عدد الزوار : 23713
المكتبة المقروءة : العقيدة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : العقيدة
العقيدة السفارينية
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبدهُ ورسوله , أما بعد :

فبين أيدينا أُرّجوزة للشيخ العلامة الحنبلي ( محمد بن أحمد بن سالم السَفَّاريني ) بتشديد الفاء نسبة إلى( سفَّارين ) وهي قرية من أعمال ( نابُلس ) في فلسطين .

والشيخ من أعيان القرن الثاني عشر فقد توفي رحمه الله في سنة ( 1188هـ ) .

وهذا المؤلف الذي بين أيدينا جمع فيه رحمه الله أصول العقيدة على ما كان عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وسلف الأمة ، وإن كان قد وقع له فيه بعض الأخطاء التي وقع بها كثير من المنتسبين للسنة ، فقد وقع في بعض الأخطاء كما سيأتي - في باب الصفات وفي باب القدر وقد وقع فيها كثير من المنتسبين للسنة ، فيكون في شرحها وإيضاحها تحذير من هذا الخطأ .

 

قال المؤلف رحمه الله : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) :

( الباء ) : للاستعانة ، والجار والمجرور متعلق بمحذوفٍ متأخرٍ فعلٍ خاصٍ , والتقدير : بسم الله أؤلف .

و ( الله ) : اسم الجلالة ، مشتق من ( أَلَهَ ) أي عَبدَ أو ( أُلِه ) أي : عُبِد .

فهو مشتق وليس بجامد كما هو مذهب جمهور النحاة ومنهم سيبويه .

( الرحمن الرحيم ) : اسمان من أسماء الله الحسنى .

و ( الرحمن ) : متعلق بذات الله تعالى ، ولذا فالرحمة فيه هي الرحمة الواسعة .

وأما ( الرحيم ) : فهو متعلق بفعل الله ، ولذا فالرحمة فيه هي الرحمة الواصلة التي تصل إلى المكلفين .

فالرحمن : ذو الرحمة الواسعة .

والرحيم : ذو الرحمة الواصلة .

وابتدأ المؤلف رحمه الله بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز واقتداءً برسائل النبي صلى الله عليه وسلم , فإنه كان يفتتحها بالبسملة كما في الصحيح في قصة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم فإن النبي صلى الله عليه وسلم افتتحها بالبسملة .

وحديث : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ ( بسم الله ) ) لا يصح ، رواه الخطيب وغيره بإسناد ضعيف جداً .

 

قوله : ( الحمدُ للهِ القديم الباقي ... مسبب الأسبابِ والأرزاق ) :

( الحمد لله ) : الحمد : هو الثناء باللسان على جهة التعظيم والتبجيل .

الحمد لله : أي الحمد كله لله فهو المستحق له وهو المختص به سبحانه و تعالى .

( القديم ) : القديم هنا من باب الإخبار ، فليس " القديم " من أسماء الله الحسنى .

1- فإن الأسماء الحسنى توقيفية ، أي ليس للمكلف أن يسمي الله بما لم يسمِّ به نفسه ، فليس من الأسماء الحسنى لأن الله لم يسمِّ به نفسه .

2- و " القديم " : لا يقتضي الأولية , أي : لا يقتضي أن يكون غير مسبوق بعدم ، ولذا فإن الله قال في العرجون ) كالعرجون القديم [ والعرجون مسبوق بعدم .

وأما الاسم الأحسن الذي سمى الله به نفسه فهو " الأول " , وأما القديم فإنه إنما يقال على جهة الإخبار ويراد أن الله سبحانه و تعالى قديم أزلي ليس بمسبوق بعدم .

( الباقي ) : سيأتي الكلام على الباقي ، و كذلك ليس هو من أسماء الله الواردة .

والوارد من أسماء الله الحسنى - كما سيأتي – هو الوارث الباقي بعد كل شيء الذي يرجع إليه ملك كل شيء فالممتلكات ترجع إليه سبحانه و تعالى ، قال سبحانه و تعالى : ] ونحن الوارثون [ .

فـ( الوارث ) : من الأسماء الحسنى , وأما ( الباقي ) : فليس منها .

( مسبب الأسباب ) : أي جاعل الأسباب مؤثرة .

فالسبب : هو الذي يوصل إلى غيره .

فمثلاً : التجارة سبب للغنى ، الجماع سبب للولادة .. إلى غير ذلك من الأسباب .

فالله تعالى هو الذي جعل هذه الأسباب أسباباً ، فهو الذي خلق السبب وخلق مسبَّبه .

 

قوله : ( حيٌ عليمٌ قادرٌ موجود  ...  قامتْ به الأشياءُ والوجودُ ) :

( حي ) : " الحي " من أسماء الله الحسنى وهو ذو الحياة الدائمة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء .

( عليم قادر موجود ) : فالله تعالى عليم قادر على كل شيء سبحانه و تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وهو موجود واجب الوجود , والموجود منه : ما هو واجب الوجود ، ومنه : ما هو جائزه .

1- فواجب الوجود : هو الخالق الغني عما سواه .

2- وجائز الوجود ( أو ممكن الوجود ) : هو المخلوق الفقير إلى الله سبحانه و تعالى .

فكل المحدثات وجودها ممكن ، وأما الله تعالى فوجوده واجب .

وهناك ما هو ممتنع الوجود : وهو ما لا يمكن وجوده .

كاجتماع الضدين , فلا يمكن أن يكون الشيء أسودَ وأبيضَ في آن واحد - هذا ممتنع .

( قامت به الأشياء والوجود ) : فكل شيء قائم بالله سبحانه و تعالى , قال سبحانه و تعالى :  ]الحي القيوم[  .

و " القيوم " : هو القائم بنفسه المقيم لغيره , فهو الغني عما سواه و كل شيء إليه فقير .

قوله : ( دلت على وجوده الحوادثُ ... سبحانه فهو الحكيم الوارثُ ) :

( دلت على وجوده الحوادث ) : وهذا دليل عقلي ضروري , فإن العقل دل بالضرورة على وجود الله سبحانه و تعالى , وذلك بأن هذه المحدثات تدل على وجود محدث لها فلابد في هذا الوجود من موجد , هذا الموجد وجوده واجب وهو غني عمن سواه و كل ما سواه إليه فقير .

فهذه الحوادث دالة على وجود الله تعالى , ولذا قيل :

وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحدُ

قال سبحانه و تعالى : ] أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون [ .

هل خلقوا من غير شيء ؟! وهذا ممتنع , فيمتنع أن تكون هذه السماء وهذه الأرض , وهذه المخلوقات قد خلقت من غير شيء - هذا ممتنع بصراحة العقول , بل لابد لها من موجد ، بل لو وجدت شيئاً يسيراً في دارك – مثلاً - فإنه لابد وأن يكون لهذا الشيء من واضع قد وضعه ولا يمكن أن يوجد من غير شيء .

) أم هم الخالقون [ : وهذا أشد امتناعاً ، فيمتنع أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم ، وإلا لكان كل أحد يخلق نفسه على أكمل وأتمِّ صورة .

 ]أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون [ : فكان لابد من وجود خالق قد خلق هذه المخلوقات وهو الله سبحانه و تعالى .

فهذا دليل عقلي ضروري .

وكذلك دليل الفطرة : فإن الفطرة السالمة من الانحرافات التي لم تتغير دالة ٌعلى وجود الله سبحانه و تعالى .

فإذا احتاج بعض الناس إلى أدلة على وجود الله فإن هذا الاحتياج ناتج عن تغيُّر الفطرة , بل إن كثيراً ممن تغيرت فطرهم - كما يقع هذا في بعض بلاد الإلحاد  إذا وقع في مصيبة فإنه يقول : ( يا الله ) وإن كان ينكر وجوده في حال الرخاء ، فإنه يقر بالله تعالى في حال الشدة .

والمشركون يقرون بألوهية الله في حال الشدة وتفرده بذلك ولا يقرون بتفرده في حال الرخاء .

وهؤلاء ينكرون وجود الله سبحانه و تعالى - لا ألوهيته في حالة الرخاء فإذا كانوا في شدة فإنهم يقرون بربوبية الله تعالى لهم

وكذلك اتفقت الأمم على هذا ، فالأمم كلها متفقة على وجود الله سبحانه و تعالى ، ومن أنكره وهم نزر يسير لا تنسب إليهم ملة في الأمم السابقة - إنما أنكروه تعالياً وكبراً كما قال سبحانه و تعالى : ) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ( وأما في العصور المتأخرة فهذا اشتهر في بعض البلدان كما هو معروف لكنَّ اتفاق الأمم السابق على الإقرار بربوبية الله سبحانه و تعالى .

( سبحانه فهو الحكيم ) : " الحكيم " : أي الذي يضع الأمور في مواضعها شرعاً وقدراً .

فهو حكيم في شرعه قد شرَّع أحسن الشرائع ، وهو سبحانه و تعالى حكيم في خلقه قد أتقن ما صنع ، فقد أحسن ما شرع وأتقن ما صنع سبحانه و تعالى .

( الوارث ) : " الوارث " كما تقدم هو الباقي بعد خلقه الذي ترجع إليه ممتلكاتهم .

 

 

 

قوله : ( ثم الصلاة و السلام سرمداً ... على النبِّي المصطفى كنز الهدى ) :

( سرمداً ) : أي دائماً .

( كنز الهدى ) : أي معدن الهداية ومستقرها عليه الصلاة والسلام فإنه لا هداية للعباد ولا رشاد لهم إلا بطريقه عليه الصلاة والسلام .

 

قوله : ( وآله وصحبه الأبرار ... معادن التقوى مع الأسرار ) :

( وآله ) : من " الآل " - كما يقال : ( آل فلان ) – من : آلَ إذا رجع ، وهم الذين يرجعون إلى المذكور الذي أضيفت إليه " آل " ويضافون إليه .

وهو يؤولهم أي يسوسهم ، ومنه : الإيالة أي السياسة و يدخل في " الآل " :

1- القرابة . 

2- والزوجة .

3- والأتباع .

قال عليه الصلاة و السلام : ( اللهم صلَّ على آل أبي أوفى ) أي : على قرابته أو على أهل داره .

وقال عليه الصلاة والسلام : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ) أي : زوجه ، فآل محمد في هذا الحديث هم زوجه

وقال تعالى : ] أدخلوا آل فرعون[  أي : أدخلوا أتباعه .

فالصحابة من آل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأزواجه من آله وقرابته من آله عليه الصلاة والسلام .

( معادن التقوى مع الأسرار ) : جمع سر وهو الغيب هنا ، أي : لهم في الأسرار من المنازل العليةَ والدرجات السنية ما لا يعلمه إلا الله سبحانه و تعالى .

 

قوله :


  ( وبعد فاعلم أن كل العلـم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي

 لأنه العلـم الذي لا ينبغي  ... لعـاقل فهـمه لم يبتـــغ

   فيعلم الواجب والمحــال ... كجائـز في حقـه تعـالـى ) :


( فيعلم الواجب والمحال  كجائز في حقه تعالى ) :

1- الواجب : صفات الكمال الواردة في الكتاب والسنة .

2- والمحال : صفات النقص .

3- والجائز : كإرسال الرسل , وإنزال الكتب ، فهذه ليس واجباً في حق الله وليس محالاً في حقه وإنما هو جائز .

فيعلم العبد في التوحيد ما يجب لله من صفات الكمال ومن توحيد العبادة ويعلم ما هو محال في حقه كصفات النقص وكتعدد الآلهة , ويعلم ما هو جائز في حقه كإرسال الرسل وإنزال الكتب وغير ذلك .

 

قوله : ( وصار من عادة أهل العلم ... أن يعتنوا في سبر ذا بالنظم ) :

( في سبر ) : أي في تتبع .

 

قوله : ( لأنه يسهل للحفظ كما ... يروق للسمع ويشفي من ظمأ ) :

( لأنه يسهل للحفظ ) : النظم كما هو معلوم أسهل للحفظ .

( كما يروق للسمع ) : فيعجب الأذن ما تسمعه من هذه الأشعار .

( ويشفي من ظمأ ) : الظمأ هنا : هو العطش المعنوي .

فالقلوب فيها عطش إلى معرفة الحقائق لا سيما ما يكون فيه سعادتها في الدنيا والآخرة ومن ذلك توحيد الله تعالى .

 

قوله :

  ( فمـن هنا نظمـت لي عقيدة ... أرجوزة وجيـزة مفيـدة

  نظمتهـا في سلكها مقدَّمـة ... وست أبواب كذلك الخاتمة ) :

( في سلكها ) : السلك هو الخيط , أي : في سلك هذه الأرجوزة .

( مقدِّمة ) : بكسر الدال ويصح أيضاً بفتحها " مقدَّمة " وهي : ما يتقدم الشيء مما يحتاج إليه .

 

قوله :  ( وسمتهــا بالـــدرة المُضيــــة ... في عـقـد أهــل الفـرقة المرضية ) :

( بالدرة ) : الدرة هي اللؤلؤة العظيمة .

( المُضية ) : يعني المضيئة من الإضاءة , ففيها إضاءة ونور ، وذلك لأن ما فيها مأخوذ من الوحيين كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

 

قوله :

  ( على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ... إمـام أهل الحـق ذي القدر العلي

   حَبْـر المَلا فـرد العُلا الرباني ... ربِّ الحِجَى ماحي الدُّجى الشيباني ) :

( حَبر الملا ) : أي عالم الجماعة ، فالحبر : هو العالم , والملأ : هم الجماعة .

( فرد العُلا ) : أي الذي له تفرد في المراتب العلية t .

( رب الحجى ) : الحجى : العقل , أي : صاحب العقل الراجح .

( ماحي الدجى ) : أي ماحي الظلمة بما حمله لنا وحفظه ودعا إليه وبينه مما جاء عن النبي e .

( الشيباني ) : المنسوب إلى بني شيبان ، وهم من ربيعه من بني معد بن عدنان من العرب من بني إسماعيل .

وهذه العقيدة التي ذكرها عن الإمام أحمد هي عقيدته t وعقيدة الأئمة كلهم ، فهي عقيدة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وتابعيهم بإحسانه إلى يوم الدين ، وهي عقيدة الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الإسلام . 

والإمام أحمد رحمه الله له إمامة أهل السنة والجماعة كما هو معلوم .

قال الأشعري رحمه الله تعالي في كتاب ( الإبانة ) : ( ونحن بما قال الإمام أحمد نضَّر الله وجهه وأجزل مثوبته

ورفع درجته قائلون ، وعن مخالفته مجانبون ، لأنه الرئيس الكامل والإمام الفاضل ) أ . هـ

قال الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى : ( نصر الله الإسلام بأبي بكر في الردة و بأحمد يوم المحنة ) أ . هـ

وهكذا أيضاً سائر أئمة الإسلام y جميعاً .

 

قوله :

  ( فـإنه إمـام أهـل الأثـــر ... فمن نحى منحاه فهو الأثـري

  سقى ضريحاً حلَّه صوبُ الرضا ... والعفو والغفران ما نجم أضا ) :

( سقى ضريحاً ) : الضريح هو القبر .

( حلَّه ) : t .

( صوب الرضا ) : الصوب هو : الغيث , والرضا : هو رضا الله سبحانه و تعالى .

 

قوله : ( وحلَّه و سائر الأئمة ... منازل الـرضوان أعـلى الجنـة ) :

( وحلَّه وسائرَ الأئمة ) : رضوان الله عليهم جميعاً .

( منازل الرضوان أعلى الجنة ) : أي الفردوس .

 

* ترجيح مذهب السلف *

قوله :

  ( اعلـم هـديت أنه جـــاء الخبر ... عن النبي المقتفى خير البشـر

   بـأن ذي الأمـة سـوف تفتـرق ... بضعاً وسبعين اعتقاداً والمحق

  ما كان في نهـج النبي المصطفـى ... وصحبه من غير زيـغ وجفا ) :

ففي مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما - والحديث صحيح مشهور كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث

وسبعين فرقة ، اثنتان وسبعون في النار  وواحدة في الجنة هي الجماعة ) .

زاد أبو داود : " وإنه سيكون في أمتي أقوام تجارى : ( أي تتجارى بحذف إحدى التاءين ) بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب : ( وهو الداء المشهور المعروف وهو ما يصيب من عضَّه الكلب المسعور ) في صاحبه لا يبقى

منه عرق ولا مفصل إلا دخله ) .

فتشرب قلوبهم - والعياذ بالله  هذه البدع و هذه الأهواء وتسري في أبدانهم والعياذ بالله فلا تدع مفصلاً ولا عرقاً إلا دخلته أعاذنا الله وإياكم من ذلك . 

وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم و أصحابي ) .

 

* قول أهل السنة في النصوص *

قوله : ( فأثبتوا النصوص بالتنزيه  ... من غير تعطيل ولا تشبيه )

هذا بإجماع السلف .

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى : ( أهل السنة مجمعون على الإقرار بما جاء في الكتاب والسنة من الصفات كلها والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ) .

قال تعالى : ] ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [

قال هنا المؤلف : ( بالتنزيه ) : فليس كمثله شيء ، فكما أن ذاته سبحانه و تعالى لا تشبه ذوات المخلوقين فإن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين ، فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات , هذه قاعدة ( الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ) وهذا هو المتقرر كما هو معلوم بصراحة العقول فإذا قال القائل في صفة من الصفات : كيف هي فنقول له : و كيف هو , فكما أنك تنهى عن الكلام في كيفية الذات فنحن أيضاً ننهى عن الكلام في كيفية الصفات

 فكما أنه ليس له سبحانه و تعالى ذات تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين ، وكما أنه لا يجوز السؤال عن كيفية الذات فكذلك لا يجوز السؤال عن كيفية الصفات .

فإذا قال : كيف ينزل ؟ نقول له : كيف هو ؟

( من غير تعطيل ولا تشبيه ) : التعطيل : هو النفي .

قال تعالى : ] ليس كمثله شيء [ هذا تنزيه : ] وهو السميع البصير [ هذا إثبات .

ففي قوله :  ]ليس كمثله شيء [ هذا رد على الممثلة .

وقوله :  ]وهو السميع البصير [ هذا رد على النفاة المعطلة المؤوِّلة .

 

قوله :

( فكل ما جـاء مــن الآيات ... أوصح في الأخبار عن ثقــــات

  من الأحاديـث نُمُــره كما ... قد جـاء فاسمـع من نظامي واعلما ) :

( نمره كما قد جاء ) : أي لفظاً ومعنى , السلف يمرون الصفات كما جاءت لفظاً ومعنى فيؤمنون بما فيها من المعاني وما دلت عليه من المعاني التي يعرفونها في لغة العرب ويؤمنون أيضاً بألفاظها , وما نسبه بعض الناس إلى السلف من القول بالتفويض هذا كذب على السلف وهو مذهب أهل التجهيل ،

ومذهبهم أنهم يقولون : إن آيات الصفات لا يدري جبريل ولا محمد ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ولا أئمة الإسلام – لا يدرون ما معناها فهي عندهم كالطلاسم يقرؤونها ولا يدرون ما معناها .

فسُمُّوا بأهل التجهيل لأنهم يُجَهَّلُون سلف هذه الأمة ، يجهلون الأنبياء ويجهلون الروح الأمين . 

وعندما يقول من يقول : ( إن مذهب السلف أسلم ) لا يريد مذهب السلف الذي هو مذهب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم من السلف ، بل يريد بقوله : ( مذهب السلف أسلم ) يريد مذهب هؤلاء وهو التفويض ولذا يقول : ( ومذهبنا أعلم وأحكم ) وهو مذهب التأويل .

فإن هؤلاء الضلال : 1- منهم من قال بالتفويض ونسبه إلى السلف فقال : إن السلف لا يدرون ما معنى هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ، فلا يدرون ما معنى ( استوى ، ولا نزل ) ولا يدرون ما معنى اليد ولا الوجه ولا غير ذلك .

2- ومنهم من قال : إنهم لم يبينوا أي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يبينوا المراد بالمعاني وتركوا ذلك إلى عقولنا مع القطع بأن ظاهرها غير مراد .

هذا هو المذهب الثاني الذي هو مذهب أهل التأويل ، فقد قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم لم يبين لنا المراد وعليه : فإنه عليه الصلاة والسلام لم يبلغ ما آتاه الله تعالى ، والله تعالى قد ترك لنا هذا الدين غير كامل , وهو يقول سبحانه و تعالى : ] اليوم أكملت لكم دينكم [ وهذه أصول هذا الدين ، وهم يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينها , وهو صلى الله عليه وسلم الذي بلغ غاية البلاغ وبيَّن غاية البيان حتى قال : ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ) كما روى ذلك أحمد في مسنده وابن ماجه .

وقد قال سبحانه و تعالى : ] يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك [ وقال سبحانه و تعالى :  ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[  ومعلوم أن " ما " تفيد العموم ، ومعلوم أن آيات الصفات هي أعظم آي القرآن ومن ثم كانت آية الكرسي هي أعظم آية وكانت سورة الفاتحة هي أعظم سورة وكانت سورة الإخلاص هي ثلث القرآن .

فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن و قد أوضح وكذلك السلف , ولذا قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( وقد جمع أهل الحديث من المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإثبات في هذا الباب ما لا يحصيه إلا رب السماوات ولا يقدر أحد على أن يأتي بالنفي بشيء ) ا.هـ .

يعني : في باب النفي لا يقدر أحد على أن يأتي عن السلف بشيء وإنما الآثار الواردة عن السلف كلها تدل على

إثبات ما جاء في الكتاب والسنة .

وقد فتح المفوضة - كما هو معلوم باباً لأولئك لأن يتلاعبوا في الكتاب والسنة بالتأويلات الباطلة لأن النفوس كما هو معلوم - مجبولة على الحرص على المعاني أكثر من حرصها على الحفظ وعلى التلاوة .

وهذا المذهب - كما تقدم - باطل من أوجه كثيرة , منها :

1- الوجه الأول : أن الله تعالى أمر بتدبر القرآن ، قال سبحانه و تعالى : ] أفلم يدَّبَّروا القول [ وقال سبحانه و تعالى : ] أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها[  وقال :  ]أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ( .

وقال :  )كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدَّبَّروا آياته [ وهذه الإضافة ( آياته ) تفيد العموم لأنها جمع مضاف ، فتدخل في هذا الباب آيات الصفات دخولاً أولياً ، فدل هذا على أن آيات الصفات مما يفهم وإلا لما أمر الله تعالى بتدبرها .

2- الوجه الثاني : أن الله تعالى ذمَّ في كتابه الكريم من يكون حظه من كتاب الله تعالى مجرد سماع الأصوات دون فهم للمعاني ، وهؤلاء يريدون أن يكون الأمر كذلك .        قال سبحانه و تعالى : ] ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعِق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءاً صم بكم عمي فهم لا يعقـلون [ .        فهؤلاء يريدون أن يكون السلف رضوان الله عليهم كهؤلاء .

3- الوجه الثالث : أن الله سبحانه و تعالى أخبرنا أنه أنزل القرآن بلغة العرب لنعقله ومعلوم أن العقل لا يكون إلا بفهم .   

وقال سبحانه و تعالى :  ]إنا أنزلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون [ .

4- الوجه الرابع : أن السلف كانوا يفسرون القرآن , ولذا قال مجاهد t - وهو من أئمة التابعين -  قال :

( عرضت المصحف على ابن عباس - رضي الله عنهما - آية آية أوقفه عند كل آية أسأله عنها ) ا . هـ    ومن ثم كان التفسير المأثور ليس فيه خلاف  تضاد إلا في نزر يسير ، و أما خلاف التنوع فهذا يقع .     

فكان السلف يفسرون القرآن ومن ذلك آيات الصفات .      وكانوا يتدبرون القرآن ، ولذا قال أبو عبد الرحمن السُّلمي رحمه الله : ( حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود أنهم كانوا لا يتجاوزن عشر آيات حتى يتعلمون ما فيها من العلم والعمل , قال : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً ) .

5- الوجه الخامس : أن الله ذمَّ من لا يفقه القرآن .      قال سبحانه و تعالى : ] وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ( الضمير يعود إلى القرآن وهؤلاء يريدون ألا يفقه سلف الأمة كتاب الله تعالى في هذه الآيات التي هي أعظم آي الكتاب .

6- الوجه السادس : أن العادة المصطردة في بني آدم أنهم إذا قرؤوا شيئاً فإن رغبتهم في تدبره وتأمله وفهم معانيه أعظم من رغبتهم في مجرد قراءته ، فكيف يظن بالسلف أنهم لم يعتنوا بفهم معاني هذا الكتاب الذي أخبر الله تعالى أنه هدى للناس وأنه رحمة لهم .

فعلى ذلك هذا القول الذي هو مذهب التفويض من أبطل الأقوال ، وأما أولئك فإنهم سلكوا باب التأويل .      ومن ثم كان من الفلاسفة الملحدة أن قالوا لهم : يلزمكم هذا أيضاً في آيات المعاد التي تثبت المعاد لم لا تتأولونها ، أوليست آيات الصفات في كتاب الله أكثر من الآيات في المعاد ؟ أوليس المشركون كانوا يقرون بآيات الصفات وينكرون آيات المعاد ؟   

فيلزمكم أيها المتأولة أن تسلكوا هذا المسلك أيضاً في باب المعاد فلتقولوا : أن الجنة يراد بها كذا ، وأن النار يراد بها كذا ، وأن البعث يراد به كذا ، وتأولوا كما تأولتم في باب الصفات .       فدخل الفلاسفة على أهل الإسلام من هذا التأويل الذي سلكه هؤلاء المتكلمون .

 

 

 

 

قوله : ( ولا نرد ذاك بالعقـول ... من غير تعطيل ولا تمثيل ) :

قال شيخ الإسلام : ( فليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة , ورحم الله الإمام مالكاً عندما قال : أوَكلما جاءنا رجل هو أجدلُ من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء ؟ ) أ . هـ .

قال تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله[  وتقديم العقل والرأي من التقديم بين يدي الله ورسوله .

وسيأتي إن شاء الله أن العقل لا يبطل ما جاء بالشرع بل إما أن يدل عليه وإما أن يحار فيه لكنه لا يحيله فليس في الشرع ما هو مستحيل عند أهل العقول .

 

قوله : ( فعقدنا الإثبات يا خليلي ... من غير تعطيل ولا تمثيل ) :

 

* حال المؤوَّلين في الصفات *

فكـل من أول في الصـفات ... كذاتـه من غير ما إثبـــات

فقد تعدى واستطال واجترى ... وخاض في بحر الهلاك وافترى

تقدم الكلام على هذا .

 

قوله : ( ألم ترى اختلاف أصحاب النظر ... فيه وحسن ما نحاه  ذو الأثر ) :

انظر إلى أهل الأثر كيف اتفقوا على كلمة واحدة في أصول الدين و كيف أنهم تعبدوا الله تعالى بمقتضى ما دل عليه الوحيان في هذا الأصل العظيم .

وانظر إلى هؤلاء المتكلمين النُّظَّار كيف أنهم يختلفون اختلافاً عظيماً ، فانظر إليهم وهم يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وغيرهم من أرباب النظر المخالف للشرع المنزل .

بل انظر إلى الواحد منهم كيف أنه يقول القول اليوم ويرى أنه هو الدين وأن الذي لا يقول به ليس بمسلم ثم به يوماً آخر يكفرَ من قال بهذه  المقالة , فعندهم اضطراب كبير وحيرة عظيمة .

( النظر.. فيه ) : أي في هذا الباب ، واختلافهم أيضاً في النظر فإنهم اختلفوا في أنظارهم اختلافاً كبيراً ، لأنها ليست مستهدية بالوحيين .

 

قوله : ( فإنهم قد اقتدوا بالمصطفى ... وصحبه فاقنع بهذا أو كفى ) :

( وكفى ) : أي وكفى به مستنداً ، فيكفيك مستنداً أن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأنه الذي كان عليه سلف الأمة .

 

   

* باب معرفة الله تعالى وتعداد صفاته *

قوله : ( أول واجب على العبيد ... معرفة الإله بالتسديد ) :

( بالتسديد ) : أي الصواب .

 ( بأنـه واحد لا نظير ...  له ولا شبه ولا وزير ) :

هذا هو أو واجب على المكلفين وهو معرفة الله سبحانه و تعالى وإفراده بالعبادة ، فتوحيد العبادة هو أول واجب على المكلفين ، فما من نبي إلا ويدعو قومه أول ما يدعوهم إليه إلى عبادة الله وحدة لا شريك له .

قال سبحانه و تعالى في كتابه الكريم عن أنبيائه عليهم الصلاة والسلام : ] أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره[  

وقال : ] ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله

ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) .

في الصحيحين أيضاً من حديث معاذ بن جبل t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله ) .   

فالتوحيد ( توحيد العبادة ) باتفاق السلف هو أول واجب على المكلفين .

- وأما المتكلمون فإن أول واجب عليه عندهم هو : النظر أو القصد إلى النظر أو الشك .

النظر : هو حركة النفس في الأدلة المعقولة لإثبات الصانع " أي : لإثبات وجود الله سبحانه و تعالى " وقد تقدم أن الأمم التي بعث إليها الأنبياء كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ، كما قال سبحانه و تعالى : ] ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولون الله  [فالأمم متفقه على إثبات الربوبية .

وقد تقدم أيضاً أن توحيد الربوبية معلوم بضرورة العقل ومعلوم أيضاً بالفطرة التي فُطر العباد عليها .

وأما القصد إلى النظر : فهو تفريغ النفس من الشواغل لتتمكن من النظر في الأدلة العقلية .      

وأما الشك : فهو أن يشك بالله هل هو موجود .   

فعندهم إذن : أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك , وهذا باطل كما تقدم بالأدلة من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع السلف .

ومن ثَمَّ فإنهم يعرفون كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " التي هي العروة الوثقى- يفسرونها بتوحيد الربوبية ، فيقولون : " لا إله إلا الله " : أي لا قادر على الاختراع إلا الله , فيفسرون توحيد العبادة بتوحيد الربوبية .

والتوحيد عندهم على ثلاثة أنواع :

1- النوع الأول : هو أن الله تعالى واحد في ذاته لا قَسيم له ، فهو توحيد الذات .

2- والنوع الثاني : توحيد الصفات , يقولون : واحد في صفاته لا شبيه له .

3- والنوع الثالث : هو توحيد الأفعال ، يقولون : واحد في أفعاله لا شريك له .

ويريدون بالنوع الأول : نفي الصفات الذاتية كصفة اليد والوجه ، لأنها عندهم تفيد التبعيض والتجزئة ، لذا قالوا إن الله لا يتبعض  ولا يتجزأ وهو واحد في ذاته لا قسيم له .

ويريدون بالنوع الثاني : نفي الصفات , فعندهم الصفات تدل على التشبيه ، عندهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ظاهرهما الكفر المحض ( تشبيه الله بخلقه ) , ومن ثم فإن توحيد الصفات عندهم هو نفيها وإبطالها .

ويريدون بالنوع الثالث : توحيد الربوبية ، وهو أهم أنوع التوحيد عندهم , فهم لا يعرفون توحيد العبادة الذي بُعثت به الأنبياء وإنما يعرفون توحيد الربوبية .

 

قوله : ( صفاته كذاته قديمه ... أسماؤه ثابتـة عظيمـه ) :

( صفاته كذاته قديمة ) : صفات الله تعالى نوعان :

1- صفات ذاتية . 2 - وصفات فعلية .

1- الصفات الذاتية : هي التي لا ارتباط لها بالمشيئة فهي لازمة لله سبحانه و تعالى لا ترتبط بمشيئته , كصفة الوجه واليد والقدم والعلو .

2- والصفات الفعلية : هي التي ترتبط بالمشيئة فإن شاء فعل و إن شاء لم يفعل .

وعليه : فالصفات الفعلية هي : الصفات المرتبطة بالذات والصفات المرتبطة بالمشيئة من الأقوال والأفعال , فكلام الله تعالى من هذا النوع , وأفعال الله سبحانه و تعالى من هذا النوع ، فاستواء الله على عرشه ومجيئه يوم القيامة للفصل بين العباد ونزوله إلى السماء الدنيا إلى غير ذلك هذه صفات أفعال مرتبطة بالمشيئة : يعني : إن شاء فعل وإن لم يفعل

وهذه الصفات الفعلية هي قديمة النوع حادثة الآحاد يعني : هي من حيث النوعُ قديمة أزلية ، ومن حيث الآحادُ هي حادثة .

فالله من حيث النوع فعال لما يريد أزلاً .

قال الإمام البخاري ونعيم بن حماد والدارمي رحمهم الله تعالى قالوا : ( الإله هو الحي الفعَال ) , قال سبحانه و تعالى : ] إن ربك فعّال لما يريد  [, قال ابن القيم رحمه الله تعالى :

صدق الإمام فكل حي فهو فعـ ... ال وذا في غاية التبيان

( صدق الإمام ) : يريد الإمام هنا الإمام الدارمي رحمه الله تعالى , فصفة الفعل ثابتة لله تعالى قِدَماً وأزلاً فهو لا يزال فعالاً لما يريد , لكن من حيث الآحاد يفعل الله ما شاء متى شاء وكذلك الكلام فلا يزال الله تعالى متكلماً لكن من حيث الآحاد : يتكلم الله متى شاء بما شاء .

إذن : الصفات الفعلية ويدخل فيها الصفة القولية وهي الكلام هذه الصفات من حيث النوع  قديمة ومن حيث الآحاد هي حادثة .

قال : يوضح ذلك : الطفل عندما يتعلم الكلام هذه الصفة تكون من حنيئذ صفةً له فيقال : إن هذا الطفل متكلم أي ليس بأخرس وعندما يقول : ( أعطوني ماءً ) فهذه الكلمة منه حادثه .

وصفة الكلام في ابن آدم حادثه لكن المقصود هنا أن هذا الكلام الذي تكلم به بعد هو أحدث من الصفة التي قد اتصف بها . 

 

 

إذن :

الصفات الذاتية قديمة أزلية ليس فيها حدوث .

والصفات الفعلية :

من حيث النوع قديمة أزلية .

ومن حيث آحادُها حادثة . 

( أسماؤه ثابتة عظيمة ) : لله سبحانه و تعالى الأسماء الحسنى أي التي قد بلغت في الحسن الغاية .

وأسماء الله سبحانه و تعالى هي أعلام وأوصاف فهي أسماء نعوت .

فهي أعلام من حيث دلالتها على الذات المقدسة .

فالسميع علم على الله ، والبصير علم عَلَى الله ، والحكيم علم عَلَى الله سبحانه و تعالى ، والرحيم عَلم على الله سبحانه و تعالى .

وهي أوصاف من حيث تضمُنها لنعوت الجلال ، وصفات الكمال .

فالرحيم : رحيم ذو رحمة ، والسميع : سميع ذو سمع ، والبصير بصير ذو بصر ، والحكيم حكيم ذو حكمة . 

وليعلم أن الدَلالة نوعان :

1- دلالة لفظية  2- دلالة عقلية .

1- الدلالة اللفظية : هي دلالة اللفظ على جميع معناه أو على بعضه .

2- وأما الدلالة العقلية فهي خاصة العقل وهي : استفادة العقل من اللفظ معانٍ أخرى لا يدل عليها اللفظ لكنها لازمة له .

مثال يوضح ذلك : اسم ( الرحيم ) من الأسماء الحسنى لله سبحانه و تعالى :

الدلالة اللفظية لهذا الاسم : أنه يدل على الله ويدل على الرحمة ، فهو يدل على الذات المقدسة تقول : ( يا رحيم )  وهو أيضاً دليل على الرحمة .

والدَلالة اللفظية قسمان :

أ - دَلالة مطابقة .  ,  ب - ودلالة تضمن .

أ - دلالة المطابقة : هي دلالة اللفظ على جميع معناه .

فدلالة اسم ( الرحيم ) على الذات المقدسة وعلى الرحمة معاً دلالة مطابقة ، لأنه دل على جميع المعنى .

ب - ودلالة التضمن : هي دلالة اللفظ على بعض معانيه .

فدلالة اسم ( الرحيم ) على الذات فقط أو على الصفة فقط هذه دلالة تضمن ، لأن أحد المعاني التي يدل عليها اللفظ في ضمنه ولذا سميت دَلالة تضمن .

وأما دلالة الالتزام ( الدلالة العقلية ) فهي : أن يتدبر العاقل بعقَله السليم الصحيح هذا اللفظ وما يلزم منه من معاني فما يلزم منه من معاني هي حق وهذا الاستدلال منه هو بدلالة الالتزام .

مثال : ( الرحيم ) يدل على الحياة , لأن الذي ليس بحي لا يقال : إنه رحيم .

فدل اسم الله ( الرحيم ) على أن الله تعالى حي .

ويدل على القدرة أيضاً , لأن الرحمة التامة الكاملة لا بدلها من قدرة ليوصًّل الرحيم رحمته ، لو كان رحيماً مستضعفاً لا يستطيع أن يوصل هذه الرحمة فهذه رحمة ليست بكاملة .

وكذلك يدل على صفة العلم ، لأنه لابد وأن يعلم حاجة من يحتاج إلى رحمته فيرحمه .

فإذن : الدلالة عندنا ثلاثة أنواع :

1- دلالة مطابقة . 2- ودلالة تضمن . 3- ودلالة التزام .

النوعان الأولان هما دلالة لفظية .

والنوع الثالث دلالة عقلية .

وإذا كان الاسم متعدياً كالسميع جاز لنا أن نشتق منه صفة وأن نشتق فعلاً ، فنقول : هو ذو سمع هذا اشتقاق صفة .

ونقول : قد سمع - هذا اشتقاق فعل .

وأما إذا كان الاسم لازماً يعني لازماً بالله كالحي فإنا لا نشتق فعلاً فلا نقول : حَي َّ، وإنما نقول : له الحياة .

فنشتق الصفة ولا نشتق الفعل .

أسماء الله سبحانه و تعالى قد أقرَّ بها المعتزلة لكنهم جعلوها أعلاماً محضة لا تدل على صفات .      وإنما قالوا ذلك فراراً في زعمهم من التشبيه ، قالوا : نحن إذا قلنا : إن الله سميع ذو سمع - فأثبتنا له صفة السمع فإننا بذلك نشبه الله تعالى بخلقه , ففروا من التشبيه بنفي ما دلت عليه هذه الأسماء الحسنى من الصفات العلى فنفوا الصفات و أثبتوا الأسماء .

وأما الجهمية فإنهم نفوا الأسماء الحسنى والصفات العلى فيقولون : إن الله ليس بسميع ولا بذي سمع ، ولا بصير و لا بذي بصر - والعياذ بالله .

وأما الأشاعرة فإنهم قالوا : نحن نثبت الأسماء ولا نثبت من الصفات إلا سبعاً هي : الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر , وأما غيرها فننفيه .       

هذه المذاهب الثلاثة مذاهب مضطربة ، وهم بين أهل السنة والجماعة وبين الفلاسفة الملحدين فليسوا كالفلاسفة الملحدين الذين نفوا وجود الله تعالى وليسوا كأهل السنة والجماعة الذين أثبتوا ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه .صلى الله عليه وسلم

والقاعدة أن هذا الباب أي باب الأسماء والصفات باب واحد , فالقول في بعض الصفات كالقول في بعض .

فنقول للجهمي : لمَ أيها الجهمي نفيتَ الأسماء الحسنى والصفات العُلى وأثبتَّ أن الله موجود وأنه واجب الوجود ؟ فيقول : أنا فررتُ من التشبيه لأني لا أجد في الشاهد من يتسمَّى بهذه الأسماء أو يتصف بهذه الصفات إلا ما هو جسم والأجسام متماثلة ، فأنا أنفي الأسماء وأنفي الصفات فراراً من التشبيه .

فنقول له : أولستَ تثبت أن الله موجود ؟   

فيقول : بلى .      

فنقول : أوليس البعوض موجوداً ؟ أوليس ابن آدم موجوداً ؟   

فلم لا تنفي وجود الله تعالى لئلا تشبه وجود الله تعالى بخلقه ؟   

قل : إن الله ليس بموجود فكن كالفلاسفة الملحدين .   

فإن قال : وجود الله يختلف عن وجود المخلوق .   

فنقول : هذا هو المطلوب ، فمطلوبنا أن تقرَّ أن وجود الله تعالى ليس كوجود المخلوق وأن وجود الرب يناسبه ويختص به وأن وجود العبد يناسبه ويختص به .

هذا الاشتراك الموجود هو اشتراك في الأذهان ( اشتراك كُلِّي ) فقد اشتركا في كلمة ( وجود ) لكنه اشتراك في الذهن وأما في الواقع فهذا له وجود يختص به وهذا له وجود يختص به .       إذن : هذا الجهمي أثبت وجود الله تعالى مع إثباته وجود المخلوقات فنقول : يلزمك كما أثبت وجود الله مع أن المخلوقات لها صفة الوجود كذلك يلزمك في باب الأسماء وباب الصفات .

وأما المعتزلي فنقول له - لم نفيتَ الصفات ؟

فيقول : لأني أفرُ من التشبيه بذلك فإني لا أعقل في الشاهد من يتصف بصفة السمع والبصر والكلام ونحو ذلك إلا ما هو جسم والأجسام متماثلة .

فنقول له : وكذلك ( السميع ) و ( البصير ) ونحو ذلك ، هل تعقل في الشاهد مَن يُسمَى بسميع أو بصير إلا وهو جسم مخلوق ؟

فيلزمك أيضاً أن تنفي فتكون كالجهمية .

فحينئذ يقول لنا : هذه الأسماء مختصة بالله سبحانه و تعالى لائقة به .

نقول : وكذلك الصفات هي مختصة بالله تعالى ولائقة به .

وأما الأشاعرة فنقول لهم : لمَ أثبتم هذه الصفات السبع ونفيتم غيرها ؟

فيقولون لنا : إن العقل قد دل على ذلك .

فنقول لهم : وكيف دِلالة العقل ؟

قالوا : إن صفة القدرة قد دلَ عليها فعل الله فما يقع في هذا الكون من الأفعال من خلق وإيجاد وإحياء وإماتة وغير ذلك يدل على القدرة ، لأن هذه الأفعال وهذه الآثار دالة على قدرة الله تعالى .

قالوا : وتخصيص هذه الأفعال ببعض الأشياء دال على الإرادة ، لم كان الرمي بطير من أبابيل مختصاً بأصحاب الفيل لمَ لم يكن لغيرهم ؟ هذا يدل على الإرادة .

قالوا : وإذا نظرنا إلى هذه المخلوقات وهذه الموجودات فأنا نجد أنها متقنة غاية الإتقان ونجد أنها في كمال الصنع وتمامه ، وهذا يدل على صفة العلم لأن المتقن للأشياء عالم .

قالوا : وهذه الصفات الثلاث تدل على الحياة فمن اتصف بصفة العلم والقدرة والإرادة فهو حي .

قالوا : والحي لابد له من كلام وسمع وبصر .

قالوا : فدل العقل على هذه الصفات السبع .

فنقول لهم :

1- أولاً : إن عدم الدليل المعيَن لا يستلزم عدم المدلول المعيَن .

مثال يوضح ذلك : 

رجل قال : إن قراءة الفاتحة لا تجب على المصلي .

فقلنا له : لِمَ ؟

قال : لأنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك .

فنقول : إن في السنة ما يدل على ذلك ، وعدم الدليل المعيَن لا يستلزم عدم المدلول المعيَن ، فقراءة الفاتحة مدلول فعدم دليل معينَ من القرآن يدل على فرضية الفاتحة لا يستلزم عدم فرضيتها فإنه قد يوجد دليل آخر يدل على ذلك

فنقول له : ( أي لهذا الأشعري ) : لو سُلَم أن العقل لا يدل إلا على هذه الصفات السبع كما زعمتَ فإن الشرع قد دلَ على بقية الصفات والشرع واجب بالإجماع أن يقال بما دل عليه فقد دل الشرع على بقية الصفات فوجب القول به .

2- وثانياً نقول : إنا لا نسلم أن العقل لم يدل على الصفات الأخرى بل سنسلك نحن نفس طريقتك ,

فنقول لك : إن إكرام الله للطائعين يدل على محبته ورضاه .

وأن إهانته للعاصين يدل على غضبه وسخطه وأن إحسانه إلى العباد يدل على رحمته ... إلى غير ذلك ، وهذه الصفات ينكرها الأشاعرة .

فنقول : أنتم أثبتم من الصفات سبعا ونفيتم الصفات الأخرى ، فلِمَ نفيتم الصفات الأخرى ؟

فيقولون : فراراً من التشبيه .

فمثلاً نقول : لمَ نفيتم صفة الغضب ؟

فيقولون : فراراً من التشبيه , لأن الغضب هو : غليان دم القلب للانتقام , قالوا : والله منـزه عن ذلك .

فنقول لهم : أيضاً يلزمكم هذا في الصفات التي أثبتموها .

فالإرادة : هي ميل النفس لجلب ما ينفع أو دفع ما يضر .

فإن قالوا : هذه الإرادة إرادة المخلوق .

فنقول : وذلك الغضب الذي عرفتموه أنتم هو غضب المخلوق وأما غضب الخالق فإنا لا نتكلم في كيفيته وإنما علم كيفيته إلى الله سبحانه و تعالى بل نؤمن أنه لائق بالله تعالى .

إذن : يلزمهم أن يقولوا فيما نفوه بمثل ما قالوه فيما أثبتوه .

إذن : ليس لهم قاعدة سليمة صحيحة في هذا الباب فيقال لهم : فرقوا لنا بين ما تأولتم وبين ما لم تتأولوه , لِمَ تأولتم الغضب ولم تتأولوا الإرادة ؟! لم تأولتم المحبة ولم تتألوا السمع ؟!

ولم تأولتم الرحمة ولم تتألوا البصر ؟! فالباب واحد .

إذن : هذه القاعدة العظيمة التي قررها شيخ الإسلام هي قاعدة : ( القول في بعض الصفات كالقول في بعض ) مسألة مهمة :

إن سأل سائل فقال : ما هو موقف العقل من الشرع ؟