عدد الزوار : 23761
المكتبة المقروءة : العقيدة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : العقيدة
لمعة الاعتقاد
 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد :

فبين أيدينا كتاب للشيخ : الموفق عبد الله بن أحمد بن قُدامة المقدسي , وهو شيخ المذهب وإمام أهل السنة في عصره –  يرحمه الله –  وهو من أعيان القرن السابع الهجري .

أسمى كتابه بـ( لُمْعَة الاعتقاد ) واللمعة : هي الطائفة القليلة من الشيء , يقال : في الأرض لمعة من خلاً أي من عشب أي طائفة قليلة من عشب . 

فهذا الكتاب طائفة مختارة , ونبذة مصطفاة من عقيدة أهل السنة والجماعة , وعلى ذلك فالإضافة في قولنا " لمعة الاعتقاد " بتقدير ( من ) لأن الاعتقاد : هو جنس اللمُعة هنا أي لمعة , وطائفة مختارة , يسهل على الناس الإطلاع عليها , ويسهل على طلاب العلم حفظها من عقيدة أهل السنة والجماعة .

والاعتقاد في اللغة : من العقد , وهو ضد الحل أي هو الربط .

وفي الشرع : هو ما يعقد عليه المرء قلبه من حق أو باطل ويسمّى عقيدة .

وهذا الاعتقاد الذي جمعه لنا الموفق – رحمة الله – هو اعتقاد حق هادٍ إلى سبيل الرشاد .

فالعقيدة : هي شيء في قلب الإنسان يجزم به علماً يقينياً .

والعقيدة الإسلامية : هي ما يعقد عليه المؤمن قلبه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( بسم الله الرحمن الرحيم . . . ) :

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الموفق ابن قُدامة : " ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه منه " ا. هـ .

وكان – رحمه الله – على هدي السلف اعتقاداً وعملاً , أما الاعتقاد فهذا الكتاب وغيره من المصنفات تشهد له , وأما الحلية والعمل فقد قال بعض أهل العلم : " إنك إذا رأيت الموفق فكما لو رأيت بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كأن النور يخرج من وجهه رحمه الله " .

وشرع المؤلف بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز , واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم في كتبه , فإنه كان يفتتح كتبه بالبسملة , ومن ذلك كتابه إلى هرقل عظيم الروم – كما ثبت هذا في صحيح البخاري وغيره .

وأما الحديث المروي الذي فيه : " إن كل كلام لا يفتتح ببسم الله فهو أقطع " فهذا حديث لا يصح .

 

 

 

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( الحمد لله المحمود بكل لسان ... ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( ) :

قوله ( المحمود بكل لسان ) : أي باللسان الحالي واللسان المقالي , فإن من الناس من لا يحمد الله بلسان مقاله ولكن لسان حاله يحمد الله تعالى فإن خلقه وتدبير الله له هذا يحمد الله تعالى .

قوله ( لا تمثله العقول بالتفكير ) : فالعقول لا يمكن أن تصل إلى الله تعالى لا في ذاته ولا في صفاته تمثيلاً , فلا يمكنها أن تعرف كنه صفات الله تعالى وذاته , فالعقول لا تدركه سبحانه ولا تمثله بالتفكير والقلوب أيضاً لا تصوره سبحانه وتعالى - وهو ما يسمى بالخيال – وهو محذور شرعاً لقوله تعالى : ) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً ( سورة الإسراء : 36 .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( له الأسماء الحسنى والصفات العلى . . . . في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم وكل ما جاء في القران أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل ) :

قوله : ( أو صح عن النبي المصطفى عليه السلام ) : دليل على أن الاعتقاد لا يستفاد من الأحاديث الضعيفة فلا يؤخذ الاعتقاد منها بل حتى الأحكام , وكذلك على الصحيح الترغيب والترهيب إلا من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقوله : ( وترك التعرض له بالرد والتأويل ) : الرد يجوز أن يقابل بما ورد في الكتاب من آيات الصفات وما صحت به السنة من أحاديث الصفات فلا يجوز أن يقابل ذلك بالرد والتكذيب وهو كفر بالله تعالى .

والتأويل : مراد المؤلف به هنا هو التأويل الفاسد : وهو صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل .

فإذا قال رجل : رأيت أسداً , فالأسد على الحقيقة : هو الحيوان المعروف , وعلى المجاز : هو الرجل الشجاع , فإذا قلت : أراد بقوله : رأيت أسداً , أراد أنه قد رأى رجلاً شجاعاً , فنقول : هذا تأويل باطل , لأنه لا قرينة فيه ولا دليل على إرادة المجاز فهذا تلاعب بكلام هذا القائل .

ولكن إن كان عنده دليل كما لو قال الرجل : رأيت أسداً حاملاً سيفه , فيقول : القرينة هي قوله : حاملاً سيفه , فهذا يدل على أن المراد هو الرجل الشجاع , لأن الأسد الحيوان لا يحمل السيف .

وكذلك إذا أتى المفسر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى طعام قال : " وإن كان صائماً فليصل " فقال : المراد بالصلاة هنا الدعاء , وهو معناها في اللغة , وأما في لفظ الشارع : فهي الصلاة المعروفة ذات الركوع والسجود , فنقول : السياق يدل على أن المراد : هو الدعاء لهم بالبركة , ولأن الصلاة لا محل لها هنا , فهذه قرينة على إرادة معنى الدعاء بالصلاة هنا فهذا تأويل صحيح .

وأما التأويل الفاسد : فهو أن تنقل اللفظ عن ظاهره إلى مجازه بلا دليل يدل على ذلك , وهذا تلاعب بالنصوص , وهو التأويل المحرم الذي أشار المؤلف هنا إلى النهي عنه .

وأما التشبيه والتمثيل فالفرق بينهما : أن التمثيل يكون من كل وجه بخلاف التشبيه .

فالتمثيل مساواة من كل وجه , وأما التشبيه فإن التشابه لا يقتضي المساواة من كل وجه بل يكون بينهما تقارب من جهات كثيرة ولكن لا يصل إلى المساواة التامة , فإذا قلت : فلان مثل فلان أي بينهما مساواة تامة , وإذا قلت : فلان يشبه فلاناً فلا يقتضي ذلك المساواة التامة فهذا الفرق بينهما .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً , وترك التعرض لمعناه , ونرد علمه إلى قائله , ونجعل عهدته على ناقله . . . ) :

قوله ( وما أشكل من ذلك ) : أي ما أشكل من هذا الباب على بعض الناس فنثبته لفظاً ونترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله ونجعل عهدته على ناقله , والقاعدة عند أهل السنة والجماعة : أن يرد المتشابه إلى المحكم .

والمحكم : هو ما اتضح معناه , والمتشابه : ما لم يتضح معناه حتى يرد إلى غيره , والمتشابه يحتمل أكثر من معنى , وحينئذٍ نرده إلى ما يوضح معناه , قال تعالى : ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات ( سورة آل عمران : 7 .

هن أم الكتاب : أي أصل وعمدة الكتاب الذي يرجع إليه , قال تعالى : ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( سورة آل عمران : 7 .

فأهل الزيغ يتبعون المتشابه ويفسرونه على ما يشتهون ويؤولونه على أهوائهم وأما الموفقون فإنهم يردون المتشابه إلى المحكم .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( إتباعاً لطريق الراسخين في العلم . . . . بقوله سبحانه : ) وما يعلم تأويله إلا الله ( ) :

والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله : هو كنه الصفات – وهذا من معاني التأويل فإن من معانيه حقيقة الشيء وكنهه - فهذا التأويل لا يعلمه إلا الله فلا يعلم كيفية الصفات ولا كيفية كنهها ولا حقائقها إلا الله سبحانه وتعالى , وأهل العلم يعلمون المعاني ويعلمون ما المراد بصفات الله تعالى ويعلمون ما المراد بالوجه واليد والسمع والبصر .. من حيث المعنى , وأما من حيث حقيقة الشيء وكيفيه الشيء فهذا لا يعلمه أحد إلا الله .

وإذا قيل : لك - وهذا للإيضاح وإلا فلله المثل الأعلى في صفاته وأسمائه – فإذا ذُكر لك شيء من الأشياء فأنت لا تدركه ولا تعيه وقيل لك : إنه يتكون من كذا وكذا ... وذكرت لك صفات هذا الشيء فإذا قيل لك : له , يد وأدركت معنى اليد , ثم قيل لك : كيف هذه اليد ؟ فإنك تجيب بعدم العلم لأنك لم تر هذا الشيء حتى تدرك كيفيته فكذلك صفات الله تعالى " ولله المثل الأعلى " ندرك معانيها ونفسرها ونوضحها ولكن الكيفية والكنه علم ذلك إلى الله سبحانه وتعالى .

قال الشيخ – رحمه الله – : ( قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل . . . نؤمن بها , ونصدق بها , لا كيف , ولا معنى ) :

( لا كيف ) : أي كيف معلوم لنا فنفي الكيف هنا بالنسبة إلى علم البشر , وأما في الحقيقة والواقع فلها كيف , ولكن البشر لا يحيطون به , فلصفات الله تعالى كيفية وحقيقة وكنه ولكن معرفة كيفيتها مجهول لنا , ولذا قال الإمام مالك " والكيف غير معلوم " , فهو غير معلوم لنا ولكنه ثابت في الواقع .

( ولا معنى ) : أي ولا معنى يخالف ظاهرها هذا هو المعنى الذي ينفى لا المعنى المتبادر إلى الأذهان فإن هذا لا يحتاج إلى نفيه بل لا يصح نفيه ولكن المقصود , ولا معنى مخالف للظاهر أي : لا تأويل فاسد , فهذا هو المراد بهذه الكلمة المتشابهة من كلام الإمام أحمد وتتبين بردها إلى كلام الإمام أحمد وكلام الموفق رحمهما الله في غير هذا الكتاب ليعلم ما المراد منها .

فمثال المعنى المنفي : لو قيل أن غضب الله هو إرادة الانتقام وإن الرحمة هي إرادة الإنعام وإن اليد هي القدرة  فهذه معانٍ منفية لأنها معانٍ تخالف الظاهر .

 

 

قال الشيخ – رحمه الله – :  ( ولا نرد شيئاً منها , ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم  ) :

وما ذكرناه في إيضاح المعنى المنفي , هو مراد الموفق رحمه الله بدلالة كتبه الأخرى وبدلالة قوله في جملة سبقت ( وبترك التعرض لمعناه ) : قاله فيما أشكل من ذلك فيترك التعرض لمعناه فدل على أن الأصل هو عدم ترك التعرض لمعناه .

وأفسد المذاهب في باب الصفات هو مذهب المفوضة الذين يقولون : بنفي المعاني المتبادرة فيقولون ليس لليد معنى " أي معنى متبادر " وليس للوجه معنى متبادر وجعلوا أسماء الله وصفاته كالطلاسم وكالكلمات الأعجمية التي لا يفقهها العرب .

 

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه , بلا حدود ولا غاية ) :

أي بلا حد يعرفه البشر فصفات الله ليس لها حد يعرفه البشر , والبشر لا يحيطون بصفات الله علماً فليس لصفات الله حد ولا نهاية , وسيأتي الكلام على الألفاظ المجملة كالحد والجهة والجسم ... إن شاء الله .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( ونقول كما قال ...

ولا نتعدى القرآن والحديث ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القران ) :

فأهل السنة لا يتأثرون بالكلمات التي يقولها أعداء أهل السنة للتنفير منهم قال تعالى : ) ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ( سورة الروم : 6. .

ويلقبونهم بألقاب كالحشوية والمجسمة والمشبهة وغير ذلك من الألفاظ التي يصف بها أعداء أهل السنة أهل السنة فإنهم لا يتأثرون بها ولا يتركون مقالة الحق لمقالة السوء التي شنعت عليهم .

 

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي : آمنت بالله .. على مراد رسول الله ) :

قول الإمام الشافعي : هو من الإيمان المجمل بالصفات فيؤمن بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله - هذا إيمان مجمل وله تفاصيل سيذكرها المؤلف في ضمن هذا الكتاب .

 

قال الشيخ – رحمه الله – :( وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف . . . من غير تعرض لتأويله ) :

درج السلف : أي مضوا على الشيء ومشوا عليه .

( من غير تعرض لتأويله ) : أي التأويل الفاسد الغير متبادر إلى الأذهان من الألفاظ الواردة من صفات الله تعالى

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم , والاهتداء بمنارهم . . . وكل بدعة ضلالة ) :

روى الحديث الإمام أحمد وأبو داود والترمذي بسند صحيح .

 

قال الشيخ – رحمه الله –  : ( وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " , وقال عمر بن عبد العزيز : " قف حيث وقف القوم . . . وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم " ) :

وفي كلامه - رحمه الله - بيان لوسطية أهل السنة والجماعة بين أهل الغلو والجفاء وبين أهل الإفراط والتفريط , فأهل السنة وسط بين الفرق التي قد غلت وبين الفرق التي قد جفت .

وفي قوله ( فإنهم عند علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ) : هذا إبطال لما ذهب إليه المبتدعة من الأشاعرة وغيرهم من إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم , فإن السلف عن علم وقفوا لا عن جهل وببصر نافذ كفوا فهو عن حكمة فهم أعلم وأسلم وأحكم , ومذهب غيرهم لا سلامة فيه ولا علم ولا حكمة .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي . . . . وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي : " لا وسّع الله على من لم يسعه ما وسعهم . . . فلا وسّع الله عليه " ) :

محمد بن عبدالرحمن الأدرمي , الصواب بالذال المعجمة ( الأذرمي ) وهو صاحب كتاب " الحيدة " الذي جادل أحمد بن داود في مسألة خلق القران التي ابتُلي بها إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد رحمه الله .

فيقال لمن قال : الاستواء بمعنى الاستيلاء : هل علم الصحابة رضي الله عنهم على رأسهم الخلفاء الراشدون هل علموا هذا المعنى من الاستواء ؟ إن قال : لم يعلموا فإنه يقال : كيف علمت هذا وهم لم يعلموه مع أنهم أكمل منك علماً وهذا هو أعظم أبواب الدين أي باب الأسماء والصفات فإنه ينقطع ويقول : بل علموه , فيقال : فهل وسعهم السكوت أم أنهم تكلموا بذلك ؟ إن قال تكلموا به فيطالب بالنص الوارد عنهم وسيعجز عن ذلك ويقول : بل وسعهم السكوت عنها , فيقال : إذا كان وسعهم السكوت وهم من هم في الحرص على البلاغ وإفادة الأمة أفلا يسعك ذلك هذا هو بيان هذه الحجة التي أدلى بها هذا الشيخ مع أحمد بن أبي داود المعتزلي .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( فيما جاء من آيات الصفات قول الله عز وجل : ) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( ) :

سيذكر المؤلف – رحمه الله – في هذا الفصل بعض آيات الصفات .

وليعلم أن الكلام في صفات الله تعالى يجب أن يكون مبنياً على ثلاثة أصول :

1- الأصل الأول : تنزيه الله تعالى من أن يُشّبه شيء من صفاته شيئاً من صفات المخلوقين , قال تعالى : ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( سورة الشورى : 11 .

وقال تعالى : ) فلا تضربوا لله الأمثال ( سورة النحل : 74 .

2- الأصل الثاني : أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام , فليس أحد أعلم بالله من الله , قال تعالى : ) أءنتم أعلم أم الله ( وليس أحد أعلم بالله بعد الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال تعالى : ) وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحيٌ يوحى ( سورة النجم : 3 , 4 .

وقد جمع الله عز وجل بين هذين الأصلين في قوله سبحانه وتعالى : ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( سوره الشورى :11 ,  فقوله : ) ليس كمثله شيء ( دليل على الأصل الأول , وقوله : ) وهو السميع البصير ( دليل على الأصل الثاني .

3- الأصل الثالث : قطع الطمع عن إدراك الكيفية , قال تعالى : ) ولا يحيطون به علماً ( سوره طـه :11 .

وقال : ) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً ( سوره الإسراء :36 .

 إن قيل : ما الفرق بين التمثيل وبين التكييف ؟

الجواب : أن التمثيل مقيّد بالمماثل فهو الكلام في صفة من صفات الله تعالى يتكلم في حقيقتها وكنهها مقيداً ذلك بالمماثل كأن يقول : يد الله كأيدينا ... الخ .

وأما التكييف : فهو الكلام في كيفية الصفة من غير تقييد بمماثل كأن يقول : صفة اليد مثلاً كيت وكيت فيصفها وصفاً لا يقيده بمماثل .  

وفي الأصل الثاني : إبطال للتأويل والتعطيل .

والتعطيل : هو نفي الصفات المستحقة لله عز وجل بدلالة الكتاب والسنة .

والتأويل : هو صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه بلا دليل , وهذا هو التأويل الفاسد المنفي , وأما التأويل الصحيح فهو الذي يكون معه دليل .

والتأويل الفاسد يعتبر تحريفاً وهو من التلاعب بالنصوص . 

والتأويل يلزم منه التعطيل فإذا أوّل الصفة فقد نفى الصفة وعطل الله منها , فإذا أوّل الوجه فقد عطل الله من صفة الوجه وهكذا من أوّل اليد بالقدرة ... الخ .

وهو يسمى تحريفاً ولا عكس فإن المعطل قد لا يؤول فإنه يقول : ليس لله وجه ولا يقول : أن المراد بالوجه الذات  

فإذن يلزم من التأويل التعطيل ولا يلزم من التعطيل التأويل , وهنا أورد الإمام – رحمه الله تعالى – بعض الآيات الدالة على صفات الله تعالى ومن ذلك قوله تعالى : ) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (  سوره الرحمن : 27 .

فهذه الآية وغيرها من الآيات الدالة على صفة الوجه فيها إثبات صفه الوجه لله تعالى , وعليه فنسير على الأصول الثلاثة السابقة , فالله قد وصف نفسه بالوجه وليس أحد أعلم بالله عز وجل من الله :  ) ءأنتم أعلم أم الله (

سورة البقرة : 14. , ولا نشبه صفة الله عز وجل بشيء من صفات الخلق فلا نقول : إن وجه الله يشبه وجه المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا , ولا نتصور كنه وكيفية ذلك في قلوبنا ولا نتخيله في أذهاننا ونقطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفة .

وقال المؤولة المراد بالوجه : الذات وهذا لعب بالنصوص , وذلك لأن الوجه في لغة العرب معناه المتبادر منه هو الوجه الحقيقي فصرفه إلى معنى آخر محتمل لكنه مرجوح من غير دليل يدل على ذلك - هذا من باب التلاعب بالنصوص وهو من التأويل الباطل - وهناك أوجه أخرى ليس هذا محل بسطها .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وقوله سبحانه وتعالى : ) بل يداه مبسوطتان ( ) :

هذه الآية فيها إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى وأنهما يدان كريمتان مبسوطتان بالعطاء , وهما يدان تليقان بالله جل وعلا ونسير أيضاً على الأصول المتقدمة فنثبت هذه الصفة ولا نشبهها ولا نكيفها .

وقد ورد في القران ذكر صفة اليد على وجه الإفراد وعلى وجه التثنية وعلى وجه الجمع , قال تعالى : ) تبارك الذي بيده الملك (  سورة الملك : 1 , فهذا إفراد , وقال : ) بل يداه مبسوطتان ( سوره المائدة :64 ,  فهذا تثنية , وقال ) أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون ( سورة يس : 71 , فهذا جمع ,  فكيف توفق بين هذه النصوص ؟

نقول : إن المفرد إذا أضيف فإنه يفيد العموم كقوله تعالى : ) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( سورة النحل :18

أي نعم الله الكثيرة , وأما الجمع فإنه للتعظيم - وعلى ذلك فتبقى التثنية لا ينافيها شيء , فهذه الصفة ثابتة لله عز وجل على وجه التثنية .

وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يمين الله ملأى لا تغيضها النفقة " أي لا تنقصها " سحاء الليل والنهار ... قال : وبيده الأخرى ... ) الحديث .

فلله تعالى يدان تليقان بجلاله لا تشبهان أيدي المخلوقين , ولا يمكن للعقول أن تدرك حقيقتها , ولا يمكن للقلوب أن تتصورها فإن الله عز وجل أعظم من أن تتصور القلوب ذاته أو شيئاً من صفاته .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وقوله تعالى إخباراً عن عيسى عليه السلام أنه قال : ) تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ( ) :

وفي هذه الآية إثبات صفة النفس لله تعالى ... إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إثبات النفس لله تعالى فنثبت هذه الصفة على الوجه اللائق بالله تعالى .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وقوله سبحانه : ) وجاء ربك ( وقوله تعالى : ) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ( ) :

وفي هاتين الآيتين إثبات مجيء الله تعالى للفصل يوم القيامة بين الخلائق وهي من الصفات الفعلية ,  بخلاف الوجه واليد فهما من الصفات الذاتية .

وعليه فصفات الله تعالى قسمان :

1- صفات ذاتية : وهي التي لا تنفك عن الله جل وعلا فلا يزال متصفاً بها كالوجه وكاليد وكالسمع والبصر والحياة والعلم والقدرة ... الخ .

2- صفات فعلية : وهي الصفات التي يفعلها الله تعالى متى شاء , فهي تبع مشيئته سبحانه كغضبه ورضاه وسخطه وكراهيته ... الخ .

ومن الصفات الفعلية : مجيء الله تعالى للفصل بين الخلائق يوم القيامة : ) وجاء ربك (  سورة الفجر : 22 ,

وقال : ) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (  سوره البقرة : 21. .

وقال المؤولة : ) وجاء ربك (  أي جاء أمر ربك , و ) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ( أي أن يأتيهم أمر الله وهذا تأويل باطل فهو تحريف لأنه لا دليل على هذا التأويل فلا يجوز حمل النصوص الشرعية عليه .

 

قال الشيخ – رحمة الله – : ( وقوله تعالى : ) رضي الله عنهم ورضوا عنه ( وقوله تعالى :

) يحبهم ويحبونه ( وقوله تعالى في الكفار : ) وغضب الله عليهم ( وقوله تعالى : ) اتبعوا ما أسخط الله ( وقوله تعالى : ) كره الله انبعاثهم ( ) :

ففي الآية الأولى : إثبات صفة الرضا لله تعالى فنثبتها كما جاءت بلا تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل ولا تكييف .

وقال المؤولة : الرضا هو إرادة الإنعام وهذا تأويل باطل لا دليل عليه فهو من التلاعب بالنصوص الشرعية .

وفي الآية الثانية : إثبات صفة المحبة لله تعالى .

وفي الآية الثالثة : إثبات غضب الله .

وفي الآية الرابعة : إثبات سخط الله , والسخط ضد الرضا .

وفي الآية الخامسة : إثبات الكره لله تعالى وأن الله يكره .

وهذه كلها من صفات الأفعال وهي ثابتة لله تعالى مع النظر للأصول الثلاثة التي تقدم التنبيه عليها .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا ) ) :

هذا الحديث حديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث متفق عليه , وهذا الحديث دال على صفة من صفات الله الفعلية " وهي صفة النزول " وأن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة في ثلث الليل الآخر .

وذلك في كل ليلة مع علوه على خلقه واستوائه على عرشه فلا يخلو منه عرشه وهو مع ذلك ينزل إلى السماء الدنيا مع اختلاف الأزمان وينزل على كل إقليم .

ويجب في هذه الصفة الفعلية كما يجب في الصفات الأخرى من الأسس والأصول الثلاثة التي تقدم ذكرها , فنؤمن بما أثبته الله لنفسه من نزوله إلى سماء الدنيا على لسان رسوله علية الصلاة والسلام فليس أحد أعلم بالله بعد الله من رسول الله , وننفي أن يكون هذا النزول الذي أثبته الله عز وجل لنفسه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام وما يلزم منه من حركة وانتقال ننفي أن يكون ذلك يشبه صفات المخلوقين : ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( سورة الشورى :11 , فليس نزوله جل وعلا كنزول خلقة بحيث يلزم منه لوازم باطلة كما يلزم من نزول المخلوق إذا نزل من السطح إلى الأرض أو من علو إلى أسفل فلا يلزم ذلك , لأن صفات الله تعالى لا تشبه صفات المخلوقين , ونقطع الطمع – كما هو الأصل الثالث – عن إدراك هذه الكيفية فإن هذه صفة من صفات الله تعالى متعلقة بذاته المقدسة فكما أن ذات الله جل وعلا لا تدرك كيفيتها فكذلك صفات الله تعالى لا تدرك فإن الصفات فرع عن الذات , وهو من علم الغيب الذي لا يحيطه إلا الله تعالى .

وقال المؤولة والمعطلة : نزول الله تعالى هنا مجاز والمراد : نزول أمره ورحمته أو نزول مَلَك من ملائكته ...

وهذا تأويل باطل لأنه يخالف الظاهر فهو انتقال من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح بلا دليل وهو كما تقدم تلاعب بالنصوص الشرعية .

وأيضاً يقال : إن رحمة الله عز وجل وأمره وملائكته لا يقولان : من يسألني فأعطيه , من يستغفرني فأغفر له , هذا لا يجوز أن يقوله الملك , ولا يجوز أن يقوله أمر الله ورحمته ولا غير ذلك فلا تقول الرحمة : من يسألني فأعطيه بل القائل هو الله سبحانه وتعالى .

ثم أن ملائكة الله تعالى ينزلون كل وقت كما دلت عليه الآيات القرآنية ولا يخص ذلك بوقت دون وقت .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وقوله : ( يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة ) ) :

الحديث رواه الإمام أحمد بسند ضعيف .

والصبوة : هي الميل إلى الهوى .

وهذا الحديث دلّ على صفة العجب لله تعالى ولكن الحديث ضعيف لا يحتج به , ولكن الصفة الثابتة بأدلة أخرى ومن ذلك قوله تعالى : ) بل عجبت ويسخرون ( سورة الصافات : 12 , في قراءة سبعية .

وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ) .

وفي سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عجب ربنا من راعي غنم على رأس شظية في جبل يؤذن ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني , إني أدخلت عبدي الجنة ) .

وفي سنن أبي داود أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عجب ربنا من رجل خرج يجاهد في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه فرجع فأهرق دمه فقال الله عز وجل لملائكته : انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي , ورهبة مما عندي حتى أهرق دمه ) .

وهذه الأدلة تدل على إثبات العجب لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق به سبحانه فليس العجب هنا من العجب الذي يكون عن عدم علم فإن الله عز وجل منزه عن ذلك وإنما هو مع إثبات علمه سبحانه .

وذلك من كون الشيء يخالف نظائره فيتعجب من ذلك , فخروج الشاب عن نظائره في الإقبال على الشهوات والأهواء هذا يُتَعجب منه , وإلزام الناس في حرب قد ضعفت فيها الشوكة فانهزم الناس ثم يستمر هذا الرجل حتى يقتل ويخالف نظائره هذا يُتَعجب منه ويُسَتغرب ... الخ .

فهذا هو العجب الثابت لله عز وجل مما يكون لمخالفة الشيء نظائره .

 

قال الشيخ – رحمه الله –: ( وقوله ( يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة ))

وهذا الحديث متفق عليه وفيه إثبات الضحك لله عز وجل .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( فهذا و ما أشبهه مما صح سنده , وعدّلت رواته , نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره ) :

سواء كان الحديث متواتراً أو كان آحاداً فالأحاديث الآحادية التي تلقاها السلف بالقبول وأخذوا بما دلت عليه من الصفات - هذه الأحاديث يجب الأخذ بها وهي تفيد العلم باتفاق أهل السنة والجماعة .

وقوله : " ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره " هذا يبين مراد الموفق وأن المعنى المنفي إنما هو التأويل الذي يخالف الظاهر , وأما المتبادر إلى الذهن فإنه لا ينفى .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير : ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( ) :

( سمات المُحّدَثين ) المُحّدَثين : أي المخلوقين فلا نصف الله تعالى بصفات المخلوقين وسماتهم أي هيئاتهم .

 

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه , ومن ذلك قوله تعالى : ) الرحمن على العرش استوى ( وقوله تعالى : ) ءأمنتم من في السماء ( وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ربنا الله الذي في السماء نقدّس اسمك ) ) :

هذا الحديث رواه أبو داود بإسناد ضعيف .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( ( وقال للجارية : أين الله ؟ قالت : في السماء , قال : أعتقها فإنها مؤمنة ) رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة , وقال صلى الله عليه وسلم لحصين :

( كم إلهاً تعبد ؟ قال سبعة . . . ) الخ ) :

رواه ابن خزيمة في التوحيد بسند ضعيف .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وفيما نقل من علامات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الكتب المتقدمة ( أنهم يسجدون بالأرض , ويزعمون أن إلههم في السماء ) ) :

رواه ابن قدامة والذهبي في العلو واستغربه – وفيه نكارة لأن اعتقاد أن الله عز وجل في السماء ليس بخاص في هذه الأمة بل هو مما اتفقت عليه الملل فكل الملل تقول : إن الله عز وجل في السماء .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( وروى أبو داود في سننه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن ما بين سماء إلى سماء . . . ) الخ ) :

وهو حديث الأوعال المشهور – رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد ضعيف .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف – رحمهم الله – على نقله وقبوله ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله ) :

وقد دل القران والسنة على صفة استواء الله على عرشه فقد استوى – سبحانه وتعالى – على عرشه .

 والاستواء : هو العلو والارتفاع , فاستوى على العرش يعني علا عليه وارتفع , كما يقال : فلان استوى على راحلته أي علا وارتفع واستقر , والله سبحانه له العلو المطلق قبل استوائه على عرشه ولكن الاستواء على العرش نوع خاص من العلو وإلا فإن الله تعالى له العلو المطلق السابق للاستواء على العرش .

ولكن استوائه على العرش يختص بالعرش فله خصوصية من العلو .

وقد قال المؤولة : إن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء , استولى على العرش أي استوى عليه .

وهذا باطل من القول , وذلك : لما تقدم من أن الواجب هو حمل اللفظ على ظاهره فلا يجوز ترك الظاهر إلى معنى من المعاني الأخرى إلا بدليل يدل على ذلك ولا دليل على ما ذكروه .

ثم إن تعريف الاستواء بالاستيلاء ليس بمعروف في لغة العرب أصلاً فلا يعرف أن الاستواء يعرّف بالاستيلاء .

ثم إن القول بأن معناها الاستيلاء يلزم منه معانٍ باطلة فمنها : أن الله سبحانه لم يكن مستولياً على العرش قبل ذلك وإنما كان تحت ملك غيره وتحت تصرف سواه ثم استولى عليه وهذا معنى باطل .

وعليه : فالاستواء هو العلو والارتفاع – وهذا باتفاق سلف الأمة وقد استدل المؤلف على هذا بالأدلة التي تقدم ذكرها - والاستواء على العرش قد أتى في سبع آيات من القرآن .

والعرش لغة : هو سرير الملك .

وعرش الله عز وجل عرش مجيد كريم هو أعظم مخلوقات الله تعالى وهو أول خلق الله تعالى فأول ما خلقه الله من المخلوقات هو العرش كما دل على ذلك الحديث الثابت في الصحيح .

وأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى استواء يليق بجلاله فقد استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله وهو مبني على الأصول الثلاثة المتقدمة فنؤمن بالاستواء لوروده في الكتاب والسنة , ثم نعتقد أنها لا تشبه صفات المخلوقين ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (  سورة الشورى : 11 , ثم نقطع الطمع عن إدراك الكيفية لهذه الصفة لأن العقول لا تدركها ولا يمكن للقلوب أن تتخيلها كما قال تعالى : ) ولا يحيطون به علماً (  سورة طـه : 11.  .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( سُئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقيل له : يا أبا عبد الله

) الرحمن على العرش استوى ( كيف استوى ؟ فقال . . . الخ ) :

هذا الأثر رواه اللالكائي وغيره ممن يؤلفون في السنة وهو أثر صحيح عنه رحمه الله , وهو قاعدة في صفات الله

تعالى فهنا الإمام مالك قال : ( والاستواء غير مجهول ) أي معناه ليس بمجهول فنحن نقرأ لفظه ونفسره كما ورد في لغة العرب وهكذا نقول : كل صفات الله تعالى ليست بمجهولة ( والكيف غير معقول ) فكنه هذه الصفة وحقيقتها ووصفها ليس بمعلوم للمكلفين لأن الخلق لا يحيطون بالله علماً ( والإيمان به واجب ) لأن الله عز وجل أخبر به عن نفسه والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر به عن ربه ( والسؤال عنه بدعة ) أي السؤال عن الكيفية لأن هذا من قفو ما ليس لك به علم وقد قال تعالى : ) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً ( سورة طه : 11. .

وهذا الكلام من الإمام مالك – رحمه الله –  هو كلام السلف كلهم في صفات الله تعالى .

وقد أورد المؤلف – رحمه الله – أدلة تدل على علو الله على خلقه كقوله تعالى : ) أءمنتم من في السماء ( والأدلة من القرآن ومن السنة متواترة على إثبات العلو لله سبحانه وتعالى , وأن لله عز وجل العلو الذاتي فذاته سبحانه فوق كل شيء .

1- والمراد بالسماء في قوله : ) من في السماء ( أي : العلو وليس المراد بالسماء هذه السماء المبنية فيكون الله في جوف السماء المبنية بل يتعالى الله جل وعلا عن ذلك بل المراد : أءمنتم من في العلو .

2- ويصح أن تكون ( في ) بمعنى ( على ) كقوله تعالى : ) ولأصلبنكم في جذوع النخل ( سورة طـه : 71   أي : على جذوع النخل وليس المراد في جوفها وتكون السماء على هذا هي المبنية ويكون المعنى : أءمنتم من هو على السماء المبنية وهو الله تعالى فهو قد علا عليها .

وقال المؤولة : علو الله تعالى هو علو ملكه وسلطانه وأن الذي في السماء هو ملك الله أي : أءمنتم من في السماء ملكه وسلطانه .

وهذا تأويل باطل لأن هذا التأويل يخالف الظاهر والواجب حمل النصوص الشرعية على ظاهرها والانتقال إلى محتمل مرجوح تلاعب بالنصوص كما تقدم تقريره .

ثم إن ملك الله تعالى وسلطانه ليس خاصاً في السماء بل هو في السماء والأرض وفيما بينهما , ولذا : كفّر أهل السنة والجماعة من نفى علو الله عز وجل على خلقه لدلالة القران والسنة وإجماع السلف على ذلك . 

وكذلك دلالة الفطرة , فإن العباد مفطورون على أن الله في السماء فلا تجد داعياً يدعوا الله عز وجل إلا ويجد في قلبه حاجة إلى الارتفاع في العلو فيشعر في نفسه أنه يدعوا الله الذي هو فوقه ولا يشعر أنه يخاطب من هو بجانبه أو من هو أسفل منه .

فإذن : هذه الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع ودلالة العقل والفطرة تدل على أن الله عز وجل في العلو المطلق .

 

قال الشيخ – رحمه الله – : ( ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء . . وقال سبحانه : ) وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً أو من ورآي حجاب ( ) :

ذكر المؤلف في هذه المسألة : أن من صفات الله تعالى صفة الكلام وأن كلام الله عز وجل قديم " أي : قديم النوع " وهو حادث الآحاد .

في النظر إلى اتصاف الله تعالى بصفة الكلام وانتفاء صفة الخرس عنه جل وعلا فالله تعالى متصف بالكلام من هذه الحيثية اتصافه بها اتصاف قديم أزلي , وأما من حيث كونه يتكلم متى شاء إذا شاء فإن كلامه عز وجل بالنسبة إلى هذا كلام حادث , وعليه : فالكلام قديم النوع , حادث الآحاد .

( يسمعه منه من شاء من خلقه ... ورسله ) كمحمد عليه الصلاة والسلام فإن الله عز وجل كلمه ليلة المعراج كما ثبت ذلك في الصحيحين .

وكلام الله عز وجل كلام يليق به سبحانه – وهذا مبني على الأصول الثلاثة .

فالأول : إثبات الصفة كما جاءت .

والثاني : نفي أن تشبه هذه الصفة صفة من صفات المخلوقين فلا يشبه كلامه كلام المخلوقين .

والثالث : قطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفة .

قال المؤلف : ( وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ... برسالاتي وبكلامي ) .

قوله ( تكليماً ) : مصدر مؤكد وهذا المصدر المؤكد فيه دليل على نفي المجاز عن الكلام فكما أن الكلام يجب حمله على ظاهره وأنه كلام الله تعالى صفة حقيقية , فأكد الله ذلك بقوله : ( تكليماً ) وهو يؤكد أن الكلام حقيقي .

وقال الأشاعرة : إن كلام الله عز وجل ليس بكلام حقيقي وإنما هو كلام مجازي فكلام الله تعالى عندهم كلام نفسي يعبّر عنه باللغات المختلفة فإذا عبّر عنه باللغة العربية كان قرآناً وإذا عبّر عنه بالعبرانية كان توراة وإذا عبّر عنه بالسريانية كان إنجيلاً , وعليه : فعندهم الحروف والكلمات التي في القرآن مخلوقة وكذلك الصوت عندهم مخلوق   فالله عز وجل ليس لكلامه صوت وليس لكلامه حروف ولا كلمات بل كل ذلك مخلوق .

وعليه : فالقرآن الذي بين أيدينا مخلوق . 

ويستدل الأشاعرة بقوله تعالى : ) ويقولون في أنفسهم (  سورة المجادلة : 8 , قالوا : فسمّى الله القول الذي في الأنفس سماه قولاً .

والجواب عليه : أن الله سبحانه وتعالى قيَّده هنا بالأنفس فدل على أنه إذا أطلق فإنه ليس هو الكلام النفسي ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : ( إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ) .

فدل هذا الحديث على أن الكلام النفسي وهو حديث النفس على أنه ليس بكلام , والآيات التي فيها كلام الله تعالى لم تقيد بالنفس كما قال تعالى : ) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم (  سورة المائدة : 11.   .

ولم يقيده الله بقوله : إذا قال الله في نفسه ... إلى آخر ذلك من الآيات .

فإذن : يتبين أن قولهم من باب التلاعب بالنصوص فهو نقل للكلام من حقيقته إلى مجازة بلا دليل .

وأما الجهمية فإنهم صرحوا بأن كلام الله تعالى مخلوق ولم يأتوا بمثل هذا الكلام الذي ذكره الأشاعرة وأنه كلام نفسي , ولكن قول الأشاعرة راجع إلى قول الجهمية فكلهم متفقون على أن القرآن الذي بين أيديهم والذي يخاطب الله به ملائكته ورسله والذي يتلى – كله عندهم ليس بكلام الله تعالى وإنما هو مخلوق حروفه وكلماته .

وقال سبحانه : ) قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ( سورة الأعراف : 144 .

وهذا فيه إثبات صفة الكلام من وجهين :

الأول : قوله : ) قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس ( وهذا كلام يتألف من حروف وكلمات .

الثاني : قوله : ) وبكلامي ( وهنا الكلام أضيف إلى الله عز وجل .

والمضاف إلى الله تعالى نوعان :

الأول : ما أضيف إلى الله تعالى وهو من الأوصاف .

والثاني : ما أضيف إلى الله تعالى وهو من الأعيان .

والوصف : هو ما لا يقوم بنفسه , كالعلم فهو وصف لا يقوم بنفسه بل لابد له من ذات وعين يقوم بها وهي ذات العالم , وكذا القوة لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بمتصف بها وهو القوي وكذلك الحكمة والكلام ... الخ .

والعين : هي التي تقوم بنفسها كالبيت فهو عين قائمة بذاتها وكالناقة والرسول فإذا أضيف إلى الله تعالى وصف فيكون قائما بذات الله تعالى يكون وصفاً لله عز وجل فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها كما لو قيل : سمع الله , وكلام الله , وبصر الله , وعلم الله ... الخ .

ومن هذا النوع قوله تعالى : ) برسالاتي وبكلامي ( فالكلام صفة أضيفت إلى الله تعالى وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف لأن الكلام صفة لا تقوم بنفسها فكانت قائمة بذات الله تعالى .

والنوع الثاني : إضافة عين إلى الله وهي تفيد أن هذه العين خلق الله تعالى وتخصيصها بهذا تشريفاً لها كبيت الله , وناقة الله , ورسول الله , وروح الله ... الخ , فأضيفت إلى الله وهو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفاً للمخلوق .

 

وقال سبحانه : ) منهم من كلم اللهُ ( : في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يتكلم وأنه قد خصّ بعض أنبيا