عدد الزوار : 23740
المكتبة المقروءة : العقيدة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : العقيدة
نواقض الإسلام
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

شرح نواقض الإسلام لفضيلة الشيخ حمد بن عبدالله الحمد حفظه الله

فبين أيدينا رسالة نافعة جمع فيها مؤلفها شيخ الإسلام الإمام المصلح محمد بن عبدالوهاب رحمه الله عشر نواقض من نواقض الإسلام , وبين رحمه الله أن هذه النواقض كلها من أعظم ما يكون خطراً وأكثر ما يكون وقوعاً .

والنواقض : من النقض وهو ضد الإبرام , ونقض البيت هدمه .

فمن أتى ناقضاً من نواقض الإسلام فقد هدم دينه نسأل الله العافية .

وقد جمع العلماء من المذاهب الأربعة نواقض الإسلام في باب حكم المرتد , ومن اطلع على هذا الباب في كتب الفقهاء من المذاهب الأربعة علم بطلان دعوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله وأنهما ومن سار على طريقهم من علماء الدعوة لا يكفرون إلا بما أجمع العلماء على أنه من المكفرات أو ما دلت النصوص الصريحة على أنه من المكفرات .

ووجد المطلع على هذا الباب أن كثيراً من الفقهاء عندهم توسع في هذا الباب وأنهم يكفرون في مسائل لا يكفر بها شيخ الإسلام ابن تيمية ولا شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله .

فالطريقة التي سار عليها علماء الدعوة المباركة أنهم لا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله .

قال ابن القيم رحمه الله في نونيته :

الكـفـر حق الله ثم رسـوله        بالشرع يثبت لا بقول فلان

مـن كان رب العالمين وعبدُه         قد كفراه فذاك ذو الكفران

 

قال المؤلف رحمه الله : [ اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض :

الأول : الشرك في عبادة الله تعالى : قال الله تعالى : ) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( { النساء : 116 } وقال : ) إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ( { المائدة : 72 } ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر ] :

الشرك في العبادة ناقض من نواقض الإسلام وهو : أن يتخذ العبد مع الله شريكاً يصرف إليه شيئاً من أنواع العبادة ولو كان ما يصرف إلى غير الله تعالى  الأقل من عبادته وما يصرف إلى الله الأكثر , وذلك لأن اجتماع الشركاء في شيء لا يقتضي تساوي أسهمهم فيه فهذا شريك له سهم وهذا شريك له ألف سهم .

قال الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام  : ) وأشركه في أمري ( { طه : 32 } أي : اجعل هارون شريكي في أمر الرسالة قـال الله تعالى : ) قد أوتيت سؤلك يا موسى ( { طه : 36 } ومعلوم أن حض هارون عليه السلام  من الرسالة دون حض موسى عليه السلام  .

ولذا فإن العامل في المال على جزء من الربح يعد شريكاً .

وقد أجمع العلماء على أن من صرف شيئاً من أنواع العبادات إلى غير الله فهو مشرك كافر وبه تواترت النصوص من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  .

قال الشيخ رحمه الله : " ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر " : النصوص من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم  دالة دلالة قطعية على أن الذبح عبادة يجب إخلاصها لله , قال تعالى : ) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ( الآية { الأنعام : 162 – 163 } .

والنسك : هو الذبح .

وقوله : " لا شريك له " : فيه أن من ذبـح لغير الله فقد اتخذه شريكاً من دون الله , فمن ذبح للجن فقد أشرك بالله شركاً أكبر كمن اشترى داراً فذبح شاةً لئلا يصيبه مكروه من جِنَّها .

وكذلك من ذبح للأموات ليشفعوا له عند الله , فكل ذلك شرك أكبر .

وأما من ذبحها للحم وذكر اسم غير الله عليها كالجن أو المسيح أو الشيخ فلان فهو شرك بالاستعانة قال تعالى :

) إياك نعبد وإياك نستعين ( { الفاتحة : 5 } وهو كفر أكبر .

 

قال رحمه الله : [ الثاني : من جـعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كَفَرَ إجماعاً ] :

كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

قال الله تعالى عن المشركين : ) والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( { الزمر : 3 } قال مجاهد رحمه الله كما في تفسير ابن جرير : " قالته قريش لأوثانها وقاله من قبلهم للملائكة وعيسى وعزير " .

وهذه شبهة المشركين قديماً وحديثاً .

وقوله : " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " هذا هو الاستثناء المفرغ , أي ما نعبدهم لشيء ولكن نطلب شفاعتهم عند الله فنحن لا نعتقد أنهم ينفعون أو يضرون .

فنفى هؤلاء المشركون أن يكونوا قد قصدوا بعبادة الأوثان شيئاً سوى الشفاعة والوساطة .

والزلفى هو القربى , قال تعالى : ) إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (

{ الزمر : 3 } فجعل الله قولهم كذباً عليه وكفراً به .

وقال تعالى : ) ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض (

{ يونس : 18 } .

وما لا يعلمه الله فليس بكائن , وهذا كما يقال لمن يفتي بغير علم : أتفتي بما لا يعلمه العلماء .

ثم قال تعالى : ) سبحانه وتعالى عما يشركون ( { يونس : 18 } .

فدلت هذه الآية على أن من اتخذ من دون الله وسائط يسألهم ويتوكل عليهم ويدعوهم فقد كفر .

وهذا حال عباد الأضرحة فإنهم يقولون : إن لهؤلاء الصالحين جاهاً ومنزلةً , فنحن نسألهم ونتوكل عليهم وهم يرفعون حاجاتنا إلى الله وهذا من جنس ما كان عليه المشركون الأولون كما تقدم تقريره .

 

قال رحمه الله : [ الثالث : من لم يكفِّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم , كفر ] :

من لم يكفّر من دان بغير الإسلام كالنصارى واليهود ومن عُلم كفرهم بالنصوص من الكتاب والسنة أو شك في كفرهم أو صحح دينهم فهو كافر , لأنه مكذِّب لقوله تعالى : ) ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( { آل عمران : 85 } , وقال تعالى : ) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ( { البينة : 6 } .

وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ( لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كبَّه الله في النار ) .

فمن رأى أن الملل كاليهودية والنصرانية والإسلام هي بمنزلة المذاهب الأربع عند المسلمين , وأن كل طريق منها يوصل إلى الله فقد كفر ؛ لأنه مُكذِّب للقرآن وصريح السنة وإجماع أهل الإسلام .

وهذه المقالة الباطلة الكفرية يُدعى لها باسم التقريب بين الأديان , أو الإخاء الديني , أو نبذ التعصب الدينـي , ولها دعاة في كل عصر .

ومن اعتقد أن الكنائس بيوت الله وأن الله يُعبد فيها , أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم فيها واعتقد أن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر لتضمنه اعتقاد صحة دينهم .

وأهل البدع يبتدعون بدعةً مخالفةً للكتاب والسنة وإجماع الصحابة , ويُكفِّرون من خالفهم في بدعتهم وهذا من أعظم الجهل فيكفرون جهلاً , ثم يرتبون على ذلك تكفير من لم يوافقهم ويقولون : من لم يُكفَّر الكافر فهو كافر مثله كما كفَّرت الخوارج علياً رضي الله عنه  وكفّروا من خالفهم .

وابتدعت الرافضة تفضيل علي رضي الله عنه  على الثلاثة , وتقديمه في الإمامة , والنص عليه , ودعوى العصمة له , وكفّروا من خالفهم – وهم جمهور المؤمنين - .  

وابتدعت الجهمية نفي الصفات , وأن كلام الله مخلوق , وامتحنوا الناس , وكفّروا من لم يوافقهم .

وكذا في هذا العصر من كفَّر الولاة كفّر من خالفهم من المؤمنين , وهذا كله من الجهل والظلم , فإن التكفير حكم شرعي لا يجوز أن يطلق إلا على من كفّره الله ورسوله , وتوفرت فيه الشروط , وانتفت الموانع كما سيأتي بيانه إن شاء الله . 

 

قال المؤلف : [ الرابع : من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم  أكمل من هديه , أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه - فهو كافر ] :

هذا من لوازم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله  , التحاكم إلى الكتاب والسنة في أصول الدين وفروعه قال تعالى : ) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ( { النساء : 6. } .

وقال تعالى : ) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون ( { المائدة : 5. } , فمن فضَّل حكم الطاغوت على حكم الله , أو اعتقد جواز التحاكم إلى غير شرع الله فهو كافر .

وكذلك من حكم في الأمور الكلية بغير شرع الله , أي وضع تشريعاتٍ عامة تخالف الشريعة الإسلامية فقد كَفَرَ  كمن وضع قانوناً فيه أن الزاني المحصن لا يُرجم ولا يُجلد , لأن ذلك يتضمن اعتقاده أن هذا القانون العام أصلح للناس من الشرع , فإن الأمم إنما تضع قوانين تعتقد أنها خير لها وأصلح من غيرها .

وأما الأمور المعيَّنة فلا يَكفر بها , فإذا حَكَمَ القاضي بخلاف الشرع لهواه فلا يَكفر , وله حُكم أمثاله من أهل الذنوب بإجماع أهل السنة والجماعة .

وتقدم ذكر هذا مفصلاً في شرح كتاب التوحيد .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ الخامس : من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  ولو عمل به كفر ] :

قال تعالى : ) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ( { محمد : 9 } , فمن أبغض الرسول صلى الله عليه وسلم  , أو أبغض القرآن , أو أبغض ما جاء به الرسول فقد كفر وهو من النفاق الاعتقادي .

وأما قوله تعالى : ) كتب عليكم القتال وهو كره لكم ( { البقرة : 216 } , والجهاد مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم  ؟

فالمراد بالكره هنا الكره الطبيعي والمشقة وهذا لا ينافي الرضى به والرغبة بالقيام به .

 

قال : [  السادس : من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم  أو ثواب الله أو عقابه كفر , والدليل قوله تعالى : ) قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ( ] :

{ التوبة : 65 – 66 } :

ولو كان الاستهزاء على سبيل المزاح قال تعالى عن هؤلاء المنافقين : ) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ( فقال تعالى : ) قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ( وهذا بإجماع العلماء .

ولكن من سخر بأحد من أهل الصلاح والعلم وقصد السخرية بالشخص نفسه لدوافع شخصية لم يكفر وإنما يكفر من قصد السخرية بعمله وهو يعلم أنه من شريعة الله .

فكل من أتى بقول أو بفعل صريح في الاستهزاء بالدين فقد كفر ولو كان مازحاً .

ويرجع في معرفة ذلك إلى العرف فكل ما عده الناس في عرفهم استهزاءً من قول أو فعل ولو بغمز العين أو تحريك اللسان فـهـو من المكفرات .

وكذلك من سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم  فإنه يكفر لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به وهذا بإجماع العلماء .

ويُقتل الساب لله أو رسوله صلى الله عليه وسلم  إجماعاً .

وهل تُسْقط التوبة عقوبة القتل ؟

أما الساب للرسول صلى الله عليه وسلم  فلا يَسقط القتل بتوبته لتعلق حق الآدمي بها وهو النبي صلى الله عليه وسلم  والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة , ولأن شتمه صلى الله عليه وسلم  ينقص من حرمته عند كثير من الناس ويقدح في مكانته , فلا بد من أن يحفظ هذا الحمى بعقوبة هذا المنتهك له .

وأما من سب الله فإن التوبة تمنع عقوبته لأن ذلك حق الله وقد دلت النصوص على أن حق الله تعالى يسقط بالتوبة .

قال تعالى : ) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ( { المائدة : 73 } , إلى قوله : ) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ( { المائدة : 74 } .

والله تعالى  لا تلحقه بالسب معرّة وإنما يعود السب إلى قائله , وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن تنتهكها جرأة الساب .

وهذا التفصيل هو أصح القولين في هذه المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

 

قال : [ السابع : السحر ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضي به كفر . والدليل قوله تعالى :

) وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ( { البقرة : 1.2 } ] :

دلت هذه الآية الكريمة على أن تعلم السحر وتعليمه كفر أكبر , لأنه لا يتم إلا باستخدام الشياطين والاستعانة بهم والشياطين لا يخدمون إلا من كفر بالله وهذا هو السحر العرفي : وهو رقى وعقد وعزائم ينفث فيها فتؤثر على القلوب والأبدان فتقتل وتمرض وتفرق بين الزوجين .

وأما ما ذكره الفقهاء من السحر بالأدوية والتداخين فهو استخدام لطباع المواد وهو يؤخذ من علم الفيزياء فمن جهل ذلك سماه سحراً لأنه قد خفي عنده سببه , ومن استخدم هذا النوع بما يضر الناس فإنه لا يكفر ويعزر بما يردعه ويزجر غيره .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ الثامن : مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى  : ) ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( { المائدة : 51 } ] :

ما ذكره الشيخ هو التولي وهو من المُكفِّرات , وأما الموالاة فهي محرمة ومنها ما هو غليظ وما هو دونه .

وضابط التولي هو : محبة الكفار لدينهم أو نُصرتهم على المسلمين بقصد ظهور الكفار على المسلمين .

وضابط الموالاة : محبة الكفار لدنياهم وتقديمهم ورفعهم لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد وعدم إضمار نية الكفر والردة وهي فسق وليست كفراً قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ( { الممتحنة : 1 } , إلى قوله : ) ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ( { الممتحنة : 1 } , وقد ناداهم الله باسم الإيمان , ودخل في ذلك من ألقى إليهم المودة كما في قصة حاطب t في الصحيحين .

فدل على أن فعله ليس كفراً ,  وإنما هو ضلال عن سواء السبيل .

وهذا التقسيم قرره أئمة الدعوة رحمهم الله ,  ودلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة محمد r .

والموالاة :  مصدر " والى " يوالى موالاةً , وهي : المحبة والنصرة .

وأما التولي : فهو مصدر تولى أي : اتخذه ولياً , وهو : بمعنى المحبة التامة والنصرة الكاملة .

 

 

قال : [ التاسع : من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم  كما وسع الخَضِر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام  فهو كافر ] :

من اعتقد أن أحداً من الأولياء يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم  كما يعتقد ذلك غُلاة الصوفية , فهو كافر لتضمن ذلك تكذيب القرآن وصريح السنة وإجماع الأمة .

قال تعالى : ) إن الدين عند الله الإسلام ( { آل عمران : 19 } الآية , وقال تعالى : ) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ( { آل عمران : 81 } الآية , وقال تعالى : ) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ( { آل عمران : 31 } الآية , وقال تعالى : ) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ( { آل عمران : 85 } .

وقال صلى الله عليه وسلم  : ( لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كَبَّه الله في النار ) رواه مسلم .

أما خروج الخضر عن شريعة موسى فلأن موسى عليه السلام  قد بعث إلى قومه خاصة , كما في الصحيحين : ( كان النبي يبعث إلى قومه خاصة , وبُعثتُ إلى الناس عامه ) .

 

قال : [ العاشر : الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به , والدليل قوله تعالى : ) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون ( { السجدة : 22 } ] :

من أعرض عن دين الله بالكُـلية لا يتعلمه ولا يعمل به فهو كـافر , وهذا هو كفر الإعراض وهو : أن يُعرض عن الحق بعد معرفته وقيام الحجة عليه .        

 

قال المؤلف رحمه الله : [ ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف , إلا المُكره , وكلها من أعظم ما يكون خطراً وأكثر ما يكون وقوعاً , فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه , نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه ] :

تضمنت هذه الجملة من كلام الشيخ رحمه الله مسائل :

الأولى : أن الهازل لا يُعذر إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام , كمن استهزأ بالدين هازلاً لقوله : )إنما كُنا نخوض ونلعب (  فقال تعالى : )  قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن * لا تعتذروا قد كفرتم بعد
 إيمانكم
( { التوبة : 65 – 66 } .

الثانية : أن الخائف لا يُعذر كمن تولى المشركين خوفاً منهم قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ... ( { المائدة : 51 – 52 } الآية .

فبين الله تعالى  في هذه الآية الكريمة أن من تولى الكفار خشية أن تكون الدائرة لهم فهو منافق , فالمرض المذكور في الآية هو مرض النفاق .

 

ولأن الله تعالى  لم يستثنِ إلا المُكرَه , قال تعالى : ) من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (

{ النحل : 1.6 } الآية , فلم يَعذر الله إلا من أُكره مع كونه مطمئنًا بالإيمان , وأما غير المكره فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً , أو طمعاً , أو مدارةً , أو مشحة ًبوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله , أو فعله على وجه المزاح أو لغير ذلك من الأغراض  إلا المُكرَه .

ثم قال تعالى : ) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ( { النحل : 1.7 } الآية , فصرح بأن هذا الكفر لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو بُغْض الدين أو محبة الكفر , وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين كما حصل من هرقل عظيم الروم , فإنه أقر بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم  وأراد أن يسلم ولكنه خشي على ملكه وقال : " إنما أردت أن أختبركم " كما ثبت في الصحيح , فمنعه الطمع في الدنيا من الإسلام .

الثالثة : أن المكره لا يَكفر , والإنسان لا يُكره إلا على الكلام أو الفعل , وأما عقيدة القلب فلا يُكره عليها أحد ولذا قال تعالى : ) ولكن من شرح بالكفر صدراً ( { النحل : 1.6 } .

كمن أُكره على سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم  أو أكره على السجود للصنم أو غير ذلك من الأقوال أو الأفعال المكفرة فلا حرج عليه كما تقدم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها " .

فالمرأة قد تهب زوجها حليها خوفاً من الطلاق أو سوء العشرة ويعد هذا إكراهاً , ومثل هذا لا يكون على الكفر , وإنما يكون بالتعذيب من ضربٍ أو قيدٍ كما نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله .

مسألة : أما الجهل ومنه التأويل فهو عذر في مسألتين :

الأولى : المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وليس فيها مناقضة للتوحيد ولا مناقضة للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم  كإنكار بعض الصفات فهذه المسائل لا يكفر المخالف فيها وإن أُقيمت عليه الحجة لشبهة التأويل وهو نوع من الجهل .

ولذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يقول للأشاعرة : " أنا لو وافقكتم لكنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر وأنتم عندي لستم بكفار لأنكم جهال " .

فمن آمن بالله ورسوله ثم أخطأ في مسألة من الأصول أو الفروع فإنه يعذر بالجهل لأنه قد لا يبلغه الحق الذي يجب القول به أو يبلغه ولا يثبت عنده أو تقوم عنده شبهات يعارض بها الحق .

قال تعالى : ) ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( { البقرة : 286 } , والخطأ هو الجهل وفي مسلم قال الله تعالى :

( قد فعلت ) .

أما المسائل التي فيها مناقضة للتوحيد كالشرك بالله , أو مناقضة للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم  , كالإيمان بمدعي النبوة بعده فلا يُعذر فيها بالجهل في أحكام الظاهر فيُسمى كافراً , ولا يُصلى عليه , ولا يُستغفر له , ولا تُؤكل ذبيحته , ولا يُنْكَح ولا يُنْكِح .

قال ابن القيم رحمه الله : " والإسلام هو توحيد الله وحده لا شريك له والإيمان بالله والرسول وإتباعه فيما جاء به فمن كان على ذلك فهو المسلم ومن لم يكن على ذلك فليس بمسلم , إما أن يكون كافراً معانداً , وإما أن يكون كافراً
جاهلاً " أ . هـ .

لكن أحكام الوعيد على الكفر من استباحة الدم والمال والسبي والتخليد في النار لا تترتب على العبد حتى تقوم عليه حجة الله على عباده وهي قائمة بالقرآن فمن بلغه القرآن وفهم معانيه فقد بلغته الحجة , قال تعالى :
) لأنذركم به ومن بلغ ( { الأنعام : 19 } , وقال : ) لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ( { النساء : 165 }

الثانية : المسائل الظاهرة المعلومة بالدين بالضرورة إن كان مثله يجهلها كمن نشأ في بادية أو كان حديث عهد بإسلام , وإن كان مثله لا يجهلها لم يُعذر كالذي يعيش في مدائن المسلمين فلا يعذر بإباحة الزنا أو الربا , أو القول بعدم وجوب الصلاة والزكاة فإن كان ناشئاً في بادية أو كان حديث عهد بإسلام لم يَكفر حتى يَعرف .

 

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

وبهذا انتهى شرح فضيلة الشيخ حمد بن عبدالله الحمد حفظه الله لرسالة نواقض الإسلام لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى في جامع الشويعر بمدينة حائل عصر يوم الأربعاء الموافق 6 / 7 / 1424 هـ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net