عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
أول الكتاب
 

كتاب الصلاة

الصلاة لغة : الدعاء .

اصطلاحاً : أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم . وسميت صلاةً لاشتمالها على الدعاء

وقد فرضها الله تعالى على عباده ليلة أسرى بالنبي r ، كما في الحديث المتفق عليه في قصة الإسراء .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ تجب على كل مسلم مكلف ]

الصلاة فرض على كل مسلم مكلف ، قال تعالى : ] وأقيموا الصلاة [ ، وقال تعالى : ] إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً [ ، وفي حديث جبريل عليه السلام في الصحيحين : ( قال ما الإسلام ؟ قال عليه الصلاة والسلام  أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة ...الحديث ) ،وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما  ( بني الاسلام على خمس شهادة ان لاإله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ) وقد أجمع العلماء على أنها فرض على المكلفين .

والمكلف هو : البالغ العاقل ذكراً كان أو أنثى حراً كان أو عبداً.

 

قوله : [ إلا حائضاً ونفساء ]

فلا تجب الصلاة عليهما لا أداءً ولا قضاءً بل لا يحل للحائض أن تصلي أو تصوم ، قال النبي r : ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ). متفق عليه وهذا بإجماع العلماء .                                                              

كما أن العلماء أجمعوا على أنها لا تقضي الصلاة لما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( كان يصيبنا ذلك على عهد النبي r فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) متفق عليه .

 

قوله : [ ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه ]

قوله : " أو نحوه " : كأن يشرب دواءً مباحاً يزيل عقله.

قوله " بنوم ": اتفاقاً ، فيجب عليه القضاء ، لقوله r : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )

 وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن صلاتة أداءً لا قضاءً لأن النبي r وقَّت للنائم الصلاة عند استيقاضه ، وكذلك الناسي وهو أظهر .

قوله : " أو إغماء ": فالمغمى عليه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات و لو كانت صلاة أيام.

قالوا : قياساً على النائم .

ولما في سنن البيهقي : ( أن عمار بن ياسر أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق نصف الليل فقضى تلك الصلوات ) هذا هو مذهب الحنابلة .

 

 

وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المغمى عليه لا يجب عليه القضاء فلو أغمي عليه – مثلاً – قبل أذان الظهر فلم يفق حتى خروج وقتها فإنه لا يقضيها .

قالوا : لأن الأصل عدم القضاء إلا أن يدل دليل على وجوبه ، وقياسه بالمجنون أشبه ، بجامع زوال العقل زوالاً غير طبيعي .

ولا يقاس على النائم – كما ذكرتم – لأن النائم زوال عقله زوال طبيعي وهو يتكرر فلو لم تقضَ الصلاة بالنوم والنسيان لأدى ذلك إلى ترك كثير من الصلوات ، بخلاف الإغماء فإنه إنما يقع نادراً فلم يكن حكمه كحكم النوم ، فإن الحكم بترك القضاء مع النوم يؤدي إلى ترك صلوات كثيرة والشارع قد أكد وجوبها والمحافظة عليها غاية المحافظة وكون النائم لا يقضي ينافي ذلك .

بخلاف المغمى عليه فإن حالته نادرة ، وهو أثناء الإغماء ليس بمكلف لأنه قد زال عقله في تلك الحال بغير اختياره والذي لا عقل له كالمجنون لا يجب عليه القضاء اتفاقاً ، وقياسه بالمجنون أشبه .

ثم إن النائم إن أُوقظ استيقظ وزال عنه مانع الصلاة وأما المغمى عليه فإنه لا يستيقظ بإيقاظه، وهذا القول هو الراجح ، و به أفتت اللجنة الدائمة إلا أن يفيق في جزء من وقتها.

أما أثر عمار بن ياسر فإسناده ضعيف ، وقد نبَّه على هذا ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي .

وكذلك عندنا أثر يخالفه وهو أثر صحيح رواه مالك في موطئه وغيره بإسناد صحيح : ( أن ابن عمر أغمي عليه ثلاثة أيام ولياليهن فلم يقض ) .

إذن : هذا الأثر صحيح لا مخالف له عندنا ، وهو يرجح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء من أن المغمى عليه لا يقضي سواء كان الإغماء أكثر من يوم وليلة أو أقل .

" أو سكر " حكى غير واحد من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية اتفاق أهل العلم على من ذهب عقله بسكر فإنه يجب عليه القضاء ولأن السكر حصل باختياره وهو غير مأذون فيه ، ويستدل لهذا أيضاً : أن أمره بالقضاء عقوبة له على تركه للصلاة وفيه نظر لأن العقوبة بالحد ويمكن أن يستدل عليه بقياسه على النائم ، ولأن السكر حصل باختياره وهو غير مأذون فيه .

- ومن ذهب عقله بدواء مباح فا الصحيح أنه لا يجب عليه القضاء ، وهو مذهب المالكية والشافعية واختيار شيخ الإسلام لما تقدم .

مسألة :

هل يجب القضاء قبل بلوغ العلم للمكلف أو هل تجب الشرائع قبل العلم بها ؟

فلو أن رجلاً ترك الصلاة لكونه ناشئاً في بادية ، أو لكونه حديث عهد بإسلام ، أو ترك الزكاة في عروض التجارة جاهلاً ، ولم يبلغه وجوب ذلك ، فإذا بلغه فهل يجب عليه أن يقضي السنوات السابقة أم لا ؟

المشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم وجوب ذلك .

 

 

وهناك وجه عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام أنه لا يجب ، وأن الشرائع لا تجب إلا بعد العلم بها فالقاعدة – عند شيخ الإسلام – أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها .

وهو قول دلت عليه النصوص الشرعية ، ومنها أن المسيء صلاته أمره النبي r  أن يعيد صلاة الوقت ولم يأمره بإعادة الصلوات السابقة لكونه جاهلاً بأركنها وفرائضها التي لا تصح الصلاة إلا بها ، ولو كانت الشرائع واجبة قبل العلم بها لأمره النبي r بقضاء الصلوات التي صلاها مختلة الشروط والأركان مما لا تصح الصلاة بدونها.

 

قوله : [ ولا تصح من مجنون ]

والمجنون في عرف الفقهاء من زال عقله بجنون أو خرف أو غير ذلك ، فكل هذا يطلق عليه في عرفهم مجنون فلا تصح من مجنون ؛ لأنه لا قصد له ومن لا قصد له لا نية له .

 ولا تصح أيضاً ممن لا تمييز له كالطفل ، فلو صلى فلا تصح منه الصلاة  فلا تصح من مجنون ولا غير مميز ، لأنهما لا نية لهما.

ومن شروط العبادة النية قال r : ( إنما الأعمال بالنيات ) متفق عليه ، ولذا أجمع أهل العلم على أنها لا تصح من المجنون وغير المميز.

 

قوله : [ ولا كافر ]

فلا تصح صلاته ، ودليل ذلك قوله تعالى: ] وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله [.

فإذا كانت النفقات التي فيها النفع المتعدي لا تقبل منهم بسبب كفرهم بالله وبرسوله فأولى من ذلك الصلاة التي نفعها لازم لصاحبها ، وإن كان يعاقب على تركها لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة.

 

فإذا أسلم ثم ارتد ثم أسلم ، فما حكم ما تركه من صلاة في حال ردته وحال إسلامه السابق ؟

المشهور في المذهب وهو الصواب أن ماتركه في حال ردته لا يقضيه ؛ لأن الأداء منه حال الردة لا يصح فلم يجب عليه القضاء ، وللآية الكريمة ) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف ( وأما ماتركه حال إسلامه فيجب عليه قضاؤه لتعلقه بزمن .

والمذهب - وهو الصحيح - أن المرتد لا يحبط عمله إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه للآية الكريمة ) ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر(

 

قوله : [ وإن صلى فمسلم حكماً ]

رجل ذمي في بلاد إسلامية صلى صلاة المسلمين فيحكم له بالإسلام في الظاهر , فإن مات ورثه ورثته المسلمون ويصلى عليه ويغسل ويكفن وغير ذلك من أحكام المسلمين هذا في الظاهر وأما السرائر فالله يتولاها ودليل ذلك :

 

 

قوله r : ( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ) رواه البخاري , ولما روى مسلم أن النبي r قال : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) وقوله r  : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة )

فإن فعل ناقضاً بعد أن صلى أو قال : كنت هازلاً في الصلاة أو نحو ذلك فلا يقبل ذلك منه بل يحكم عليه بالردة   ولا يعطى أحكام الكفار الأصليين بل يعطى حكم الكفار المرتدين ، لأننا حكمنا عليه لما صلى بأنه مسلم في الحكم الظاهر ، فإذا ادعى خلافه وأصر على الكفر فهذا ارتداد منه وله حكم المرتدين ، قال r : ( من بدل دينه فاقتلوه ).

 

قوله : [ ويؤمر بها صغير لسبع ، ويضرب عليها لعشر ]

يؤمر بها : "  أي الصلاة " الصغير سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً

" لسبع " أي تم له  سبعُ سنين و شرع في الثامنة .

وإذا تم له عشر سنين وشرع في الحادية عشرة فإنه يضرب على الصلاة ضرب تأديب وهذا خطاب للولي .

والمذهب وجوب ذلك ، وأن هذا واجب على الأولياء ، بل يثبت التعزير على الترك كما قال شيخ الإسلام : " فمن لم يفعل فإنه يعزر تعزيراً بليغاً " ، لأنه ترك ما وجب عليه أي من الأولياء .

فالصبي وإن كانت الصلاة له نفل ، لكن هذا الأمر لتعليمه وتعويده على الصلاة المكتوبة فيألفها و يعتادها فتسهل عليه بالغاً ، وإلا فإن الصلاة لا تجب على من لم يبلغ لقوله r فيما رواه الخمسة : ( رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ) .

إذن : يجب على الولي ونحوه أن يأمر الصبي بالصلاة لسبع ، وأن يضربه عليها لعشر ، ويلزمه تعليمه إياها وتعليمه الطهارة وما يشترط للصلاة.

وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي والحديث روي من غير وجه عن أصحاب النبي r وهو حديث صحيح  أن النبي r قال : ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع ) ، فقوله r : " مروا " أمر والأمر للوجوب ما لم يأت صارف ولا صارف له .

وقال بعض الفقهاء وصوبه في الإنصاف أن التمييز يكون بفهم الخطاب ورد الجواب وليس له سن محدده ، والراجح الأول للحديث.

ويشترط لصحة صلاة الصبي المميز ما يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في السترة كما سيأتي في باب ستر العورة و في ترك القيام مع القدرة.

 

قوله : [ فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد ]

يجب عليه إذا بلغ في أثنائها أن يعيدها ، وكذلك إذا بلغ بعدها في وقتها أن يعيدها .

قالوا : لأنها أصبحت فريضة عليه وهو إنما صلى على هيئة التطوع والتنفل فلا يجزئ التنفل عن الفرض.

 

 

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو تخريج لأبي الخطاب أنه لا يجب عليه أن يعيد الصلاة ولا يؤمر بذلك ، لأنه فعل ما أمر به فأجزأ عنه واختاره شيخنا الشيخ محمد – رحمه الله -.

 

قوله : [ و يحرم تأخيرها عن وقتها إلا لناوي الجمع ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً ]

هذه المسألة هي في باب المواقيت أنسب منها في هذا الباب ، فإنها في تأخير الصلاة عن وقتها وستأتي الأدلة الدالة على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بل يجب أن تصلى في المواقيت التي وقتها الشارع .

و يستثني من التحريم مسألتان :

المسألة الأولى : ناوي الجمع ، مثال هذا : رجل أخر صلاة الظهر عن وقتها بنية أن يجمعها مع العصر جمع تأخير وهو ممن يجوز له الجمع فيجوز له ذلك بالإجماع ، وقد فعل ذلك النبي r ودلت عليه الشريعة .

المسألة الثانية : لمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً.

كما لو تخرق ثوبه واشتغل بخياطته و ليس عنده غيره ، و هذا قول ابي محمد و عليه المذهب عند المتأخرين ، قال شيخ الإسلام " و لم يقل به أحد قبله من الأصحاب ".

و الأكثر أقتصروا على الأول و لو جاز انتظار الشرط لم يشرع التيمم فالوقت يقدم على الصحيح.

و قوله: " قريباً " هذا ليس بمؤثر ما دام في ذلك إخراج للصلاة عن الوقت فلا فرق بين قريب و بعيد.

 

قوله : [ من جحد بها كفر ]

من جحد وجوب الصلاة كفر وإن فعلها إجماعاً ، لأنه منكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وهذا أصل مطرد في مباني الأسلام الخمسة و في جميع الأحكام الظاهرة المجمع عليها.

إلا إذا كان يمكن أن يخفى عليه مثل هذا كأن يكون حديث عهد بإسلام أو ناشئاً ببادية بعيدة عن الإسلام فإنه لا يكفر حتى يعرف .

 

قوله : [ وكذا تاركها تهاوناً ]

فمن ترك الصلاة كسلاً وتهاوناً فهو كافر أيضاً , وهذا هو مذهب الحنابلة خلافاً لمذهب المالكية والأحناف والشافعية فإنهم قالوا : إن تارك الصلاة غير الجاحد لوجوبها لا يكفر وإن تركها مطلقاً .

واستدل الحنابلة وهو مذهب جمهور السلف ، وهو قول إسحاق وابن المبارك ، بقول الله تعالى : ] فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين [ ، فدل ذلك على أنهم إن لم يفعلوا ما ذُكر فليسوا بإخوان لنا في الدين ، والأخوة الدينية لا تنفى إلا مع الكفر بدليل أن الله تعالى أثبتها مع قتل النفس ، قال تعالى : ] فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف [.

فإن قيل فلم لا تكفرون تارك الزكاة ؟

فالجواب : عن الإمام أحمد رواية أخرى بتكفير تارك الزكاة .

 

والمشهور في المذهب أنه لا يكفر وهذا هو الراجح فعلى هذا ما الجواب ؟

الجواب أن يقال : إن أدلة أخرى دلت على أن تارك الزكاة لا يكفر ، منها قوله r في تارك الزكاة : ( فيرى سبيله إما إلى الجنة ، وإما إلى النار ) فهذا يدل على أن تارك الزكاة لا يكفر .

واستدلوا بما ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ).

فجعل النبي r ترك الصلاة فاصلاً بين الإيمان والكفر ، وذكر الكفر معرفاً بأل الاستغراقية التي تفيد أن هذا مستغرق في الكفر ، فدل على أنه هو الكفر الأكبر كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

وهذا هو الأصل في إطلاق لفظة الكفر وأنها الكفر الأكبر إلا أن يأتي دليل يدل على أن المراد بها الكفر الأصغر.

واستدلوا على ذلك بما ثبت عند أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم : أن النبي r قال : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) .

واستدلوا بإجماع الصحابة ، فقد ثبت في سنن الترمذي بإسناد جيد عن عبد الله بن شقيق قال : ( ما كان أصحاب النبي r يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة ).

قالوا : والصحابة أعلم الخلق بالشريعة ، وقد دلت الآثار على أن هناك من الأعمال ما هو شرك أصغر كالحلف بغير الله وكيسير الرياء ، وكالنياحة ، وكالفخر بالأحساب والطعن في الأنساب ونحو ذلك .

 ولذا ذكر ابن حزم أن الصحابة قد أجمعوا على كفر تارك الصلاة .

قال ابن رجب : " ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها " .

واختار شيخ الإسلام أنه لا يكفر إلا إذا كان تاركاً للصلاة مطلقاً ، أما إذا كان يصلي تارة ويدع تارة كما يقع لكثير من المسلمين فإنه لا يكفر بذلك ، واختار هذا الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب والشيخ محمد بن عثيمين ، وسيأتي ما يدل عليه .

وأما الأحناف والمالكية والشافعية فاستدلوا بما ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية ، ويبقى أناس فيهم الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آبائنا يقولون " لا إله إلا الله " فنحن نقولها ) قال صلة بن زفر - وهو الراوي عن حذيفة – " وهل تغنيهم هذه الكلمة وهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك فأعرض عنه حذيفة فسأله ثلاثاً وهو يعرض عنه ثم قال : تنجيهم من النار – ثلاثاً - "  .

قالوا : فهذا يدل على أنهم ليسوا بكفار إذ لو كانوا كفاراً لما قال حذيفة : " تنجيهم من النار ".

و الجواب عن ذلك : أن هؤلاء لهم حكم خاص ، فإنهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك لارتفاع الشرائع فقد أسري بكتاب الله ولم يبق من شريعة الله في الأرض إلا " شهادة أن لا إله إلا الله " فهم جهال بترك الصلاة ونحوها ، وهم معذورون بذلك لذا قال : " تنجيهم من النار " ولذا أعرض عنه ثلاثاً .

 

وقد تقدم أن الجاحد لوجوبها والتارك لها إذا كان يمكن أن يجهلها فإنه لا يكفر ، وهؤلاء قد عاشوا في حياة قد ظهر فيها الجهل إلى الغاية ، حيث لم يبق في الأرض كتاب ولا سنة فهم أولى بهذا الحكم من غيرهم .

واستدلوا : بما ثبت في البخاري أن النبي r قال – فيمن يخرج من النار إلى أن قال - : ( فيخرج منها قوم لم يعملوا خيراً قط ) وهذا من المتشابه الذي لا يترك به المحكم مما تقدم من الأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة وهذا من المتشابه ، لأن هذا الحديث عام  في هذه الأمة وغيرها فمن يدخل النار من هذه الأمة وغيرها ، ولا مانع من أن تكون الصلاة قد فرضت على بعض الأمم السابقة ولم يحكم بكفر تاركها كما في هذه الأمة ، فإن قوله : " ثم يخرج منها قوم لم يعملوا خيراً قط ".

ولا مانع أيضاً أن يكون هؤلاء معذورين.

إذن : هذا من المتشابه والواجب العمل بالمحكم وإرجاع المتشابه إليه .

ولذا قال الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد " لم يعملوا خيراً قط ، أي على وجه التمام والكمال".

واستدلوا بما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي r قال :  ( خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) .

قالوا : فهنا قال : ( ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه ) قالوا : فدل هذا على أنه داخل تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة إلا المسلم .

والجواب على ذلك : أن قوله : " فمن لم يفعل " راجع إلى ما تقدم أي : من لم يفعل الصلوات الخمس على الوصف المتقدم بأن يصليهن لوقتهن وقد أتم ركوعهن وخشوعهن وأحسن وضوءهن ، فمن لم يفعل ذلك بأن أخل بشيء مما تقدم كأن يصلي تارة ويدع تارة أو يؤخر الصلاة عن وقتها أو لا يتم خشوعها أو ركوعها أو نحو ذلك فإنه تحت مشيئة الله تعالى ، أما من تركها على الإطلاق فإنه لا يدخل في هذا وقد استثنته الأدلة التي تقدم ذكرها القاضية بكفر تارك الصلاة.

والقول الراجح : هو ما ذهب إليه الحنابلة وجمهور السلف إلا أنه يقيد بما ذكره شيخ الإسلام، وأن من تركها تارة وتارة فإنه لا يكفر بذلك لهذا الحديث.

فإن من لم يحافظ على الصلوات محافظة تامة بحيث يحافظ عليهن خمساً فهو يصلي تارة ويترك تارة فهو داخل تحت الوعيد إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له ، والعلم عند الله تعالى .

أما من وطَّن نفسه على تركها فلا يصلي ظهراً ولا عصراً ولا مغرباً ولا عشاءً ولا فجراً فهذا هو الذي يكفر

 

قوله : [ وكذا تاركها تهاوناً ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها ]

ذكر شرطين في تكفيره :

الشرط الأول : أن يدعوه الإمام أو نائبه .

الشرط الثاني : أن يضيق وقت الثانية عنها .

 

أما الشرط الأول فقالوا : لا يكفر إلا إذا دعاه الإمام أو نائبه لأنه قد يظن أن له عذراً بترك الصلاة وليس ذلك بعذر فلا يكفر حتى يدعوه الإمام أو نائبه ، وإنما خص ذلك بالإمام أو نائبه لأن الحدود مرجعها إلى الأئمة ونوابهم دون غيرهم من آحاد الناس .

ولكن هذا القول ضعيف لأنه قيد لم تعتبره الأدلة ، لذا قال ابن رجب في تتمة كلامه المتقدم قال : " وظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ولم يعتبروا دعاءه ولا الاستتابة " وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره قال " وينبغي أن يحمل على الكفر الظاهر لعموم الحديث" ، أي كلام الفقهاء.

وكذلك الشرط الثاني :  وهو قولهم " وضاق وقت الثانية عنها " يعني مثلاً : ترك صلاة الظهر حتى خرج وقتها لا يكفر بذلك حتى يضيق وقت العصر عنها.

قالوا : لأنا لا نجزم بأنه عازم على ترك الصلاة إلا بهذا .

ولكن هذا ضعيف ، وتقدم ما قاله ابن رجب عن الإمام أحمد وغيره وأن ظاهر كلامهم أن المعتبر هو خروج وقت الصلاة وهذا هو اختيار المجد واستظهره في الفروع ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهذا الترجيح لشيخ الإسلام إنما هو في القتل وأما التكفير فقد تقدم اختياره.

 

قوله : [ ولا يقتل ]

القتل عقوبة لتارك الصلاة في الدنيا ، لما في الصحيحين أن النبي r قال : ( نهيت عن قتل المصلين ) ، ولما ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا : أفلا نقاتلهم يا رسول الله قال : لا ما صلوا ) وهو مذهب أكثر الفقهاء وأنه يقتل .

 

[ ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما ]

أي في جحود الصلاة أو في تركها تهاوناً وكسلاً وذلك لأنه مرتد فمتى دعاه الإمام أو نائبه وضاق وقت الثانية فلم يصل فهو مرتد ، والمرتد يُقتل ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً كما هو مذهب الجمهور واستدلوا بالأثر الذي رواه مالك في موطئه عن أمير المؤمنين عمربن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في المرتد : ( فهلا حبستموه ثلاثاً وأطعمتموه كل يوم رغيفاً واستستبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله )

والصحيح أن الاستتابة ليست بواجبة كما هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وأحد القولين للإمام الشافعي ومذهب طائفة من التابعين لما في الصحيحين أن النبي r قال : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ولم يذكر استتابة .

وثبت في الصحيحين أن معاذ بن جبل قدم على أبي موسى الأشعري وعنده رجل موثقٌ فقال : ما هذا قال : كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينه دين السوء ، فقال : ( لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فقال : اجلس ، فقال : " لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قال ذلك ثلاثاً ثم أمر به فقتل ) .

ولا يصح عن النبي r حديث في الاستتابة .

 

 

وأما الأثر المروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  ، فقد رواه مالك في موطئه بإسناد ضعيف فيه انقطاع وجهالة .

فالراجح : عدم اشتراط الاستتابة لكنها مستحبة من غير أن يعتد بيوم ولا يومين ولا ثلاثة وإنما بقدر المصلحة.

كما أن النظر يدل على أنها ليست بواجبة ، لأن الكافر الأصلي المحارب المهدر دمه لا يستتاب وجوباً بل يقتل من غير استتابة فيجوز أن يُغار على الكفار كما دلت عليه الأدلة الشرعية ولم يوجب النبي r استتابتهم ولا إنذارهم ، وإنما لا يجوز قتل من لم تبلغه الشريعة حتى يدعي إليها ، وهذا المرتد قد علم حكم الله ودعي إليه وكفر وثبتت ردته  فلا يجب أن يستتاب ، لكن الاستتابة مستحبة .

 

مسألة :

اختار شيخ الإسلام وهو القول الراجح أن من ترك الصلاة عمداً فإنه لا يقضيها ولا تصح منه بل يجتهد بالتطوع.

وقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأصحاب السنن عن رجل من أصحاب النبي r أنه قال : ( أول مايحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها كتبت له تامة وإن لم يكن أتمها قال الله عزوجل : ( أنظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته ثم الزكاة كذلك ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك ) فالقضاء لمن كان معذوراً بنوم أو نحوه فلم يدخل في ذلك من تركها بلا عذر وتكون مردودة عليه لو فعلها ، وقد قال r : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) .

فعلى ذلك : من تعمد تأخير صلاة الفجر عن وقتها فإنها لا تصح منه ولا تقبل منه ولا يؤمر بأن يصليها إذا استيقظ ما دام أنه قد تركها متعمداً فلم يسع أو يجتهد بقدر استطاعته للقيام لها بل تعمد النوم عنها فلا يقبل منه بل عليه أن يجتهد بالاستغفار وبالتطوع ليسد الخلل الواقع في فريضته .

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net