بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبدهُ ورسوله , أما بعد :
فبين أيدينا أُرّجوزة للشيخ العلامة الحنبلي ( محمد بن أحمد بن سالم السَفَّاريني ) بتشديد الفاء – نسبة إلى( سفَّارين ) وهي قرية من أعمال ( نابُلس ) في فلسطين .
والشيخ من أعيان القرن الثاني عشر فقد توفي رحمه الله في سنة ( 1188هـ ) .
وهذا المؤلف الذي بين أيدينا جمع فيه رحمه الله أصول العقيدة على ما كان عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وسلف الأمة ، وإن كان قد وقع له فيه بعض الأخطاء التي وقع بها كثير من المنتسبين للسنة ، فقد وقع في بعض الأخطاء – كما سيأتي - في باب الصفات وفي باب القدر وقد وقع فيها كثير من المنتسبين للسنة ، فيكون في شرحها وإيضاحها تحذير من هذا الخطأ .
قال المؤلف رحمه الله : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) :
( الباء ) : للاستعانة ، والجار والمجرور متعلق بمحذوفٍ متأخرٍ فعلٍ خاصٍ , والتقدير : بسم الله أؤلف .
و ( الله ) : اسم الجلالة ، مشتق من ( أَلَهَ ) أي عَبدَ أو ( أُلِه ) أي : عُبِد .
فهو مشتق وليس بجامد كما هو مذهب جمهور النحاة ومنهم سيبويه .
( الرحمن الرحيم ) : اسمان من أسماء الله الحسنى .
و ( الرحمن ) : متعلق بذات الله تعالى ، ولذا فالرحمة فيه هي الرحمة الواسعة .
وأما ( الرحيم ) : فهو متعلق بفعل الله ، ولذا فالرحمة فيه هي الرحمة الواصلة التي تصل إلى المكلفين .
فالرحمن : ذو الرحمة الواسعة .
والرحيم : ذو الرحمة الواصلة .
وابتدأ المؤلف رحمه الله بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز واقتداءً برسائل النبي صلى الله عليه وسلم , فإنه كان يفتتحها بالبسملة كما في الصحيح في قصة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم فإن النبي صلى الله عليه وسلم افتتحها بالبسملة .
وحديث : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ ( بسم الله ) … ) لا يصح ، رواه الخطيب وغيره بإسناد ضعيف جداً .
قوله : ( الحمدُ للهِ القديم الباقي ... مسبب الأسبابِ والأرزاق ) :
( الحمد لله ) : الحمد : هو الثناء باللسان على جهة التعظيم والتبجيل .
الحمد لله : أي الحمد كله لله فهو المستحق له وهو المختص به سبحانه و تعالى .
( القديم ) : القديم هنا من باب الإخبار ، فليس " القديم " من أسماء الله الحسنى .
1- فإن الأسماء الحسنى توقيفية ، أي ليس للمكلف أن يسمي الله بما لم يسمِّ به نفسه ، فليس من الأسماء الحسنى لأن الله لم يسمِّ به نفسه .
2- و " القديم " : لا يقتضي الأولية , أي : لا يقتضي أن يكون غير مسبوق بعدم ، ولذا فإن الله قال في العرجون ) كالعرجون القديم [ والعرجون مسبوق بعدم .
وأما الاسم الأحسن الذي سمى الله به نفسه فهو " الأول " , وأما القديم فإنه إنما يقال على جهة الإخبار ويراد أن الله سبحانه و تعالى قديم أزلي ليس بمسبوق بعدم .
( الباقي ) : سيأتي الكلام على الباقي ، و كذلك ليس هو من أسماء الله الواردة .
والوارد من أسماء الله الحسنى - كما سيأتي – هو الوارث الباقي بعد كل شيء الذي يرجع إليه ملك كل شيء فالممتلكات ترجع إليه سبحانه و تعالى ، قال سبحانه و تعالى : ] ونحن الوارثون [ .
فـ( الوارث ) : من الأسماء الحسنى , وأما ( الباقي ) : فليس منها .
( مسبب الأسباب ) : أي جاعل الأسباب مؤثرة .
فالسبب : هو الذي يوصل إلى غيره .
فمثلاً : التجارة سبب للغنى ، الجماع سبب للولادة .. إلى غير ذلك من الأسباب .
فالله تعالى هو الذي جعل هذه الأسباب أسباباً ، فهو الذي خلق السبب وخلق مسبَّبه .
قوله : ( حيٌ عليمٌ قادرٌ موجود ... قامتْ به الأشياءُ والوجودُ ) :
( حي ) : " الحي " من أسماء الله الحسنى وهو ذو الحياة الدائمة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء .
( عليم قادر موجود ) : فالله تعالى عليم قادر على كل شيء سبحانه و تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وهو موجود واجب الوجود , والموجود منه : ما هو واجب الوجود ، ومنه : ما هو جائزه .
1- فواجب الوجود : هو الخالق الغني عما سواه .
2- وجائز الوجود ( أو ممكن الوجود ) : هو المخلوق الفقير إلى الله سبحانه و تعالى .
فكل المحدثات وجودها ممكن ، وأما الله تعالى فوجوده واجب .
وهناك ما هو ممتنع الوجود : وهو ما لا يمكن وجوده .
كاجتماع الضدين , فلا يمكن أن يكون الشيء أسودَ وأبيضَ في آن واحد - هذا ممتنع .
( قامت به الأشياء والوجود ) : فكل شيء قائم بالله سبحانه و تعالى , قال سبحانه و تعالى : ]الحي القيوم[ .
و " القيوم " : هو القائم بنفسه المقيم لغيره , فهو الغني عما سواه و كل شيء إليه فقير .
قوله : ( دلت على وجوده الحوادثُ ... سبحانه فهو الحكيم الوارثُ ) :
( دلت على وجوده الحوادث ) : وهذا دليل عقلي ضروري , فإن العقل دل بالضرورة على وجود الله سبحانه و تعالى , وذلك بأن هذه المحدثات تدل على وجود محدث لها فلابد في هذا الوجود من موجد , هذا الموجد وجوده واجب وهو غني عمن سواه و كل ما سواه إليه فقير .
فهذه الحوادث دالة على وجود الله تعالى , ولذا قيل :
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحدُ
قال سبحانه و تعالى : ] أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون [ .
هل خلقوا من غير شيء ؟! وهذا ممتنع , فيمتنع أن تكون هذه السماء وهذه الأرض , وهذه المخلوقات قد خلقت من غير شيء - هذا ممتنع بصراحة العقول , بل لابد لها من موجد ، بل لو وجدت شيئاً يسيراً في دارك – مثلاً - فإنه لابد وأن يكون لهذا الشيء من واضع قد وضعه ولا يمكن أن يوجد من غير شيء .
) أم هم الخالقون [ : وهذا أشد امتناعاً ، فيمتنع أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم ، وإلا لكان كل أحد يخلق نفسه على أكمل وأتمِّ صورة .
]أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون [ : فكان لابد من وجود خالق قد خلق هذه المخلوقات وهو الله سبحانه و تعالى .
فهذا دليل عقلي ضروري .
وكذلك دليل الفطرة : فإن الفطرة السالمة من الانحرافات التي لم تتغير دالة ٌعلى وجود الله سبحانه و تعالى .
فإذا احتاج بعض الناس إلى أدلة على وجود الله فإن هذا الاحتياج ناتج عن تغيُّر الفطرة , بل إن كثيراً ممن تغيرت فطرهم - كما يقع هذا في بعض بلاد الإلحاد –إذا وقع في مصيبة فإنه يقول : ( يا الله ) وإن كان ينكر وجوده في حال الرخاء ، فإنه يقر بالله تعالى في حال الشدة .
والمشركون يقرون بألوهية الله في حال الشدة وتفرده بذلك ولا يقرون بتفرده في حال الرخاء .
وهؤلاء ينكرون وجود الله سبحانه و تعالى - لا ألوهيته – في حالة الرخاء فإذا كانوا في شدة فإنهم يقرون بربوبية الله تعالى لهم
وكذلك اتفقت الأمم على هذا ، فالأمم كلها متفقة على وجود الله سبحانه و تعالى ، ومن أنكره – وهم نزر يسير لا تنسب إليهم ملة في الأمم السابقة - إنما أنكروه تعالياً وكبراً كما قال سبحانه و تعالى : ) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ( وأما في العصور المتأخرة فهذا اشتهر في بعض البلدان كما هو معروف لكنَّ اتفاق الأمم السابق على الإقرار بربوبية الله سبحانه و تعالى .
( سبحانه فهو الحكيم ) : " الحكيم " : أي الذي يضع الأمور في مواضعها شرعاً وقدراً .
فهو حكيم في شرعه قد شرَّع أحسن الشرائع ، وهو سبحانه و تعالى حكيم في خلقه قد أتقن ما صنع ، فقد أحسن ما شرع وأتقن ما صنع سبحانه و تعالى .
( الوارث ) : " الوارث " كما تقدم هو الباقي بعد خلقه الذي ترجع إليه ممتلكاتهم .
قوله : ( ثم الصلاة و السلام سرمداً ... على النبِّي المصطفى كنز الهدى ) :
( سرمداً ) : أي دائماً .
( كنز الهدى ) : أي معدن الهداية ومستقرها عليه الصلاة والسلام فإنه لا هداية للعباد ولا رشاد لهم إلا بطريقه عليه الصلاة والسلام .
قوله : ( وآله وصحبه الأبرار ... معادن التقوى مع الأسرار ) :
( وآله ) : من " الآل " - كما يقال : ( آل فلان ) – من : آلَ إذا رجع ، وهم الذين يرجعون إلى المذكور الذي أضيفت إليه " آل " ويضافون إليه .
وهو يؤولهم أي يسوسهم ، ومنه : الإيالة أي السياسة و يدخل في " الآل " :
1- القرابة .
2- والزوجة .
3- والأتباع .
قال عليه الصلاة و السلام : ( اللهم صلَّ على آل أبي أوفى ) أي : على قرابته أو على أهل داره .
وقال عليه الصلاة والسلام : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ) أي : زوجه ، فآل محمد في هذا الحديث هم زوجه
وقال تعالى : ] أدخلوا آل فرعون[ أي : أدخلوا أتباعه .
فالصحابة من آل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأزواجه من آله وقرابته من آله عليه الصلاة والسلام .
( معادن التقوى مع الأسرار ) : جمع سر وهو الغيب هنا ، أي : لهم في الأسرار من المنازل العليةَ والدرجات السنية ما لا يعلمه إلا الله سبحانه و تعالى .
قوله :
( فيعلم الواجب والمحال كجائز في حقه تعالى ) :
1- الواجب : صفات الكمال الواردة في الكتاب والسنة .
2- والمحال : صفات النقص .
3- والجائز : كإرسال الرسل , وإنزال الكتب ، فهذه ليس واجباً في حق الله وليس محالاً في حقه وإنما هو جائز .
فيعلم العبد في التوحيد ما يجب لله من صفات الكمال ومن توحيد العبادة ويعلم ما هو محال في حقه كصفات النقص وكتعدد الآلهة , ويعلم ما هو جائز في حقه كإرسال الرسل وإنزال الكتب وغير ذلك .
قوله : ( وصار من عادة أهل العلم ... أن يعتنوا في سبر ذا بالنظم ) :
( في سبر ) : أي في تتبع .
قوله : ( لأنه يسهل للحفظ كما ... يروق للسمع ويشفي من ظمأ ) :
( لأنه يسهل للحفظ ) : النظم كما هو معلوم أسهل للحفظ .
( كما يروق للسمع ) : فيعجب الأذن ما تسمعه من هذه الأشعار .
( ويشفي من ظمأ ) : الظمأ هنا : هو العطش المعنوي .
فالقلوب فيها عطش إلى معرفة الحقائق لا سيما ما يكون فيه سعادتها في الدنيا والآخرة ومن ذلك توحيد الله تعالى .
قوله :
( فمـن هنا نظمـت لي عقيدة ... أرجوزة وجيـزة مفيـدة
نظمتهـا في سلكها مقدَّمـة ... وست أبواب كذلك الخاتمة ) :
( في سلكها ) : السلك هو الخيط , أي : في سلك هذه الأرجوزة .
( مقدِّمة ) : بكسر الدال ويصح أيضاً بفتحها " مقدَّمة " وهي : ما يتقدم الشيء مما يحتاج إليه .
قوله : ( وسمتهــا بالـــدرة المُضيــــة ... في عـقـد أهــل الفـرقة المرضية ) :
قوله :
( على اعتقاد ذي السداد الحنبلي ... إمـام أهل الحـق ذي القدر العلي
حَبْـر المَلا فـرد العُلا الرباني ... ربِّ الحِجَى ماحي الدُّجى الشيباني ) :
( حَبر الملا ) : أي عالم الجماعة ، فالحبر : هو العالم , والملأ : هم الجماعة .
( فرد العُلا ) : أي الذي له تفرد في المراتب العلية t .
( رب الحجى ) : الحجى : العقل , أي : صاحب العقل الراجح .
( ماحي الدجى ) : أي ماحي الظلمة بما حمله لنا وحفظه ودعا إليه وبينه مما جاء عن النبي e .
( الشيباني ) : المنسوب إلى بني شيبان ، وهم من ربيعه من بني معد بن عدنان من العرب من بني إسماعيل .
وهذه العقيدة التي ذكرها عن الإمام أحمد هي عقيدته t وعقيدة الأئمة كلهم ، فهي عقيدة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وتابعيهم بإحسانه إلى يوم الدين ، وهي عقيدة الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الإسلام .
والإمام أحمد رحمه الله له إمامة أهل السنة والجماعة كما هو معلوم .
قال الأشعري رحمه الله تعالي في كتاب ( الإبانة ) : ( ونحن بما قال الإمام أحمد نضَّر الله وجهه وأجزل مثوبته
ورفع درجته قائلون ، وعن مخالفته مجانبون ، لأنه الرئيس الكامل والإمام الفاضل ) أ . هـ
قال الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى : ( نصر الله الإسلام بأبي بكر في الردة و بأحمد يوم المحنة ) أ . هـ
وهكذا أيضاً سائر أئمة الإسلام y جميعاً .
قوله :
( فـإنه إمـام أهـل الأثـــر ... فمن نحى منحاه فهو الأثـري
سقى ضريحاً حلَّه صوبُ الرضا ... والعفو والغفران ما نجم أضا ) :
( سقى ضريحاً ) : الضريح هو القبر .
( حلَّه ) : t .
( صوب الرضا ) : الصوب هو : الغيث , والرضا : هو رضا الله سبحانه و تعالى .
قوله : ( وحلَّه و سائر الأئمة ... منازل الـرضوان أعـلى الجنـة ) :
( وحلَّه وسائرَ الأئمة ) : رضوان الله عليهم جميعاً .
( منازل الرضوان أعلى الجنة ) : أي الفردوس .
* ترجيح مذهب السلف *
قوله :
( اعلـم هـديت أنه جـــاء الخبر ... عن النبي المقتفى خير البشـر
بـأن ذي الأمـة سـوف تفتـرق ... بضعاً وسبعين اعتقاداً والمحق
ما كان في نهـج النبي المصطفـى ... وصحبه من غير زيـغ وجفا ) :
ففي مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما - والحديث صحيح مشهور كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث
وسبعين فرقة ، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة هي الجماعة ) .
زاد أبو داود : " وإنه سيكون في أمتي أقوام تجارى : ( أي تتجارى – بحذف إحدى التاءين ) بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب : ( وهو الداء المشهور المعروف وهو ما يصيب من عضَّه الكلب المسعور ) في صاحبه لا يبقى
منه عرق ولا مفصل إلا دخله ) .
فتشرب قلوبهم - والعياذ بالله – هذه البدع و هذه الأهواء وتسري في أبدانهم – والعياذ بالله فلا تدع مفصلاً ولا عرقاً إلا دخلته أعاذنا الله وإياكم من ذلك .
وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم و أصحابي ) .
* قول أهل السنة في النصوص *
قوله : ( فأثبتوا النصوص بالتنزيه ... من غير تعطيل ولا تشبيه )
هذا بإجماع السلف .
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى : ( أهل السنة مجمعون على الإقرار بما جاء في الكتاب والسنة من الصفات كلها والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ) .
قال تعالى : ] ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [
قال هنا المؤلف : ( بالتنزيه ) : فليس كمثله شيء ، فكما أن ذاته سبحانه و تعالى لا تشبه ذوات المخلوقين فإن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين ، فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات , هذه قاعدة ( الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ) وهذا هو المتقرر كما هو معلوم بصراحة العقول فإذا قال القائل في صفة من الصفات : كيف هي فنقول له : و كيف هو , فكما أنك تنهى عن الكلام في كيفية الذات فنحن أيضاً ننهى عن الكلام في كيفية الصفات
فكما أنه ليس له سبحانه و تعالى ذات تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين ، وكما أنه لا يجوز السؤال عن كيفية الذات فكذلك لا يجوز السؤال عن كيفية الصفات .
فإذا قال : كيف ينزل ؟ نقول له : كيف هو ؟
( من غير تعطيل ولا تشبيه ) : التعطيل : هو النفي .
قال تعالى : ] ليس كمثله شيء [ هذا تنزيه : ] وهو السميع البصير [ هذا إثبات .
ففي قوله : ]ليس كمثله شيء [ هذا رد على الممثلة .
وقوله : ]وهو السميع البصير [ هذا رد على النفاة المعطلة المؤوِّلة .
قوله :
( فكل ما جـاء مــن الآيات ... أوصح في الأخبار عن ثقــــات
من الأحاديـث نُمُــره كما ... قد جـاء فاسمـع من نظامي واعلما ) :
( نمره كما قد جاء ) : أي لفظاً ومعنى , السلف يمرون الصفات كما جاءت لفظاً ومعنى فيؤمنون بما فيها من المعاني وما دلت عليه من المعاني التي يعرفونها في لغة العرب ويؤمنون أيضاً بألفاظها , وما نسبه بعض الناس إلى السلف من القول بالتفويض هذا كذب على السلف وهو مذهب أهل التجهيل ،
ومذهبهم أنهم يقولون : إن آيات الصفات لا يدري جبريل ولا محمد ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ولا أئمة الإسلام – لا يدرون ما معناها فهي عندهم كالطلاسم يقرؤونها ولا يدرون ما معناها .
فسُمُّوا بأهل التجهيل لأنهم يُجَهَّلُون سلف هذه الأمة ، يجهلون الأنبياء ويجهلون الروح الأمين .
وعندما يقول من يقول : ( إن مذهب السلف أسلم ) لا يريد مذهب السلف الذي هو مذهب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم من السلف ، بل يريد بقوله : ( مذهب السلف أسلم ) يريد مذهب هؤلاء وهو التفويض ولذا يقول : ( ومذهبنا أعلم وأحكم ) وهو مذهب التأويل .
فإن هؤلاء الضلال : 1- منهم من قال بالتفويض ونسبه إلى السلف فقال : إن السلف لا يدرون ما معنى هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ، فلا يدرون ما معنى ( استوى ، ولا نزل ) ولا يدرون ما معنى اليد ولا الوجه ولا غير ذلك .
2- ومنهم من قال : إنهم لم يبينوا – أي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة – لم يبينوا المراد بالمعاني وتركوا ذلك إلى عقولنا مع القطع بأن ظاهرها غير مراد .
هذا هو المذهب الثاني الذي هو مذهب أهل التأويل ، فقد قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم لم يبين لنا المراد وعليه : فإنه عليه الصلاة والسلام لم يبلغ ما آتاه الله تعالى ، والله تعالى قد ترك لنا هذا الدين غير كامل , وهو يقول سبحانه و تعالى : ] اليوم أكملت لكم دينكم [ وهذه أصول هذا الدين ، وهم يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينها , وهو صلى الله عليه وسلم الذي بلغ غاية البلاغ وبيَّن غاية البيان حتى قال : ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ) كما روى ذلك أحمد في مسنده وابن ماجه .
وقد قال سبحانه و تعالى : ] يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك [ وقال سبحانه و تعالى : ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[ ومعلوم أن " ما " تفيد العموم ، ومعلوم أن آيات الصفات هي أعظم آي القرآن ومن ثم كانت آية الكرسي هي أعظم آية وكانت سورة الفاتحة هي أعظم سورة وكانت سورة الإخلاص هي ثلث القرآن .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن و قد أوضح وكذلك السلف , ولذا قال شيخ الإسلام رحمه الله : ( وقد جمع أهل الحديث من المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإثبات في هذا الباب ما لا يحصيه إلا رب السماوات ولا يقدر أحد على أن يأتي بالنفي بشيء ) ا.هـ .
يعني : في باب النفي لا يقدر أحد على أن يأتي عن السلف بشيء وإنما الآثار الواردة عن السلف كلها تدل على
إثبات ما جاء في الكتاب والسنة .
وقد فتح المفوضة - كما هو معلوم – باباً لأولئك لأن يتلاعبوا في الكتاب والسنة بالتأويلات الباطلة لأن النفوس – كما هو معلوم - مجبولة على الحرص على المعاني أكثر من حرصها على الحفظ وعلى التلاوة .
وهذا المذهب - كما تقدم - باطل من أوجه كثيرة , منها :
1- الوجه الأول : أن الله تعالى أمر بتدبر القرآن ، قال سبحانه و تعالى : ] أفلم يدَّبَّروا القول [ وقال سبحانه و تعالى : ] أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها[ وقال : ]أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ( .
وقال : )كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدَّبَّروا آياته [ وهذه الإضافة ( آياته ) تفيد العموم لأنها جمع مضاف ، فتدخل في هذا الباب آيات الصفات دخولاً أولياً ، فدل هذا على أن آيات الصفات مما يفهم وإلا لما أمر الله تعالى بتدبرها .
2- الوجه الثاني : أن الله تعالى ذمَّ في كتابه الكريم من يكون حظه من كتاب الله تعالى مجرد سماع الأصوات دون فهم للمعاني ، وهؤلاء يريدون أن يكون الأمر كذلك . قال سبحانه و تعالى : ] ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعِق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءاً صم بكم عمي فهم لا يعقـلون [ . فهؤلاء يريدون أن يكون السلف رضوان الله عليهم كهؤلاء .
3- الوجه الثالث : أن الله سبحانه و تعالى أخبرنا أنه أنزل القرآن بلغة العرب لنعقله ومعلوم أن العقل لا يكون إلا بفهم .