بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
كتاب البيع
البيع لغة : أخذ شيء وإعطاء شيء ، وأما اصطلاحاً فقد عرفه المؤلف بما سيأتي إن شاء الله 0
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على جوازه ، أما الكتاب فقد قال U : ) وأحل الله البيع وحرم الربا ( وأما السنة فالأدلة متواترة على جواز البيع ، وقد عقد أئمة الحديث في مؤلفاتهم في الكتب الستة أبواباً في البيع ، وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على جوازه ، والمصلحة تقتضي ذلك ، فإن الإنسان يحتاج إلى ما في يد غيره ، ولو لم يشرع البيع لوقع الناس في حرج عظيم ، ولسلك الناس الطرق المحرمة للحصول على ما في أيدي الناس من الأموال ، فكان جوازه دفعاً للحرج 0
قوله : [ وهو مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة كممر في دار بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض ] :
قوله ( مبادلة ) : المبادلة هي إعطاء شيء في مقابلة شيء آخر ، فهذا يعطي الآخر المال ، وذلك يعطيه السلعة 0
قوله ( ولو في الذمة ) : سواء كان المال معيناً أو في الذمة ، والمال المعين : هو المال المشار إليه ، كأن يقول : بعتك هذا الثوب ، فهذه سلعة معينة ، أما لو قال : بعتك ثوباً صفته كذا ، فهذا بيع في الذمة ، وليس المراد النسيئة فإن النسيئة فيها معنى التأجيل ، ولكن المراد : أن السلعة التي وقع عليها البيع ليست معينة بل موصوفة ، ومثل ذلك الثمن ، فإذا قال : اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدنانير ، فالدنانير التي هي عن الثوب معينة ، أما إذا قال : بعتك هذا الثوب بعشرة دنانير ، والدنانير غير معينة ، فهي في الذمة 0
قوله : ( أو منفعة مباحة كممر في دار ) فالمنفعة المباحة يقع عليها البيع ، مثاله : ما ذكره المؤلف وهو أن يبيع ممراً ، فلو أن رجلاً بين داره وبين الشارع أرض لرجل آخر ، فاشترى منه المرور ليتمكن من الوصول إلى الشارع ، فهنا قد اشترى منه المرور ، فهو لا يملك الأرض قرارها وهواءها ، لكن هو يشتري المرور على هذه الأرض ، فلم يقع التبايع على شيء لا مال معين ولا مال في الذمة ، وإنما وقع على منفعة مباحة ، ومثال آخر : أن يحتاج إلى أن يحفر بئراً في أرض عند داره ، فيشتري من جاره هذه المنفعة ، فيقول : احفر في أرضك بئراً بكذا وكذا من المال ، فلا يكون من باب الإجارة ، بل يكون البئر ملك له دائم ، ولصاحب الأرض أن يبني فوقه لأنه يملك الهواء ، وهذا إنما ملك هذا الحفر الذي حفره وانتفع به ، وأما أصل الأرض وهواؤها فإنه لا يملكه ، فهذا نوع ثالث ، فالنوع الأول : مال معين ، والنوع الثاني : مال في الذمة ، والنوع الثالث : منفعة مباحة 0
وتكون الصور تسعاً ، أي ثلاثة في ثلاثة وهي :
1- مال معين بمال معين 0
2- مال معين بمال في الذمة 0
3- مال معين بمنفعة مباحة 0
4- مال في الذمة بمال معين 0
5- مال في الذمة بمال في الذمة 0
6- مال في الذمة بمنفعة مباحة 0
7- منفعة مباحة بمال معين 0
8- منفعة مباحة بمال في الذمة 0
9- منفعة مباحة بمنفعة مباحة 0
وقد قيد المؤلف المنفعة بكونها مباحة ، فدل على أن المنفعة المحرمة لا تجوز ، فلو اشترى منه الممر ليكون له حانة خمر ، أو دار زنا أو نحو ذلك ، فإن ذلك لا يجوز ، لما سيأتي في شروط البيع ، وأن الذي يقع عليه العقد لا بد أن يكون مباحاً 0
قوله : ( بمثل أحدهما ) كما تقدم فتكون الصور تسعاً 0
قوله : ( على التأبيد ) احترازاً من الإجارة ، فإن الإجارة ليست على التأبيد ، فإذا تعاقدا على منفعة أرض سنة أو سنتين أو نحو ذلك فهذا ليس بيعاً ، بل هو إجارة ، فقيده بقوله ( على التأبيد ) ليكون كل منهما قد ملك ما أخذه ملكية تامة مؤبدة 0
قوله : ( غير ربا أو قرض ) فالربا ليس بيعاً ، ولذا قال U : ) وأحل الله البيع وحرم الربا ( ففرق بينهما ، فدل على أن الربا ليس بيعاً 0
وقوله : ( قرض ) فالقرض حقيقته فيه المبادلة المتقدمة ، فإنه يعطيه مثلاً عشرة دنانير إلى سنة ، فيعطيه الآخر مثلها ، فهذا فيه مبادلة ، لكنه لما كان بغير طريق المعاوضة لم يكن بيعاً ، فالبيع فيه معاوضة ، وأما القرض فإن فيه إرفاقاً ورحمة ، وليس بمعاوضة ، وعلى هذا فالقرض ليس بيعاً ، وإن وقعت فيه المعاوضة المذكورة 0
قوله : [ وينعقد بإيجاب وقبول بعده وقبله ] :
ينعقد البيع بإيجاب وقبول بعده ، أي القبول بعد الإيجاب ، والإيجاب هو قول البائع أو من يقوم مقامه الدال على الرضا بالبيع ، كقوله : بعتك ، وأما القبول فهو قول المشتري أو من يقوم مقامه الدال على الرضا بالبيع ، كقوله : قبلت 0
وقوله : ( بعده ) فيه أنه يشترط أن يكون القبول بعد الإيجاب ، فيقول البائع للمشتري بعتك هذا الثوب بدرهم ، ثم يقول المشتري : قبلت ، فهذا هو الإيجاب والقبول 0
قوله : ( وقبله ) يصح أن يكون القبول قبل الإيجاب لكن بشرط أن يكون أمرا أو ماض مجرد عن الاستفهام أو نحوه ، فمثال الأمر أن يقول المشتري : بعني هذا الثوب بدرهم ، فيقول البائع : قبلت ، فكل لفظ منهما دل على الرضا ، ومثال الماضي : أن يقول المشتري : اشتريت هذا الثوب منك بدرهم ، فيقول البائع : قبلت ، أما إذا كان الفعل ماضياً سبق باستفهام أو نحوه كالتمني فإنه لا يدل على الرضا ، كأن يقول المشتري : أتبيعني هذا الثوب بكذا فيقول : نعم أو بعتك ، فقول المشتري أتبيعني هذا الثوب لا يدل على رضاه إذ ليس جازما بالبيع ، فقد يخبر بالقبول ولا يرضى ، إنما هو مستفهم ، ومثل ذلك لو تمنى فقال : ليتك تبيعني هذا الثوب بكذا 0
قوله : [ متراخيا عنه ] :
ينعقد متراخياً عنه ، فإذا تراخى القبول عن الإيجاب فلا بأس ، فإذا قال رجل : بعتك هذا الثوب بدرهم ، فسكت المشتري ثم قال : قبلت : فإذا ذلك يصح لعدم ما ينافي الرضا المشروط ، فإن الألفاظ وضعت للدلالة على الرضا ، فإذا قلت : قبلت ، فإن الرضا ثابت من الطرفين ، ولو كان ذلك على سبيل التراخي ، لكن قيده بقوله :
قوله : [ في مجلسه ] :
فلو تفرقا عن المجلس فلا ، وذلك لأن تفرقهما عن المجلس من غير أن يتم البيع دليل على عدم الرضا ، ودليل على الإعراض عنه ، فإذا تفرقا ولم يقع القبول فلا بيع ، ومثل ذلك :
قوله : [ فإن تشاغلا بما يقطعه بطل ] :
فإذا تشاغلا بما يقطع القبول عرفاً بطل البيع ، كأن يقول بعتك ، ثم يتحدثا في أمر خارج عن البيع ، ثم يقول المشتري : قبلت فلا ، وذلك لوجود القاطع ، والرجوع في ذلك إلى العرف ، فما كان قاطعاً في العرف فإن القبول يبطل به ، ونحتاج إلى استئناف الإيجاب والقبول مرة أخرى 0
ويشترط أيضاً موافقة القبول للإيجاب ، فلو قال : بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم ، فقال : قبلته بخمسة ، أو قال : بعتك هذا الثوب إلى شهرين بمائتي درهم ، فقال : قبلت إلى شهر بمائة ، فهذا لا يصح ، لعدم الرضا 0
قوله : [ وهي الصيغة القولية ] :
صيغة الإيجاب والقبول هي الصيغة القولية ، ولا يشترط لفظ خاص ، بأن يشترط أن يكون اللفظ : بعتك أو قبلت ، بل كل لفظ دل على البيع بأي لغة كانت فإن الإيجاب والقبول يتمان به ، فلو قال : بعتك أو أعطيتك أو خذ هذه السلعة بكذا ، وقال المشتري رضيت أو اشتريت أو تم أو قبلت أو نحو ذلك فكل ذلك مما ينعقد به البيع ، وذلك لأن الشارع لم يحدد لفظا معيناً ، فكان المرجع في ذلك إلى العرف 0
قوله : [ وبمعاطاة وهي الفعلية ] :
هذا هو النوع الثاني مما يثبت به البيع ، فالصيغة الأولى : الصيغة القولية ، والصيغة الثانية : الصيغة الفعلية ، وهي المعاطاة ، سواء كانت من الطرفين أو من أحدهما ، مثال كونها من الطرفين أن يضع المشتري الثمن ويأخذ السلعة ، بحيث تكون السلعة معروفة الثمن ، فهنا وقعت المعاطاة من الطرفين ، ومثال المعاطاة من المشتري أن يقول البائع للمشتري خذ هذا الثوب بدرهم ، فيضع الدرهم عند البائع ويأخذ الثوب ، فهذه معاطاة من طرف واحد وهو المشتري ، ومثال المعاطاة من البائع أن يقول المشتري أعطني هذا الثوب بدرهم ، فيعطيه إياه من غير أن يقول قبلت ، أو رضيت ، فهذه معاطاة من البائع ، فسواء كانت المعاطاة من الطرفين أو من أحدهما فهي جائزة ، قالوا : لحصول المقصود بها من الدلالة على الرضا ، وقد قال U : ) إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ( ، والمقصود حاصل بالصيغة الفعلية كما هو حاصل بالصيغة القولية ، قالوا : ولأن النبي r وأصحابه y لم يصح عنهم أنهم كانوا في تبايعهم يأتون بالصيغة القولية ، قالوا : ولو ثبت لنقل نقلاً شائعاً فدل على أنهم كانوا يتعاملون بالمعاطاة ، ثم لو ثبت شيء من الأدلة يدل على وجود القبول والإيجاب في شيء من عقودهم فإن غالب عقودهم إنما هي على صورة المعاطاة المتقدمة ، قالوا: وعليه عمل المسلمين قديماً وحديثاً ، ولو كانت الصيغة القولية شرطاً في البيع لنقل لنا ذلك نقلاً ظاهراً شائعاً مشهوراً عن النبي r ، ولبينه للأمة بياناً واضحاً إذ يتعلق بأمر مهم في حياتهم ألا وهو البيع ، وعند الشافعية لا يصح البيع بالمعاطاة مطلقاً ، وعند الحنفية يصح في المحقرات فقط ، والصحيح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة وكثير من الشافعية أن البيع بالمعاطاة جائز ، فالخلاصة أن هناك صيغتان يثبت بهما البيع :
الصيغة الأولى : الصيغة القولية : وهي صيغة الإيجاب والقبول ، ويشترط أن يكون الإيجاب متقدماً على القبول ، إلا أن يكون القبول فعل أمر أو فعلاً ماضياً مجرداً عن الاستفهام ونحو ذلك ، ويشترط ألا يكون هناك فاصل طويل عرفاً بينهما ، ويشترط أن يقع القبول في نفس المجلس الذي وقع فيه الإيجاب ، ويشترط أن يكون القبول موافقاً للإيجاب 0
الصيغة الثانية : صيغة المعاطاة ، وهي الصيغة الفعلية ، ويثبت بها البيع لدلالتها على الرضا 0
قوله : [ ويشترط التراضي منهما ] :
شروط البيع سبعة لا يصح البيع إلا بها 0
الشرط الأول : التراضي منهما 0
قال U : ) إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ( ، وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( إنما البيع عن تراض ) ، فلا يصح البيع إلا بالتراضي بين الطرفين ، ولذا قال المؤلف :
قوله : [ فلا يصح من مكره بلا حق ] :
بيع المكره لا يصح لعدم الرضا ، فإذا انتفى الرضا فلا بيع صحيح ، وهو مذهب الجمهور .
وهناك قول آخر بأنه يصح مع الإجازة عند زوال الإكراه ، وهو مذهب الأحناف واحتمله في الفائق بناء على أنه تصرف فضولي وهذا فيما يظهر لي أصح لأنه يزول الضرر عنه بذلك ، ففي المسألة قولان .
وقيد المؤلف ذلك بقوله ( إلا بحق ) فإن أكره بحق فإن البيع صحيح ، كأن يكره السلطان أحداً على بيع شيء من ماله لوفاء دينه ، فهذا الإكراه غير مؤثر في العقد ، فالعقد صحيح 0
وكره الحنابلة الشراء من المضطر ، مثال ذلك : رجل أكرهه السلطان على ضريبة من المال ، فباع شيئا من ماله ليسدد الضريبة ، فالشراء من هذا المكره مكروه .
وقال شيخ الإسلام يجوز بلا كراهة ، قال : لأن امتناع الناس من شراء ما يبيعه أشد ضرراً عليه ، لأنه متوعد بما يضره في نفسه أو أهله أو ولده إلا إن دفع ذلك المال الذي أكره عليه ، فإذا امتنع الناس من الشراء منه كان في ذلك ضررا عليه ، ولا دليل على الكراهة ، بل الظاهر هو خلاف ذلك ، وهو عدم الكراهية ، فالصحيح جواز ذلك ، إلا أن يكون في امتناعهم من الشراء زوال للإكراه عنه فيمتنعوا ليزول عنه الإكراه 0
واعلم أن من المسائل التي تترتب على هذا الشرط بيع التقية أو بيع التلجئة ، وهي أن يبدي المتعاقدان بيعا وهما غير مريدين له في الحقيقة ، لكن من أجل التقية يريدان البيع ، كأن يخشى ظالما فيظهر البيع على أحد من الناس وهما في الباطن غير مريدين للبيع ، فهنا البيع باطل ولا يصح على ما بيناه ، لعدم الرضا منهما .
وقال الشافعية : يصح البيع .
والصحيح هو مذهب الحنابلة لما سبق من الأدلة .
وهناك مسألة أخرى شبيهة بها وهي فيما إذا أظهرا ثمنا في العقد وهما يبطنان بينهما ثمنا آخر في السر ، فإن العمدة على ما أبطناه لأن الرضا مرتبط به ، فهما لم يتراضيا إلا على هذا الثمن الذي اتفقا عليه في الباطن ، ومثل ذلك في أصح الوجهين في مذهب الحنابلة وهو المشهور في المذهب خلافا لقول أبي الخطاب بيع الهازل غير الجاد ، فلا يقع بيع الهازل ، بل هو باطل ، وذلك لانتفاء الرضا ، فإن الهازل غير راض بالبيع لكن بشرط أن يكون هناك دليل أو قرينة تدل على الهزل في البيع ، وقد قال r فيما رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح : ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ) فدل على أن الجد جد والهزل هزل في سواهن 0
قوله : [ وأن يكون العاقد جائز التصرف ] :
هذا هو الشرط الثاني وهو أن يكون البائع والمشتري أو من يقوم مقامهما جائز التصرف 0
والعاقد : يشمل البائع والمشتري ، فيشترط أن يكون البائع والمشتري جائز التصرف ، وجائز التصرف هو : الحر المكلف الرشيد ، وعليه فالعبد لا يصح تصرفه وذلك لأن ما في يده من مال لسيده فلا يصح أن يتصرف إلا بإذن سيده ، وأن يكون مكلفاً أي بالغاً عاقلاً ، كما يشترط أن يكون رشيداً ، أي يحسن التصرف في ماله ، ودليل ذلك قول الله U : ) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ( .
فقوله : ) وابتلوا اليتامى ( أي : اختبروهم في بعض التصرفات المالية ليثبت لكم حسن تصرفهم في المال ،
وقوله : ) حتى إذا بلغوا النكاح ( دليل على البلوغ ، أي اشتراط البلوغ ، وقوله : ) فإن آنستم منهم رشداً ( أي : ظهر منهم الرشد في التصرف وهذا يدل على اشتراط العقل والرشد في التصرف فإن غير العاقل لا شك أنه ليس برشيد فهذه الآية دليل على اشتراط التكليف والرشد ، فجائز التصرف هو الحر المكلف الرشيد ، ولذا قال المؤلف :
قوله : [ فلا يصح تصرف صبي وسفيه ] :
الصبي لأنه غير بالغ ، والسفيه لأنه ليس برشيد ، وليس المراد بالسفيه غير العاقل 0
قوله : [ بغير إذن ولي ] :
فلا بد من إذن الولي ، وعلى هذا فيصح تصرف الصبي بإذن وليه ، ويصح تصرف السفيه بإذن وليه ، ويصح تصرف العبد بإذن سيده ، أما العبد فظاهر ، فإن صاحب المال هو السيد ، وقد أذن له بالتصرف في ماله ، وأما الصبي والسفيه فلقوله U : ) وابتلوا اليتامى ( أي اختبروهم ، فهم لم يثبت بعدُ رشدهم ، ومع ذلك قد أمر الله بابتلائهم واختبارهم وهذا لا يكون إلا بالإذن لهم بشيء من التصرف ليثبت رشدهم ، فدل هذا على جواز تصرفهم بالإذن ، وعن الإمام أحمد أنه يصح تصرفهم ويكون موقوفا على إجازة الولي ، وهذا القول فيه قوة 0
ولكن ليس للولي أن يأذن لهم بما يكون فيه ضرر عليهم لأنه مؤتمن ، بمعنى أن يأذن لهم في أمور يغلب على الظن نجاحهم فيها ، وعدم خسارتهم فيها ، وعدم لحوق الضرر بهم 0
ويستثنى من ذلك أيضا تصرفهم بما جرت به العادة وهو : الشيء اليسير عرفا كشراء بعض الأطعمة أو شيء من ذلك ، فيجوز تصرف الصبي المميز وغير المميز والسفيه بغير إذن الولي ، وذلك لأنه لا ضرر فيه عليهم ، فلا بأس أن يتصرف الصبي أو السفيه بما هو يسير عرفا من غير إذن الولي ، وهذا يختلف باختلاف البلدان والأزمان
قال : [ وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة ] :
هذا هو الشرط الثالث : وهو أن تكون العين مباحة النفع لغير حاجة 0
فهنا ثلاثة أوصاف :
1- النفع ، وهذا احتراز مما لا نفع فيه كالحشرات ونحوها 0
2- أن تكون مباحة ، وهذا احتراز من بيع المحرم كالخمر والخنزير والأصنام والصور والميتة ونحوها .
3- ألا تكون إباحتها لحاجة ، فإن كانت لحاجة أو لضرورة أي أن الأصل أنها محرمة لكن أبيحت لحاجة أو ضرورة ، فلا يجوز بيعها ، كالكلب فإنه يجوز اقتناؤه لحاجة ، وكالميتة فإنه يجوز أكلها لضرورة ، ومع هذا فلا يجوز بيعها ، فإن اختل شيء من هذه الأوصاف الثلاثة لم يصح البيع 0
قوله : [ كالبغل والحمار ودود القز وبَزْره ] :
دود القز الذي يستخرج منه الحرير ، وبزره أي ولده ، وذلك للمآل ، فإنه ينتفع به في استخراج الحرير في المآل أي بعد تربيته ، وهذا كله للتمثيل 0
قوله : [ والفيل ] :
لأنه ينتفع به منفعة مباحة لغير حاجة 0
قوله : [ وسباع البهائم التي تصلح للصيد ] :
كالفهد ، فهو يصلح للصيد ، فيجوز بيعه 0
وهل يجوز بيع الهر ؟
1- قال جمهور أهل العلم : يجوز بيعه وهو المذهب 0
2- وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه وهو مذهب طائفة من التابعين , واختاره شيخ الإسلام وابن القيم أن ذلك لا يجوز 0
ودليله ما ثبت في مسلم عن جابر t أنه سئل عن ثمن الكلب والسَّنور- أي الهر– فقال : ( زجر النبي r عن ذلك ) أي نهى عنه ، وظاهر النهي التحريم 0
وحمله الجمهور على الكراهة التنزيهية لا كراهة التحريم ، وأنه ليس من اللائق بيعه ، لأن ثمنه ردئ خبيث ككسب الحجام , وبينه وبين الكلب فرق فإن اقتناء الهر جائز مطلقاً ولا يترتب على اقتنائه وعيد كما هو في الكلب فقول الجمهور أصح 0
ويعضده الأصل فإن الأصل في البيوع الحل , فالأقوى أنه للكراهية , والله أعلم 0
وقد كره الإمام أحمد بيع القرد 0
قال ابن عقيل : إنما كره حيث كان يقصد من ذلك الإطافة به واللعب , وأما إن كان يقصد بذلك حفظ الدكان أو نحو ذلك فإنه لا بأس بذلك 0
والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن بيعه للعب لا يجوز 0
وقيل : إن بيعه يصح مع الكراهية وهذا أقرب 0
والمذهب تحريم اقتنائه لأجل اللعب , وقيل : يكره كما في آداب الرعايتين وهو الراجح لعدم الدليل على التحريم والمذهب جواز بيع الببغاء ونحوه لقصد صوته , قالوا : ويكره حبسه والأظهر أنه لا يكره ما دام أنه يطعمه ويسقيه لمفهوم حديث الهرة 0
وعلى ذلك فيُلحق به سائر اللعب ، وكذلك ما يكون من دفع التذاكر للاطلاع على لعب بعض الحيوانات في بعض الحدائق ونحوها ، وذلك لأن اللعب منفعة جائزة 0
قوله : [ إلا الكلب ] :
فلا يجوز بيعه ، وإن كان كلب صيد ، وذلك لما ثبت في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري t قال : ( نهى النبي r عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ) وتقدم حديث جابر في مسلم ، والنهي يقتضي التحريم ، ولا فرق بين ما يجوز اقتناؤه وما لا يجوز اقتنائه 0
وأما ما رواه النسائي في حديث جابر t المتقدم وفيه : ( إلا كلب صيد ) وهو في سنن الترمذي من حديث أبي هريرة t وقال الترمذي عقب روايته للحديث : " قال أبو عيسى هذا حديث لا يصح من هذا الوجه وأبو المِهْزم اسمه يزيد بن سفيان وتكلم فيه شعبة بن الحجاج وضعفه وقد روي عن جابر عن النبي r نحو هذا ولا يصح إسناده أيضاً " ، ويقصد بحديث جابر ، حديثه الذي في سنن النسائي , فإن هذه اللفظة منكرة كما بين ذلك الإمام النسائي نفسه ، وعليه فلا يجوز بيع الكلب مطلقاً ، وهو مذهب جمهور الفقهاء ، فالكلب فيه منفعة مباحة لكن لحاجة ، فلا يجوز بيعه , وقد قال e : ( من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط ) متفق عليه 0
ومن اقتنى كلب صيد ثم ترك الصيد مدةً وهو يريد العودة إليه لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه , وكذا في زرع وماشية 0
وهل له أن يربي الجرو لإحدى هذه الثلاث ؟
الجواب : يجوز ذلك لأن له منفعة في المآل و هو المشهور في مذهب أحمد وغيره 0
وهل يجوز اقتناء الكلب لحراسة البيت ؟
الجواب : لا يجوز ذلك ، لأن النبي e إنما استثنى هذه الثلاث فقط , ولا يقاس عليها كلب الحراسة للفارق فإن حراسة البيوت يُقصد منها حراستها من اللصوص وهم يحتالون على الكلب بطعام ونحوه , وأيضاً هو يؤذي الجار والمارة وعلى ذلك فلا يجوز اقتنائه لذلك 0
قوله : [ والحشرات ] :
لأنه لا منفعة فيها فلا يحل بيعها ، وفي ذلك أكل للمال بالباطل , لكن لو كان فيها نفعاًَ فيجوز بيعها لأن فيها منفعة مباحة مثل الحشرات التي توضع في السّنارة لصيد السمك يجوز بيعها 0
قوله : [ والمصحف ] :
لا يخفى أن عطف المصحف على ما تقدم غير لائق ، والذي ينبغي أن يفرد بجملة فيقال : ولا يصح بيع المصحف 0
والمشهور في المذهب : أنه لا يجوز بيع المصحف ، وهو أحد الروايات الثلاث عن الإمام أحمد ، فعن الإمام أحمد ثلاث روايات في هذه المسألة :
الأولى : وهي موافقة للمشهور من المذهب ، وأنه لا يجوز بيع المصحف 0
الثانية : أن ذلك جائز مع الكراهة ، وهو المشهور في مذهب مالك والشافعي 0
الثالثة : أن ذلك جائز بلا كراهة ، إلا أن يكون في البيع ابتذال للمصحف فلا يجوز وهو المشهور عند الأحناف 0
واستدل القائلون بالنهي عن ذلك بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر أنه قال : ( وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف ) وقال ابن عباس كما في مصنف عبد الرزاق : ( اشترها ولا تبعها ) قالوا : ولما في بيعها من ابتذالها ، ولا يجوز ابتذال المصحف 0
وأما القائلون بالجواز فقالوا : قد ثبت في البخاري أن النبي r قال : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله )
قالوا : فيدخل في عموم ذلك بيع المصحف ، فإنه يأخذ أجراً على كتابته ، فقد كتب المصحف وجلَّده ، واشتغل بإصلاحه ، قالوا : وبيعه لا يقتضي ابتذاله إلا أن يكون على صفةٍ فيها ابتذال فيحرم , قالوا : ولعل كراهية الصحابيين - ابن عمر وابن عباس y - إنما هو لخشية ابتذالهما ، وقال بعض العلماء : لعل هذا النهي منهما لقلة المصاحف وقتئذٍ ، فيكون بيعها بأسعار غالية مرهقة للناس ، فأمر بإعطائها من غير بيع لها لئلا يرهق الناس بخلاف الأزمنة المتأخرة التي كثرت فيها طباعة المصاحف ، وأصبحت تباع بأسعار مناسبة ، فيكون المعنى الذي من أجله كره ابن عمر وابن عباس y بيع المصاحف غير موجود ، وهذا هو الأصل ، فإن الأصل في البيوع الحل وهذا هو أرجح الأقوال ، لكن على وجه لا يبتذل فيه المصحف 0
قوله : [ والميتة ] :
الميتة لا يجوز بيعها ، لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ) فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال r : ( لا هو حرام ) وقوله : ( لا هو حرام ) أي : البيع ، فبيع الميتة حرام ، لكن إذا كان مضطراً لها ولم تبذل له إلا بثمن فلا حرج عليه دفعاً للضرورة , والإثمُ على البائع , كذلك في المصاحف على القول بتحريم بيعها فيجوز للمحتاج إلى المصحف أن يشتريه من بائعه ، لأنه محتاج إلى ذلك 0
قوله : [ والسَّرجين النجس ] :
السرجين : هو ما نسميه بالسماد ، وهو ما يوضع لإصلاح النبات ، فالسرجين النجس يحرم بيعه ، لقوله r لما قيل له : " أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس " ، فقال : ( لا هو حرام ) فدل على أن النجس لا يجوز بيعه ، ومن ذلك السرجين ، أما الانتفاع به فجائز ، لأن النبي r في الحديث المتقدم أقرهم على الانتفاع به ، ونهاهم عن البيع , فقوله r : ( لا هو حرام ) أي : البيع 0
وتقييد المؤلف له بـ( النجس ) يدل على أن السرجين الطاهر يجوز بيعه كروث الإبل والبقر والغنم وغيرها من مأكول اللحم ، فإن روثه طاهر ، وفيه منفعة 0
قوله : [ والأدهان النجسة والمتنجسة ] :
فالأدهان النجسة لا يجوز بيعها لما تقدم : لما سُئل النبي r عن شحوم الميتة فقال : ( لا هو حرام ) ، وقوله :
( المتنجسة ) فالأدهان النجسة والمتنجسة لا يجوز بيعها ، والفرق بينهما أن الأدهان النجسة هي النجسة بأصلها ، أما المتنجسة فهي التي طرأت عليها النجاسة ، كدهن طاهر وقعت فيه نجاسة ، فالأدهان المتنجسة يحرم بيعها على المذهب ، وهذا بناءً على أن الدهن المتنجس لا يطهر , وتقدم أن المائعات تطهر على الراجح ، وعليه فيجوز بيعه أي المتنجس لإمكان تطهيره ، وقد سبق هذا في كتاب الطهارة ، وعلى هذا فالراجح أن الأدهان المتنجسة لا حرج في بيعها فهي كبيع الثوب المتنجس واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله 0
قوله : [ ويجوز الاستصباح بها ] :
أي بالمتنجسة لا النجسة ، والاستصباح بها أي جعلها مادة لوقود المصابيح ، فيجوز على هذا استعمال الأدهان المتنجسة دون النجسة في الاستصباح ، وهذا هو المشهور من المذهب 1- 0
2- واختار شيخ الإسلام وهو قول مذهب الشافعي وأحمد : جواز الاستصباح بالنجس , ودليل ذلك ما تقدم من قوله r في شحوم الميتة ( لا هو حرام ) أي : البيع ، وأقرهم على الانتفاع بها كما تقدم ، فدل هذا على جواز الانتفاع بالدهن النجس أو المتنجس 0
قوله : [ في غير مسجد ] :
فيجوز الاستصباح بالأدهان المتنجسة في غير المسجد وذلك لأن الدخان يتحلل من هذا الدهن المتنجس ، والمسجد يجب أن يصان من النجاسات فليست العلة أنه متنجس لأنه موضوع داخل الإناء فيشبه النجاسة الباطنة في الآدمي والراجح الجواز وهذه المسألة مبينة على مسألة سابقة وهي أن ما يتحلل من النجاسة ليس بنجس على الراجح بل هو مادة أخرى ، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، فالمتحلل من النجاسة ليس بنجس وعليه فإن الدخان المتحلل من هذا النجس أو المتنجس ليس بنجس بل هو مادة أخرى فهو دخان وليس دهناً 0
وعليه فيجوز الاستصباح بالأدهان المتنجسة في المساجد ، ومثل ذلك على الراجح أيضاً الأدهان النجسة 0
قوله : [ وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه ] :
هذا هو الشرط الرابع : وهو أن يكون البيع من مالك أو من يقوم مقامه 0
والذي يقوم مقامه إما ولي أو وصي أو وكيل أو ناظر 0
فالوكيل : هو النائب عن الحي 0
والوصي : هو النائب عن الميت 0
والناظر : وهو القائم على الوقف 0
والولي : هو القائم على من لا يجوز تصرفه بماله كاليتيم 0
ودليل ذلك ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث حكيم بن حزام t أنه قال : ( سألت النبي r فقلت :
يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق , قال : ( لا تبع ما ليس عندك ) فدل على أن البيع لا يصح إلا من مالك أو من يقوم مقامه 0
قوله : [ فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله بغير إذنه لم يصح ] :
وهذا ما يسمى بتصرف الفضولي ، فإذا باع ملك غيره بغير إذنه ، كأن يبيع عمرو مالاً لزيد بغير إذن زيد ، أو اشترى بعين ماله بلا إذنه ، كأن يكون عنده ريالات لزيد فيشتري بها سلعة من السلع لزيد ، فإن هذا التصرف يسمى تصرف الفضولي ، ولا يصح ، وعليه فالبيع باطل ، وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة ، واستدلوا بحديث حكيم بن حزام t : ( لا تبع ما ليس عندك ) 0
وذهب المالكية وهو رواية عن أحمد إلى صحة البيع بشرط الإجازة ، فإذا أجازه المالك بأن قبل البيع أو الشراء فإن البيع يصح ، وإن لم يقبل ذلك فإن البيع يبطل ، ودليله ما رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم من حديث عروة البارقي t : ( أن النبي r أعطاه دينارا يشتري به أضحية أو شاة فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة في بيعه ، فكان لو اشترى تراباً لربح ) وهذا هو تصرف الفضولي ، فالنبي r قد أجازه وأقره وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة ، واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله ويجاب عن استدلال أهل القول الأول بحديث حكيم بأن حديث عروة مخصص له ، وأن من باع ما لا يملك فإنه يتوقف اللزوم على إذن المالك ، والمعنى يدل على هذا ، فإن المنع إنما هو لحق المالك فإذا أجاز فقد أسقط حقه 0
قوله : [ وإن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد صح له بالإجازة ولزم المشتري بعدمها ملكاً ] :
بمعنى أنه عقد صفقة ذكر فيها الثمن ، وهو ينوي أن تكون السلعة لغيره ، ولم يسمه في العقد ، ولم يكن بعين مال غيره ، مثاله : رجل اشترى بيتاً ، ونوى أن يكون لزيد ، وقال : اشتريته بعشرة دنانير ، وكانت هذه العشرة في الذمة ، وليست بعين مال زيد ، ولم يسم زيداً في العقد ، فإنه يصح له بالإجازة ، وإلا لزم المشتري بعدمها مُلكاً ، فيصبح هذا البيع له إن أجاز ، وإلا لزم الفضولي فيكون ملكاً له , والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أنها بيع في الذمة وأما التي قبلها فهي تصرف في عين مال غيره 0
وقول المؤلف هنا : ( ولم يسمه ) ظاهره أنه لو سماه فقال : اشتريت هذه الدار لزيد بعشرة دنانير ، فإن المسألة تكون كالمسألة السابقة فلا تصح مطلقاً ، وهذا هو المشهور من المذهب 1 - 0
وظاهر كلام صاحب المقنع " الموفق ابن قدامه " أنه إذا سماه في العقد فيصح له بالإجازة وإلا يلزم المشتري , وأن هذا الفرق غير مؤثر وهذا هو الراجح 0
مسألة : إن وكل رجلين في بيع سلعة ، فباع كل واحد منهما بثمن مسمى فالبيع للأول ، لأن الوكيل الثاني زالت وكالته بانتقال ملك الأول عن السلعة ، وصار بائعاً ملك غيره بغير إذنه 0
قال : [ ولا يباع غير المساكن مما فتح عَنْوة كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر ] :
عَنْوة : بفتح العين أي فتح بالسيف قهراً 0
هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة وغيرهم فهو مذهب جمهور العلماء أن ما فتح من الأرض عنوة فأوقفه الإمام على المسلمين فإن بيع الأراضي لا يجوز وإنما يجوز بيع المساكن , وكذلك إجارتها وهذه كأرض مصر والشام والعراق مما أوقفه أمير المؤمنين عمر على المسلمين ولم يقسمه بين الناس فكان وقفاً 0
وقد أجمع العلماء على أن بيع المساكن وإجارة البيوت فيما فتح عنوة أنه جائز ولا بأس به ، قالوا : وهؤلاء الصحابة لما سكنوا هذه البلاد كانوا يبيعون المساكن من غير نكير فكان ذلك إجماعاً وما زال المسلمون يتبايعون مساكن أراضي العنوة بلا نكير فكان ذلك إجماعاً ، قالوا : وإنما الأرض لا يجوز بيعها لأنها وقف ، والوقف لا يباع ولا يوهب 0
وقال الأحناف : بل يجوز بيع الأراضي أيضاً وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام وذلك لأن الوقف فيها ليس كالوقف الذي لا يجوز بيعه بل هو وقف عام يقصد منه إعطاء من كانت بيده الخراج عليها فيستفيد من بعدهم من هذا الخراج ، فالمقصود أن من كانت بيده ينتفع بها فإنه يعطي بيت المال خراجها ولذا جاز فيها التوارث مع أن الوقف لا توارث فيه وهذا القول هو الراجح ، قال شيخ الإسلام : " وعليه عمل الأمة " ا.هـ ، فالصحيح أن أراضي العنوة كأراضي مصر والشام والعراق يجوز بيعها ، كما يجوز بيع المساكن وإجارتها 0
مسألة : الصحيح من أقوال أهل العلم أن مكة قد فتحت عَنْوة ، لقول النبي r : ( إنما أحلت لي ساعة من نهار ) لكن اختلف العلماء في رباع مكة ، هل يجوز بيعها وإجارتها أم لا يجوز ؟ والمراد بالرباع : المنازل 0
القول الأول : وهو مذهب الجمهور من الأحناف والمالكية والحنابلة أن ذلك لا يجوز ، فالبيع والإجارة غير جائزين بل صاحب المنزل أحق به ما دام محتاجاً إليه ، فإذا استغنى عنه فليس له أن يبيعه ولا أن يؤجره 0
واستدلوا بما رواه الحاكم أن النبي r قال : ( مكة كلها حرام ، وحرام بيع رباعها وحرام أجرته ) ونحوه عند سعيد بن منصور في سننه عن مكحول مرسلاً 0
قالوا : ومكة حريم البيت الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد فلا يجوز لأحد تحجيره , وعليه فإن احتاج ما في يده سكنه وإلا بذله للمحتاج 0
القول الثاني : وهو قول الشافعية أنه يجوز بيعها وإجارتها 0
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قال : " يا رسول الله أين تنزل غداً إن شاء الله
- وذلك زمن الفتح - قال : ( وهل ترك لنا عقيل من منزل ) " وفي رواية : ( من رباع أو دور ) فدل هذا على أن عقيلاً تصرف فيها ببيع ، ولذا قال : ( هل ترك لنا ) فدل على أنها لو تركت لكانت له ولقرابته 0
وكذلك قال النبي r : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) وذلك لما دخل مكة فأضاف الدار إليه ، والأصل أنها إضافة ملك 0
قالوا : وأما ما استدللتم به فالحديث الذي رواه الحاكم فيه عبيد الله بن زياد وهو ضعيف ، وأما الثاني فهو مرسل ، والمرسل ضعيف فلا يعارض بهما ما استدللنا به 0
القول الثالث : وهو الوسط وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يجوز بيع الرباع ولا تجوز إجارتها
فالبيع جائز لأنها ملك له بدلالة الحديثين الذين استدل بهما الشافعية ، وأما الإجارة فمحرمة 0
قالوا : لما في ذلك من التضييق على الحجاج والزائرين فمكة دار منسك والذي يأتيها ممن يحتاج إلى الاستئجار فيها إنما هو في الغالب من الحجاج والزائرين 0
قالوا : وقد قال عمر t كما صح ذلك عند في مصنف عبد الرزاق وقد ثبت ذلك عنه من غير ما وجه أنه قال : ( يا أهل مكة لا تضعوا على بيوتكم أبوابا حتى يدخل البادي ) 0
والبادي : هو من أتى من خارج الحرم وهذا الأثر يدل على أنهم ليس لهم أن يمنعوا البادي من سكنى ما لا يحتاجون إليه وهذا القول هو الراجح فلا يحل لأحد أن يؤجر فيها لقول عمر ، وقول الصحابي يخصص عموم الأدلة ولما في ذلك - أي في إجازة الإجارة - من التضييق على الحجاج والزائرين ، وأما البيع فجائز لأنها ملك لأصحابها ، والأصل في البيوع الجواز ولما استدل به الشافعية من الأحاديث وقد تقدمت لكن إن رأى الإمام أن المصلحة تقتضي الإذن بالإجارة فلا بأس كأن يرى أن أهل مكة لا يصلحونها للسكنى إلا بالإجارة فيها كما في هذا العصر 0
قوله : [ ولا يصح بيع نقع البئر ] :
إذا حفر رجل بئراً فسقى منه بهائمه وزرعه وفضل من ذلك فضل زائد عن حاجته فليس له أن يبيعه ، فبيعه محرم والمال الذي يكسبه منه محرم ، لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ، وقد ثبت في المسند أن النبي r قال :
( إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ) بلفظ : ( وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه ) وفي الصحيحين : ( قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ) 0
ودليل هذه المسألة ما ثبت في مسلم أن النبي r : ( نهى عن بيع فضل الماء ) 0
وفي صحيح البخاري أن النبي r قال : ( لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ ) وظاهر الحديثين العموم سواء كانت البئر والعين في أرض مملوكة له أو في أرض غير مملوكة له 0
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( الناس شركاء في ثلاث : الماء والكلأ والنار ) بلفظ :
( المسلمون شركاء في ثلاث في الكلأ والماء والنار ) 0
وثبت في سنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار ) 0
وفي المسند بإسناد حسن أن النبي r قال : ( من منع فضل مائه أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة ) فلا يجوز لأحد أن يمنع غيره فضل مائه 0
لكن إن حازه فوضعه في ظرف أو جعله في ساقية أو بركة ونحوه فله بيع هذا الماء ، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي r قال : ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ) فدل هذا على أن الحطب - وهو من الكلأ وهو مما لا يجوز بيع فضله – إذا حازه بحبل جاز بيعه وكذلك الماء وليس له أن يمنع أحداً من أن يدخل في أرضه ليأخذ من الماء الفاضل عن حاجته وذلك لأنه حق لهذا الداخل فلم يكن له منعه ، إلا أن يترتب على ذلك ضرر عليه كأن يكون في محل محوط ويكون فيه شيء من أمواله ويخشى عليها من الضياع أو السرقة فله أن يمنع الناس ليحتاط لماله وعوراته فلا يلزمه نفع غيره بضرر نفسه 0
مسألة : هل يملك نقع البئر بملك الأرض ؟
قولان هما روايتان عن الإمام أحمد ، والصحيح أنه لا يملك لإطلاق الأدلة ولكن صاحب الأرض أحق به 0
قوله : [ ولا ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك ] :
كذلك ما نبت في أرضه من عشب أو شجر أو كلأ أو شوك ، فإنه لا يحل له أن يمنع غيره منه للحديث المتقدم ( الناس شركاء في ثلاث ) وهو أحق به لكونه في أرضه وليس له أن يبيع فاضله وليس له أن يمنع أحداً من الناس من فضله ، لكن إن كان ذلك الكلأ لا يكفيه فله منع الناس منه 0
واستثنى شيخ الإسلام ابن تيمية ما إذا قصد استنباته لأن له عملاً فيه كأن يحرث أرضه للكمأة وهذا جيد 0
قوله : [ ويملكه آخذه ] :
إذا أخذ الماء أو الكلأ فإنه يملكه بأخذه ، وحينئذ يجوز له أن يتصرف فيه كما شاء 0
قوله : [ وأن يكون مقدوراً على تسليمه ] :
هذا هو الشرط الخامس من شروط البيع : وهو أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه 0
ويدل لهذا الشرط حديث حكيم بن حزام : ( لا تبع ما ليس عندك ) 0
ولما ثبت في مسلم أن النبي r : ( نهى عن بيع الغرر ) ومن الغرر بيع ما لا يقدر على تسليمه 0
قوله : [ فلا يصح بيع آبق ] :
الآبق : هو العبد الهارب من سيده ، فلا يجوز أن يبيعه لأنه غير مقدور على تسليمه 0
قوله : [ وشارد ] :
هو الجمل الشارد ، فلا يجوز بيعه لأنه غير مقدور على تسليمه 0
قوله : [ وطير في الهواء ] :
لأنه غير مقدور على تسليمه 0
قوله : [ وسمك في ماء ] :
كذلك وظاهر كلام المؤلف وإن كان المشتري قادراً على تحصيله فإنه لا يجوز ، كأن يبيع العبد الآبق على من يقدر على تحصيله ويكون له الفسخ إن عجز عن الحصول عليه ظاهر كلام المؤلف النهي عن هذا وهو المشهور من المذهب 0
واختار الموفق ابن قدامة وصوبه صاحب الإنصاف أن بيع غير المقدور على تسليمه للقادر على تحصيله جائز وإن عجز عنه فله الفسخ , لأنه لا غرر في هذا , وهذا القول هو الراجح ، فإنه لا غرر في ذلك حيث باعه شيئاً يمكنه أن يحصله 0
وعلى هذا فغير المقدور على تسليمه قسمان :
1- غير مقدور على تحصيله ، فهذا لا يجوز بيعه قولاً واحداً 0
2- مقدور على تحصيله ، فهذا يجوز في أصح القولين 0
وقياساً على بيع المغصوب على من يقدر على أخذه من غاصبه فسيأتي كلام المؤلف في جوازه ، فإن المقدور على تحصيله مثله فكلاهما غير مقدور على تسليمه ومقدور على تحصيله 0
وتقييد المؤلف في قوله : ( وطير في هواء وسمك في ماء ) هذا حيث كان لا يقدر على تسليمه ، أما إذا كان يقدر على تسليمه ولو بمشقة فإن ذلك جائز ، كأن يكون الطير في برج مغلق يمكن أن يمسك به فيه لكن مع المشقة أو يكون السمك في موضع محصور فهذا يقد على تسليمه فيجوز بيعه حتى مع وجود المشقة ، وعلى هذا إذا كان يقدر على تسليمه بمشقة فإن ذلك جائز 0
قوله : [ ولا مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه ] :
المغصوب لا يجوز بيعه لاختلال هذا الشرط وهو القدرة على التسليم , فإن غير المقدور على تسليمه فيه غرر واستثنى المؤلف إن باعه على غاصبه فإنه يجوز ، لكن بالشروط المتقدمة ومنها شرط الرضا ،
أما إذا كان مكرهاً ملجئاً إلى ذلك فلا يجوز , واستثنى بيع المغصوب على القادر على أخذه ، كالأمير ونحو ذلك ، فذلك جائز لأن المشتري لا غرر عليه ، ويثبت له الفسخ , لأننا إذا أثبتنا البيع عليه بدون فسخ كان في هذا غرر ، فقد يحصله وقد لا يحصله 0
قال المؤلف رحمه الله : [ وأن يكون معلوماً برؤية أو صفة ] :
هذا هو الشرط السادس من شروط البيع : أن يكون المبيع معلوماً 0
لأن بيع المجهول فيه غرر وقد نهى النبي r عن الغرر ، كما في الصحيحين أن النبي r : " نهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَة " وهو نتاج النتاج للجهالة كما سيأتي ، فعليه يشترط أن يكون المبيع معلوماً بأي طريق من طرق العلم ، وذكر المؤلف هنا الرؤية والصفة 0
أما الرؤية فيرى إما رؤية كاملة أو يرى بعضه الدال عليه ، كأن يرى ظاهر الصُبْرة - كومة الطعام - الذي يستدل به على الطعام نفسه أو يرى وعاء التمر فينظر في أعلاه فيستدل بأعلاه على أسفله ، ويستدل بظاهر الصبرة على باطنها ، فهذا جائز 0
ويشترط أن تكون الرؤية مقارنة للبيع أو سابقة له بزمن لا تتغير فيه السلعة تغيراً ظاهراً غالباً ، كالدور والعقارات والمركوبات ، وإن كان تغيراً يسيراً يعفى عن مثله فهذا لا بأس به ولا يؤثر ، وذكر المؤلف الرؤية ومثلها الشم والذوق ونحوها من طرق المعرفة ، فالطيب يعلم بالشم وبعض المطعومات تعرف بالتذوق كالعسل والسمن ونحو ذلك ، وعليه فالشرط أن يعرف السلعة أي يعرفها معرفة لا يلحقه بها غرر 0
أما الصفة فهي أن يوصف له المبيع وصفاً منضبطاً بما يؤثر في اختلاف الثمن أي بالوصف المؤثر في الثمن
ودليل جواز بيع الموصوف في الذمة جواز بيع السلم ، وسيأتي الكلام عليه , وهو تعجيل الثمن وتأخير المثمن ، ولأنه يحصل به العلم ولا غرر فيه ,
وهل يجوز البيع بالنموذج أو الأنموذج كأن يقول : أبيعك كذا طناً من قمح وهذا الصاع عينة ونموذج منه ؟
المشهور في المذهب : أنه لا يصح 0
والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو الراجح أنه يصح البيع .
قال المؤلف رحمه الله : [ فإن اشترى ما لم يره ] :
فإن اشترى ما لم يره ولم يوصف له لم يصح لاختلال هذا الشرط فإن المبيع غير معلوم إذا لم يره ولم يوصف له مسألة : إن اشترى ما لم يره ولم يوصف له لكن ذكر له جنسه ، كأن يبيع عليه سيارة بعشرة آلاف ولم يرها ولم توصف له ، فعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام في موضع وضعفه في موضع آخر كما في الاختيارات أنه يصح ، وعليه فله الخيار إن رآه فإن شاء أمضى وإن شاء فسخ والحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة والضرر مدفوع بالخيار ، ويكون النماء من العقد 0
قوله : [ أو رآه وجهله ] :
أي رأى المبيع لكنه قد جهل ما هو ، كأن يرى وعاء من طعام فيباع الطعام في هذا الوعاء فلا يدري نوعية الطعام الذي في الوعاء ولا قدره فإن ذلك لا يجوز للجهالة أيضاً ، وقوله ( ولم يره ) يغني عن هذه الجملة فإن فيها تكراراً فالمقصود بالرؤية رؤية المبيع 0
قوله : ( أو وصف له بما لا يكفي سلماً لم يصح ) :
هذا هو المشهور في المذهب 0
وعن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي أنه يصح بما لا يكفي سلماً , وهذه المسألة متعلقة بمسألة يأتي فيها البحث في باب السلم وأن من شروط السلم صفته وسيأتي الكلام عليه في بابه ، والضابط المقصود في هذا الباب أنه متى وصف بوصف منضبط يعلم به المبيع فإن البيع صحيح 0
قوله : [ ولا يباع حمل في بطن ] :
للجهالة ، ففي الصحيحين أن النبي r : ( نهى عن بيع حبل الحبلة ) أي نتاج النتاج ، بمعنى أن نبيع نتاج نتاج بهيمة الأنعام ، وفي مسند البزار والحديث حسن لشواهده أن النبي r : ( نهى عن المضامين والملاقيح ) والمضامين ما في بطون الأنعام أي الحمل ، والملاقيح ما في ظهور ذكورها ، وقد : ( نهى النبي r عن عسب الفحل ) أي عن نزوه ، فإن بيع نزوه لا يجوز ، فذلك كله بيع محرم 0
إذن لا يجوز بيع الحمل في البطن ، ومثله الأمة فلا يجوز بيع حملها وهو في بطنها وذلك للجهالة والغرر 0
قوله : [ ولبن في ضرع منفردين ] :
بيع اللبن في الضرع لا يجوز لما فيه من الغرر ، وقد نهى النبي r عن الغرر ، وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : " لا تبتاعوا صوف الغنم على ظهورها ولا اللبن في الضروع " , والصواب وقفه على ابن عباس 0
وقوله : ( منفردين ) أي لا يجوز بيع الحمل في البطن واللبن في الضرع منفردين ، أما لو باع الأم وحملها والبهيمة ولبنها فذلك جائز لأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً ، فبيع اللبن في الضرع منفرداً لا يجوز 0
واستثنى شيخ الإسلام خلافاً لجمهور العلماء بيع اللبن الموصوف في الذمة وإن شرط المشتري أن يكون من بقرة أو غنمة معينة ، فإذا اشترى من صاحب غنم لبناً موصوفاً في الذمة من غنمة أو بقرة معينة فذلك جائز 0
قال : لأنه لا غرر فيه 0
وهو كما قال فإنه لا غرر فيه ، فإذا أعطاه اللبن الموصوف في الذمة أعطاه ثمنه وإلا فسخ البيع ، واستثنى أيضاً ما يوجد في هذا الزمان من استئجار البقر أو الغنم أو الإبل وقت الدر فتستأجر للبنها فهذا جائز وقد ألف فيها مؤلفاً مستقلاً كما ذكر ابن القيم - رحمه الله - قال : لأنه لا غرر فيه 0
فإن قيل : قد لا تدر عليه شيئاً ؟ فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغالب أنها تدر وكونها لا تدر هذا شيء نادر فلا يترتب على مثله غرر ، كاستئجار الأرض لغرسها وزرعها فإنها قد لا تنبت ومع ذلك فإنه يجوز استئجارها لأن الغالب هو أن يخرج زرعها وشجرها وقياساً على الظئر وهي المرضعة ، وذكر شيخ الإسلام هذا قولاً لبعض أهل العلم 0
وما ذكره شيخ الإسلام ظاهر لما تقدم إذ لا غرر فيه ، فعليه لا يجوز بيع اللبن في الضرع إلا في الصورتين اللتين استثناهما شيخ الإسلام 0
والذي نهي عنه إنما هو بيع الموجود في الضرع لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع فإنه يخلفه غيره على وجه لا يتميز به ما وقع عليه البيع عما لم يقع عليه ، فيكون في ذلك غرر 0
قوله : [ ولا مسك في فأرته ] :
الفأرة : هي الوعاء ، أي ولا مسك في وعائه ، والمسك معروف وهو نوع من الطيب بل هو أفضل الطيب ، فالمسك لا يجوز أن يباع في وعائه الذي خلق فيه لما في ذلك من الغرر ، فإن قدر المسك وكميته مجهولة فيكون في ذلك غرر 0
واختار ابن القيم ووجهه صاحب الفروع وجهاً واحتمالاً في المذهب أن ذلك جائز 0
قال ابن القيم : لأن أهل الخبرة يعرفون باطنه بظاهره فإنهم يستدلون بمعرفة الظاهر على الباطن ولأن اشتراط الرؤية بإزالة وعائه عنه يعرضه إلى شيء من الفساد بذهاب شيء من رائحته ورطوبته 0
وما ذكره ابن القيم ظاهر في هذا وهو الراجح 0
وفصل الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذه المسألة فقال : إن بيع على أهل الخبرة فجائز ، وإن بيع على غيرهم فلا يجوز ، فإن الغرر يزول ببيعه على أهل الخبرة دون غيرهم 0
والراجح ما تقدم 0
وعلى ذلك فبيع الذهب في الأرض أو النفط في الأرض أو نحو ذلك على قول ابن القيم يجوز ، لأن أهل الخبرة يستدلون على معرفة ما في الباطن بما عندهم من الآلات والأجهزة ، وعلى المذهب فإن ذلك محرم ، والصواب أنه جائز 0
قوله : [ ولا نوى في تمره ] :
فالنوى فيه منفعة مباحة لغير حاجة فإنه قد يطعم وقد يستخدم لبعض الاستخدامات ، لكن في مثل هذا الزمن ثبت أنه لا قيمة له فإن بيعه محرم ، لأنه في الحقيقة لا قيمة له إلا أن يكون مطعوماً للدواب ونحوها فذلك جائز والمقصود أن بيعه في التمر منهي عنه لما في ذلك من الغرر إذ لا يدري قدر النواة وهل هي صغيرة أم كبيرة 0
والراجح جوازه لأن أهل الخبرة يعرفون ذلك فهم يعرفون قدر النواة المعتاد من كل نوع من أنواع التمر فلا يكون في ذلك غرر 0
والمشهور في المذهب أن بيعه لا يجوز وهو في تمره ، أما إذا استخرج فإن ذلك جائز لمنفعته 0
قوله : [ وصوف على ظهر ] :
فلا يجوز بيع الصوف على الظهر لما في ذلك من الغرر وذلك لأنه يزداد نمواً فيكون في ذلك غرر ، وقد تقدم الأثر عن ابن عباس في هذا ، وقوله : " لا تبتاعوا صوف الغنم على ظهورها " ، وهذا هو القول الأول في هذه المسألة وهو المشهور في المذهب 0
وعن الإمام أحمد وهو قول لبعض الشافعية أن ذلك جائز بشرط أن يجز في الحال وهذا هو الراجح لأنه إذا جز في الحال فلا غرر 0
قوله : [ وفجل ونحوه قبل قلعه ] :
أي من أنواع الخضروات التي يكون مأكولها في باطن الأرض ولا يظهر منها إلا شيء من الورق ونحوه مما ليس بمطعوم كالبصل والفجل ونحوها ، فهنا قال : لا يجوز بيعه قبل قلعه 0
وعن الإمام أحمد وهو مذهب المالكية أن ذلك جائز وهذا هو الراجح وذلك لأن أهل الخبرة يستدلون بما يظهر منه فيعرفون الباطن ، ولأن اشتراط ذلك سبب في إفساده وعليه فيجوز بيع هذه الأطعمة 0
وعلى تفصيل الشيخ عبد الرحمن المتقدم يقال : بيعها على غير أهل الخبرة لا يجوز لما فيه من الغرر 0
واتفق أهل العلم على أن المطعومات التي هي في وعاء ويؤدي اشتراط رؤية ما في باطنها إلى فسادها فإن بيعها في وعائها جائز ، كبيع الرمان ونحوه فإن اشتراط رؤية ما في داخلها يفسدها فيجوز باتفاق أهل العلم بيعها وهي في وعائها 0
قوله : [ ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة ] :
وهذه المسألة محل اتفاق بين العلماء ، والملامسة : أن يقول البائع للمشتري : أي ثوب لمسته فهو لك بكذا ، والمنابذة أن يقول البائع : أي ثوب نبذته إليَّ فهو لك بكذا فهذا البيع محرم وباطل باتفاق أهل العلم ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي r : ( نهى عن بيع الملامسة والمنابذة ) وهو من الغرر وقد نهى الشارع عن الغرر وبيع الجهالة ومثل ذلك بيع الحصاة ، ففي مسلم أن النبي r : ( نهى عن بيع الحصاة ) كأن يقول ارم بهذا الحصاة فما وقعت عليه من الإبل فهي لك بكذا , أو ارم بهذه الحصاة فما وقعت عليه من الأرض فهي لك من موضع قدميك بكذا ، وهذا أيضاً غرر وجهالة 0
قوله : [ ولا عبد من عبيده ونحوه ] :
كأن يقول : أبيعك عبداً من عبيدي أو شاة من شياهي بكذا فلا يجوز ذلك للجهالة ، فإن العبيد تختلف أسعارهم وكذا الشياه فيكون فيه جهالة 0
وظاهر كلام أبي الخطاب من الحنابلة : أن القيمة إذا تساوت فإن ذلك جائز ، فإذا كان عنده قطيع من الغنم كل شاة فيه تساوي مائة درهم ، فقال : أبيعك شاة من هذه الشياة بمائة درهم فلا بأس إذ لا غرر في ذلك أو قال : أبيعك سيارة من هذه السيارات أو خيلاً من هذه الخيول بكذا وكانت السلع متساوية القيمة فهذا جائز ، وما ذهب إليه أبو الخطاب ظاهر إذ لا جهالة ولا غرر إلا أن يكون لهذا المشتري غرض صحيح كأن يكون غرضه الذبح وهي متساوية القيمة لكن هذه شاة حامل وهذه شاة سمينة وهو له قصد في الذبح لا قصد له في النماء فلا يجوز للجهل فيفوت مقصوده إذا أعطي غير ما يريد فيكون في ذلك جهالة 0
قوله : [ ولا استثناؤه إلا معيناً ] :
فإذا قال : أبيعك هذا القطيع من الغنم إلا بعضه لم يصح لأنه لا يدرى قدر هذا المستثنى لا يدرى هل هو كثير أم قليل وفي ذلك جهالة وغرر ، وقد ثبت في السنن بإسناد صحيح أن النبي r : ( نهى عن المحاقلة والمزابنة وعن الثنيا إلا أن تعلم ) أي عن الاستثناء إلا أن يعلم 0
وعلى هذا فإن علمت الثنيا - أي الاستثناء - فإن ذلك جائز ، كأن يقول بعتك هذا القطيع إلا هذه الشاة ، فلا جهالة ولا غرر 0
فإن قال : بعتك هذه الشياه إلا شاة فكما تقدم في المسألة السابقة , إذا كانت القيم مختلفة فلا يجوز للغرر 0
وإن كانت القيم متساوية فننظر هل لهذا المشتري غرض صحيح في شيء منها فإن كان له غرض صحيح فلا يصح للجهالة وإن لم يكن له غرض كأن يكون هدفه التجارة ، والقيم متساوية فيصح البيع كما تقدم 0
قوله : [ وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجلده وأطرافه صح وعكسه الشحم والحمل ] :
إذا قال : بعتك هذه الشاة إلا رأسها أو جلدها أو شيء من أعضائها فهذا جائز وذلك لأن المستثنى معلوم ، وقد نهى النبي r عن الثنيا إلا أن تعلم ، والثنيا هنا معلومة فإن ذبح المشتري هذه الشاة فإن الآخر يأخذ ما استثناه وإن أبى أن يذبحها فإنه يعطيه قيمتها وعلى هذا فاستثناء شيء ظاهر من الحيوان المأكول اللحم جائز 0
وعكسه الشحم والحمل فالشحم لا يجوز استثناؤه لأنه مجهول فلا يدرى قدره هل هو قليل أم كثير فإنه ليس بمشاهد وعليه فإن قدَّره كأن يقول : لي من شحمها كذا فإن هذا جائز إذ لا جهالة فيه ، لكن إذا أطلق فقال : إلا شحمها فلا يجوز لأن الشحم غير معلوم القدر 0
وكذلك الحمل فإذا باعه شاة حاملاً فقال : أبيعك هذه الشاة إلا حملها فلا يجوز هذا هو المذهب 0
وعن الإمام أحمد وهو قول إسحاق أن ذلك جائز وأن الصفقة إنما وقعت على شاة لا حمل فيها فكأنه يقول : إن الحمل لا أبيعك إياه وإنما أبيعك شاة خالية من الحمل فأقدرها لك على أنها لا حمل فيها فلم يقع البيع على الحمل بل هو استبقاء للحمل في ملكه فلا يكون من باب بيع الحمل وعلى هذا لو قال : بعتك هذه الشاة إلا حملها فإن ذلك جائز ، وهذا القول أصح واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله 0
قوله : [ ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كرمان وبطيخ ] :
وهذه المسألة محل وفاق ومثل ذلك البيض فما يكون مأكوله في جوفه يجوز بيعه من غير رؤية لأن الحاجة داعية إلى مثل ذلك ولأن النظر في الطعام وهو في جوف قشره فيه إفساد له فيكون ذلك جائزاً لا حرج فيه 0
فإن خرجت فاسدة فلا رجوع في البيع ما لم يكن هناك شرط في ذلك 0
قوله : [ وبيع الباقلاء ونحو في قشره ] :
وكذلك يجوز بيع الباقلاء وهو الفول ونحوه كالحمص والجوز واللوز , فهذه المأكولات التي تكون ذات لب وقشر لا يشترط في بيعها النظر في لبها بل تباع في قشرها من غير أن ينظر في اللب لما تقدم من دعاء الحاجة إلى ذلك ولأن في إزالة القشر إفساداً لها 0
قوله : [ والحب المشتد في سنبله ] :
ويجوز بيع الحب المشتد وهو ما زال في سنبله ، وذلك لما ثبت في سنن الترمذي وغيره أن النبي r : ( نهى عن بيع الحب حتى يشتد ) ظاهره أن بيعه إذا اشتد جائز مطلقاً ولو كان في سنبله 0
قوله : [ أن يكون الثمن معلوماً ] :
هذا هو الشرط السابع من شروط البيع : أن يكون الثمن معلوماً 0
والثمن ما دخلت عليه الباء وهو في الغالب من النقدين ، وقد تقدم أن المبيع يشترط أن يكون معلوماً ، فكذلك الثمن لأن الثمن هو أحد العوضين الذين وقع عليهما عقد البيع فكما أن المثمن يشترط فيه العلم فكذلك يشترط في الثمن لأن النبي r نهى عن بيع الغرر 0
قال شيخ الإسلام : ولو باع ولم يسم الثمن صح وله ثمن المثل كالنكاح 0
ثم قال المؤلف مرتباً على ذلك :
قوله : [ فإن باعه برقمه 000 لم يصح ] :
أي إن قال : أبيعك هذا الثوب بالرقم المكتوب عليه فعليه ورقة مكتوب فيها السعر , يقول المؤلف هذا لا يصح
قالوا : لأن الرقم مجهول سواء كان مجهولاً للبائع أو للمشتري أو مجهولاً لهما ، أما البائع فقد يكون لا يحيط بأسعار السلع التي عنده أو أن تكون هذه السلعة جديدة عنده ، وأما المشتري فجهالته ظاهرة بالرقم المكتوب على هذه السلعة ، قالوا : فلا تجوز للجهالة 0
وعن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام أن ذلك جائز ، قال : لأن الرقم المكتوب على السلعة هو الثمن الذي يشتري به الناس أي قد رضي الناس بهذا الشراء وبهذا الثمن وحينئذ فإن هذا المشتري يسعه ما يسع الناس فإنه يرضى بما يرضى به الناس وهذا أمر ظاهر ، فإن المشتري يرضى في الغالب بالسعر الذي يشتري به الناس 0
وما ذكره شيخ الإسلام ظاهر بهذا القيد أن يكون الرقم مما يشتري به الناس وهذا إنما يكون في السلع التي يبتاعها أكثر الناس وسعرها معروف لديهم كما في أقوات الناس ونحو ذلك 0
وأما ما ليس مشهوراً عند الناس فإن قبول طائفة من الناس للشراء به لا يعني قبول غيرهم ففيه جهالة وغرر ، فمثلاً الألبسة تختلف أسعارها وهذا الذي يبيعها برقمها يقبل قوله طائفة من الناس فلا يعني هذا قبول سائر الناس لقوله فيكون فيه جهالة وغرر 0
قوله : [ أو بألف درهم ذهباً وفضة ] :
أي قال : بعتك هذا الثوب بألف درهم ذهبا وفضة ، والمعنى : بعتك هذا الثوب بخليط من الذهب والفضة تساوي ألفا ، فهنا القيمة هل هي معلومة أم مجهولة ؟
إذا نظرنا إلى أنها محددة بالدراهم قلنا إن القيمة معلومة فألف درهم تساوي مائة دينار ، فالدرهم عشر الدنانير فإذا أعطى البائع تسعمائة درهم وعشرة دنانير فهنا أعطاه ذهبا وفضة تساوي ألفا درهم ، إذن الجهالة ليست في القيمة وإنما الجهالة هنا في عين الثمن هل هو ذهب أم فضة مع عدم تحديد مقدار كل منهما فلم يحدد قدر الذهب ولم يحدد قدر الفضة وقد يكون له قصد في الذهب دون الفضة وهذه الصورة لا تصح في المذهب لأن فيها جهالة وغرراً 0
ولا يظهر لي في هذا جهالة ، فإن البائع إذا رضي بهذا فإنه قد رضي بهذه القيمة بغض النظر عن المعطى له هل هو ذهب أم فضة ، فلا يتبين النهي عن مثل هذه الصورة ، لأن هذه الجهالة غير مؤثرة ما دامت القيمة معلومة
إلا إذا كان أحد النقدين غير مقبول وغير رائج ولا يتعامل به الناس فحينئذٍ يكون فيه جهالة بخلاف ما إذا قال : بعتك بألف ذهباً وفضة ، فحينئذ لا يدري ما القيمة ، فقد نعطيه تسعمائة وتسعةً وتسعين درهماً وديناراً واحداً ، وقد نعطيه تسعمائة وتسعة وتسعين ديناراً ودرهماً واحداً ، فالقيمة مختلفة 0
ومثل ذلك لو قال في وقتنا الحاضر : بعتك بألف دولار وريال ، والدولار أكثر من الريال ففيه جهالة وغرر 0
ووجه صاحب الفروع : الصحة ويلزمه النصف ذهبا وفضة ، وفيه نظر ، لعدم ثبوت الرضى 0
وهنا صورة ثالثة : وهي أن يقول : بعتك بألفٍ ، كأن يقول اشتري منك هذه السيارة بعشرة آلاف ، فإن كان هناك نقد غالب في البلد يتعامل به الناس ، أو لم يكن هناك إلا نقد واحد فإن المعدود يتصرف إليه أما إذا كان هناك نقد آخر وليس أحدهما غالباً فإنه يكون من بيوع الجهالة والغرر 0
قوله : [ أو بما ينقطع به السعر ] :
كأن يقول : أبيعك هذه السلعة بما تقف عليه في المزاد ، فقال المؤلف : لا يجوز لما فيه من الجهالة والغرر 0 واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد جواز هذه الصورة قال ابن القيم : " إنه لا نص في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ينهى عنها ، وإن الناس يتبايعون بها في كل عصر ومصر " ا . هـ , ولأن الثمن الذي تقف عليه هذه السلعة هو الثمن الذي تستحقه عند الناس ، فيكون راضياً بسعرها الذي يشتري به الناس 0
وفي هذا نظر ظاهر ، وذلك لأن هذه الأماكن التي يتزايد فيها الناس على السلع تختلف القيم فيها اختلافاً بيناً ظاهراً بحسب عدد الراغبين في السلعة ، فأحياناً يقلون وأحياناً يكثرون ، فإن كثروا زاد سعرها وقد تحصل فيها مناجشة وفي ذلك غرر وجهالة ، فالأظهر هو ما ذهب إليه الحنابلة من النهي عن ذلك 0
أما تعامل الناس بها فهذا لا يدل على جوازها ، وأما أنه لا يمنعها نص من كتاب ولا سنة ، فإن المانعين يقولون فيها غرر ، والنبي r نهى عن الغرر , والمقصود من هذه الصورة أن يقع العقد قبل المزاد أما إذا قال : اذهب بها إلى المزاد فإذا وقفت على سعر فإن شئت اشتريت وإلا فلا فهذا لا إشكال في جوازه 0
قوله : [ أو بما باع زيد وجهلاه أو أحدهما لم يصح ] :
أي قال : بعتك هذه السلعة بما بعته على زيد من الناس ، فهنا لا يجوز إذا جهلاه أو جهله أحدهما وذلك للجهالة والغرر 0
وقال بعض العلماء إن ذلك جائز واختاره شيخ الإسلام وهو رواية عن أحمد ، وذلك إن كان هذا المشتري ممن يثق بشرائه ، فهذا رجل أراد أن يشتري سيارة ، وهناك رجل معروف بمعرفته بقيم السيارات ، فقال البائع : قد اشترى مني فلان فأنا أبيعك نفس السلعة بنفس الثمن الذي اشتراها مني به ، فالأظهر جواز ذلك لأنه لا دليل على التحريم 0
قوله : [ وإن باع ثوبا أو صُبرة أو قطيعا كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم صح ] :
الصبرة هي كومة الطعام ، والقفيز : عدد من الأرطال ، ومثال ما ذكره المؤلف : إن كان عنده قماش ، فقال : أبيعك هذا القماش كل متر بكذا ، فهما قد جهلاً أو أحدهما قدر الأمتار من هذا القماش لكنهما يعلمان المبيع والثمن ، فكل متر بدرهم وكل قفيز من الصبرة بكذا وكل شاة من القطيع بكذا وهو يريد بيعه كله ، فالصفقة قد وقعت على الثياب كلها وعلى الشياه كلها وعلى الطعام كله ، فالبيع صحيح لتوفر الشروط في المبيع ، فالمبيع معلوم ، والثمن معلوم أيضاً 0
قوله : [ وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم 000 لم يصح ] :
الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة أن المسألة السابقة الصفقة قد وقعت على الصبرة كلها ، وكذلك على الثياب كلها ، وعلى الشياة كلها ، أما في هذه المسألة فقد وقعت على البعض ، كأن يقول : أبيعك بعض هذا القطيع كل شاة بدرهم ، وأبيعك من هذا القماش كل ذراع بدرهم ، وأبيعك من هذه الصبرة بعضها كل قفيز بدرهم ، قالوا : لا يجوز ذلك ، لأن هذا البعض قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا وفيه جهالة 0
وقال بعض الحنابلة : هو جائز ، قال ابن عقيل وهو الأشبه ، وذلك لأن الثمن معلوم ، والمبيع معلوم فلا جهالة
وكونه يجهل هل الأقل هو المشترى أم الأكثر هذا غير مؤثر كما أن جهالة أذرع القماش فيما إذا باعه كله غير مؤثرة ، فكذلك هنا ولا فرق ، وهذا الذي عليه عمل الناس اليوم في الأسواق ، فإنه عندما يأتي إلى الطعام ليشتريه يقول : تأخذ كل صاع مثلاً من هذا الطعام بكذا ، وهذا جائز فإنه لا جهالة فيه ولا غرر 0
قوله : [ أو بمائة درهم إلا دينار وعكسه ] :
إذا قال : أبيعك هذه الصبرة بمائة درهم إلا دينار , أو عكسه بأن يقول : أبيعك هذه الصبرة بمائة دينار إلا درهم ، قالوا : هذا لا يجوز ، لأن المستثنى منه مجهول وهو من غير جنس المستثنى منه ، وهو الدينار في المسألة الأولى والدرهم في المسألة الثانية ، وكون المستثنى منه مجهولا يصير الشيء كله مجهولا أيضا ، ويترتب على ذلك أن يكون الثمن مجهولاً 0
وظاهر قول الخرقي من الحنابلة أن ذلك جائز ، وهذا هو الظاهر ، فإن قدر الدينار معلوم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ عبدالرحمن السعدي ، ولعل مرادهم إذا كان الدينار مجهولاً لا يعرف قدره بالدراهم ، فإذا كان كذلك منع ، وأما إذا كان قدر الدينار من الدراهم معلوما فإن هذا لا جهالة فيه 0
قال : [ أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا لم يصح ]
هذه مسائل تفريق الصفقة وهي أن يجمع بين ما يجوز بيعه ولا يجوز بيعه 0
إذا باع سلعتين في صفقة واحدة ، إحداهما معلومة والأخرى مجهولة يتعذر العلم بها ، فباعهما بثمن واحد ولم يخبر المشتري ثمن كل سلعة فإن البيع لا يصح للجهالة ، كأن يبيع فرساً وما في بطن فرس أخرى بمائة دينار ولم يقل هذه بكذا وهذه بكذا ، فحينئذ يكون البيع غير صحيح للجهالة بالثمن 0
قال الموفق : " ولا أعلم في بطلانه خلافاً " ا.هـ
قوله : [ فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه ] :
صورة هذا : إن لم يتعذر علينا علم قيمة هذا المجهول ، كأن يقول : أبيعك هذه الفرس وفرساً أخرى بالبيت من غير وصف لها بمائة دينار ، فالأولى معلومة والأخرى مجهولة ، فالبيع غير صحيح للجهالة لكن هذه المجهولة يمكن التعرف على قيمتها فيذهب فيراها ويعرف قيمتها وعلى هذا فالبيع باطل للمجهولة وصحيح للمعلومة ، وحينئذ يصح في المعلوم بقسطه من الثمن فنقوم المعلومة ونقوم المجهولة بعد أن نراها ، فإذا وجدنا مثلاً أن ثمن المعلومة ثلاثين ديناراً وثمن المجهولة يساوي ستين ديناراً فنسبة المعلومة للثمن الثلث ونسبة المجهولة للثمن الثلثان وكان السعر بينهما مائة دينار ، فعلى هذا يكون ثمن المعلومة الثلث ، وهو ثلاثة وثلاثون ديناراً 0
وهذه المسألة من مسائل تفريق الصفقة ، وهذه هي الصورة الأولى منها 0
والصورة الثانية من صور تفريق الصفقة :
قوله : [ ولو باع مشاعاً بينه وبين غيره كعبد أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه ] :
وهو قول الجمهور وأحد الوجهين عند الشافعية ، والمشاع ما كان الاشتراك فيه بكل جزء من الأجزاء 0
مثاله : رجلان يملكان عبداً لكل واحد النصف ، فباع أحدهما العبد بلا إذن الآخر أو كانا يملكان أرضاً مشاعة بينهما لكل منهما النصف ، فباع أحدهما كل الأرض دون إذن الآخر أو كان لكل واحد منهما نصيبه الذي ينقسم عليه الثمن بالأجزاء كأن يكون عندهم عشرة آصع من التمر هذا له خمسة وهذا له خمسة وقد بيعت هذه الكومة من التمر مجتمعة وهذا كله بلا إذن الآخر ، فالحكم أنه يصح في نصيبه بقسطه 0
مثاله : له من العبد النصف ، فباعه بدون إذن صاحبه فيقوم هذا النصف ويقوم النصف الآخر ويكون له نصف الثمن ، فيدفع المشتري نصف الثمن له فيتملك نصيبه ، وأما النصف الآخر فيبقى في ملك الأول إلا أن يجيز البيع فهي كتصرف الفضولي 0
وهذه هي الصورة الثانية من مسائل تفريق الصفقة ، أما الصورة الثالثة فذكرها المؤلف بعد هذه :
قوله : [ وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه أو عبداً وحراً أو خلاً وخمراً صفقة واحدة صح في عبده وفي الخل بقسطه ] :
مثاله : أخذ عبده وعبد غيره فباعهما معاً ، وقال : هذان العبدان بمائة دينار أو أخذ عبداً وحراً فباعهما بثمن واحد والحر لا يصح بيعه أو أخذ خلاً وخمراً فباعهما بثمن واحد ، فهنا قال المؤلف : ( صح في عبده ) أي الذي يملكه ( وفي الخل ) لكن كيف نقوم ما صح بيعه ؟
أما في الحر فإنه يقدر لو كان عبداً وهذه في الحقيقة مشكلة لأنه قد لا يرضى بذلك ، بمعنى أنه يؤخذ هو والعبد فيقال كم يساوي هذا العبد في السوق ، قالوا : خمسين ديناراً ، وكم يساوي هذا الحر لو كان عبداً ، قالوا : مائة دينار ، فصار العبد نصف الحر ، فنصيب العبد الثلث من الثمن 0
وإن كانت المسألة من عبدين فكذلك ، يقال : كم يساوي هذا العبد - أي الذي هو ملك له - فيقال : خمسون ديناراً فيقال : كم يساوي هذا العبد الآخر - وهو العبد الذي بيع بدون إذن صاحبه - فيقال : مائة دينار ، فحينئذ يكون نصيبه من الثمن الثلث 0
وأما الخمر فإنه يقوم خلاً ؛ لأن بيع الخمر محرم ، والخمر ليس له قيمة شرعاً فينظر في قيمة الخل ثم في قيمة الخمر لو كان خلاً ويقوم الخل بقسطه كما سبق 0
قوله : [ ولمشتر الخيار إن جهل الحال ] :
هذا المشتري الذي تبعض عليه المبيع والسلعة يثبت له الخيار بشرط أن يجهل الحال فله أن يلتزم البيع ويأخذ السلعة مبعضة فإنه إذا اشتري الشيء على أنه تام فإذا به مبعض فله أن يقبله وله أن يرده هذا إن جهل الحال ، ولأنه إنما رضي على الصورة المتقدمة ، فلم يثبت رضا على الصورة المتأخرة 0
وهل له الخيار إن علم الحال ؟
الجواب : ليس له ذلك ، لأنه دخل على بصيرة ، وهذا ما قيده المؤلف بقوله : ( إن جهل الحال ) فظاهره أنه إذا علم الحال فلا وذلك لأنه دخل على بصيرة ، فإذا اشترى خلاً وخمراً ويعلم أن هذا خمر لا يجوز بيعه فليس له بعد ذلك الخيار بل هو ملزم بشراء الخل لأنه قد دخل على علم وبصيرة 0
ولا خيار للبائع في المشهور في المذهب 0
وقال شيخ الإسلام : يثبت له الخيار أيضاً ، ذكره عنه في الفائق وهذا ظاهر إن جهل الحال ولحقه ضرر ، والشركة عيب 0
فصل
قال المؤلف رحمه الله : [ ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني ] :
اتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني ، واختلفوا هل يصح البيع أم لا يصح على قولين 0
فقال المالكية والحنابلة لا يصح 0
وقال الشافعية والأحناف : يصح 0
قوله : ( ممن تلزمه الجمعة ) احتراز ممن لا تلزمه ، كالمرأة والعبد ونحوهما 0
قوله : ( بعد ندائها الثاني ) لا الأول 0
والدليل على هذه المسألة قوله U : ) يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ( فأمر الله U بترك البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ، وهذا يدل على التحريم ، وما كان محرماً فهو فاسد ، لقوله r : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) فالبيع محرم وباطل ، أما تحريمه فلقوله U : ) وذروا البيع ( وأما بطلانه فلأنه منهي عنه ، والنهي يقتضي الفساد 0
وقال الشافعية والأحناف : هو صحيح ، ولكن هذا القول ضعيف ، لأن المنهي عنه فاسد كما سبق 0
قال المؤلف : ( بعد ندائها الثاني ) البيع بعد النداء الأول جائز , لقوله U : ) إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ( والنداء لصلاة الجمعة عند نزول هذه الآية كان هو النداء الثاني ، وأما الأول فإنما هو سنة عثمان t للمصلحة الراجحة في عهده ، ولم يكن على عهد النبي r 0
أما إذا كان المتعاقدان ممن لا تلزمهما الجمعة فإن البيع صحيح ، لكن لو أن امرأة باعت على من تلزمه الجمعة فالبيع باطل وهو محرم ، لأنه تعاون على الإثم ، وقد قال U : ) ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ( فهي إذا باعته بعد نداء الجمعة الثاني فقد أعانته على المحرم 0
يستثنى من ذلك ما إذا كانت له إليه حاجة ويلحقه الحرج بتفويته فهذا جائز ، كمن اضطر إلى طعام أو شراب أو كسوة ، أو اضطر أهل الميت إلى شراء كفن أو نحو ذلك ، ويخشون على الميت إن تأخروا في شراء كفنه وحنوطه ونحو ذلك ، فهذا جائز ، لأن الضرورات تبيح المحذورات 0
وظاهر قوله U : ) وذروا البيع ( البيع كله قليله وكثيره ، فلا يستثنى من ذلك شيء ، فالبيع كله محرم وإن قل ومن كان يسكن في بيت بعيد عن المسجد ويحتاج إلى سعي قبل النداء فإنه يحرم عليه البيع بقدر ما يحتاج إليه من الوقت ليدرك الصلاة مع الخطبة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب 0
والأذان المعتبر هو النداء الثاني من المسجد الذي يريد الصلاة مع إمامه , فلو سمع نداء مسجد آخر جاز له البيع حتى يسمع نداء مسجده 0
مسألة : ما حكم البيع بعد الأذان في الصلوات الخمس ؟
المسألة لها عدة صور :
1- الصورة الأولى : أن يكون ذلك مع ضيق وقت الصلاة بأن لا يبقى من الوقت إلا ما يسعها , وإن كان للصلاة وقت اختيار فلا يجوز البيع إذا تضايق كالعصر قبل أن تصفر الشمس 0
فلا يجوز البيع والشراء في هذه الحالة ، وهل يصح البيع أم لا ؟
فيه وجهان ، أصحهما أنه لا يصح وهو المذهب , قياساً على صلاة الجمعة , وصوبه صاحب الإنصاف 0
2- الصورة الثانية : ألا يضيق الوقت ، فالمشهور من المذهب جواز ذلك 0
وقال بعض الحنابلة : يحرم إذا فاتته الجماعة وتعذر عليه جماعة أخرى , وهو الراجح 0
لكن البيع يصح لأن الأصل صحة البيع والقياس على الجمعة مع الفارق ، فالجمعة آكد ولأن صلاة الجمعة تفوت بخلاف الجماعة 0
فإن قيل : لماذا ذكر الله في الآية صلاة الجمعة فقط ؟
فالجواب : أنه في القصة الواقعة وسائر الصلوات مثلها ، فالراجح أنه ينهى عن البيع والشراء بعد الأذان مطلقاً كما سبق 0
قوله : [ ويصح النكاح وسائر العقود ] :
كالرهن والهبة وغيرها من العقود ، فهذه تصح بعد نداء الجمعة الثاني ، قالوا : لأن الله قال : ) وذروا البيع (
فلم يذكر الله غيره ؛ ولأن وقوع غيره قليل فلا يكون ذريعة إلى تفويت ما يجب على المسلم من السعي لصلاة الجمعة 0
وقال بعض الحنابلة وبعض المالكية وهو القول الثاني في هذه المسألة : إن سائر العقود كالبيع ، أي غير جائزة وذلك لأنها مشغلة عن السعي الواجب فأشبهت البيع سواء كان وقوعها قليلاً أم كثيراً فإن قلة وقوعها وكثرته لا يغير الحكم ، فالنكاح وإن كان قليلاً فإنه يشغل المرء عن تلك الصلاة المعينة فهو وإن لم يكن ذريعة إلى ترك جميع الصلوات لكنه كان ذريعة إلى ترك تلك الصلاة المعينة ، وأما تنصيص الله I على البيع دون غيره فلأن الواقعة التي نزلت لها الآية كان في تلك الصلاة 0
فالراجح أن سائرا العقود كالبيع , واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله 0
لكن العقود التي لا تشغل عن صلاة الجمعة كعقد الهبة وغيرها من التبرعات التي لا يحصل بها انشغال قد يقال : بأن ذلك صحيح كما قال شيخنا الشيخ محمد رحمه الله ؛ لأنه لا يكون فيه انشغال عن الصلاة فقد يفعله الإنسان وهو في المسجد 0
قوله : [ ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمراً ] :
هذه المسألة فرع عن قاعدة " سد الذرائع " 0
لا يصح بيع العصير كعصير العنب ممن يتخذه خمراً ، فإذا علمت أن المشتري يصنع منه الخمر فلا يجوز لك أن تبيعه لقوله U : ) وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ( فإن ظن أنه يتخذه خمراً فالمذهب يجوز له البيع 0
واختار شيخ الإسلام وهو قول في المذهب وصوبه صاحب الإنصاف وهو الراجح : أن ذلك لا يجوز ,
لقوله U : ) وتعاونوا على البـر والتقوى ولا تعاونـوا على الإثم والعدوان ( 0
قوله : [ ولا سلاح في فتنة ] :
فإذا وقعت فتنة بين المسلمين فإن بيع السلاح حرام ؛ لأن هذا السلاح سيستخدم فيما لا يحل ، وأما بيعه على الطائفة العادلة وطائفة الإمام فجائز ؛ لأن استخدامهم له استخدام مباح 0
ويعلم مما سبق أن بيعه على قاطع الطريق أو على الفرقة الباغية أو على المسلمين عامة في قتال الفتنة محرم ؛ لأن الله I يقول : ) وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ( وفي الطبراني لكن إسناده ضعيف أن النبي r : ( نهى عن بيع السلاح في الفتنة ) والحديث قواعد الشريعة تدل عليه 0
قوله : [ ولا عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه ] :
لا يجوز بيع العبد المسلم على الكافر لأن ذلك إذلال للعبد المسلم ، والذلة والصغار على الكفار , قال U :
) ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ( فالمؤمن هو العزيز ، والكافر هو الذليل 0
واستثنى من ذلك ما إذا أعتق عليه ، كأن يكون ذا رحم محرم ، كأن يبيع العبد لأخيه الكافر ، فإنك إذا بعته فإنه يعتق عليه وهذا حيث كان للمسلمين سلطة على هذا الكافر الذي سيشترى أخاه الرقيق ، كالذميين الذي يُحكمون بحكم الشريعة الإسلامية ، فيجوز بيع العبد المسلم على الكافر إذا كان يعتق عليه ؛ لأن ذلك طريق إلى تحريره وإزالة الرق عنه ، ومثل ذلك إذا علق الكافر إعتاق عبد فلان على ملكه له ، فقال : إن ملكت عبد فلان فهو حر ، فيجوز بيع العبد عليه ؛ لأن في ذلك تحريراً له من الرق ، والخلاصة أنه لا يجوز بيع العبد المسلم على الكافر إلا إذا كان ذلك طريقاً لتحريره 0
قوله : [ وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه ولا تكفي مكاتبته ] :
مثال ذلك : رجل كافر يملك عبدا كافراً ، ثم أسلم هذا العبد وبقي السيد الكافر على كفره ، فإنه يجبر على إزالة ملكه إما ببيع أو بهبة أو بإعتاق ، والمقصود أنه لا يبقى تحت ملكه ، لقوله U : ) ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ( ولأن في ذلك ذلة وصغار على هذا المسلم 0
وهل تكفي مكاتبته ؟
قال المؤلف : لا تكفي مكاتبته وذلك ؛ لأن المكاتبة مبقية لملك السيد عليه فإن المكاتب رقيق وقن حتى يتم ما عليه من ثمن الكتابة وقد يعجز فيعود قنا 0
ولا يقر الكافر على بيع العبد المسلم بشرط الخيار ، كأن يسلم العبد ثم يبيعه سيده الكافر بشرط الخيار ثلاثة أيام ونحوها ، فهذا لا يجوز لأن الكافر بإمكانه فسخ العقد خلال الثلاثة أيام ، بل عليه أن يبيعه بيعاً تاماً لا خيار فيه 0
قال المؤلف رحمه الله : [ وإن جمع بين بيع وكتابة أو بيع وصرف صح في غير الكتابة ويقسط العوض عليهما ] :
إذا جمع بين بيع وكتابة في صفقة واحدة ، فقال لعبده : كاتبتك وبعتك بيتي هذا بعشرة آلاف فلا يصح البيع بل تصح الكتابة فقط ، لذا قال المؤلف : ( صح في غير الكتابة ) أي صح البيع في غير الصورة التي فيها البيع مع الكتابة فلو جمع بين البيع والصرف أو بين البيع والإجارة أو بين البيع والنكاح صح الجميع , وإن جمع بين البيع والكتابة فإن البيع غير صحيح ، والكتابة تصح ، قالوا : لأن هذا عبده والعبد لا يملك ، وإنما وقعت والكتابة والبيع هنا مقترنان , فلم تسبق الكتابة البيع , وهو لو باع على عبده لم يصح فكذلك هنا ، فالشرط عندهم أن تكون الكتابة سابقة ، فلو قال : كاتبتك ثم قال : بعتك بيتي صح ؛ لأنه أصبح مكاتبا ، والمكاتب يملك وإلا لما تمكن من سداد الدين الذي عليه من المكاتبة 0
والقول الثاني في المسألة - وهو الوجه الثاني في المذهب وقيل : هو المنصوص عن الإمام أحمد - : أن البيع يصح ، وإن اقترنت المكاتبة بالبيع لقوله r : ( أعتقتك وجعلت عتقك صداقك ) فإن الأمة لا صداق لها وهي ملك سيدها يطؤها من غير ما صداق ، والنبي r أصدقها وأعتقها في عقد واحد صحيح ، فهنا كذلك والراجح أن مثل هذه الصيغة صحيحة ، فكما أن السيد يجوز أن يبايع مكاتبه بعد ثبوت الكتابة ، فكذلك يجوز له أن يبايعه أثناء الكتابة ، ومعلوم أن آثار البيع إنما تترتب بعده 0
وأما البيع والصرف , فمثاله أن يقول : خذ هذا الدينار وأعطني هذه السلعة وخمسة دراهم ، فهذا فيه بيع وصرف وكلاهما صحيح 0
وكذلك بيع وإجارة ، كأن يقول : اشتري منك هذه السيارة وأؤجر عليك هذا البيت بعشرة آلاف فيصح 0
ومثل ذلك لو قال : أبيعك داري وأنكحك ابنتي بكذا وكذا ، فالبيع والنكاح كلاهما صحيح 0
ومثله البيع والخلع ، كأن تقول الزوجة : أخلع نفسي منك وأشتري هذا البيت بكذا ، فالبيع والخلع صحيحان ، فهذه الصور كلها جائزة ؛ لأن الأصل في المعاملات الحل ، ولا دليل يدل على المنع 0
وعلى القول بعدم جواز الجمع بين البيع والكتابة تكون المسألة من مسألة تفريق الصفقة ، وتقدم بعض صورها
والمراد من تفريق الصفقة أن بعضها يصح ، وبعضها يبطل ، فإذا قال : كاتبتك وبعتك هذه الدار بعشرة آلاف دينار ، وقلنا إن البيع لا يصح كما هو المشهور من المذهب ، فنقسط الثمن على العبد وعلى الدار ، فنقوم العبد والدار أولاً ، فلو قومنا العبد بخمسمائة دينار ، وقومنا الدار بألف دينار ، فنسبة العبد وقسطه هو الثلث فتكون قيمة المكاتبة نحواً من ثلاثة الآف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ديناراً 0
وقوله : ( ويقسط العوض عليهما ) أي على البيع والكتابة فيحذف قسط البيع لأنه باطل ويبقى قسط الكتابة كما تقدم
قوله : [ ويحرم بيعه على بيع أخيه كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة أنا أعطيك مثلها بتسعة وشراؤه على شرائه كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة : عندي فيها عشرة ] :
هنا مسألتان ، الأولى : بيعه على بيع أخيه ، والثانية : شراؤه على شرائه ، وكل ذلك محرم ، لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( لا يبع الرجل على بيع أخيه ) 0
والشراء في حكم البيع 0
والحكمة من هذا النهي ما في ذلك من إثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين , ولذا ألحق شيخ الإسلام ابن تيمية استئجاره على استئجار أخيه كأن يتفقا في المجلس على أن تكون الإجارة بعشرة آلاف فيقول : أنا أستأجر منك بأحد عشر ألفاً ، وكذلك إتهابه على اتهاب أخيه كأن يقول : سأهبك هذه السلعة فيقول الآخر بهل هبني أنا , وكذلك واستقراضه على إقراض أخيه , كأن يقول : سأقرضك عشرين ألفاً فيقول : بل أقرضني أنا فهذه الصور كلها محرمة لأنها تورث العداوة والبغضاء 0
قوله : [ ليفسخ ويعقد معه ] :
وذلك لبقاء الخيار في البيع فما زال الخيار باقياً سواء كان خيار المجلس بأن لم يتفرقا ومثله خيار الشرط ، فما زال الخيار باقيا بحيث يجوز الفسخ ، فإذا أعطي البائع على هذه السلعة ثمنا أكثر أو أُعطي المشتري هذه السلعة بثمن أقل والخيار باق فإنه يفسخ البيع مع الأول ، ويعقده مع الثاني لقلة الثمن أو زيادته بالنسبة للبائع 0
وقال ابن رجب : يحرم مطلقاً سواء كان في زمن الخيارين أم لا ، وهو قول ابن تيمية وابن القيم وهو الراجح ، لما يترتب عليه من العداوة والبغضاء ؛ ولأنه قد يحتال للفسخ 0
قوله : [ ويبطل العقد فيهما ] :
فالعقد باطل ؛ لأن الشارع نهى عنه ، وما نهى عنه الشارع فهو فاسد ، فالنهي يقتضي الفساد 0
وأما حكم سومه على سوم أخيه , فهو محرم أيضاً ، ففي البخاري ومسلم أن النبي r قال : ( لا يسم المسلم على سوم أخيه ) فدل هذا على أنه محرم ولكن ليس كل السوم محرم ، فإن من السوم ما هو جائز ، وقد دلت الأدلة على جوازه وهو إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فلم يثبت الرضا الذي يتم بعده البيع ، أما إذا ثبت الرضا وركن بعضهما إلى بعض وما بقي بينهما إلا العقد فإن السوم يكون محرماً ، فأما سومه على سوم أخيه قبل ثبوت الرضا وقبل ركون أحدهما إلى الآخر جائز وهو ما يسمى بالمزايدة ، وقد اتفق العلماء على جوازه ، وهو مشهور في عهد النبي r 0
وإذا سام رجل سوماً محرماً ، وثبت به البيع فهل يصح البيع أم لا ؟
البيع صحيح كما هو المشهور من المذهب ، والفارق بين هذه المسألة ومسألة البيع على بيع أخيه أن النهي فيها يعود إلى ذات العقد ، وأما هذه المسألة فإن النهي يعود إلى أمر آخر خارج عنها 0
هنا مسائل :
المسألة الأولى : أنه لا يجوز أن يبيع حاضر لباد ، والمراد بالبادي من هو من خارج البلدة سواء كان حضريا أم بدويا ، فمن أتى من خارج البلدة فلا يجوز لأحد من داخل البلدة أن يكون سمسارا له يبيع له لقوله r : ( لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد ) فقيل لابن عباس ما قوله : ( ولا يبع حاضر لباد ) قال : " لا يكون له سمسارا " , رواه البخاري ومسلم 0
وهذا لمصلحة أهل السوق ، فإن أهل السوق عندما يأتي أحد من خارج بلدتهم فإن بيعه يكون أرخص في العادة فيكون في هذا سعة لهم ، ولهذا قال النبي r فيما ثبت عنه في مسلم : ( لا يبع حاضر لباد ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) 0
ويحرم ذلك بخمسة شروط ، ويبطل البيع كذلك عند توفرها وهي :
1- أن يقدم البادي بسلعته للبيع ، فإن قدم لغير البيع كأن يقدم لاحتكارها أو لأكلها أو لإهدائها ونحو ذلك فلا بأس أن يكون الحاضر له سمسارا وذلك ؛ لأن المصلحة في ذلك لأهل السوق ولأهل البلد فإنه لم يأت للبيع ، فإذا أتى أحد من أهل البلدة وأقنعه بالبيع فإن في ذلك مصلحةً لأهل السوق 0
2- أن يبيعها بسعر يومها أي أن يكون مراده بيعها بسعر يومها ، أما إذا كان هذا البادي يريد أن يبيعها بأكثر من السعر أو يريد أن يتربص بها حتى يكون لها السعر المناسب ويكون قد احتاط لنفسه فلا بأس والحالة هذه أن يكون هناك سمسارٌ بينه وبين الناس في بيعها وذلك ؛ لأنه احتاط لنفسه فهو لا يريد أن يبيعها بأي سعر , بل يريد بيعها بالسعر المناسب 0
3- أن يكون جاهلاً بالسعر ، أما إذا كان عالماً عارفاً بأسعار السلع فإن توسط أحد الحاضرين بينه وبين الناس جائز وذلك ؛ لأنه وسيط لا يؤثر 0
4- أن يقدم الحاضر إليه ، فإذا قدم هذا البادي إلى الحاضر وطلب منه أن يكون سمسارا فإن ذلك جائز ؛ لأنه يكون بذلك قد احتاط لنفسه 0
5- أن يكون بالناس حاجة للسلعة التي معه فإن كانت من السلع التي لايحتاج الناس إليها وليست من أقواتهم فيجوز أن يكون سمسارا له , ولم يذكر الإمام أحمد - كما قال الحنابلة - هذا الشرط ، والحديث يخالفه فإن الحديث عام 0
وهنا فرعان :
الفرع الأول : هل يجوز أن يشتري الحاضر للبادي ؟
1- قال الحنابلة يجوز ذلك ؛ وذلك لأن النهي إنما ورد في البيع 0
2- ونقل عن الإمام أحمد وهو قول طائفة من التابعين كمحمد بن سيرين أن ذلك منهي عنه ، ودليل ذلك ما رواه أبو عوانة في صحيحه - كما في الفتح - عن محمد بن سيرين قال : سألت أنس بن مالك فقلت له : لا يبع حاضر لباد أنهيتم أن تبيعوا أو تشتروا لهم ؟ قال : نعم ، أي نهينا أن نبيع أو نبتاع لهم فيكون الشراء منهي عنه أيضاً ؛
ولأن الشراء داخل في معنى البيع كما تقدم ؛ ولأن المعنى أيضاً ثابت وهو قوله r : ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) 0
والصحيح أنه لا يجوز للحاضر أن يشتري للباد إذا توفرت الشروط المتقدمة 0
الفرع الثاني : هل يجوز أن يشير على البادي ؟
قالوا : إن استشاره فيجب عليه أن يشير عليه ، لقوله r : ( وإذا استنصحك فانصحه ) وهذا ظاهر ، فإنه إذا استشار فقد احتاط لنفسه ووجب أن ينصح له 0
- وهل يشرع أن ينصحه من غير استنصاح ؟
في المسألة نظر ، قال صاحب الفروع : " ويتوجه النصح " لقوله r : ( الدين النصيحة ) والراجح خلاف هذا
؛ لأن النبي r إنما نهى أن يبيع الحاضر للبادي أو يشتري له ليرزق الله بعض الناس من بعض ، ولا شك أن
النصيحة له تقوم مقام البيع والشراء له 0
المسألة الثانية : وهي عند قوله r : ( لا تلقوا الركبان ) والركبان : هم الذين يجلبون السلع إلى أهل البلد من غير أهلها ولا يجوز لأحد من أهل السوق أن يتلقاهم خارج السوق فيشتري منهم أو يبيع لهم أيضا ، لحديث :
( لا تلقوا الركبان ) وهذا لمصلحة الركبان ، فقد يكون الثمن في السوق أقل من الثمن الذي بيع عليهم , وقد يكون الثمن في السوق أكثر من الثمن الذي اشتري به منهم فلم يتركوا حتى ينظروا في سعر السوق ، فكان ذلك محرماً 0
ولكن البيع يصح مع خيار الغبن فهم إذا قدموا السوق فهم بالخيار إن ثبت عليهم الغبن إن شاءوا فسخوا البيع وإن شاءوا أبقوه ، لحديث مسلم : ( لا تلقوا الجلب فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار ) أي إذا أتى صاحب السلعة السوق فهو بالخيار إن شاء أمضى وإلا فسخ 0
والنهي عن تلقي الركبان ما لم يصلوا إلى السوق فإذا وصلوا إلى السوق فيجوز أن يتلقاهم في أعلى السوق ؛ لأن النهي عن تلقيهم قبل دخولهم السوق ، لقوله r في حديث ابن عمر : ( لا تلقوا السلع حتى يهبط بها أصحابها إلى السوق ) 0
المسألة الثالثة : وهي مسألة التسعير ، فلا يجوز للسلطان أن يسعر للناس وهو ظلم ، وقد قال r فيما رواه الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح لما قال بعض الصحابة : يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا ، فقال r : ( إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى يوم القيامة وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال ) فهذا يدل على تحريم التسعير ، وأنه ظلم 0
ولكن هل يستثنى من ذلك ما إذا غلت الأسعار غلاء فاحشا يضر بالناس ؟
الجواب : ذهب بعض الشافعية إلى جواز التسعير في هذه الحالة , فيجوز للحاكم أن يتدخل فيما إذا غلت الأسعار غلاء فاحشا بحيث يتضرر بذلك عامة الناس ، لقول النبي r : ( لا ضرر ولا ضرار ) ؛ ولأن في ذلك مصلحة عامة بل دفع لمفسدة عامة وإن ترتب على ذلك فوات مصلحة خاصة فإن التسعير فيه فوات مصلحة خاصة
وأما الغلاء الفاحش فإن فيه مفسدة عامة ، ودفع المفسدة العامة أولى من جلب المصلحة الخاصة ، وكذلك تحمل المفسدة الخاصة أولى من تحمل المفسدة العامة ، وهذا القول هو الصحيح وهو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله 0
قال ابن القيم : وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سُعر لهم تسعير عدل 0
المسألة الرابعة : مسألة الاحتكار ، والاحتكار : هو أن يدخر السلعة حتى يغلو ثمنها فيبيعها ، وهو محرم لقول النبي r كما ثبت في مسلم من حديث معمر بن عبد الله : ( لا يحتكر إلا خاطيء ) فقيل لسعيد فإنك تحتكر ، قال سعيد : فإن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر 0
قال الحنابلة ويحرم الاحتكار بثلاثة شروط :
1- الشرط الأول : أن يكون المحتكَر قوتاً ، فإن كان المحتكر غير قوت فيجوز ذلك ، قالوا : لأن سعيد بن المسيب وهو الراوي عن معمر كان يحتكر النوى - أي نوى التمر - والخبط - وهو علف الدواب - والبذر - أي بذور النبات - وفي المسند أن سعيد بن المسيب كان يحتكر الزيت ، قالوا : ويبعد أن هذا الإمام يخالف ما روى ، وقد ثبت أن معمر بن عبد الله كان يحتكر ، قالوا : فدل هذا على أن المحتكر الممنوع احتكاره إنما هو القوت ، وذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وهو اختيار الشوكاني إلى أن ذلك محرم ، وهذا هو الراجح لعموم قوله r :
( لا يحتكر إلا خاطيء ) وأما الجواب عن فعل معمر بن عبد الله وسعيد بن المسيب فيتضح في الشرط الثاني الذي اشترطه الحنابلة 0
2- الشرط الثاني : أن يكون للناس في المحتكَر حاجة ، وعلى هذا يحمل احتكار معمر واحتكار سعيد ، وأن احتكارهما إنما كان لما ليس للناس حاجة إليه ، فلا يتضرر الناس باحتكارهما ، فيجوز للشخص أن يحتكر القوت وغيره إن لم يكن للناس فيه حاجة ، إذ لا ضرر على أهل السوق في ذلك ، وهذا الشرط صحيح ، ويدل عليه فعل معمر وفعله يخصص ما رواه ، كما أن المعنى يدل على ذلك ، إذ لا ضرر في احتكار ما لا يحتاج إليه الناس سواء أكان من أقواتهم أم من غيرها 0
3- الشرط الثالث : أن يشتريه من البلد ، فإذا جلبه من خارج البدل أو صنعه بنفسه أو كان من مزرعته جاز الاحتكار ، واستدلوا بما رواه ابن ماجه أن النبي r قال : ( الجالب مرزوق والمحتكر خاطيء ) 0
والراجح خلاف ذلك ، فإن الحديث :
أولاً : ضعيف 0
ثانياً : لا فرق بين احتكار ما لم يجلب واحتكار ما يجلب من خارج البلد ، فما دام أن في الناس حاجةً إليه ففي احتكاره تضييق عليهم ، وعليه فقوله r : ( لا يحتكر إلا خاطيء ) على عمومه 0
قال المؤلف رحمه الله : [ ومن باع ربوياً بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة ] :
قوله : ( من باع ربوياً بنسيئة ) كأن يبيع طناً من قمح بألف ريال إلى سنة فهذا بيع جائز ، والربوي هو البر ، وبيع البر بالدراهم والدنانير جائز 0
قوله : ( واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة ) بأن قال لمَّا حلَّ الأجل : أعطني بدل الدراهم شعيراً أو براً
أو تمراً أو ملحاً فهذا لا يجوز ؛ لأنه ذريعة إلى الربا , وهو بيع البر بالبر نسيئة ، والذريعة إلى المحرم محرم ، وهذا القول المشهور من المذهب 0
وقال الموفق : يجوز مطلقاً ما لم يكن حيلة على الربا 0
وقال شيخ الإسلام : يجوز عند الحاجة أما عند عدم الحاجة فلا يجوز ، أما كونه لا يجوز عند عدم الحاجة فلأجل سد الذرائع الموصلة إلى الربا ، وأما كونه يجوز عند الحاجة ؛ فلأن الشريعة قد أتت بنفي الحرج ورفعه ،
والقاعدة كما ذكر ابن القيم : أن ما حرم تحريم سد الذرائع فإنه يجوز عند الحاجة إليه ؛ لأن تحريمه ليس تحريماً أصلياً ، وإنما لكونه ذريعة إلى غيره ، فإن احتيج إليه فإن تحريمه يزول 0
وهذا هو أصح الأقوال ، وهذا ما لم يكن تواطؤاً منهما أو احتيالاً , كما قال الموفق 0
قوله : [ أو اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس لم يجز ] :
مثاله : اشترى فرساً من رجل بألف دينار نقداً وكان قد باعها عليه بألف وخمسمائة دينار نسيئة فهذا لا يجوز , وهو مذهب الجمهور خلافاً للشافعية ، وهذا هو بيع العينة 0
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بإسناد صحيح أن النبي r : ( نهى عن بيعتين في بيعة ) 0
ولأبي داود : ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا ) أي إما أن يأخذ رأس ماله أو الربا 0
وفي سنن أبي داود والحديث صحيح أن النبي r قال : ( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) فهذه هي صورة بيع العينة أن يبيع الشيء إلى سنة بكذا - أي نسيئة - ثم يشتريها قبل السنة بأقل من الثمن الذي باعه به ، فالسلعة حيلة فيها للوصول إلى عقد ربوي محرم , فكأنه أعطاه ألف دينار ويردها عليه ألفاً وخمسمائة ، فالسلعة غير مقصودة لذاتها ولذا قال ابن عباس كما روى ذلك الحافظ محمد بن عبد الله المعروف بمطيَّن كما في تهذيب السنن لابن القيم : أن ابن عباس سُئل عن رجل باع حريرة بمائة واشتراها بخمسين أي باعها بمائة مؤجلة واشتراها بخمسين حاضرة ، فقال : " دراهم بدراهم وقعت بينهما حريرة " 0
وقال أيوب رحمه الله كما في كتاب الحافظ محمد بن عبد الله ذكره في تهذيب السنن : " يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أخذه على جهته كان أسهل " 0
وروى الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن وقد حسنه غير واحد من أهل العلم وقال فيه ابن القيم إنه محفوظ عن زوج أبي إسحاق السبيعي أنها دخلت على عائشة فدخلت أم ولد لزيد بن أرقم فقالت : إنها باعت غلاماً لها على زيد بن أرقم بثمانمائة درهمٍ نسيئةً ثم اشتريتها منه بستمائة درهم نقداً ، فقالت عائشة : " بئسما اشتريت وبئسما اشترى أخبري زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول الله r قد بطل إن لم يتب " والأثر إسناده حسن ، فهذه بيعة العينة 0
وقوله r : ( فله أوكسهما أو الربا ) دليل على أنها بيعتان خلافاً لما ذهب إلى الشافعي من أن صورة بيع العينة أن يقول أبيعك هذه السلعة بكذا نسيئة أو بكذا نقداً فيتفرقا قبل أن يعينا أحد الثمنين 0
وهذه في الحقيقة أولاً : بيعة واحدة وليست بيعتين ، ثانياً : هذه الصورة ليس فيها ربا , وفي الحديث : ( فله أوكسهما أو الربا ) وإنما هي بيعة جهالة ، فالثمن غير معلوم 0
وكذلك يقال في قول سماك وهو من رواة هذا الحديث : " هو عليَّ نساءً بكذا وكذا , ونقداً بكذا وكذا " , فهذا فيه
ما في القول المتقدم , فإن هذه صفقة واحدة , وبيع العينة بيعتان في بيعة 0
أما إن باع السلعة نسيئة بأكثر من ثمنها نقداً فلا حرج فيه اتفاقاً , كما ذكر شيخ الإسلام وغيره وهو بيع التقسيط
فإن تواطآ على بيع العينة فالبيع كله باطل ، البيعة الأولى والبيعة الثانية ، كأن يقول أبيعك هذه السيارة بثلاثين ألفاً إلى سنة وأشتريها منك غداً بخمسة وعشرين ألفاً ، فالبيعة الأولى والثانية كلتاهما باطلة ؛ لأن ما نهى عنه الشارع فهو فاسد , فإن لم يتواطآ على ذلك ، فالبيعة الأولى صحيحة 0
مثال ذلك : رجل باع سيارة على رجل بثلاثين ألفاً إلى سنة , ثم اشتراها منه من غير تواطؤ منهما ولا اتفاق بخمسة وعشرين ألفاً ، فالبيعة الثانية باطلة لنهي الشارع عنها ، وأما الأولى فهي صحيحة , إذ لا دليل على إبطالها
وقال ابن القيم في تهذيب السنن : " والصورة الرابعة للعينة وهي أخت صورها أن يكون عند الرجل المتاع لا يبيعه إلا نسيئة فإن باعه بنقد ونسيئة جاز وهو نص الإمام أحمد " , وهذا ما يقع فيه كثير من الناس مثل أن يشتري سيارة ولا يفكر أن يبيعها نقداً بل نسيئة فهذا من صور العينة ، فصاحب البيع النسيئة فقط قصده الثمن فلا قصد له في السلعة أصلاً فهو يتوصل بهذه السلعة ليبيع المال أو الدراهم بأكثر منها ، وأما صاحب النقد والنسيئة فهو تاجر من التجار ، قال ابن عقيل معللاً نص الإمام أحمد على هذه المسألة : " وهذا لمضارعته الربا فإنه يقصد الزيادة غالباً " 0
وذكر شيخ الإسلام أن مثل هذا البيع وهو ألا يبيع الإنسان إلا نسيئة أنه بيع على أهل الضرورة والحاجة ، فإن هذه السلعة لا يشتريها في الغالب إلا من يتعذر عليه النقد وهم أهل الضرورة والحاجة وأما من يبيع نقداً ونسيئة فهو تاجر من التجار وهو يبيع على الناس عامة المضطر منهم وغير المضطر وقد روى أبو داود في سننه بإسناد في جهالة أن النبي r : ( نهى أن يباع على المضطرين ) وهذه الصورة كالتورق فإن المشتري في التورق يريد ثمن السلعة , وكذلك البائع هنا يريد التواصل بها إلى هذه المداينة ولا يشتري هذه السلعة كالعينة , والجمهور على جواز التورق كما سيأتي فمثله هذه المسألة 0
مسألة التورق : ومسألة التورق تخالف بيع العينة فإن المشتري لا يبيعها على بائعها الأول , بل يبيعها على شخص آخر 0
وصورتها : أن يحتاج رجل إلى دراهم فيشتري سلعة بنسيئة إلى سنة مثلاً بأكثر من ثمنها نقداً , ثم يبيعها على غير البائع الأول ؛ لأنه إذا باعها على الأول فهي بيع العينة , وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد :
الرواية الأولى : وهي المشهور عند الحنابلة وهي قول الجمهور أن ذلك جائز ، قالوا : لأن الأصل في المعاملات الحل ، لقول الله U : ) وأحل الله البيع وحرم الربا ( 0
الرواية الثانية : وهي التي اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي قول عمر بن عبد العزيز أن ذلك محرم ،
قال شيخ الإسلام : لأن الأمور بمقاصدها , فهو لم يشتر السلعة إلا قاصداً للثمن ، قال رحمه الله : " إذا أتى الطالب ليأخذ دراهم بدراهم أكثر منها - أي هذا هو مقصده - وأعطاه الآخر فهو ربا ولا شك في تحريمه بأي طريق كان لأن ( الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى ) وروجع رحمه الله مراراً - كما ذكر ذلك ابن القيم- وهو يقول بالتحريم ويأبى أن يقول بالحل 0
وما ذهب إليه الجمهور أصح , فالأصل الحل ؛ لأن الربا يكون من الطرفين ؛ ولأن السلعة لا تعود إلى صاحبها فتكون حيلة كالعينة ؛ ولأن الحاجة داعية إلى حلها 0
وقوله : ( لا بالعكس ) : تقدمت صورة بيع العينة , وهي أن يبيع الشيء بنسيئة ثم يشتريها نقداً بأقل من ثمن المبيع وقال هنا : لا بالعكس ، فعكس هذه المسألة يجوز ، والعكس له صورتان :
الصورة الأولى : وهي أن يبيع الشيء نقداً ثم يشتريه نسيئة بأكثر ، مثاله : رجل عنده دار واحتاج إلى دراهم ، فقال لرجل أبيعك هذه الدار بخمسين ألفاً نقداً على أن أشتريها منك بسبعين ألفاً نسيئة , فظاهر كلام المؤلف جواز هذا وهذا ضعيف جداً , وهو مروي عن أحمد أنه يجوز بلا حيلة ، والصحيح التحريم وهو المشهور عند الحنابلة وهو اختيار ابن القيم ؛ لأنه لا فرق بين هذه الصورة وصورة العينة المتقدمة فلا وجه للقول بجوازها 0
الصورة الثانية : وهي جائزة كما قال المؤلف أن يبيع الشيء نسيئة إلى سنة بعشرة آلاف , ويشتريها نقداً بعد شهر أو شهرين بعشرة آلاف أو أحد عشر ألفاً فهذه لا وجه للقول بتحريمها فهي جائزة وليس فيها حيلة على الربا ، ومثال آخر : باع سيارته بنسيئة إلى سنة , ثم رغبتها نفسه فاشتراها بأكثر من ذلك أو بمثله فهذا جائز 0
قوله : [ وإن اشتراه بغير جنسه أو بعد قبض ثمنه أو بعد تغير صفته أو من غير مشتريه أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز ] :
مثاله : رجل باع سيارة إلى سنة بثلاثين ألف ريال , ثم اشتراها بعد ستة أشهر بعشرة آلاف دولار فهذا يجوز 0
وصورة أخرى : باع سلعةً بثلاثين ألف ريال إلى سنة , ثم اشتراها بعد ستة أشهر بكذا طن من القمح فيجوز , بل قال الموفق : لا أعلم خلافاً في جوازها , بمعنى باع الشيء نسيئة , ثم اشتراه بعد ذلك بعرض فهذا جائز 0
أما الصورة الأولى فاختار الموفق التحريم , وأنه لا يجوز وهذا هو الظاهر ؛ لأنه باع الشيء نسيئة بدراهم واشتراه بدنانير وكلاهما ثمني ، فأحدهما يقوم مقام الآخر ، فهما أثمان للأشياء 0
قوله : [ أو بعد قبض ثمنه ] :
مثاله : باعه هذه السيارة بعشرة آلاف إلى سنة فلما سدد هذا المشتري القيمة اشتراها منه بخمسة آلاف أو ستة آلاف فهذا جائز ولا إشكال في جوازه , إذ العلة المتقدمة قد زالت وما يخشى من الربا قد زال 0
قوله : [ أو بعد تغير صفته ] :
مثاله : باع سيارة بعشرة آلاف إلى سنة , ثم اشتراها بعد ستة أشهر بثمنها الذي تستحقه وقد تغيرت صفتها كانت تساوي عشرة آلاف وأصبحت تساوي ثمانية آلاف أو سبعة آلاف ، فالنقص بسبب تغير الصفة , فلا نظر إلى التأجيل 0
قوله : [ أو من غير مشتريه ] :
مثاله : رجل اشترى سيارة بالتقسيط , ثم باعها على شخص آخر ، فهل للبائع الأول أن يشتريها من هذا المشتري الجديد ؟
الجواب : لا مانع من ذلك لزوال العلة المتقدمة 0
قوله : [ أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز ] :
فإذا اشتراها أبوه أو ابنه أو مكاتبه أو نحو ذلك جاز ؛ لأنه لم يشترها هو , والنهي الوارد فيما إذا اشتراه هو , وليس هذه ذريعة إلى الربا كما تقدم , إلا أن يكون حيلة على ذلك ليتملكها هو - أي الأب مثلاً - ثم يأخذها من ابنه بنفس الثمن الذي اشتراها به فهذه حيلة فلا تجوز 0