عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطهارة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الطهارة
باب المسح على الخفين
 

المسح : هو إمرار اليد على المحل من غير إسالة للماء , فلا يكون فيه إسالة وإنما مجرد بلِّ العضو بالماء .

الخفان : ما يلبس على الرجل من الجلد الرقيق وهو ما يسمى عندنا ( الكنادر ) بخلاف الجوارب وهي ما يكون من صوف ونحوه وسيأتي الكلام عليها ، ومسح الخفين بإمرار اليد بالماء من غير إسالة

والمسح على الخفين دل عليه الكتاب والسنة والإجماع :

أما الكتاب : فآية المائدة : ( يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... إلى أن قال سبحانه : ﴿ وأرجلكم ﴾ )  وفي قراءة سبعية ( وأرجلِكم ) بالكسر ، فتكون الرِّجل ممسوحة .

وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله بالمسح على الخفين .

وأما السنة : فقد تواترت في الدلالة على جواز المسح على الخفين ، حتى ذكره الإمام أحمد عن سبعة وثلاثين صحابياً ( 37 ) فقال رحمه الله : ( سبعة وثلاثون نفساً يروون المسح على الخفين ) وذكره ابن منده عن أكثر من ثمانين صحابياً ، منهم العشرة المبشرون بالجنة .

ولعل ما ذكره الإمام أحمد من الأحاديث الصحيحة ، وما ذكره ابن منده من الأحاديث الصحيحة وغيرها , وقد ذكر صاحب " نصب الراية " ثمانية وأربعين حديثاً ( 48 ) في المسح على الخفين .

وقد جزم كثير من أهل العلم بأن الأحاديث في هذا الباب متواترة ،وممن جزم بذلك شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر. وقد أنكر المسح على الخفين طوائف من المبتدعة كالرافضة والخوارج ومن هنا أدخل أهل العلم هذه المسألة في أصول الاعتقاد , ومن أنكر المسح على الخفين فهو مبتدع لأن الأحاديث فيه متواترة ، ( ومن أنكر شيئاً مما ثبت بالتواتر فهو مبتدع ) كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فمن أنكر شيئاً مما ثبت بالتواتر كأحاديث الحوض ونحوها فهو مبتدع .

أما الإجماع : فقد أجمع العلماء على جواز المسح على الخفين وممن حكاه ابن المبارك وابن المنذر .

فإذن : المسح على الخفين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع .

لذا قال المؤلف : ( يجوز …. ) .

وهل الأفضل غسل القدمين أو المسح على الخفين ؟

قولان لأهل العلم وهما روايتان  عن الإمام أحمد :

فذهب جمهور الفقهاء : إلى أن غسل القدمين أفضل من المسح .

قالوا : لأن هذا هو الأصل ، فالأصل هو الغسل.

وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى أن المسح أفضل.

واستدلوا : بما روى الخمسة إلا أبا داود من حديث صفوان بن عسَّال رضي الله عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم ) والحديث إسناده صحيح .

لكن في رواية النسائي : ( رخص لنا النبي e ) .

فعلى ذلك يكون الأمر الوارد في حديث صفوان إنما هو أمر لبيان الرخصة كما في قوله تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا  )   .

واستدلوا : بما روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة أن رسول صلى الله عليه وسلم : ( مسح على الخفين ، فقلت يارسول الله : نسيت .فقال : بل أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي عزوجل ) لكن الحديث إسناده ضعيف .

وأصح ما استدلوا به ثبوتاً واستدلالاً ما رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) .

واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم : أن الأفضل هو الموافق لحال المتوضئ , فإذا كان لابساً لخفيه فالأفضل له المسح , وإن كان خالعاً لهما كاشفاً لقدميه فالأفضل له الغسل , ولا يشرع له تكلف لبس الخفين بل يفعل ما يوافق حاله , وهذا هو الظاهر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه إذا كان لابساً خفيه فإنه يمسح عليه ، وإن كان خالعاً لهما فإنه يغسل قدميه ، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما )  .

قوله : ( يجوز للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها ) .

يجوز للمقيم أن يمسح يوماً وليله أي أربعاً وعشرين ساعة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها أي اثنتين وسبعين ساعة ، ولا يحسب ذلك بالصلوات ، بل يحسب باليوم والليلة وهما أربع وعشرون ساعة ودليل ذلك : ما ثبت في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال : ( جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة ) وهذا مذهب جمهور أهل العلم وأن مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليها ، وللمقيم يوم وليلة .

وذهب المالكية في المشهور : عندهم أنه لا وقت لها بل يمسح مطلقاً .

واستدلوا بأحاديث :

الحديث الأول :

ما رواه أبو داود من حديث أُبَيِّ بن عِمارة أنه قال يارسول الله : ( أمسح على الخفين قال : نعم ، قال يوماً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( يوماً ) فقال : ويومين فقال : ( ويومين ) فقال وثلاثة قال : نعم وما شئت )

لكن الحديث إسناده ضعيف .

الحديث الثاني :

ما رواه خزيمة بن ثابت – كما في أبي داود وغيره – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليله قال : ( ولو استزدناه لزادنا ) والحديث فيه انقطاع ، وقد ضعفه البخاري ثم إن قول الصحابي لو صح فليس فيه دليل على أن المدة مطلقة كيف وقد قيدها النبي صلى الله عليه وسلم بما تقدم , بل فيه أن الصحابي قد ظن أنهم لو طلبوا منه الزيادة لزاد ولم يطلبوا منه ذلك.

الحديث الثالث :

ما رواه البيهقي وصححه شيخ الإسلام ورواه الحاكم وصححه : أن عقبة بن عامر خرج من الشام إلى المدينة من الجمعة إلى الجمعة فقال له عمر : ( متى أولجت خفيك في رجليك ؟ ) فقال : ( يوم الجمعة ) فقال : ( فهل نزعتهما ؟ ) فقال : (لا) ، فقال : ( أصبت السنة ) والحديث صحيح .

وهذا الأثر لا يدل على ما ذكروه ,بل فيه دليل على ما اختاره شيخ الإسلام من أن المسافر إذا كان يشق عليه خلع الخفين ولبسهما ، كأن يكون بريداً في مصلحة المسلمين ويشق عليه نزعهما ، فإنه يجوز له أن يمسح مطلقاً ,هذا هو الذي يدل عليه الأثرالمتقدم ، وفيه قول عمر: ( أصبت السنة ) وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول هو الراجح .

قوله : [ من حدث بعد لُبْس ]

صورة ذلك :

رجل لبس خفَّه ثم أحدث ، كأن يكون توضأ لصلاة الفجر ولبس خفيه ثم نام بعد الفجر حوالي الساعة العاشرة ، فإنه حينئذ يكون قد انتقض وضوؤه وهو نام في الساعة العاشرة فيستمر وقت المسح إلى الساعة العاشرة من الغد فيتم له أربع وعشرون ساعة .

إذن : الحساب يكون – من الحدث بعد اللبس – وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم .

وحجتهم : قالوا : إنه إذا أحدث فقد جاز له أن يمسح على الخفين فحصلت له بذلك الرخصة .

وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار ابن المنذر والنووي من الشافعية وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي أن التوقيت يكون من المسح .

ودليل ذلك ظواهر الأدلة الشرعية ،فإن الأدلة الشرعية إنما صرحت بالمسح , وهو قبل أن يمسح لم يشرع به بعد , فكيف يكون محسوباً من وقته ، فعلى ذلك يكون الحساب من المسح إلى أن تتم المدة .

ففي المثال السابق إذا نام في الساعة العاشرة ثم استيقظ في الساعة الثانية عشر فتوضأ ومسح على خفيه , فإنه يبدأ التوقيت من الساعة الثانية عشرة , ويستمر إلى الثانية عشرة من الغد .

فعلى ذلك يكون الإبتداء من المسح لا من الحدث وهذا هو الراجح .

 

قوله : [ على طاهر مباح ساتر للمفروض يثبت بنفسه ]

قوله " طاهر " قيده الشُّرَّاح بأن يكون طاهر العين . فإذا كان الخف من جلد كلب قالوا فلا يصح المسح عليه لأن ذلك منهي عنه ، والمسح رخصة , فكيف يستباح بها المحرم .

 وظاهر قولهم ( طاهر العين )  أنه لو كان نجس الحكم وليس بنجس العين فإنه لا شئ فيه , فيجوز المسح عليه .

إذن : نجس العين لا يجوز المسح عليه كجلد الكلب ونحوه .

أما ما كان نجساً حكماً وهو طاهر العين ، كأن يكون من جلد حيوان طاهر في الحياة فهو طاهر لكن في أسفله نجاسة فهل يجوز المسح عليه أم لا ؟

الجواب : يجوز ذلك في المشهور في المذهب , لأن إزالة النجاسة من شروط الصلاة ، وأما الوضوء فإنه يصح وإن كان على بعض أعضاءه نجاسة .

ومثل ذلك : إذا كان الخف أو الجورب محرماً كمغصوب فلا يجوز المسح عليه , لكن هل يجزئ المسح عليه ؟

قالوا : لا يجزئ لأن هذا الخف منهي عن لبسه فلا تستباح بمثله رخصه .

وعنه : أنه يجزئ ، وهو قول في المذهب ويكون آثماً للبسه هذا الخف المحرم وهو أظهر .

قوله : ( ساتر للمفروض ) : أن يكون ساتراً للمفروض من أطراف الأصابع إلى الكعبين ، وأن لايصف البشرة الواجب سترها.

وظاهر ذلك : ولو كان فيه خرق يسير فإنه لا يجزئ المسح عليه .

إذن : يشترط أن يكون ساتراً للمفروض ستراً كاملاً فلا يظهر من البشرة شيء .

واستدلوا بتعليل ، وهو قولهم : إن الأمر إذا كان على خلاف ما تقدم فإنه يجب غسل الظاهر ومسح المُغَطَّى فيجمع بين الغسل والمسح وهذا أمر لا يشرع ، فلا يشرع الجمع بين الغسل والمسح , لكن هذا التعليل ضعيف ، وذلك لأن المسح إنما يكون لظاهر القدم ولا يعمم العضو كله بالمسح .

 والراجح خلاف المذهب كما تقدم

أما إذا كان الخف صافياً فمذهب الشافعية جواز المسح عليه لأنه يسمى خفاً وهو كذلك على قاعدتهم مغطٍّ للكعبين وساتر للمفروض ، وكونه صافياً لايمنع المسح عليه ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز المسح على التساخين , لأنها تسخن القدم .

وفي مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بعث سَريَّة فأصابهم البرد فلم قدموا أمرهم أن يمسحوا على العمائم والتساخين ) .

أما الخفاف المخرقة : فلا يخلو الخرق إما أن يكون يسيراً أو كبيرأً .

فإن كان يسيراً : فمذهب المالكية والأحناف خلافاً للشافعية والحنابلة : جواز المسح عليه .

وعلل المالكية والأحناف جواز ذلك : بأن خفاف الصحابة مع فقرهم لا تخلو من أمثال هذه الخروق ولم يثبت النهي عن ذلك ( وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ) .

أما إن كانت خروقاً كثيرة فالجمهور على المنع .

وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية والمجد بن تيمية : إلى أن الخرق وإن كان واسعاً فيجوز أن يمسح على الخف ما دام يسمي خفاً والمشي فيه ممكن , فما دام هذا الجلد الملبوس للقدمين يسمى خفاً فإنه يجوز المسح عليه ، لأن الشارع أجاز المسح على الخفين مطلقاً ولم يقيده بقيدٍ , ولا حده بحدٍ ، فما دام يسمى خفاً فإنه يجوز المسح عليه وهذا هو الراجح .

أما إذا كان الخف غير ساتر للكعبين : فالجماهير على أنه لا يجوز المسح عليه .

وذهب الأوزاعي وهو اختيار ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية : إلى أنه يجوز المسح عليه .

والعلة هي العلة المتقدمة قالوا : لأنه ما زال يسمى خفاً فيدخل حينئذ في اطلاقات النصوص الشرعية ,فما هو الدليل على المنع منه .

فعلى ذلك : ما يلبس على الأقدام – في هذا الزمان – من الأحذية التي الغالب فيها أن تكون دون الكعبين فإنها على هذا القول - وهو الراجح - يجوز المسح عليها ، فهي وإن كانت غير ساترة للكعبين فإن إطلاقات النصوص تدل على جواز المسح عليها .

 

قوله : [ يثبت بنفسه ]

أي لابد وأن يثبت الخف بنفسه من غير شد , فلو كان الخف لا يثبت على القدم إلا بربطه بحبل ونحوه فلا يجزئ المسح عليه , وهذا القول ضعيف .

والقول الثاني في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يجزئ لأنه إذا كان ثابتاً بغيره فهو في معني ما كان ثابتاً بنفسه ، فلا فرق بين أن يكون ثابتاً في الصفة أو يكون ثابتاً بغيره .

وعلل الحنابلة عدم جواز ذلك بأن المعتاد من الخفاف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الخفاف الثابتة بنفسها .

والجواب على ذلك :

أن يقال : هي وإن كانت هي المعتادة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن القياس يدل على جواز مسح ما كان ثابتاً بغيره , وكذلك إطلاقات النصوص مدخلة فيها المعتاد وغيره .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ من خف وجورب صفيق ونحوهما ]

شرع المؤلف في بيان ما يجوز مسحه فقال :

( من خف ) : و تقدم .

قوله : ( وجورب صفيق ) :

الجورب : هو ما يصنع من صوف ونحوه  وهو ما يسمى ( بالشرابات )

يجوز المسح عليها وهو مذهب الحنابلة خلافاً لمذهب جمهور الفقهاء وذهب إلى جواز المسح عليها أيضاًإسحاق وأبو يوسف  ، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، وهو مذهب جمهور السلف فقد ذكره ابن المنذر عن تسعة من الصحابة ، وزاد عليه أبو داود أربعة ، فهو عن ثلاثة عشر صحابياً ، ولم يثبت لهم مخالف .

والقاعدة : ( أن الصحابي إذا قال قولاً ولم يعرف له مخالف فإن قوله حجة ) .

فهذه الآثار عن الصحابة دلت على جواز المسح على الجوارب , وهناك أدلة :

منها: ما رواه أبو داود في سننه والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب "أي العمائم" والتساخين ) وهي ما يسخن القدم من الخفاف ، والجوارب  .

واستدلوا : بما روى الترمذي من حديث هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم

 ( مسح على الجوربين والنعلين ) .

والحديث حسنه الترمذي ، وخالفه عامة أهل الحديث ، كعبد الرحمن بن مهدي وابن معين وسفيان الثوري والأمام أحمد و النسائي وغيرهم ، فأعلوه بالشذوذ لأن عامة الرواة عن المغيرة سوى هُزيل بن شرحبيل قد رووه بلفظ المسح على الخفين لا المسح على الجوربين ، فالحديث مُعَلٌّ عند عامة أهل العلم .

واستدلوا : بالقياس الصحيح ؛ فإن الجوربين كالخفين ولا فارق مؤثر بينهما , وإمكان المشي بالخفين غير مؤثر، وتلبس معها النعال فتكون كهيئة الخفاف ولأن العلة في جواز المسح على الخفين هي مشقة نزعها ، فكذلك الجوارب .

وقوله : ( صفيقين ) : الصفيق هو الذي لا يصف البشرة وتقدم في الخفاف ، وكذلك هنا الراجح أنه لايشترط وهو قول إسحاق وأبي يوسف ، كذلك إذا كان فيه خروق وهو باق على مسماه فيجوز المسح عليه خلافاً للمشهور كما تقدم .

قوله : ( ونحوهما ) كالجرموق وهو الخف القصير الذي يغطي الكعبين ، واللفائف على الصحيح والمشهور في المذهب عدم جواز المسح عليها ، أي على اللفائف . وأما النعال فاختار شيخ الإسلام وذكره تلميذه ابن مفلح أنه يجوز له المسح على النعلين والقدمين إن كانا " أي النعلين "  يشق نزعهما إلابيد ورِجْل كما جاءت به الآثار .

نحو النعال السبتية التي يشق نزعها فيحتاج في نزعها إلي اليد أو الرجل ونحو ذلك فإنها في حكم الخفين ، وهذا كما يدل عليه القياس علي الخفين ، تدل عليه كذلك الآثار فقد روى أبو داود – والحديث صحيح – من حديث أوس ابن أوس الثقفي أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مسح على نعليه وقدميه ) وصح أيضاً المسح على النعلين في ابن خزيمة والبزار من حديث ابن عمر بإسناد صحيح ونحوه من حديث ابن عمر من طريق آخر في سنن البيهقي فعلى ذلك ، يجوز أن يمسح على النعلين إن ثبت فيهما ما ثبت في الخف من مشقة النزع ، ويمسح معهما القدمين أي ظاهر القدمين .

 

قوله : ( وعلى عمامة لرجل مُحنَّكة أو ذات ذؤابة )

العمامة : معروفه , وقوله : ( محنكة ) : أي مدارة تحت حنكه .

( ذات ذؤابة ) : الذؤابة هي الطرف المرخى من العمامة خلف الرأس .

إذن هنا مسألتان :

المسألة الأولى : جواز المسح على العمامة .

المسألة الثانية : أن هذا مخصوص بالمحنكة وذات الذؤابة .

أما المسألة الأولى : فهذا هو المشهور في المذهب ؛ وأن المسح على العمامة جائز .

واستدلوا: بما روى البخاري عن عمرو بن أمية قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه) ، قال الإمام أحمد : ( هذا من خمسة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ) أي ورد عن خمسة من الصحابة لكل واحد منهم طريقه المنفرد : أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته .

قال ابن المنذر : ( ومسح على العمامة أبو بكر ، وبه قال عمر و أبو أمامه وأنس ) ( ولا يعلم لهم مخالف ) .

وذهب الجمهور إلى أن المسح على العمامة لا يجوز قالوا : وإنما مسح النبي صلى الله عليه وسلم على عمامته مع

ناصيته واستدلوا بحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ( أن النبي e مسح على ناصيته وعمامته ) رواه مسلم .

واستدلوا : بقوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ) والمسح على العمامة ليس مسحاً على الرأس

والراجح هو القول الأول لما تقدم من الأدلة .

أما الجواب على أهل القول الثاني :

أما قولهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته ،فهذا في حديث المغيرة ، وأما الأحاديث الأخرى فمخرجها مختلف ، ولم يذكر فيها المسح على الناصية .

نعم يستحب له أن يمسح على ما يخرج من رأسه عادة مع العمامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة , وأما الأحاديث الأخرى كحديث عمرو بن أمية فإنما فيها مجرد المسح على العمامة فقط ، ( والفعل لا عموم له ) ، ففعله في حديث المغيرة لا يقيد به غيره من الأحاديث .

قالوا : أما الآية فكما أنه مسح على الخفين وقد أمر بغسل الرجلين فكذلك مسح على عمامته بدلاً من رأسه .

قالوا : والقياس الصحيح يدل على ذلك ، فإن الرأس يسقط مسحه في التيمم كما أن الرجلين يسقط مسحهما في التيمم ، فيقاس هذا على هذا .

إذن : الصواب مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام من جواز المسح على العمامة – وسيأتي البحث في – المسائل .

أما المسألة الثانية : وهي قوله : ( محنكة أو ذات ذؤابة ) .

قالوا : لأنها عمائم العرب المعتادة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

فعلى ذلك : العمامة الصماء ـ وهي ما ليست محكنة ولا ذات ذؤابة ـ لا يجوز المسح عليها عندهم .

واختار شيخ الإسلام جواز المسح عليها من باب القياس الصحيح من إلحاق النظير بنظيره ، فإنه لا فرق مؤثر بين العمامة الصماء وبين ذات الذؤابة والمحنكة وهو الراجح .

هل يجوز المسح على القلنسوة ؟

القلنسوة : هي شبيهة بالطاقية التي نلبسها لكنها كبيرة تشبه العمامة ويشق نزعها .

وقد صح المسح على القلنسوة عن صحابيين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

الأول : أنس بن مالك كما في مصنف عبد الرزاق .

والثاني : أبو موسى الأشعري كما عند ابن المنذر .

وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختاره بعض أصحابه ومال إليه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله  والمشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم عدم جواز المسح عليها كما سيأتي من كلام المؤلف

والصحيح جواز ذلك لثبوت ذلك عن هذين الصحابيين ( ولا يعلم لهما مخالف ) .

ولأن النظير يلحق بنظيره والقلنسوة كالعمامة تماماً .

أما الطاقية فلا يجوز المسح عليها ، قال الموفق : ( لا نعلم في ذلك خلافاً ) .

 

قوله : [ أو على خمر نساء مدارة تحت حلوقهن ]

هذه المسألة ذات شقين :

الشق الأول : جواز المسح على خُمُر النساء ، وواحده خِمار وهو ما تضعه المرأة على رأسها .

والشق الثاني : أنه يشترط أن يكون مُداراً تحت حلوقهن .

ودليل هذه المسألة :ما رواه ابن المنذر عن أم سلمة أنها كانت تمسح على خمارها.

أما دليل إدارته تحت الحلق : فلأنه إن لم يكن كذلك فلا مشقة في نزعه .

و ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز المسح علي الخمار .

والصحيح القول بجواز المسح عليه كما تقدم عن أم سلمة .

ولقياس النظير على النظير ، فهذا كالعمامة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( النساء شقائق الرجال )

واختار شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله أنه إن كان الشعر ملبداً بحناء ونحوه فيجوز المسح كذلك وهو كما قال رحمه الله بل أولى ، وقال رحمه الله : ومثله لو شدت على رأسها حُلِيَّاً وهو ما يسمى بالهامة .

 

قوله : [ في حدث أصغر ]

هذا في الخفاف والجوارب والعمائم والخُمُر .

لحديث صفوان بن عسال وفيه : ( إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم )

فيجوز المسح عليها إذا كان ذلك في حدث أصغر ، وأما الحدث الأكبر فلا يجوز المسح عليها .

قوله : [ وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة ]

الجبيرة هي ما يشد به الكسر أو الجرح من خشب أو خرق أو نحوها ، وسميت بهذا الاسم تفاؤلاً .

يجوز المسح عليها ، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في المسح علي الجبيرة .

لكن صح ذلك عن ابن عمر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح وذكره ابن المنذر عن ابن عباس ولا يعرف لهما مخالف ، وبه قال جماهير أهل العلم وهو موضع ضرورة وقد قال تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ وقال النبي e : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )

أما ما روى أبو داود وغيره قال النبي e : ( قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العِيِّ السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده ) فالحديث إسناده ضعيف ، لكن الآثار دلت على ذلك كما تقدم .

قوله : ( لم يتجاوز قدر الحاجة ) وذلك بأن تكون في موضع الجرح وما يكون حوله مما يحتاج إليه في وضع الجبيرة .

فإن الجبيرة  إذا كانت في كسر عظم ونحوه فإنها تكون علي طرفي الصحيح من أجل أن يستقيم الكسر .

فإذا تجاوز قدر الحاجة فلا يجوز أن يمسح علي هذا القدر الزائد لأنه لا حاجة إليه فيجب أن يزيله ويغسل موضعه.

هذا إذا كان الزائد في موضع الغسل أما لو كان الزائد في غير موضع الغسل كما لو كان الكسر في المرفق ورفعه إلى أعلى العضد مع إمكان الاكتفاء بما دون ذلك وكانت الطهارة طهارة صغرى فلا بأس .

أما في الطهارة الكبرى فلا يجوز له أن يترك هذا الموضع من غير غسل .

 

 قال : [ إلى حَلِّها ]

فهي ليست مؤقتة كالخفاف لأنها ضرورة .

 

قوله : [ ولو في أكبر ]

 لأنها ضرورة فليست كالخف .

ومنها اللصوق على الجراح والأوجاع فيجوز المسح عليها وهو المشهور في المذهب .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة ]

قوله " ذلك " إشارة إلى ما تقدم ذكره من الخفاف والجوارب والعمائم وخُمر النساء والجبائر ، فلا يجوز المسح عليها إلا إذا لُبست بعد كمال الطهارة .

أما الخف فدليله ما ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة قال : ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ فأهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ) أي أدخلتهما القدمين وهما - أي القدمان -طاهرتان . والجورب مثل الخف في الحكم فإنه لا فارق بينهما .

وأما العمائم فقالوا : قياساً على الخفاف والجوارب .

وقال شيخ الإسلام:يتوجه أنه لايشترط ذلك في العمائم ، وهو رواية عن الإمام أحمد .

ومثل ذلك : ما تقدم من خمر النساء والقلانس ونحوه مما يلبس على الرأس .

وهو الراجح ؛ للفرق بين العمائم وبين الخفاف ، فإن العمائم يكثر خلعها ونزعها فلم يكن للقياس وجه .

والعادة أيضاً أن من توضأ فمسح رأسه وأعادها فإنه لايبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء .

ويدخل في قولهم : الجبائر ، فعلى ذلك يشترط في الجبيرة أن يلبسها علي طهارة كاملة .

لكن هذا القول ضعيف ؛ وذلك لأن الجبيرة إنما تلبس للضرورة ، وإذا ثبت هذا فإن تكليف المكلف الطهارة قبلها فيه حرج ومشقة .

والوجه الثاني عدم اشتراط ذلك وهو الراجح ، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وصاحب الفائق .

لأن الجبيرة موضع ضرورة ويلحق المكلف الحرج في اشتراط ذلك .

وفي قوله : ( بعد كمال الطهارة ) مسألة وهي :

أنه لابد أن يكون هذا اللبس للخفين بعد أن تمت طهارته .

فلو أن رجلاً توضأ فلما غسل رجله اليمنى لبس الخف الأيمن ثم لما غسل رجله اليسرى لبس الخف الأيسر .

فليس له المسح على الخفين وهذا هو مذهب الشافعية .

واستدلوا : بما رواه ابن خزيمة وحسنه البخاري من حديث أبي بكرة الثقفي : أن النبي صلى الله عليه وسلم :      ( رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما ) والشاهد قوله : ( إذا تطهر فلبس خفيه ) فجعل لبس الخفين بعد التطهر ، وهو قبل أن يغسل قدمه اليسرى لم تتم له الطهارة .

ومثله الحديث المتفق عليه ( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ) أي أنه أدخل الخفين القدمين وهما – أي القدمان – طاهرتان .

وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم :إلى أنه لا يشترط ذلك .

قالوا : لأنه يصدق عليه أنه لبس الخفين على طهارة ، وهو الأقرب .

فإن حصل منه ذلك فما المخرج ؟

قالوا: يخلع الخف الأول ثم يلبسه ، لأنه لا يشترط الترتيب في لبس الخفين فلو أن رجلاً مثلاً : غسل رجليه ثم لبس الخف الأيسر قبل الأيمن فلا بأس ولا حرج .

قال ابن القيم :وهذا نوع عبث ؛ لأنه لاغرض للشارع فيه ، ولامصلحة للمكلف ، فالشرع لايأمر به .

 

قوله : [ ومن مسح في سفر ثم أقام أو عكس أو شك في ابتدائه فمسح مقيم ]

هنا ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : ( من مسح في سفر ثم أقام )

إذا مسح وهو مسافر بأن لبس خيفه في سفر ومسح عليهما لكنه قبل أن يتم المدة أقام فيتم مسح مقيم ، فينظر ما بقي له من مدة المقيم وهذا بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن المنذر رحمه الله .

المسألة الثانية : عكس ذلك وهي أن يمسح في حال الإقامة ثم يسافر .

قالوا : يتم مسح مقيم ، إذن : يتم ما كان قد بدأه فإذا مضى يوم وليلة فإنه يجب عليه أن يغسل قدميه هذا هو مذهب الحنابلة .

وتعليلهم : أنه قد اجتمع عندنا مانع ومبيح فرجحنا المانع على المبيح.

فالمبيح أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن هو السفر والمانع هو كونه ابتدأه في الحضر فيرجح الجانب المانع على المبيح تغليباً له ، وهذا من باب الاحتياط .

وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ، وذكر الخَلاَّل أن الإمام أحمد رجع إلى هذا القول :أنه يمسح مسح مسافر وهذا هو الراجح ، لأنه أصبح مسافراً فجاز له أن يترخص برخص المسافرين .

ثم إن العلة وهي رفع المشقة والحرج عن المسافر ثابتة لمن ابتدأه في حال الإقامة كثبوتها فيمن ابتدأه في حال السفر

المسألة الثالثة : ( أوشك في ابتدائه فمسح مقيم )

رجل في سفر قال : لا أدري هل ابتدأت المسح وأنا مسافر أو مقيم ؟

قالوا : يمسح مسح مقيم تغليباً لجانب الحضر.

 والراجح: أنه يتم مسح مسافر لأن هذه المسألة أولى من المسألة السابقة ، فإن المسألة السابقة التي تقدم ترجيحها قد تيقن أنه ابتدأه مقيماً وجاز له مسح مسافر .

فالراجح : بناءً على القول الراجح ، أنه إذا شك في المسح وهو مسافر هل ابتدأه وهو مسافر أم مقيم فإنه يتم مسح مسافر .

مسألة :

إذا شك في المدة يعني مدة المسح هل ما زالت باقية أم أنها انتهت فما الحكم ؟

فإنه يبني على الأصل ، والأصل هو الغسل ، فالأصل أن القدمين بغسلان ، والمسح إنما هو رخصة .

فعلى ذلك : يبني على الأصل وهو غسل القدمين  وهذا قد اتفق أهل العلم عليه  كما إنه هو الاحتياط في هذا الباب العظيم الذي هو مرتبط بالصلاة .

 

قوله : [ وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر ]

هذا استثناء لما تقدم في المسألة السابقة .

تقدم أن المذهب أنه لو مسح مقيماً ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم .

لكن إذا لبس رجل خفيه وأحدث ثم سافر ومسح عليهما وهو مسافر . قالوا : يتم مسح مسافر وهذا مما اتفق عليه أهل العلم حتى حكي إجماعاً

وهذا مشكل على المذهب . فإنه قد تقدم أن مدة المسح تبدأ  عندهم  من الحدث وهو مذهب الجمهور ، وهو هنا قد أحدث في حال الإقامة ، وقد مضى من ذلك مدة ثم سافر ، فهذا مشكل على المذهب وعلى غيره ممن قال بهذا القول .

وهذا مما يدل علي ضعف القول المتقدم الذي فيه أن وقت المسح يبدأ من الحدث ، وقد قال الموفق في هذه المسألة – أي مسألة من لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح وهو مسافر قال : ( لا نعلم في ذلك خلافاً ) حتى حكي ذلك إجماعاً ،وإن مما يدل على ضغف القول أن يحصل فيه اضطراب .

فإذن على المذهب : رجل لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح فإنه يمسح مسح مسافر .

ولو أنه لبس خفيه ثم أحدث ثم مسح مقيماً ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم ، فخالفوا بين أمرين لا فارق مؤثر بينهما . والراجح : أنه من سافر وقد بقيت مدة من مسحه وهو مقيم فإنه يمسح مسح مسافر ، لأن الوصف وهو السفر ثابت به ، والعلة وهي رفع الحرج ثابت فيه

 

قوله : [ ولا يمسح قلانس ولا لفافة ولا ما يسقط من القدم أو يُرى منه بعضه ]

قوله : ( ولا يمسح قلانس ) هذا هو المذهب

وقد تقدم أن الراجح وهو إحدىالروايتين عن أحمد جواز المسح عليها .

قوله : ( ولا لفافة )

اللفافة هي : ما يلف على الرجل حتى يكون كهيئة الخف أو الجورب . فلا يجوز المسح عليها في المشهور في المذهب .والعلة أنها لم تثبت  بنفسها  بل تثبت بالربط والشد .

لكن هذا القول تقدم ضعفه وأنه لا يشترط في الخف والجورب أن يثبت بنفسه ، بل لو ثبت بربط أو شد جاز المسح عليه .

بل مسح اللفافة أولى من مسح الجورب أو الخف ، وذلك لأن مشقة النزع في اللفافة أشد منها في الخف والجورب، فإن خلع الخف والجورب أهون من خلع اللفافة

واختار شيخ الإسلام وهو قول في المذهب : أن اللفافة يصح المسح عليها وهو الراجح  واختاره كثير من المحققين كالشيخ السعدي .

قوله : ( ولا ما يسقط من القدم )

فالذي يسقط من القدم كذلك لا يجوز المسح عليه .

قالوا : لأنه لا يثبت بنفسه .

وقد تقدم تضعيف هذا التعليل ؛ وأنه إذا كان يسقط من القدم ثم شد بشيء أو ربط فيه شيء فإنه يجوز المسح عليه .

ومثل ذلك : قوله : ( أو يُرى منه بعضه ) : إذا كان فيه خرق بحيث أنه يُرى من خلاله شيء من القدم فإن المذهب: أنه لا يجوز المسح عليه سواء كان الخرق يسيراً أو كثيراً ، وسواء كان ذلك لخرق أو كان لشفافيته وصفائه ، فلو ظهر من القدم شيءٌ لصفاء الخف فلا يجوز المسح عليه .

وتقدم ترجيح جواز المسح على الخف الصافي وكذلك المخروق .

 

تقدم شرح قول المؤلف : ( إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة )

أي بالماء لا بالتراب ، فإن من تيمم ولبس خفيه فليس له أن يمسح عليهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :( فليتق الله وليمسه بشَرتَه ) أي عليه إذا وجد الماء أن يتقي الله وأن يمس الماء بشرته .

وهذا يدل على أن طهارة التيمم لا يجوز أن يبني عليها مسح الخفين ، وهذا هو المشهور في المذهب .

واعلم أن لفظة ( بعد كمال الطهارة ) يدخل فيها من فيه حدث متجدد كسلس البول والاستحاضة لأن هذه الطهارة كمال في حقه .

واعلم أنه لا يشترط – كما هو المشهور في المذهب – لا يشترط أن يبني المسح على الخفين على طهارة خالية من المسح خلافاً لبعض الحنابلة ، لحديث :(فإني أدخلتهما طاهرتين ) فلو مسح فيها على حائل كعمامة أو جبيرة ، فلا بأس أن يبني على هذه الطهارة فيمسح خفيه ، وكذا لو تيمم لجرح في بعض أعضائه .

 

قال المؤلف رحمه الله : ( فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني )

رجل لبس خفاً على خف في كل رجل أولبس جوربين في كل رجل فهنا ثلاث صور :

الصورة الأولى : وهي التي ذكرها المؤلف : رجل توضأ فلبس خفيه وقبل أن يحدث لبس خفين آخرين .

فالحكم : أنه يمسح على الفوقاني وهو مذهب جمهور أهل العلم فيكون الخفان كالخف الواحد – أي في الحكم –

الصورة الثانية : وهي مقابلة لهذه الصورة وهي : أن يلبس الخف الثاني بعد الحدث .

مثال : رجل لبس الخفين ثم أحدث ثم لبس خفين آخرين فهذا اللبس ليس مما يبنى عليه المسح على الخفين لأنه لبسهما على حدث .

لكن يتخَّرج على ماذكره شيخ الإسلام في العمامة جواز المسح على الكنادر ؛ لكثرة نزعهما ولبسهما ،وإن لبسهما على غير طهارة .

الصورة الثالثة : أن يلبس الخفين ثم يحدث ثم يمسح عليهما ثم يلبس خفين آخرين .

فهل يجوز له المسح علي الخفين الآخرين ؟

قولان لأهل العلم :

فالمشهور في المذهب : أنه لا يجوز المسح على الفوقاني ؛ لأن الخفين الأولين بدل عن غسل القدم والبدل لا بدل له .

2- والقول الثاني : وهو قول بعض الشافعية: أنه يجوز أن يمسح علىالفوقاني ؛  لأنه قد أدخل الخفين على طهارة ، وهذان الخفان يكون لهما حكم واحد فهما كالخف الواحد فكلاهما غطاء للقدم ، فيكون حكمهما كالخف الواحد الذي له ظِهارة وبطانة .

وهذا القول أظهر من القول الأول .

نعود إلى الصورة الأولى وهي : ما إذا لبس خفاً على خف قبل الحدث ، فقد تقدم أنه يجوز المسح على الخف الفوقاني ، فإذا مسح عليه فالمشهور في المذهب أنه يثبت الحكم له دون التحتاني ويكون التحتاني كأنه جزء من القدم .

فإذا خلع الفوقاني وجب عليه أن يغسل قدميه في المشهور في المذهب .

والقول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها جماعة من أصحابه كالمجد وهو مذهب الجمهور : أنه لا يثبت الخلع للتحتاني بخلع الفوقاني ،فله أن يمسح عليه .

قالوا : لأنه إذا خلع الفوقاني فإن القدم ما زالت مغطاة بخف قد لُبس على طهارة وهذا القول أظهر .

واعلم أن الخفين - الفوقاني والتحتاني - لهما أربعة أحوال :

الحالة الأولى : أن يكونا صحيحين فلا إشكال لأن  كليهما يصح أن يمسح عليه منفرداً

الحالة الثانية :أن يكونا مخرقين  فالمشهور في المذهب :أنه لا يجوز له أن يمسح عليهما جميعاً لأن القدم لم يثبت عليها خف صحيح .

والقول الثاني في المذهب :أنه يجوز أن يمسح عليهما لأنهما بمجموعهما يستران القدم .

الحالة الثالثة : أن يكون الأسفل مخرقاً والأعلى صحيحاً ، فالحكم للفوقاني ، وهذا على القول بأن الخف المخرَّق لايجوز المسح عليه , وتقدم ترجيح جواز المسح عليه .

الحالة الرابعة :

أن يكون الأسفل صحيحاً والأعلى مخرّقاً

فهل يجوز أن يمسح الأعلى أم لابد أن يمسح الأسفل ؟

قولان في المذهب .

القول الأول : أنه يمسح على التحتاني فقط

القول الثاني وهو المذهب يجوز أن يمسح على الفوقاني , ويكون الأسفل كجزء من القدم وهو أظهر .

 

قوله : ( ويمسح أكثر العمامة )

قياساً على الخف ، فلا يجب عليه أن يمسح العمامة كلها ، بل يجوز له قياساً - على الخف – أن يمسح أكثرها فكلاهما بدل عن عضو ، فهذا بدل عن القدمين وتلك بدل عن الرأس ، والخف يمسح ظاهره – كما سيأتي – فكذلك العمامة يكتفي بمسح أكثرها , وذكر الحنابلة أنه يختص المسح بدوائرها أي بكور العمامة دون وسطها ، ولم أر دليلاً يدل على ذلك .

 

قوله : [ وظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه ]

( وظاهر قدم الخف ) : أي فلا يمسح أسفله وإنما يمسح أعلاه أي أعلى الخف .

ودليل ذلك : ما روى أبو داود والترمذي من حديث علي قال : ( لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه ) .

ويدل عليه أيضاً ما روى أبو داود والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما ) ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على أسفل الخف .

وأما ما رواه الأربعة إلا النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مسح أعلى الخف وأسفله ) فالحديث إسناده منقطع ، وقد ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة وغيرهم من أئمة الحديث ، فالحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

إذن : المشروع له أن يمسح ظاهر خفيه .

فإن مسح أسفله دون ظاهره فلا يجزئه ذلك لأن كل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد ، وأمره إنما هو مسح ظاهر الخف دون أسفله , وهما بدل عن القدم .

والأظهر أنه يبدأ بالأيمن ثم الأيسر لأن البدل له حكم المبدل منه .

وقوله : ( من أصابعه إلى ساقه ) : لما روى البيهقي من حديث الحسن عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مسح على خفيه فوضع اليمنى على خفه الأيمن واليسرى على خفه الأيسر ثم ذهب بهما إلى أعلاه مسحة واحدة ) لكن الحديث إسناده منقطع ، فإن الحسن لم يسمع من المغيرة .

قال الإمام أحمد : ( كيفما فعل أجزأه  باليد الواحدة أو باليدين ) سواء بدأ من الأسفل إلى الأعلى ، أو من الأعلى إلى الأسفل وسواء مسح ذلك على الصورة المتقدمة في الحديث اليمنى على الأيمن واليسرى على الأيسر , أو اليمنى على الأيسر ، واليسرى على الأيمن ، أو مسح باليمنى كليهما , أو باليسرى كليهما ، فكل ذلك جائز لا حرج فيه ، والحديث الذي تقدم ذكره إسناده ضعيف .

 

قوله : [ وعلى جميع الجبيرة ]

 هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وأنه يجب المسح على الجبيرة كلها ، فلا يكتفي بمسح بعضها ، ولو كان ذلك الممسوح أكثرها ، بل يجب أن يعمها بالمسح وذلك لأنها بدل عن العضو الواجب غسله .

فإن قيل : ألا تقاس على الخفين ؟

فالجواب : لا تقاس على الخفين للفوارق بينها وقد تقدم ذكر بعضها .

منها: أنها لا تتقيد بالمدة .

ومنها: أنها لا يشترط فيها الطهارة خلافاً للمذهب .

ومنها : أنها لا تختص بعضو من الأعضاء بخلاف الخف .

ومنها : أنها لا تختص بالحدث الصغر .

وعليه فيجب مسح جميعها بناءاً على الأصل وهو أن ( البدل له حكم المبدل ) , والمبدل يجب أن يعمم بالغسل .

قوله :( ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته استأنف الطهارة )

إذا ظهر بعض محل الفرض فإنه يبطل الوضوء .

وعليه فإذا خلع خفيه فإن الوضوء يبطل – وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء –

قالوا : لأنه بخلع خفه قد أزال محل المسح ولأن النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا في تمام المدة – قد وقت مدة محددة فمتى انتهت هذه المدة يبطل المسح .

وذهب الحسن وقتادة في المسألتين كلتيهما وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب ابن حزم إلى أن خلع الخف وتمام المدة لا يبطلان الوضوء فإذا خلع خفيه فإن وضوءه باق وكذلك إذا تمت المدة فإن وضوءه باق .

أما الخلع : فقالوا هو نظير حلق الرأس ، فمن حلق رأسه فإن وضوءه لا يبطل , ثم إن خلع الخفين ليس من نواقض الوضوء فليس بحدث ينقض الوضوء والأصل بقاء الطهارة وثبوتها إلا بدليل , ولا دليل يدل على ذلك .

وأما المدة فقالوا إنما وضعها النبي صلى الله عليه وسلم لبيان الوقت الذي يجوز فيه المسح , وليس في ذلك أنه لا يجوز له أن يصلي بوضوء وقع في مدة المسح .

فلو أنه مسح قبل ساعة من انتهاء مدة المسح فإذا تمت المدة فلا يجوز له أن يمسح هذا هو ظاهر الأدلة وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بهذا الوضوء , والأصل بقاء الطهارة ولا دليل يدل على النقض وهذا هو الراجح .

إذن الراجح : ما ذهب إليه الحسن البصري وهو اختيار شيخ الإسلام من أن خلع الخفين وانتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء .

 

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net