هناك ما يصدق إقراره أثناء الضرب صح إقراره ، رجل لما أُتي به فضُرب على السرقة قال : اعترف أني قد سرقت القيمة الفلانية من المكان الفلاني وذهبت وأخذت الشيء الفلاني وكسرت الباب و وصف السرقة وصفاً ظاهراً ، والمال المفقود هو ما ذكره والباب المكسور هو المذكور ، فحينئذٍ نعلم أنه قد سرق ولا يحتاج حينئذٍ إلى إقراره وهذا هو أصح قولي العلماء في هذه المسألة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أُكره على وزن مالٍ فباع ملكه صح ]
أي صح البيع ، رجل قيل له : ادفع عشرة آلاف ريال وإلا قتلناك ، وليس عنده إلا هذه الدار أو عنده غيرها ، فباع هذه الدار ودفع هذه العشرة آلاف ، فإن البيع يكون صحيحاً ، وذلك لأنه لم يُكره على هذا البيع ، وهذه المسألة استطراد من المؤلف .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ومن أقره في مرضه بشيء كإقراره به في صحته ]
رجلٌ في مرضه قال : أُقرُّ أن لفلان عليَّ عشرة آلاف ريال فإن هذا الإقرار يصح كما لو أقرَّ في صحته لعدم التهمة واستثنى المؤلف فقال :
[ إلا في إقراره بالمال لوارث ]
فإذا أقرَّ بالمال لوارث فلا يُقبل .
فلو كان له ابنان فقال في مرضه : أقرَّ أن لابني فلاناً عشرة آلاف في ذمتي فلا يصح هذا الإقرار للتهمة .
لكن إن أقام بينةً أو أجاز بقية الورثة فإن هذا الإقرار يصح .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقرَّ لامرأته بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية لا بإقراره ]
رجل عنده زوجتان فأقرَّ لكليهما أو لإحداهما بالصداق فقال : أُقرُّ أن لفلانة عليَّ الصداق أو أن هناك مهر مؤخر لفلانة فلها مهر المثل بالزوجية لا بإقراره ، لأن إقراره لوارث لا يصح.
و كونها زوجة له يدل على أن لها صداقاً عنده ، وإقراره هذا إخبار منه بأنه لم يوفها صداقها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولو أقرَّ أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها ]
إذا قال : في مرضه أنا قد أبنتها " أي طلقتها طلاقاً بائناً " في صحتي فنقول : هل عندك بينة ؟ فإن قال : لا فنقول : إقرارك هذا لا يسقط إرثها لأنه متهمٌ بحرمانها كما تقدم في كتاب الفرائض .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقرَّ لوارث فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره لا أنه باطلٍ ، وإن أقرَّ لغير وارث أو أعطاه صح وإن صار عند الموت وارثاً ]
فالإقرار المعتبر في صحته حال المُقرِّ له حال الإقرار .
فإن كان المقرِّ له ليس بوارث فإنه يصح هذا الإقرار وإن صار وارثاً بعد ذلك .
فمثلاً : رجل له زوجة حامل وله ابن عم ، فابن العم وارث فلا يصح الإقرار له ، لكنه أقرَّ له ثم وُلد له ابنٌ من زوجته ، فلا يرث ابن العم ، لأن العبرة بحاله عند الإقرار ، وحاله عند الإقرار أنه وارث وإن كان ليس بوارث بعد ذلك .
وكذلك العكس : رجل قال لفلانة عليَّ كذا ثم لم يمت حتى تزوجها فإن هذا الإقرار يثبت لأن حالها عند الإقرار أنها ليست بوارثة .
إذن : إذا أقرَّ لوارث فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره لأنه باطل ، لأنه موقوف على إجازة الورثة فلو أجاز ذلك الورثة صح هذا الإقرار .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقرت المرأة على نفسها بنكاح ولم يدعه اثنان قبل ]
رجلٌ قال لامرأةٍ : " إنك زوجة لي " فقالت : أُقرُّ بذلك فهذا الإقرار صحيح لأن النكاح حق فصح إقرارها فيه كالمال .
لكن هنا شرط ألا يدعيه اثنان .
فإذا أتى اثنان إلى قاضي وكل منهما يدعي أن فلانةً زوجة له فأقرت لأحدهما فظاهر كلام المؤلف أنه لا يقبل هذا الإقرار .
والقول الثاني : - وهو الصحيح في المذهب كما في المنتهى – أن إقرارها لأحدهما صحيح وهو ظاهر لأنها قد أقرت لأحدهما بحقٍ عليها وليس هناك ما يمنع فليس مع الآخر بينة تمنع ، لكن إن كان مع كل واحدٍ منهما بينة ، كأن يدعي اثنان على فلانة أنها زوجة فكل يقول : هي زوجتي وأقام كل واحدٍ منهما بينة .
فالحكم : أننا نحكم ببينة الأسبق .
فإن لم نعلم أيَّهما أسبق وادعى ولي المرأة أن بينة أحدهما هي الأسبق قُبل قوله بيمينه ، فإن قال ولي المرأة : لا أعلم أيهما أسبق فحينئذٍ نفسخ نكاح الاثنين كما إذا زوجها وليان ولم يعلم أيهما الأسبق .
وهل نحكم لمن هي تحت يده ؟
الجواب : لا نحكم بها لمن هي تحت يده ، لأن الحر لا يحكم عليه باليد .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقرَّ وليُّها المجبر بالنكاح أو الذي أذنت له صحَّ ]
إذا أقرَّ الولي المجبر بالنكاح ، فهل يصح ويكون كإقرار المرأة ؟
الجواب : نعم لأن الولي المجبر – وهو الأب في المذهب – يملك إنشاء عقد النكاح فملك الإقرار به ، وكذلك الولي غير المجبر إن أذنت له المرأة لأن المرأة إذا أذنت له ملك إنشاء عقد النكاح عليها وإذا ملك عقد النكاح ملك الإقرار به .
إذن : الإقرار بالنكاح يصح بإقرار المرأة ويصح بإقرار وليها المجبر وبإقرار وليها غير المجبر الذي أذنت له لأنه يملك عقد النكاح فملك الإقرار به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقرَّ بنسب صغير أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه منه ]
إذا أقرَّ بنسب صغير فقال – مثلاً – هذا الطفل ابن لي أو أخٌ لي ، وقيَّده بالصغير لأنه إن كان كبيراً بالغاً فلابد وأن يصدِّق هذا الإقرار .
كذلك لابد أن يكون الصغير و مثل ذلك المجنون لابد أن يكونا مجهولي النسب لأنه إن كان معلوم النسب فلا يصح ادعاء نسب آخر له .
فإذا ادعى على هذا الصغير أو المجنون مجهول النسب أنه ابنه أو أخوه أو ابن أخيه فإن نسبه يثبت منه ، فالشارع متشوف إلى إثبات النسب ، وهذا المقرّ يُقرُّ بحق عليه فقُبل إقراره .
لكن إن كان المُقرُّ له بالغاً فأنكر ذلك فإن الإقرار حجة قاصرة ، فلا يصح الإقرار على الغير ، بل يصح على النفس فلو أن رجلاً أقرَّ على نفسه وعلى شريكه فيلزمه ذلك ولا يلزم شريكه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإن كان ميتاً ورثه ]
فإذا كان هذا المُقرُّ له ميتاً ورثه المقر ، لأن الإرث يترتب على النسب وقد ثبت النسب فيترتب على ذلك الإرث .
وصوَّب صاحب الإنصاف : أنه لا يرثه للتهمة فلو أن رجلاً مجهول النسب لا يعرف نسبه له أموال كثيرة طائلة فلما مات جاء رجل وقال : هو ابني أو أخي ، فهل يُقبل هنا الإقرار .
كلام المؤلف يدل على أنه يقبل لأنه أثبت نسبه إليه ومن ثم يثبت إرثه .
والقول الثاني : أنه لا يرثه للتهمة و هذا أظهر لكن ليس على إطلاقه ، فلو أن التهمة انتفت.
كما لو كان الإرث ليس بالكثير فدعواه ممكنة والتهمة ضعيفة فالمقصود أن الحكم يدور وجوداً وعدماً مع التهمة ، فإذا كانت التهمة ظاهرة لم نقبل وإلا قبلنا . ومثل ذلك الإقرار لوارث ، فإذا انتفت التهمة فكذلك .
فلو أن رجلاً له بنت وابن عم ، فلو أنه أقرَّ لابن عمه بشيء من المال لم يكن متهماً بخلاف ما لو أقرَّ لابنته .
و هذا هو مذهب مالك في المسألة السابقة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن ادعى على شخص بشيء فصدقه صحَّ ]
أي صح إقراره .
هذه المسألة يبين فيها المؤلف أن الإقرار يصح بكل لفظ يدل عليه ، فإذا قال له : " لي عليك عشرة آلاف " فقال : " صدقت " فيكون ذلك إقراراً ". أو قال : " أليس لي عليك عشرة آلاف " فقال : " بلى " أو كان من العامة فقال : " نعم " فإن ذلك يُعتبر إقراراً .
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إذا وصل بإقراره ما يسقطه مثل أن يقول : له علي ألف لا يلزمني ونحوه لزمه الألف ]
إذا وصل بإقراره ما يسقطه ، بمعنى : أقرُّ لكنه وصل بإقراره ما يسقط الإقرار وينفيه .
فمثلاً : قيل له : أليس لفلان عليك ألف ، فقال : له علي ألف لا تلزمني .
أو قال : له عليَّ ألف هي ثمن خمرٍ ، ومعلوم أن ثمن الخمر باطل ، أو قال : له علي ألف هي حُلوان كاهن ، ونحو ذلك فما الحكم ؟
قال هنا : لزمه الألف ، لأنه أقرَّ أولاً بما يثبت الحق ثم ناقض نفسه فنفاه ، وعليه فلا تُقبل هذه الوصلة من الكلام إلا ببينة ، فإذا قال : " له علي ألف لا تلزمني " فيُقال له : أقم البينة على أن هذه الألف لا تلزمك وإلا فهي لازمة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن قال : كان له علي فقضيته ، فقوله مع يمينه ]
إذا قال : كان له علي ألف ريال لكني قضيته فما الحكم ؟
قوله الثاني المتصل بقوله الأول لا يناقض القول الأول فحينئذ لما كان هذا هو إقراره فإنا نصدقه في قوله لأنا لم نعلم بثبوت الحق إلا بإقراره فكان مؤتمناً على قوله فحينئذ يصدق قوله وتكون عليه اليمين ، فنقول : أحلف إنك قد قضيته .
وقال أبو الخطاب من الحنابلة : بل يكون مثبتاً مقراً ، ومدعياً فهو مقر بأن عليه ألفاً ، وفيها أنه قد قضى .
فنقول : عليك البينة .
والراجح هو الأول لما تقدم فإن تعليله أقوى فإن هذا الرجل لم يثبت الحق إلا بإقراره فكان مؤتمناً على قوله فلم يلزمه أكثر من إقراره لأنا إذا قلنا له هات بينة لزمه أكثر من إقراره .
إذن : الصحيح ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم كما قرره المؤلف هنا .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ما لم تكن بينة أو يعترف بسبب الحق ]
إذا كانت هناك بينة تدل على الحق فلا يقبل قوله " وأني قضيته " وذلك لوجود البينة .
وكذلك إذا كان اعترف بسبب الحق فقال : له علي عشرة آلاف ثمن مبيع و لكني دفعتها له فنقول له : لما ذكرت سبب الحق فحينئذ ، لابد من بينة لأن ذكر سبب الحق يوجب الحق فيكون كالبينة فعلى ذلك لا يقبل قوله : " قضيته" إلا ببينة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن قال : له علي مائة ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ثم قال زيوفاً أو مؤجلة لزمه مائة جيدة حاله ]
قال : لفلان علي مائة ثم سكت ، ثم قال : زيوفاً أي دراهم رديئة وهذه من أنواع الدراهم عندهم في السابق .
أو قال : " مؤجلة " فإنه يلزمه مائة جيدة حاله ، وذلك لأن هذا هو مقتضى إطلاقه ، فإنه قال : " له علي مائة " فمقتضى هذا الإطلاق أنها حاله و أنها جيدة وأما الرافع الذي ذكره وهو قوله : " زيوفاً أو مؤجلة " فهو رافع منفصل فلم يغير من الحكم شيئاً .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقر بدين مؤجل فأنكر المقر له الأجل فقول المقر مع يمينه ]
هذه كالمسألة المتقدمة .
قال رجل لفلان علي مائة ألف ريال إلى سنة ، فقال المُقَر له قد أثبت على نفسك الحق لكنها ليست إلى سنة بل هي حالة الآن فأحضر البينة التي تدل على أنها مؤجلة .
فنقول له : هذا المُقِر مؤتمن على قوله قد أقر بنفسه فلم يلزمه أكثر من إقراره وعليه فالقول قوله مع يمينه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن أقر أنه وهب أو رهن و أقبض أو أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر القبض ولم يجحد الإقرار وسأل إحلاف خصمه فله ذلك ]
معلوم أن من وهب إنساناً شيئاً فإنه لا يلزم إلا بالإقباض كما تقدم في مشهور مذهب أحمد .
فلو أن رجلاً أقر على نفسه أنه قد وهب زيداً داره وأقبضه إياها أو قال : وهبته عشرة آلاف وأقبضته إياها ثم لما أتى إلى القاضي قال : نعم أنا قد وهبته لكني لم أقبضه فنقول له : إنك قد أقررت فيقول : إني إنما أقررت لجريان العادة بذلك ، فإن الكثير في مسألة الهبة أن يقر بالإقباض الواهب لتنقطع علاقته بها وإن كان لم يقبض حقيقة فلجريان هذه العادة يقول : حلفوا خصمي فإن حلف أني قد اقبضته فهي له ، فهل نحلفه ؟
الجواب : نعم نحلفه لجريان العادة بمثل هذا أي بالإقرار بالهبة مع عدم الإقباض .
إذن العادة تصدقه في دعواه وحينئذ فنحلف خصمه فإن حلف أنه أقبضه أحد الهبة وإن لم يحلف فحينئذ نرجع اليمين إلى الأول لأنه منكر للإقباض .
كذلك في ثمن المبيع والرهن .
وثمن المبيع هذه تقع كثيراً فالآن كتابة العدل لا تكتب الدار أو الأرض حتى يثبت لهم إن الثمن قد قبض ، فتبايع اثنان على أرض – مثلاً بثمن قدره عشرة آلاف ريال ، وقالوا : نريد أن نفرعها باسم المشتري عند كتابة العدل ، فلما ذهبوا إلى كاتب العدل قال : صاحب الدار : أقر أني أخذت الثمن كاملاً فلما كان بعد زمن أنكر المشتري أن تكون هذه الأشياء مجرد أشياء رسمية ، وقال : أنا قد أعطيتك حقك وأنت قد أقررت بذلك عند كاتب العدل ، فذهبا إلى القاضي ، فهل يستحلف القاضي الخصم على أنه قد أقبضه الثمن فيقول للمشتري : أحلف إنك قد أعطيته الثمن؟
الجواب : نعم نستحلفه ، فإن حلف وإلا رجعت اليمين على المدعي الذي هو المقر .
إذن : العادة جارية بمثل هذا أي بأن يقر بالقبض أو الإقباض لمصلحة ، فالعادة جارية بهذا قديماً وحديثاً .
ولذا فإن هذا الإقرار لا يحكم عليه به حتى يحلف الخصم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن باع شيئاً أو وهبه أو أعتقه ثم أقر إن ذلك كان لغيره لم يقبل قوله ]
رجل قال : من يشتري هذه السيارة ، فقال : رجل آخر أنا اشتريها فاشتراها بعشرة آلاف ، فلما أخذ البائع العشرة آلاف قال : هذه ليست سيارتي وإنما سيارة زيد من الناس فما الحكم ؟
الجواب : أنه لا يقبل قوله لأن إقراره في حق غيره والإقرار حجة قاصرة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولم ينفسخ البيع ]
لأنه قد توفرت شروطه ، والإقرار هنا لا يقبل ، وعليه فالبيع صحيح .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا غيره ]
كالعتق ، فلو أن رجلاً اعتق عبداً ، ثم قال : هذا العبد ليس ملكاً لي أو وهب داراً وقال : هي ليست ملكاً لي فهل يبطل العتق وهل تبطل الهبة ؟
الجواب : لا يبطل العتق و لا الهبة كالبيع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولزمته غرامته للمقر له ]
فنقول : أنت تقول إن السيارة لزيد فاذهب إلى زيد فأعطه حقه وهو قيمة هذه السيارة .
لكن إن أحضر بينة أنها ليست له ، فهل ينفسخ البيع بذلك ؟
الجواب : نعم ينفسخ البيع بذلك ولذا قال :-
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإن قال لم يكن ملكي ثم ملكته بعد وأقام بينة قبلت ]
للبينة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إلا أن يكون قد أقر أنه ملكه أو أنه قد قبض ثمن ملكه لم يقبل منه ]
رجل قال : من يشتري سيارتي هذه ؟ أو من يشتري داري هذه ؟
ثم اشتراها رجل ثم أقام البائع ببينة أن هذه السيارة أو الدار ليست له ، فهل تقبل هذه البينة أم لا ؟
الجواب : لا تقبل لأنه مكذب لها لأنه قال : " من يشتري سيارتي هذه " .
ومثل ذلك : لو باع سيارة ثم قال قد قبضت ثمن ملكي ثم بعد ذلك أقام بينة أنها ليست له ، فإنها لا تقبل منه البينة لأنه مكذب لها .
فصل
هذا الفصل في الإقرار المجمل ، والإقرار المجمل هو الإقرار غير المفسر وهو الذي يُحتمل معنيين فأكثر على الاستواء .
قال المؤلف رحمه الله : [ إذا قال له : عليَّ شيء أو كذا قيل له : فسره ]
إذا أقرَّ عند القاضي أن لزيد عليه شيء أو كذا وكذا فما الحكم فإنه يطالب بتفسيره .
إذن : يقبل إقراره المجمل لكن لا يمكن القاضي إن يحكم بذلك فلا يتأتى الإلزام لأنه مجهول .
فيُقال له : فسره لأنه إقرار منه فلم يعلم تفسيره إلا من جهته .
قال المؤلف رحمه الله : [ فإن أبى حبس حتى يفسره ]
لحق الآدمي .
قال المؤلف رحمه الله : [ فإذا فسره بحق شفعةٍ أو بأقل مالٍ قبل ]
كأن يقول له علي ريال واحد أو حق شفعة فإن ذلك يُقبل .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن فسره بميتة أو خمر أو قشر جوزة لم يُقبل ]
أو قال له حبة شعير أو حبة حنطة أو شطر تمرة فلا يُقبل لأن هذا لم تجر العادة بالإقرار به .
لكن قد يكون بعضه يجري العادة به في بعض الأزمان كالتمرة يمكن أن يُقرَّ بها في وقت مجاعة لكن في غير مجاعة لا يمكن الإقرار بها .
إذن : لابد أن يفسره بما يجري العادة بالإقرار به أما لو قال : حقه علي رد السلام عليه ، أو تشميته إن عطس ونحو ذلك أو تشييع جنازته إن مات فلا يُقبل منه ذلك لأن هذا لم تجر العادة بالإقرار به .
قال المؤلف رحمه الله : [ ويقبل بكلب مباح نفعه ]
لأنه واجب رده فهو حق ، والكلب المباح ككلب صيد أو كلب ماشية أو نحو ذلك .
قال المؤلف رحمه الله : [ أو حد قذف ]
قال : حقه علي أن أجلد ثمانين سوطاً لأني قد قذفته فيُقبل ذلك لأنه حق وهو مما يُقرُّ به في العادة .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن قال : له علي ألف رُجع في تفسير جنسه إليه ]
فإذا قال : لزيد علي ألف ، فيُقال من ماذا ؟ ألف درهم أو ألف دينار أو ألف من الثياب أو من القمص فيرجع بالتفسير إليه .
قال المؤلف رحمه الله : [ فإن فسره بجنس واحد ]
كأن يقول : له علي ألف درهم قبل ذلك لأنه لا يعلم إلا من جهته فيقبل قوله .
قال المؤلف رحمه الله : [ أو بأجناس قبل منه ]
كأن يقول : له علي خمسمائة درهم وخمسمائة دينار فيُقبل منه ذلك .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن قال : له علي ما بين درهم وعشرة لزمه ثمانية ]
لأن الذي بين الدرهم والعشرة ثمانية دراهم .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن قال : ما بين درهم إلى عشرة أو من درهم إلى عشرة لزمه تسعة ]
والرواية الثانية : أنه يلزمه عشرة لأن الغاية تدخل في المغيا ، لأن العشرة من جنس الدراهم وهذا أظهر .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن قال له علي درهم أو دينار لزمه أحدهما ]
إذا قال : له علي إما درهم أو دينار فيلزمه أحدهما فنقول لابد أن يُعين لأن القول قوله .
وهنا المؤلف قد أجرى هذه الإقرارات على اللغة والصحيح إجراؤها على العرف كما قرره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى .
فألفاظ الناس تجري على أعرافهم وعاداتهم .
فنحن في عرفنا إذا قال : له علي ألف فإنه يريد ألف ريال . وإذا قال له علي ما بين عشرة آلاف إلى مائة ألف فهو لا يريد تسعين ألفاً ، وإنما يريد إما عشرة أو عشرين أو أربعين أو خمسين أو نحو ذلك هذا في عرف الناس .
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن قال : له علي تمر في جراب أو سكين في قراب أو فصٌ في خاتم ونحوه فهو مقر بالأول ]
لأن هذا هو مقتضى لفظه .
إذا قال لزيد علي سكين في قراب " وهو ما تدخل فيه السكين " فإنه يلزمه السكين فقط .
وكذلك إذا قال : له علي فص في خاتم فإنه يلزمه الفص لا الخاتم .
وكذلك إذا قال : له علي تمر في جراب فإنه يلزمه التمر لأن هذا مقتضى لفظه .
لكن لو قال : " له علي سيف في قراب " فيلزمه القراب لأن السيف في العادة لا يخرج من قرابه إلا عندما يراد للضرب فتعم .
أما السكين فإنها توضع في أكثر الأحوال بلا قراب كذلك لو قال : له علي خاتم فيه فص فإنه يلزمه الخاتم والفص لأن هذا هو مقتضى لفظه .
وبهذا نختم شرح الكتاب والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين