كتاب الزكاة
الزكاة في لغة العرب : هي النماء والزيادة ، يقال : زكا الزرع ، إذا نما .
وسمي المخرج زكاة ؛ لأنه يزيد في المال ويقيه الآفات .
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( ثلاث أُقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة ، ولا ظُلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عز وجل عزاً ، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ) .
فالصدقة لا تنقص المال ، لكنها تبارك فيه ، كما أنها تطهر المال من الوسخ ، ولذا قال النبي e في الزكاة :
( إنها لا تحل لآل محمد ، إنها من أوساخ الناس ) .
وهي في الشرع : حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص .
قال المؤلف رحمه الله : [ تجب ]
فالزكاة واجبة شرعاً ، ودليل ذلك كتاب الله وسنة نبيه e وإجماع الأمة .
أما الكتاب ، فقد قال تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( .
وأما السنة ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي e قال لمعاذ بن جبل t حين بعثه إلى اليمن : ( وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) .
وقد أجمعت الأمة على فرضيتها ، وأن منكر وجوبها كافر خارج عن الإسلام ؛ لأن وجوبها معلوم من الدين بالضرورة , والقاعدة : أن ما علم من الدين بالضرورة كفرضية الصلاة والزكاة والحج أن إنكاره كفر بالله ؛ لأنه تكذيب للكتاب والسنة .
أما من تركها بخلاً ، فإنه لا يكفر بذلك ، كما هو مذهب جماهير أهل العلم ، ودليل ذلك : ما ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار ، فأحمي عليها في نار جهنم ، فتكوى بها جنبه وجبينه وظهره ، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ، فيُرى – وضبطت : فيَرى – سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ) .
والكافر سبيله إلى النار حتماً ، فدل هذا على أن تارك الزكاة تكاسلاً مع إقراره بوجوبها أنه لا يكفر .
فإن كان تاركها تحت يد الإمام ، فإنه يلزمه بها ويأخذ شطر ماله تعزيراً على الصحيح ، لحديث : ( ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ) رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن وقال أحمد : " هو عندي صالح الإسناد " ، وهو قول إسحاق .
وأما إذا كان تاركها ليس تحت قبضة الإمام ، بأن كانت طائفة ممتنعة ، كأن تمتنع جهة من الجهات عن أداء الزكاة للإمام ولهم قوة وشوكة ، فإن الإمام يقاتلهم حتى يؤدوا الزكاة .
وقد حكى شيخ الإسلام اتفاق المسلمين على أن الطائفة الممتنعة عن أداء شعيرة من الشعائر الإسلامية الظاهرة ، كالصلاة والزكاة ونحوها ، أو الممتنعة عن ترك شيء من المحرمات الظاهرة كالربا والزنا أنها تقاتل .
قال : [ بشروط خمسة ]
هذه شروط وجوب الزكاة ، فلا تجب الزكاة إلا بتوفرها .
قال : [ حرية ]
هذا هو الشرط الأول ، وهو الحرية ، فالعبد لا زكاة عليه ؛ وذلك لأنه لا مال له ، والزكاة إنما تؤخذ من أصحاب الأموال , وأما العبد فإنه مال لسيده ولا يملك ، ولذا قال النبي e : ( من باع عبداً وله مال – أي معه
مال – فماله للذي باعه ) متفق عليه .
قال : [ وإسلام ]
فالكافر لا تجب عليه الزكاة ، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا ، وقد قال تعالى : ) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ( .
فالزكاة منهم لا تصح ، ولا تجب ، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا ، وهذا بإجماع الصحابة y ، ولذا لم يكونوا يأخذون من الذميين الزكاة ، وإنما كانوا يلزمونهم بالجزية , فالزكاة لا تجب على كافر .
وإن أسلم فلا يجب عليه قضاؤها ، ويستأنف حولاً جديداً ، أي يستأنف الحول من إسلامه ؛ لقوله تعالى : ) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ( .
قال : [ وملك نصاب ]
" النصاب " : هو القدر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه .
هذا هو الشرط الثالث : أن يملك النصاب الزكوي من الأموال الزكوية . وسيأتي الكلام على الأنصبة .
فمن ملك النصاب من الغنم فعليه الزكاة ، وهكذا في بقية الأموال الزكوية التي فيها الأنصبة .
أما إن كان ماله لا يبلغ النصاب ، فإنه لا تجب عليه الزكاة ، فنصاب الذهب مثلاً : عشرون ديناراً ، فإن ملك تسعة عشر ديناراً ، فلا زكاة عليه ، ونصاب الغنم : أربعون شاة ، فإن ملك تسعاً وثلاثين شاة ، فلا زكاة عليه . وهذا باتفاق العلماء , وهو ظاهر الأحاديث النبوية في تقدير الأنصبة ، فإن ظاهرها أن من لم يملك النصاب المسمى ، فإنه لا زكاة عليه .
وعند قوله : " وملك نصاب " ، علّق الزكاة بملك النصاب ، فتثبت الزكاة بملك النصاب ، ولو كان المالك صغيراً أو مجنوناً ، ولذا لم يذكر التكليف في الشروط , فالزكاة تجب على الصغير في ماله ، وتجب على المجنون في ماله ؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بالمال ، فلم ينظر فيها إلى المالك ، فأشبهت قيم المتلفات وأروش الجنايات والنفقة على الأقارب ، فإن هذا كله يجب على غير المكلف .
لتعلق حق الآدمي بها ، وهنا كذلك ، فإن الزكاة يتعلق بها حق الآدمي من أهل الزكاة , هذا مذهب جمهور العلماء ، وعليه تدل آثار الصحابة y ، كقول عمر t فيما صح عنه عند الدارقطني : " اتجروا بمال اليتيم لا تأكله الصدقة " , والبالغ لا يسمى يتيماً ، وإنما اليتيم هو الصبي ، ونحوه عن عائشة رضي الله عنها ، ولا يعلم لهم مخالف.
- وقال الأحناف : لا تجب إلا على المكلف ؛ واستدلوا بقوله e : ( رفع القلم عن ثلاثة - وذكر منهم - والصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يعقل ) .
والجواب أن يقال : إن هذا في العبادات التي لا تعلق لها بحق الغير ، أما العبادات التي لها تعلق بحق الغير ، فهذه واجبة بدليل ما تقدم من نفقة الأقارب وقيم المتلفات ، فإنها متعلقة بحق الآدمي فلا ينظر فيها إلى المكلف ، بل إلى المال نفسه , كما أن هذا الحديث مُخَصص بأقوال الصحابة y ، فإن الصحابة أقوالهم تخصص الأدلة ، فعلى القول بدخول الزكاة في هذا الحديث للعموم ، فإن آثار الصحابة تدل على التخصيص . فالراجح هو مذهب جمهور أهل العلم من وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون .
قال : [ واستقراره ]
أي تمام الملك , وهو المال الذي بيده لا يتعلق به غيره بتصرف فيه حسب اختياره وفوائده له , فإن لم يكن كذلك فلا زكاة فيه ولهذا أمثلة منها :
1- حصة المضارب من الشركة – أي العامل – لأن الربح وقاية لرأس المال وحصة المالك من الربح فيها الزكاة لآنها تابعة لأصل مستقل .
2 - الوقف الذي على معين ، فلو أوقف رجل مالاً على ذريته ، فلا زكاة فيه ؛ لأن ملكيتهم ليست بتامة ، فإنه لا يمكنهم التصرف فيه ببيع ولا شراء ولا غير ذلك .
ودليل هذا قوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( ، وقوله e : ( أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم ) ، وهذا ليس بمال مستقر بل هو عرضة للسقوط , فعلى ذلك الشرط الرابع تمام الملك أو استقراره .
وأما الأجرة والصداق فتجب الزكاة فيه بالعقد وإن لم تستوفَ منه المنفعة ؛ لأن الملك في جميعه مستقر وتعريضه للزوال لا تأثير له .
قال : [ ومضي حول ]
هذا الشرط الخامس ، وهو مضي الحول ، والحول هنا هو الحول الهلالي القمري بلا خلاف بين العلماء ، قال تعالى : ) يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ( أي أهلة القمر التي تثبت بها السنة القمرية , فالحول هنا هو الحول القمري أي السنة القمرية ، فإذا مضى الحول بالسنة القمرية وهي اثنا عشر شهراً ، فإن الزكاة تجب ، وهذا باتفاق العلماء . وفي سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي e قال : ( ليس في مال زكاة حتى يحول عليه
الحول ) ، والصحيح وقفه على علي t ، ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في سنن ابن ماجه ، والصحيح الوقف أيضا , وعن ابن عمر رضي الله عنهما عند الترمذي والصحيح وقفه أيضاً ، فهذه آثار موقوفة على الصحابة ولا يعلم لهم مخالف والسنة العملية تدل على ذلك .
قال : [ في غير المعشر ]
المعشرات : وهي الحبوب والثمار ، فلا يشترط لها مضي الحول لقوله تعالى : ) وآتوا حقه يوم حصاده ( .
وتلحق بهما : المعادن وكذلك الركاز والعسل .
قال : [ إلا نتاج السائمة وربح التجارة ]
فما تنتجه السائمة من بهيمة الأنعام فنتاجها وكذلك ربح التجارة هو فرع يلحق بأصله في الحول ، فحوله حول أصله .
مثال ذلك : رجل عنده أربعون شاة ، وقبل أن يتم عليها حول أنتجت كل شاة منها سخلتين أو أكثر فزادت أنها زادت على ما يجب في أصلها ، فأصلها أربعون ، فيه شاة ، وفي الأصل والنتاج شاتان ، فنعتدّ بالصغار ، فتلحق بأصولها في مضي الحول , وعليه عمل السعاة في عهد النبي e وأصحابه t ، وقد ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن سفيان بن عبدالله أن عمر t : " بعثه مصدقاً ، فكان يعد على الناس بالسخل " ، يعني يحتسب عليهم السخل ، فقالوا : إنك تعتد علينا بالسخل ولا تأخذها – فإن الساعي لا يأخذ الصغار بل يأخذ من وسْط المال ، الجذعة والثنية ، فذكر ذلك لعمر t ، فقال عمر t : " نعم تعد عليهم السخلة يحملها الراعي – أي يحملها بيده – ولا نأخذها ، ولا نأخذ الأكولة " وهي التي تسمن لتؤكل ، وهي من خيار المال ، " ولا الرُبَّاء " وهي المرضع تربى ولدها ، " ولا الماخض " وهي الحامل ، " ولا فحْل الغنم ، ونأخذ الجذعة والثنية ، وهذا عدل بين غِذاء المال - أي
صغاره – وخياره ".
فهذا قول عمر t ولا يعلم له مخالف .
ومثل ذلك أيضا : ربح التجارة ، فمثلاً : رجل عنده عروض تجارة تساوي عشرة آلالف ريال ، فلما مضى الحول فإذا بها تساوي عشرين ألفاً ، فإنه يزكي عن عشرين ألفاً .
قال : [ ولو لم تبلغ نصابا ]
أي وإن كانت السخال لم تبلغ نصاباً ، فإنها محسوبة مع أصلها .
قال : [ فإن حولهما حول أصليهما إن كان نصاباً ]
أي إن كان هذا الأصل نصاباً كما تقدم في المثالين السابقين .
قال : [ وإلا فمن كماله ]
صورة ذلك : رجل في الشهر المحرم امتلك ثلاثين شاة فأخذت بالنتاج ، فبلغت بعد ثلاثة أشهر ، أربعين : ثلاثون شاة وعشر سخال ، فهذه أربعون ، ثم أخذت بالنتاج بعد ذلك ، فإن الحول لا يكون من الشهر المحرم ؛ لأنها كانت فيه ثلاثين ، وإنما يكون هذا بعد ثلاثة أشهر منه ، أي في شهر ربيع الثاني ، حيث بلغت أربعين .
إذاً : النتاج له حول الأصل حيث كان الأصل نصاباً ، أما إن لم يكن الأصل نصاباً ، فإن الحول يكون من الكمال .
وظاهر كلام المؤلف أن ما يطرأ على المال من جنسه مما لم يتولد منه أن له حولاً جديداً ، وهذا مذهب جمهور العلماء .
مثال ذلك : رجل عنده مائتا دينار ، امتلكها في شهر المحرم ، ثم أهدي إليه بعد شهر أو شهرين مائة دينار ، أو ورث مائة دينار ، فهذا الإرث وهذه الهبة ليست متولدة من ماله الأول ، فيستأنف بها حولاً جديداً ؛ لعموم الآثار المتقدمة التي فيها أنه ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول ، وهو مال له حكم مستقل ، فليس بمتولد من المال الأول .
وإن كانت زكاته مع المال القديم أيسر له لكن هذا لا يجب عليه .
قال : [ ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره على مليء أو غيره أدى زكاته إذا قبضه لما مضى ]
" من كان له دين " : والدين ما ثبت في الذمة من قرض وثمن مبيع وأجرة وغير ذلك .
" أو حق " : من مغصوب أو مسروق أو وديعة ويرجع المغصوب منه على الغاصب بالزكاة ؛ لأنه يضمن تلفه فكذلك نقصه .
" من صداق " : أي صداق الزوجة .
" أو غيره " : كعوض الخلع .
" على مليء " : وهو القادر على الوفاء الباذل له .
" أو غيره " : وهو من كان غير مليء أو كان مليئاً غير باذل للحق .
" أدى زكاته إذا قبضه لما مضى " من السنة .
ولا يجب عليه أن يؤدي زكاته في كل سنة لاحتمال أن يتلف مال من عليه الدين أو يعسر أو يجحد فرخص له بأن يؤخر زكاته حتى يقبضه , وهو قول علي t كما في كتاب الأموال بإسناد صحيح .
فإن كان الدين على مليء باذل فوجوب الزكاة فيه ظاهر لعمومات الأدلة كقوله تعالى : ) خذ من أموالهم
صدقة ( وقوله e : ( فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم ) .
وما كان على مليء باذل هو في حكم المال الموجود .
وأما إن كان على معسر أو مماطل أو كان مغصوباً أو ضائعاً أو مسروقاً فالمشهور في المذهب ما تقدم وأن الزكاة تجب فيه عند قبضه لما مضى .
وعن الإمام أحمد وهو مذهب مالك واختيار الشيخ محمد بن عبدالوهاب واختيار شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين أنه يزكيه سنة القبض لسنة واحدة فيكون كالثمرة .
وذهب أبو حنيفة وهو قول في مذهب أحمد والشافعي واختاره شيخ الإسلام : أن الزكاة لا تجب فيه ؛ لأن هذا المال لا يمكنه أن ينتفع به ولا يتصرف فيه ولأنه ليس محلاً للنماء والزيادة وهذا هو الراجح .
قال : [ ولا زكاة في مالِ من عليه دين ينقص النصاب ]
فيسقط من المال بقدر الدين المانع ثم يزكي ما بقي إن كان نصاباً وإن لم يكن من جنس المال , فمن كان عنده أربعون شاة مثلاً وعليه دين قدره ألف ريال لا تجب عليه الزكاة وإن كان عنده خمسون شاة وعليه ألفا ريال تقابل عشر شياه فعليه الزكاة .
قال : [ ولو كان المال ظاهراً ]
الأموال قسمان :
الأموال الباطنة : وهي الأثمان وعروض التجارة ، فالأثمان وهي الذهب والفضة والنقود المعاصرة ، هذه أموال باطنة ، وعروض التجارة كذلك أموال باطنة ؛ لأن قيمتها أثمان ، فكانت بحكمها .
وقال بعض الحنابلة : بل الأموال الباطنة هي الأثمان فقط ، وأما عروض التجارة ، فهي أموال ظاهرة . وهذا فيما يظهر لي أقوى ؛ لأن الفقراء يشاهدونها فتتعلق بها أطماعهم .
الأموال الظاهرة : وهي المواشي والحبوب والثمار .
فهنا المؤلف ذكر أن الديون التي تنقص النصاب لا توجب الزكاة ، سواء كانت الأموال باطنة أو ظاهرة .
فمن كان عليه دين ، وعنده مواشي أو عنده حبوب وثمار أو ذهب وفضة قد بلغت أنصبتها ، وهذه الديون التي عليه تنقص النصاب ، فإن الزكاة لا تجب عليه . هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة ؛ قالوا : لأن الزكاة المقصود منها مواساة الفقير ، ومن عليه دين يحتاج إلى المواساة ، ولذا كان من أهل الزكاة ، فلم يكن مناسباً أن يؤخذ منه مال ليجبر به غيره مع حاجته إليه ، فتعطل حاجته لدفع حاجة غيره .
قالوا : ولأن النبي e قال : ( ابدأ بنفسك ) ، فيبدأ بحاجة نفسه ، قالوا : ولما ثبت في موطأ مالك وكتاب الأموال لأبي عبيد بإسناد صحيح : أن عثمان t قال على منبر النبي e : " هذا شهر زكاتكم ، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم " ، قالوا : فقد قال عثمان هذا في محضر من الصحابة ولم ينكر عليه ، فكان ذلك إجماعاً .
وثبت في سنن البيهقي بإسناد جيد عن ابن عباس وابن عمر في الرجل يستقرض المال فينفقه على ثمرته وأهله ، فقال ابن عباس : " يخرج ما أنفق على ثمرته وأهله ثم يزكي ما بقي " ، وقال ابن عمر : " يخرج ما أنفق على ثمرته ثم يزكي ما بقي " .
وقال الشافعية : بل عليه الزكاة مطلقاً وإن كان عليه دين ينقص النصاب ؛ لأنه مال ، فيدخل في عموم الأموال التي تجب الزكاة فيها واختاره شيخنا الشيخ محمد والشيخ عبدالعزيز بن باز رحم الله الجميع .
- وقال الجمهور : الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة دون الباطنة ؛ وذلك لأن السعاة في عهد النبي e وعهد أصحابه y لم يكونوا يستفصلون ، فلم يكونوا يسألون أصحاب المواشي وأصحاب الحبوب والثمار هل عليكم ديون تنقص النصاب أم لا ؟ فكانوا يأخذون منهم الزكاة من غير استفصال .
ولأن الفقير تتشوف نفسه إلى هذا المال الظاهر ، ويتعلق به ، فلم يكن من المناسب أن يمنع الدين الزكاة فيه ، لتشوف الفقراء إليه ، وهذا بخلاف الأموال الباطنة .
وأما الحنابلة ، فقالوا : الدين إذا كان ينقص النصاب في الأموال الظاهرة ، فإنه لا تجب فيها الزكاة ؛ كالأموال الباطنة .
ولقول النبي e : ( لا صدقة إلا عن ظهر غنى ) ، وهذا من أهل الزكاة ، فليس من المناسب أن يعطى من الزكاة لديونه ، وتؤخذ منه الزكاة . فالزكاة إنما تؤخذ من الأغنياء الذين ليسوا بحاجة إلى الزكاة ، وهذا بحاجة إلى الزكاة . وهذا القول هو أرجح الأقوال .
وأما عدم استفصال السعاة فلأن الأصل هو براءة الذمة من الديون ، ولأن من عليه دين فإنه يخبر عن نفسه ويقول : إن عليّ دين .
وأما كون الفقراء تتشوف نفوسهم إلى المال ، فحاجة صاحب المال أولى من حاجة غيره ، فإن صاحب المال متشوفة نفسه لقضاء دينه وإبراء ذمته ، وهو محتاج إلى هذا المال الذي يؤخذ منه ، فكان أولى من غيره .
فالأظهر ما ذهب إليه الحنابلة في هذه المسألة ، وأن زكاة المال لا تجب على من عليه دين ينقص النصاب ، سواء كان المال باطنا أو ظاهراً .
وقول المؤلف : " ولو كان المال ظاهرا " إشارة إلى الخلاف في هذه المسألة ، وأحد الوجهين في المذهب : أن الزكاة في الأموال الظاهرة واجبة إن كان الدين ينقص النصاب ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، ومذهب جمهور العلماء واختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله .
ولا فرق فيما تقدم بين الدين الحال والدين المؤجل عند جمهور العلماء .
وعن الإمام أحمد وهو قول ابن حبيب من المالكية وبعض فقهاء الحنفية أنه يشترط أن يكون الدين حالاً بأن يكون مطالباً به في الحال .
وفيه قوة إلا أن يشاء قضاء دينه المؤجل فله ذلك وهذا ظاهر قول عثمان t , ويترتب على هذا وجوب الزكاة على من عليه دين للصندوق العقاري بعد خصم القسط السنوي والله أعلم .
قال : [ وكفارة كدين ]
وكذا نذر مطلق ؛ لأنه يجب قضاؤه أشبه دين الآدمي .
فلو أن رجلا عليه كفارة عتق رقبة أو كفارة إطعام أو دم لحج ، وكانت هذه الكفارة تنقص النصاب الزكوي ، فلا تجب عليه الزكاة أيضاً .
قال : [ وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله حين ملكه ]
فلو أن رجلاً عنده نصاب من المواشي ، لكنها صغار من صغار الإبل أو صغار الغنم أو صغار البقر .
كأن يملك أربعين سخلة أو أربعين من الفصلان أو العجول ، وكانت سائمة فإن كانت تتغذى باللبن فقط فلا زكاة فيها وينعقد الحول في السائمة منها من حين ملكها ، فلا ننتظر حتى تبلغ السن المجزئة في الأضحية .
لعموم قوله e : ( في الغنم في سائمتها ) الحديث ، فالصغار غنم ، ومثلها الإبل والبقر .
ويجزئ عند جمهور العلماء وهو المذهب إخراج الصغير ؛ وذلك لأن المخرج يكون من جنس المال في الأصل ، لقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( ، ولقول عمر t فيما تقدم : " هذا عدل بين غذاء المال وخياره " فكما أخذت الجذعة والثنية لأنها عدل بين صغاره وبين خياره ، وهنا العدل أن يؤخذ صغيراً ، لأن المال كله صغار .
قال : [ وإن نقص النصاب في بعض الحول ... انقطع الحول ]
إذا نقص النصاب الزكوي في بعض الحول ، فإن الحول ينقطع ؛ لأن وجود النصاب في جميع الحول شرط للوجوب .
مثال ذلك : رجل ملك أربعين شاة في أول محرم ، فيجب عليه في آخر السنة أي في آخر شهر ذي الحجة أن يزكيها ، لكن في أثناء الحول نقصت شاة واحدة ، كأن يضحي بشاة ويبيع النتاج .
لكن يستثنى من ذلك الزمن اليسير عرفاً ، كالساعة أو الساعتين ونصف اليوم ، كأن تموت له شاة في أول النهار ، وتوهب له شاة في آخره ، فإن هذا لا يؤثر ؛ لأنه لا يسمى في العرف نقصاً وهو المشهور في المذهب .
قال : [ أو باعه أو أبدله بغير جنسه ]
المبادلة نوع من البيع ، ومراد المؤلف هنا بالبيع ما كان بنقد ، والمبادلة بعين ، وإلا فإن المبادلة نوع من أنواع البيع .
وهي كمبادلة الإبل بالغنم ، ومبادلة البقر بالإبل ، ونحو ذلك .
فإذا باع النصاب الزكوي أو أبدله بغير جنسه ، انقطع الحول .
مثال ذلك : رجل عنده أربعون شاة ، فباعها بإبل ، أو باع إبلاً بدراهم ، فإنه ينقطع الحول .
فلو أن رجلاً عنده خمس من الإبل – وهو نصاب الإبل - ، فمضى عليها ستة أشهر ، فباعها بدراهم ، وبقيت الدراهم عنده ستة أشهر ، فلا يزكيها حتى يتم عليها حولاً كاملاً ؛ لأن حول الإبل قد انقطع ، ويستأنف للدراهم حولاً جديداً .
ومثل ذلك : لو باع نصاباً من الإبل مضى عليها ستة أشهر بأربعين شاة ، فيستأنف حولاً جديداً للشياه ، لحديث : ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) ، وهذه الشياه والدراهم التي بيعت بها الإبل ، أموال لم يمض عليها حول ، فلا تجب فيها الزكاة حتى يمضى عليها الحول .
قال : [ لا فراراً من الزكاة ]
إن فعل هذا فراراً من الزكاة أي حيلة ، فإنه لا ينقطع الحول ، كأن يكون عنده أربعون شاة ، مضى عليها تسعة أشهر ، فباعها بدراهم حتى يفر من الزكاة ، ثم اشترى بعد أيام شياهاً فإن الزكاة تجب عليه ؛ لأنه قصد بذلك اسقاط حق غيره فلم يسقط . وقد جاءت الشريعة بإبطال الحيل . ولعقوبته بنقيض قصده كما في قصة أصحاب الجنة في سورة القلم .
فإن ادعى عدم الفرار وهناك قرينة تدل على أنه فعل ذلك فراراً كخصومة مع الساعي لم يقبل قوله .
فإن لم تكن قرينة فالقول قوله بلا يمين ، فإذا قال : أنا لم أفعل ذلك هروباً من الزكاة ، فإن القول قوله ولا نحتاج إلى يمينه ؛ لأن الأصل معه ، فإن الأصل براءة ذمته من هذا القصد المحرم .
وتصحيح الحيل يخالف مقصود الشارع من تحريمها ، وقد قال e - فيما رواه ابن بطة بإسناد حسن - : ( لا تفعلوا كما فعلت اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ، والحيلة ليس عليها أمر النبي e ، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد ، فالحيل لا غية مردودة غير نافعة لأصحابها .
وعليه : فإذا احتال لإسقاط الزكاة فإن هذه الحيلة باطلة وهي غير مؤثرة في إسقاط الزكاة .
قال : [ انقطع الحول ]
في المسائل الثلاثة كلها وتقدم .
قال : [ وإن أبدله بجنسه بنى على حوله ]
اعلم أن الذهب والفضة وعروض التجارة جنس واحد .
أما الذهب والفضة ؛ فلأنهما قيم الأشياء ، فهي جنس واحد ، ولذا يضم بعضهما إلى بعض في الزكاة ، كما سيأتي ، فمن كان عنده عشرة دنانير ومئة درهم ، فإن الزكاة واجبة عليه .
فلو أنه عنده نصاباً من فضة ستة أشهر ثم أبدلها بذهب ، لم يستأنف حولاً جديداً .
وعروض التجارة من جنس الذهب والفضة بالنظر إلى قيمتها ، فإنها مقومة على الاستمرار ، فهي معروضة للتجارة ، فقيمها الذهب والفضة ، وتزكى أيضاً بتقويمها ذهباً أو فضة ، فكانت من جنس الذهب والفضة .
فلو أن عنده ثياباً للتجارة ، مضى عليها ستة أشهر ، ثم باعها بدراهم ، ثم مضى على هذه الدراهم ستة أشهر ، فإنه يزكيها ولا يستأنف لها حولاً جديداً ؛ لأنهما من جنس واحد ، فالثياب عروض تجارة ، وهي من جنس الأثمان من الذهب والفضة ، لأن قيمتها الذهب والفضة .
وإن كان عنده أربعون شاةً ، فأبدلها بأربعين أخرى لم يستأنف لها حولاً جديداً ، بل حولها حول ما قبلها .
ولو كانت الشياه الأخرى زائدة عليها كأن يستبدل ( 100 ) شاة بـ ( 130 ) أخرى فعليه شاتان كنتاج السائمة ولأن البدل له حكم المبدل منه والزائد تبع للأصل .
قال : [ وتجب الزكاة في عين المال ولها تعلق في الذمة ]
لقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( و " من " : للتبعيض .
ولقوله e : ( فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم ) فدل على أنها تجب في عين المال .
ولا يجب إخراج الزكاة من عين المال المزكى فيجوز إخراجها من غيره وهذا لا يمنع تعلقها بالعين كالعبد الجاني تتعلق الجناية بعينه فإذا فداه سيده أجزأ ذلك ؛ ولأن صاحب المال قد يكون متعلقاً بعين ماله فيشق عليه أن يخرج من عينه فرخص له في أن يخرج من غيره .
وعلى ذلك لو مضى حولان فأكثر على نصاب فقط كعشرين ديناراً فعليه زكاة سنة واحدة لأن الزكاة تتعلق بعين المال .
وله كذلك أن يبيع النصاب كله وتجب الزكاة في ذمته لما تقدم .
ويستثنى من ذلك من كانت زكاته من غير جنسه كخمس من الإبل فيه شاة , وكعروض التجارة فإن فيها القيمة فلا تتعلق الزكاة بالعين وإنما في الذمة .
قوله : " ولها تعلق في الذمة " : أي ذمة المزكي لأنه المطالب بها وعلى ذلك فله أن يبيع النصاب أو يهبه ولكن يضمن الزكاة .
وقال بعض العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد : تجب في الذمة ، ولها تعلق بالمال .
واستدلوا : بما تقدم من أنه يجوز له أن يخرجها من غير عين ماله ، وعلى هذا القول لو كان عنده نصاب فقط أكثر من حول زكى لكل حول .
والراجح القول الأول , والجواب عما ذكر بما تقدم من أن ذلك من باب الرخصة ونظيره تعلق أرش الجناية بعين العبد ويجوز لسيده أن يفديه .
قال : [ ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء ]
أي لا يشترط في وجوب الزكاة إمكان الأداء .
فإمكان الأداء شرط في وجوب الإخراج لا في وجوب الزكاة كسائر العبادات .
كوجوب الصوم على الحائض والمريض مع عدم إمكان الأداء وكوجوب الصلاة على النائم والمغمى عليه .
وعلى ذلك فتجب الزكاة في الدين مع عدم إمكان الأداء وتجب في المال الغائب مع عدم إمكان الأداء لكن لا يلزمه الإخراج قبل حصوله بيده .
قال : [ ولا بقاء المال ]
فبقاء المال ليس شرطاً في وجوب الزكاة فلا تسقط الزكاة بتلفه فرط أو لم يفرط ؛ لأنها وجبت وصارت ديناً في ذمته كدين الآدمي .
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو قول الموفق ابن قدامة : إذا تلف المال بتعدٍ منه أو تفريط ، فإن الزكاة تتعلق في ذمته ، وإن كان بغير تعدٍ منه ولا تفريط ، فإن الزكاة تسقط عنه ؛ قالوا : لأن الزكاة بعد وجوبها أصبحت أمانةً والأمانة لا تضمن إلا مع التعدي أو التفريط اتفاقاً , وهذا القول هو القول الراجح واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله وهو رواية عن أحمد .
وأما الجواب عن قياسهم على دين الآدمي ، فيقال : بينهما فرق ، فإن دين الآدمي محض حق للآدمي ، وأما الزكاة فتتضمن حق الله المبني على المسامحة وحق الآدمي هذا الوجه الأول .
وأما الوجه الثاني : فهو أن ديون الآدميين لا دخل لها في باب المواساة ، بخلاف الزكاة ، فإنها إنما شرعت مواساة من الغني للفقير ، فلا يشق على الغني لمواساة غيره , فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام .
قال : [ والزكاة كالدين في التركة ]
إذا مات صاحب المال وعليه ديون ، فإن الديون تقدم على الإرث كما هو مقرر في علم الفرائض ، قال تعالى : ) من بعد وصية يوصي بها أو دين ( والزكاة دين .
فلو أن رجلا مات قبل أن يخرج زكاة ماله ، فإنها تخرج من تركته قبل الإرث ؛ لقوله e : ( اقضوا الله ، فالله أحق بالقضاء ) ، فدل هذا على أن دين الله كدين الآدمي في القضاء ، فيقدم حينئذ على الإرث .
ومقتضى كلام الفقهاء من تعلقها بعين المال تقديمها على الدين المطلق , والمشهور في المذهب خلاف ذلك وأن الواجب المحاصة ؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة .
وإن كان الدين موثقاً برهن قدم على الزكاة .
ومن تعمد ترك إخراج الزكاة ومنعها بخلاً ثم مات فالمذهب أنها تخرج .
وقال ابن القيم رحمه الله : إنها لا تبرأ بها ذمته ولو أخرجوها من تركته ؛ لأنه مصر على عدم الإخراج فكيف ينفعه عمل غيره .
وما ذكره رحمه الله صحيح لكن يجب إخراجها لتعلق أهل الزكاة بها واختاره شيخنا رحمه الله .
باب زكاة بهيمة الأنعام
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ تجب في إبل وبقر وغنم ]
هذه بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم ، فتجب الزكاة في الإبل ذات السنام وذات السنامين والمتولدة منها .
وفي البقر ومنها الجواميس باتفاق العلماء وحكاه ابن المنذر إجماعاً .
وأما بقر الوحش ، فعن الإمام أحمد روايتان :
الرواية الأولى وهي المشهور في المذهب : أنها تجب فيها الزكاة وهكذا غنم الوحش ؛ وذلك لأن الاسم يشملها .
والرواية الثانية وهي مذهب جمهور العلماء : أن بقر الوحش لا تجب فيه الزكاة ؛ لأن اسم البقر لا يشمله إلا بالإضافة ، فيقال : بقر وحش ، أما الاسم المطلق وهو " البقر " ، فإن بقر الوحش لا يدخل فيه كماء الورد في الوضوء .
والراجح مذهب الجمهور .
- والمشهور عند الحنابلة : أن المتولد من الوحشي والأهلي تجب فيه الزكاة .
وقال الشافعية ، وهو اختيار الموفق ابن قدامة : لا تجب فيه الزكاة , وهذا هو الراجح ؛ لأن المتولد من الوحشي والأهلي نوع آخر ، كما أن البغل المتولد من الفرس والحمار نوع آخر ، فليس بمنصوص عليه ولا بمجمع عليه ولا بمعناهما ، ولأن الأصل براءة الذمة من الزكاة .
قال : [ إذا كانت سائمة الحول أو أكثره ]
السائمة : هي التي ترعى الكلأ المباح أي الذي لم يزرعه الآدمي .
فالزكاة إنما تجب في السائمة التي ترعى ، أما التي يتكلف صاحبها شراء علفها أو يتكلف جمع الكلأ والعشب لها ، فإن الزكاة لا تجب فيها .
ودليل هذا : ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك t في كتاب أبي بكر t : " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله e على المسلمين " الحديث وفيه : " وفي الغنم في سائمتها " ، فقوله : " في سائمتها " قيد تجب مراعاته ، فهو قيد وشرط فيما تجب الزكاة فيه من الغنم ، وهكذا الإبل والبقر ، وقد ورد هذا في الإبل ، أيضاً كما في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي e قال : ( في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون ) , والبقر كذلك تقاس عليها قياساً جلياً ؛ لأنها بمعنى الإبل والغنم .
إذاً : لا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إلا أن تكون سائمة .
والجمهور : على أنها إن كانت تسوم أكثر الحول ، فإن الزكاة تجب فيها وإن كان تعلف بعضه .
وذلك لندرة السوم السنة كلها ، فإذا لم نوجب الزكاة إلا بهذا القيد ، كان فيه إجحاف بالفقراء ، وكانت الزكاة تؤخذ في عهد رسول الله e من الإبل والبقر والغنم ، ولم تكن في الغالب تسوم السنة كلها , ولأنها توصف بأنها سائمة بناء على الأغلب .
فالتي ترعى تسعة أشهر في السنة مثلاً وتعلف ثلاثة أشهر تسمى سائمة بناءً على الغالب ؛ ولأن الحكم للأكثر .
لكن إن كانت تسوم ستة أشهر وتعلف ستة أشهر أو كانت تعلف أكثر السنة فإن الزكاة لا تجب فيها ؛ لأنها لايصدق عليها أنها سائمة .
قال : [ فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض ]
وبنت المخاض : هي الأنثى من الإبل التي تم لها سنة وشرعت في السنة الثانية . وسميت بنت مخاض ؛ لأن أمها في الغالب تكون ماخضاً أي حاملاً ، فمن ملك خمساً وعشرين من الإبل ، فعليه بنت مخاض .
قال : [ وفيما دونها في كل خمس شاة ]
فإذا كان لا يملك إلا أربعاً وعشرين من الإبل ، فعليه في كل خمسٍ شاة ، فيجب عليه في أربع وعشرين من الإبل أربع شياه , وفي عشر من الإبل شاتان ، وفي خمس عشرة من الإبل ثلاث شياه ، ففي كل خمسٍ شاة .
وما بين ذلك كما بين العشرين والخمس وعشرين وَقْص لا ينظر إليه في الزكاة ، إذا بلغت عشرين ، ففيها أربع شياه ، وكذا إذا بلغت إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين أو ثلاثاً وعشرين أو أربعاً وعشرين ، فكلها فيها أربع شياه , فهذا هو الوقص : وهو ما بين الفريضتين . فالوقص في بهيمة الأنعام لا شيء فيه .
فإن لم تبلغ خمساً من الإبل ، فلا شيء فيها .
قال : [ وفي ست وثلاثين بنت لبون ]
من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين فيها بنت مخاض . فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون .
وبنت لبون : هي ما تم لها سنتان ، وسميت بنت لبون ؛ لأن أمها قد وضعت غالباً فهي ذات لبن .
فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ، ففيها بنت لبون .
قال : [ وفي ست وأربعين حقة ]
فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة .
والحقة : هي طروقة الجمل ، أي التي استحقت أن يطرقها الجمل وأن يحمل عليها وتركب ، وهي ما تم لها ثلاث سنين .
فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ، فيها حقة .
قال : [ وفي إحدى وستين جذعة ]
فإذا بلغت إحدى وستين ، ففيها جذعة : وهي ما تم لها أربع سنوات .
فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ، فيها جذعة .
قال : [ وفي ست وسبعين بنتا لبون ]
فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون .
قال : [ وفي إحدى وتسعين حقتان ]
فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان .
قال : [ فإذا زادت على مئة وعشرين واحدة ، فثلاث بنات لبون ، ثم في كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة ]
فإذا زادت على مئة وعشرين ، ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة .
هذه هي فريضة الإبل ، لما ثبت في البخاري عن أنس بن مالك t أن أبا بكر الصديق t كتب له : " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله e على المسلمين ، والتي أمر الله بها رسوله ، في كل أربع وعشرين من الإبل الغنم ، في كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى ، فإن لم يكن فابن لبون ذكر – وسيأتي الكلام على هذه المسألة – فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون ، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل ، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة ، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون ، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة ففيها حقتان ، فإذا زادت على عشرين ومئة واحدة ، ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة ، فإن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها " .
فإذا كان عنده مثلاً 300 من الإبل ، فعليه ست حقاق ، في كل خمسين حقة ، وإذا كان عنده 200 من الإبل فعليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون ، وهكذا .
وعند قول المؤلف : [ وفيما دونها في كل خمس شاة ]
لا يجزئ من الغنم في صدقة بهيمة الأنعام إلا ما يجزئ في الهدي والأضحية من باب القياس ، ولأثر عمر t المتقدم في قوله : " نأخذ الثنية والجذعة " .
فإن كانت الإبل رديئة ، فتكون الشاة دريئة ، وإن كانت الإبل جيدة ، فتكون الشاة جيدة ، فبحسب الإبل تؤخذ الغنم جودة أو رداءة . فإن كانت الإبل سماناً ، أخرجت شاة سمينة ، وإن كانت هزالاً ، وجبت شاة هزيلة .
فإن كانت الإبل معيبة ففيها شاة صحيحة ، لكنها في قيمتها تناسب الإبل المعيبة أي : تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل .
فمثلاً : إذا كانت الشاة الطيبة تساوي خمسة دراهم ، والإبل الصحيحة الواحدة منها تساوي مئة درهم ، ووجدنا أن الإبل المعيبة تساوي الواحدة منها ثمانين درهما ، فإنا نخرج شاة قيمتها أربعة دراهم ؛ نظراً للفارق بين الصحيحة والمعيبة من الإبل .
واعلم أن أظهر قولي العلماء - وهو المشهور في المذهب – أن الواجب عليه أن يخرج أنثى من الغنم ، وأن الذكر لا يجزئ ؛ لأن النبي e نص على الأنثى فقال : ( في كل خمس شاة ) وتقدم قول عمر t : " نأخذ الجذعة والثنية " .
واختلف أهل العلم ، هل يجزئ أن يخرج الإبل عن الشياة ؟
فلو أن رجلاً عنده خمس من الإبل ، فالواجب عليه شاة واحدة ، فإذا أخرج عنها بنت مخاض فهل يجزئ ذلك أم لا ؟
قال الحنابلة : لا يجزئ ؛ للنص ، فإن النبي e إنما نص على الشاة ,
لكن هذا القول ضعيف بل هو قريب من طريقة أهل الظاهر .
وذهب الشافعية والمالكية : إلى أن ذلك يجزئ ؛ لأن الإبل تجزئ في العدد الأكبر ، فإجزاؤها في العدد الأقل من باب أولى .
فبنت المخاض تجزئ في خمس وعشرين من الإبل ، فإجزاؤها فيما أقل من ذلك من باب أولى .
وأما النص الوارد ، فهو من باب ما يجب عليه ، لكن إن زاد خيراً ، فهو خير له ، وهو تطوع منه .
ويدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد حسن أن رجلاً وجبت عليه بنت مخاض في إبله ، فقال : " ذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر ، ولكن هذه ناقة سمينة فتيَّة " فذكر ذلك للنبي e ، فقال : ( ذاك الذي عليك ، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك ) ، قال الراوي : " فأخذت صدقته في عهد معاوية t ثلاثين حقة " ، أي قد بلغت إبله ألفاً وخمسمائة .
فدل هذا على أن من تصدق بفريضة أعلى من الفريضة الواجبة عليه ، فإن ذلك يجزئ عنه .
ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إن تصدق ببنت لبون عن بنت مخاض أو بحقة عن بنت لبون أو بجذعة عن حقة ، فإن ذلك يجزئ بلا خلاف فكذلك في المسألة المتقدمة .
واعلم أن من وجبت عليه سن فلم يجدها ، ووجد سناً أعلى منها أو أنزل منها ، كأن تجب على رجل حقة ، فلم يجدها ، ووجد أعلى منها – أي جذعة – أوأنزل منها - وهي بنت لبون - ، فهو بالخيار ، إن شاء أن يدفع أعلى منها ويأخذ شاتين أو عشرين درهماً جبراناً له ، وإن شاء أن يدفع أنزل منها ويعطي شاتين أو عشرين درهماً جبراناً للصدقة .
فإن لم يجد السن التي تليها ، ووجد السن التي تلي ما بعدها ، فإن الجبران أربع شياه أو أربعون درهماً ، كأن يجب على رجل بنت مخاض ، فلم يجدها ووجد حقة ، فإنه يجوز له أن يدفع الحقة ويُدفع له أربعون درهماً أو أربع شياه ، جبراناً له .
والدراهم تقويم لاتعيين وقيمة الشاة تختلف .
فقد ثبت في حديث أبي بكر t المتقدم أنه قال : " من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده الحقة ، فإنها تقبل منه وتؤخذ منه شاتين إن استيسرتا أو عشرون درهماً ، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه ، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً " .
والجبران مختص بالإبل دون البقر والغنم ؛ لأن النص الوارد فيها فيقتصر عليها ولا تقاس غيرها عليها .
أما الغنم فلأن الفريضة فيها واحدة , وأما البقر فلأن الوقص فيها يختلف عن الوقص في الإبل ، فلا يصح القياس .
فمن وجبت عليه سن في البقر وليست عنده ، وعنده سن أكبر منها ، فإنه يدفعها إن شاء ولا يعطى جبراناً ، وإن شاء اشترى من السوق السن المطلوبة وأعطاها المصدق .
فصل
قال : [ ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة ]
التبيع : ما تم له سنة وهو الذكر من أولاد البقر .
والتبيعة : الأنثى وهي ما تم لها سنة .
قال : [ وفي أربعين مسنة ]
المسنة : ما تم لها سنتان ، وهي الثنية ، وتجزئ في الأضحية .
قال : [ ثم في كل ثلاثين تبيع ، وفي كل أربعين مسنة ]
ثم بعد ذلك في كل ثلاثين من البقر تبيع ، وفي كل أربعين مسنة . فإذا كان عنده تسعون بقرة ، فيجب عليه ثلاثة أتبعة ، وإذا كان عنده مئة بقرة فيجب عليه تبيعان ومسنة وهكذا .
والدليل هذا ما رواه الخمسة ، وحسنه الترمذي ، وهو كما قال ، لكن لشواهده ،عن معاذ بن جبل t : ( أن النبي e بعثه إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة ، ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً ) ، وهذه جزية وسيأتي الكلام عليها .
فإن لم تبلغ البقر ثلاثين ، فلا تجب الزكاة فيها ، وهو ما يسمى بالشَنَق ، فالشنق : هو ما دون النصاب .
والوقص : هو ما بين الفريضتين .
قال : [ ويجزئ الذكر هنا ]
الذكر هنا وهو التبيع يجزئ عن التبيعة ، أما الأربعون فلا يجزئ فيها إلا مسنة .
قال : [ وابن لبون مكان بنت مخاض ]
عند عدمها ولا يجزئ مع وجودها ؛ لحديث أبي بكر t في البخاري .
فلو أن رجلاً وجبت عليه بنت مخاض وليس في ماله بنت مخاض ، فإنه لا يكلف شراءها بل يخرج ابن لبون من إبله .
وهل له أن يخرج موضع بنت لبون حقاً ، أو أن يخرج موضع الحقة جذعاً ؟
فلو أن رجلاً وجبت عليه بنت لبون وليس في ماله بنت لبون ، وفي ماله حق ، فهل يجزئه الحق عن بنت اللبون ، وهل له أن يخرج الجذع عن الحقة لفارق السن ؟
قولان في مذهب الإمام أحمد :
الأول وهو قول القاضي وابن عقيل من الحنابلة : أنه يجزئ قياساً ، فكما أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض عند عدمها ، فكذلك الحق يجزئ عن بنت اللبون عند عدمها ، والجذع يجزئ عن الحقة عند عدمها ، فعلى ذلك : فارق السن في الذكر يقابل فضيلة الأنوثة .
والمشهور عند الحنابلة : أنه لا يجزئ ؛ لعدم ورود النص فيه ، وليس بمعنى ما نص عليه بل هناك فارق بين المسألتين .
فابن اللبون إنما كان مقابلاً لبنت المخاض الأنثى ، لأن فضيلته ظاهرة ، فإنه يرد الماء ويأكل الشجر ويمتنع عن صغار السباع ، بخلاف بنت المخاض ، فإنها لا ترد الماء ولا تدفع عن نفسها صغار السباع .
وليس هذا الفارق ثابتاً بين بنت اللبون وبين الحق ، فإن بنت اللبون ترد الماء وتأكل الشجر ، وتمنع نفسها من صغار السباع وكذا الحقة .
وعلى ذلك فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم ، من أن الحق لا يجزئ عن بنت اللبون ولا الجذع عن الحقة ، وإنما يجزئ ابن اللبون عن بنت المخاض .
قال : [ وإذا كان النصاب كله ذكوراً ]
فإذا كان النصاب كله ذكوراً ، فإنه يجزئ أن يخرج الذكر . فإذا كان لا يملك إلا ذكوراً من المعز ، أو ذكوراً من البقر ، أو ذكوراً من الإبل ، فإن الواجب عليه أن يخرج الذكر ، ولا يجب أن يخرج الأنثى ؛ قالوا : لأن المقصود من الزكاة هو المواساة – مواساة الفقير والغني - ، فلا يكلفها من غير ماله ، لأنه ليس في ماله أنثى ، فماله كله ذكور , وهذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أهل العلم .
وحكى صاحب الفروع قولاً آخر في المسألة ، أشار إليه بقوله : " قيل : - وهو وجه عند الشافعية ومال إليه شيخنا – أنه يجب أن يخرج أنثى وإن كان النصاب كله ذكوراً ، قالوا : لعمومات النصوص ، فقد قال النبي e فيما تقدم من حديث أبي بكر t : ( في كل أربع وعشرين من الإبل الغنم ) ، وقال : ( في كل خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض ) ، فقوله : ( في كل خمس وعشرين من الإبل ) , ( وفي كل ست وثلاثين من الإبل ) .
لكن أثر عمر t دال على ما ذهب إليه الجمهور من مراعاة العدالة فيما يجب إخراجه وعلى ذلك فالنصوص بناءً على الغالب لندرة كون النصاب كله ذكوراً ؛ وللأدلة الدالة على أن الزكاة تجب في عين المال كما تقدم كقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( .
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويجب في أربعين من الغنم شاة ]
إذا ملك أربعين من الغنم ، فقد تم النصاب الزكوي فيها ، فيجب عليه أن يخرج شاة , وما دون الأربعين شَنق لا زكاة فيه .
قال : [ وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان ]
فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ، ففيها شاتان .
قال : [ وفي مائتين وواحدة ، ثلاث شياه , ثم في كل مائة شاة ]
فإذا كان عنده أربعمائة شاة ، فعليه أربع شياه ، وإذا كان عنده خمسمائة شاة فعليه خمس شياه وهكذا .
ودليل هذا حديث أبي بكر t ، وفيه : " وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاة ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه ، ثم في كل مائة شاة " . فهذه صدقة الغنم .
وإذا كان النصاب الزكوي من الإبل أو البقر أو الغنم من نوعين ، كأن تكون الغنم معزاً وضأناً , والإبل بخاتياً وعراباً , والبقر بقراً وجواميساً ، فإنه يخرج من أحد النوعين , ولاختلاف القيمة في النوعين ، فإن هذا المخرج يكون بقدر قيمة المالين ، وكذا إذا كان المال سماناً ومهازيلاً.
مثال ذلك : عنده عشرون شاة ، والشاة ثمنها خمسمائة ريال ، وعنده عشرون معزاً ثمن الواحدة ثلاثمائة ريال ، فيخرج شاة أو معزاً قيمتها أربعمائة ريال .
قال : [ والخلطة تصير المالين كالواحد ]
الخلطة في بهيمة الأنعام وغيرها : 1- خلطة أعيان . 2- خلطة أوصاف .
خلطة الأعيان : أن يكون مال كل واحد منهما غير متميز عن مال الآخر ، بل نصيب كل واحدٍ منهما مشاعاً ، كأن يكون لهما مائة شاة ، هذا له النصف وهذا له النصف , أو هذا له الثلث وهذا له الثلثان .
أما خلطة الأوصاف : فيتميز فيها ما لكل واحد منهما عن الآخر ، فشياه هذا معروفة وشياه الآخر معروفة ، لكنها مختلطة ، في المراح وغيره مما تثبت به الخلطة .
والخلطة تصير المالين مالاً واحداً بشرطين :
الشرط الأول : أن يكون كل واحد من الخليطين أهلاً للزكاة ، فإذا كان أحدهما كافراً أو مديناًَ ديناً يستغرق ما في يده لم يكن للخلطة أثر .
الشرط الثاني : أن يأتي على الخلطة حولاً كاملاً بحيث لم يثبت لأحدهم حكم الانفراد في شيء من الحول .
ويشترط في تأثير خلطة الأوصاف عند الحنابلة ستة شروط :
الشرط الأول : أن يكون مَسْرحها واحداً ، أي مكان اجتماعها لتذهب إلى المرعى .
الشرط الثاني : أن يكون مرعاها واحداً , وهو موضع الرعي ووقته .
الشرط الثالث : أن يكون الراعي واحداً , كما في الإقناع , وفي المنتهى لا يشترط ذلك .
الشرط الرابع : أن يكون مُراحها واحداً ، وهو الموضع الذي تبيت فيه .
الشرط الخامس : أن يكون الفحل الذي يطرقها واحداً ، فإن تميز مال كل واحد منهما بفحل فلا تأثير للخلطة هنا إلا أن يكونا نوعين مختلفين ، كالضأن والمعز فلا يضر اختلاف الفحل للضرورة .
الشرط السادس : أن يكون مَحْلبها واحداً ، يعني الموضع الذي تحلب فيه , وليس المقصود الإناء .
وفي حديث أبي بكر t في البخاري : " ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ، وما كان من خليطين ، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " ، والنظر يدل على هذا ، فإن الزكاة متعلقة بالمال ولذا وجبت على الصبي والمجنون ، وحيث كانت الخلطة فيصير المالان مالاً واحداً . فلو كان لزيد عشرون شاة ولعمرو عشرون وكانا خليطين على ما تقدم فعليهما الزكاة .
وقال صاحب الفروع : " ويتوجه أن ينظر في الخلطة إلى العرف " ، وهو أظهر ، لأن الشرع أطلق ، فقال : " وما كان من خليطين " ، فرجع في ذلك إلى العرف والله أعلم .
وأما خلطة الأعيان فتأثير الخلطة فيها ظاهر جداً ؛ لأنها كالمال الواحد .
ويوزع الواجب على الخليطين فأكثر بقدر المال .
مثال هذا : إذا كان المال قدره أربعون شاة ، لأحدهما شاة ، وللآخر تسع وثلاثون شاة ، فأخذت شاة ثمنها أربعمائة ريال ، فالواجب على صاحب الشاة عشر ريالات ، وهكذا .
واختلف أهل العلم هل تأثير الخلطة خاص ببهيمة الأنعام أم عام فيها وفي غيرها ، كعروض التجارة ، والحبوب والثمار وغيرها مما تقع به الخلطة ؟ قولان لأهل العلم :
القول الأول وهو مذهب الجمهور ، وهو المشهور عند الحنابلة : أن الخلطة لا تأثير لها إلا في بهيمة الأنعام .
فلو أن لرجلين عروض تجارة وكان نصيب كل واحدٍ منهما دون النصاب فلا تجب الزكاة .
وإذا اشتركا في مزرعة ، فلكل واحد منهم نصيبه ، فيخرج الزكاة منه إن بلغ نصاباً .
قالوا : لأن النص إنما ورد عن النبي e في خلطة المواشي ، وأما غيرها فلم يرد فيه عن النبي e نص .
القول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد : أن للخلطة تأثيراً في غير الماشية ، وهو مذهب الشافعية وهذا القول أظهر ؛ للقياس ؛ ولأن الزكاة متعلقة بالمال ، ولذا تجب في مال الصبي والمجنون .
ويستدل على هذا أيضاً : بأن السعاة لم يكونوا يستفصلون من أصحاب الحبوب والثمار ، هل فيها خلطة أم
لا ؟ مع كثرة وقوع الخلطة فيها , والله أعلم .
مسألة : ويحرم فعل ذلك فراراً من الزكاة لحديث : ( لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية
الصدقة ) .
فإذا كان هذا يملك أربعين شاة ، وهذا يملك أربعين شاة ، وهذا يملك أربعين شاة ، فمجموعها مائة وعشرون شاةً لا يجب فيها إلا شاة واحدة ، وإذا كانت متفرقة فيجب في كل واحدةٍ منها شاة ، فيكون الواجب ثلاث شياه ، فلا يجوز تفريقها خشية الصدقة .
وكذلك في تفريق المال . فمثلاً : الواجب في مائتين وعشر من الغنم ثلاث شياه ، فإذا فرقت ، هذا له مائة وخمس شياه ، والآخر كذلك ، فلا يجب على كل واحد إلا شاة فهذا لا يجوز ؛ لأنه حيلة على المحرم وقد جاءت الشريعة بإبطال الحيل وتحريمها كما تقدم .
مسألة : وهل تجمع سائمة الرجل الواحد إن كانت متفرقةً فوق مسافة قصر ؟
المشهور عند الحنابلة ، وهو رواية عن الإمام أحمد : أنها لا تجمع ولا يضم بعضها إلى بعض ، واستدلوا بقوله : ( لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ) .
وعن الإمام أحمد ، وهو مذهب جماهير العلماء : أنها تجمع ويضم بعضها إلى بعض ؛ لأن المالك واحد وعمومات الأدلة تدل على ذلك واختاره أبو الخطاب والموفق .
وأما حديث : ( لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع ) ، فإن هذا مع تعدد المالك ، فلا يجمع ولا يفرق خشية الصدقة ويدل على هذا : الإجماع على أن سائمة الرجل الواحد يجمع بينها إذا كانت متفرقةً دون مسافة قصر والحديث عام في المسألتين .
باب زكاة الحبوب والثمار
قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ( .
قال المؤلف : [ تجب في الحبوب كلها ولو لم يكن قوتاً ]
القوت : هو ما تقوم به بنية الآدمي دون ما يطعمه الآدمي تأدماً وتنعماً ، كالشعير والحنطة والأرز وغيرها .
قوله : " لو لم تكن قوتاً " : كحب الرشاد والحبة السوداء والترمس وغيرها .
فالحبوب كلها تجب فيها الزكاة سواء كانت مما يقتات كالقمح والأرز والشعير أو كانت مما لا يقتات ولا يطعم كالحبة السوداء .
هذا هو المشهور عند الحنابلة ، واستدلوا بما روى البخاري في صحيحه أن النبي e قال : ( فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر ، وفيما سقي بالنضح نصف العشر ) , والشاهد قوله : ( فيما سقت السماء ) ، قالوا : وهذا عام فتدخل فيه الحبوب كلها بأنواعها ، سواء كانت مطعومة أو غير مطعومة .
قال : [ وفي كل ثمر يكال أو يدخر ]
أي في كل حب وثمر يكال ويدخر أي ييبس فيبقى .
ودليل اعتبار الكيل ، قوله e في الصحيحين من حديث أبي سعيد t : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة ) ، والشاهد قوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق ) ، فدل على اعتبار التوسيق أي الكيل ، فالكيل معتبر فيه , فما لم يكن مكيلاً من الحبوب أو الثمار ، فإنه لا زكاة فيه .
والمكيل ما قدر بالصاع ولا زكاة في الخضروات والفواكه ؛ لأنها موزونة ، وهذه هي سنة النبي e وخلفائه من بعده ، فلم ينقل أنهم كانوا من الخضروات والفواكه الصدقة مع دواعي النقل ، وأما ما رواه الترمذي من أن النبي e قال : ( ليس في الخضروات صدقة ) ، فالحديث فيه الحسن بن عُمارة ، وهو ضعيف جداً ، قال الترمذي : " لا يصح في هذا الباب شيء ، والعمل عليه عند أهل العلم " .
- وذهب الأحناف : إلى وجوب الصدقة فيها ، واستدلوا بعمومات الأدلة ، كحديث ( فيما سقت السماء .. ) ، والخضروات والفواكه قد سقتها السماء .
لكن هذا ضعيف ؛ لأن سنة النبي e الفعلية المتقدم ذكرها وما جرى عليه عمل المسلمين في المدينة ، وكان الإمام مالك من القائلين بهذا ، فهي السنة التي كانت في المدينة النبوية وغيرها أنها لا تؤخذ فيها الصدقة .
كما أن الدواعي متوفرة على نقل ذلك لو ثبت .
وفي مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني والحديث حسن أن النبي e قال لمعاذ بن جبل ولموسى الأشعري رضي الله عنهما : ( لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف : الشعير والحنطة والزبيب والتمر ) .
فإذن الشرط الأول : أن تكون مكيلة أي بالصاع ونحوه .
الشرط الثاني : أن تكون مدخرة ، والمدخر هو ما ييبس فيبقى ، كالحبوب والزبيب والتمر ، فإنها تزول رطوبتها وتكون يابسة ، فتبقى مدة طويلة فتكمل فيها النعمة .
والفواكه والخضروات ليست مما يدخر في الأصل .
واختلف في الاقتيات ، هل يشترط أم لا ؟
فقال الحنابلة : لا يشترط كما تقدم ، ولذا قال المؤلف هنا : " ولو لم تكن قوتاً " ، فعلى ذلك : كل ما يكال ويدخر وإن لم يكن مطعوماً ، فإن الزكاة تجب فيه .
وقال الشافعية والمالكية : يشترط الاقتيات ؛ وذلك لأن النبي e قال : ( لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه
الأصناف ) ، وذكر الشعير والحنطة والزبيب والتمر ، وكلها مما يقتات أي مما يطعم .
والراجح مذهب الحنابلة لعمومات الأدلة كحديث : ( فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر ، وما سقي بالنضح فنصف العشر ) , والحديث الذي رواه الحاكم قد أعله بعض العلماء وعلى القول بأنه صحيح فيحمل على ما يدخر وإن لم يكن قوتاً ولا تترك به عمومات الأحاديث الصحاح .
ورجح شيخ الإسلام أن المعتبر لوجوب زكاة في الخارج من الأرض هو الإدخار فقط لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة , بخلاف الكيل فإنه تقدير محض وكذلك العد وإنما اعتبر الكيل والوزن في الربويات لأجل التماثل المعتبر فيها وهو غير معتبر هنا وما ذكره رحمه الله هو الراجح .
قال : [ ويعتبر بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي ]
الرطل : بكسر الراء وفتحها وهو ما يساوي اثنتي عشرة أوقية .
والأوقية : تزن أربعين درهما .
وهو يساوي النصاب الوارد عن النبي e وهو خمسة أوسق ، لقوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) ، والوسْق : يساوي ستين صاعاً نبوياً , فعلى ذلك : النصاب ثلاثمائة صاع نبوي .
والصاع النبوي يساوي بالكيلو جرام : كيلوين وأربعين جراماً من البر كما قدره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله , فعلى ذلك : النصاب يساوي ستمائة واثني عشر كيلوجرام .
وقدره بعض الباحثين بستمائة وثلاثة وخمسين كيلاً وهو أحوط .
وهم عند القياس نظروا إلى البر المتوسط ؛ لأن منها الثقيل كالحنطة والعدس ومنها الخفيف كالشعير والذرة ومنها المتوسط , والوسْق : يساوي ستين صاعاً نبوياً ، وقد أجمع الفقهاء على أن النصاب في الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع لكن الفقهاء - كما قال الموفق - : مع اعتبار النصاب بالكيل نقلوا ذلك إلى الوزن لتضبط وتحفظ
وتنقل .
قال : [ وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب ]
أي تضم أنواع الجنس في تكميل النصاب لعموم الحديث .
فعلى ذلك : لو كان عنده نخيل ، قد بدا صلاح نوع في أول الشهر ، وهو دون النصاب ، وبدا صلاح النوع الآخر في آخر الشهر ، وبه كمل النصاب ، فإن الزكاة تجب عليه ولو كان مما يحمل في السنة حملين .
ولو تعدد البلد فلو كان له بستان في حائل ثمره دون النصاب وبستان في القصيم يكمل به النصاب وجبت عليه الزكاة .
قال : [ لا جنس إلى آخر ]
فلا يضم الجنس إلى غيره ، فلا يضم بر لشعير ولا تمر لزبيب في تكميل النصاب وهو مذهب جمهور العلماء قياساً على المواشي , وأما الأنواع كالسكري والحلوة والبرحي من التمر فإنها تضم لأنها جنس واحد .
قال : [ ويعتبر أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة ]
وهو بدو الصلاح في الثمر واشتداد الحب في الزرع , فإذا اشتد الحب بحيث إذا غمزته لا ينغمز , وبدا صلاح الثمر بأن يحمر أو يصفر ، فإن الزكاة تجب ؛ لقوله تعالى : ) وآتوا حقه يوم حصاده ( .
فإن باعه وقد اشتد الحب أو بدا صلاح الثمر ، فإن الزكاة تجب على البائع ؛ لأن الزكاة قد تعلقت بذمته قبل البيع .
ولو ورث من أبيه زرعاً وقد اشتد حبه ، فإن الزكاة لا تجب عليه وإنما تجب على المورث , فتؤخذ من تركته .
أو وهبه رجل زرعاً وقد اشتد حبه ، فإن الزكاة تجب على الواهب .
قال : [ فلا تجب فيما يكتسبه اللّقّاط ]
" اللقاط " : هو الذي يتبع المزارع ويلقط المتساقط منها .
فإذا جمع نصاباً من التمر أو نصاباً من الزرع ، فإن الزكاة لا تجب عليه ؛ لأنه قد ملكه بعد وقت وجوب
الزكاة .
قال : [ أو يأخذه بحصاده ]
رجل اتفق مع صاحب الزرع أن يحصد له وأن يأخذ منه على ذلك طناً من القمح ، فلا تجب الزكاة عليه ؛ لأنه لم يملكه وقت وجوب الزكاة .
قال : [ ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم ]
البَطم : شجر ينبت في البلاد الشامية من فصيلة الفستق ، يجتنى من المباح فليس مما يزرعه الآدمي ، والزكاة إنما تجب في المملوك وهذا مباح فلا تجب فيه الزكاة .
قال : [ ولا الزَّعبل ]
وهو شعير الجبل .
قال : [ وبِزْرُ قُطُونا ]
ذكر شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن شيخه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أنه الرِبْلة المشهورة من أعشاب البر وكذا ذكر الشيخ بن قاسم رحمه الله في حاشيته .
قال : [ ولو نبت في أرضه ]
لأن ما ينبت في أرضه من فعل الله ليس ملكاً له ؛ لأنه من الكلأ وهو أحق به من غيره .
فصل
هذا الفصل في القدر الواجب إخراجه في صدقة الحبوب والثمار ومسائل أخرى .
قال : [ يجب عُشْرٌ فيما سُقي بلا مؤنة ]
كأن يسقي من مياه الأمطار أو الأنهار أو العيون أو كان بعْلاً يعثر على الماء بجذوره ، فإن هذا الزرع والشجر لا مؤنة فيه ، أي لا كلفة فيه ، فيجب فيه العشر ؛ لقوله e فيما رواه البخاري في صحيحه وقد تقدم : ( فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً ) ، وعند أبي داود : ( أو كان بعلاً ففيه العشر ).
والكلفة التي يجدها المزارع من تفجير الماء وحفر الأرض لنقل مياه الأنهار إلى أرضه ، وحفر السواقي هذا لا تأثير له في هذه المسألة ، فهو من جنس حرث الأرض .
فتصريف المياه بحفر الأرض وإصلاحها لجريان الماء من موضع إلى موضع في المزرعة وفي البستان وأيضا جريان الماء من النهر أو العين إلى بستانه ، هذه كلفة لا تأثير لها هنا ؛ لأنها من جنس حرث الأرض ؛ ولأن هذه الكلفة لا تتكرر مع الأعوام .
قال : [ ونصفه معها ]
أي نصفه مع المؤنة ، المؤنة هنا : الكلفة في إخراج الماء من الأرض أو رفعه إليها كأن يكون النهر منخفضاً عن بستانه ، فيحتاج إلى آلات أو نواضح لرفع الماء من النهر أو من العيون إلى أرضه , أو كانت آباراً ، فيضع المكائن وتوابعها لاستخراج الماء .
فالمؤنة : الكلفة التي يجدها المزارع في اخراج المياه أو في رفعها , ودليله قوله e : ( وما سقي بالنضح ففيه نصف العشر ) .
قال : [ وثلاثة أرباعه بهما ]
أي فيما يشرب بمؤنة نصف السنة وبلا مؤنة نصفها كأن يكون في الصيف يسقي بمؤنة وفي الشتاء يشرب من الأمطار والاعتبار هنا بالمدة وهو المذهب ؛ لأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه فإذا وجد نصفه أوجب نصفه .
قال : [ فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعاً ]
أي السقي بمؤنة وبغيرها فالاعتبار بأكثرهما نفعاً ونمواً .
فإذا كان انتفاعه بالسقي بغير مؤنة أكثر من انتفاعه بسقيه بمؤنة ، فيجب العشر .
وإذا كان انتفاعه بمؤنة وكلفة أكثر من انتفاعه بلا مؤنة ، فالواجب عليه نصف العشر .
هذا هو المشهور عند الحنابلة لأن عدد السقي يشق فاعتبروا الأكثر .
- وقال الشافعية ، وهو قول ابن حامد من الحنابلة : يجب بالقسط قياساً على ما إذا تساويا ، فكما أنهما إذا تساويا حكمنا بالقسط ولذا أوجبنا عليه ثلاثة أرباع العشر ، فكذلك إذا تفاوتا ، حكمنا بالقسط .
مثال هذا : إذا كان سقيه بمؤنة يقابل ثلث نفعه ونموه ، وسقيه بلا مؤنة يقابل الثلثين ، فيجب عليه في الثلث الذي قد سقي بمؤنة - يجب عليه - ثلث نصف العشر ، وهو سدس العشر ، وفي الآخر يجب عليه ثلثا العشر ، وهو أربعة أسداسه . فعلى ذلك : يجب عليه خمسة أسداس العشر ، وهكذا .
وهذا القول أقيس ؛ لما تقدم .
قال : [ ومع الجهل العشر ]
إذا تفاوتا وجهل فهو لا يدري هل السقي بمؤنة أكثر نفعا ونمواً من السقي بلا مؤنة أم العكس ، فهو لا يدري أيهما أكثر نفعاً .
قالوا : فيجب عليه العشر ليخرج من عهدة الواجب بيقين .
وقال صاحب الفروع : " ويتوجه احتمال : فيه ثلاثة أرباع العشر لتقابلهما " , وهذا هو الأظهر ، وهو مذهب الشافعية ، وأن الواجب فيه ثلاثة أرباع العشر كما لو تساويا .
قال : [ وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة ]
وتقدم وهو قول الجمهور .
[ ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البَيْدر ]
البَيْدر : هو الموضع الذي تجمع فيه الثمار والحبوب ، أما الحبوب فلتصفيتها وإزالة القشر عنها .
وأما الثمار فلتجفيفها لتذهب عنها الرطوبة ، كالرطب ، ليكون تمراً ، والعنب ليكون زبيباً .
فإذا وضعت في البيدر فتستقر الزكاة في الذمة . وعليه :
[ فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت ]
فإذا تلفت قبل وضعها في البيدر بغير تعد منه ولا تفريط ، فإنها تسقط عنه ؛ لأنها لم تستقر بعد في ذمته فهي في حكم ما لم تثبت عليه اليد .
أما إذا وضعه في البيدر ، فقد استقرت الزكاة في ذمته ، فإذا تلف ، ولو كان هذا التلف بغير تعد منه ولا تفريط ، فإن الزكاة تجب هذا هو المشهور في المذهب ةتقدم أن الراجح : أنه لا يضمن الزكاة إلا مع التعدي أوالتفريط وأنها عنده كالأمانة .
قال : [ ويجب العشر على مستأجر الأرض دون مالكها ]
لأن المستأجر هو مالك الحب والثمر فإذا استأجر زيد من عمرو أرضاً فزرعها أو غرس فيها نخيلاً ، فالأرض ليست ملكاً له ، لكنه يملك الثمر والحب والزكاة متعلقة بالمال فوجبت الزكاة على المستأجر وهذا باتفاق العلماء .
مسائل في الخرص :
والخرص هو في اللغة : الحزر والتخمين .
وفي الاصطلاح : أن يحصي عارف ما على شجر النخيل والأعناب من الثمر ثم يقدره تمراً وزبيباً .
فيأتي الخارص إلى بستان النخيل أو إلى بستان العنب ويقدر ما في الأشجار من الثمار ، ثم يقدر ما يجيء به هذا الثمر من زبيب أو تمر .
وفيه مصلحة للطرفين , فرب المال يملك بالخرص التصرف في نخيله وعنبه بما شاء ويضمن قدر الزكاة . والعامل على الزكاة يعرف الحق الواجب فيطالب به .
وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي t قال : " غزونا مع النبي e في تبوك ، فلما جاء مررنا بوادي القرى ، فإذا امرأة في حديقة لها ، فقال النبي e : ( اخرصوا ) فخرص النبي e عشرة أوسق " فهذا في خرص النخيل .
وأما في خرص العنب ، فقد روى الخمسة بإسناد فيه انقطاع يسير عن سعيد بن المسيب عن عتّاب بن أسيد t وسعيد لم يسمع من عتاب ، فهذا انقطاع يسير – : " أمر النبي e أن يُخرص العنب كما يخرص النخل ، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً " .
ومراسيل سعيد بن المسيب عند أهل العلم صحيحة , ويشهد له قياس العنب على النخيل .
والجمهور على أنه لا يخرص غير النخيل والعنب .
وأما الحبوب ، فإنه لا يشرع فيها الخرص ولا فائدة منه ، ولا يقاس على العنب والتمر لأنه ليس بمعناهما .
ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزكاة لا تخرج رطباً ولا عنباً , وإنما تخرج تمراً أو زبيباً .
ويدل على هذا ما ثبت في البخاري عن أبي هريرة t قال : " كان النبي e يؤتى بالتمر عند صِرام النخل – أي عند جداده – فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره , حتى يصير عنده كَوْماً من تمر ، فجعل الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بذلك التمر ، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه ، فنظر إليه رسول الله e فأخرجها من فيه ، فقال : ( أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة ) .
مسألة :
إذا اختلف الساعي " الخارص " وصاحب الثمر في الخرص ، فإذا كان خَرْص الساعي مقداره عشرة أوسق ، وادعى صاحب الثمر أنها تسعة أوسق بعد الجداد وأنه لم يحصل بيده إلا كذا , قُبِل قوله بلا يمين ؛ فالناس لا يستحلفون في صدقاتهم ، فهي حق لله عز وجل ، واليمين إنما شرعت في حقوق الآدميين ، هذا إن كان قوله محتملاً بأن ادعى خطأ محتملاً كالسدس .
وإن كان غير محتمل كالنصف والثلث , لم يقبل كأن يكون خَرْص الساعي خمسة أوسق وادعى صاحب الثمر أنها وسق واحد والساعي من أهل الخبرة ، فإن هذا احتمال بعيد ويتبين به كذب صاحب الثمر ، فلا يقبل قوله .
مسـألة :
ويترك لصاحب الثمر الثلث أو الربع ، فإن خرص عشرة أوسق مثلاً ، فإنه يترك له الثلث أو الربع ، وهو ثلاثة أوسق وثلث أو الربع وهو وسقان ونصف , ليأكل ويهدي .
والتخيير بين الثلث والربع ليس للتشهي وإنما بحسب المصلحة فيجتهد الساعي ، فإذا رآه من الناس الذين تكثر هداياهم وهم كثير أيضاً قدر الثلث وإلا قدر الربع , هذا هو المشهور في مذهب أحمد وهو قول إسحاق .
واستدلوا بما رواه الخمسة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حَثْمة t قال : " أمرنا النبي e إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث ، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " .
وفيه جهالة التابعي الراوي عن سهل بن أبي حَثْمة ، وله شاهد عند أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال عن مكحول مرسلاً ، وثبت في مصنف بن أبي شيبة بإسناد صحيح : أن عمر بن الخطاب t كان يبعث ابن أبي حَثْمة t خارصاً ، ويقول له : " إذا أتيت أهل البيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون " .
وأما جمهور العلماء فإنهم لم يروا ذلك ، وقالوا : لا يترك لأهل البيت شيء ؛ لعموم الأدلة التي تقدم ذكرها ، كقوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق ) فدل هذا على أن من بلغ ماله خمسة أوسق فتجب عليه الزكاة .
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة ، فإن أدلتهم مخصصة .
وذهب ابن عقيل الحنبلي إلى قول - هو فيما يظهر لي أصح - أنه : يترك لهم بقدر ما يحتاجون إليه لأكلهم ولهديتهم بالمعروف سواء كان ربعاً أو ثلثاً أو أقل من ذلك ولو كان عُشْراً .
وهذا أمر ظاهر ، فإن بعض الناس يملك بساتين كثيرة لا يحتاج لايهدي ولا يأكل عشرها أو أقل من عشرها . وقول عمر t المتقدم يدل على هذا ، فإنه قال : " إذا أتيت أهل البيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون " ، فلم يقدره بالربع والثلث , ولأن الأصل وجوب الزكاة في المال .
ويحمل تقدير الثلث والربع على البساتين الصغيرة .
قال : [ وإذا أخذ من مِلْكه أو مواتٍ من العسل مئة وستين رطلاً عراقياً ففيه عشره ]
هنا في زكاة العسل .
وجمهور العلماء لم يروا وجوب الزكاة في العسل ؛ قالوا : لأن الأصل هو عدم وجوب الزكاة ، قالوا : ولا دليل على وجوبها , ولم يصح حديث عن النبي e في هذا الباب .
وقال الحنابلة بوجوب الزكاة في العسل ، وهو قول الأحناف ، قال الترمذي : " وهو قول أكثر أهل العلم " .
لما ثبت عن النبي e في سنن أبي داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ( أنه أخذ في زكاة العسل العشر ) ، قالوا : والحديث حسن ، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أحاديث حسان .
قالوا : وفي مصنف عبدالرزاق أن عمر t : أخذ في زكاة العسل في كل عشرة أفرق فرقاً واحداً " لكن إسناده منقطع ، واحتج به أحمد ، ورواه سعيد كما في المغني , قال ابن القيم : " ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً ، وقد تعددت مخارجها ، واختلفت طرقها ، ومرسَلُها يُعضد بمسندها ".
والراجح : أن الزكاة تجب في العسل كما هو مذهب الحنابلة .
وقول المؤلف : " إذا أخذ من ملكه أو موات " أي من أرض مملوكة له أو من موات كرؤوس الجبال أو من ملك غيره وهو المذهب ؛ لأن العسل لا يملك بملك الأرض بل هو تبع للنحل .
قال : [ مئة وستين رطلاً عراقيا ]
أي ثلاثون صاعاً نبوياً , والصاع كيلوان وأربعون جراماً ، كما تقدم ويساوي واحداً وستين كيلاً ومائتين جراماً في أربع وعشرين صاعاً يكون نصاب العسل , هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة .
وقيل : إن نصاب العسل ألف رطل عراقي ، وقدَّمه الموفق في الكافي ، واحتمله في المغني . وهو الأرجح .
أما دليل الحنابلة : فهو ما تقدم من أثر عمر ، فقد أخذ عمر من كل عشرة أفرق فرقاً واحداً ، والفرق يساوي ثلاثة آصع ، فعلى ذلك : من كل ثلاثين صاعاً ثلاثة آصع ، والثلاثون صاعاً تساوي مائة وستون رطلاً كما تقدم .
وتقدم أن هذا الأثر إسناده منقطع .
وأما القول الثاني ، فإن دليله ما ثبت في سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم قال : ( في كل عشر قربات قربة ) وإسناده حسن .
والقربة تساوي مئة رطل عراقي ، فعلى ذلك : العشر قرب تساوي ألف رطل عراقي .
وهذا يساوي ثلاثمائة واثنين وثمانين كيلو جرام ونصف الكيلو تقريباً هذا هو الراجح وأن في كل ألف رطل عراقي الزكاة .
والواجب فيه العشر ، وقد تقدم هذا في الحديث المتقدم أن النبي e : " أخذ في زكاة العسل العشر " ، وفي حديث آخر : " في كل عشر قربات قربة " . فعلى ذلك : الواجب في ألف رطل عراقي مئة رطل .
وألحق بعض المعاصرين ما يشبه العسل من المنتجات الحيوانية كاللبن والبيض والحرير قياساً على العسل وفيه قوة .
ولا تتكرر زكاة المعشرات ولو بقيت سنين مالم تكن للتجارة فتقوم في كل وتزكى .
قال : [ والركاز : ما وجد من دفن الجاهلية ، ففيه الخمس ]
أي ما وجد من مدفونهم ، من ركز الشيء إذا أخفاه وغيبه , ومنه الركز وهو الصوت الخفي .
والركاز باتفاق العلماء هو ما دفنه أهل الجاهلية , ويعرف أنه دفن لأهل الجاهلية بكتابة أسماء ملوكهم أو صورهم .
وكذا إن وجده في دار حرب . وإن كان قد وجده بجماعة لهم منعة فهو غنيمة .
وإن كان على شيء منه علامة المسلمين فلقطة وكذا إذا لم تكن عليه علامة .
أما الركاز - وهو دفن أهل الجاهلية - فيجب فيه الخمس ؛ لقوله e : ( في الركاز الخمس ) ، متفق عليه من حديث أبي هريرة t .
وهو لواجده بعد الخمس سواء وجده في أرض مملوكة أو غير مملوكة ؛ لأن الركاز مودع في الأرض وليس منها فلا يملك بملك الأرض .
ولو كان واجده أجيراً لغير طلبه كحفر بئر أو هدم جدار ونحوه فوجد الركاز فهو له لأنه من كسبه , وإن كان مستأجراً لاستخراجه فهو لمن استأجره .
وهل الخمس مصرفه مصرف الزكاة أو مصرف الفيء ؟
جمهور العلماء على : أن مصرفه مصرف الفيء أي في المصالح كما تقدم في باب الجهاد .
وقال الشافعية : مصرفه مصرف الزكاة أي في أهل الزكاة , وعليه فلا يصرف في المساجد ونحوها .
والقول الراجح هو مذهب جمهور العلماء ، وأن مصرفه مصرف الفيء ؛ وذلك لأنه مال كافر أُخذ في الإسلام ، فأشبه الغنيمة ، ولذا وجب فيه الخمس ، كما يجب في الغنيمة ؛ ولأنه لا يشترط فيه النصاب فيجب في قليله وكثيره.
فعلى ذلك يصرفه الإمام في مصالح المسلمين كما يصرف الفيء .
وهل لواجده أن يصرفه في المصالح دون الإمام ؟
قولان لأهل العلم :
المشهور عند الحنابلة ، وهو مذهب الأحناف : أنه له ذلك أي له أن يفرقه بنفسه ، وفيه أثر عن علي t في البيهقي ، لكن إسناده ضعيف ولأنه أدى الحق إلى مستحقه .
وقال بعض الحنابلة ، وهو مذهب أبي ثور : ليس له ذلك ، بل يدفعه إلى الإمام ، والإمام يصرفه في مصالح المسلمين ، كما يصرف الفيء . وهذا القول أقرب ؛ لأن الإمام هو الناظر في مصالح المسلمين ، وما دام هو الناظر فيها ، فإن التصرف لا يصح إلا منه .
وقد اتفق العلماء على أن الواجب في الركاز كالمعشرات لا ينتظر به الحول بل يخرجه إذا وجده .
قال : [ في قليله وكثيره ]
من أي نوعٍ من أنواع المال ولو قليلاً لايبلغ نصاب النقدين ؛ لأن الحديث عام ، فقد قال النبي e : ( وفي الركاز الخمس ) ، فهو عام في كل ركاز ، قليلاً كان أو كثيراً ؛ ولأنه كما تقدم ليس من الأموال الزكوية والأنصبة إنما تشرع فيها .
وألحق شيخ الإسلام بالمدفون حكماً الموجود ظاهراً بخراب جاهلي أو طريق غير مسلوك وهو كما قال .
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي e سئل عن اللقطة ، فقال : ( إن كانت في طريق مأتي وأرض عامرة فعرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فلك ، فإن لم تكن في طريق مأتي ولا قرية عامرة ، ففيها وفي الركاز الخمس ) .
وفيه أنه إن وجد دفناً عليه علامات المسلمين ولم يتمكن من معرفة أصحابه فهو لقطة يعرفه سنة ثم يملكه ، أما إذا كانت العلامات تدل على أصحابه فهو ملك لهم .
ولم يذكر المؤلف هنا زكاة المعادن وذكرها الشراح في هذا الموضع :
والمعادن : جمع معدِن بكسر الدال من عدن أي أقام ومكث .
والمراد بالمعادن : ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة أو زئبق أو رصاص أو حديد أو نفط أو كبريت أو غير ذلك مما يخرج من الأرض .
وجماهير العلماء على وجوب الزكاة في المعادن في الجملة – أي بينهم خلاف في أنواع المعادن التي تجب فيها الزكاة ، لكنهم مجمعون على أصل هذه المسألة ، وأن الزكاة ثابتة في المعادن .
واستدلوا بقوله تعالى : ) ومما أخرجنا لكم من الأرض ( وتدخل في عمومه المعادن .
وفي الموطأ وسنن أبي داود بإسناد مرسل ، وأصله عند أبي داود موصولاً ، لكن الشاهد من المرسل دون الموصول : أن النبي e أقطع بلال بن الحارث المعادن القَبَلِيَّةِ ، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " .
والظاهر أنه من قول بعض الرواة .
وعليه العمل عند أهل العلم ، فقد اتفقت المذاهب الأربعة كلها على القول بهذا ، وأن الزكاة تؤخذ من المعادن في الجملة .
- وخالف في ذلك الظاهرية ، فقالوا : لا تجب الزكاة فيها لعدم الدليل ، والأصل هو عدم الوجوب .
لكن العمل بعموم الآية المتقدمة أولى .
وخصها الشافعية والمالكية بالذهب والفضة ، أما غيرها من الجواهر والياقوت فلا زكاة فيها .
وقال الحنابلة بالعموم ، وهو الراجح ؛ لأن الآية عامة : ) ومما أخرجنا لكم من الأرض ( ، فهو عام في كل معدن .
أما ما رواه البيهقي أن النبي e قال : ( لا زكاة في الحجر ) ، فإن الحديث لا يصح عن النبي e .
قال جمهور العلماء : ونصابه نصاب الذهب والفضة ؛ وذلك لأن الشارع لم يحدد لها نصاباً ولا قدر ما يخرج منها فوجب النظر إلى قيمتها كعروض التجارة .
فمن استخرج من أهل الزكاة ما يساوي النصاب من المعادن فعليه الزكاة بعد تصفيتها سواء كانت الأرض مملوكة له أو لم تكن مملوكة كما تقدم العسل إن كان المعدن جارياً أي مادته لا تنقطع كالماء وأما الجامد فهو تبع للأرض ؛ لأنه جزء من الأرض فيملك بملكها .
وما يجده في مكان أو موات من المعادن فهو أحق به .
ولا تتكرر زكاة المعدن كالزرع مالم يقصد به التجارة في المشهور في المذهب .
وهل تجب الزكاة في المخرج من البحر من لؤلؤ وعنبر وغير ذلك ؟
قولان لأهل العلم :
القول الأول ، وهو مذهب الجمهور ، وهو المشهور عند الحنابلة : أنه لا تجب فيه الزكاة .
قالوا : لأن الأصل عدم وجوب الزكاة ، ولا دليل على وجوب الزكاة فيما يخرج من البحر ، ولأن الغالب وجوده من غير مشقة كالمباحات الموجودة في الأرض .
والقول الثاني ، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله : أن الزكاة تجب فيه قياساً على المخرج من الأرض ، فكما أن المخرج من الأرض تجب فيه الزكاة ، فكذلك المخرج من البحر , وهو أقرب . والله أعلم .
باب زكاة النقدين
النقدان : مثنى النقد ، وهو ضد النسيئة ، بمعنى المنقود أي معطى حالاً ، فالنقد هو ضد النسيئة والتأخير .
وقد أجمع العلماء على فرضية الزكاة في الذهب والفضة ، وهما النقدان .
قال المؤلف : [ يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً ]
المثقال : يساوي أربعة جرامات وربع الجرام ، فعلى ذلك النصاب يساوي خمسة وثمانين جراماً ، وهو ما يساوي عندنا نحو ثلاثة آلاف ريال تزيد وتنقص بحسب سعر الذهب في اليوم .
يدل على ذلك :
- ما روا أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري – وهو ثقة تابعي – أن في كتاب رسول الله e في الصدقة وكتاب عمر t : أن الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يكون عشرين ديناراً ، ففيه نصف دينار ، وأن الورِق – وهو الفضة – لا يؤخذ منه شيء حتى يكون مائتي درهم ، فإذا بلغ مائتي درهم ففيه خمسة دراهم " .
وهذا الحديث مرسل ، لكن له شاهد عند ابن ماجه من حديث عائشة وابن عمر y بإسناد حسن , وله شاهد أيضاً عند أبي داود عن علي t قال : قال رسول الله e : ( إذا كان لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ، ففيها نصف دينار ، فما زاد فبحساب ذلك ، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول ) ، والحديث إسناده حسن ، لكن الراجح وقفه على علي t ، ولا يعلم له مخالف .
وعليه العمل عند أهل العلم فقد أجمعوا على فرضية الزكاة في الذهب والفضة ، وأن الواجب فيها ربع العشر ، وعامة أهل العلم على أن نصاب الذهب عشرون ديناراً .
إلا ما روي عن الحسن : أن نصابه أربعون ديناراً ، وروي عنه ما يوافق أهل العلم ، وليس على قوله دليل .
إذن نصاب الذهب عشرون ديناراً ، والواجب فيه ربع العشر .
قال : [ وفي الفضة إذا بلغت مئتى درهم ربع العشر منهما ]
فقد ثبت - في البخاري - من حديث أنس t في كتاب أبي بكر t في الصدقة ، وفيه : " وفي الرِّقة – أي الفضة – إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر ، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها " .
وقد أجمع أهل العلم على ذلك .
واعلم أن المعتبر عند جماهير العلماء في زكاة النقدين هو الوزن .
وقد تقدم وزن نصاب الذهب وأنه يساوي خمسةً وثمانين جراماً ، وأما الفضة فإن مائتي درهم يساوي مائة وأربعين مثقالاً ، والمثقال من الفضة يساوي جرامين وتسعمائة وخمساً وسبعين بالمائة ، وعلى ذلك : نصابه بالجرامات يساوي : خمسمائة وخمسةً وتسعين جراماً .
فالمعتبر عند جماهير العلماء هو الوزن .
واستدلوا بما ورد في سنن أبي داود وغيره في قول النبي e ، والحديث حسن في زكاة الفضة قال : ( إذا بلغت خمس أواق ) ، فذكر النبي e نصاب الفضة بالوزن فدل على أنه المعتبر .
وقال شيخ الإسلام : بل المعتبر العدد من غير نظر إلى الوزن .
فلو ضُرِب دينار على نصف مثقال فإنه يعد ديناراً ولا ينظر إلى وزنه وكذلك في الفضة فإذا اجتمع عنده منه عشرون دينار وجبت فيها الزكاة وإن كان وزنها عشرة مثاقيل .
واحتج رحمه الله بأن الدراهم في عهد النبي e لم تكن ذات وزن واحد ، بل منها ما وزنه ثمانية دوانق وهي البغلية ، ومنها ما وزنه أربعة دوانق وهي الطبرية ، حتى كان عهد عبد الملك بن مروان فجمعهما على ستة دوانق وحمل زيادة الأكبر على نقص الأصغر وهو الدرهم الإسلامي , فلم يكن في عهد النبي e حدٌّ للدرهم والدينار فدل على أن نصاب الأثمان هو المتعارف عليه في كل زمن من صغير وكبير ولا قاعدة في ذلك .
والصواب قول الجمهور ؛ لأن الشارع لا يجمع بين المختلفات ولا يفرق بين المتماثلات .
ونجزم أن هناك وزناً يرجع إليه عند الاختلاف في عهد النبيe وعهد خلفائه إذا يبعد أن يبيع عليه شاة بدرهم ويكون المشتري مخيراً بين درهم وزنه أربعة دوانق ودرهم وزنه ثمانية دوانق .
وأما الأوراق النقدية المعاصرة ، وهي ما تسمى " بنك نوت " وهي لغة فرنسية بمعنى الأوراق النقدية ، وتسمى : " بالأنواط " في كلام الفقهاء المعاصرين .
فهذه الأوراق اختلفت فيها أنظار الناس من الفقهاء المعاصرين :
- فمنهم من قال : هي وثائق دين ، يعني ليست أثماناً ، وإنما هي وثيقة كما لو اقترضت من رجل مالاً فأعطيته ورقة تثبت فيها هذا الحق الذي عليك ، فهي وثيقة دين .
وهذا اعتماد على ما يكتب فيها من التزام مؤسسة النقد بدفع ما يقابلها من ذهب وفضة .
وهذا ضعيف ، فإن هذه الكتابة المقصود منها توثيقها وإلا فإن صاحب الورقة لا يعطى قيمتها من الذهب والفضة ، وهذا القول فيه شدة ، ويترتب عليه عدم جواز السلم فيها ، وأنه لا يجوز شراء الذهب والفضة بها ؛ لأنها دين ، لأن الواجب أن يكون الشراء يداً بيد في الأصناف الربوية ، فهذا القول مع ضعفه فإن فيه ضيقاً وشدة .
- وأوسع المذاهب من قال : إنها عروض تجارة ، وحجته : أنها مال مرغوب فيه ، وليست بذهب ولا فضة ، فأشبهت العقارات كالأقمشة وغيرها من العروض .
وهذا أيضا ضعيف ؛ لأن المقصود منها القيمة ولو أن السلطان أبطلها - أي أبطل التعامل بهذه الورق المعينة - لم يبق لها قيمة مطلقاً .
ويترتب على هذا القول جواز الربا فيها بنوعيه ، ربا الفضل وربا النسيئة ؛ لأنها عروض تجارة ، فكما لو استبدل أقمشة بأقمشة ، فله أن يستبدل مئة ألف بخمسة آلاف ، سواء كان ذلك حاضراً أو نسيئة ؛ لأنها ليست بأثمان ، بل هي عروض تجارة .
- وقال بعض أهل العلم : بل هي بدل عن الذهب والفضة ، فلها أحكام الذهب والفضة ؛ لأنها – على رأي هذا القائل - يقابلها في صندوق النقد الذهب والفضة ، فتعطى حكمه .
وعليه فيقع فيها الربا بنوعيه .
وتكون هذه الأوراق كلها جنساً واحداً فلا يجوز التفاضل بينها , فلا يجوز بيع الدولارات بالريالات مع التفاضل بينها .
- وذهب بعض أهل العلم ، وهو أصحها : إلى أن الأوراق النقدية من الريالات والدولارات وغيرها أثمان مستقلة بنفسها .
أما كونها أثمان ، فهذا ظاهر ؛ فإن لها قيمة الذهب والفضة تماماً في البيع والشراء وغير ذلك ، بل التعامل فيها في البيع والشراء أكثر من التعامل بالذهب والفضة .
وأما كونها مستقلة - أي مستقلة عن الذهب والفضة - ؛ فلأن هذا هو الواقع ، فإن الواقع أن رصيدها في بيت النقد ليس بذهب على الخصوص أو فضة على الخصوص ، بل يجتمع فيه الذهب والفضة والمعادن والعقارات وغير ذلك من الأموال ، فليس لها رصيد محدد من ذهب أو فضة حتى نجعلها بدلاً من أحدهما ، بل رصيدها من أموال مختلفة ، فقد يكون رصيدها من البترول أو من بعض المعادن الأخرى ومن الذهب والفضة أو من العقارات ، وربما كان رصيدها الثقة بهذه الدولة .
فعلى ذلك : فإن كل ورقٍ نقدي لبلد جنس مستقل ، فيجوز التفاضل بين الريالات والدولارات ؛ لأنها أجناس مختلفة .
وهذا لاشك أن فيه دفعاً للحرج عن الناس مع المحافظة على الأحكام الشرعية من وجوب الزكاة وتحريم الربا بنوعيه ، ربا الفضل وربا النسيئة فيها .
فعلى ذلك : أصح الأقوال للمعاصرين في مسألة الأوراق النقدية أنها أجناس مختلفة .
وهل نصابها نصاب الذهب والفضة ؟
ثلاثة أقوال أيضا للمعاصرين :
- فمن المعاصرين من قال : نصابها نصاب الفضة ؛ لأن نصاب الفضة مجمع عليه ، ولأنه ثابت في صحيح البخاري ، والأحاديث الواردة فيه أصح .
- وقال بعضهم : إن الزكاة تجب فيها إذا بلغت أدنى النصابين ، وهو أحوطها .
- والقول الثالث : أن نصابها نصاب الذهب ؛ قالوا : لأن نصاب الفضة يسير لا يقارن بالأنصبة الواردة في الشرع كأربعين شاة أو خمس من الإبل أو ثلاثين من البقر وغيرها من أنصبة الأموال , فإن نصاب الريالات السعودية لو حددناه بنصاب الفضة فإنه يساوي خمسمائة ريال تقريباً ، وهذه لا تساوي شاةً واحدة ، فيبعد أن يوجب الشارع في مثل هذا المبلغ الزكاة ، فإن في ذلك إجحافاً بصاحب المال .
وأما الذهب ، فإنه يصل كما تقدم إلى ثلاثة آلاف ، وهذا يقرب أن يكون نصاباً يعرف به الغني .
وهذا القول فيما يظهر لي أقوى هذه الأقوال ؛ لأنه ليس فيه إجحاف بصاحب المال ، ولأن الشرع لا يعلق الزكاة بمثل هذا المبلغ اليسير .
قال : [ ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب ]
هذا هو المشهور عند الحنابلة ، وهو مذهب جمهور العلماء ، قالوا : لأن مقاصدهما واحدة وزكاتهما متفقة فهما كنوعي جنس .
- وقال الشافعية ، وهو رواية عن الإمام أحمد : إنه لا يضم بعضهما إلى بعض ؛ لأن كلاًّ منهما جنس مختلف عن الآخر ، كالإبل والبقر والغنم ، فكل منها جنس يختلف عن الآخر ، فلم يضم بعضها إلى بعض لاختلاف جنسيهما والصواب ما تقدم .
وهل تضم بالأجزاء أم بالقيمة ؟
قال جمهور العلماء : تضم بالأجزاء .
فإذا ملك نصف نصاب الذهب وهو عشرة دنانير ، ونصف نصاب الفضة وهو مائة درهم ، فإن الزكاة تجب عليه ، فقد ملك نصفاً من هذا ، ونصفاً من هذا ، فيتم النصاب .
كذلك إذا ملك ثلثاً من نصاب الفضة ، وثلثين من نصاب الذهب أو العكس فتجب الزكاة .
فإن قلنا : إنها تضم بالقيمة ، فإذا ملك عشرة دنانير وملك تسعين درهماً تساوي عشرة دنانير وجبت عليه الزكاة وهو قول أبي حنيفة وخالفه فيه صاحباه .
أما أهل القول الأول ، فقالوا : إنا لا نعتبر بالقيمة إذا كانا منفردين ، فكذلك إذا ضم بعضها إلى بعض .
فمن يملك عشرين ديناراً لا تساوي إلا مائة درهم ، فإن الزكاة تجب عليه اتفاقاً ، وكذلك من ملك مائتي درهم لا تساوي إلا عشرة دنانير ، فإن الزكاة تجب عليه اتفاقاً, هذا هو مذهب الجمهور وهذا القول أظهر .
قال : [ وتضم قيمة العروض إلى كلٍ منهما ]
فمن كان عنده دكان وعنده دراهم قد حال عليها الحول وهي دون النصاب وبضمها إلى قيمة العروض تكون نصاباً فتجب فيها الزكاة ، وهذا ظاهر لما تقدم من أن عروض التجارة والذهب والفضة جنس واحد , ولأن النظر في قيمة العروض لا في أعيانها .
قال : [ ويباح للذكر من الفضة الخاتم ]
لما ثبت في الصحيحين عن أنس t قال : " اتخذ النبي e خاتماً من فضة " .
قال : [ وقبيعة السيف ]
وهي طرف مقبض اليد من السيف ، فيجوز أن يكون من فضة ؛ لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك t قال : " كانت قبيعة سيف النبي e فضةً " .
قال : [ وحلية المِنْطَقة ]
المنطقة : ما يشد به الوسْط ، وهو من ملبوس الرجال في القديم فيجوز أن تحلى بالفضة .
وذكر الحنابلة في ذلك آثاراً عن الصحابة y لم يذكروا لها عزواً ولم أقف على عزوها قالوا : ومثل ذلك رأس المكحلة وحلية الدرع والمغفر ، والقياس يدل على جوازه .
واختار شيخ الإسلام إباحة الفضة للرجال مطلقاً وهو قول في المذهب وقواه صاحب الفروع .
قال صاحب الفروع : " ولم أجدهم احتجوا على تحريم لبس الفضة على الرجال ، ولا أعرف التحريم نصاً عن أحمد " .
ولأن الأصل في الأشياء الإباحة كما قال تعالى : ) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ( ، ومن ذلك الفضة .
وفي سنن أبي داود أن النبي e قال : ( وأما الفضة فالعبوا بها ) والحديث حسن ، وقد دلت الأدلة على جوازه للنساء ، والأصل أن ما جاز للنساء فهو جائز للرجال إلا بدليل يدل على التخصيص ولا دليل يدل عليه , وهذا هو القول هو الراجح .
وتحريم الآنية لا يدل على تحريم اللباس فإن باب اللباس أوسع من باب الآنية ، ولذا فإن الآنية محرمة على النساء كما تقدم .
قال : [ ومن الذهب قبيعة السيف ]
يجوز له أن يحلي قبيعة سيفه بالذهب ، فهذا جائز ، وقد حكاه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب t ولم أقف على سنده ، والوارد عن عمر t كما في الطحاوي وغيره بإسناد جيد أن قد حلي سيفه بفضة ، وهو الأليق به من الاقتداء بالنبي e .
قال : [ وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه ]
يباح له ما دعت إليه الضرورة كالأنف لو انقطع وكرباط الأسنان , أو السن من الذهب وفي سنن أبي داود
- بإسناد لا بأس به ، ويشهد له عمل أهل العلم ، فإنه لا خلاف بين العلماء في جواز ذلك - عن عرفجة بن أسعد t أنه أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية ، فاتخذ أنفاً من فضة ، فأنتن ، فأمره النبي e : ( أن يتخذه من الذهب ) .
واختار شيخ الإسلام ، وهو قول أبي بكر من الحنابلة وقول في المذهب : أن الذهب اليسير التابع لغيره جائز ، وهو الذهب المقطع وفي سنن النسائي وغيره بإسناد صحيح : أن النبي e : ( نهى عن الذهب إلا مقطعاً ) ، كأن يضع في خاتمه فصاً من ذهب أو يحلي قبيعة السيف بذهب أو يجعل إبرة الساعة من ذهب وكقصب المشالحإن كان أربعة أصابع فما دون ، فإن هذا جائز , وهذا خلاف المشهور في المذهب ، فإن المشهور في المذهب جوازه في قبيعة السيف فحسب .
أما إن كان ليس تابعاً لغيره ، بل هو مستقل ، كالخاتم وغيره ، فإن الأدلة دلت على تحريمه ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي e رأى خاتم ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه ، وقال : ( يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ) .
قال : [ ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر ]
كالسوار وغيره .
لقول e : ( هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم ) , رواه أحمد وأهل السنن وهو صحيح .
وقيده المؤلف هنا بما جرت به عادتهن .
وهذا يختلف باختلاف الأزمان رخاءً وشدةً واختلاف البلدان .
قوله : " ولو كثر " ، " لو " إشارة إلى خلاف في المذهب ، فقد قال ابن حامد من الحنابلة ، وهو رواية عن الإمام أحمد : يشترط أن لايزيد على ألف مثقال ، وهذا القول ضعيف ؛ لأنه تحديد بلا دليل ، فإن الأدلة مطلقة ، لكن بشرط ألا يكون فيه إسراف ولا مخيلة .
فقد قال النبي e فيما رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد : ( كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا بغير إسراف ولا مخيلة ) والإسراف يعرف بخروجه عن العادة .
قال : [ ولا زكاة في حليهما ]
أي في حلي الذكر والأنثى ، فإذا كان عند الرجل خواتم من فضة وله قبيعة سيف من فضة يبلغان نصاباً ، فلا تجب عليه الزكاة فيه ، وكذلك المرأة .
قال : [ المعد للاستعمال أو العارية ]
هذا هو المشهور عند الحنابلة ، وهو مذهب المالكية والشافعية ، وأن الحلي لا زكاة فيه إن كان معداً للاستعمال أو للعارية .
واستدلوا بما روى جابر t أن النبي e قال : ( ليس في الحلي زكاة ) رواه الطبراني وغيره , قلت : وإسناده ضعيف , والصواب وقفه على جابر t , وهو قول : أنس وجابر وابن عمر وعائشة وأسماء y كما في مصنف ابن أبي شيبة وغيره .
قالوا : ولأن هذا الحلي لم يرصد للنماء ، والزكاة إنما تجب في الأموال النامية ، قالوا : وهو يشبه متاع البيت وأثاثه ولا زكاة فيه .
- وذهب الأحناف إلى أن الزكاة تجب في الحلي المعدة للاستعمال أو العارية ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، وهو مذهب طائفة من التابعين ، كسعيد بن المسيب ومجاهد وابن سيرين وعطاء رحمهم الله ، وهو مذهب ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما كما في البيهقي بإسناد حسن واختاره الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله .
واستدلوا بما روى أبو داود والترمذي والنسائي وقال الحافظ ابن حجر إسناده قوي : " أن امرأة أتت النبي e ومعها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مسكتان – أي سواران – من ذهب ، فقال : ( أتؤدين زكاة هذا ) قالت : لا يا رسول الله ، قال : ( أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار ) فألقتهما وقالت : هما لله ورسوله " .
وعند أبي داود ورواه الحاكم وصححه ، وقال ابن دقيق العيد فيه : " إسناده على شرط مسلم " عن عائشة رضي الله عنها قالت : " دخل علي رسول الله e وعلى يدي فتخات من ورق – أي من فضة – فقال :
( ما هذا يا عائشة ؟ ) فقلت : صنعتهن أتزين بهن لك ، فقال النبي e : ( أتؤدين زكاتهن ؟ ) قالت : لا أو ما شاء الله - أي من اللفظ المقابل للفظة " ما شاء الله " ، فقال : ( هو حسبك من النار ) .
وروى أبو داود في سننه عن عطاء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : " كنت ألبس أوضاحاً – أي خلخل – من ذهب ، فقلت : يا رسول الله أكنز هو ؟ فقال : ( ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز ) ، وعطاء لم يسمع من أم سلمة رضي الله عنها ، فالحديث فيه انقطاع .
قالوا : فهذه أحاديث تدل على فرضية الزكاة في الحلي ، قالوا : ويدل على هذا عمومات الأدلة الشرعية ، كقوله e : ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها .. ) رواه مسلم ، وقوله تعالى : ) والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ... ( .
قالوا : والآثار عن الصحابة متعارضة فلا يصح الاحتجاج بها .
والراجح : ما ذهب إليه الجمهور لقوة تعليلهم , واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وعليه أئمة الدعوة واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالله بن حميد رحم الله الجميع .
والجواب عما استدل به الأحناف :
بأن أحاديثهم لا تصح , قال ابن عبدالهادي رحمه الله : فكلها ضعاف .
وقال الترمذي : ولا يصح في هذا الباب شيء .
أما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه قوله e : (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار ) فالرواة عن عمرو بن شعيب ضعفاء .
وحديث عائشة رضي الله عنها في سنده يحي بن أيوب وفيه كلام كثير , والراجح أنه صدوق في حفظه شيء , قال أحمد : سيء الحفظ , وقال ابن عدي : " وهو عندي صدوق " , وفيه نكارة فإن الفتخات قطع دون النصاب .
وأما حديث أم سلمة رضي الله عنها : فإن فيه انقطاعاً كما تقدم , وفيه عتاب بن بشير وفيه ضعف .
وأما عمومات الأدلة فالقياس دال على تخصيصها .
قال : [ وإن أعد للكرى أو للنفقة أو كان محرّماً ففيه الزكاة ]
لأنها إنما سقطت فيما أعد للاستعمال يصرفه عن جهة النماء فبقي ما عداه على الأصل للأدلة السابقة .
وأما المحرم فلأنه غير مأذون فيه شرعاً وعليه فيبقى على الأصل من وجوب الزكاة فيه .
باب زكاة العروض
العروض : جمع عرْض - بإسكان الراء - : وهو ما سوى الأثمان من الأموال ، أي ما سوى الذهب والفضة من الجواهر والعقارات والثياب والأمتعة وغير ذلك من الأموال .
وهي في اصطلاح الفقهاء : ما أعد للبيع لأجل الربح ، أما إن كانت للقنية أي للاقتناء من ملبوسه أو مسكنه أو مركوبه أو ما في بيته من أمتعة وأثاث ونحو ذلك ، فهي بإجماع العلماء لا تجب فيها الزكاة .
وتجب الزكاة في عروض التجارة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة والنظر الصحيح .
أما الكتاب ، فقوله تعالى : ) أنفقوا من طيبات ما كسبتم ( ، وقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( فقوله : ) أموالهم ( جمع مضاف يفيد العموم أي خذ من كل أموالهم ، والأمتعة والأثاث والعقارات التي أعدت للبيع أموال فتدخل في العموم , بل عروض التجارة هي أعم الأموال فكانت أولى بالدخول .
وأما السنة ، فقد ثبت عند الحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي بإسناد جيد أن النبي e قال :
( في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البزِّ صدقته ) والبز : هو القماش الذي يباع ، فأوجب النبي e في البز الصدقة ، وضبطها الحاكم في مستدركه – وهو تصحيف – : ( وفي البر صدقته ) ، لكن هذا تحريف وتصحيف كما قال ذلك النووي وغيره ، ولو كان الشارع يريد البر لقال : ( وفي الحب صدقته ) ليعم البر وغيره كما قال e :
( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة ) ، فهذا دليل على وجوب الزكاة في البز ، ويلحق به غيره من أموال التجارة .
وأما الإجماع : فقد حكاه غير واحد من أهل العلم - كابن المنذر وأبي عبيد القاسم بن سلام - على وجوب الصدقة في الأموال التجارية .
وأما أقاويل الصحابة : فقد صح ذلك عن عمر t كما في البيهقي وغيره ، وصح عن ابنه t كما في البيهقي ، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في كتاب الأموال لأبي عبيد ، ولا يعلم لهم مخالف ، فيكون قولهم إجماعاً وحجة .
وأما النظر الصحيح : فلأنه مال نامٍ فوجبت فيه الزكاة كالسائمة .
- وذهب الظاهرية إلى أن الزكاة غير واجبة في عروض التجارة ، واختار هذا القول الشوكاني في نيل الأوطار .
واستدلوا بالأصل ، قالوا : الأصل براءة الذمة من الزكاة ، فلا تجب الزكاة إلا بدليل ، قالوا : ولا دليل يدل على ذلك .
وهذا ظاهر الضعف ، فقد تقدمت الأدلة الدالة على وجوبها من السنة , وهم محجوجون بالإجماع أيضاً .
واستدلوا بقوله e : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة ) ، قالوا : وأنتم توجبون الزكاة في الحب إذا كان أربعة أوسق ، وقد أعد للتجارة , فإن الذين يوجبون الزكاة في العروض التجارية يوجبونها على من عنده أربعة أوسق من الحب أعدها للبيع والتجارة وبلغت نصاب الأثمان .
والجواب عن هذا أن يقال : إن هذا نوع آخر ، فقوله e : ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة ) ، هذا في زكاة الحبوب والثمار التي تجب عند الحصاد ويراعى فيها عينها ، وأما عروض التجارة فإن زكاتها زكاة حولية وتراعى فيها قيمتها .
وقد اتفق العلماء على أن الزكاة تجب في عروض التجارة عند مضي الحول ، لعموم الآثار المتقدمة : " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " ، فإذا مضى الحول وجبت الزكاة .
قال : [ إذا ملكها بفعله ]
أي باختياره ، كالخلع والصداق والهبة والوصية والشراء ونحو ذلك ، فالمقصود أن هذه السلعة قد دخلت في ملكه باختياره لا قهراً ، ليخرج من ذلك ما يدخل في ملكه بالإرث ، فإنه يتملكه قهراً لا اختياراً .
وكلقطة مضى على تعريفها حول ؛ لأنه قد ملكها بغير اختياره , أو عاد إليه الصداق بطلاق قبل الدخول أو فسخ من قبلها قبل الدخول , فكذلك قد دخل في ملكه قهراً , هذا هو الشرط الأول .
قال : [ بنية التجارة ]
هذا هو الشرط الثاني ، وهو أن تكون بنية التجارة عند التملك , فإن كانت بنية القنية فلا تجب فيها الزكاة ولو نوى بعد ذلك التجارة ، فلو اشترى أرضاً على أنه يريد أن يبنيها فيسكنها ، فهذه قنية ، أو اشترى ثياباً بنية أن يلبسها أو يهديها ، فإن الزكاة لا تجب فيها ولو نوى بعد ذلك التجارة , هذا هو المشهور في المذهب .
وعن الإمام أحمد وهو اختيار أبي بكر عبدالعزيز وابن عقيل وغيرهم : أن الزكاة تجب في عروض التجارة مطلقاً بمجرد النية مَلَكَهَا بفعله أو بغير فعله ؛ لعموم الأدلة , والفرق بينهما غير مؤثر في الحكم وهذا القول هو الراجح واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .
قال : [ وبلغت قيمتها نصاباً ]
ونصابها نصاب الأثمان باتفاق العلماء ، أي نصاب الذهب والفضة ؛ لأن الاعتبار بقيمتها .
قال : [ زكى قيمتها ]
فيجب أن يكون المخرج قيمة لاعتبار النصاب بها ؛ ولا تجزئ الزكاة من العروض .
فإذا بلغت عروض التجارة عشرين ديناراً فيجب عليه أن يتصدق بنصف دينار .
- وقال بعض الشافعية : بل تجب الزكاة في عينها ، فعليه أن يخرج ربع العشر مما عنده من العروض ، فإذا كان عنده أقمشة فيخرج أقمشة وهكذا .
قالوا : قياساً على سائر الأموال الزكوية ، فكما أن الزروع تخرج زكاتها حباً والثمار تخرج زكاتها ثمراً والمواشي كذلك ، فكذلك عروض التجارة .
ورُدَّ بثبوت الفارق بينهما فإن المواشي نصابها مواشي والثمار نصابها ثمار ، والزروع نصابها حبوب ، وأما عروض التجارة فنصابها بالقيمة ، فكان القدر المخرج منها أيضاً بالقيمة .
- وقال الأحناف ، وهو اختيار شيخ الإسلام : يجوز أن يخرج أثماناً ويجوز أن يخرج عيناً .
يجوز أن يخرجها من أعيان هذه الأموال ؛ لأن الزكاة في الأصل تجب من عين المال ، لقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( ، فالزكاة تؤخذ من عين المال .
ويجوز أن يخرج قيمةً ؛ لأن اعتبار النصاب بالقيمة؛ ولأن المقصود منها القيمة ولذا كان من جنس الأثمان , وهذا هو الراجح .
واعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في جواز إخراج القيمة في غير العروض من المواشي ونحوها ، فهل يجوز أن يخرج عن الحب دراهم أو دنانير أو يخرج عن الإبل أو البقر أو الغنم دراهم أو دنانير ، أو يجب أن يخرجها من عين ماله ؟
قال جمهور العلماء : يجب أن يخرجها من عين ماله ؛ لقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( , والنصوص الشرعية في هذا الباب كثيرة كقوله e : ( في كل أربعين من الغنم شاة ) .
وقال الأحناف : يجوز أن يخرج القيمة ؛ لأن المقصود منها هو القيمة ، فله أن يخرج مكان الشاة ما يساويها من الدراهم والدنانير .
واختار شيخ الإسلام ، وهو رواية عن أحمد ، قولاً بين هذين القولين ، فقال : يجوز إخراج القيمة عند الحاجة ، فإن كانت مصلحة الغني أو الفقير في إخراج القيمة جاز .
ودليل هذا من الآثار : ما رواه طاووس عن معاذ بن جبل t أنه قال : " ائتوني بخميص أو لبيس – وهي ثياب – في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي t بالمدينة " ، وهذا الأثر يرويه طاووس عن معاذ وهو لم يسمع منه ، لكنه أدرك عامة أصحاب معاذ بن جبل t في اليمن ، وهو من أهل اليمن ، وقد احتج بهذا الأثر البخاري في صحيحه ، ومقاصد الشريعة تدل عليه .
قال : [ فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها لم تصر لها ]
كما تقدم .
قال : [ وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق ]
رجل عنده قماش للبيع إن قومه بالدراهم كانت قيمته مائتي درهم ، وإن قومه بالدنانير كانت قيمته خمسة عشر ديناراً ، فتجب فيه الزكاة لأنه قد بلغ نصاب الفضة هذا هو المشهور عند الحنابلة , وتقدم أن الأوراق النقدية في هذا العصر تقوم بالذهب وعليه فإن عروض التجارة كذلك تقوم بالذهب .
قال : [ ولا يعتبر ما اشتريت به ]
من ذهب أو فضة هذا هو المشهور في المذهب : فلو اشتراها بفضة وبلغت نصاب الذهب دون نصاب الفضة وجبت فيها الزكاة ؛ لأنه الأحظ للفقراء كما تقدم ولأنها بلغت أحد النصابين .
وتقوم بالسعر الحالي الذي تباع به السلعة في السوق عند وجوب الزكاة , أي السعر الذي يمكن أن تباع فيه بيسر .
قال : [ وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله ]
لأنها جنس واحد كما تقدم , فإن كان عنده دراهم تبلغ النصاب ومضى عليها ستة أشهر وهي عنده ، فاشترى بها أقمشة للبيع والشراء ، فحولها حول الدراهم ، فيبني على حول الأثمان ؛ لأن العروض والأثمان جنس واحد كما تقدم ، لأن المقصود من العروض ثمنها .
أو كان عنده عروض تجارة فاستبدلها بعروض أخرى كأقمشة , فلا يستأنف لها حولاً جديداً .
قال : [ وإن اشتراه بسائمة لم يبن ]
أو باعه كذلك بسائمة لم يبن , بل يستأنف حولاً جديداً .
لاختلافها في النصاب والواجب .
مسألة :
إذا كان عنده إبل سائمة وقد أعدها للتجارة ، فهل تزكى زكاة عروض ، لأنها قد أعدت للتجارة أو تزكى زكاة سائمة ؟
قال الحنابلة : تزكى زكاة عروض ؛ لأن زكاة العروض تجب وإن كانت دون نصاب السائمة .
ولأن هذا هو الأحظ للفقراء ، وذلك لأنا إذا اعتبرناها عروضاً فلا وقص فيها بل بحساب ذلك .
وإن لم تبلغ زكاة التجارة فعليه زكاة السوم .
وقال الشافعية : بل تخرج زكاتها على أنها سائمة ؛ قالوا : لأن الأدلة الدالة على فرضية الزكاة في السائمة أقوى من الأدلة الدالة على وجوبها في عروض التجارة .
والصحيح مذهب الحنابلة , فإن ما ذكره الشافعية لا يدل على أنها تجب زكاتها سائمة وإنما يدل على قوة وجوب الزكاة في السائمة .
مسألة :
رجل عنده سائمة من الإبل قد أعدها للتجارة ، فلما مضى عليها ستة أشهر أبطل نية التجارة ، وبقيت سائمة ، فهل يستأنف حولاً جديداً أم يبني على الحول السابق ؟
المشهور عند الحنابلة : أنه يستأنف حولاً جديداً .
وقال إسحاق ، وهو الأشبه – كما قال ذلك الموفق – : أنه يبني على الحول الأول . قالوا : لأن هذه الإبل وجبت فيها الزكاة لسببين : أنها سائمة , وأنها عروض تجارة .
فإن أبطل أحدهما بقي مقتضي الآخر وهذا هو الراجح .
باب زكاة الفطر
إضافة الزكاة إلى الفطر لأنه سبب وجوبها فهو من باب إضافة الشيء إلى سببه.
ففي سنن أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمةً للمساكين ) الحديث . وتسمى بالفطرة.
قال : [ تجب على كل مسلم ]
فصدقة الفطر تجب على كل مسلم سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً كبيراً أو صغيراً .
ففي الصحيحين عن ابن عمر قال : ( فرض رسول الله e زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) .
قال : [ فَضُل له يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله ]
فلا يشترط أن يكون غنياً ، بل تجب على من عنده صاع زائد عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه .
يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها على العبد والعبد لا مال له ، ويدل عليه أيضاً قول أبي هريرة في مسند أحمد بإسناد صحيح : ( زكاة الفطر على كل صغير وكبير ذكر أو أنثى فقير أو غني صاع من تمر أو نصف صاع من بر ) ، فإن لم يكن عنده ما يفضل عن يوم العيد وليلته فلا تجب عليه الزكاة دفعاً للضرر عنه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( أبدأ بنفسك ).
قال : [ وحوائجه الأصلية ]
هو ما تدعوا الحاجة إليه من مسكن وأثاث ومركب وكتب وغير ذلك فلا يجب عليه بيعها ليخرج زكاة الفطر لقوله تعالى : ) ما جعل عليكم في الدين من حرج ( أما إن كان عنده شيء من المتاع أو الأثاث الزائد عن حاجته الأصلية فيجب عليه أن يبيعه ويشتري صاعاً يتصدق به .
قال : [ ولا يمنعها الدين إلا بطلبه ]
تقدم أن المذهب وهو الراجح أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة أما زكاة الفطر فإن الدين لا يمنعها ، لأن صدقة الفطر لا تعلق لها بالمال بدليل وجوبها على الفقير ووجوبها على العبد فدل هذا على أنها لا تعلق لها بالمال فيجب وإن كان مديناً أي عليه دين بخلاف الزكاة فإنها متعلقة بالمال كما قال تعالى ) خذ من أموالهم (
قال : [ إلا بطلبه ]
أي إلا بطلب الدين ، فإن كان الدين مطالباً به فإن زكاه الفطر لا تجب ؛ وذلك لأن الدين إذا طولب به وجب أداؤه وقدم على الزكاه ، لأن الزكاة إنما تجب من باب المواساة والدين حق آدمي فكان أسبق من الزكاة .
قال : [ فيخرج عن نفسه وعن مسلم يمونه ]
أي ينفق عليه مثل الزوجه والولد والوالد فتجب صدقة الفطر عن النفس وتجب عمن يمونه .
أما وجوبها عن النفس فلحديث : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ) .
وتجب على من يمونه – أي على من ينفق عليه – لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها على العبد ، والعبد لا مال له فدل على أنها تجب على سيده وهو المنفق عليه ، وفرضها على الصغير ، والصغير ينفق عليه ولا مال له في الغالب فدل على أنها تجب على من ينفق عليه ، أما إذا كان الصغير ذا مال وهو اليتيم الذي له إرث فإن الصدقة تجب في ماله ويخرجها وليه عنه وفي الدار قطني عن ابن عمر قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على العبد والحر والصغير والكبير ممن تمونون ) وإسناده ضعيف لكن له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن وهو ثابت عن ابن عمر كما في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح .
فعلى ذلك تجب صدقة الفطر تبعاً للنفقة ، فتجب صدقة الفطر على من وجبت عليه النفقة .
قال : [ ولو شهر رمضان ]
إذا مان مسلماً يعني أنفق عليه ولو كان ذلك في شهر رمضان فقط كالذي يجمع الفقراء في رمضان ويطعمهم.
وكذا لو كان عنده ضيوف في شهر رمضان.
- هذا هو المشهور عند الحنابلة وأن من أنفق على فقير في شهر رمضان فيجب عليه صدقته وإن كان ذلك تبرعاً للحديث المتقدم : ( عمن تمونون ) قالوا : وهو هنا يمونه وينفق عليه .
واختار الموفق وأبو الخطاب من الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء : أن الصدقة لا تجب عليه ؛ قالوا : لأن النفقة هنا من باب التبرع وأما النفقة المذكورة في الحديث فإنها النفقة الواجبة وقال تعالى (( ولا تزر وازرة وزر أخرى )) وهذا القول هو الراجح
قال : [ فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه ]
فإذا كان لا يفضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه إلا صاع ، فالواجب عليه أن يبدأ بنفسه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أبدأ بنفسك ) .
قال : [ فامرأته ]
قالوا : لأن الصدقة تبع للنفقة ، ونفقة المرأة من باب المعاوضة وتثبت في عسر الزوج ويسره فكانت أقوى من نفقه الولد والرقيق وغيرهما .
وجمهور العلماء يقولون بأن زكاة الفطر تجب على الزوج عن زوجته ، مطلقاً وإن كانت زوجته ذات يسار وقدرة وغنى فإن الصدقة تجب على الزوج .
واستدلوا : بما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم : ( عمن تمونون ) .
- وذهب الأحناف : إلى أن صدقة الفطر لا تحب على الزوج عن زوجته ، وإنما تجب على الزوجة في مالها .
واستدلوا : بقول ابن عمر : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى ) .
فدل على أنها تجب عليها في مالها وهذا القول – فيما يظهر لي – أصح ؛ وذلك لأن هذا الحديث أصح الدارقطني الذي يصح بشواهده وطرقه ، وهذا الحديث أصح منه وأظهر فإنه قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى " فهي فرض على المرأة في مالها ولأن الأصل في الزكاة وجوبها في المال .
فالأصح أن الزوج لا تجب عليه صدقة الفطر عن زوجته وإنما تخرجها إن كانت قادرة ، فإن لم تكن قادرة فتجب على زوجها لأن ينفق عليها .
قال : [ فرقيقه ]
قالوا : لأن النفقة على الرقيق تجب في العسر واليسر لكنها دون النفقة على المرأة لأن النفقة على المرأة من باب المعاوضة أما النفقة على العبد فإنها للملكية لا للمعاوضة ، فكانت النفقة على الزوجة أولى ، لكن النفقة على الرقيق أولى من النفقة على القريب من الأب والأم والولد لأن النفقة على الأقارب تجب في اليسر دون العسر وأما النفقة على الرقيق فإنها تجب في عسر السيد ويسره بحيث إنه إذا كان معسراً فإنه يؤمر ببيعه حتى لا يتضرر العبد بذلك .
قال : [ فأمه فأبيه ] .
تُقدّم الأم على الأب ؛ قالوا : لأن الأم أولى بالبر من الأب الحديث : ( من أبر ؟ فقال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أباك )
قال : [ فولده ]
قالوا : لأن الولد تجب النفقة عليه في الجملة وتجب في اليسر دون العسر وحق الوالدين مقدم على حق الولد هذا هو المشهور في المذهب .
قال : [ فأقرب في ميراث ]
الأقرب فالأقرب ، فالجد الأدنى يقدم على الجد الأعلى ، فالجد مقدم على أب الجد وهكذا لقوله تعالى ( الأقربون أولى بالمعروف ) .
وفي تقديم المؤلف الزوجة على الولد نظر ، فقد قال بعض الحنابلة بتقديم الولد على الزوجة ، ودليله ما ثبت في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن رجلاً قال : ( يا رسول الله عندي دينار ؟ فقال : تصدق به على نفسك ، قال : عندي آخر ؟ قال : تصدق به على ولدك ، قال : عندي آخر ؟ قال : تصدق به على زوجك قال : عندي آخر ؟ قال : تصدق به على خادمك ، قال: عندي آخر قال : أنت أبصر به ) فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الولد على الزوجة وقدم الزوجة على الرقيق ، فالأظهر هو تقديم الولد على الزوجة والرقيق لهذا الحديث الثابت بإسناد صحيح .
والأظهر – أيضاً – تقديم الأب على الأم ؛ وذلك لأن صدقة الفطر مال وقد قال e : ( أنت ومالك لأبيك ) وهو رواية عن الإمام أحمد .
قال : [ والعبد بين شركاءَ عليهم صاعٌ ]
إذا كان العبد مملوكاً لأكثر من شخص ، فإن هذا الصاع يجب عليهم بقدر ملكيتهم فإن اشترك في العبد اثنان لكل منهما النصف فإن على كل منهما نصف صاع وهكذا .
قال : [ ويستحب عن الجنين ]
تستحب صدقة الفطر عن الجنين
وقد أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر لا تجب عن الجنين حكى ذلك ابن المنذر .
واستحب الإمام أحمد صدقة الفطر عن الجنين واستدل بأثر عن عثمان رواه ابن أبي شيبة لكن إسناده منقطع .
لكن ثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة وهو من كبار التابعين قال : ( كانت تعجبهم - أي السلف من الصحابة والتابعين - صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحمل في بطن أمه ) ولا تجب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرعها عن الصغير والكبير والجنين لا يصدق عليه أنه صغير ، فالصغير هو المولود وهذا ليس بمولود
قال : [ ولا تجب لناشز ]
أي لا تجب الزكاة عن الزوج للمرأة الناشز لأنه لا تجب عليه لها النفقة.
قال المؤلف رحمه الله : ( ومن لزمت غيرَه فطرتُهُ فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأته ]
لا خلاف بين العلماء في أن من وجبت عليه صدقة الفطر عن غيره فأستأذنه - من تجب عليه نفقته - في أن يخرج عن نفسه الزكاة فلا خلاف بين العلماء أن ذلك يجزي .
فلو استئذن الولد والده الذي ينفق عليه في أن يخرج عن نفسه فأذن له أجزأ اتفاقاً.
* ولا خلاف بين العلماء في أنه من أخرج صدقة الفطر عن غيره بعد إذنه ممن لا يجب عليه أن ينفق عليه فإن ذلك لا يجزيء.
فلو أن رجلاً أخرج عن أخيه أو صاحبه بغير إذنه فإنها لا تجزئ اتفاقاً لأن العبادة لا بد لها من نية.
- واختلفوا فيما إذا أخرج عن نفسه صدقة الفطر وهي تجب على – من ينفق عليه - بغير إذنه ، وهي المسألة التي ذكرها المؤلف هنا .
فإذا أخرج الولد صدقة الفطر عن نفسه وهي تجب على والده بغير إذن والده ، أو أخرجت الزوجة صدقة الفطر عن نفسها – على مذهب الجمهور – وهي واجبة على زوجها بغير إذنه ، فهل تجزيء هذه الصدقة عن صدقة الفطر؟
1- قال المؤلف أجزأت ؛ وذلك لأنها واجبة عليه في الأصل وإنما وجبت على الغير تحملاً ، لأنه مظنة ألا يقدر عليها بنفسه فالصغير مظنة ألا يقدر عليها بنفسه ، وهكذا سائر من ينفق عليه فهو مظنة ألا يقدر على إخراج صدقة الفطر عن نفسه . ولذا وجبت على من ينفق عليه فهي في الأصل واجبة عليه لكن لعدم قدرته عليها في الغالب وجبت على غيره فحيث قدر فتصدق عن نفسه ولو لم يأذن له من وجبت عليه فإن ذلك يجزئ عنه هذا هو المشهور في المذهب .
2- والوجه الثاني في الذهب أنها لا تجزيء عنه ؛ قالوا : قياساً على الذي يخرج صدقة الفطر عمن لا تجب عليه نفقته بعد إذنه.
وهذا قياس مع الفارق – كما تقدم – والفارق بينهما : أنها في الأصل واجبة عليه وإنما وجبت على غيره من باب التحمل ، وأما في المسألة الثانية فهي واجبة عليه أصالةً .
قال : [ وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر ]
لأن الشارع أضافها إلى الفطر والإضافة تقتضي السببيه والفطر يتحقق بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان – هذا مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور – .
- وقال الأحناف : بل وقت وجوبها طلوع فجر يوم العيد عيد الفطر لأن الليل ليس محلاً للصوم .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور ؛ وذلك لأنها طهرة للصوم ، والصوم ينتهي بغروب الشمس ، ولأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان ، والفطرة متعلقة بشهر رمضان .
قال [ فمن أسلم بعده ]
أي بعد غروب الشمس لم تلزمه الفطرة لأنه وقت الوجوب لم يكن من أهل الوجوب.
قال : [ أو ملك عبداً ]
تقدم أن السيد يجب أن يخرج صدقة الفطر عن عبده ، لكن إن اشتراه بعد غروب الشمس فلا تجب عليه فطرته ، وإنما تجب على من باعه .
قال : [ أو تزوج أو ولد له ]
بعد غروب الشمس لعدم وجود سبب الوجوب .
قال : [ وقبله تلزم ]
إذا أسلم قبل غروب الشمس أو اشترى عبداً قبل غروب الشمس أو تزوج قبل غروب الشمس أو ولد له قبل غروب الشمس فإن الصدقة تجب ؛ لوجود سبب الوجوب
والمشهور في المذهب أنه: إن كان معسراً قبل غروب الشمس ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله فإن الصدقة تسقط عنه وإن قدر عليها قبل خروج وقتها .
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام : أن الصدقة تجب عليه إذا أيسر بعد غروب الشمس لأنه قادر على الأداء في الوقت_ وهذا القول هو الراجح .
قال : [ ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط ]
يجوز إخراج صدقة الفطر قبل العيد بيومين .
- هذا هو المشهور عند الحنابلة والمالكية .
والمفتى به عند الأحناف و الشافعية أنه يجوز من أول شهر رمضان.
وهو قول ضعيف؛ لأنها صدقة سببها الفطر فلم تجزئ قبله وإنما رخص باليومين لأن الحاجة داعية إلى ذلك وقد سماها الشارع كما تقدم بزكاة الفطر فهي زكاة سببها الفطر فهي متعلقة به فلم تثبت قبله .
-وعن الأمام مالك وأحمد: تجزئ قبل ثلاثة أيام ، واستدلوا بما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح أن ابن عمر : كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة .
قالوا : فهذا فعل صحابي ولا يعلم له مخالف فيدل على جواز إعطائها قبل يومين أو ثلاثة
واستدل الحنابلة : بما ثبت في البخاري من قول ابن عمر – وهو راوي حديث صدقة الفطر قال : ( وكانوا يعطون " أي الصحابة " صدقة الفطر قبل يوم أو يومين )
- وذهب الظاهرية : إلى أنه لا يجزئ إلا أن يخرجها قبل صلاة العيد أما إذا أخرجها في ليلة العيد فإنها لا تجزئه .
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه : ( وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة )
والراجح أن هذا الأمر للأستحباب لفعل الصحابة ولأن الحاجة داعيه إلى ذلك ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها لأن الظاهر بقائها إلى يوم العيد .
قال : [ ويوم العيد قبل الصلاة أفضل ]
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال ابن عمر : ( وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة )
قال : [ وتكره في باقيه ]
أي باقي يوم العيد بعد الصلاة
- وعن الإمام أحمد : أنه يحرم وتكون قضاء وهو ظاهر كلام شيخ الأسلام وتلميذه ابن القيم.
في سنن أبي داود وغيره بإسناد حسن من حديث ابن عباس: ( فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات )
قال : [ ويقضيها بعد يومه آثماً ]
فلا يجوز تأخيرها عن يومه ويكون آثماً وعليه القضاء لتعلق حق الفقراء بها.
فصل
قال : [ ويجب صاعٌ من برٍ أو شعير أو دقيقهما أو سويقهما أو تمر أو زبيب أو أقط ]
" صاع من بر " وهو الحنطة .
" أو دقيقهما " الدقيق هو الطحين .
" أو سويقهما " السويق هو ما يطحن من الشعير والبر بعد أن يحمَّص " أي يوضع على النار قليلاً
" أو أقط " وهو ما نسميه بالبقل .
لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال : ( كنا نعطيها زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط ) فقد ذكر في هذا الحديث أربعة اصناف ، الحنطة بإجماع الصحابة .
فتخرج صدقه الفطر من هذه الأصناف الخمسة .
والقدر الواجب ما ذكره المؤلف وهو الصاع النبوي وتقدم أنه يساوي أربعة أخماس الصاع المعاصر ويساوي ثلاثة كيلو جرامات تقريباً .
وكلام المؤلف يدل على أن القدر الواجب في البر هو الصاع كغيره وهذا هو مذهب جمهور العلماء .
قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صاعاً في هذه الأصناف المختلفة وهي ذات قيمة مختلفة فالبر كذلك .
- وذهب الأحناف : إلى أن نصف الصاع من الحنطة يجزئ واختاره ابن المنذر وشيخ الإسلام.
- واستدلوا :
بما روى أبو داود في مراسيله بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب - ومراسيله أصح المراسيل عند أهل العلم – قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر مدين من حنطة ) أي نصف صاع فإن الصاع أربعة أمداد ، وله شاهد عند النسائي من حديث ابن عباس ، وشاهد ثالث عند الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وشاهد رابع من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله عن ابيه – الشك في الرواية - في سنن أبي داود ، وهو مذهب جمهور الصحابة ، فقد رواه ابن المنذر : عن عثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبدالله بن الزبير وأسماء بنت أبي بكر قال الحافظ ابن حجر : ( بأسانيد صحيحة ) .
وهو ثابت عن عائشة عند ابن حزم .
فهو قول جمهور الصحابة ولا يعلم لهم مخالف إلا ما جاء عن أبي سعيد الخدري وليس صريحاً في المخالفه ، ففي الصحيحين : ( لما جاء معاوية وجاءت سمراء الشام " أي الحنطة " قال معاوية " ( إني أرى مداً من هذه يعدل مدين من شعير ) فهو قول معاوية أيضاً ، فقال أبو سعيد الخدري : ( أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ) .
وعند أبي داود : ( لا أخرجه أبداً إلا صاعاً ) فهذا قول أبي سعيد ، ويحمل على الورع. والله اعلم .
وهذا هو القول الراجح
قال : [ فإن عَدِم الخمسةَ أجزأ كل حب وثمر يُقتات ]
إذا عدم هذه الخمسة المذكورة فإنه يجزئه كل حب كالذرة أو ثمر كالتين يقتات فإذا لم تعدم الخمسة لم يجزئ غيرها هذا هوالمشهور في المذهب .
إذن : إذا عدم هذه الخمسة فيجزئه كل نوع من أنواع الحبوب أو الثمار التي تقتات أي التي تطعم وتدخر .
- وظاهر كلام المؤلف أنها إذا لم تعدم فلا يجزئه ذلك وأن الحكم مخصوص بهذه الأصناف الخمسة .
- وذهب جمهور أهل العلم : إلى أن المجزئ ما كان من قوت البلد سواء عدم الخمسة أم لم يعدمها .
واستدلوا : بما ثبت في سنن أبي داود عن ابن عباس : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ) فصدقة الفطر إنما شرعت طعمة للمساكين فدل على أن ما كان من قوت البلد فإنه يجزئ .
قالوا : وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأصناف الخمسة لأنها كانت قوت البلد ، فقد ثبت في البخاري وغيره أن أبا سعيد قال : ( وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والتمر والأقط ) فهو طعامهم ولذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه . وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وعلى ذلك فإخراج الشعير عندنا لا يجزئ لانه ليس من قوت البلد .
قال :[ ولا معيبٌ ]
كمسوس أو مبلول وقديم تغير طعمه .
قال : [ ولا خبزٌ ]
قالوا لخروجه عن الكيل والإدخار
- واختار ابن عقيل والزركشي من الحنابلة الإجزاء وهو أظهر لأن المقصود أن يكون طعمةً للمساكين في ذلك اليوم ولا يقصد إدخاره .
قال : [ ويجوز أن يعُطي الجماعةُ ما يلزم الواحد ]
الذي يلزم الواحد هو الصاع ، فيجوز أن يدفعه إلى جماعة من الناس بمعنى أن يقسم الصاع على أكثر من مسكين ؛ لأنه فعل الواجب عليه ، فقد أخرج صاعاً من طعام .
قال : [ وعكسه ]
أي ويجوز عكسه بأن يعطى الواحد ما يلزم الجماعة ، قال الموفق : ( لا نعلم خلافاً بين أهل العلم فيه ) .
وذلك لأنها صدقه دفعت إلى مستحقها فأجازت .
· مسألة
المشهور عند الحنابلة : أن صدقة الفطر تدفع إلى الأصناف الثمانية المذكورين في قوله تعالى : ) إنما الصدقات للفقراء والمساكين ( الآية . لعموم الآيه
- واختار شيخ الإسلام : أنها لا تجزئ إلا لمن يستحق الكفارة وهو من يأخذ الصدقة لحاجة نفسه وهو الفقير والمسكين ، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : ( طعمة للمساكين ) فخصها النبي صلى الله عليه وسلم بالمساكين .
قال : والفارق بينها وبين زكاة المال : أن زكاة المال متعلقة بالمال ، وأما صدقة الفطر فهي متعلقة بالبدن ولذا تجب على الفقير فأشبهت الكفارة فإن الكفارات ككفارة اليمين وغيرها متعلقة بالبدن لا بالمال .
وأما قوله تعالى : ) إنما الصدقات للفقراء والمساكين ( فإن " أل " هنا عهدية قال تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( الآية ، فهي في صدقة المال وهذا هو الراجح واختاره شيخنا .
باب : إخراج الزكاة
قال : [ ويجب على الفور مع إمكانه إلا لضرر ]
يجب على الفور إخراج الزكاة ، فمن وجبت عليه زكاة في ماله سواء كانت من المواشي أو عروض التجارة أو من النقد أو غيرها فيجب عليه أن يخرجها فوراً ، ولا يجوز له التراخي ، لأن الأمر المطلق يقتضي الفوريه وقد قال تعالى : ) وآتوا الزكاة ( ولأن حاجة الفقير ناجزه والتأخير يخل بالمقصود وربما أدى إلى الفوات.
قال: [ مع إمكانه ) أي مع إمكان الإخراج وهذه قاعدة في الواجبات ، وأن الواجبات إنما تجب مع القدرة .
والفورية الواجبة هنا : إنما تجب مع القدرة عليها ، فإن لم يقدر على أدائها فوراً فإنها لا تجب عليه كذلك بل له أن يتراخى بحسب قدرته كأن يكون المال غائباً عنه فلم يتمكن من زكاته إلا متراخياً فإنه يجوز له التراخي لقوله تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( وقوله e : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .
قال المؤلف : [ إلا لضرر ]
لقوله e : ( لا ضرر ولا ضرار ) فلو تأخر عنه الساعي ، وخشي إن أداها بنفسه أن يطالبه الساعي بها وقد لا يصدقه في أنه قد أداها بنفسه ، فيجوز له أن يتأخر حتى ييأس من قدوم الساعي.
وهل يجوز له أن يؤخرها ويتراخى في دفعها ليؤديها إلى من هوأشد حاجة من الحاضر أو لقريب أو لحاجته هو إليها إلى يساره؟
- المشهور في المذهب جواز ذلك وقيده جماعة من الحنابلة بالزمن اليسير أي عرفاً وهذا هو الراجح لأن الأصل وجوب وقفها فوراً، فعفي عن الزمن اليسير في العرف.
قال : [ فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارفٌ بالحكم ]
لأنه مكذب لله ولرسوله وكذا من جحد وجوبها ولو أداها .
قال : [ وأخذت منه ]
أي الزكاة لأنها وجبت عليه قبل كفره .
قال : [ وقتل ]
ردةً ؛ لأنه كافر بالله عز وجل ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من بدل دينه فاقتلوه ) .
قال : [ أو بخلاً أخذت منه ]
فمن تركها بخلاً فإنها تؤخذ منه قهراً لقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( ولم يكفر.
قال : [ وعُزِّر ]
لارتكابه محرماً لا حد فيه فوجب فيه التعزير.
- وظاهره أنه لا يؤخذ منه شطر المال ، وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن مانع الزكاة تؤخذ منه الزكاة الواجبة فحسب ويعزر على المنع .
- وعن الإمام أحمد : أنه يؤخذ منه شطر ماله ، وهو قول أبي بكر من الحنابلة والأوزاعي وهو قول الشافعي في القديم و اختيار ابن القيم و نصره في تهذيب السنن وأن مانع الزكاة يؤخذ منه نصف ماله الذي وجبت فيه الزكاة مع الزكاة الواجبة ، وهذا هو القول الراجح .
فإن منع زكاة الإبل وله مائة من الإبل أخذنا خمسين منها وأخذنا الزكاة ولم نتعرض لبقية ماله الذي لم يمنع زكاته.
و في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والحديث إسناده جيد ، وقد صححه غير واحد من أهل العلم والحديث ثابت جيد السند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عَزْمةً من عزمات ربنا )
قال : [ وتجب في مال صبي ومجنون فيخرجها وليهما ]
تقدم الكلام على هذه المسألة ، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون ويخرجها عنهما وليهما ؛ لأنه هو القائم بالتصرفات المالية عنهما . وعن أحمد : لا يلزمه الإخراج إن خاف أن يطالبه بذلك ، كخشية رجوع الساعي ، لكن يعلمه إذا بلغ وعقل .
قال : [ ولا يجوز إخراجها إلا بنية ]
من مكلف ، فإن دفعها على أنها صدقة تطوع ثم نواها زكاة ماله فلا يجزئه ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) متفق عليه .
قال : [ والأفضل أن يفرقها بنفسه ]
فالأفضل له أن يفرقها بنفسه سواء كانت الزكاة من الأموال الباطنة كالذهب والفضة أو كانت من الأموال الظاهرة كالمواشي فالأفضل له أن يتولاها بنفسه فيفرقها على مستحقيها و لأنه بهذا يتيقن وصولها إلى مستحقيها وله أن يدفعها إلى الإمام أو السعاة هذا هو المشهور عند الحنابلة
- وقال بعض الحنابلة كأبي الخطاب وهو مذهب الشافعية : بل الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام ، وهو رواية عن الإمام أحمد في الأموال الظاهرة وفي صدقة الفطر .
وهذا القول هو الظاهر وأن الأفضل أن يدفعها إلى الوالي ؛ وذلك لأنه بهذا الفعل تزول التهمة عنه ولأن الصحابة كانوا يدفعونها إلى العمال والسعاة ، وكانت تجبى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان الناس يدفعونها إلى السعاة كما هو مشهور في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول هو الراجح .
والمشهور في المذهب أن له أن يدفعها إلى الإمام الجائر الذي يضعها مواضعها .
فإن كان لا يضعها مواضعها فيحرم دفعها إليه ويجب كتمها وهو قول الجمهور لأن مقصود الشارع إيصالها إلى مستحقيها .
لكن هل يجب دفعها إلى الإمام أم لا ؟
إذا كانت الأموال باطنة فقد أجمع العلماء على أنه يجوز له أن يصرفها بنفسه ولا يجب عليه أن يدفعها إلى الإمام .
أما أن كانت الأموال ظاهرة :
- فقال الحنابلة والشافعية : يجوز له أن يفرقها بنفسه ولا يجب أن يدفعها إلى الإمام .
- وقال المالكية والأحناف : بل يجب أن يدفعها إلى السلطان .
واستدلوا بقوله تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة ( وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السعاة في الأموال الظاهرة .
وأما الحنابلة فاستدلوا : بالقياس على الأموال الباطنة وماستدل به أهل القول الثاني إنما يدل على أن الإمام يجب عليه أخذها من أصحاب الأموال الزكوية، وليس فيه وجوب دفعها إليه إلا إذا طالب بها ، فإن طالب بها الإمام فيجب دفعها إليه سواء كانت باطنة أو ظاهرة ؛ وذلك لما في منعها من الفتنة والافتيات على السلطان ، ولأن النبي e قال : ( قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة ) كما ثبت في أبي داود بإسناد حسن ، فقوله : ( هاتوا ) أمر والأمر للوجوب .
وهل يشرع أن يعلم الفقير أنها زكاة مال ؟
نص الإمام أحمد على أن ذلك يكره ؛ لما في ذلك من كسر قلب الفقير .
واستثنى الحنابلة : من كان عادته ألا يقبل الزكاة ويتنزه عنها فلا يجزيء دفعها إليه إلا أن يعلم أنها زكاة .
هذا هو المشهور عند الحنابلة .
وقال بعض الحنابلة : بل يجزئ . وهذا هو الظاهر ؛ وذلك لأنها قد دفعت إلى مستحق فأجزأت .
والصحابة كانوا يقبلون الزكاة كما في حديث معاذ المتقدم
قال : [ ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد ]
يقول المتصدق : ( اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً ) رواه ابن ماجه ولكن إسناده ضعيف .
وأما آخذها من السعاة فيقول ما ورد وهو ما ثبت في الصحيحين - أن النبي e - عن عبد الله بن أبي أوفى : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الناس بصدقتهم قال : اللهم صل على آل فلان ، فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى ) أي : اللهم أثن عليهم ، فهو من باب الدعاء وقد قال تعالى : ) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ( أي ادع لهم .
فيستحب للإمام أو نائبه أن يدعو لدافعها وهذا الدعاء الوارد في الآية والحديث ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بل عام له ولغيره ولكن الخاص به هذا الفضل المذكور بقوله : ) إن صلاتك سكن لهم ( ، ونظير هذا : قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم ).
قال : [ والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة ] .
المستحب إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة ، فإن أخرجها إلى موضع دون مسافة القصر جاز لكنه خلاف الأفضل ، و في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل : ( فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) أي في فقراء أهل اليمن ، وثبت في سنن أبي داود أن زياد بن أبيه أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة ، فلما رجع عمران قال له : ( أين المال ؟ فقال : وللمال أرسلتني ؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ) فدل على أنهم لم يكونوا يجبون الصدقة إلى بلد الإمام وإنما كانوا يضعونها في فقراء البلد إلا إن فضل شيء فإنهم يرجعون به إلى بلد الإمام .
و يدل عليه من النظر : أن قلوب فقراء البلد متعلقة به فصرفها إلى غيرهم كسر لقلوبهم ، و لقوله تعالى :
] الأقربون أولى بالمعروف [.
فإن كانت دون مسافة قصر فهي بمعنى البلد الواحد لعدم قصر الصلاة فيها بل تصلى الصلاة فيها صلاة حضر ، و قال صاحب الفروع : ( ويتوجه احتمال بالمنع ) والراجح المذهب لما تقدم.
وظاهر كلام المؤلف وهو المذهب أنه لا يجوز نقلها إلى بلد تقصر فيه الصلاة ولو لمصلحة أو شدة حاجة أو رحم أو طلب علم و نحو ذلك.
وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام : جواز ذلك ، واختاره طائفة من الحنابلة.
و يدل على هذا أثر معاذ بن جبل في نقله صدقة أهل اليمن إلى فقراء الصحابة في المدينة .
قال : [ فإن فعل أجزأت ]
لأنها زكاة أديت إلى مستحق لها فأجزأت صاحبها و النهي يعود إلى أمر خارج
قال : [ إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه ]
فإذا كان في بلد لا فقراء فيه فقد اتفق أهل العلم على أنه يجوز له أن ينقلها إلى بلدة أخرى وذلك لعدم المزاحم الأحق ، و عليه مؤنة نقلها لأنه من توابع أدائها إلى مستحقيها.
قال : [ فيفرقها في أقرب البلاد إليه ]
وجوباً لأنهم أولى و قال بعض العلماء بل يفرقها حيث شاء إذا تعذر الأصل لأنه سقط الأصل فلم يتيقن شيئ كالمرأة المحادة إذا سقط عنها وجوب الحداد في بيتها جاز لها في أي موضع و هو أقوى.
قال : [ فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده ]
قوله : ( في بلده ) الضمير يعود إلى المال لا صاحب المال .
أي إن كان في بلد من البلاد وماله في بلد آخر فإنه يخرج زكاة المال في بلد المال ؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بالمال فتدفع في موضعه ، لتعلق حق فقراء البلد بها .
قال : [ وفطرته في بلد هو فيه ]
لأن الفطرة إنما تتعلق بالبدن و الخلاف في نقل زكاة الفطر كالخلاف في نقل زكاة المال وتقدم.
قال : [ ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل ]
جمهور العلماء قالوا بجواز تعجيل الزكاة .
ومنعه المالكية ؛ واحتجوا على المنع بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) قالوا : أي لا زكاة صحيحه .
قالوا : و لأن الشارع وقت لها ميقاتاً فلا يجوز تقديمها على ميقاتها كالصلاة ، فكما أنه ليس له أن يصلي قبل زوال الشمس فليس له أن يدفع زكاة ماله قبل مضي الحول.
واستدال الجمهور بما ثبت في أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب – والحديث حسن – أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي e : ( في تعجيل زكاته قبل أن تحل ، فرخص له في ذلك ) ، وهو عند أبي عبيد القاسم بن سلام أن النبي e : ( تعجل صدقة العباس سنتين ) والحديث حسن كما تقدم .
قالوا : ولأن تأخيرها إلى مضي الحول إنما هو لمصلحة الغني لينمو ماله ويزداد ، فإذا قدمها قبل وقتها فقد أسقط محض حقه ، فيجوز وهذا القول هو الراجح.
والجواب عما استدل به المالكية :
أما ما استدلوا به مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) فتقدم أن الصحيح وقفه ، ويجمع بينه و بين أحاديث بأن المراد : ( لا زكاة واجبة ) فلا تجب الزكاة حتى يحول عليه الحول .
وأما قولهم : أن العبادة لا تصح قبل ميقاتها كالصلاة .
فيجاب عنه : أن الميقات في الصلاة مجهول المعنى فلا يعقل لِمَ جعل الشارع زوال الشمس وقتاً لصلاة الظهر ولم جعل غروبها وقتاً لصلاة المغرب ، وأما مضي الحول في الزكاة فإنه معلوم المعنى ، فإن معناه توفير الوقت للغني ليتوفر ماله ويزداد وينمو فهو لمصلحة الغني وقد رضي بإسقاطه.
ويشترط في جواز تعجيل الزكاة : شرطين :
الشرط الأول : ملك النصاب بإتفاق القائلين بجواز التعجيل فلو كان عنده مثلاً ثلاثون شاة فلا يجوز له أن يعجل زكاتها لأنه سببها و لا يجوز تقديم الفعل قبل سبب الوجوب كما لو كفر قبل الحلف ، وإنما يجوز تقديم الشيئ على شرطه كتقديم الكفارة قبل الحنث.
وعلى ذلك فلو عجل زكاة خمسين شاةً ثم نقصت إلى ثلاثين ثم بلغت نصاباً أستأنف حولاً جديداً و لم يجزه ما قدمه لأن النصاب نقص في بعض الحول ، إلا أن يكون الناقص بقدر ما عجل من الزكاة فهو في حكم الموجود كما لو عجل زكاة أربعين فبقي عنده تسع وثلاثون فالناقص في حكم الموجود.
و المشهور في المذهب أنه ليس له أن يخرج عما يستفيده لأنه ليس في ملكه ، فلو أن رجلاً عنده ثلاثمائة شاة الواجب عليه ثلاث شياه وهو يظن أن شياهه ستزيد على ثلاثمائة فلا يأتي عليها الحول إلا وقد وجب عليه أربع شياه فلا يجوز له أن يخرج شاه عما قد يستفاد و ثلاث شياه عن الثلاثمائة.
وعن الإمام أحمد الجواز لوجود السبب في الجملة .
ولأن المال المستفاد يضم إلى النصاب في الحول ، فيضم إليه أيضاً في جواز التعجيل وهذا القول أظهر.
الشرط الثاني : وهو ما ذكره المؤلف بقوله : ( لحولين فأقل ) فليس له أن يعجل ثلاث سنين أو أربع أو خمس .
وعن الإمام أحمد : أنه يجوز التعجيل لما شاء من السنين وهو مذهب الأحناف وهذا القول هو الأظهر ؛ لأنه مقتضى التعليل المتقدم ، وأن التأخير إنما هو لمصلحة الغني وهو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد .
مسألة :
إن عجل زكاة ماله ثم طرأ على من دفعت إليه ما يمنع استحقاقه للزكاة في وقتها ، فالمشهور في المذهب أنها تجزئ صاحبها ؛ لأنه أخرج زكاة المال على وجه مأذون له فيه ولا دليل على إبطالها ، والفعل إذا صح فلا يبطل إلا بدليل.
مسألة :
إذا دفع الزكاة قبل مضي الحول ثم افتقر عند تمامه فليس له أن يرجع لا إلى الفقير و لا إلى السعاة لأنه عجلها بإختياره.
قال : [ ولا يستحب ]
أي لا يستحب له أن يعجل بل المستحب له أن يخرج زكاته عند مضي الحول .
قالوا : لوجود الخلاف في هذه المسألة ، فخروجاً من الخلاف لا يستحب التعجيل .
وتقدم أن الخروج من الخلاف ليس دليلاً على حكم ما من الأحكام الشرعية .
والراجح : ما ذكره صاحب الفروع احتمالاً فقد قال : ( ويتوجه احتمال أنه يتبع المصلحة ) فإذا كانت المصلحة في التعجل فالمستحب هو التعجيل ، كأن يصاب المسلمون بمجاعة فيعجل زكاته فهو أفضل.
مسألة :
ولمن أخذ الساعي منه زيادة أن يعتد بها من قابلة إذا نوى التعجيل فإذا لم ينوي التعجيل كانت غصباًً.
باب أهل الزكاة
هذا الباب فيمن تصرف إليهم الزكاة.
قال : [ أهل الزكاة ثمانية ]
وهم المذكرون في قوله تعالى : ) إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله ( أي لا تحل الزكاة إلا لهذه الأصناف الثمانية.
وقد اتفق العلماء على أن الزكاة لا يجوز ولا يجزئ صرفها إلى غيرهم من بناء المساجد ووقف المصاحف وبناء القناطر وتكفين الموتى وإصلاح الطرق وغيرها من أبواب الخير.
ولا يظهر أن المراد بالآية الاستيعاب بأن تقسم الزكاة إلى ثمانية أسهم فيعطى كل صنف من هذه الأصناف الثمانية نصيباً فالآية لا تدل على هذا بل ظاهرها أن الزكاة لا يحل دفعها و لا تجزئ إلا لهذه الأصناف الثمانية ، وليس فيها وجوب استيعاب الأصناف الثمانية ومما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم – في حديث معاذ - : ( فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) والفقراء صنف من هذه الأصناف الثمانية وقد أجزأ دفعها إليهم دون ما سواهم وهو مذهب جمهور العلماء خلافاً للشافعية .
قال : [ الأول : الفقراء وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية ]
فالصنف الأول الفقراء : قال تعالى : ) إنما الصدقات للفقراء ( ، وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية كربع كفايته أو ثلثها ، أي ما يكفيه و يكفي من يمونه في مطعمه و مسكنه و كسوته مدة سنه، وكذا إعفافه وعلى ذلك فإنه يعطى ما يتزوج به و لو كان كثيراً كما قال شيخنا رحمه الله .
قال : [ والمساكين يجدون أكثرها أو نصفها ] .
والمسكين من لا يجد تمام كفايته وإن كان يجد أكثرها أو نصفها .
فإذا كان يكفيه في السنة عشرون ألف ريال ينفقها على نفسه وعياله وعنده عقار أو دكان أو وظيفة لا يتحصل له منها إلا على عشرة آلاف ريال فهذا لا يجد إلا نصف كفايته فهو مسكين ، ويعطى كفاية سنه لأن الزكاة تتكرر كل سنه فكان الاعتبار بها.
و الفقير أشد حاجة من المسكين ، ولذا قدمه الله عز وجل في الآية على المساكين فقال : ) إنما الصدقات للفقراء والمساكين ( و إنما يبدء بالأهم فالأهم.
و الغني لا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئاً وهو من يملك كفايته بالقوة أو بالفعل عند جمهور العلماء.
إذن : الغني قسمان :
الأول : من يملك كفايته بالفعل : أي قد تحصل له ما يكفيه سنته.
و الثاني : غني بالقوة : وهو من عنده قدرة على التكسب بالعمل.
وقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار : ( أن رجلين أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه الصدقة فقلب النظر فيهما فرآهما جلدين فقال : إن شئتما أعطيتكما - وهذا من التوبيخ والتقريع لهما أي إن شئتما أطعمتكما حراماً ، ويحتمل أن يكون أرجع الأمر إليهما لاحتمال أنه لم يتهيأ لهما شيء من عمل - ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ).
قال الفقهاء إن تفرغ قادر على التكسب للعلم لا للعبادة وتعذر الجمع أعطي ، و الفرق بين العبادة و العلم تعدي العلم وقصور العبادة على صاحبها.
وقال بعض الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد : الغني من يملك خمسين درهماً أو ما يساويها من الذهب .
واستدلوا بحديث رواه أبو داود عن ابن مسعود أن النبي e قال : ( من سأل الناس وعنده ما يغنيه كانت له خدوش أو كدوح يوم القيامة فقيل : يا رسول الله وما الغنى ؟ فقال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب ) لكن الحديث ضعيف فلا يحتج به و الصواب مذهب الجمهور.
وقال الأحناف : من ملك نصاباً فهو غني ، فلا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئاً .
واستدلوا : بظاهر قوله e : ( تؤخذ من أغنيائهم ) فسمى النبي t من تؤخذ منه غنياً وهي إنما تؤخذ ممن ملك نصاباً فدل على أن مالك النصاب غني .
والجواب أنها تؤخذ ممن ملك نصاباً لأن الغالب فيه الغنى وإلا فقد يكون من يملك النصاب عنده أسرة كثيرة وليس عنده مسكن فيحتاج إلى الزكاة كمن يملك أربعين شاة عندنا فإنها لا تكفيه.
قال : [ والثالث : العاملون عليها وهم جباتها وحفاظها ]
و كتابها وقسامها فجباة الزكاة : الذين يجمعونها من الأغنياء ، قال تعالى : ) والعاملين عليها ( وعدى العاملي بعلى لبيان أن عملهم عمل ولايه فهم الذين تولوا عليها ، و العامل بها بالباء هو المضارب بالمال ، والعمل فيها هو الأجير ، و المراد بالآية من لهم ولايه عليها.
وحفاظها : الذين يقومون على حفظها في المستودعات وغيرها .
وقسامها : الذين يصرفونها إلى أهلها ، هؤلاء يدفع لهم من الزكاة عُمالة على عملهم و إن كانوا أغنياء لقوله : ) والعاملين عليها ( ، فلا يشترط أن يكون العامل فقيراً .
ودليل هذا : ما ثبت في مسلم عن ابن الساعدي قال عملت على الصدقة لعمر فلما فرغت منها وأديتها إليه قال : خذ هذه العُمالة فقلت : إنما عملت لله فأجري على الله فقال : خذ ما أعطيتك فإني عملت على عهد النبي e فقلت مثل ما قلت فقال لي النبي e : ( إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فخذ فكل وتصدق ) وهذا الحديث يدل على أنها تدفع للعامل وإن كان غنياً ، ويفيده أيضاً إطلاق الآية في قوله : ) والعاملين عليها ( .
وهل يشترط أن يكون العامل عليها مسلماً ؟
قال جمهور العلماء يشترط و احتجوا بقوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ( فدلت هذه الآية على أن الولاية لا تعطي للكافر والعمل على الزكاة ولاية ولذا قال تعالى : ) والعاملين عليها ( فأتى بلفظة " على " التي تفيد تضمن الولاية أي العاملون ولاية عليها كما تقدم وقد قال عمر : ( لا تأمنوهم وقد خونهم الله ).
وعن الإمام أحمد : أن ذلك جائز فيجوز أن يتولاها الذمي ؛ قالوا : لأنه يأخذها أجرة ، لا زكاة .
والراجح هو القول الأول وأن ذلك لا يجوز لقوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ( والعمل على الزكاة ولاية ولذا يتولاها في الغالب أشراف الناس فهو ولاية على الزكاة وتسليط على الغني لأخذ الزكاة منه وصرفها إلى المستحقين لها فهي ولاية ، فلا يجوز أن يتولاها كافر لكن العمل على الزكاة في غير الولاية عليها كالرعاة لها والحاملين لها من منطقة إلى أخرى والحارس وغير ذلك يجوز أن يكونوا كفاراً ؛ لأن هذه ليست من الولاية في شيء وإنما هي استئجار ويجوز أن يستأجر الكافر في مثل هذه الأعمال .
ويشترط أن يكون أميناً باتفاق العلماء .
وهل يشترط أن يكون بالغاً ؟
المشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم : اشتراط أن يكون بالغاً لأن من شروطها الأمانة والصبي غير مكلف.
ووجه صاحب الفروع : جواز استعمال المميز العاقل الأمين والأول أظهر .
ولا يجوز أن يتولاها أحد من ذوي القرابة للنبي e وهم بنو هاشم ، يدل على هذا ما ثبت في مسلم أن بعض بني هاشم سأل النبي e العمل على الصدقة فقال النبي e : ( أنها لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ).
لكن إن عملوا فيها و أعطوا من الفيء لا من الزكاة جاز ، أما الزكاة فلا يعطون منها لهذا الحديث .
قال : [ الرابع المؤلفة قلوبهم ممن يرجى إسلامه ]
فهو كافر لكن نرجو إسلامه إن أعطيناه من الزكاة فيعطى من الزكاة ، لما ثبت في مسند أحمد : عن أنس t أن النبي e : ( وكان لا يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه ، فسأله رجل فأعطاه شاءً كثيراً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال : يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ) .
قال : [ أو كف شره ]
كمن يقطع على المسلمين الطريق أو من الدول التي تخشى سطوتها حال ضعف المسلمين .
قال : [ أو يرجى بعطيته قوة إيمانه ]
أي يرجى بإعطائه أن يحسن إسلامه ، وفي الصحيحين أن علي بن أبي طالب t : ( بعث إلى النبي e بذَهبةِ في تربتها – أي من اليمن – فقسمها النبي e بين أربعة : الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصين وعلقمة بن عُلاثة وزيد الخير ، فغضبت قريش وقالت : يعطي صناديد نجد ولا يعطينا فقال النبي e : إنما فعلت ذلك لأتألفهم ) فهذا فيه إعطاء السيد المطاع الذي يرجى بإعطائه قوة إيمان .
و يجوز أن يعطي السيد المطاع رجاء إسلام نظرائه في القبائل ، وكذا يعطى لجبايتها ممن لا يعطيها.
وإعطاء المؤلفة قلوبهم توقف في عهد عمر وعثمان وعلي لقوة الإسلام وظهوره واحتيج إليه في زمن النبي e وأبي بكر t ، وتوقفه في عهد الخلفاء الثلاثة لا يعني تركه ، وإنما لزوال الحاجة الداعية إليه ، فدل على أنهم يعطون عند الحاجة فقط ، وهذه الأصناف الأربعة تدفع إليهم الزكاة تمليكاً و اللام لام التمليك في قوله تعالى : ) إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم … ( دون بقية الأصناف ولذا قال تعالى : ) وفي الرقاب ... ( الآية ومن لا تفيد التمليك .
قال : [ الخامس : الرقاب ]
لقوله تعالى : ) إنما الصدقات …( إلى قوله : ) وفي الرقاب ( .
قال : [ وهم المكاتبون ]
وتقدم تعريف المكاتب والكتابة اتفاق بين السيد ورقيقه بتحرير الرقيق مقابل أقساط معلومة يدفعها الرقيق لسيده حتى يتم فك رقبته من العبودية لسيده ، فالمكاتب يجوز أن يعان على مكاتبته من الزكاة ، فيعطى من الزكاة ما يتم به فكاك رقبته .
ومثل ذلك أيضاً : الرقيق غير المكاتب لعموم قوله : ) وفي الرقاب ( فالرقيق غير المكاتب يجوز أن يفك أسره من عبودية سيده بأن تحرر رقبته بالأموال الزكوية . فيدخل في قوله :
) وفي الرقاب ( الرقاب المكاتبة ، والرقاب غير المكاتبة .
قال : [ ويفك منها الأسير المسلم ]
إذا وقع مسلم في الأسر تحت أيدي الكفار فيجوز أن يفدى من الزكاة ، فيعطى الكفار من الزكاة ليفكوا أسره ، وهو داخل في عموم قوله تعالى : ) وفي الرقاب ( ؛ لأنها رقبة مأسورة تحتاج إلى فك فدخلت في عموم قوله :
) وفي الرقاب ( .
وفي قوله : ( المسلم ) ما يدل على أن الرقبة إنما تفك إذا كانت مسلمة ، وهذا ظاهر ، فإن الزكاة إنما تختص بالمسلمين ، إلا ما تقدم في المؤلفة قلوبهم فإنها إنما تدفع لكفار منهم لمصلحة المسلمين .
قال : [ السادس : الغارم لإصلاح ذات البين ولو مع غنى أو لنفسه مع الفقر ]
السادس : الغارم ، وهو من عليه غُرم ، والغرم هو الدين قال تعالى : ) والغارمين ( .
وقسم المؤلف الغارم إلى قسمين :
القسم الأول : الغارم لإصلاح ذات البين .
القسم الثاني : الغارم لنفسه .
أما الغارم لإصلاح ذات البين ، فهو الرجل يصلح بين طائفتين من الناس فيتحمل من أجل هذا الإصلاح أموالاً في ذمته كأن يقع شجار بين قبيلتين بينهم ديات فيتحمل هذه الديات ليزول ما بينهم من عداوة فيعطى من الزكاة ؛ لدخوله في عموم قوله : ) والغارمين ( .
ولما ثبت في مسلم عن قبيصة قال : ( أتيت النبي e وقد تحملت حمالة فسألته فيها فقال e : أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) .
قال : [ ولو مع غنى ]
فيعطى من الزكاة ولو كان غنياً ، يمكنه أن يدفعها من ماله وذلك لأن هذا الغرم لمصلحة عامة أشبه ما يعطى العامل الغني والؤلف قلبه ، فإنه للمصلحة العامة يعطي مع الغنى فكذلك المصلح ذات البين و لعموم قوله تعالى :
) والغارمين ( .
فإن دفع من ماله لم يعط لأنه لا يصدق عليه أنه غارم وهو المذهب ، ومال شيخنا رحمه الله إلى أنه إن دفع بنية الرجوع على أهل الزكاة أعطي منها وفيه قوة ؛ لأن الحال قد تقتضي الدفع فوراً .
قال : [ أو لنفسه مع الفقر ]
عليه دين لمصلحة نفسه من مسكن أو منكح أو مطعم أو غير ذلك من الأمور المباحة فإنه يعطى من الزكاة . فإن كان الدين على محرم لم يعط لئلا يعان على الإثم قال تعالى : ) وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ( لكن إن تاب فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم وهو المذهب ، وإن كان أمر مكره فكذلك لم يسقط كبناء فيه سرف .
والغارم إنما يعطى من الزكاة لدفع غرمه لا للتمليك قال تعالى : ) وفي الرقاب والغارمين ( أي وفي الغارمين .
فإن فضل منه شيء وجب عليه رده . فلو أن رجلاً أعطى عشرة آلاف لقضاء دينه فذهب بها إلى الدائن فأعفاه عن بعضها فيجب عليه أن يرد الباقي لأنه إنما دفع له للغرم فليس له أن يتملكه وقد زال السبب الذي من أجله أعطى الزكاة .
كذلك لا يشترط إذن الغارم في إعطاء الغريم حقه أي صاحب الدين لما تقدم ، فإذا دفع الزكاة إلى الدائن دون إذن المدين أجزأ ذلك وليس له أن يصرف الزكاة في غير الدين ؛ لأنه إنما دفعت له الزكاة لغرمه .
مسألة :
والصحيح من المذهب أن إبراء الغريم بنية الزكاة لا يجزئ .
فلو أن رجلاً له على زيد عشرة آلاف فقال له : ذمتك بريئة من هذه العشرة آلاف ونوى بذلك الزكاة ، فإن ذلك لا يجزئه في الصحيح من المذهب .
- وقال بعض الحنابلة بالإجراء ؛ لأن إبراء الغريم صدقة فأجزأت بالنية عن صدقة المال .
والراجح القول الأول ؛ لما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب t قال : ( حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه " أي أضاعه من حملته عليه أي لم يقم برعايته " فأردت أن اشتريه منه وظننت أنه يبيعه لي برخص فسألت النبي e فقال : لا تشتر ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يقيء فيعود في قيئه ) ومن أبرأ غريمه بنية الزكاة فقد عاد في صدقته ولأن هذا تيمم إخراج الخبيث من الطيب قال تعالى : ) ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ( .
ولايجوز له أن يدفع الزكاة إليه ويكون بينهما اتفاق على أن يدفعها له عن دينه لأن ذلك حيلة على المحرم والحيل باطلة محرمة شرعاً ، وكذلك إذا علم أنه سيدفعها له لأن ذلك من العود بالصدقة وهو محرم كما تقدم .
إذن : لا يحل له أن يبرأ ذمة المدين ولا أن يدفع إليه الزكاة حيلة لإعادتها لمنفعة نفسه ، وفي هذا حفظ للزكاة من عبث أصحاب الأموال لتبرئة ذمم المعسرين وغيرهم .
فإن أبرأه من زكاة الدين فالراجح خلافاً للمذهب جوازه لأنه من جنس المال ، واختاره شيخ الإسلام فإذا كان لرجل ديون فوجب عليه زكاة قدرها عشرة آلاف ريال فأبرأ منها أحد غرمائه جاز واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .
مسألة :
وهل يجوز أن تدفع الزكاة للغارم الميت أم هي مختصة بالغارم الحي ؟
فلو أن رجلاً توفى وعليه دين فهل يجوز قضاء دينه من الزكاة ؟
قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب الحنابلة :
1- القول الأول : أن ذلك لا يجوز وهو مذهب الحنابلة وقول جمهور العلماء .
قالوا : لأن الزكاة قد دفعت إلى الغريم لا إلى الغارم ، وقد قال تعالى : ) والغارمين ( .
2- وقال المالكية ، وهو قول في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام : أن ذلك جائز ؛ لعموم قوله تعالى :
) والغارمين ( فيدخل في عمومها الغارم الميت .
قالوا : وأما تعليلكم فهو ضعيف فإن المقصود هو إزالة الغرم سواء دفع المال إلى الغارم أو إلى الغريم ، ولذا أجزنا – كما تقدم – دفعها إلى الغريم بغير إذن الغارم ، لأن دفعها إلى الغارم ليس بمقصود ، بل المقصود هو إبراء ذمته من الدين سواء دفع هذا إلى الغريم أو الغارم وهذا هو الراجح .
قال : [ السابع : في سبيل الله ]
لقوله تعالى : ) وفي سبيل الله ( .
قال : [ وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم ]
أي لا يعطون رواتب من الديوان أي من بيت المال من الفيء .
فيعطى – المجاهد – ما يكفيه لغزوته ذهاباً وإقامة ورجوعاًً وما يحتاج إليه من سلاح وغير ذلك ، لقوله تعالى : ) وفي سبيل الله ( يعني الجهاد ولو كان غنياً لأنه يعطى للمصلحة العامة كما تقدم ، ولأن الله قد أطلق فقال : ) وفي سبيل الله ( ولم يقيده بالفقراء .
فإن فضل من المال عن غزوته وجب عليه أن يرده .
وقال الحنابلة : يجوز أن يأخذ الحاج والمعتمر من الزكاة ما يحج به فرضه ويعتمر وأدخلوا الحج والعمرة في سبيل الله .
واستدلوا بما ثبت في أبي داود أن النبي e قال : لأم معقل ، وكانت لم تحج واعتذرت بأنه ليس لها ما تركبه وأن زوجها قد أوصى بجمله في سبيل الله فقال لها النبي e : ( فهلا حججتي فيه فإن الحج في سبيل الله ) ، وبما صح عن ابن عمر – كما في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد صحيح أنه قال : ( أما إن الحج في سبيل الله ) فدل على دخول الحج والعمرة في حكمه – في عموم قوله تعالى : ) وفي سبيل الله ( .
- واختار الموفق وهو مذهب جمهور العلماء : أن الحاج والمعتمر لا يعطي شيئاً من الزكاة وإن كان الحج والعمرة فرضاً ؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان مع الفقر فإن الله قال : ) من استطاع إليه سبيلاً ( فهما لا يجبان عليه ؛ لأنه فقير وهو أظهر لأن الجهاد مصلحة عامة دون الحج والعمرة .
ويدخل في سبيل الله طلب العلم ، فيعطى طالب العلم من الزكاة ما يكفيه لمؤنة نفسه ، ولكتب العلم وغيرها مما يحتاج إليه في العادة لأن العلم نوع من أنواع الجهاد قال e : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) وقال تعالى : ) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ( فالكتاب والميزان هو العلم والحديد هو أداة الجهاد في سبيل الله باليد وهو الجهاد الذي قام به النبي e في أكثر عمره فقد أقام ثلاث عشرة سنة يجاهد بالعلم والقرآن .
وألحق الشيخ محمد بن إبراهيم ، وأفتى به المجمع الفقهي أن الدعوة إلى الله عز وجل ومصالحها وهو قول قوي ؛ لأن الدعوة جهاد في سبيل الله فهي جهاد باللسان كما تقدم ، فيجوز أن يعطى الدعاة المتفرغون للدعوة من الزكاة .
قال : [ الثامن : ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به ]
أي المنقطع به سفره لقوله تعالى : ) وابن السبيل ( أي ابن الطريق , وهو كما قال المؤلف : " المسافر المنقطع به سفره " .
قال : [ دون المنشئ للسفر من بلده ]
فالمنشئ للسفر من بلده ليس ابن سبيل لأنه ليس في طريق ، فلو أن رجلاً في بلده وبين أهله وعشيرته فليس ابن ويعطى ابن السبيل ولو مع غناه في بلده لأنه عاجز عن الوصول إلى ماله وظاهره لو وجد مقرضاً لإطلاق الآية الكريمة .
قال : [ فيعطى ما يوصله إلى بلده ]
أو ما يبلغه منتهى قصده إن كان خارجاً من بلده وعوده إليها ومحل هذا إذا كان السفر مباحاً أو كان محرماً وتاب منه .
قال : [ ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم ]
فيعطى ما يكفيه ويكفي أسرته التي ينفق عليها بالمعروف .
قال : [ ويجوز صرفها إلى صنف واحد ]
كما تقدم وهو قول الجمهور .
قال : [ ويسن إلى أقاربه الذي لا تلزمه مؤنتهم ]
لقول النبي e – فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح - : ( الصدقة على المسكين صدقة ، والصدقة على ذي القرابة اثنتان صدقة وصلة ) .
وقوله : ( لا تلزم مؤنتهم ) أي تلزمه النفقه عليهم لئلا يسقط بزكاته ما يجب عليه فهو من العود بالصدقة .
فصل
قال : [ ولا تدفع إلى هاشمي ]
الهاشمي : نسبة إلى هاشم بن عبد المطلب جد النبي e فالهاشميون هم بنو هاشم بن عبد المطلب القرشي وهم آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبدالمطلب وآل أبي لهب ذكوراً كانوا أو إناثاً ، لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي e قال لبعض بني هاشم : ( إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ) فالصدقة لا تنبغي لآل محمد ، وهم بنو هاشم وهذا باتفاق العلماء ، وأن الهاشميين لا تحل لهم الصدقة .
وظاهر كلام المؤلف أنها لا تحل لهم مطلقاً سواء أعطوا من الخمس أم لا ، فإن لقرابة النبي e وهم بنو هاشم حق في الفيء فلهم خمس الخمس فظاهر كلام المؤلف أن الزكاة لا تحل لهم وإن لم يعطوا نصيبهم من الخمس وهو مذهب الجمهور.
واختار شيخ الإسلام وهو قول بعض الشافعية واختاره بعض الحنابلة : أن الصدقة تدفع إليهم إن لم يعطوا من الخمس لأنه محل حاجة وضرورة وهو الراجح واختاره شيخنا.
وظاهر كلام المؤلف وهو قول الجمهور أنه لا يجوز للهاشمي أن يأخذ صدقة الهاشمي ، واختار شيخ الإسلام جواز ذلك وفي ذلك نظر ، فإن الحديث عام ، وكما أن الصدقة أوساخ الناس فهي أوساخ لأموال بني هاشم .
وأما ما رواه الحاكم من أن النبي e سأله العباس فقال : ( هل تحل صدقة بعضنا لبعض ) فقال له النبي e :
( نعم ) فالحديث لا يصح .
فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء في هذه المسألة.
أما صدقة التطوع فإنها تحل لهم وحكى صاحب الفروع ذلك إجماعاً ، وذلك لأن صدقة التطوع ليست من أوساخ الناس بدليل أن من تصدق ولم يزك فإن ماله لا يتطهر ، فهي وإن كانت مطهرة لصاحبها من الإثم لكنها ليست بوسخ المال.
قال : [ أو مطلبي ]
المطلبي : نسبة إلى المطلب بن عبد مناف أخي هاشم بن عبد مناف ، فلعبد مناف : هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس .
فلا تحل الزكاة لبني هاشم ولا تحل أيضاً لبني أخيه المطلب أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فإنها تحل لهم اتفاقاً – هذا ما ذكره المؤلف وهو مذهب الشافعي .
واستدلوا : بما ثبت في مسلم : أن جبير بن مطعم – وهو من بني نوفل ابن عبد مناف قال : ( مشيت أنا وعثمان بن عفان " وهو من بني عبد شمس ابن عبد مناف " إلى النبي e فقلنا : يا رسول الله إنك قد أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة ) أي بمنزلة واحدة منك فجبير من بني نوفل بن عبد مناف وعثمان من بني عبد شمس فهم بمنزلة واحدة مع بني المطلب ، فقال النبي e : ( إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد ) وذلك لأن بني المطلب كانت لهم نصرة عظيمة لبني هاشم في الجاهلية والإسلام ، فإنهم قد نصروهم في الشعب وغيره .
بخلاف بني عمهم من عبد شمس ونوفل فإنهم قد خذلوهم في الشعب وفي غيره ولذا لهذه النصرة العظيمة راعى النبي صلى الله عليه وسلم حق بني المطلب فأعطاهم من الخمس الذي هو لذي القربى قالوا : فكما لبني المطلب في الخمس فليس لهم نصيب من الزكاة فلا تحل لهم الزكاة .
وقال جمهور العلماء ، وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام : أن بني المطلب تحل لهم الزكاة .
واستدل بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على إعطائها للفقير والمسكين وغيرهم ممن تقدم ذكرهم من الأصناف وبنو المطلب يدخلون في هذه العمومات ولا دليل على استثنائهم فقد صحت الأدلة باستثناء آله وهم بنو هاشم ولم يصح دليل على استثناء بني المطلب .
قالوا : وأما قوله : ( إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد ) فإن هذا في الخمس لمعنى النصرة التي قاموا بها لبني هاشم وهذا هو القول الراجح واختاره شيخنا .
قال : [ ومواليهما ]
أي موالي بني هاشم وموالي بني المطلب
لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح عن أبي رافع – وهو مولى النبي e فهو من موالي بني هاشم قال : ( بعث النبي e على الصدقة رجلاً من بني مخزوم ) وهذا يدل على أن سائر فروع قريش من بني مخزوم وغيرهم تحل لهم الزكاة فإنه قد جعله عاملاً على الصدقة فقال : ( اصحبني حتى تنال منها ) أي من الزكاة على العمل فسألت النبي e: ( فقال : لا ، مولى القوم من أنفسهم وإنها لا تحل لنا الصدقة ) فدل على أن مولى القوم - أي عتيقهم - أنه من أنفسهم فمولى بني هاشم من أنفسهم فلا تحل لهم الزكاة .
وقد تقدم أن ذوي قرابته لا يحل لهم أخذ أجرة على العمل في الصدقة بأجره أما إذا كان من الفيء فلا بأس .
ويجوز إعطائهم من الزكاة إن كانوا غزاة أو مؤلفة قلوبهم أو غارمين لإصلاح ذات البين لأن ذلك للمصلحة العامة ، وكذا لطلبة العلم منهم الذين لأن ذلك داخل في سبيل الله وكذا الدعاة منهم كما تقدم.
قال : [ ولا إلى فقيرة تحت غني منفق ]
إذا كانت الزوجة فقيرة لا مال لها لكن زوجها غني ينفق عليها ، فلا تحل لها الزكاة لاستغنائها بنفقة زوجها وكذلك الولد الذي لا مال له ولا عمل ووالده ينفق عليه فلا تحل له الزكاة لاستغنائه بنفقة والده لكن إن كانت تحت غني لا ينفق عليها فتحل له الزكاة ذكوراً و إناثاً.
قال : [ ولا إلى فرعه وأصله ]
لا تحل الزكاة إلى الفروع ، والفروع هم أولاده وإن نزلوا ذكوراً وإناثاً الوارث منهم وغير الوارث فبنت البنت لا تحل لها لزكاة ولا ترث منه .
وكذلك الأصول والأصول هم الوالدان وإن علوا ، أمه وأبوها وأمها وإن علوا ، وأبوه وأبو أبيه وأم أبيه وهكذا وإن علوا الوارث منهم وغير الوارث .
وقد أجمع العلماء على أن الولد والوالد والزوجة لا تحل لهم الزكاة ، حكى إجماعهم ابن المنذر وغيره .
وظاهر كلام الفقهاء أن الصدقة لا تحل للأصول ولا الفروع مطلقاً ، وجبت النفقة عليهم للإرث أم لم تجب وسواء كان قادراً على النفقة عليهم أم لا .
وظاهر كلامهم أيضاً : أن الزكاة لا تحل و إن لم يجب عليه أن ينفق على أولاد بناته ولا تحل لهم زكاته.
واختار شيخ الإسلام : أن الزكاة تحل في هذه المسألة ، وهو رواية عن الإمام أحمد .
قال رحمه الله : إن كان غير قادر على الإنفاق على أصوله وفروعه كأن يكون عنده أبوه وأمه وهو غير قادر على الإنفاق عليهم.
أو كان قادراً على الإنفاق لكن النفقة لا تجب عليه في الأصل وإنما أوجبت عليه باضطرارهم إلى ذلك فأولاد البنت لا تجب عليهم النفقة في الأصل ، لكن إذا اضطروا إلى نفقة جدهم من أمهم فإن الراجح أنه يلزم بالإنفاق لكن النفقة في الأصل لا تجب فاختار شيخ الإسلام أنه حينئذ يحل له دفع الزكاة لهم قال : لأن المانع من إجزاء الزكاة دفعاً لهم هو خوف تهربه من النفقة الواجبة عليه وهنا لا نفقة فحيث كان غير قادر على الإنفاق فلا نفقة ، فإن لم يعطهم من الزكاة بقوا لا منفق عليهم .
وإذا كان لا يجب عليه الإنفاق عليهم فكذلك فإنه حينئذ يصرف الصدقة إلى البعيد وهؤلاء أقرب إليه ولا يجب عليه أن ينفق عليهم .
وهذا القول الراجح وأن من عنده أحد من أصوله أو فروعه وهو غير قادر على الإنفاق عليه – فعنده رأس مال تجب فيه الزكاة لكن ما يأتيه من هذا المال لا يكفي إنفاقه على نفسه وولده وزوجه ووالديه ، فيحتاج حينئذ إلى أن يدفع إلى والديه الزكاة وينفق عليهم منها فإن ذلك جائز .
وكذلك من لا يجب عليه أن ينفق عليهم في الأصل كغير الورثة من أصوله وفروعه . هذا هو الراجح ؛ لأن المانع من صحة دفع الزكاة لهم هو وجوب الإنفاق وهنا لا تجب النفقة فصحت الزكاة حينئذ ولدخولهم في عمومات الأدلة الشرعية ، ولا مانع يمنع من صحة الزكاة لهم .
أما الحواشي : فاتفق الفقهاء على أن ذوي الأرحام وهم غير الورثة – يصح أن يعطوا من الزكاة كبنت الأخ وبنت الأخت أو العمة أو الخالة يصح أن يعطوا من الزكاة لأنهم غير وارثين فلا تجب عليهم النفقة حينئذ . هذا في حكم الحواشي من غير الورثة .
أما الحواشي من الورثة كالأخ وابن الأخ والعم فاختلف أهل العلم في صحة دفع الزكاة لهم على قولين :
القول الأول : أن الزكاة لا تصح لهم ، وهو المذهب وهو قول الشافعية .
قالوا : لأن النفقة تجب عليهم فإذا أعطاهم من الزكاة كان ذلك تهرباً من النفقة الواجبة عليهم .
والقول الثاني : - ذهب إليه الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد - : إلى أن الزكاة يجوز دفعها إليهم ، وذلك لأن النفقة لا تجب لهم أصلاً فلا يجب على الأخ أن ينفق على أخيه أو ابن أخيه ولا على عمه فلا تجب النفقة عليهم أصلاً وإنما يوجب عند الضرورة فإذا اضطروا إلى نفقته أوجبناها في الضرورة وهنا - وهم يمكن أن يأخذوا من الزكاة – فلا ضرورة فالنفقة لا تجب عليهم أصلاً إلا إذا وقعت الضرورة والحاجة الماسة إلى ذلك وحيث كانوا يمكن أن يأخذوا من الزكاة فلا ضرورة ، وهي الرواية الظاهرة عن الإمام أحمد كما قال ذلك الموفق . وهذا القول هو الراجح وهو مقتضى كلام شيخ الإسلام المتقدم .
واعلم أن ما تقدم في النفقة التي يحتاج إليها من طعام وشراب ونحو ذلك .
أما الدين :
فإن أصح قولي العلماء في هذه المسألة وهو أصح الوجهين في مذهب الإمام وهو اختيار شيخ الإسلام أن الدين يجوز أن يقضيه من زكاته وإن كان يجب أن ينفق .
فالوالد يجوز أن يقضي دين ولده ، وذلك لأن قضاء الدين ليس من النفقة الواجبة على المنفق ، فالواجب عليه أن ينفق عليه ما يحتاج إليه في طعامه وشرابه وسكناه ونحو ذلك وفي ملبسه ومنكحه وغير ذلك ، وأما قضاء الدين فلا يدخل في باب النفقات ولذا صرح فقهاء الحنابلة بأنه يجوز أن يعطي الوالد ولده مالاً يغزو به أو غير ذلك من المصالح العامة وذلك لأنها لا تدخل في النفقة والعلة المتقدمة أن الزكاة إنما تمنع تهرباً من النفقة وهنا لا نفقة واجبة .
فعلى ذلك الراجح أنه يجوز للوالد أن يقضي دين ولده أو دين زوجته أو غير ذلك ممن ينفق عليهم ؛ لأن ذلك غير داخل في النفقة الواجبة لكن إذا كان الدين بسبب إهماله في النفقة ، كأن يكون على الابن دين في نكاحه أو في مسكنه وهو محتاج إلى نفقة والده ، أو يكون على الزوجة دين بسبب عدم قيام الزوج بالنفقة فإن قضاء دينها من الزكاة لا يجوز ؛ لأنه يجب عليه أن ينفق وهذا داخل في النفقة لكن الدين الخارج عن النفقة هو الذي يجوز أن يقضيه من الزكاة .
قال : [ ولا إلى عبد ]
لاستغنائه بنفقة سيده ، فإن السيد يجب أن ينفق على عبده .
قال : [ وزوج ]
1-هذا أحد القولين في المذهب ، وأن الزوجة لا يحل لها أن تعطي زوجها زكاتها سواء كانت من حلي على القول بالزكاة به أو غير ذلك .
2-والقول الثاني في المذهب : أن الزكاة يجوز أن يعطي الزوج من الزوجة ، وهذا هو القول الراجح ؛ وذلك لأن الزوجة لا تنفق على زوجها فلا معنى لمنعها من إعطائه زكاتها والزوج داخل في العمومات التي فيها أصناف من تحل له الزكاة كما تقدم فهو إن كان فقيراً أو مسكيناً فهو داخل في عموم قوله : ) إنما الصدقات للفقراء والمساكين ( وقد ثبت في البخاري عن أبي سعيد : أن زينب امرأة ابن مسعود أتت النبي e فقالت : ( يا رسول الله إنك قد أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم فقال : صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ) .
فلها أن تتصدق على زوجها ولها أن تتصدق على ولدها ؛ لأنها لا يجب عليها أن تنفق على ولدها وإنما يجب ذلك على الوالد .
قال : [ وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزئه ]
رجل أخذ زكاة ماله فأعطاها هاشمياً أو غنياً أو نحو ذلك وهو يعتقد ذلك ويعلم أن هذا ليس من أهل الزكاة فلا يجزئه وإن ثبت له بعد ذلك خطأ ظنه .
فمثلاً : أعطاها غنياً وهو يعلم أنه غني فبان فقيراً فلا يجزئه هذه الزكاة ؛ وذلك لأن من شرط الزكاة النية وهنا النية غير جازمة لأنه أعطاها من يعتقده ليس أهلاً وحينئذ لم ينوها زكاة لأن الزكاة إنما تدفع للأصناف الثمانية كما لو صلى صلاة بظن أن الوقت لم يدخل فتبين دخوله فإنها لا تجزئه كما تقدم ، فكذلك هنا .
قال : [ أو بالعكس ]
رجل أعطى زكاته من يظن أنه من أهل الزكاة ، كأن يرى رجلاً فظن أنه ليس من بني هاشم أو نحو ذلك فأعطاه الزكاة ثم بان بعد ذلك على خلاف هذا ، فإنها لا تجزئه .
قالوا : لأن الذمة لا تبرأ إلا بدفعها إلى أهلها وقد ثبت أن هذا ليس من أهلها .
- وقال بعض الحنابلة : بل تجزئ عنه قياساً على الغني .
فالمسألة هنا – فيما سوى الغني – كأن يدفعها إلى هاشمي أو إلى عبد أو إلى وارث يظنه بخلاف ذلك ممن هم من أهل الزكاة ثم تبين له أنه هاشمي أو عبد أو وارث – فهنا قالوا : لا يجزئ .
وقال بعض الحنابلة : بل تجزئ قياساً على الغني .
فالغني – عند الحنابلة - إن أعطى من الزكاة ظناً أنه فقير فثبت غناه ، فإن الزكاة تجزئ .
واستدلوا : بقوله e : ( إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ) قالوا : فهذا يدل على أنها إن أعطيت الغني بظن أنه فقير فإنها تجزئ وإن تبين أنه غني بعد ذلك .
وقال بعض الحنابلة : بل لا يجزئ أيضاً إن دفعت إلى الغني ظناً أنه فقير وتبين غناه ، لأنها لم تدفع إلى أهلها فلم تبرأ بها الذمة .
إذن : المشهور عند الحنابلة : أنها إذا دفعت إلى من ليس أهلاً لها سوى الغني فإنها لا تجزئ ، وإن دفعت إلى الغني فإنها تجزئ .
قالوا : وإنما فرقنا بين الغني وغيره لخفاء الغنى وظهور غيره ، فإن النسب ظاهر والعبودية ظاهرة ، والإرث ظاهر وأما الغنى فإنه يخفى غالباً .
وقال بعض الحنابلة : بل لا تجزئ مطلقاً .
وقال بعضهم بل تجزئ مطلقاً .
فعندنا ثلاثة أقوال للحنابلة .
والذي يظهر : أنه إن اجتهد وتحرى فأعطاها من يظنه أهلاً بعد التحري والاجتهاد فإنها تجزئ ؛ لأنه قد فعل ما يجب عليه وقد قال تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( وقال e : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) وقال تعالى : ) لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ( وقد قام بوسعه وطاقته وقدرته فسقط عنه الواجب فبرأت بها الذمة – وهذا مطلقاً في الغني وغيره .
أما إذا لم يتحر ولم يجتهد فإن ذمته لا تبرأ لأنه مأمور بإعطائها أهلها ، وهو لم يعطهم إياه ، فلا تجزئه إلا أن يعطيها أهلها وحينئذ فيجب عليه الرجوع أو أن يخرجها من ماله .
فإذن يجب عليه الرجوع على من أعطاها إياه ؛ لأنها لا تحل له ويحكم له القاضي بذلك لأنه أخذ مال بغير حق فيحل له الرجوع بل حتى إذا دفعها إلى من ليس بمستحق وثبت أنه غير مستحق فمع القول بالإبراء – حيث اجتهد وتحرى – فإن الرجوع واجب لإعطائها أهلها فهي محض حق الفقير وقد صرفت إلى الغني فوجب حينئذ الرجوع .
قال : [ وصدقة التطوع مستحبة ]
إجماعاً والأدلة من القرآن والسنة ظاهرة في هذا .
قال : [ وفي رمضان أفضل ]
لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي e : ( كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ... فَلَرَسولُ الله e حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة ) ويتوجه أن تكون الصدقة في عشر ذي الحجة أفضل لصريح قوله e : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر ) والصدقة من ذلك .
قال : [ وأوقات الحاجات أفضل ]
فعندما يصاب الناس بحاجة وفقر ومسغبة فإن الصدقة حينئذ أفضل ، فهي أفضل منها في الأزمنة الفاضلة وذلك لتعلقها بالمحتاج نفسه .
فإن الصدقة في الأزمنة الفاضلة متعلقة بالزمان ، وأما في أوقات الحاجات فهي متعلقة بالمحتاج نفسه فكانت أفضل ، فالصدقة في أوقات الحاجات أفضل من الصدقة في رمضان وفي عشر ذي الحجة وفي غير ذلك وقد قال تعالى : ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( أي في حاجة وفقر .
قال : [ وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمون ]
فيسن له أن يتصدق بما يفضل عن حاجته هو وحاجة من يمون ، لما ثبت في البخاري أن النبي e قال : ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول ) أي أفضل الصدقة ما كان زائداً على حاجتك وحاجة من تمون ، وقد تقدم أن الغنى هو الكفاية ، فما فضل عن الكفاية فهو خير الصدقة .
أما أن يتصدق بما يلحقه أو يلحق من يمون ضرراً فإن ذلك محرم .
ولذا قال المؤلف : [ ويأثم بما ينقصها ]
أي بما ينقص المؤنة ، أي مؤنته ومؤنة من ينفق عليهم .
فإذا تصدق وأضر بنفسه وبمن ينفق عليهم فإن ذلك محرم لما ثبت في المسند وسنن أبي داود أن النبي e قال : ( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ) وقال e : ( لا ضرر ولا ضرار ) .
لكن يستثنى من ذلك : من كان من أهل اليقين والصبر وكانت أيضاً عائلته على هذه الصفة ، فإنه وإن أنفق ماله كله مع رجاء رزق الله U ورجاء الخير فإن ذلك لا حرج فيه ، فقد ثبت في مسند أحمد وأبي داود والترمذي بإسناد صحيح : أن أبا بكر t : ( أتى بماله كله للنبي e وقال له : ما أبقيت لأهلك فقال : أبقيت لهم الله ورسوله ) فهذا يدل على جواز ذلك .
واعلم أن السنة في الصدقة الإسرار قال تعالى : ) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ( .
وقد ثبت في أبي داود بإسناد جيد أن النبي e قال : ( الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة ، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ) .
وقد ثبتت الأدلة بفضيلة الإسرار بالقرآن أي بين الناس وأن المصلي يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن كما ثبت هذا في مسند أحمد وغيره بإسناد صحيح .
وقد قال e في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) .
لكن إن اقتضت المصلحة الجهر فهو مستحب كأن يأمن على نفسه من الرياء ويأمن على الفقير من ظهور حاجته إلى الناس ونحو ذلك ويكون في ذلك مصلحة الاقتداء ونحوه فإن ذلك يكون أفضل .
وقد قال النبي e – كما في الصحيح – فيمن تصدق أمام الناس وكان قدوة في ذلك : ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) .
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين