بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الحمد لله الذي لم يزل عليماً قديراً حياً قيوماً سميعاً بصيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأكبره تكبيراً، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت للأئمة في القديم والحديث).
الاصطلاح: هو أن يتفق قوم على تسمية شيء ما باسم يُنقَل عن مُسمَّاه الأصلي.
مثلاً – فيما يتعلق بمصطلح الحديث – لفظُ "الحديث" .
الحديث في مصطلح أهل الحديث: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
هذا الإطلاق نقلٌ من أهل الاصطلاح – أي من أهل الحديث – عن المسمى الأصلي اللغوي للفظة "الحديث" فإن لفظة الحديث في الأصل ضد القديم ، وهو الشيء الحادث.
ومثلاً – أيضاً - : الفقه، الفقه في الأصل: هو الفهم.
ثم نقله علماء الفقه إلى : معرفة الأحكام الفرعية. وهكذا .
والحديث في اللغة: الشيء الحادث، وهو ضد القديم.
وأما في الاصطلاح: فهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
"ومن قول" : كقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" .
"أو فعل" : كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مناسك الحج؛ مثلاً في كونه صلى الله عليه وسلم كان يطوف مضطبعاً .
"أو تقرير" كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ خالد بن الوليد على أكل الضب في مائدته عليه الصلاة والسلام.
"أو وصفٍ" : سواء كان خَلْقياً أو خُلُقياً.
خَلْقياً: كوصف النبي صلى الله عليه وسلم : بأنه كان بعيداً ما بين المنكبين.
أو خُلُقياً: كما ثبت في الصحيحين : أن خُلُقَه القرآن.
هذا تعريف الحديث في الاصطلاح، لكن قد يطلق الحديث على قول الصحابي كما يقع هنا لكثير من الأئمة فيقولون – مثلاً – في أثر عن ابن عمر رضي الله عنه : ولا يصح هذا الحديث. ونحو ذلك.
ويدل على ذلك السياق.
قال: (فمن أول من صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرَّامَهُرْمُزي في كتابه "المحدِّث الفاصل" لكنه لم يستوعب).
إذن : هذا هو أول من صنف في هذا الفن كفن مستقل، وهنا الحافظ لم يصرح أنه أول من صنف لكن صرَّح غيره بذلك.
فأول من صنف في فن المصطلح كفن مستقل بالإسناد هو أبو محمد الرامهرمزي المتوفى سنة 360هـ ألَّف كتابه: "المحدث الفاصل" لكنه لم يستوعب أي : لم يجمع مسائل المصطلح كلها بل فاته شيء كثير من المسائل.
وهنا مرحلة سابقة للتاليف كفن مستقل وهي: ذكر مسائل هذا الفن متفرقة في الكتب، وتكون الكتب ليست في الأصل في مصطلح الحديث بل تكون في الحديث عامة، ثم يتعرض المؤلف لبعض مسائل الاصطلاح، كما يوجد في :
1- مقدمة الإمام مسلم . 2 – العلل للترمذي، العلل الكبير والعلل الصغير. 3 – مقدمة الكامل لابن عدي. 4 – مقدمة صحيح ابن حبان . 5 – كتاب المجروحين، له . 6 – العلل للإمام أحمد . 7 – العلل ليحيى بن معين وغيرهم.
وهذه المسائل في كتبهم – أي المتقدمين – هي التي تمثل علم المصطلح عند المتقدمين.
قال: (والحاكم أبو عبدالله النيسابوري ، لكنه لم يهذِّب ولم يرتب) :
ولم يهذب "كتابه بمعنى" أنه يدخل المسائل بعضها على بعض.
كذلك قد يطول في محل الاختصار.
كذلك "لم يرتب" كتابه؛ بل يضع الموضوع في غير موضعه المناسب.
قال: (وتلاه أبو نُعيم الأصبهاني، فعمل على كتابه "مستخرجاً" وأبقى أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي فصنف في قوانين الرواية كتاباً سماه "الكفاية" وفي آدابها كتاباً سماه "الجامع لآداب الشيخ والسامع" .
وقل فن من فنون لحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نُقطة: "كل من أنصف عَلِمَ أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه).
إذن الخطيب البغدادي له مؤلفات كثيرة في هذا الفن، وقلَّ فن – أي موضوع – من مواضيع الحديث ونوع من الأنواع إلا وألف فيه مولَّفاً وكلها بالإسناد إذن هي في المرحلة السابقة وهي مرحلة كتابة علم المصطلح كفن مستقل بالإسناد . والناس كما ذكر ابن نقطة عيال على كتبه.
ومن هنا يعلم أن قواعد المصطلح وكما يتبين أيضاً بعد ذلك في ذكر ما يتعلق بمقدمة باب الصلاح الناس عيال – في ذلك – على كتاب الخطيب البغدادي.
إذا عُلم هذا فليُعلم أن الخطيب قرر في كتبه مسائل أخذها من كتب المتكلمين أو بعض الفقهاء وليست من المسائل التي عليها متقدموا الحفاظ ، ثم قُررت من بعده على أنها قواعد في مصطلح الحديث، فيفهم من ذلك أن من طبقها فإنه يكون على طريقة المتقدمين طريقة الأئمة الحفاظ ، وهذا خطأ .
ومن المسائل أنه تكلم في مسألة الاختلاف في وصل الحديث وإرساله فذكر الاختلاف في هذه المسألة وكل ما ذكر من الأقوال ليس واحد منها عن متقدمي الحفاظ بل هو قول المتكلمين وكثير من الفقهاء .
ثم بعد ذلك اختار – في هذه المسألة – قبول الزيادة من الثقة مطلقاً. وهذا يخالف ما عليه الحفاظ كالإمام أحمد والبخاري وأبي حاتم وأبي زُرعة والنسائي وغيرهم من الحفاظ .
فاختار هذا القول ونصره وهو قول المتكلمين وبعض الفقهاء، وهكذا في مسائل أخرى وما ذكرته في هذه المسألة هو ما ذكره الحافظ ابن رجب - رحمه الله – في كتابه "شرح علل الترمذي" "انظر 2/638" .
قال: (ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه "الإلماع" .
وأبو حفص الميَّانجي جزءاً سماه: "ما لا يسع المحدثَ جهلُه" .
وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتُهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها):
بسطت ليتوفر علمها ليكثر العلم، واختصرت ليتيسر فهمها.
وهذا فيه إشكال، فالذي يترجح أن الاختصار ليتيسر الحفظ، وذلك لأن الفهم يكون أيسر حيث بُسطت لكن إذا اختُصرت بتيسر حفظها فالأولى أن يقال: (ليتيسر حفظها).
قال: (إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبدالرحمن الشهْرزوري نزيل دمشق، فجمع – لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية – كتابه المشهور ، فهذب فنونه وأملاه شيئاً بعد شيء ، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة فجمع شتات مقاصدها وضم إليها من غيرها نُخب فوائدها فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره ، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر).
كتابه هذا هو عمدة المتأخرين.
وقد اعتنى بتصانيف الخطيب، وعليه ما في كتاب الخطيب من المسائل ومن ذلك المسائل التي ليست على طريقة المتقدمين في غير ما مسألة هي موجودة في مقدمة ابن الصلاح.
قال: (فسألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك فلخصته في أوراق لطيفة سميتها "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر" على ترتيب ابتكرته وسبيل انتهجته) .
النخبة : هي الشيء المختار.
والفكر: جمع فكرة، وهي ما يتردد في النفس من النظر للوصول إلى معنى من المعاني.
يعني : ما يجول في الذهن ويتردد في الصدر من النظر والتدبر والتأمل حتى تصل إلى معنى من المعاني يسمى الفكر.
وعلى ذلك فنخبة الفكر : هي الشيء المختار الذي حصل تمحيصه في الذهن من مسائل مصطلح الحديث .
والأثر هو البقية من الشيء.
وهل الأثر مرادف للحديث ، أم مغاير له فالحديث شيء والأثر شيء آخر، أم أن الأثر أعم من الحديث فكل حديث أثر وليس كل أثر حديثاً؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم:
1 – فمن أهل العلم من قال : الأثر مرادف للحديث، وعليه فالأثر ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
2 – ومنهم من قال: بل هو مغاير له، فالحديث ، ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم والأثر : ما أضيف إلى غيره.
3 – ومنهم من قال: بل هو أعم ، فالحديث: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة والأثر : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره.
ولا مُشاحة في الاصطلاح، سواء أطلقنا على الحديث أثراً أو خصصنا الأثر بما أضيف إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ، أو خصصناه .
فلا مُشاحة في الاصطلاح ، ولكن لا شك أن الأولى في الاصطلاح هو التمييز، فالأولى: أن يكون الأثر ما أضيف إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم والحديث ما أضيف إليه صلى الله عليه وسلم .
وعليه: فتحتاج إلى التقييد، فنقول: في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أما لو قلت "وفي الأثر" ولم تقل: "عن النبي صلى الله عليه وسلم " فنعلم أن هذا الأثر عن السلف من الصحابة أو التابعين:
ولكن مع ذلك كلام الأئمة يقع إطلاق الأثر فيه على الحديث ويقع إطلاقه على غير الحديث والحاكم في ذلك هو السباق ولا مشاحة في الاصطلاح فكون المتأخرين يصطلحون على شيء لا مشاحة في هذا الاصطلاح لكن لا يفسر كلام المتقدمين على هذا الاصطلاح الحادث إلا أن يكون اصطلاحاً لهم.
قال: (مع ما ضممته إليه من شوارد الفرائد وزوائد الفوائد).
الشوارد: جمع شاردة، وهي الفائدة النفيسة التي يصعب الحصول عليها كأن تكون في غير مظنتها.
والفرائد : جمع فريدة، وهي المنفردة في الحُسن .
قال: (فرغب إليّ جماعة ثانياً أن أضع عليها شرحاً يحل رموزها ويفتح كنوزها ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك فأجبته إلى سؤاله وجاء الاندراج في تلك المسالك فبالغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه).
أي : في الاستدلال ، ففيه توضيح للمسائل وفيه استدلال عليها بالتعليل أو بغيره كالنقل.
قال: (ونبهت على خبايا زواياها لأن صاحب البيت أدرى بما فيه) : لأنه هو صاحب المتن وهو النخبة.
قال: (وظهر لي أن إيراده على صورة البسط أَلْيق ودمْجها ضمن توضيحها أوفق فسلكت هذه الطريقة القليلة المسالك) .
وهي الأخيرة : أي الدمج .
قال: (فأقول طالباً من الله التوفيق فيما هنالك: الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث.
وقيل : الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والخبر ما جاء عن غيره) .
فالخلاف من حيث الأقوالُ في الخبر كالخلاف في الأثر:
1 – فمن أهل العلم وهم الجمهور قالوا: الخبر مرادف للحديث .
فعليه الخبر: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
2 – ومنهم من قال: بل هو مغاير له، فالحديث : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم والخبر: ما أضيف إلى غيره.
3 – ومنهم من قال: بل هو أعم ، فكل حديث خبر وليس كل خبر حديث.
فالحديث : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، والخبر، ما أضيف إليه صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره.
وكما تقدم لا مشاحة في الاصطلاح ، لكن الذي عليه الجمهور هو الأول وأنه مرادف للحديث.
قال: (ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: "الأخباري" ولمن يشتغل بالسنة النبوية "المحدث" .
وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر من غير عكس) .
أي أحدهما أعم مطلقاً والأعم هو الخبر على هذا القول .
قال: (وعبرت هنا بالخبر ليكون أشمل) .
قال رحمه الله : (الخبر إما أن يكون له طرق أي أسانيد كثيرة لأن "طرقاً" جمع طريق، وفعيل في الكثرة يجمع على فُعُل بضمتين، وفي القلة على أفْعِلة. والمراد بالطرق الأسانيد، والإسناد: حكاية طريق المتين): هذه هو تعريف الإسناد: حكاية طريق المتن؛ أي : السلسلة الموصلة إلى المتن .
والمتن: هو ما ينتهي إليه الكلام بعد الإسناد.
قال: (وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد معين) :
المراد بقوله: "إذا وردت بلا حصر عند معين" : أي لا يشترط فيها عدد معين ، وليس المقصود أن عددهم لا يُحصر أي لا يمكن عده .
قال: (بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقاً من غير قصد).
بمعنى : أنه يبعد في العادة أن يجتمعوا على الكذب. فهذا هو شرط التواتر .
إذن : لا يشترط فيه عدد معين بل تكون العادة قد أحالت تواطؤ هؤلاء الرواة على الكذب في هذا الحديث.
قال: (فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح، ومنهم من عينه في الأربعة، وقيل: في الخمسة، وقيل: في السبعة، وقيل: في العشرة، وقيل: في الاثني عشر، وقيل: في الأربعين ، وقيل : في السبعين، وقيل غير ذلك.
وتمسَّك كل قائل بدليل جاد فيه ذكر ذلك العدد، فأفاد العلم، وليس بلازم أن يطَّرد في غيره لاحتمال الاختصاص) .
يعني: كونه يدل في مسألة من المسائل على إفادة العلم فلا يعني أن يفيد العلم في كل مسألة – هذا على التسليم بأنه أفاد العلم في تلك المسألة .
فبعضهم قال: أربعة، وذلك لأن بينة شهود الزنا كذلك.
وبعضهم قال: خمسة، لشهادات الملاعِن والملاعِنة .
وبعضهم قال: سبعة ، وبعضهم قال: عشرة ، وبعضهم قال: اثنا عشر ، وبعضهم قال: أربعين، وبعضهم قال: سبعين ]وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً[ وهكذا .
فكونه يفيد العلم على التسليم به في مسألة من هذه المسائل فلا يعني ذلك أن يفيد العلم في كل مسألة من المسألة وأن ما كان أقل منه لا يفيد العلم .
قال: (فإذا ورد الخبر كذلك) :
بمعنى: روته جماعة مستحيل في العادة أن يتواطأوا على الكذب .
قال: (وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه والمراد بالاستواء أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع لا أن لا تزيد إذ الزيادة هنا مطلوبة من باب أولى) . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أي في كل طبقة من طبقات المسند .
ومثال ذلك : لو أنا قلنا – مثلاً – أن عدد العشرة يفيد التواتر، فروى عشرة عن عشرة عن عشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فنقول هذا الحديث يفيد التواتر، وذلك لثبوت العدد في كل طبقة من طبقات السند.
لكن بيَّن الحافظ أنه ليس المراد أن لا يزيد العدد بل المراد ألا ينقص.
فإذا اشترطنا عشرة فوجدنا في بعض الطبقات اثني عشر فإن هذا لا يؤثر لكن لو وجدنا في بعض الطبقات ثمانية فإن ذلك يؤثر .
قال: (إذ الزيادة هنا مطلوبة من باب أولى، وأن يكون مستند انتهائه الأمر الشاهد أو المسموع لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرْف) .
هذا الشرط الثالث:
بمعنى : لابد أن يكون خبرهم ينتهي إلى متن مشاهد أو مسموع، كأن يقولوا: شاهدنا، رأينا، أو سمعنا.
أما لو كانت هذه الجماعة التي يستحيل في العادة أن تتواطأ على الكذب.
اجتمعت على مسألة عقلية فلا نقول: هذه المسألة حجة؛ لأن قائليها.
يتوافر فيهم شرط التواتر .
فمثلاً: الفلاسفة وهم جماعة كثيرة يستحيل في العادة أن يتواطأوا على الكذب .
قالوا: العالم قديم وهذا مناقض لكتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة – ومستندهم هو العقل.
إذن : هذا نظر يحتاج إلى دليل ، بخلاف ما يكون مشاهداً أو مسموعاً فإنا نقطع بصدق خبرهم.
قال: (فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وهي:
أ – عدد كثير أحالت العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب.
ب – رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلا الانتهاء .
ج – وكان مستند انتهائهم الحس.
د – وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه) .
والذي يترجح أن الشرط الرابع ثمرة.
فإذا توفرت الشروط الثلاثة فإن ثمرة ذلك العلم اليقيني الجازم الذي لا يقع فيه تردد ولا شك .
قال: (وما تخلَّفت إفادة العلم عنه كأن مشهوراً فقط، فكل متواتر مشهور من غير عكس).
ويأتي الكلام على المشهور إن شاء الله.
قال: (وقد يقال: إن الشروط الأربعة إذا حصلت استلزمت حصول العلم؛ وهو كذلك في الغالب، لكن قد تتخلف عن البعض لمانع .
وقد وضح بهذا تعريف المتواتر، وخلافه قد يرد بلا حصر أيضاً لكن مع فقد بعض الشروط، أو مع خصر بما فوق الاثنين أي ثلاثة فصاعداً ما لم يجمع شروط المتواتر، أو بهما أي، باثنين فقط، أو بواحد فقط. والمراد بقولنا: "أن يرد باثنين" : أن لا يرد بأقل منهما، فإن ورد بأكثر في بعض المواضع من السند الواحد لا يضر، إذ الأقل في هذا العلم يقضي على الأكثر.
فالأول المتواتر: وهو المفيد للعلم اليقيني فأخرج النظري على ما يأتي تقريره، بشروطه التي تقدمت) .
العلم منه والعلم الضروري، ومنه العلم النظري.
1 – العلم الضروري : هو الذي تضطر إليه من غير نظر.
فمثلاً : علمك أن الشمس حارة، وأن الشمس تطلع من المشرق وتغيب من المغرب، وعلمك بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، هذه علوم تجدك مضطراً إلى قبولها من غير بحث ولا نظر.
2 – وأما العلم النظري : فهو العلم الذي يحتاج إلى نظر واستدلال ، فتستدل وتنظر حتى تصل إليه.
قال: (واليقين هو: الاعتقاد الجازم المطابق) .
يعني للواقع:
قال: (وهذا هو المعتمد: أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري وهو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه .
وقيل: لا يفيد العلم إلا نظرياً – وليس بشيء) .
يعني : هذا القول ليس بشيء.
قال: (لأن العلم بالتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي، إذ النظر ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يُتوصل بها إلى علوم أو ظنون.
وليس في العامي أهلية ذلك، فلو كان نظرياً لما حصل لهم) .
فالعامي عندما يسمع خبراً في مكان ثم يسمعه في آخر ويقرأه وهكذا تحصل له الجزم بصدق هذا الخبر وليس له أهلية النظر "أي ليس نم أهل الرجال الذين يميزون بين الصادق والكاذب" ومع ذلك فإنه يجزم بصدق الخبر فيستفيد العلم ودل ذلك على أنه ليس علماً نظرياً.
قال: (ولاح بهذا التقرير الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري، إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال ، والنظري يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة، وأن الضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر.
وإنما أبهمت شروط التواتر في الأصل؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث على الإسناد ، إذ علم الإسناد يبحث عن صحة الحديث أو ضعفه ليعمل به أو يترك من حيث صفاتُ الرجال، وصيغُ الأداء ، والمتواتر لا يبحث عن رجاله بل يجب العمل به من غير بحث).
إذن: الحافظ لم يصرح بشروط التواتر في النخبة وهي المراد بقوله: "في الأصل" أي: لم أذكر ذلك في المتن لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد؛ لأن علم الإسناد يحتاج معه إلى النظر في الرجال ليُعلم صحة الحديث من ضعفه وليس هذا في المتواتر فإنه لا يحتاج كما تقدم إلى نظر بل يقبله الشخص ولا يمكنه أن يدفعه.
ولكن السؤال هنا: هل يمكن أن يوجد حديث متواتر في الشريعة بهذا المعنى؟ كأن يجتمع رواة كذابون أو متهمون بالكذب على حديث ويحكم على هذا الحديث بأنه حديث متواتر؟
هذا ما فهمه بعض أهل العلم وبنى على ذلك الحكم على أحاديث بأنها متواترة ومن هؤلاء السيوطي فإنه صحح أحاديث في كتابه أهل العلم يضعفونها" .
ومن ذلك: أن الشمس حُبست لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه "فصح هذا الحديث وحكم عليه بالتواتر" وأهل العلم يضعفون هذا الحديث.
إذن : السؤال : هل يمكن أن يكنون هناك حديث يُحكم عليه بالتواتر ورواته من الضعفاء والمتروكين والوضاعين ونحكم عليه لكثرة طرقه، كأن يرد مثلاً من مائة طريق؟
الجواب عن هذا ك أن هذا من حيث العقل جائز ، أي يجوز أن يصح الحديث ويحكم عليه بالتواتر من حيث العقل.
لكن من حيث الشرح لا يجوز ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدولُه" .
فلا يمكن أن يكون حملة آثار النبي صلى الله عليه وسلم هم هؤلاء، والشريعة يصونها الله سبحانه وتعالى عن مثل ذلك.
ومن ثمَّ : فإن الحديث المتواتر بالمفهوم المتقدم ليس بموجود في كتب المتقدمين.
وإنما هناك ما سماه شيخ ابن تيمية - رحمه الله – "بالتواتر الخاص" والمراد بالمتواتر الخاص : أن يكون الرواة من حيث العدد لا يستحيل أن يتواطأوا على الكذب، لكن إذا نظر الناظر إلى ما كانوا عليه من العدالة وما كانوا عليه من الضبط فإنه يستحيل في العادة أن يتواطأوا على الكذب .
مثال ذلك: إذا روى ثلاثة من الصحابة حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم من حيث العدد لا يستحيل في العادة أن يتواطأوا على الكذب، ومن حيث البشرية المحضة لا يستحيل في العادة أن يتواطأوا على الكذب، لكن إذا نظرنا إلى ما كانوا عليه من العدالة وما كانوا عليه من الصلاح وما كانوا عليه من الحفظ والضبط فإنا نقول : هؤلاء الثلاثة يستحيل في العادة أن يتواطأوا على الكذب وحينئذ يكون المتواتر في السنة كثير جداً ، وهذا هو المتواتر الخاص أي المتواتر عند أهل الحديث.
إذن : هو متواتر نسبي فهو متواتر عند الخاصة من أهل الحديث.
وهناك أيضاً ما يكون متواتراً من حيث العدد لكن رواية ليسوا على الصفة المتقدمة من الضعفاء والمتهمين والمتروكين بل فيهم من الأئمة والحفاظ، ومن ذلك حديث: ومن كذب عليَّ متعمداً فيتبوأ مقعده من النار" فإن هذا متواتر عند الخاصة وعند العامة، إذا مروا على أسانيده فإنها أسانيد كثيرة فقد رُوي عن نحو سبعين صحابياً .
ومثل ذلك : "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً…" فقد رُوي عن ثلاثين صحابياً.
لكن هذه الأسانيد فيها الأسانيد الصحاح التي يصححها أهل العلم ، وأما أن يجمع من طرق كثيرة جداً وكلهم كذابون وضعفاء ومتهمون ثم يصحح هذا الحديث ويحكم عليه بالتواتر فإن هذا ليس بصحيح ، وذلك لما تقدم.
والمتواتر قسمان:
1- متواتر لفظي: كالحديث المتقدم وهو قول صلى الله عليه وسلم : "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" .
2- ومتواتر معنوي: والمراد به : أن تكون الأحاديث مختلفةً لفظها ومعناه لكن فيها قدر مشترك تشترك فيه هذه الأحاديث كلها .
مثل: رفع اليدين في الدعاء. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في صلاة الاستسقاء وصح أنه رفع يديه في القنوت، وصح أنه رفع يديه لما دعا لدوس، وهكذا أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
كذلك مسح الخفين ، وكذلك ذكر الميزان.
قال: (فائدة: ذكر ابن الصلاح أن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يعزُّ وجوده إلا أن يُدَّعى ذلك في حديث: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم؛ لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطأوا على كذب أو يحصل منهم اتفاقاً .
ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير) .
بمعنى: نجد هذا الحديث في صحيح البخاري بسند أو سندين أو أكثر وتجده في مسلم كذلك وتجده في الترمذي وفي أبي داود وفي النسائي وفي ابن ماجة وهكذا في كتب الحديث المشتهرة – فحينئذ تقطع أن هذا الحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ويفيد ذلك عندك العلم الضروري فيكون ذلك متواتراً، وهذا كثير جداً في الناظر إلى الكتب المشهورة وما فيها من الأحاديث التي يتوفر فيها الشرط المذكور.
قال: (والثاني وهو أول أقسام الآحاد : ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين وهو المشهور عند المحدثين، سمي بذلك لوضوحه).
المشهور: من الشهرة وهي: الوضوح والظهور.
وتعريفه في الاصطلاح : ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة من طبقات السند ما لم يبلغ حد التواتر.
إذا رواه ثلاثة عن أربعة عن ثلاثة عن خمسة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهنا في كل طبقة من طبقات السند ثلاثة فأكثر.
لكن إذا كان أقل من ثلاثة كأن يرويه عشرة عن خمسة عن ثلاثة عن اثنين عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يكون مشهوراً، وذلك لأن في بعض طبقاته اثنين وحينئذ يختل شرط المشهور.
إذن : يشترط أن يكون في كل طبقة من طبقات السند ثلاثة فأكثر ما لم يبلغ حد المتواتر – وتقوم حد المتواتر وأنه ليس له حد معين – وحينئذ فإذا روى جماعة كثيرة حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يصل إلى درجة استحالة الكذب عليهم في العادة فحينئذ هو مشهور وليس بمتواتر .
قال: (وهو المستفيض على رأي… وليس من مباحث هذا الفن) : يعني هذا البحث ليس من مباحث الاصطلاح .
بعض الفقهاء يقول : المشهور هو المستفيض ، إذن : المستفيض مرادف للمشهور، وعليه:
فالمستفيض : ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة من طبقات السند ما لم يبلغ حد التواتر وسمي بذلك لانتشاره من فاض الماء يفيض فيضاً.
ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور : بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء بمعنى : وجدت الحديث برويه ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة يكون مستفيضاً فكل طبقة تساوي الطبقة الأخرى من حيث العدد.
وإذا رأيته بروية ثلاثة عن أربعة عن خمسة عن ثلاثة فيكون مشهوراً وهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، وحينئذ فليست المسائل من مسائل الترجيح إلا من حيث اختيار أحد القولين.
قال: (ثم المشهور يطلق على ما حُرر هنا، وعلى ما اشتهر على الألسنة) .
إذن : المشهور له إطلاقان:
1 – الإطلاق الأول: ما حرر هنا وهو ما يسمى بالمشهور الاصطلاحي . ومن أمثلته : قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به" .
2 – الإطلاق الثاني: ما اشتهر على ألسنة الناس؛ إما .
أ – عامة . ب – وإما عن طائفة من الناس .
ومنه : ما له سند ، وما ليس له سند.
مثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم : "الدال على الخير كفاعله " رواه مسلم .
هذا ليس بمشهور اصطلاحي أي: لا يتوفر فيه الشرط المتقدم ، لكنه مشهور عند العامة وهو حديث صحيح رواه مسلم.
حديث: "نبة المؤمن خير من عمله" يشتهر على الألسنة لكنه ضعيف هذا عند العامة.
ومثاله عند طائفة من الناس : حديث : "أبغض الحلال عند الله الطلاق" . فهو مشهور عند الفقهاء وليس بمشهور اصطلاحي .
ألفت في هذا الباب مؤلفا ت كثيرة "كالمقاصد الحسنة" للسخاوي.
و"تمييز الطيب من الخبيث" لابن الدّيبع الشافعي .
"كشف الخفاء ومزيل الإلباس" للعجلوني وغيرها من الكتب في هذا الباب فإذا سمعت حديثاً يشتهر على ألسنة الناس فإن مظنته في هذه الكتب .
قال: (والثالث العزيز … بمجيئه من طريق أخرى) .
العزيز: من عَزَّ يعز "بكسر العين" ، وعز يعز "بفتحها".
عز يعَز بالفتح أي : قوي.
وعز يعِز بالكسر أي عز وجل .
وهكذا الحديث العزيز فهو حديث قد قوي بمجيئه من طريق آخر، وهو نادر قليل.
وأما في الاصطلاح : فهو ألا يرويه أقل من أمين عن اثنين في كل طبقة من طبقات السنن .
قال: (وليس شرطاً للصحيح خلافاً عن زعمه وهو أبو علي الجبائي من المعتزلة) فهذا خلافه ليس بمعتبر :
أولاً: ليس من أهل السنة، وثانياً: ليس من أهل الحديث.
قال: (وإليه يومئ كلام الحاكم … كالشهادة على الشهادة) . (إليه يومئ) : أي إليه يشير، فليس صريحاً في كلام الحاكم رحمه الله تعالى . إذن هذا الكلام من الحاكم يومئ إلى ما تقدم من أبي علي الجبائي.
ولا ينبغي أن يظن مثل هذا القول في الحاكم ولذا فإن الحافظ قال: "وإليه يومئ كلام الحاكم" فليس صريحاً في قوله، وعمله في المستدرك يدل على أنه لا يقول هذا القول؛ فإن في المستدرك أحاديث كثيرة لا يتوفر فيها هذا الشرط والحاكم يصححها .
لكن حمل بعض أهل العلم قوله على أن مراده، أن يكون كل راوٍ روى عنه اثنان من حيث الجملة أي: من حيث الرواية ، وبذلك ترتفع عنه الجهالة إذن مراده – عن هذا القائل – أن الحديث لابد وأن يكون رواته قد زالت عنهم الجهالة برواية اثنين فأكثر، وليس شرطاً أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه فإذا كان عندنا راو من الرواة لم يرو عنه إلا راو واحد فحينئذ لا يقبل حديثه".
وهذا ليس على إطلاقه فإن في السنة الصحيحة مما صحح أهل العلم ما كان مفقوداً فيه شرط الحاكم المتقدم، وفي الصحيح بعض الأحاديث من هذا .
قال: (وصرح القاضي أبوبكر بن العربي في "شرح البخاري" بأن ذلك شرط البخاري) إذن : أبوبكر بن العربي قال: هذا شرط البخاري ، هل يغني أن ابن العربي يقول: هو شرط في الحديث الصحيح ؟
لا ، وإنما هذا هو شرط البخاري في صحيحه.
ثم أورد عليه حديث الأعمال بالنيات فإنه حديث غريب وليس بغزير.
قال: (وأجاب عما أورد عليه … فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه ، كذا قال).
هذا هو جوابه على هذا الحديث وأنه قد خطب به عمر رضي الله عنه بحضرة الصحابة فلولا أنهم يعرفونه لأنكروا هذا الحديث .
قال : (وبأن هذا لو سُلّم في عمر منع في تفرد علقمة … المعروف عند المحدثين).
وهذا ظاهر، فالحديث رواه يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر .
لو سلمنا بذلك في عمر فقد تفرد بهذا الحديث علقه عن عمر، وتفرد محمد بن إبراهيم عن علقمة، وتفرد يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم وعلى ذلك فهذا الحديث واضح الرد على ما ادعاه ابن العربي شرطاً للبخاري رحمه الله تعالى.
قال: (وقد وردت لهم متابعات لا يعتبر بها لضعفها).
هناك متابعات لعلقمة ولمحمد بن إبراهيم وليحيى بن سعيد، فيقول : لا يعتبر بها لضعفها .
قال: (وكذا لا نسلم جوابه في غير حديث عمر رضي الله عنه ) .
فيه ما يدل على أن هناك أحاديث أخرى أيضاً في الصحيح غريبة وليست بعزيزة ولا مشهورة .
قال: (قال ابن رُشيد … وادعى ابن حبان نقيض دعواه فقال: "إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً") .
إذن ابن حبان يقول: رواية اثنين إلى أن ينتهي السند لا توجد أصلاً هذا نقيض دعواه () ؛ ولكن لا يُسلم أنها نقيض دعواه .
فإن دعوى الأول : أن العزيز شرط في الصحيح – صحيح البخاري .
وهذا يقول لا توجد أصلاً، هل يكون هناك مناقضة ؟
لا ؛ لأن الأحاديث العزيزة قد تكون عن اثنين عن أربعة عن ثلاثة عن خمسة وحينئذ يمكن لابن حبان أن يقول بقول الأول ويستثنى من ذلك : اثنين عن اثنين عن اثنين .
قال: (قلت: إن أراد به أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلاً فيمكن أن يسلم).
وهكذا هو ظاهر قوله: قول ابن حبان وحينئذ لا تكون المناقضة ، لكن على الاحتمال الثاني تكون المناقضة المذكورة في كلام الحافظ .
قال: (وأما صورة العزيز … مثاله: ما رواه الشيخان… ورواه كل جماعة) .
تقدم تعريف العزيز ، وهذا مثال له:
فنظر إلى طبقة الصحابة، رواه أنس ورواه أبو هريرة .
ورواه عن أنس: قتادة وعبدالعزيز بن صهيب.
ورواه عن قتادة : شعبة وسعيد.
ورواه عن عبدالعزيز : إسماعيل بن عليه وعبدالوارث.
ورواه عن كل جماعة .
إذن يتوفر فيه شرط العزيز .
إذن هذا هو تعريف الغريب، فالغريب: ما وقع التفرد فيه في أي طبقة من طبقات السند. سواء كان في طبقة الصحابي أو في من دونه .
قال: (وكلها أي الأقسام الأربعة المذكورة … ما لم يجمع شروط التواتر) إذن والمشهور حديث آحاد، والعزيز حديث آحاد والغريب آحاد.
فالآحاد: هو ما لم يجمع شروط التواتر .
قال: (وفيها – أي في الآحاد – المقبول، وهو ما يجب العمل به عند الجمهور وفيها المردود: وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به ، لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول).
فعرف الأول وهو المقبول بحكمه فقال: ما يجب العمل به عند الجمهور .
وأما المردود فعرفه بحده فقال: وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به .
والواجب – أيضاً – أن يُعرف المقبول بحده فيقال: ما ترجح صدق المخبر به.
قال: (دون الأول وهو المتواتر فكله مقبول لإفادته القطع بصدق مخبره بخلاف غيره من أخبار الآحاد ، لكن إنما وجب العمل بالمقبول منها لأنها إما أن يوجد فيها أصل صفة القبول – وهو ثبوت صدق الناقل – أو أصل صفة الرد – وهو ثبوت كذب الناقل – أو لا ) .
وهي الواسطة بين هذين الطرفين :
إما أن يوجد في الحديث أصل صفة القبول وهو ثبوت صدق المخبر والناقل، أو أصل صفة الرد وهو ثبوت كذب الناقل، أو لا: فلا يترجح هذا ولا يترجح هذا ، وحينئذ فتتوقف والتوقف في هذا الباب في حكم الرد لأنه لا يعمل به .
قال: (فالأول : يغلب على الظن ثبوت صدق الخبر لثبوت صدق ناقله فيؤخذ به .
والثاني : يغلب على الظن كذب الخبر لثبوت كذب ناقله فيطرح .
والثالث : إن وجدت – قرينة تلحقه بأحد القسمين لحق ، وإلا فيتوقف فيه وإذا توقف عن العمل به صار كالمردود لا ثبوت صفة الرد، بل لكونه لم توجد فيه صفة توجب القبول، والله أعلم).
إذن خبر الآحاد: إما أن توجد فيه صفة القبول وإما ألا توجد…
فإن وُجدت وجب العمل به، وإن لم توجد فإنه لا يعمل به سواء ترجح كذب المخبر أو لم يترجح.
قال: (وقد يقع فيها أي في الأخبار … خلافاً لمن أبى ذلك).
خلافاً لمن أبى ذلك من المبتدعة، فهذا قول مبتدع وهو أن خبر الآحاد لا يفيد العلم مطلقاً حتى لو احتفت به القرائن – لا أصل له في كلام أهل السنة، بل كلام أهل السنة يدل على بطلانه .
إذن: حديث الآحاد يفيد العلم النظري إذا احتفت به قرائن كما سيذكر المؤلف يعني بمعنى أنك تقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، لا تشك في ذلك فلا تقول : ربما وهم الراوي، أو ربما أخطأ الراوي ، بل تجزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله.
قال: (والخلاف في التحقيق لفظي… مما خلا عنها) .
وكلام الحافظ – هنا فيه نظر، بل التحقيق : أن الخلاف حقيقي.
1 – فهؤلاء يقولون : لا يفيد العلم مطلقاً ولو احتفت به القرائنُ ، فهو ظني.
2 – وأما القول الثاني في المسألة: فإنهم يقولون: هو ظني حيث لم تحتف به القرائن
فإن احتفت به القرائن فإنه يفيد العلم وليس بظني .
أما الحافظ فكأنه يرى أن الذين يقولون لا يفيد العلم يقصدون ولله العلم الضروري فهم لم ينفوا العلم النظري، لكن ظاهر قولهم وهو المصرح به في كتب الأصول وغيرها هو قول المتكلمين .
قال: (والخبر المجتف بالقرائن أنواع … من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر )
وهذا ظاهر في أحاديث الصحيحين فإنها قد تلقت بالقبول وهي تفيد العلم عند أهل الحديث قاطبة : كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فأحاديث الصحيحين في الجملة تفيد العلم عند أهل الحديث قاطبة.
قال: (إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، ومما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين… لأحدهما على الآخر) إذن : هنا استثناءات .
1 – الاستثناء الأول: ما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين : فإذا نقده أحد من الحفاظ كالإمام أحمد أو الدارقطني أو غيرهما من الأئمة الحفاظ فإن الحديث حينئذ لا يفيد العلم بل يفيد الظن . وهذا نزر يسير في الكتابين.
ولا يعني ذلك أنه ليس بصحيح فهذه مسألة أخرى، فالكلام : هل يفيد العلم أم يفيد الظن الغالب.
وهذا خارج عن قضية التصحيح فإن أكثر الأحاديث التي انتقدت لاسيما على البخاري – أكثرها الحق مع البخاري في ذلك.
وانتقد على الإمام مسلم أحاديث – أيضاً – كلها تعد بالأصابع ، والأرجح في ذلك من خالف الإمام مسلم، والمسألة بتجاذبه فقد يرجح بعض الناس خلاف ذلك.
2 – الاستثناء الثاني: بما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر: هناك أحاديث وقع التجاذب بينها؛ فوقوع هذا التجاذب يجعل الحديث يقتصر عن مرتبة العلم أي أن يفيد العلم النظري.
مثال ذلك: ما أخبر به ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "تزوج ميمونة وهو محرم" متفق عليه.
والثابت عن ميمونة نفسها وعن رسولها أبي رافع : أن النبي صلى الله عليه وسلم "تزوجها وهو حلال".
فهذا الحديث وإن كان في الصحيحين لكنه لا يفيد العلم، وذلك لوجود هذا المعارض له ، فيجعلنا لا نجزم بصدقه عن النبي ط ، وإن كنا نجزم بصدقه عن ابن عباس رضي الله عنه ، أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، بل الراجح خلاف ذلك وأنه خطأ أو وهم من الراوي وأن الصحيح ما حدثت به ميمونة عن نفسها وما حدّث به أبو رافع عنها.
قال: (وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته).
ما سوى ذلك فإن الإجماع حاصل على تسليم صحته.
قال: (فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته منعناه). إن قال قائل: الاتفاق عند أهل العلم في أحاديث الصحيحين إنما هو على وجوب العمل بأحاديث الصحيحين لا على صحة هذه الأحاديث، فالإجماع على وجوب العمل لا على صحتها، فالجواب:
قوله: (منعناه ، وسند المنع: أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة).
فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، إذن : أي مزية للصحيحين فإنهم يتفقون على وجوب العمل بكل ناصح سواء كان في الصحيحين أو في غيرهما .
قال: (وممن صرح بإفادة … وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما).
تقدم ما حكاه شيخ الإسلام عن أهل الحديث قاطبة.
قال: (ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح).
يعني يقول: يمكن أن تكون المزية المذكورة أن أحاديثهما أصح الصحيح، فأهل العلم تلقوا أحاديثهما بالقبول لا لكونها صحيحة؛ لأن كونها صحيحة تشترك فيه مع غيرها من الصحيح – لكن لكون الأحاديث أصح الصحيح .
والجواب : ما تقدم من حكاية شيخ الإسلام وغيره ، وأن أهل العلم إنما تلقوها بالقبول علماً وعملاً فهي تفيد عندهم العلم والعمل.
وكذلك هناك من الأحاديث ما تلقاه أهل العلم بالقبول وهو خارج الصحيحين. وهو أيضاً من أصح الصحيح – كأحاديث (مالك عن نافع عن ابن عمر) خارج الصحيحين ، فما هي إذن ميزة أحاديث الصحيحين على مثل هذه الأحاديث.
قال: (ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي ، والأستاذ أبوبكر بن فُورَك وغيرهما).
ب – إذن: الثاني مما يفيد العلم : المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل.
وعند قول الحافظ : "وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، يُعلم بأن أحاديث العقائد تفيد العلم وإن لم تكن متواترة ، وذلك لتلقي السلف لها بالقبول، فلا يقال : هي أحاديث آحاد تفيد الظن ، والظن لا يعمل به في العقيدة كما يقول بذلك المبتدعة – بل يقال هي تفيد العلم فتُمنع هذه الدعوى من أصلها.
قال: (ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريباً، … ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم).
الحديث المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لم يكن غريباً يعني : بمعنى أن الإمام لم يتفرد به، فالاحتمال الذي هو احتمال ضعيف من خطأ الإمام أو وهمه برواية الراوي الآخر يعني بمتابعة الإمام.
قال: (ولا يتشكك من له أدنى … ازداد قوة وبعد عما يُخشى عليه في السهو) . فلا يُخشى على الأئمة الكذب ولاشك ، لكن المقصود ما يقع من سهو وخطأ فقد يخطئ مثلاً فيصل مرسلاً ، أو نرفع موقوفاً، وهذا نادر في حق الأئمة قليل فيهم ولكن مع ذلك هو وارد ولذا نقول : يفيد الظن الغالب ، لكن عندما يأتينا عن ثقة آخر فإنه حينئذ يندفع هذا الوهم وحينئذ يكون الحديث مفيداً للعلم .
قال: (وهذه الأنواع التي ذكرناها… للمتبحر المذكور، والله أعلم ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها، أن الأول يختص بالصحيحين .
والثاني : بما له طرق متعددة . والثالث: بما رواه الأئمة .
ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه، والله أعلم) .
والأولى ألا يقال: "فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه، بل يقال: فيقطع حينئذ بصدقه.
اجتمعت الثلاثة: الحديث في الصحيحين، وله طرق متعددة، وروى بعض أسانيده الأئمة فرد مسلسل في الأئمة في بعض أسانيده ، فلا يقال: فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه، بل يقال: يقطع بصدقه.
قال: (ثم الغرابة إما أن تكون في أهل السنة… شخص واحد) ، إما أن تكون الغرابة في :
1 – أهل السند . 2 – وأما أن تكون في أثناء السند .
وبيَّن أن أهل السند هو طرقه الذي فيه الصحابي.
وبيَّن بعض الشراح : أن ذلك فيما دون الصحابي وهو التابعي.
وبين َّ بعض الشراح: أن ذلك يظهر أن ذلك من الصحابي وأن أصل السند هو الصحابي – كما صرح به السخاوي وغيره.
فإن قيل : الإجماع على أن الصحابة عدول، وحينئذ فلا فائدة في ذلك لأن الأحاديث مقبولة من الصحابة .
فالجواب أن يقال: إن هذا من حيث علم السند بغض النظر عن قضية القبول والرد ، كما نسمي هذا عزيزاً ونشترط أن يرويه اثنان من الصحابة، ونسمي هذا مشهوراً ونشترط أن يرويه ثلاثة فأكثر من الصحابة – وإن كانت الغرابة – هنا لا تؤثر في الحديث من حيث القبول والرد ، كما لو تفرد به أيضاً إمام من الأئمة وإن كان فيمن دون الصحابة الأحاديث الغريبة قريبة إلى الرد فهي مظنة الرد .
فإذا تفرد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحديث فلم يره عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً سوى عمر فإن هذا الحديث يسمى غريباً كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" والغريب هنا يسمى "الغريب المطلق" أو : "الفرد المطلق" .
قال: (فالأول الفرد المطلق … عن أبي صالح) .
"كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته" : تفرد به عبدالله بن دينار عن ابن عمر، والظاهر – هنا – أن الحافظ كما ذكر بعض الشراح ، لكن الصحيح ما تقدم.
وحديث شعب الإيمان: حصل التفرد فيه عن الراوي عن أبي هريرة، فقد تفرد به عبدالله بن دينار عن أبي صالح، وأبو صالح قد تفرد به عن أبي هريرة فهذا فرد مطلق.
قال: (وقد يستمر التفردفي جميع رواته أو أكثرهم، وفي "مسند البزار" و"المعجم الأوسط" للطبراني أمثلة كثيرة لذلك).
فهي من مظان الحديث الغريب.
قال: (والثاني الفرد النسبي … في نفسه مشهوراً) .
الفرد النسبي يكون التفرد فيه في أثناء السند.
مثلاً: يأتينا حديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، برؤية عنه جماعة من الثقات ويكون هذا الحديث مشهوراً عن هؤلاء الثقات ، لكي يرويه مثلاً : الزهري ولا يرويه عن الزهري إلا راو واحد، فحينئذ نقول هذا الحديث غريب من حديث الزهري.
مثلاً: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بصفية وأنه أولم بسويق وتمر، يرويه عن أنس بن مالك جماعة كقتادة وغيره، وهو مشهور عن هؤلاء الرواة ، ورواه الزهري عن أنس ولم يروه عن الزهري إلا بكر بن وائل فيقال: هذا الحديث غريب من حديث الزهري.
وقد تكون الغرابة النسبية في حديث الصحابي نفسه.
فمثلاً: يكون الحديث مشهوراً عن طائفة من الصحابة، كأن يكون مشهوراً عن ابن عمر وعن ابن عباس رضي الله عنهم، لكن يكون غريباً من حديث أبي هريرة فلا يرويه عن أبي هريرة إلا راو واحد – فالحديث ليس غريباً مطلقاً بدليل أن الحديث معروف من حديث ابن عباس ومن حديث ابن عمر لكنه غريب من حديث أبي هريرة فيقال هذا الحديث غريب من حديث أبي هريرة .
إذن الفرد النسبي في أصله مشهور لكن وقع التفرد:
إما من بعض الصحابة فيه فكان هذا الحديث عنه غريباً فلم يروه عنه إلا واحد أو كان عن بعض الرواة الذين في السند كذلك.
قال: (ويقل إطلاق الفردية عليه لأن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحاً ، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته).
إذن الغريب والفرد مترادفان في اللغة وفي الاصطلاح فمدلولهما لغةً واصطلاحاً واحد، لكن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال .
قال: (فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق ، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي).
فمثلاً: يقول الإمام : هذا حديث غريب من حديث عائشة . هنا أطلق الغرابة ويريد بها الغرابة النسبية ، فالحديث ثابت من غير حديث عائشة .
كذلك – مثلاً – يقول : هذا حديث فرد ، أو يسمى كتابه : الأفراد . فهنا هذا الحديث فرد بمعنى: أنه غريب مطلق.
فأكثر به يطلقون الفرد على الغريب المطلق، والغريب على الغريب النسبي.
قال: (وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما. وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون فيقولون في المطلق النسبي: تفرد به فلان، أو: أغرب به فلان) .
إذن : من حيث كثرة الاستعمال في الاسم ما تقدم.
وأما من حيث الفعل المشتق فلا يفرقون فيقولون في الغريب المطلق: تفرد به فلان، أو: أغرب به فلان.
ويقولون في الفرد النسبي كذلك: أغرب به فلان أو .. تفرد به فلان.
قال: (وقريب من هذا اختلافهم في المنقطع والمرسل في هل هما متغايران أولاً ؟ فأكثر المحدثين على التغاير).
في الاصطلاح ، فالمنقطع يخالف في الاصطلاح – المرسل، وسيأتي الكلام عليهما.
قال: (لكنه عند إطلاق الاسم).
يعني : هذا التغير متى؟ عند إطلاق الاسم .
فإذا قال : "مرسل" يعني به شيئاً، وإذا قال: "منقطع" يعني به شيئاً آخر.
قال: (وأما عند استعمال الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط فيقولون أرسله فلان ، سواء كان ذلك مرسلاً أو منقطعاً) .
فيقول: أرسله فلان، سواء كان الحديث مرسلاً أو منقطعاً) .
فيقول : أرسله فلان ، سواء كان الحديث مرسلاً أو منقطعاً .
قال: (ومن ثم أطلق غير واحد – فمن لم يلاحظ مواضع استعماله – على كثير من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع) .
اعتماداً على الفعل المستق : أرسل.
قال: (وليس كذلك، لما حررناه، وقل من نبَّه على النكتة في ذلك، والله أعلم).
قال رحمه الله : (وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير مُعلَّل ولا شاذ هو الصحيح لذاته وهذا أول تقسيم مقبول إلى أربعة أنواع لأنه إما أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها أولاً:
الأول: الصحيح لذاته ، والثاني: إن وُجد ما يجبر ذلك القصور ككثرة الطرق فهو الصحيح أيضاً ، لكن لا لذاته.
وحيث لا جبران فهو الحسن لذاته، وإن قامت قربته ترجح جانب قبول ما يتوقف فيه فهو الحسن أيضاً لكن لا لذاته).
وهذا كلام مجمل وسيأتي تفصيله:
فالحديث إما : أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها، أو لا:
فإذا اشتمل على أعلى صفات القبول فهو الصحيح لذاته.
وإن اشتمل على أدناها فهو الحسن لذاته.
فإن لم يشتمل على صفات القبول فهو الضعيف .
فإن كان ثمَّ قرينة ترجح القبول فهو الحسن بغيره.
قال: (والمراد بالعدل: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة) .
الملكة : هي قوة باطنة تحمله على ملازمة التقوى لله سبحانه وتعالى والمروءة .
والمروءة : ترك ما يُعلَّب عرفاً .
فالعدل: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى (فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه) ، فإن فعل شيئاً من ذلك ثم تاب إلى الله تعالى فعدالته باقية .
"فإن فعل أمراً محرماً متأوِّلاً يعني ، يعتقد حله – فإن حديثه يقبل، ومن ذلك رواية محدثي أهل الكوفة ممن يشرب النبيذ على مذهب أهل الكوفة من جواز شربه، والصحيح أن شرب النبيذ محرم.
وهكذا في سائر المحرمات التي يفعلها الشخص متأولاً حيث كن التأويل سائغاً .
قال: (والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السبئة من شرك أو فسق أو بدعة. و(الضبط).
ضبط صدر: وهو أ نيثبِّت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء .
وضبط كتاب : وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه).
1 – النوع الأول: ضبط الصور: وهو أن يحفظه كما سمعه بحيث يمكنه أن يستحضره .
2 – والنوع الثاني: ضبط الكتاب: وهو أن يكتب الحديث في الكتاب ثم يصون الكتاب ويصححه ولا يجعل هذا الكتاب بأيدي المتلاعبين ولا يعرضه للزيادة والنقصان.
قال: (وقُيد "بالتام" إشارةً إلى الرتبة العليا في ذلك.
والمتصل: ما سلم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كلٌ من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه. و(السند): تقدم تعريفه) :
قُيِّد بـ"التام" إشارةً إلى الرتبية العليا، فالضبط نوعان:
1 – ضبط تام . 2 – وضبط خفيف.
فالضبط التام هو شرط الحديث الصحيح .
والضبط الخفيف : هو ما سيأتي ذكره.
قال: (والمعلَّل لغةً: ما فيه علة ، واصطلاحاً: ما فيه علة خفية قادحة .
والشاذ لغة: المتفرد ، واصطلاحاً ، ما يخالف فيه الراوي من هو أرجح منه.
وله تفسير آخر سيأتي) :
فإن قيل هنا: "الراويط يدخل فيه الضعيف؟
فالجواب: أنه لا يدخل هنا، وذلك أن "أل" هنا "أل" العهدية ، أي: الراوي: المتقدم وهو راو في الحديث الصحيح.
قال: (تنبيه : قوله : وخبر الآحاد" كالجنس ، وباقي قيوده كالفصل).
خبر الآحاد يدخل فيه : الصحيح وغيره، ويأتي القيود كالفصل بحيث يتميز الصحيح عن بقية الأحاديث التي تدخل في حديث الآحاد.
قال: (وقوله: "بنقل عدل" احتراز مما ينقله غير العدل.
وقوله : "هو" يسمى فصلاً يتوسط بين المبتدإ والخبر يؤذن بأن ما بعده خبر مما قبله وليس بنعت له) .
يعلم بأن ما بعده خبر وليس بوصف.
قال: (وقوله: "لذاته: "يخرج ما يسمى صحيحاً لأمر خارج عنه كما تقدم) .
إذن : هو صحيح لذاته وليس لأمر خارج ، بل لذات السند والمتن الحديث صحيح ، ليس لأمر خارج قوي هذا السند حتى أوصله إلى أن يكون صحيحاً .
قال: (وتتفاوت رتبه أي الصحيح بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضبة للتصحيح في القوة فإنها لما كانت مفيدةً لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية.
وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا في العدالة والضبط .
وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح مما دونه.
فمن المرتبة العليا في ذلك: ما أطلق عليه بعض الأئمة أنه : أصح الأسانيد .
كالزهري عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه .
وكمحمد بن سيرين عن عَبيدة بن عمرو السلماني عن علي.
وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود) .
إذن : هذه المرتبة وهي ما قيل فيها: أصح الأسانيد هي أعلى مراتب الحديث الصحيح ، وضرب له أمثلة : كحديث الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، وغيرها من الأ؛اديث، وقد أوصلها الحافظ ابن حجر إلى عشرين سنداً.
قال: (ودونها في الرتبة: كرواية بُريد بن عبدالله بن أ[ي بردة عن جده عن أبيه أبي موسى).
وهذا السند في البخاري ومسلم، وهو دون المرتبة السابقة .
قال: (وكحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس): وهذه في مسلم .
وهناك مرتبة أخرى قبل المرتبة الثانية، وهي: ما كان في سنده مَن جُرِّح تجريحاً الصحيح السلامة منه ، كأحاديث: عكرمة عن ابن عباس .
قال: ودونها في الرتبة: كسهيل بن أ[ي صالح عن أبيه عن أبي هريرة .
وكالعلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة).
وغالب أحاديث هذه المرتبة في صحيح مسلم بالنسبة للبخاري.
قال: (فإن الجميع يشملهم اسم "العدالة" و"الضبط" إلا أن للمرتبة الأولى من الصفات المرجحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها، وفي التي تليها من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة ، وهي مقدمة على رواية من بعد ما يتفرد به حسناً، لمحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر .
وعمر بن شعيب عن أبيه عن جده).
فالمرتبة الثالثة مقدمة على هذه المرتبة التي يعد فيها حديثه حيث تفرد حسناً
قال: (وقس على هذه المراتب ما يشبهها .
المرتبة الأولى هي التي أطلق عليها بعض الأئمة أنها أصح الأسانيد، والمعتمد عدم الإطلاق لترجمة معينة منها.
نعم، يستفاد من مجموع ما أطلق الأئمة عليه ذلك أرجحيته على ما لم يطلقوه).
يستفاد من قول الأئمة "أصح الأسانيد" أن ما أطلقوا عليه ذلك أنه أصح مما لم يطلقوا عليه ذلك.
أما أن يستفاد أن هذا السند أصحها مطلقاً فلا ، لأن ذلك ترجيح بلا مرجح .
ولا يحفظ عنهم أنهم قالوا: هذا الحديث أصح الأحاديث – كما قال الحافظ فإن قيل ألا يلزم من قول هذا الإمام : "هذا السند أصح بالأسانيد" أن يكون هذا الحديث أصح الأحاديث؟
الجواب: لا ، لا يلزم، فمثلاً الإمام الذي يقول: أحاديث مالك عن نافع عن ابن عمر هي أصح الأسانيد ، لا يلزم منه أن يكون هذا الحديث الذي رواه مالك عن نافع عن ابن عمر هو أصح الأحاديث؛ لأنه قد يكون هذا الحديث فيه علة ، وقد يكون هناك مرجحات للسند المرجوح كأن يكون السند الآخر له متابعات .
قال: (ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما) .
فما اتفق عليه الشيخان يقوم على ما انفرد به أحدهما .
المراد بـ"ما اتفق عليه الشيخان" ما رواه البخاري ومسلم من صحابي واحد كأن يتفقا على حديث عن أبي هريرة أو حديث عن ابن عمر فهو الحديث المتفق عليه .
وأما إن كان متن الحديث في الصحيحين لكنه من حديث صحابيين مختلفين ، كأن يكون في البخاري عن أنس وفي مسلم عن أبي هريرة فإنه لا يقال فيه متفق عليه، وإنما يقال: رواه البخاري ومسلم ، أو يقال: رواه الشيخان .
وهل هذا أعلى مما اتفق عليه البخاري ومسلم؟
الجواب: ليس هناك حكم عام، فقد يكون أقوى وقد يكون أضعف .
فمثلاً: إذا كان كل سند ليس فيه كلام ، فلا سند الذي رواه البخاري من حديث أنس ليس فيه كلام ؛ والسند الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة ليس فيه كلام فهو أقوى مما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد، لزوال الغرابة.
أما لو كان سند مسلم ليس على شرط البخاري، وسند البخاري ليس على شرط مسلم فإنه أضعف مما اتفق على قبوله.
قال: (وما انفرد به البخاري بالتشبه إلى ما انفرد به مسلم، لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابيهما بالقبول، واختلاف بعضهم على أيهما أرجح، فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه) فقد اتفق العلماء على قبول هذين الكتابين:
"واختلاف بعضهم على أنهما أرجح : فهم لم يختلفوا هل الأرجح صحيح مسلم أو صحيح ابن خزيمة، هل الأرجح صحيح البخاري أم صحيح ابن حبان أو مستدرك الحاكم، وإنما اختلفوا هل الأرجح صحيح البخاري أم صحيح مسلم .
فدل على أن الكتابين عندهم أصح الكتب، وإنما وقع الخلاف في أي الكتابين أصح .
قال: (وقد صرح الجمهور بتقديم "صحيح البخاري" في الصحة، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه).
إذن لا تعارض لقول الجمهور : بأن صحيح البخاري أصح .