عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
باب شروط الصلاة
 

شروط الصلاة

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ شروطها قبلها ]

أي شروط الصلاة قبلها ، فالوضوء أو الغسل وهما الطهارة من الحدث وكذلك الطهارة من النجس ، واستقبال القبلة وغيرها من الشروط تكون قبل الصلاة .

وهذا ضابط في شروط الصلاة وهو أن كل هذه الشروط يجب أن تكون قبلها إلا النية فإنها تصح مقارنة لها.

ويجب في الشروط أن تستمر في العبادة إلى انقضائها ، وهذا هو الفارق بين الشرط والركن ، فالشرط في العبادة يستمر فيها كلها ، أما الركن فإنه يكون في بعضها ، فالركوع مثلاً ركن ، وهذا الركن جزء منها لا يشملها كلها ، أما الوضوء فهو شرط فيها كلها فلو تخلل الصلاة شيءٌ من الحدث فإن العبادة تبطل .

وليست شروط الصلاة منها , بخلاف الأركان فهي جزء منها.

ومن الشروط : الإسلام .

ومنها العقل : فلا تصح الصلاة من مجنون ولا غير مميز لأن النية شرط في العبادة ومن لا عقل له لا نية له وتقدم.

 

قوله : [ منها الوقت ]

أي دخول الوقت ، وهذا بالإجماع ، والوقت من التوقيت وهو التحديد ، فالصلوات لها أوقات محددة شرعاً.

 

قوله : [ والطهارة من الحدث ]

لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) .

 

قوله : [ والنجس ]

أي الطهارة من النجس ،  فمن شروط الصلاة الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وبقعته وهذا بالإجماع وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله .

فقال : [ فوقت الظهر ]

اعلم أن الوقت كما قال شيخ الإسلام هو آكد شروط الصلاة ولذا  شُرع التيمم عند فقد الماء الذي هو الأصل في الطهارة  لمصلحة المحافظة على الوقت .

وقد شرع المؤلف بوقت الظهر أولاً ، لأن الظهر هو أول صلاة صلاَّها جبريل لما أمَّ النبي r كما ثبت في

المسند وسنن أبي داود والترمذي وغيرهما وأصله في الصحيحين .

ولما ثبت في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي r قال : ( وقت الظهر … ) فشرع أولاً بوقت صلاة الظهر فكان الأَوْلى اقتداءً بالنبي r وجبريل – هو البداءة بوقت صلاة الظهر - .

وإلا فإن صلاة الفجر ، هي أولى صلوات النهار ، وقد تقدم أثر ابن عمر في تسمية أذان الفجر بالأول ، والعصر هي الصلاة الوسطى كما في الصحيح ولذا شرع بعض أهل العلم كأبي الخطاب الحنبلي بالفجر قال شيخ الإسلام وهذا أجود والذي يظهر لي أن ما مشى عليه المؤلف أولى لما تقدم .

 

قوله : [ من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال ]

الفيء هو الظل بعد الزوال سمي فيئاً من فاء إذا رجع ، أما الظل قبل الزوال فلا يسمى فيئاً.

" والظل " شامل للظل قبل الزوال وبعده .

وأما " الفيء " فهو خاص بالظل بعد الزوال .

فوقت الظهر : من زوال الشمس , أي زوالها عن وسط السماء إلى جهة المغرب وهذا لا يدرك بالعين ، لكنه يميز بالظل ، فعندما تُُنصب العصى يكون الظل أولاً ناحية المغرب ثم كلما ارتفعت الشمس كلما قصر هذا الظل حتى تقف الشمس ثم بعد ذلك تتحرك من وسط السماء ويعود الظل إلى الحركة بعد التوقف ، فيعلم أن الشمس قد زالت .

وهذا الظل الذي يثبت للعصا يطول في الشتاء ويقصر في الصيف .

فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر .

قال : ( إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال ) هذا آخر الوقت .

فالظل الثابت عند الزوال لا يحسب ، فلابد أن يكون الفيء مساوياً للشاخص بعد فيء الزوال . فإذا : وضعنا عوداً طوله متر ، فكان توقفه على ربع متر ثم أخذ بالزيادة فلا يُحسب هذا القدر في المساواة .

وعلى ذلك فإذا وصل الظل إلى متر وربع فقد خرج وقت صلاة الظهر .

والدليل : حديث عبد الله بن عمرو أن النبي r قال : ( وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان ) رواه مسلم .

الشاهد : قوله " وقت الظهر إذا زالت الشمس " هذا أول وقتها ، وقوله : " وكان ظل الرجل كطوله " هذا آخر  وقتها .

 

قوله : [ وتعجيلها أفضل إلا في شدة الحر ]

لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي r : ( كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس ) أي زالت .

قالت عائشة – كما في المسند والترمذي بإسناد ضعيف وله شاهد في مسند أحمد عن أم سلمة فالحديث حسن – قالت : ( ما رأيت أحداً كان أشد تعجيلاً للظُهر من النبي r ولا من أبي بكر ولا من عمر ) .

وثبت في صحيح البخاري عن أنس قال : ( كان النبي r إذا اشتد البرد عجَّل بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة ).

إذن : المستحب في صلاة الظهر تعجيلها .

ما لم يكن الحر شديداً ولذا قال : ( إلا في شدة الحر ) فبقي ما إذا كان الجو بارداً أو معتدلاً أو قريباً من الاعتدال أما إذا كان الحر شديداً فالمستحب هو الإبراد ، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله r : ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ) أي من سعة انتشار حرارتها .

ومعنى " أبردوا " : أي ادخلوا في البرد بأن تصلى الظهر في وقت ذهبت فيه حرارة الشمس .

فمتى انكسر الحر وكان للجدران ونحوها ظل يستظل به الناس فإنها تشرع صلاة الظهر .

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر الغفاري قال : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال له النبي r : ( أبرد ) ثم أراد أن يؤذن فقال له : ( أبرد ) حتى رأيت فيء التُلول ) .

والتُلول : جمع تل ، وهو ما يكون على ظهر الأرض مجتمعاً من رمل أو تراب ، وهذا لا يظهر له الفيء حتى يقرب وقت العصر ، وفي رواية للبخاري : ( حتى ساوى الظلُ التُلول ) .

إذن : لم يحضر وقت العصر لأنه لابد لدخول وقت العصر أن يساوي الظل التُلول مع الظل الذي كان لها قبل الزوال . فإذا انكسر الحر وبرد الجو فإنه يشرع له أن يصلي ، وقد تقدم حديث البخاري : ( كان رسول الله r إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة , وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة ) .

ويستثنى من استحباب تأخير صلاة الظهر ، في شدة الحر صلاة الجمعة لما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع قال : ( كنا نجّمع مع النبي e إذا زالت الشمس ثم نرجع فنتبع الفيء ) فالثابت عنه e أنه كان يُجَمِّع إذا زالت الشمس ولم يثبت عنه  تأخيرها ، وقال سهل بن سعد رضي الله عنه : ( ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ) كما ثبت في الصحيحين : والقيلولة إنما يُحتاج إليها في الغالب في الحر .

ثم إن الناس يجتمعون لها من أماكن بعيدة بخلاف صلاة الجماعة فإن الغالب أن يحضرها القريب .

 

قوله : [ ولو صلى وحده ]

فيستحب له أن يؤخر الظهر في شدة الحر و إن كان صلى وحده ، وكذلك المريض إذا صلى في بيته ، وكذا المرأة .

هذا هو المذهب ، وهو مذهب أبي حنيفة واختاره ابن المنذر وشيخ الإسلام وحكاه عن أهل الحديث وقال إن السنة تقرر ذلك ولا تدفعه وأن الجمهور على ذلك .

وذهب الإمام الشافعي : إلى أن ذلك لا يستحب لمن صلى وحده بل ذلك خاص فيمن يصلون جماعة ، لأنهم يحتاجون إلى الإبراد ليكون في الطرق ظل يستظلون به ، وهذا على القول بأن العلة من الإبراد هي ما ذكروه .

ولكن هذا ليس بمسلَّم ، فقد ذكر ابن رجب في شرح البخاري : أن أهل العلم قد اختلفوا في المعنى الذي من أجله شرع الإبراد فقيل : هو لتمام الخشوع في الصلاة ، لأن النفس تتوق إلى القيلولة حينئذٍ كما لو كان بحضرة طعام

وقيل : لتنفس جهنم – كما ثبت في الصحيحين – وهذا أمر معنوي ، فلما كان ذلك وقت تنفس جهنم ناسب تأخير العبادة .

والمعنى الثالث : هو ما ذكره الإمام الشافعي ليكون للحيطان ظل يستظلون به . والراجح أن العلة تشمل المعاني المتقدمة كلها وعلى ذلك فالراجح لي ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره من أن الإبراد مشروع ولو صلى في بيته ويدخل في ذلك النساء .

 

قوله : [ أو مع غيم لمن يصلي جماعة ]

وعللوا ذلك باحتمال المطر واحتمال الريح ، فوجود الغيم مظنةٌ لهذا فقالوا : يشرع تأخيرها إلى قبيل وقت العصر بحيث يمكث الناس بعد صلاة الظهر يسيراً فيؤذن العصر ثم يصلون العصر في أول وقتها ، فيكون الخروج لهما واحداً طلباً للسهولة وكذا يُستحب تأخير المغرب في الغيم حتى يقرب وقت العشاء ، وأوردوا آثاراً عن السلف تدل على ذلك .

والقول باستحبابه قول جيد وهو مذهب الإمام أحمد في المشهور عنه ومذهب أبي حنيفة – خلافاً للشافعي ومالك – فالسنة عندهم أن تصلى في أول وقتها لعمومات الأدلة الشرعية .

هذا ظاهر إذا قوى احتمال نزول المطر دفعاً للمشقة أما إن ضعف احتمال نزول المطر فالسنة أن تصلى الصلاة في أول وقتها .

قال : ( لمن يصلي جماعة ) ، لأن المعنى هنا وهو احتمال نزول المطر وشدة الريح إنما يرد حيث أراد الخروج لها دون من صلى في بيته .

 

قوله : [ ويليه وقت العصر إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال ]

" ويليه " : أي يلي وقت الظهر وقت العصر بلا فاصل بينهما .

فإذا كان ظل الرجل كطوله تماماً فهذا هو نهاية وقت صلاة الظهر ، فإذا زاد زيادة ولو قدر شعرة ، فهذا هو وقت صلاة العصر فليس بينهما اشتراك ولا فاصل ، والمراد بالاشتراك أن يكون بينهما وقت مشترك بحيث يكون هو الوقت النهائي للظهر ، والابتدائي لصلاة العصر خلافاً لمن قال من أهل العلم : أن هناك وقتاً مشتركاً يُقدر بأربع ركعات .

ودليل هذه المسألة : قوله r في حديث عبدالله بن عمرو : ( وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله مالم يحضر العصر ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ) .

 

قوله [ إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال ]

تقدم ذكر هذا الاحتراز في المسألة السابقة أي قوله " بعد فيء الزوال " .

فإذا كان ظل الرجل مثليه ، دون فيء الزوال فقد خرج وقت العصر .

قالوا : ودليل ذلك ما رواه الترمذي وغيره والحديث صحيح في صلاة جبريل بالنبي e ، وفيه أنه قال له :     ( الوقت بين هذين ) وقد صلى في اليوم الأول في أول الوقت وفي اليوم الثاني في آخره ، وفيه أن جبريل صلى بالنبي r  العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه ، وهذا هو مذهب الجمهور ، وأن وقت العصر ينتهي إذا كان ظل الرجل مثليه ، والمراد به وقت الجواز .

 

والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه كالموفق والمجد واختار هذا القول شيخ الإسلام - واستظهره صاحب الفروع – : أن وقت الجواز لصلاة العصر يمتد ما لم تصفر الشمس فإذا اصفرت أو احمرت فقد انتهى وقت العصر واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو وفيه : ( وقت العصر ما لم تصفر الشمس ) أي بأن تكون صفراء وهذا في الغالب يزيد على مصير ظل كل شيء مثليه .

وكذلك ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن رجلاً سأل النبي r عن مواقيت الصلاة فقال له النبي r : ( صل معنا هذين ) أي هذين اليومين ، وفعل النبي e ما فعله جبريل من الصلاة في اليوم الأول في أول الوقت ، وفي اليوم الثاني في آخره وفيه : ( ثم صلى العصر في اليوم الآخر والقائل يقول قد احمرت الشمس ) أي كادت تحمر الشمس وهذا القول هو الراجح .

أما الجواب على الاستدلال بحديث جبريل .

فالجواب أن يقال : هو حديث مكي ، وهذه أحاديث مدنية فهي متأخره فتكون ناسخة له ، فوقت الجواز ما لم تصفر الشمس.

 

قوله : [ والضرورة إلى غروبها ]

تقدم وقت الجواز وهو الوقت المختار الذي تصلي فيه الصلاة ولا يلحق فاعلها فيه إثم .

أما وقت الضرورة فهو ما بعد ذلك والصلاة تكون فيه أداءٌ لكن مع الإثم إن لم يكن له عذر .

وإذا غربت الشمس فصلاته تكون قضاءً لا أداءً .

فمن صلى الصلاة في وقت الضرورة بلا عذر فإنه يأثم لقوله r : ( تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً ) رواه مسلم . وفي رواية لأبي داود : ( فإذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني شيطان ) .

فهذا الحديث يدل على إثم المؤخر لها إلى هذا الوقت فإن صلاها في هذا الوقت فإنه آثم إلا أن يكون معذوراً.

ويدل على صحة الصلاة في وقت الضرورة ، ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر )

وتسمى ضرورة ؛ لأن هذا الوقت يدرك به أهل الضرورة الصلاة ، كأن يبلغ الصبي أو يسلم الكافر أو تطهر الحائض أو يستيقظ النائم ونحوهم من أرباب الضرورات .

فإذن : صلاة العصر لها وقتان : وقت جواز واختيار والثاني وقت ضرورة .

 

قوله : [ ويسن تعجيلها ]

لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي برزة الأسلمي قال : كان النبي r : ( يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله " منزله " في أقصى المدينة والشمس حية ) ، وثبت في الصحيحين عن أنس قال : ( كان النبي r يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة ) فهذا يدل على أنه كان يصليها في أول وقتها .

وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي قال تعالى فيها : ) حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ( وهذا لعظم شأنها ، فهي الصلاة الوسطى أي الصلاة الفضلى . فالوسطى مؤنث الأوسط أي الأفضل الخيار .

وقد ثبت ما يدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر في غير ما حديث عن النبي r من ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ) . وهذا مذهب أحمد وغيره من أهل الحديث ، والأحاديث مستفيضة في هذا الباب .

 

قوله : [ ويليه وقت المغرب إلى مغيب الحمرة ]

فإذا غربت الشمس أي احتجبت وغاب قرصها جميعه فلم يبق منه شيء فقد دخل وقت المغرب ، لقوله r :     ( ووقت المغرب مالم يغب الشفق ) . وإذا بقي شيء من شعاعها على الجبال والجدران فلاتصح الصلاة بل لابَّد من غيابه ، وفي الصحيحين: ( أن النبي r كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ) .

قوله : ( إلى مغيب الحمرة ) المعترضة في ناحية المغرب ، وهي الشفق الأحمر قال r : ( ما لم يغب الشفق ) قال ابن عمر رضي الله عنه : ( الشفق الحمرة ) رواه الدارقطني بإسناد صحيح .

فإذا غربت الشمس ظهرت هذه الحمرة ، فإذا غابت فقد خرج وقت المغرب .

فأول وقت المغرب غروب الشمس وآخره غياب الشفق .

ووقت المغرب ينقسم إلى وقتين :

1ـ وقت جواز وهو الذي ذكرناه آنفاً .

2ـ وقت كراهية لا تحريم ، أي تأخير الصلاة إليه مكروه إلا لحاجة وهو عند اشتباك النجوم.

فقد ثبت في سنن أبي داود ومسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي r قـال : ( لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم ) أي انضمامها وظهورها ووضوحها . فإذا اشتبكت النجوم وظهرت في السماء، فهذا وقت كراهية صلاة المغرب .

إذن : وقت الفضيلة من غروب الشمس ما لم تشتبك النجوم فإذا اشتبكت فهو وقت كراهية ما لم يغب الشفق فيخرج بذلك وقت صلاة المغرب .

وهي أي المغرب وتر النهار لاتصالها به فكأنها فعلت فيه .

ويُكره أن يدوام على تسميتها بالعشاء لقوله r في الصحيحين : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال وتقول الأعراب هي العشاء ) .

 

 

قوله : [ ويسن تعجيلها ]

يسن تعجيل صلاة المغرب وهذا باتفاق أهل العلم .

وقد ثبت في الصحيحين عن رافع بن خديج قال : ( كنا نصلي المغرب مع رسول الله r فننصرف وإن أحدنا ليبصر مواقع نَبْلِه ) أي في الأرض ، فلم تشتد بعد الظلمة .

وثبت في الصحيحين أن النبي r كان : ( يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ) إذن : السنة في المغرب أن تعجل .

ويستثنى ما تقدم من تأخيرها في يوم غيم لمن يصليها جماعة على المشهور في المذهب .

 

قوله : [ إلا ليلة جمع " مزدلفة " لمن قصدها محرماً ]

فيسن له تأخير المغرب ليصليها مع العشاء جمع تأخير لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لأسامة بن زيد رضي الله عنهما وكان رديفاً له لما دفع من عرفة " الصلاة أمامك " متفق عليه .

واستثنى الفقهاء إذا وصل إلى مزدلفة وقت الغروب فإنه يصليها لوقتها لعمومات الأدلة .

 

قوله : [ ويليه وقت العشاء إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض ]

" ويليه " أي يلي وقت المغرب  وقت العشاء من غياب الشفق الأحمر إلى الفجر الثاني : وهو الفجر الصادق وهو البياض المعترض في الجانب الشرقي .

 فوقتها من غياب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر الصادق وهذا الوقت شامل لوقتي الجواز والضرورة .

أما وقت الجواز فهو في المشهور في المذهب - إلى ثلث الليل – لذا قال المؤلف : " وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل".

واستدلوا - على أن آخره ثلث الليل – بحديث إمامة جبريل للنبي r في اليوم الثاني حيث أخر العشاء إلى ثلث الليل وقال له : ( الصلاة بين هذين الوقتين ) .

وذهب الإمام أحمد في رواية عنه واختارها بعض أصحابه كالموفق والمجد ابن تيمية قال شيخ الإسلام وهو ظاهر المذهب إلى أن آخر وقت الجواز هو نصف الليل ، واختاره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي .

واستدلوا : بحديث عبد الله بن عمرو وفيه : ( ووقت العشاء إلى نصف الليل ) .

وبما ثبت في البخاري عن أنس قال : ( أخر النبي r صلاة العشاء إلى نصف الليل ) .

قالوا : فدل هذان الحديثان الأول من قوله والثاني من فعله – r – على أن آخر وقت الجواز لصلاة العشاء هو نصف الليل . وأما حديث جبريل فهو حديث مكي متقدم فتكون الأحاديث المدنية ناسخة له .

وهذا هو الراجح - وأن وقت الجواز إلى نصف الليل – فإذا انتصف الليل فقد دخل وقت الضرورة فمن أخرها إلى ما بعد نصف الليل فقد أثم إن لم يكن معذوراً , فهو وقت لأهل الضرورات .

 فإن قيل :

فما الدليل على ذلك فإن حديث عبد الله بن عمرو ظاهر في أن آخر وقتها هو نصف الليل ، وهذا ما ذهب إليه بعض الشافعية وأن نصف الليل هو آخر وقت العشاء مطلقاً .

أما جمهور العلماء فقد ذهبوا إلى أن آخر وقتها على الإطلاق طلوع الفجر ، ووقت الاختيار إما نصف الليل أو ثلثه على قولين ، والراجح أنه إلى نصفه كما تقدم .

ودليل ذلك : ما ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى ) .

قالوا : فهذا ظاهر أن الصلوات يتصل بعضها ببعض ، فليس بينهما فاصل من الوقت ، بل لا ينتهي وقت صلاة إلا ويدخل وقت صلاة أخرى . 

قالوا : وإنما يستثنى من ذلك ما دل الإجماع على استثنائه وهي صلاة الفجر ، فآخر وقتها على الإطلاق هو طلوع الشمس بإجماع أهل العلم .

أما العشاء فجماهير العلماء على ما تقدم . قال أحمد وهو مذهب عامة التابعين ولم يخالف إلا الحسن وحده .

قالوا : ويدل على ذلك آثار الصحابة – كما صح عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس في سنن البيهقي – أنهم أفتوا الحائض إذا طهرت قبل الفجر أنها تقضي الصلاة أي صلاة العشاء وأن تجمع إليها ما قبلها .

قوله : [ وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سهل ]

أي إن كان في ذلك سهولة ولم يكن فيه مشقة على المأمومين أو بعضهم ، فالمستحب أن تؤخر إلى نصف الليل أو ثلثه ، والمذهب قال : " إلى ثلثه " لكون آخر وقت الجواز عندهم هو ثلث الليل ، والراجح أن آخر وقت الجواز نصف الليل فعلى ذلك يستحب تأخيرها إلى نصف الليل ما لم يكن في ذلك مشقة .

فإن كان في ذلك مشقة على المأمومين أو بعضهم فيكره ذلك ودليل الكراهية : ما ثبت في مسلم أن النبي r قال: ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به ) . وهذا فيه مشقة .

ودليل استحباب تأخيرها :

ما ثبت في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال : ( كان النبي r يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة ) .

وثبت في سنن الترمذي أن النبي r قال:( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ) ، وثبت في سنن النسائي وأبي داود أن النبي r قال : ( لولا ضعف الضعيف وسُقم السقيم لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إلى شطر الليل ) .

لكن النبي r دفعاً للمشقة عن المأمومين أو بعضهم كان يصليها في أول وقتها.

وقد ثبت عند الأربعة إلا ابن ماجه عن النعمان بن بشير أن النبي r : ( كان يصليها – يعني العشاء – لسقوط القمر لثالثة ) وهذا يكون بعد غياب الشفق بوقت يسير قد لا يتجاوز ربع أو ثلث ساعة .

وقد ثبت في الصحيحين عن جابر قال : ( وأما العشاء فأحياناً يقدمها وأحياناً يؤخرها إذا رآهم اجتمعوا عجّل وإذا رآهم أبطؤوا أخّر ) .

 

قوله : [ ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس ]

أي من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس لحديث ابن عمرو : ( ووقت صلاة الصبح ما لم تطلع الشمس ) وهذا بإجماع أهل العلم .

 

قوله : [ وتعجيلها أفضل ]

لما ثبت في الصحيحين عن جابر قال : ( والصبح كان النبي r يصليها بغلس ) أي في شدة الظلام  .

وثبت في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال : ( وأما الصبح فكان النبي r ينفتل منها حين يعرف الرجل جليسه ، وكان يقرأ بالستين  إلى المائة )

أي يعرف الرجل جليسه القريب منه ، وأما البعيد عنه فلا يعرفه ، وكان النبي r يطيل بالصلاة ، فدل على أنه كان يعجلها .

وثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : ( كن نساء المؤمنات يشهدن الفجر مع النبي r متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغَلَس ) فهذه الأحاديث تدل على استحباب تعجيلها .

فإن قيل : روى الخمسة بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر )

وهذا الحديث ظاهره استحباب تأخيرها وهو مذهب بعض العلماء .

والجواب : أن الإسفار المذكور هنا هو تيقن دخول الفجر، كما يقال : " أسفرت المرأة عن وجهها أي
كشفته " .

فالمقصود : أن ينكشف دخول الفجر فيكون ذلك متيقناً غير مشكوك فيه .

أي : تيقنوا وتثبتوا فلا تحكموا على الفجر بدخول وقتها إلا بعد تثبت وتبين ، والفجر هي أكثر الأوقات التي قد يحصل اللبس في دخول وقتها . وحمله بعض العلماء على أنه يدخل فيه مغلِّساً ويخرج مسفراً وقال بعض العلماء وهو أصحها ، أن المراد إنارة الأفق لا إنارة الأرض ويكون هذا بظهور الفجر الصادق ، ولا شك أن أحاديث التغليس أكثر وأصح وأقوى من أحاديث الإسفار .

 

 

 

 

 

قوله : [ وتدرك الصلاة بالإحرام في وقتها ]

فإذا كبر للصلاة فخرج وقتها ، فإنه يكون قد أدرك الصلاة .

واستدلوا : بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله r : ( من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ) الحديث .

قالوا : فهذا يدل على أن إدراك الصلاة يحصل بإدراك جزء منها كتكبيرة الإحرام .

وذهب الشافعية والمالكية : إلى أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة تامة ، بقيامها وركوعها وسجدتيها وهو اختيار شيخ الإسلام .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله r قال : ( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ) الحديث .

قالوا : فهنا النبي r قيَّد الإدراك بإدراك ركعة ، أي ركعة كاملة بتكبيراتها وركوعها وسجدتيها وقيامها . وهذا هو الراجح .

فإن قيل : فما الجواب عما استدل به الحنابلة ؟

فالجواب : أن السجدة الواردة في الحديث هي الركعة ، لذا قال بعض الرواة كما في مسلم : ( والسجدة إنما هي الركعة ) فيكون هذا مما يسمى بالمجاز بإطلاق الجزء وإرادة الكل ، كقوله تعالى : ) وقرآن الفجر ( أي صلاة الفجر .

ثم : إنهم لا يقولون بظاهره ، وإلا فظاهره أنه إذا كبر وركع وسجد يكون قد أدرك الصلاة ، وهم يقولون يدركها بإدراك تكبيرة الإحرام ، مع أنه ليس مدركاً للسجدة .

وتعليق الحكم بالسجدة ليس له معنى إلا أن يكون المراد بالسجدة الركعة .

ثم إن الحديث يفسر بعضه بعضاً ، فحديث أبي هريرة يفسر حديث عائشة رضي الله عنهما.

فالراجح : أن من أدرك ركعة كاملة من الصلاة بركوعها وسجدتيها فقد أدرك الصلاة أداءً وإلا فصلاته قضاء لا أداءٌ

ويأثم بتأخيره شيئاً من أجزاء الصلاة عن وقتها لأن أحاديث المواقيت تدل على وجوب فعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

 

قوله : [ ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر ثقة متيقن ]

فلا يصلي قبل تيقنه بدخول الوقت أو غلبة ظنه بذلك لأن الأصل أن الوقت لم يدخل فلا يجوز له أن يصلي إلا إذا تيقن دخوله أو غلب على ظنه لأن الظن معمول به في الشريعة إذا تعذر اليقين كما لو كان يوم غيم أو قتر .

وأما مع الشك فلا  يصلي ، لأن اليقين لا يزول بالشك فإن فعل فعليه الإعادة وإن وافق الوقت .

قوله : ( إما باجتهاد ) : أي بأن كان عارفاً بعلامات دخول الوقت ، فيجتهد بأي نوع من أنواع الاجتهاد لمعرفة الوقت.

وقول : ( أو خبر ثقة متيقن ) : فيشترط أن يكون هذا الثقة متيقنا ، كأن يقول : ( رأيت الشمس طالعة أو رأيتها قد غربت ) قالوا : لأنه إن لم يكن متيقناً بل كان يخبر بغلبة ظن ، فإن على المكلف أن يجتهد بنفسه ، لأنه عارف بعلامات الوقت فلم يجز له تقليد غيره مع إمكان اجتهاده بنفسه لكن إن كان المخبر قد بني خبره على يقين فيجب أن يقبل لأنه خبر ديني فيقبل من واحد كالرواية وكالشهادة بدخول رمضان فإنه يثبت بشاهد واحد.

ويلزم العمل بأذان ثقة عارف مع إمكان العلم بالوقت وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين وهو ما شهدت به النصوص كما قال شيخ الإسلام .

فإن لم يكن عارفاً بعلامات الوقت فعليه أن يقلد ذلك المجتهد وهذا الطريق الثالث لمعرفة الوقت .

إذن هناك : ثلاثة طرق لمعرفة الوقت :

1- الاجتهاد .

2- خبر الثقة المتيقن

3- قول الثقة المجتهد في حق المقلد ، لأنه لا يمكنه معرفة ذلك إلا بهذا الطريق فيكون من سؤال أهل الذكر .

إذن : هناك طريق ثالث لكنه خاص بالمقلد وهو أن يقلد من عنده معرفة بهذا الباب .

- فإن لم يكن هناك من يقلده وهو غير عارف بالوقت وعلاماته كأن يكون أعمى أو رجل لا يعرف أدوات  معرفة الوقت فإنه يصلي على حسب حاله .

وهل يعيد ؟

-        المشهور في مذهب الحنابلة : أنه يعيد سواء أخطأ أم أصاب .

-   وقال بعض الحنابلة لا يعيد إلا إذا تبين له خطؤه وجزم به في المستوعب وصوبه شيخنا وهو الراجح ويقيد بتبيُّن ذلك له في الوقت ، لحديث المسئ صلاته وأن الجاهل لا يقضي مافات وإنما يعيد الحاضر.

 قال تعالى :  ) فاتقوا الله ما استطعتم ( وهو قد فعل ما يجب عليه وقد صلى الصلاة على الوجه الذي يقدر عليه ، ويعجزعن غيره .

 

قوله : [ فإن أحرم باجتهاد فبان قبله فنفل ]

رجل صلى الظهر – مثلاً – عن اجتهاد فثبت له بعد الصلاة أنه قد صلاها قبل وقتها فإنها تكون له نفل .

قالوا : لأن الصلاة لم تجب بَعْد فوجب أن يصليها بعد دخول الوقت ولم يوجد ما يبرئ ذمته .

وعن الإمام أحمد : أنه يعيد ماكان في الوقت ، فإذا مضى الوقت قبل علمه لم يقضِ لأنه قد صلى على الوجه المأمور به ، وليس هناك دليل يوجب القضاء وهو الراجح .

 

قوله : [ وإلا ففرض ]

 فإذا كان الاجتهاد  موافقاً للصواب فتبين له أنه قد صلاها في وقتها فإنها تكون فرضاً وهذا لا إشكال فيه ، فإنه قد فعل ما أمر به واتقى الله ما استطاع ، وأصاب الحق وليس هناك دليل يدل على الإعادة .

 

قوله : [ وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة ثم زال تكليفه أو حاضت ثم كلف وطهرت قضوها ]

إذا مضى قدر تكبيرة الإحرام بعد دخول الوقت فحاضت المرأة فإن الصلاة تتعلق بذمتها فيجب عليها القضاء – هذا مذهب الحنابلة – وكذلك من زال تكليفهم كمن أغمي عليه ثم أفاق أو من جُنَّ ثم عقل ، وذلك لأن الواجب يستقر بمجرد دخول الوقت .

 - وذهب الشافعية إلى أن الصلاة لا تجب حتى يدرك من وقتها ما يتسع للصلاة .

فمثلاً : صلاة الظهر لا يجب عليه قضاؤها حتى يدرك وقتاً يسع أربع ركعات بالقدر المجزئ في الصلاة .

وهل يشترط لإيجاب القضاء أن يدرك زمناً يكفي للطهارة أم لا ؟

قولان للشافعية :

القول الأول : أنه يشترط أن يكون الوقت متسعاً للطهارة لأن العبادة لابد لها من طهارة، ولا تجب الطهارة إلا بدخول وقت الصلاة .

القول الثاني : أنه لا يشترط أن يتسع الوقت للطهارة ، لأن الطهارة يمكن أن تفعل قبل دخول وقت الصلاة .

- وذهب الإمام مالك : إلى أنه لا يلزم القضاء إلا إذا تضايق الوقت ولم يصلوا أي بقي من وقت الصلاة ما يكفي لفعلها فقط وهو اختيار شيخ الإسلام .

والمذهب أظهروأحوط لأنهم مخاطبون بالصلاة  بدخول الوقت فاستقر الواجب بذلك في ذمته ووجب القضاء .

إذا أدرك قدر تكبيرة الإحرام من وقت صلاة الظهر ثم زال تكليفه أو حاضت المرأة ، فهل يجب عليهم أن يقضوا الظهر والعصر إذا كلف وطهرت أم لا يجب عليهم إلا الظهر ؟

روايتان عن الإمام أحمد :

الرواية الأولى وهي المذهب  : أن الصلاة الثانية لا يجب قضاؤها .

الرواية الثانية : أنه يجب قضاؤها .

والراجح المذهب ؛ لأنه لم يدرك جزءاً من وقت الصلاة الثانية ولا من وقت تبعها لأن الثانية تتبع الأولى ، فلم تجب عليه

 

قوله : [ ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها ]

من بلغ أو عقل  قبل خروج وقت الصلاة وجبت عليه , وكذلك إذا طهرت الحائض قبل خروج الوقت .

ويكون ذلك بقدر إدراك تكبيرة الإحرام فإذا طهرت الحائض مثلاً قبل أن يؤذن الفجر بقدر تكبيرة الإحرام فيجب عليها أن تصلي العشاء والمغرب لأنها أدركت جزءاً من الوقت .

وهذا هو الذي لا يسع النساء غيره وهو ظاهر آثار الصحابة وأن من أدرك قدر تكبيرة الإحرام من آخر الوقت تعلقت الصلاة  في ذمته ؛ لأن المكلف مخاطب بها في الوقت كله ، وهؤلاء قد أدركو آخر جزء منه .

 

قوله : [ وما يجمع إليها قبلها ]

صح ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس كما في البيهقي وغيره ( إذا طهرت الحائض قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعاً وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء جميعاً ) ولا يعلم لهما مخالف وقد اشتهر فكان إجماعاً سكوتياً .

 

قوله [ ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتباً ]

في هذه الجملة ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : وجوب قضاء الفوائت .

ودليل ذلك : ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) ، وأمره للوجوب .

وظاهرالحديث أنه واجب على المعذورين بنوم أو نسيان ،بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : (لا كفارة لها إلا ذلك ) ، ومعلوم أن من تركها وهو غير معذور فإن كفارتها التوبة إلى الله تعالى ، ولا قائل بأنه يكفي القضاء فقط ، بل يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى .

وقد قال e : ( ليس في النوم  تفريط ) رواه مسلم – وتقدم -  ، فالنوم عذر ، فحيث كان معذوراً في فواتها فعليه القضاء .

والمذهب أن المعذور وغير المعذور يجب عليهما قضاء الفوائت ، فمن ترك الصلاة عامداً مفرطاً فيجب عليه قضاؤها وعليه أن يضم إلى ذلك التوبة .

وهذا مذهب جماهير العلماء حتى حكاه النووي إجماعاً .

وذهب بعض أهل العلم كابن حزم وابن تيمية وابن القيم : إلى أن القضاء ليس بمشروع لمن تركها بغير عذر .

وحكاه ابن حزم عن عمر وابن عمر وسلمان وأنس بن مالك وابن مسعود ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبدالله وعمر بن العزيز ، قال : " ولا يعلم لهم مخالف " .

ولأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد به ، وليس عندنا أمر جديد بقضاء الفائتة لغير المعذور ، وأما الحديث الوارد المتقدم فإنه في المعذورين .

وقياس الجمهور غير المعذور على المعذور قياس ضعيف .

ولأنه عمل ليس عليه أمر النبي e أي الصلاة بعد خروج وقتها بلا عذر، فيكون مردوداً على صاحبه ، ولم يرد أمر جديد بالقضاء.

 وهذا القول هو الراجح :  وأن من ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها فإنه لا يشرع له القضاء ، بل يتوب إلى الله

ويكثر من النوافل ليتم به فريضته ، فإن الله يقول يوم القيامة : ( انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتتمون به فريضته ) رواه الخمسة .

والمسألة الثانية : وأن الفوائت يجب قضاؤها فوراً . وهذا مذهب الجمهور .

ودليلهم قوله e : ( فليصلها إذا ذكرها ) ، وظاهره أنه يصليها على وجه الفورية لا على التراخي ،  فمتى زال عنه النسيان أو استيقظ من النوم فيجب عليه أن يصلي فوراً .

وذهب بعض أهل العلم وهو مذهب الشافعية : إلى أنه يستحب القضاء على الفور ولا يجب ، فتبقى في ذمته ، فمتى صلاها أجزأه ذلك ، لكن المستحب أن يصليها فوراً . واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين في قصة نوم النبي e وأصحابه عن صلاة الصبح ، وفيه أن النبي e قال : ( لا ضير، ارتحلوا ، فارتحل فسار غير بعيد ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة ، فصلى بالناس ) .

وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة في قصة نومه e وأصحابه في سفر عن صلاة الغداة ، قال :     ( ليأخذ كل رجل برأس راحلته ، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان ، ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة ) .

قالوا : فقد قضاها عليه الصلاة والسلام على وجه التراخي .

والراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول .

والجواب عما استدل أهل القول الثاني أن يقال : إن هذا الحديث قد وقع فيه التأخير لمصلحة الصلاة ، فإن هذا موضع غفلة وحضر فيه الشيطان ، فمن مصلحة الصلاة وتمامها وتمام خشوعها أن يُنتقل لموضع آخر .

ومثله لو أخرها يسيراً لتحصل فضيلة الجماعة ؛ لأن هذا من مصلحتها .

المسألة الثالثة : وجوب الترتيب :

والمذهب : ولو كثرت يجب أن يقضيها مرتبة ، أي عن اليوم الأول ثم  الثاني ثم الثالث ، وهكذا.

وهو شرط لصحتها ، فلو لم يرتب لم تصح الصلاة  .

واستدلوا بالأحاديث الواردة في ترتيب النبي e في قضاء الفوائت ، في أحاديث غزوة الخندق .

فقد ثبت في مسند أحمد والنسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال : حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بِهويًّ من الليل كفينا ، وذلك قوله تعالى :﴿ وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً ﴾ فدعا النبي e بلالاً فأقام صلاة الظهر فصلاها وأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ، ثم أمره فأقام العصر فصلاها وأحسن صلاتها  كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك ، وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف : ) فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ( والحديث صحيح .

وتقدم حديث ابن مسعود أن النبي e صلى بالخندق الظهر والعصر والمغرب والعشاء  مرتبا . رواه الترمذي والنسائي .

قالوا : فهذه أحاديث تدل على فرضية الترتيب بين الفوائت .

قالوا : ومثل ذلك الترتيب بين الحاضرة والفائتة ، فرجل عليه فائتة وهي صلاة العصر ، وحاضرة وهي صلاة المغرب ، فيجب عليه أن يرتب بين الفائتة والحاضرة .

واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن جابر قال : جاء عمر بن الخطاب يوم الخندق فقال يا رسول الله :
 " والله ما كدت أصلي حتى كادت الشمس تغرب " ، فقال النبي
e : ( والله ما صليتها فنزل النبي e إلى بُطْحان وأنا معه ، فتوضأ وتوضأنا فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب ) .

-        وذهب الشافعية : إلى أن الترتيب ليس بواجب بل مستحب ، قالوا : لأن ما ذكرتموه فعل ، والفعل لا يدل على الوجوب .

-   ولأن الترتيب متعلق بالوقت فإذا فات سقط الترتيب والراجح ما ذهب إليه الجمهور لحديث :
( فليصلها إذا ذكرها )  وهذا يدل على وجوب ترتيب الفوائت أولاً فأول ولأن فعله صلى الله عليه وسلم يفسر هذا الأمر المجمل فكان للوجوب .

 

مسألة :

إذا كثرت عليه الفوائت ، فما الحكم ؟

الجواب : يجب أن يقضيها كلها ، ويجب كذلك أن يكون هذا على الفور كما تقدم ولكن يُستثنى من ذلك إذا لحقه ضرر في بدنه أو ماله أو معيشة يحتاجها ، ويقضيها بحيث لا يتضرر لقوله تعالى ) ما جعل عليكم في الدين من حرج ( ولحديث : ( لا ضرر ولا ضرار ) .

فيؤمر بها على الوجه الذي لا يلحقه ضرر ، فيصلي بقدر ما لا يلحقه الضرر ثم يقوم بمصالح نفسه ثم يعود إلى إتمام ما فاته، وهكذا .

وهل يشرع له أن يقضي نوافل هذه الصلوات أم لا ؟

المشهور في المذهب التفصيل في هذا : فإن كانت الصلوات الفوائت كثيرة فالأولى ترك السنن وإن كانت قليلة فيستحب قضاء سننها الرواتب معها .

وذلك لأن النبي e لما قضى الفوائت يوم الخندق وكانت أربعاً لم يصل نوافلها كما تقدم وقضى نافلة الفجر كما في الصحيح واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

 واستثنى الإمام أحمد في رواية سنة الفجر وهذا أظهر.

 

قوله : [ ويسقط الترتيب بنسيانه ]

فلو صلى غير مرتب ناسياً كأن يصلي فائتة العصر قبل فائتة الظهر وكذا لو صلى الحاضرة قبل الفائتة ناسياً فالصلاة تصح ؛ قالوا : لأن النبي e قال : ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس t .

وذهب الإمام مالك رحمه الله وهو رواية عن الإمام أحمد : إلى أن الترتيب لا يسقط بالنسيان ،لأن الفرائض لا تسقط بالنسيان  فلو صلى غير مرتب ناسياً فصلاته غير صحيحة .

والراجح المذهب لأنه يلزم من عدم القول بسقوط الترتيب عند النسيان إعادة كل ما صلاَّه إذا تذكر أن عليه فائتة وهو خلاف ظاهر الحديث : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) فدل على أن النسيان عذر يسقط به الترتيب .

والمذهب أن الترتيب لا يسقط بالجهل ، قالوا : لتفريطه بخلاف النسيان ،

وقال الآجُرِّي يسقط بالجهل ، والراجح أنه يسقط بالجهل إن كان مثله يجهل ذلك كمن نشأ في بادية .

 

قال : [ وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة ]

إذا خشي فوات وقت الجواز للحاضرة فيجب عليه أن يصليها قبل الفائتة .

قالوا : لأن الحاضرة آكد ، وهذا هو وقتها الذي يختص بها ، وتأخيرها عن وقت الجواز محرم .

ويسقط الترتيب أيضاً إذا تذكر الفائتة بعد الحاضرة ، فإذا صلى العصر وفرغ منها وتذكر أنه لم يصل الظهر فيسقط عنه الترتيب ، فيصلي الفائتة بعد صلاته الحاضرة ، ويدل عليه الحديث المتقدم : ( فليصلها إذا ذكرها ) ، وهذا  لم يتذكرها إلا بعد الحاضرة .

- ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله وجوب الترتيب بين الفائتة والحاضرة وهو المذهب  - كما تقدم -

 

مسألة :

إذا ذكر فائتة وهو في حاضرة .

كبر مثلاً للعصر سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً ، فتذكر أنه لم يصل الظهر ، فما الحكم ؟

قال الحنابلة : يتم صلاته مع الإمام لقوله تعالى : ) ولا تبطلوا أعمالكم ( ثم يصلي الفائتة ثم يعيد الحاضرة. وهو مذهب جمهور أهل العلم .

واستدلوا بما رواه الإمام أحمد أن النبي e  عام الأحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال : ( هل علم أحد منكم أني صليت العصر قالوا : يا رسول الله ما صليتها ، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب ) ، والحديث ضعيف ، فيه ابن لهيعة ، ولا يحتج بحديثه .

واستدلوا أيضاً بما رواه البيهقي في مسنده عن ابن عمر مرفوعاً : أن النبي e قال : ( من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلى مع الإمام ) . والحديث لا يصح مرفوعاً . وإنما هو ثابت عن ابن عمر موقوفاً كما في الموطأ وصحح وقفه أبو زرعة والنسائي والدارقطني والبيهقي ، فالصحيح أنه من قول ابن عمر .

-   واختار المجد ابن تيمية وشيخ الإسلام سقوط الترتيب والحالة هذه ، وهو مذهب ابن عباس كما حكاه عنه شيخ الإسلام لأن العبد لا يؤمر بالصلاة مرتين ، وقد أداها كما أمر ، فلم يؤمر بها مرة  أخرى . وهو الراجح .

 

مسألة :

إذا خشي فوات الجماعة فهل يسقط الترتيب ؟

إذا نام عن صلاة العصر حتى أذن المغرب ، وقال : أخشى إن صليت الفائتة أن تفوتني الجماعة ، فما الحكم؟

المذهب : أن الترتيب لا يسقط ويسقط وجوب الجماعة للعذر .

 وعن الإمام أحمد وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام أن الترتيب يسقط .

ويدل عليه قوله r : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) وهو الراجح .

 

 

 

قوله [ ومنها ستر العورة ]

أي من شروط الصلاة ستر العورة .

ستر العورة : الستر بفتح السين هو التغطية ، وبكسرها هو ما يستر به ، سِتر وسَتر .

وسترها شرط بالإجماع ، قال ابن عبد البر : ( وأجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عرياناً ) وقد قال تعالى : ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ( قال المغروي أي عند كل صلاة .

 

قوله : [ فيجب بما لا يصف بشرتها ]

أي لا يصف بشَرتَها من سواد أو بياض أو حمرة  فهذا هو الواجب في سترها وهو أن يسترها بثوب من خرق أو جلد أو غيرهما مما لا يصف بشرتها .

وأما حجمها فاتفق أهل العلم على أن ظهور الحجم لا يؤثر ، وذلك لمشقة التحرز من ذلك .

فظهور حجم العورة لا يعد منافياً للستر الواجب في الصلاة فلا يضر إذا وصف التقاطيع .

 

قوله : [ وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة ]

فعورة الرجل من السرة إلى الركبة .

اتفق أهل العلم على أن السوأتين القبل والدبر من عورة الرجل الواجب سترها .

واتفقوا على أن السرة ليست من العورة .

واختلفوا في الفخذين والركبتين .

فأما الفخذان :

فجمهور أهل العلم على أنهما عورة .

واستدلوا بحديث جَرْهَد أن النبي r قال : ( غط فخذك فإن الفخذ عورة ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، ونحوه من حديث ابن عباس رواه أحمد والترمذي , ومن حديث محمد بن جَحْش رواه الترمذي .

وحديث علي بن أبي طالب في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه – وهذه الأحاديث كلها فيها أن الفخذين عورة .

وعن الإمام أحمد أن الفخذ ليست بعورة وهو مذهب ابن جرير الطبري والثوري وابن المنذر والظاهرية واختاره طائفة من أصحاب أحمد كالمجد وصاحب الفروع .

واستدلوا بما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت : ( كان النبي r مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه " – وعند أحمد والطحاوي الجزم بأنهما الفخذان – " فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله e ثم سوَّى ثيابه ، قالت عائشة : فسألته فقال : ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة ) .

ففي هذا الحديث أن النبي r كشف فخذيه عند أبي بكر وعمر فدل على أن الفخذ ليس بعورة.

واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك – في غزوة خيبر – وهو حديث طويل وفيه : ( وإن ركبتي لتمس فخذ النبي r ثم حسر الإزار عن فخذه – وفي رواية " ثم انحسر الإزار عن فخذه "حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي r ) متفق عليه .

والاستدلال به من وجهين :

الوجه الأول : أن ركبة أنس قد مست فخذ النبي r والعورة لا يجوز مسها.

الوجه الثاني : انحسار الثوب عن فخذ النبي r ونظر أنس بن مالك ، والنبي e   مصون عن أن تنكشف له عورة .

ومن الأدلة على الوجه الأول : ما في البخاري عن زيد بن ثابت قال : ( أنزل على النبي r أي القرآن – وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن تُرض فخذي )

والشاهد منه ما تقدم من مس فخذ النبي r لفخذ زيد وهذا لا يكون مع العورة .

وأجاب أهل القول الثاني على أدلة القول الأول : بأن الأحاديث الواردة في هذا الباب كلها ضعيفة .

فحديث جَرْهد حديث مضطرب وقد ضعفه البخاري وغيره .

وحديث ابن عباس فيه أبو يحيى القتات وهو ضعيف .

وحديث محمد بن جحش فيه أبو كثير وهو مجهول .

وحديث علي إسناده ضعيف جداً .

وهذه الأحاديث إنما تحسن لشواهدها لو لم تعارض بالأحاديث الصحاح التي تقدم ذكرها .

قال الإمام البخاري : "حديث أنس أسند وحديث جَرْهَد أحوط ".

     فالقول الثاني هو الراجح ؛ لكن ينبغي أن يكون الخلاف المتقدم خارج الصلاة ، أما الصلاة فيجب ستر الفخذ فيها

قال شيخ الإسلام : " موضع هذا خارج الصلاة ، أما في الصلاة ، فيجب سترهما " ، لقوله r – في الثوب الواحد – ( إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به ) متفق عليه.

قال شيخ الإسلام " و ليس في الكتاب و السنة أن ما يستره المصلي فهو عورة "

ثم إن الفقهاء يقع منهم في هذا الباب شيء من الخلط الكثير – كما قال شيخ الإسلام – في مسألة العورة في الصلاة وفي خارج الصلاة  ، فالعورة في الصلاة عورة ثابتة في الخلوة وفي غير الخلوة ، وعند وجود من يجوز له أن ينظر إلى هذه العورة وغيره ، فيجب سترها لعمومات الأحاديث .

وأما خارج الصلاة فهي عورة إن وجد من لا يحل له أن ينظر إليها ممن ليس بزوج و نحوه .

ثم إن المرأة على الصحيح – كما سيأتي – كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين هذا في الصلاة ، ولا يستثنى شيء من ذلك في العورة خارج الصلاة .

أما الركبة : فجمهور أهل العلم على أنها ليست بعورة  ، وهي عورة عند أبي حنيفة ، لحديث ورد في الدارقطني عن علي t أن النبي r  قال : ( الركبة من العورة ) لكن هذا الحديث إسناده ضعيف جداً فالراجح مذهب الجمهور .

وعلى القول بأن الفخذين ليسا بعورة – كما هو الراجح – فأولى منهما الركبتان ، ولما جاء في البخاري عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم : "كشف عن ركبته فلما دخل عثمان غطاها " .

 

قوله : [ وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة ]

فعورتها كعورة الرجل ، لحديث أحمد والدار قطني أن النبي r قال : ( إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظرن إلى مابين السرة والركبة فإنه عورة ) .

والقول الراجح ؛ أنها كالحرة لعمومات النصوص الشرعية ، كقوله r : ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) رواه الخمسة إلا النسائي وهو عام في الحرة والأمة ، وإخراج الأمة لا دليل عليه وهو قول أهل الظاهر.

أما الحديث : ففيه أن مابين السرة والركبة عورة بالنسبة إلى السيد وليس في الحديث الكلام على عورة الصلاة الواجب سترها .

وأما عورتها خارج الصلاة : فالأظهر ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب مالك والشافعي إلى أن عورتها ما لا يظهر غالباً فما لا يظهر غالباً منها فهو العورة – فالوجه واليدان والشعر هذا يظهر غالباً فليس من العورة ، وأما ما لا يظهر غالباً فهو عورة وهذا إن كانت من إماء المهنة ، أما إن كانت من إماء التسري فعورتها كالحرة لأن المقصود من الحجاب ستر مايخاف منه الفتنة وهذا ماقرره شيخ الإسلام .

وألحق أهل العلم بالرجل من بلغ عشر سنين ، فمن بلغ عشر سنين فعورته كعورة الرجل ، وأما ابن سبع سنين  فعورته الفرجان هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم " أي في النظر و اللمس لا في الصلاة "، و هذا جيد وهوخلاف المشهور في المذهب.

و أما من دون سبع سنين فلا عورة له.

وقال الفقهاء : إن المرأة غير البالغة عورتها كعورة الرجل أي السوأتان والفخذان ولم يجعلوها كالحرة وجعلوا ابن عشر سنين كالبالغ ، ولم يجعلوا بنت عشر التي لم تبلغ كالبالغة وهذا تفريق بلا دليل .

والصواب أن المرأة غير البالغة يجب عليها أن تستتر كالبالغة في الصلاة لأن سائر شروط الصلاة تلزمها فكذلك ستر العورة ، وكذلك الصبي المميز.

 

 

 

 

قوله : [ وكل المرأة عورة إلا وجهها ]

كل المرأة عورة ، كما ثبت في الترمذي أن النبي r قال : ( المرأة عورة ) فهذا يدل على أن المرأة كلها عورة.

وقد أجمع العلماء على أن المرأة يجب عليها أن تستر كل شيء من بدنها من شعر أو بشرة أو ظفر سوى الوجه واليدين والقدمين.

واتفقوا على أن الوجه لا يجب ستره للحاجة إلى كشفه ، واختلفوا في الكفين والقدمين .

فأما الكفان :

فالمشهور في المذهب أنه يجب تغطيتهما لعموم الحديث المتقدم : ( المرأة عورة ) .

وذهب الشافعية والمالكية والأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول جماعة من الحنابلة : أن الكفين يجوز كشفهما في الصلاة قياساً على الوجه .

وهذا قياس ظاهر ، فإن الكفين يحتاج إلى كشفهما كما يحتاج إلى كشف الوجه .

 

 

وأما القدمان :

فجمهور أهل العلم على النهي عن كشفهما .

واستدلوا : بما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة : أنها سألت النبي r فقالت : أتصلى المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار فقال النبي r : ( نعم إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدمها ) .

على أن هذا الدليل ليس فيه تغطية باطن القدمين وإنما فيه تغطية ظاهرهما وظاهر كلامهم تعميم ذلك في باطن القدمين وظاهرهما .

وذهب أبو حنيفة وهو اختيار المزني من الشافعية وشيخ الإسلام وصوبه في الإنصاف : إلى أن القدمين لا يجب تغطيتهما في الصلاة , قياساً على الوجه ، فإن القدمين مما يظهر غالباً في المرأة في بيتها وحيث لا يراها الأجنبي وفي تغطيتهما مشقة ، والحاجة داعية إلى ذلك ، وأما حديث : ( المرأة عورة ) فإنما هو في النظر وفي تمام الحديث : ( فإذا خرجت استشرفها الشيطان ) .

وقد تقدم أن هناك فرقاً بين ستر العورة في الصلاة وسترها خارج الصلاة .

فالراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني .

وأما حديث أم سلمة فقد تفرد برفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وفي حفظه ضعف .

ورواه عامة الثقات موقوفاً على أم سلمة كمالك وابن أبي ذئب و إسحاق وغيرهم .

 فالراجح أنه موقوف ثم إن فيه أم محمد بن زيد وهي لا تعرف كما قال ذلك الذهبي ، على أن هذا الحديث ليس فيه تغطية باطن القدمين وإنما فيه تغطية ظاهرهما فقط .

فعلى ذلك الراجح أن القدم ليست من عورة الصلاة كالوجه والكفين .

 

وأما خارج الصلاة فإنها من العورة لعموم قوله r : ( المرأة عورة ) أي كلها عورة شعرها وبشرتها وسائرهاعورة .

 

قوله  : [ وتستحب صلاته في ثوبين ]

المستحب باتفاق أهل العلم أن يصلي في ثوبين ، قميص وإزار ، أو قميص وسراويل أو إزار ورداء ، ونحو ذلك .

لما ثبت في الصحيحين أن سائلاً سأل النبي e : أيصلي الرجل في الثوب الواحد ؟ فقال النبي e : ( أو لكلكم ثوبان ) فمفهومه استحباب أن يصلي الرجل في ثوبين .

فإن صلى في ثوب واحد فيجزئه اتفاقاً مادام أنه ستر العورة ثابت .

والمستحب أن يصلي في ثوبين كما تقدم  ، قال عمر t : ( إذا وسَّع الله عليكم فأوسعوا ) رواه البخاري .

والله سبحانه وتعالى قد أمر بأخذ الزينة وهو فوق ستر العورة ولذا ذكر أهل العلم أنه يُستحب ستر الرأس في الصلاة للرجل لأنه من التجمل في الصلاة وفي الطبراني بإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن كثير أن تميماً الداري رضي الله عنه اشترى رداءً بألفٍ فكان يصلي فيه .

 

 

قال : [ ستر عورته في النفل ]

فيجزئه أن يستر عورته في النفل .

فإذا صلى الرجل النفل بثوب واحد قد ستر به عورته السوأتين والفخذين - فإن الصلاة صحيحة .

كأن يصلي بإزار فقط وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة قالت : ( رأيت رسول الله r صلى في ثوب واحدٍ بعضه عليَّ ) .

وهذا لأن النفل مبناها على التخفيف والتيسير . هذا المشهور في المذهب .

 

قال : [ ومع أحد عاتقيه في الفرض ]

العاتق : هو ما بين الكتف والعنق وهو موضع الرداء في أعلى البدن .

فيجب في الفرض أن يغطي أحد منكبيه ، فإذا صلى بإزار فقط ولم يغط أحد منكبيه وكانت فرضاً لم تصح صلاته.

واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( لا يصلي أحدكم  في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء )

واستثنوا النفل لأن مبناها على التخفيف .

-   وعن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام الخرقي : أن النفل كالفرض ، والأصل في الأحكام الثابتة للفرض أنها تثبت للنفل ، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك .

قالو : والحديث المتقدم عام في النفل والفرض والراجح المذهب لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة قالت : ( رأيت رسول الله r صلى في ثوب واحدٍ بعضه عليَّ ).

وهذا لا يتسع لستر المنكبين ، ولأن عادة الإنسان في بيته وخلوته قلة اللباس وتخفيفه وغالب النفل يقع في البيت فسومح فيه لذلك .

·  المسألة الثانية : قوله " ومع أحد عاتقيه " ، فلا يجب عليه أن يستر العاتقين جميعاً ، فإذا اكتفى بستر أحدهما أجزأ هذا هو المشهور في المذهب .

-   وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من أصحابه كالقاضي وغيره : أنه لا يجزئه إلا أن يستر العاتقين كليهما. وهذا القول أظهر ؛ لقوله في الحديث المتقدم ( ليس على عاتقيه منه شيء ) ، فظاهره أنه فرض في العاتقين كليهما ، ولحديث أبي داود أن النبي r نهى أن يُصلى في سراويل ليس عليه رداء ) .

وقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن سلمة قال : رأيت النبي e يصلي في ثوب واحد مشتملاً به في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه ) , وهذا هو فعل النبي e .

والمذهب أن أي شيء ستر به عاتقيه أجزأه ولو وصف البشرة .

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي فيه نظر لأنه إذا وجب ستره كان من جنس غيره من البدن المستور والذي يصف البشرة لا يحصل به الستر المقصود وهذا هو الراجح .

فإن ستره بحبل لم يجزئ لأنه ليس لباساً .

والجمهور على أن ذلك كله سنة ؛ لقوله e في الثوب : ( إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به ) رواه البخاري ، وإذا اتزر به وشده على حقويه فإنه لا ينال العاتقين منه شيء ، واختاره الشيخ عبدالرحمن بن
سعدي .

والجواب على هذا أن يقال : إنَّ هذا الحديث عند الضرورة ، فإنه ليس عنده إلا ثوب واحد فيتزر به لضيقه ، وإن كان واسعاً فإنه يلتحف به , فظاهر هذا الحديث وجوب تغطية المنكبين كليهما ، لقوله : ( إن كان واسعاً فالتحف به ) ، وحقيقة الالتحاف أن يغطي به بدنه كما يوضع الجلباب ونحوه على البدن .

والمشهور عند الحنابلة : أنه واجب لا تصح الصلاة إلا به , لأن كل واجب في الصلاة فهو شرط فيها .

والرواية الأخرى : أنه ليس شرطاً في صحة الصلاة , لأنه قد ستر عورته وتم بذلك شرط الصلاة من ستر العورة

ويرد بأن العورة في الصلاة ليست هي العورة خارج الصلاة كما تقدم فالراجح أن ذلك شرط .

فعلى ذلك حاصل أقوال أهل العلم ثلاثة أقوال ، وهي روايات عن الإمام أحمد :

1-               الرواية الأولى : الاستحباب ، وهذا مذهب الجمهور .

2-               الرواية الثانية : أنه شرط في صحة الصلاة ، وهذا هو المشهور عند الحنابلة.

3-               الرواية الثالثة : أنه واجب في الصلاة وليس بشرط .

قوله : [ وصلاتها في درع وخمار وملحفة  ]

الدرع : هو القميص ، وهو المفصل على البدن .

والخمار : هو ما تغطي به المرأة رأسها .

والملحفة : هي العباءة عندنا ، وهي الجلباب ونحو ذلك مما تغطي به المرأة بدنها .

هذا هو المستحب لها  ؛ لأن ذلك أستر لها .

ولو لبست برقعاً أو نقاباً فلا بأس لكنه خلاف الأولى ، والمستحب أن تغطيه بخمار.

واستحباب صلاتها بدرع وخمار وملحفة هو قول عائشة رضي الله عنها رواه عنها سعيد بن منصور في سننه.

وهو قول عمر رضي الله عنه ، كما حكاه عنه في المغني ، وقال صاحب الفروع : رواه محمد بن عبد الله الأنصاري في جزئه عن عمر بإسناد صحيح " وهذا باتفاق العلماء .

 

 

قوله : [ ويجزئ ستر عورتها ]

هذا هو المجزئ ، فلو سترتها بأي ثوب ولو لم يكن خماراً أو اكتفت بالعباءة ولم يظهر شيء من عورتها ، فصلاتها صحيحة ؛ لأنها فعلت ما يجب عليها من ستر العورة ، وما فضل وزاد فهو مستحب .

 

قوله : [ ومن انكشف بعض عورته وفحش أو صلى في ثوب محرم عليه أو نجس أعاد لا من حبس في محل نجس ]

في هذه الجملة أربع مسائل :

المسألة الأولى : من انكشف بعض عورته وفحش .

قوله " فحش " : أي حجمه عرفاً ؛ لأن المسائل التي لا تحدد في الشرع مرجعها إلى العرف .

فإذا حسر ثوبه عن بعض فخذيه ناسياً وطال زماناً أي طال وقته ، وفحش حجمه فمن رآه قال : هذا كثير فاحش ، ومرجع ذلك إلى عرف أوساط الناس .

فلو خرج منه شيء كثير من الفخذين ، لكن الزمن قليل فلا تبطل الصلاة .

وكذلك إذا خرج شيء يسير في زمن كثير أي فحش الزمن ولم يفحش الحجم الخارج فإنه لا تبطل الصلاة بذلك.

قالوا : لأن اليسير لا يمكن التحرز منه حيث لم يتعمد ذلك .

فإن تعمده بطلت ، وإن كان يسيراً في الزمان أو الحجم . هذا هو المشهور في المذهب .

-   وذهب الشافعية إلى أنه إذا ظهر شيء من العورة سواء كان يسيراً أم كثيراً وسواء كان الزمن طويلاً أو قصيراً ، بقصد أو غير قصد ، فإن الصلاة تبطل و تجب إعادتها .

قالوا : لأن الواجب هو ستر العورة ، ومتى انكشف شيء منها بطلت الصلاة ، ويجب عليه أن يعيدها.

وقال المالكية : إن خرج منه شيء ولو يسيراً مع القدرة والذُكْر بطلت وهوالراجح لأن هذا ينافي ما يجب من ستر العورة .

فالواجب هو سترها كلها ، فإن خرج شيء منها فإن هذا ينافي سترها .

لكن إن نسي أو جهل لم تبطل ، لأن من فعل المحذور جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه .

المسألة الثانية : " أو صلى في ثوب محرم عليه أعاد " :

رجل ستر عورته بثوب محرم كثوب حرير أو مغصوب فعليه الإعادة ؛ قالوا : لأنه عاص لله بلبسه لهذا الثوب؛ فلم تصح منه هذه القربة لئلا يجتمع له ثواب وإثم في عمل واحد في وقت واحد .

واختار شيخ الإسلام وهو مذهب أكثر أهل العلم أن الصلاة في الثوب الحرير ونحوه صحيحة .

وكونه يجتمع عليه إثم وثواب لا مانع من ذلك ، فلا مانع أن يكون مثاباً من جهة وآثما من جهة أخرى . فالأجر الذي يثبت له ليس للبسه هذا الثوب ، وإنما لصلاته ، فهو مثاب لكونه صلى ، وهو آثم لكون لبس ثوب حرير ، فلا مانع أن يجتمع عليه هذان الوصفان ؛ لأن كلاً منهما له جهته الخاصة به.

فالصحيح أنه لا تجب عليه الإعادة إذا ستر عورته بثوب حرير ، وهو آثم على لبسه ، ومثله من صلى في ثوب  مغصوب ، فالصلاة صحيحة مع الإثم .

المسألة الثالثة : " أو نجس أعاد " : ويأتي الكلام عليه إن شاء الله .

 

قوله : [ لا من حبس  في محل نجس ]

فمن صلى في موضع نجس محبوساً فلا يجب عليه أن يعيد الصلاة ، والفرق بين هذه الصورة وبين التي قبلها هو أنه في هذا الموضع والمحل النجس لا اختيار له ، بخلاف صلاته بثوب نجس لأنه يمكنه أن يصلي عرياناً.

ومثل ذلك ما لو حبس في محل مغصوب ، فكذلك لا تجب عليه الإعادة ؛ لأنه لا خيار له في ذلك.

وهذا الفرق ليس له أثر في الشرع ،بل كلاهما قد فعل ما أمر به شرعاً واتقى الله ما استطاع ، فكانت صلاته صحيحة .

وكون هذا لا خيار له ، وهذا له خيار ، هذا في الحقيقة لا أثر له .

وهذا هو اختيار شيخ الإسلام .

إذن : الراجح أن من صلى في ثوب نجس ، أو من حُبس في محل نجس لا تجب عليه الإعادة  مادام أنه فعل ما أمر به شرعاً واتقى الله ما استطاع ،وقد قال تعالى :) فاتقوا الله ما استطعتم (  ولم يأمر الله تعالى العبد بأداء الفرض مرتين.

مسألة : من صلى في ثوب محرم ناسياً فصلاته صحيحة بالإجماع لعدم الإثم .

 

قوله : [ ومن وجد كفاية عورته سترها وإلا فالفرجين فإن لم يكفهما فالدبر ]

قوله : " ومن وجد كفاية عورته " العورة هي الفرجان والفخذان .

فمن وجد ما يكفي عورته ولا يكفي المنكبين فإنه يجب عليه أن يستر الفرجين والفخذين ، ويترك المنكبين لأنها أولى بالستر لاتفاق أهل العلم على وجوب سترها في الصلاة .

وأما المنكبان فقد اختلف العلماء في وجوب سترهما ،والحنابلة يرون سترهما في الفرض دون النفل وبما يصف البشرة وبما لا يصفها , والجمهور لا يرون وجوب سترهما .

 

قوله : [ وإلا فالفرجين ]

ويُقدم ستر الفرجين ؛ لأنهما أفحش .

 

قوله : [ فإن لم يكفهما فالدبر ]

قالوا : لأنه أفحش .

وفي قول آخر : القبل ؛ لأنه يواجه به الله تعالى .

وقيل : يخير بينهما والأولى هو الدبر ، والراجح ستر الدبر لأنه إذا سجد ظهر وأما القبل فإذا انضم إليه ستره إلا مع حضوره امرأة أجنبية فيترجح ستر القبل والله أعلم . وهكذا المرأة .

 

قوله : [ وأن أعير سترة لزمه قبولها ]

لأن العارية لا مِنَّة فيها ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ،فيجب عليه قبولها .

فإن لم يقبلها وصلى عرياناً فصلاته باطلة ؛ لأنه قادر على أن يستر عورته بما لا مِنَّة فيه ولا ضرر ولا يلزمه أن يستعير لأن طلب العارية فيه منة وأما الهبة ، فهل يلزمه قبولها أم لا ؟

قولان في المذهب :

1-               فالمشهور في المذهب : أنه لا يلزمه قبولها ؛ لما في ذلك من المنة .

2-               والقول الثاني في المذهب : أنه يجب عليه قبولها .

والذي يتبين لي التفصيل في هذا :

فإن كان يترتب على ذلك انكشاف عورته عند الناس فيجب قبولها ؛ لأن المفسدة في كشف العورة أعظم من المِنَّة التي تلحقه بقبولها ، ويرجح الوقوع بالمفسدة الصغرى على الوقوع بالمفسدة الكبرى .

فأما إن كان في خلوة فلا يلزمه القبول للمنَّة .

وإن كانت بثمن فيلزمه شراؤها مع القدرة إن كانت بثمن المثل أو زيادة يسيرة كما تقدم في الطهارة فيمن لم يجد ماءً إلا بثمن .

 

 

 

 

قوله : [ ويصلي العاري قاعداً بالإيماء استحباباً فيهما ]

" فيهما " : أي في الركوع والسجود .

هذه صفة صلاة العاري : أن يصلي قاعداً قد ضم فخذيه بعضهما إلى بعض ويومئ بالركوع والسجود ، هذا هو   الأفضل في المشهور في المذهب فلو صلى قائماً وركع وسجد فلا بأس .

وقال الشافعية والمالكية : يجب عليه أن يصلي قائماً بركوع وسجود ؛ لقوله e : ( صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ) رواه البخاري . قالوا : وهو مستطيع للقيام بلا ضرر .

_ والقول الثالث وهو قول في المذهب ورواية عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام الخرقي : أنه يجب عليه أن يصلي قاعداً ويومئ بالركوع والسجود لوجهين :

1-      الوجه الأول : أن ستر العورة لا يسقط في الفرض والنفل ، وأما القيام فهو ركن في الفرض مستحب في النفل فالقيام يدخله التخفيف .

2-      الوجه الثاني : أن ستر العورة فرض وواجب في الصلاة وفي غيرها ، فقد أمر الله تعالى بستر العورة في الصلاة وفي غيرها .

وأما القيام فلا يجب إلا في الصلاة ، فالمحافظة على الفرض الذي أمر الله به عباده في الصلاة وفي غيرها أولى من المحافظة على ما لم يؤمر به إلا في الصلاة .

فالراجح أنه يصلي قاعداً وجوباً ؛ لأنه يجب عليه أن يستر عورته بقدر الإمكان ، ومثله : الركوع والسجود .

وظاهر هذا القول : أنه يعم ما إذا كان في ظلمة أو خلوة أو عند من يجوز له أن ينظر إلى عورته وهو الزوج .

وقال بعض العلماء وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين : إن كان حوله أحد صلى قاعداً ، وإن لم يكن حوله أحد

أو كان في ظلمة أو ليس عنده إلا زوجه صلى قائماً وهذا القول هو الراجح لأن فيه جمعاً بين الأدلة .

 

قال : [ ويكون إمامهم وسْطهم ]

وجوباً لأنه أستر له إلا أن يكونوا في ظلمة فيتقدمهم إمامهم .

 

قال : [ ويصلي كل نوع وحده ]

 إن اتسع المحل ، فالإناث يصلين وحدهن ، والذكور يصلون وحدهم .

 

 

قال : [ فإن شق صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا ]

إن كانوا في موضع لا يتسع فيصلي الرجال مستقبلين القبلة ، وتكون النساء مستدبرات القبلة ، ثم العكس ؛ تصلي النساء مستقبلات القبلة ويؤدين فريضتهن ، ويستدبرن الرجال حتى تنقضي صلاتهن .

والمذهب أن صلاة العراة جماعة واجبة واستدلوا : بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على فرضية الجماعة .

-       وذهب بعض العلماء ، وهو قول للشافعية : إلى أن الجماعة لا تشرع لهم ، وعليه فيصلون فرادى إلا في ظلمة لا تنكشف لأحد منهم فيها عورة .

وذلك لأن ما يلحقهم في كشف العورة من العار والفتنة أعظم مفسدة مما يترتب على فوات الجماعة .

وهو الراجح .

 

قال : [ فإن وجد سترة قريبة في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ ]

إذا وجد سترة قريبة منه عرفاً لا تقطع صلاته ، فهي تحتاج إلى عمل يسير لا يبطل الصلاة ، فيجب عليه أن يستر بها عورته ويبني على صلاته ولا يستأنفها من جديد .

وأما إن كانت السترة بعيدة عرفاً بحيث تحتاج إلى عمل كثير يُبطل الصلاة فيجب عليه أن يستر بها عورته ويستأنف صلاته .

إذن : الواجب عليه مطلقاً أن يستر عورته ، ويبني إن كان العمل قليلاً لا يبطل الصلاة ، وأما إن كان عملاً كثيراً يبطل الصلاة فإنه يستأنفها .

 

قوله : [ ويكره في الصلاة السدل ]

السدل : هو طرح الثوب على الكتفين ولا يرد طرفه على الكتف الآخر سواء كان تحته ثوبٌ آخرأم لا .

وقيل : السدل هو الإسبال أي إسبال الثوب .

والحديث الوارد في النهي عنه هو ما رواه أبو داود وغيره والحديث حسن أن النبي e : ( نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه ) .

والراجح هو التفسير الأول , وذلك  لأن الإسبال قد ورد النهي عنه على العموم والصلاة تدخل في عموم النهي بخلاف السدل فالنهي عنه خاص بالصلاة دون غيرها ، فعلى ذلك يكون هذا الحديث قد أتى بحكم تأسيسي ، بخلاف ما لو فسرناه بالإسبال فيكون قد أتى بما أتى به غيره من الأحاديث .

والسدل في المشهور من المذهب مكروه مطلقاً أي سواء كان تحته ثوب آخر أم لم يكن تحته ثوب .

وعن الإمام أحمد أنه لا يكره إن كان تحته ثوب .

وهذا إنما يبنى على أن العلة هي خشية ظهور شيء من العورة .

والذي يظهر أن العلة هي التشبه باليهود ، وفي الحديث : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) رواه أبو داود .

ومما يدل على أن هذا السدل من فعل اليهود ما رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر بإسناد صحيح أن النبي e

قال : ( إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن إلا ثوب واحد فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود ) أي لا يسدله كما يفعل اليهود .

 وصَحَّ عن علي t  – كما رواه الخلال وغيره أنه رأى قوماً يسدلون في صلاتهم فقال : ( كأنهم اليهود خرجوا من قُهْرهم) - بضم القاف وإسكان الهاء - أي من مدارسهم ، فهو من فعل اليهود .

وعن الإمام أحمد أنه يحرم للتشبه .

وأقل أحوال التشبه – كما قال شيخ الإسلام – التحريم وإلا فظاهره الكفر .

والجواب : أن التشبه هنا ليس تاماً فاليهود كما في الإنصاف يضعون الثوب على الرأس ويرسلونه .

فإن ضم طرفيه بيده لم يُكره لزوال معنى السدل وهو المشهور في المذهب .

وإن طرح على كتفيه القَبَاء وهو يشبه الكُوت عندنا ، ونحوه المشلح ، ولم يدخل يديه في طرفيه فلا بأس بذلك باتفاق الفقهاء كما قال شيخ الإسلام وذلك لأنه مما يلبس هكذا تارةً ، وليس فيه تشبه باليهود .

 

قوله : [ واشتمال الصماء  ]

له تفسيران :

التفسير الأول : هو تفسير اللغويين : أن يتجلل بالثوب الواحد تجللاً يشمل بدنه كله بحيث لا يكون لليد مخرج فهذه صفة مكروهة لأنه يترتب عليها فوات شيء كثير من السنن كرفع اليدين .

التفسير الثاني : وهو تفسير الفقهاء قالوا أن يضطبع بالثوب الواحد ليس عليه غيره .

وصورة ذلك : ما يفعله المحرم بردائه أثناء طواف القدوم هذا هو الاضطباع بأن يضع وسط الرداء تحت إبطه الأيمن ثم يرد طرفيه على عاتقه الأيسر فيبدو شقه الأيمن أو العكس كذلك .

وهذا التفسير أصح لوجهين :

الوجه الأول : أن هذا قد وردت به الرواية عن النبي e فقد ثبت في البخاري عن أبي هريرة أن النبي e : ( نهى عن اشتمال الصماء ) وفي رواية للبخاري : ( أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب )

الوجه الثاني : أن الفقهاء أعلم بألفاظ النبي e من اللغويين ، كما أن اللغويين أعلم بعبارات أهل اللغة من الفقهاء . لذا قال أبو عبيدة – في تفسير الفقهاء – ( وهم أعلم بالتأويل ) أي أعلم بتفسير كلام النبي e لأنهم أعلم بالشريعة من أهل اللغة .

إذن الراجح ما قاله الفقهاء من أن اشتمال الصماء : أن يضطبع بالثوب فيظهر أحد شقيه .

والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد : القول بالتحريم وأن اشتمال الصماء محرم – وهو الراجح - .

وهذه هي المسألة التي تقدم ذكرها من وجوب تغطية المنكبين جميعاً في الصلاة قال e : ( فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب ) فجعل العلة من النهي أو التحريم بدو أحد الشقين عارياً ليس عليه ثوب .

وظاهر الحديث أن الاضطباع في الصلاة يُنهى عنه حيث لم يكن تحته ثوب لقوله e : ( فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب ) فإن كان تحته ثوب يغطي هذا الشق فلا يُنهى منه وهو المذهب .

 

قوله : [ وتغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه ]

تغطية الوجه مكروهة لأن النبي e كان يصلي وهو كاشف لوجهه ، ولتباشر أعضاؤه مواضع السجود .

وفي سنن أبي داود وتقدم أن النبي e : ( نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه ) .

فإن كان هناك حاجة زالت الكراهة بأن يغطي فاه أو أنفه لرائحة كريهةتؤذيه أو زكام أو برد .

إلا أن المرأة إن كان هناك أجنبي فإنها تغطي وجهها ، أو كانت تخشى أن يأتي إلى هذا الموضع المكشوف الذي تصلي فيه اجنبي .

 

قوله : [ وكفّ كمه ولفُّه ]

الكف : أن يجذبه حتى يرتفع ، واللف أن يطويه حتى يرتفع .

 وهذا النهي يشمل ذلك أثناء الصلاة وقبلها إذا استمر فيها  .

ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وألا أكف شعراً ولا ثوباً ) قالوا : فهذا يدل على كراهية كف الشعر والثوب .

وليس من هذا كما قرر شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله – رد طرف الشماغ أو الغترة على كتفه لأن هذا نوع من اللباس فالغترة قد تلبس على هذه الكيفية كما تقدم في القباء فإذا كان من عادة الناس أن يستعملوا الغترة والشماغ على وجوه متنوعة فلا بأس كالعمامة .

والعلة من النهي عن كف الشعر والثوب سجود الشعر والثوب كما يدل عليه السياق ولما في ذلك من الشغل في الصلاة .

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه محرم ، وهو مذهب الظاهرية وقول الحسن البصري لقوله e : ( أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراًً ) .

والجمهور على كراهيته كما تقدم .

 

قوله : [ وشد وسطه كزُنَّار ]

كان أهل الذمة يؤمرون بأن يشدوا زُنَّاراً وهو خيط دقيق على الوسط ، حتى قيل في المثل : ( إذا عطس الذمي انقطع زُنَّاره ) من دقته وشدة ربطه على وسطه ، فيُنهى المسلم عن لُبْسه ، وهنا قال المؤلف : ( يكره ) ، والصواب أنه يحرم لأن التشبه يقتضي التحريم كما تقدم .

 

قوله : [ و تَحرم الخيلاء في ثوب وغيره ]

كعمامة وسروال لقوله e : ( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ) متفق عليه .

قالوا : فهذا يدل على أن جر الثوب خيلاء محرم بل من كبائر الذنوب وهذا باتفاق العلماء .

 فإن كان لغير خيلاء فيكره – كما هو المشهور في المذهب .

وعن الإمام أحمد التحريم .

وهوالراجح لعموم قوله e : ( ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار ) رواه البخاري فهذا الحديث عام في الخيلاء وغيره .

وثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( إياك وإسبال الإزار فإنه من المَخِيلَة ) .

فدل هذا الحديث – كما قرر ذلك ابن العربي وغيره – على أن جر الثوب من المخيلة فإن وافق ذلك في قلب فاعله فلا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم ، فإسبال الثوب دال على الخيلاء مستلزم له .

واستدل الحنابلة وغيرهم القائلون بالكراهية ، بما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ) فقال أبو بكر : يا رسول الله إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال : e( إنك لست ممن يفعله خيلاء ) .

والجواب أن أبا بكر لم يكن يقصد ذلك بل كان يحصل منه من غير قصد ولا إرادة , وفي البخاري أن النبي e :

 ( لما كسفت الشمس خرج وهو يجر إزاره ) ولذا قال له e : ( إنك لست ممن يفعله – أي على هذه الحالة المذكورة – خيلاء ) فإن من لم يقصد لا يكون فعله خيلاء .

إذن الراجح : أن جر الثوب محرم مطلقاً وفي النسائي أن النبي e قال : (ولا حق للكعبين في الإزار) .

 فإن صلى في ثوب قد أسبل وقلنا بالتحريم مطلقاً ، أو بالكراهية لكنه فعله خيلاء ، فهل تصح صلاته ؟

تقدم تقرير هذا في الصلاة في الثوب المحرم ، وأن الراجح أن من صلى في ثوب محرم فإن صلاته صحيحة مع الإثم

 

قال : [ والتصوير واستعماله ]

" واستعماله " : في سِتْر وثوب أو غير ذلك .

فالتصوير محرم سواء كانت الصورة منسوجة أو مجسمة أو مرسومة كل هذا محرم ، لعمومات الأدلة الشرعية ومنها قوله e : ( كل مصور في النار ) متفق عليه .

فإن فعل ذلك بأن صلى في ثوب فيه صورة فصلاته صحيحة لكنه آثم بلبسه فيكون مثاباً للصلاة وآثماً للبسه هذا الثوب الذي وضعت فيه هذه الصورة .

وقد تقدم في شرح كتاب التوحيد أن ذلك مخصوص في ذوات الأرواح لقول جبريل للنبي e في الترمذي والحديث صحيح : ( مر برأس التمثال فليقطع حتى يكون كهيئة الشجرة ) فدل ذلك على أن ما كان على هيئة الشجرة ونحوها مما ليس فيه روح أن تصويره جائز .

 

قال : [ ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهب قبل استحالته ]

هذه الجملة فيها تحريم استعمال الذهب سواء كان منسوجاً أو كان مموهاً أو مكفتاً أو نحو ذلك ، فلبسه محرم على الذكور .

ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أحل الذهب والحرير  للإناث من أمتي وحرم على ذكورها ) فهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز للرجال لبس الذهب وهو مذهب جماهير أهل العلم .

وهل كل الذهب محرم على الرجال أم يستثنى منه اليسيرالتابع لغيره ؟

- جمهور العلماء وهو المشهور عن الإمام أحمد أن الذهب محرم مطلقاً ، لأن الشارع إذا نهى عن الشيء فإنه ينهى عن أبعاضه وأجزائه فما دام الأمر كذلك فاتخاذ الشيء اليسير من الذهب محرم .

فمثلاً : لا يجوز له أن يتخذ قبيعة من ذهب ولا يجوز أن يضع الشيء اليسير في ساعته من ذهب – هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد – .

- وعن الإمام أحمد وهو قول آخر اختاره أبو بكر من كبار أصحابه والمجد ابن تيمية ، وشيخ الإسلام : أن اليسير جائز إن كان تابعاً لغيره .

فإذا وضع في شيء من ملبوساته عَلَماً من ذهب فإن ذلك لا حرج فيه .

واستدلوا : بما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية أن النبي e : ( نهى عن الذهب إلا مقطعاً ) ومعلوم أن الذهب باتفاق أهل العلم – جائز للنساء مطلقاً ، فيبقى أن يكون هذا الحديث في الرجال.

قال شيخ الإسلام : " إلا مقطعاً " أي تابعاً لغيره،  فالمقطع هو التابع لغيره وهذا هو القول الراجح .

ويدل عليه القياس على الحرير ، فإن اليسير في الثوب جائز كما دلت السنة الصحيحة عليه ، فمثله كذلك الذهب من باب القياس .

أما الفضة فكذلك لا يجوز لبسها عند جمهور أهل العلم واستثنوا خاتم الفضة للرجال .

ودليلهم تحريم الآنية , فقد حرم الشارع آنية الذهب والفضة فكذلك اللباس ، فلا يجوز لباس الفضة كما لا تجوز آنية الفضة .

لكن هذا الاستدلال ضعيف ، لذا ذهب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم إلى جواز لبس الفضة للرجال خاتماً أو مقبض سيف أو نحو ذلك .

ولا نص ولا إجماع – كما قال ابن القيم - في تحريم الفضة بل الأصل في الأشياء الإباحة ، وقد قال النبي e في الحديث الحسن الذي رواه أبوداود : ( ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها ) وثبت في الصحيحين : أن النبي e :

 ( لبس خاتماً من فضة ) وفي سنن أبي داود والنسائي والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح : ( أن قبيعة سيف النبي e من فضة ) .

فالراجح : أن الفضة يجوز لبسها مطلقاً ، للرجال والإناث للأدلة المتقدمة ، ولا نص ولا إجماع على التحريم، بل الأصل في الأشياء الإباحة ، والسنة قررت ذلك فعلاً من النبي e في لبسه خاتم الفضة مع تحريم خاتم الذهب ، واتخاذه السيف ذي القبيعة من فضة هذا كله يدل على جوازه وتقريره أيضاً النبي e بقوله : ( ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها ) .

 أما الجواب عما ذكره الجمهور فالجواب : أن تحريم الآنية لا يلزم منه تحريم اللبس والتحلي .

بدليل أن آنية الذهب محرمة على النساء والتحلي بالذهب مباح لهن مطلقاً .

فإذن : لبس الفضة جائز مطلقاً للرجال والنساء ولا شك أنه بشرط عدم التشبه بالنساء وإنما يلبسونها بما جرت طبيعة الرجال بلبسه كالساعة من فضة أو الخاتم منها .

 

قال : [ أو مموه بذهب قبل استحالته ]

أي ماطلي بذهب ، فإن استحال هذا الذهب وتغير لونه وتآكل ولم يحصل منه شئ بعرضه على النار ، لم يحرم . وهذا مما اتفق عليه أهل العلم ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ، فالحكم يدور مع ثبوت الشيء ، وحيث انتفى واستحال إلى مادة أخرى فإن الحكم ينتقل عنه ، فإن الحكم إنما ثبت للاسم مع مسماه وحيث انتقل إلى مادة أخرى فإنه لا معنى للقول بتحريمه .

 

قال : [ وثياب حرير ]

فثياب الحرير محرمة على الرجال أيضاً .

ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ) والنهي للتحريم .

وتقدم حديث أبي موسى الأشعري : ( أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها ) وهو صريح في التحريم.

فالحرير محرم على الذكور لبسه والجلوس عليه والاتكاء عليه , سواء كان ما يُتكأ عليه من حرير أو أن يكون ما يتوسد من حرير أو أن يتخذ نمرقة أو ستر من حرير فكل هذا محرم لا يجوز وقد ثبت في البخاري عن حذيفة قال : ( نهانا النبي e أن نشرب في آنية الذهب والفضة أو أن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج أوأن نجلس عليه)

 

قال : [ وما هو أكثر ظهوراً على الذكور ]

إذا كان عليه ثوب من نوعين من قطن وحرير ، وكان الغالب ظهوراً هو الحرير فإنه لا يجوز ؛ إعطاءً للغالب حكم الكل .

 

قال : [ لا إذا استويا ]

فإذا كان ثوب نصفه في الظهور من حرير ونصفه من قطن أو نحوه فإنه يجوز لبسه – إبقاءً على الأصل فإن الأصل هو الحل – والحرير هنا ليس هو الكل وليس هو الغالب .

-        هذا أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد .

-   والوجه الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام : أنه يحرم , وهو الراجح لما تقدم من أن الشارع إذا حرم الشيء حرم أبعاضه .

ولما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع ) فهذا يدل على أن لبس الحرير محرم مطلقاً سواء كان هو الغالب أو كان كثيراً ما لم يكن موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع فإنه يجوز .

وهذا الدليل يصلح للاستدلال على المسألة السابقة وهو أن ما كان أكثره حرير فإنه يحرم ، ومن الأدلة الدالة على تحريم الكثير من الحرير الظاهر وإن كان ليس هو الغالب ما ثبت في مسلم أن النبي e : ( نهى عن القسِّي والمعصفر ) .

والمعصفر : سيأتي الكلام عليه .

أما القسِّي : فهو نوع من الثياب يخلط فيه الحرير مع القطن – بحيث يكونان ظاهرين فيه .

وهنا النبي e حرمه مطلقاً ولم يستثن من ذلك استواءهما ولا أن يكون النوع الآخر هو الأكثر بل حرمه مطلقاً ، فنهي النبي e عن هذا النوع من الثياب شامل  لما كان الحرير فيه هو الأكثر أو كان هو الكثير المساوي أو كان هو الكثير الأقل فهو شامل لهذه الأنواع كلها ما لم يكن موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع فقد دل الحديث المتقدم على جوازه .

 

قال : [ ولضرورة أو حِكّة أو مرض ]

" لضرورة  " : من حر أو برد ، بأن لا يكون عنده إلا ثوب حرير ويخشى على نفسه الهلكة إن لم يلبسه .

أو كانت هناك حاجة ولا ضرورة كأن يكون فيه حكة أو نحو ذلك فيحتاج إلى أن يلبس الحرير مع أنه إذا لبس غيره فإنه يزول المرض الذي عليه وهو مع لبسه للحرير لا يقطع بزوال المرض فليس هذا ضرورة بل حاجة لكنه يلحق الحرج بتركه مع ذلك لبس الحرير للحاجة من حكة أو مرض - ومن باب أولى للضرورة – فيجوز .

  لما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قميص الحرير في سفر من حكة كانت فيهما ) .

ولبس الحرير للحكة من الحاجات وليس من الضروريات لأنه لا يعلم اندفاع الحكة به ، فلا يثبت به زوال الحكة قطعاً بل هو نوع من أنواع التدواي ، ومعلوم أن الدواء لا يقطع بزواله بل هو سبب قد يتم الشفاء به وقد لا يتم . فاستعمال الحرير لحاجة لا بأس به .

 

قال : [ أو حرب ]

في الحرب يجوز للمسلم أن يلبس فيها الحرير لإرهاب أعداء الله وإظهار قوة المسلمين .

وإظهار ما يكون فيه خيلاء في الحرب محمود لإرهاب الأعداء فلهذه المصلحة العامة جاز أن يلبس الحرير.

هذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد وهو المشهور فيه وهو اختيار شيخ الإسلام – وأن لبس الحرير في الحرب جائز لما فيه من إظهار قوة المسلمين وإظهار غناهم وبأسهم ونحو ذلك .

فلبسه في الحرب جائز حيث أدى إلى هذه المصالح أما إذا لم يثبت فيه شيء منها ، كأن يكون خفياً غير ظاهر فلا يجوز له أن يستعمله في الحرب .

 

قال : [ أو حشو ]

إذا اتخذ الحرير حشواً في ثوب ، كأن يضع ثوباً من قطن أو صوف ونحوه ، فيضع الحرير حشواً له أي ليس في ظهارته ولا بطانته فالبِطانة هي ما تكون مباشرة للبدن ، والظِهارة ما تكون خارجة للناس .

فهنا ظهارته وبطانته من نوع آخر غير الحرير ، لكنه حشاه بالحرير ، أو حشا وسادة به .

فهل يجوز أم لا ؟

نعم يجوز ذلك ، فلا حرج في مثل هذا لأن النهي لا يشمله وقد ثبت عن الصحابة أنهم لبسوا ثوب الخز وثوب الخز هو نوع من الثياب يكون سَداه من حرير ولُحمته من نوع آخر .

والسدى : هو ما يمد طولاً عند النسج .

أما اللُحمة : فهي ما تكون عرضاً عند النسج ، واللحمة تغطى السدى .

فيجوز أن يكون الثوب سداه من حرير، وقد لبس الصحابة ثياب الخز وهي : ما سُدِّي بحرير وأُلحم بوَبَرٍ أو صوف أو قطن ونحوها .

قال أبو داود : " وعشرون نفساً من أصحاب رسول الله e أو أكثر لبسوا الخز منهم أنس والبراء بن عازب " .

قال الحافظ ابن حجر : " وقد أوردها ابن أبي شيبة عن جمع منهم وعن طائفة من التابعين بأسانيد جيدة " فهذه أفعال للصحابة لا يعلم لهم فيها مخالف .

وقد دلت السنة على ذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( إنما نهى رسول الله e عن الثوب المصمت من الحرير فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به ) رواه أحمد وأبو داود .

وما كان سداه حرير ولحمته من غيره فهو جائز وأما العكس فهو محرم , فلو كانت اللحمة من حرير والسدى من نوع آخر فهو محرم لأن الظاهر هو الحرير .

إذن : الحشو بالحرير جائز ، وكذلك يجوز أن يكون السدى من حرير .

أما البطانة فلا يجوز أن تكون من حرير لأنها – في الحقيقة – ظاهرة ، أي الحرير فيها ظاهر في الثوب وإن كان لا يبدوا للعيان ، لكنه ظاهر وتثبت مباشرته للبدن .

فإذا كانت البطانة من حرير والظهارة من غيره فإنه محرم .

 

 

قال : [ أو كان علماً أربع أصابع فما دون ]

فإن كان الحرير خطوطاً أو طرزاً على الثوب أربع أصابع فما دون مضمومة من الثوب كله .

يعني جميع ما في الثوب أربع أصابع ، ففي عرضه أصبع وفي عرضه الآخر أصبع وفي وسطه أصبعين فيجوز ، أما إذا كان مجموعه خمسة أصابع فيحرم .

إذن : تكون مضمومة  وهذا باتفاق أهل العلم ودليل ذلك حديث عمر المتقدم : ( نهى النبي e عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع ) .

 

قال : [ أو رقاعاً ]

إذا رُقع الثوب بشيء من الحرير فيجوز ما لم يكن ذلك أكثر من أربعة أصابع .

 

قال : [ أو لَبِنةَ جيب ]

" لبنة جيب " : هي ما يحيط بالجيب ، والجيب هو الطوق الذي يخرج منه الرأس ، فهذا جائز بشرط ألا يزيد على أربعة أصابع ، ولو وضع أزراره من حرير فهو جائز أيضاً ما لم يجتمع من ذلك أربعة أصابع .

 

قال : [ وسَجْف فراء ]

الفراء : هو ما يلبس في الشتاء من الثياب الغليظة ونحوها ، فحواشيها تسمى السجف , فإذا وضع في أطرافه وحواشيه حريراً وكان مجموعه لا يتجاوز أربعة أصابع فإنه جائز .

 

قال : [ ويكره المعصفر والمزعفر للرجال ]

" المعصفر " : هو المصبوغ بالعُصفر وهو نوع من النبات تصبغ به الثياب فتكون حمراء .

ودليل ذلك : أن النبي e  : ( نهى عن القَسِّي والمعصفر ) رواه مسلم .

وفي مسلم عن ابن عمرو قال : رأى رسول الله e عليَّ ثوبين معصفرين فقال : ( إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ) وهو المصبوغ بالحمرة بحيث يكون أحمر خالصاً .

فإن كان فيه خطوط حمراء فلا بأس ، لما ثبت في الصحيحين عن البراء بن عازب قال : ( كان رسول الله e مربوعاً وقد رأيته في حُلة حمراء فما رأيت شيئاً أحسن منه ) .

فهنا قد لبس النبي صلى الله عليه وسلم الحلة الحمراء وهي من أنواع البُرُد اليمانية – كما ذكر ابن القيم – وهي ذات خطوط حمر مع سواد في بقية الثوب ، فهو ثوب أسود فيه خطوط حمراء .

وسُميت حُلَّة حمراء نسبة إلى هذه الخطوط الحمراء التي فيها ، وليس أن هذه الحلة كلها حمراء كما يُقال شماغ أحمر وفيه خطوط بيضاء , وأما الثياب الحمراء الخالصة فلا يجوز لبسها , والحنابلة ذهبوا إلى الكراهية .

والراجح هو التحريم للأحاديث المتقدمة من نهي النبي e ، ومن قوله  : ( إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ) والتشبه بالكفار محرم .

وقد ذكر ابن حجر في هذه المسألة سبعة أقوال قال : ( وأصحها المنع ) وهو كما قال .

وثبت في الصحيحين عن البراء بن عازب قال : ( نهانا رسول الله e عن المياثر الحمر ) .

المياثر هي السروج التي يركب عليها ، فهذا يدل على النهي عن الجلوس على شيء من الفرش الحمر . "والمزعفر للرجال " : المزعفر : هو الثوب الذي قد صبغ بالزعفران .

لما ثبت في صحيح البخاري أن النبي e : ( نهى أن يتزعفر الرجل )

وهل هذا النهي للونه فيلتحق به كل صفرة أو أن ذلك لرائحته لكونه من طيب النساء أو أن ذلك للمحرم ؟

قال بعض العلماء : لرائحته ، واستدلوا بما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وأصله في الصحيحين : أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة ، فقيل له : لم تصبغ بالصفرة ؟ فقال : ( إني رأيت رسول الله e يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها ، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته ) .

وفي رواية لأبي داود والنسائي أنه كان يصبغ ثيابه ويدهن بالزعفران قال بعض العلماء أراد بالزعفران هنا الصفرة

وقال المالكية إنما يُنهى عنه للمحرم ولا يُكره لغيره وهو اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي وهو الراجح .

 

 

 

 

قال : [ ومنها اجتناب النجاسات ]

ومنها : أي من شروط الصلاة .

فاجتناب النجاسات في الثوب والبدن والبقعة من شروط الصلاة .

ومن أدلة ذلك : - ما ثبت في الصحيحين - أن النبي e قال – في دم الحيض يصيب الثوب – ( تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه ) وفي الصحيحين من حديث أنس : أن النبي e : ( أمر أن يراق على بول الأعرابي في المسجد ذنوباً من ماء ) . وفي المسند وأبي داود والنسائي أن النبي e قال : ( إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه ) .

 

قال : [ فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها ]

فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها ولو بقارورة ونحوها فإن الصلاة لا تصح .

وقوله : " لا يعفى عنها " فالنجاسة المعفو عنها لا تبطل الصلاة بحملها ، كأثر الاستجمار بمحله ويسير الدم .

وحمل الطفل وباطنه لا يخلو من نجاسة ، حمل حيوان طاهر كالهر وفي الصحيحين : أن النبي e : ( كان يُصلي وهو حامل أمامة بنت زينب فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها ) .

أما لو حمل طفلاً وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة فصلاته باطلة لأن النجاسة غير معفو عنها فليست في معدنها .

 

قال : [ أو لاقاها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته ]

إذا باشر النجاسة ببدنه أو ثوبه فإن صلاته باطلة ، لأنه قد ترك ما يجب عليه من اجتناب النجاسة .

ولو وضع يده وهو يُصلي على شيء نجس أو اتكأ على موضع نجس فصلاته باطلة لأنه يكون كالبقعة له .

فإن مس ثوبه ثوباً نجساً  ولم يباشر عين النجاسة في هذا الثوب صحت صلاته .

وكذا لو مس الجدار النجس ولم يستند عليه لأن ذلك لايعد ملاقاة  .

 

قال : [ وإن طيَّن أرضاً نجسة أو فرشها طاهراً كره وصحت ]

كما لو صلى على البلاط الذي فوق البيارة فتصح الصلاة .

لأنه لم يحمل النجاسة ولم يلاقها فهو مجتنب للنجاسة في ثوبه و بدنه  وبقعته .

ويكره لأن هذه البقعة التي صلى عليها معتمدة على أرض نجسة .

وعن الإمام أحمد : لا تكره الصلاة وهو الراجح لأن الكراهية حكم شرعي يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك . وقد فعل ما يجب عليه من اجتناب النجاسة في ثوبه وبدنه وبقعته فصلى على بقعة طاهرة ، ولا دليل على الكراهة وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد – رحمه الله - .

 

 

قال : [ وإن كانت بطرف مصلى متصل به صحت إن لم ينجر بمشيه ]

إذا صلى على فراش وفي طرفه نجاسة وصلى في الطرف الطاهر منه ، فإن صلاته تصح باتفاق أهل العلم لأنه قد اجتنب النجاسة ولم يلاقها .

قوله : " إن لم ينجر بمشيه " هذه مسألة أخرى في غير المصلى أي إذا صلى وكانت النجاسة تنجر بمشيه كأن يربط حيواناً نجساً صغيراً ينجر بمشي المصلي بحبل ويمسك بهذا الحبل وهو يصلي فلا تصح الصلاة على المذهب لأنه  أي النجس تابع للمصلي فأشبه حمل النجاسة.

فإن كانت النجاسة لا تنجر بمشيه كحيوان كبير لا يقدر على جره أو سفينة من عظام نجسة صحت لأن النجاسة لا تتبعه .

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذا نظر ؛ لأنه لا فرق بين المسألتين ، إلا أن الأولى نجاسة ثقيلة لا يمكن استتباعها والأخرى خفيفة يمكن استتباعها ، وهذا فرق غير مؤثر ، لأن النجاسة منفصلة عنه .

وهذا هو الراجح ، لأنه مجتنب للنجاسة لم يحملها ولم يلاقها وهو اختيار الشيخ محمد بن عثيمين .

 

قال : [ وإن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيها لم يعد ]

من صلى ورأى بعد الصلاة على ثوبه نجاسة ولا يدري هل وقعت على ثوبه قبل الصلاة أو في أثنائها أو بعدها ، فصلاته صحيحة ،لأن إبطالها يحتاج إلى دليل ، ولا دليل على ذلك .

فإن غلب على ظنه أنها كانت قبل الصلاة فلا إعادة عليه لأن غلبة الظن هنا كالشك فلا يزول به اليقين كما قرر ذلك شيخنا فصلاته قد انقضت من غير تيقن المفسد والأصل عدمه .

 

قال : [ وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد ]

هذا هو المشهور في المذهب ، فمن صلى وقد لاقى نجاسة ولم يعلم وجوب إزالة النجاسة ، أو أصابه شيء لايعلم هل هوطاهرأو نجس ثم علم أنه نجس بعد الصلاة ، أو نسي إزالة النجاسة حتى فرغ من صلاته ، فإن عليه الإعادة في هذا كله   .

قالوا : لأن اجتناب النجاسة شرط كالطهارة من الحدث ، فكما أن المحدث إذا صلى ناسياً حدثه أو جاهلاً به يجب عليه أن يعيد الصلاة باتفاق أهل العلم ، فكذلك في اجتناب النجاسة .

والقول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب إسحاق وابن المنذر واختيار شيخ الإسلام : أنه لا يجب عليه أن يعيد الصلاة .

واستدلوا : بما رواه أحمد وأبو داود واللفظ له بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال : ( بينما رسول الله  e يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره ، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله e صلاته ، قال : ما حملكم على إلقاء نعالكم قالوا : رأيناك ألقيت نعليك فالقينا نعالنا فقال النبي e : إن جبريل e أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو قال أذى ثم قال : إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما ) .

قالوا : في هذا الحديث النبي e جهل النجاسة فلم يعلم بها إلا أثناء الصلاة فأزالها وأتم صلاته ولو كان ذلك مبطلاً للصلاة لاستأنفها ولم يبن .

قالوا : والفرق بين الطهارة من الحدث والطهارة من النجس أن الطهارة من الحدث ( الغسل والوضوء والتيمم ) – من باب الأفعال – والطهارة من النجس من باب التروك .

وما كان من قبيل التروك فإن المقصود اجتنابه فإن فعله مخطئا أو ناسياً فإنه لا يعد مخالفاً ، والحديث المتقدم يدل على هذه القاعدة الصحيحة .

قال : [ ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر ]

من جبر بعظم نجس أو خيّط جرحه بخيط نجس نحو ذلك فيجب أن يقلعه ، فإن من شروط الصلاة اجتناب النجاسة فإن كان يخشى الضرر لم يجب قلعه ، لحديث : ( لا ضرر ولا ضرار ) رواه أحمد وابن ماجه .

 

قال : [ وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر ]

لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن لا ينجس ) رواه أبو داود والترمذي

ولحديث : ( ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميت ) والآدمي طاهر كما تقدم .

فإذا أعيد العضو , فصلاته صحيحة وإن كان قادراً على إزالته لأنه ليس بنجس .

 

قال : [ ولا تصح الصلاة في مقبرة ، وحش وحمام وأعطان إبل ومغصوب ]

لا تصح الصلاة في المقبرة لقوله e – فيما رواه أحمد - : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين:( اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً ) . وفي صحيح مسلم أن النبي e قال : ( لا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) .

والمنع يتناول حريمه وفناءه المضاف إليه كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لأنه يصدق عليه أنه مقبرة وإن كان المكان فيه قبر أو قبران فهل تصح الصلاة فيه أم لا ؟

-         المشهور في المذهب : أنه ليس بمقبرة وإنما المقبرة ما كان فيها ثلاثة قبوراً فصاعداً ، وعليه : يجوز أن يصلي فيه.

-         والقول الثاني في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع واختاره الشيخ محمد بن عثيمين : أن الصلاة لا تصح فيه لأن اسم المقبرة شامل له ، فإن المقبرة ما يقبر فيها سواء كان فيها قبر أو قبران أو أكثر من ذلك .

ثم إن العلة التي من أجلها نهى الشارع عن الصلاة في المقابر ثابتة فيه ، وهي سد ذريعة الشرك فإن تعظيم القبور هو أصل الشرك الواقع في العالم ، فالراجح أن الصلاة باطلة .

فإن نبشت القبور فيجوز أن يصلي في هذا الموضع لما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( نبش قبور المشركين التي كانت في حائط لبني النجار ثم صلى فيه ، وبنى فيه مسجده ) .

وأما ما أعد للدفن ولم يُدفن فيه بعد فتصح الصلاة فيه وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله وهو المذهب لأنه لا يصدق عليه أنه مقبرة حتى يدفن فيه .

وهل تدخل في ذلك صلاة الجنازة أم لا ؟

ثلاث روايات عن الإمام أحمد :

الرواية الأولى : أن صلاة الجنازة تدخل في هذا فعلى ذلك صلاة الجنازة في المقبرة باطلة .

والرواية الثانية : أنها صحيحة مع الكراهية . 

والرواية الثالثة : أنها تصح بلا كراهية ، وهو قول الجمهور .

وهو أصحها وذلك لأن الصلاة على الميت لا تتضمن سجوداً ولا ركوعاً وإنما هي دعاء للميت وقد ثبت في الصحيحين أن النبي e صلى على المرأة التي كانت تقم المسجد عند دفنها .

وأما ما في المختارة والطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي e : ( نهى أن يُصلى على الجنائز بين القبور ) .

فالجواب : أن الحديث فيه نكارة ولو صح فإنه يُحمل على النهي عن الصلاة بين القبور خشية أن يطأ أحد من المصلين القبور فيؤذيها ولذا فإنه لم يجيء النهي عن الصلاة في المقبرة على الجنائز .

مسألة :

المسجد إذا حدث في المقبرة وجبت إزالته ولم تصح الصلاة فيه فإن كان المسجد هو المتقدم لم يصل فيه ويُنبش القبر .

قال : [ أو حش ]

هو موضع قضاء الحاجة ، وأما الحمام فهو موضع الاغتسال و الاستحمام .

فالصلاة في الحش باطلة وهو أولى من بطلان الصلاة في الحمام .

وقد قال e  : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) ولما ثبت عن ابن عباس – في مصنف عبدالرزاق – أنه قال : ( لا تصلين إلى حش ولا إلى حمام ولا إلى مقبرة ) .

قال : [ أو حمام ]

للحديث المتقدم : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) رواه أحمد والترمذي ، لأنه مكان كشف العورات وتأوي إليه الشياطين .

 

قال : [ وأعطان إبل ]

جمع عَطَن أي المواضع التي تقيم فيها وتأوي إليها ، فالصلاة فيها باطلة لحديث : ( لا تصلوا في أعطان الإبل ) رواه أحمد والترمذي وغيرهما والنهي يعود إلى ذات العبادة فيفيد بطلان الصلاة .

ولا يضر ـ وهو المذهب ـ : مواضع ورودها الماء ، ولا مواضع مناخها للعلف ، ولا مواضع نزولها في سيرها لأن اسم الأعطان لا يشملها فلا تدخل في النهي .

قال : [ أو مغصوب ]

المشهور في المذهب أن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة .

للمعنى المتقدم ؛ لأنه آثم حيث اغتصب هذه الأرض فلا يمكن أن يكون مثاباً مأجوراً على الصلاة فيكون على عبادة واحد مثاباً آثماً .

- والقول الثاني وهو مذهب الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه : أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة وهو الراجح  .

لأن النهي لا يعود إلى الصلاة ، وإنما يعود إلى شرطها على وجه لا يختص بها .

ولا مانع من أن يكون آثماً مأجوراً في آن واحد فهو آثم باغتصابه الأرض وهو مأجور لصلاته .

ومثل ذلك : المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق في المشهور من المذهب فلا تصح الصلاة فيها لما روى الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر : أن النبي e : ( نهى أن يصلى في سبعة مواطن : في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ) والحديث فيه عبد الله بن عمر العمري المكبر وهو ضعيف .

 ولقوله " قارعة الطريق " شاهدٌ عند ابن ماجه من حديث ابن لهيعة ، والمزبلة والمجزرة كالحش لأنه موضع نجاسات وتأوي إليها الشياطين .    

وذهب بعض الحنابلة كالموفق وهو مذهب الجمهور : إلى أن الصلاة في هذه المواضع صحيحة لعموم قوله e : ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) متفق عليه ، والصواب المذهب : لأن الحديث يخص بالقياس العام .

فإن المزبلة والمجزرة موضع النجاسات فهي مأوى للشياطين كالحمام والحش وهو الراجح .

 

قال : [ وأسطحتها ]

لأن الهواء تابع للقرار ، فأسطحة هذه المواضع لا تصح الصلاة فيها فلو صلى في سطح حمام أو مقبرة أو غير ذلك قالوا :  فلا تصح صلاته ، لأن الهواء تبع للقرار . فالشخص إذا ملك بقعة من الأرض فهو مالك لهوائها .  قالوا : فكذلك هنا .

والقول الثاني في المذهب وهو اختيار الموفق : أن الصلاة صحيحة – وهو مذهب الجمهور واختاره الشيخ ابن سعدي والشيخ محمد بن إبراهيم ، لأن الأصل صحة الصلاة وإبطالها يحتاج إلى دليل .

وهو الراجح لأن العلة التي ُنهي من أجلها ليست موجودة في أسطحتها .

لكن البناء على المقبرة محرم ، والصلاة على سطحه ذريعة الى الشرك فلا يجوز .

 ولأن سطحه يدخل في اسم المقبرة كما قرره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله

 

قال : [ وتصح إليها ]

مع الكراهية ، لو صلى إلى أعطان إبل أو حمام أو حش أو مقبرة فتصح الصلاة وتُكره ، لأن النهي إنما ورد في الصلاة فيها لا إليها .

وهذا صحيح ، لكن يستثنى من ذلك ما دلت الأدلة على استثناءه فالصلاة إلى المقبرة لا تصح وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها المجد بن تيمية وشيخ الإسلام .

لما روى مسلم أن النبي e قال : ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ) والنهي يعود إلى ذات العبادة فالصلاة إلى المقبرة باطلة.

ومثل ذلك : الصلاة إلى الحش وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها بعض أصحابه وهو اختيار شيخ الإسلام واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم ، للأثر المتقدم عن ابن عباس : ( لا تصلين إلى حش ) ولا يعلم له مخالف فيكون قوله حجة .

فالصلاة إلى الحش قد ثبت عن ابن عباس ، والنهي عائد إلى الذات فتفيد البطلان .

ومثل ذلك الحمام أيضاً وهو رواية عن أحمد .

والمشهور في المذهب : أنه إذا كان بينه وبين الحش أو المقبرة مثل مؤخرة الرحل ، وهي سترة المتخلي فيكفي وعليه فحائط المسجد يكفي ، فإن كان أمام المسجد مقبرة فحائطه يكفي .

والقول الراجح واختاره المجد ابن تيمية والشيخ محمد بن إبراهيم : أنه لا يكفي حتى يكون بين الحائط والمقبرة حائل آخر ، لأنه يعد مستقبلاً القبر إلا أن يكون بينه وبين المقبرة حائط آخر لأن حائط المسجد منه ، وحائط المقبرة منه فكان لابد من حائل آخر.

ويتوجه المذهب في الحش وأنه يكفي أن يكون بين المصلى وبين الحش مثل مؤخرة الرحل وكذا الحمام لأن العلة هي أن الحش والحمام مأوى للشياطين فتكفي السترة وفي الصحيحين : ( فتفلت علي البارحة شيطان فأراد أن يقطع علي صلاتي ) .

فالصلاة إلى الحش مظنة مرور ما يقطع عليه صلاته ويتوجه ذلك في أعطان الإبل .

 

قال : [ ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها ، وتصح النافلة باستقبال شاخص فيها ]

النافلة تصح في الكعبة وعليها اتفاقاً ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر : أن النبي e : ( دخل البيت فصلى فيه ) .

ويشترط أن يستقبل شاخصاً منها وهو الشيء القائم المتصل بالكعبة كباب أو بناء .

والقول الثاني في المذهب : لا يشترط ذلك ، وهو اختيار الموفق ، قال : لأنه قد استقبل هوائها .

والراجح المذهب لأن القبلة اسم للبناء لا للموضع والهواء قال تعالى : ) جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ( , والكعبة لا تكون إلا اسماً للبناء ولذا كان من أشراط الساعة هدمها .

أما الفريضة فلا : " لا تصح في الكعبة ولا فوقها على المذهب .

قالوا : لأن الله تعالى قال : ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ وهذا لم يتوجه إلى الكعبة حيث صلى فيها أو إلى شيء منها ، والواجب أن يتوجه إليها . والنافلة فيها تسامح وتخفيف فجازت دون الفريضة هذا هو المشهور في المذهب ، ولأن القبلة هي البناء كله .

والقول الثاني وهو مذهب الجمهور : أن الفريضة في الكعبة أو على سطحها تصح قياساً على النفل .

فما ثبت في النفل ثبت نظيره في الفرض . والراجح القول الأول وهو اختيار شيخ الإسلام .

لأن الكعبة كما تقدم هي البِنيْة كلها وإنما خفف في النفل ، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي e: ( لما دخل الكعبة وخرج صلى ركعتين وقال هذه القبلة ) .

وهذا والله أعلم لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كافٍ في الفرض لأن الناس كلهم يعلمون أن الكعبة هي القبلة فلابد لهذا الكلام من فائدة وهي ما تقدم .

 

قال : [ ومنها استقبال القبلة ]

القبلة :الوجهة وهى الفعِْلة من المقابلة .

واستقبال القبلة من شروط الصلاة باتفاق أهل العلم لقوله تعالى : ﴿  فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾  ولقوله صلى الله عليه وسلم – في حديث المسيء صلاته : ( ثم استقبل القبلة فكبر ) متفق عليه .

 

قال : [ فلا تصح بدونه ]

فلو صلى إلى غير القبلة مع قدرته على استقبالها فإن صلاته باطلة .

 

قال : [ إلا لعاجز ]

كمربوط أو مصلوب إلى غير القبلة أو مريض لا يقدر على الحركة وليس عنده من يوجهه فإن هذا لا يمكنه أن يستقبلها ، فيصلي على حسب حاله لقوله تعالى : ﴿  فاتقوا الله ما استطعتم ﴾  ولحديث : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) متفق عليه .

 

قال : [ ومتنفل راكب سائر في سفر ]

ويأتي الكلام على الماشي ، أي يسقط استقبال القبلة عن الراكب السائر دون النازل في سفر طويل أو قصير .

والسفر القصير عند الفقهاء : هو السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة ، وهو ما دون أربعة  برد أو ستة عشر فرسخاً وهي نحو ثمانين كيلو متر .

فإن كان أربعة برد فهو السفر الطويل الذي يحل فيه قصر الصلاة .

 هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور من تقسيم السفر إلى سفر طويل وقصير وسيأتي الكلام على هذا في صلاة المسافر إن شاء الله .

فعلى المذهب : لو خرج إلى قرية قريبة لا يقصر فيها الصلاة فيجوز له أن يصلي النافلة وهو سائر إلى غير القبلة .

هذا هو المذهب جمهور العلماء فإن السفر هنا مطلق فدخل فيه القصير والطويل .

-        وذهب الإمام مالك إلى أن الصلاة على الراحلة في النفل لا تشرع إلا في السفر الطويل دون القصير.

-   والقول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد جواز ذلك في الحضر وهو قول أبي يوسف من الأحناف وأهل الظاهر وبعض الشافعية .

والراجح أن استقبال القبلة يسقط في مطلق السفر قصيره وطويله ، وذلك لأن النافلة مبناها على التخفيف والتيسير ومن كان في سفر قصير فيحتاج إلى هذه الرخصة ترغيباً له في التنفل .

وقد ثبت في الصحيحين عن عامر بن ربيعة قال : ( رأيت النبي e يصلي على راحلته حيث توجهت به ) زاد البخاري : ( يومئ برأسه ولم يكن يصنعه في المكتوبة ) .

وهذا الحديث ليس فيه أن ذلك في السفر ، بل هو مطلق . وبه استدل من رأى أن النافلة يجوز أن تصلى على الراحلة إلى غير القبلة في الحضر وهو رواية عن الإمام أحمد كما تقدم .

والحديث الثاني في هذا الباب : ما ثبت في البخاري عن عبد الله بن دينار قال :  ( كان عبد الله بن عمر يصلي في السفر على راحلته أينما توجهت يومئ ، وذكر عبد الله بن عمر أن النبي e كان يفعله) وهنا الحديث مقيد في السفر .

والحديث الثالث : ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد عن أنس بن مالك قال : ( أن النبي e  كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابِه ) .

وهذا يدل على ما ذهب إليه الجمهور من أن ذلك في السفر ، فإن مفهوم هذا الحديث أنه إن لم يكن في سفر لم يُصل على راحلته ، والأصل أن الصلاة تصلى إلى القبلة بركوع وسجود فتبقى الصلاة في الحضر على الأصل ولعدم الحاجة إلى ذلك في الحضر

والسنة له : أن يومئ بركوعه وسجوده ، كما تقدم في الأحاديث السابقة .

ويكون السجود أخفض من الركوع لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والحديث صحيح عن جابر قال : ( بعثني النبي e في حاجة فجئته وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع )

 

قال : [ ويلزمه افتتاح الصلاة إليها ]

هذا هو المذهب فيجب أن يفتتح صلاة النفل إلى القبلة .

واستدلوا بحديث أنس المتقدم وفيه : ( استقبل بناقته القبلة فكبر ) .

وعن الإمام أحمد : أنه لا يلزمه ذلك .

وهو أظهر ؛ فإن حديث أنس فعل مجرد ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب .

ولأن التكبير جزء من أجزاء الصلاة فكان كسائر أجزائها ، ولم يذكر في حديث عامر بن ربيعة ولا في حديث عبد الله بن عمر ولا في حديث جابر وظاهرها أنه صلى إلى غير القبلة من ابتداء الصلاة إلى انتهائها .

ومن كان له ورد من الليل فإنه يشق عليه أن يقف ويستقبل القبلة لكل ركعتين .

 

قال : [ وماشٍ ]

كذلك الماشي قياساً على الراكب ، ويصلي إلى جهة سيره.

 

 

قال : [ ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها ]

فلا يجوز له أن يومئ بل يجب عليه أن يقف فيركع ويسجد إلى القبلة .

والراجح وهو رواية وعن الإمام أحمد اختارها المجد بن تيمية أنه يومئ بالركوع والسجود كالراكب .

وهذا هو الذي يقتضيه القياس على الراكب ولما في أمره بالوقوف للركوع والسجود من المشقة .

فعلى ذلك : صفة صلاة الماشي أن يكبر للإحرام مستقبل القبلة استحباباً ثم يتوجه حيث شاء ثم يومئ بالركوع والسجود .

 

قال : [ وفرض من قرب من القبلة إصابة عينها ، ومن بعد جهتها ]

من كان قريباً إلى الكعبة بحيث يمكنه أن يُصيب عينها وجب عليه ذلك بكل بدنه ، لأنه قادر على ذلك إما بنظره أو خبر ثقه متيقن فلم يجز العدول عنه فلو خرج ببعض بدنه عن مسامتتها لم تصح .

 ويجزئ الاعتماد على الخطوط التي في الحرم لأن من اعتمد عليها فقد أصاب قطعاً عين الكعبه فهي بمنزلة خبرالثقة المتيقن أو أولى .                

قال : " ومن بَعد جهتها " : وهذا باتفاق أهل العلم ، لما ثبت في الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة t أن النبي e قال : ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) .

فمن كان من أهل المدينة فجعل المشرق عن يساره ، والمغرب عن يمينه فهو متوجه إلى القبلة ، وإن كان هناك انحراف يسير فهذا لا يؤثر ما لم يخرج عن الجهة .

فالواجب على من بَعُد أن يصيب جهتها ، لأن إصابة عينها متعذر .

والبعيد : ما لم تمكنه المعاينة .

 

قال : [ فإن أخبره ثقة بيقين أو وجد محاريب إسلامية عمل بها ]

إن أخبره ثقة ممن يجب قبول خبره وهو العدل ظاهراً وباطناً بجهة القبلة عن يقين لا عن اجتهاد فيجب عليه أن يقبل خبره لأنه خبر ديني فقبل فيه خبر الواحد . وثبت في الصحيحين عن البراء بن عازب قال : ( لما قدم النبي e المدينة صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يُعجبه أن يتوجه قِبَل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها قبل البيت صلاة العصر وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه  فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله e قِبَل البيت فداروا كما هم قِبَل البيت ) وفيه قبول خبر الواحد .

وقال بعض فقهاء الحنابلة يكفي مستور الحال لأن حال المسلم تُبنى على العدالة ما لم يظهر خلافها وهو الراجح .

وأما الفاسق فلا يقبل خبره للآية لكن قال ابن تميم من الحنابلة يصح التوجه إلى قبلته في بيته وما ذكره رحمه الله متوجه ، ولا يسع الناس غيره  .

أما إذا كان الخبر عن اجتهاد فإنه لا يجوز أن يقبل خبره وهذا في حق المجتهد .

فمن كان عارفاً بأدلة القبلة ، فسأل آخر فأخبره باجتهاد فلا يجوزله قبول خبره ، بل يجب أن يجتهد بنفسه لأنه قادر على الاجتهاد وهذا باتفاق أهل العلم وأن المجتهد لا يجوز أن يقبل خبر المجتهد مثله .

بخلاف المقلد وهو غير العارف بأدلة القبلة فإنه إذا لم يمكنه أن يتعلمها ودخل وقت الصلاة وتضايق الوقت فإنه يجوز له تقليد المجتهد .

أما إذا كان يمكنه أن يتعلم فيجب عليه أن يتعلم لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , وإن كان في الأصل لا يجب عليه معرفة أدلة القبلة لندرة الحاجة إليه وهو المذهب .

فإذا دخل وقت الصلاة وأمكنه أن يتعلم أدلة القبلة فيجب عليه ذلك ولا يجوز له التقليد .

والأعمى يُقلد غيره لعجزه عن معرفة القبلة .

 

قال : [ أو وجد محاريب إسلامية ]

فإنه يصلي إليها ولا يجتهد لأنها تجري مجرى الخبر بل أولى منه فإن استمرار العمل بها يقطع معه بثبوتها وإن كانت منحرفة يسيراً فهذا لا يؤثر كما تقدم . ولا يجوز له الاجتهاد في هذه الحالة .

 

قال : [ ويستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما ]

القطب : هو ما يكون في ناحية الشمال بالنسبة لنا ، وهو ثابت لا يتغير والجدي حوله وهو أوضح منه .

والشمس والقمر كلاهما يخرج من المشرق ويغرب من المغرب .

ومنازلهما : هي ثمانية وعشرون منزلاً ينزلها القمر في شهر وتنزلها الشمس في سنة ، ويستدل بها أهل الخبرة.

وفي هذا الزمن أُكتُشفت الأجهزة الدقيقة التي يُستّدلُ بها على صحة القبلة .

 

قال : [ وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا في جهة لم يتبع أحدهما الآخر ]

لأن كلاً منهما مجتهد والواجب على المجتهد أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده ، وهو يعتقد وخطأ غيره .

فإنه اتبع الآخر لم تصح صلاته ، لأنه صلى إلى جهة يعتقد أنها ليست القبلة .

لكن هل يأتم أحدهما بالآخر أم لا ؟

قولان لأهل العلم :

1- القول الأول وهو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية : أنه لا يصح أن يأتم أحدهما بالآخر إلا أن يكون اجتهادهما في وجهة واحدة فيصلي أحدهما يمنة والأخر يسرة .

قالوا : لأنه يعتقد خطأ الآخر .

2- والقول الثاني أنه يصح أن يأتم أحدهما بالآخر مطلقاً وهوقياس المذهب كما قال ذلك الموفق .

وهو الراجح ، لأن كلاً منهما يعتقد صحة صلاة الآخر كما لو صليت خلف من أكل لحم جزور ولم يتوضأ وأنت ترى أنه ينقض الوضوء .

 

قال : [ ويتبع المقلد أوثقهما عنده ]

-        ظاهره وجوباً وهذا هو المشهور في المذهب .

-        والقول الثاني في المذهب : أنه يُستحب ولا يجب وهو اختيار الموفق لأن كليهما دليل بمفرده كما

يجوز له أن يسأل في الفُتيا المفضول مع وجود الفاضل ، والراجح المذهب لأن أمر القبلة مبني على العمل بالأقوى كما لو تعارضت الأدلة على المجتهد ولأنه إنما جاز له أن يُقلد الآخر حال الانفراد لعدم المعارض .

وكذلك في الفتيا على الراجح .

 

قال : [ ومن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده ]

من صلى بغير اجتهاد وهو يمكنه الاجتهاد أو صلى بغير تقليد مع وجود من يقلده فيجب عليه أن يعيد الصلاة   أصاب أم أخطأ ، لأنه قد ترك ما يجب عليه .

وأما من صلى باجتهاد أو تقليد ولم يصب القبلة فصلاته صحيحة اتفاقاً ، لأنه قد فعل ما أمر به فصلى على الوجه المشروع واتقى الله ما استطاع فلم يجب عليه أن يعيد الصلاة مرة أخرى .

ومثل ذلك : المجتهد إذا لم يمكنه الاجتهاد مطلقاً كأن يكون في غيم أو ليلة مظلمة شديدة الظلمة وهي مصحوبة بقتر  أو غيم فلم يمكنه أن يجتهد فصلى على حسب حاله فصلاته صحيحة .

ويدل على هذا : ما ثبت في الترمذي وابن ماجه واللفظ له والحديث حسن بشواهده : عن عامر بن ربيعة قال: ( كنا مع النبي e في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجلٍ منا على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي e فنزل : ) فأينما تولوا فثم وجه الله ( ) .

 

قال : [ ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة ويصلي بالثاني ولا يقضي ما صلى بالأول ]

فيجب عليه لكل صلاة فرض أن يتحرى وينظر في أدلة القبلة فلو صلى بناءً على اجتهاده في الصلاة الأولى

لم تصح صلاته ، لأنها واقعة متجددة ، والراجح وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين أن ذلك لا يجب لأنه قد اجتهد للصلاة الأولى وظن ظناً غالباً أن هذا هو اتجاه القبلة ، والأصل بقاء ما كان على ما كان وكالمجتهد في المسائل الشرعية ، إلا أن يتبين له أن اجتهاده كان خاطئاً أو يطرأ عليه شك فيه فيجب عليه أن يجدد الاجتهاد .

( ويصلي بالثاني ) : أي يصلي بالاجتهاد الثاني ولا يعيد الصلاة الأولى لأنه صلاها بناءً على  اجتهاد صحيح وقد فعل ما أمر به , ومثل ذلك : لو تبين له في الصلاة أنه إلى غير القبلة فأنه ينحرف وما تقدم من الصلاة صحيح – كما تقدم في حديث البراء المتفق عليه .

وإذا اجتهد اجتهاداً ثانياً فناقض الاجتهاد الأول ، فإن هذا الاجتهاد الثاني لا ينقض الأول للقاعدة الشرعية :  ( الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد ) فالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله وإنما ينقض بنص ، فهنا حيث اجتهد فصلى ثم اجتهد  اجتهاداً آخر للصلاة الثانية فتبين له أن القبلة على خلاف ما صلى به الأولى ، فإن الاجتهاد الآخر لا ينقض الأول فلا تبطل الصلاة لأنه قد صلاها على ما أمره الله به .

لذا قال : " ولا يقضي ما صلى بالأول " لأنه صلاها صلاة شرعية صحيحة باجتهاد صحيح ففعل ما أُمر به واتقى الله ما استطاع فلم يؤمر بإعادة الصلاة مرة أخرى .

  والمذهب أنه لا اجتهاد في الحضر لإمكان اليقين بالمحاريب وسؤال ثقة متيقن .

 

 

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

( باب )

شروط الصلاة

 

قال : [ ومنها النية ]

أي من شروط الصلاة النية ، وهذا بالإجماع ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) متفق عليه من حديث عمر t . .

فلا يقبل الله عملاً إلا بنية .

فمن صلى بلا نية فصلاته باطلة والنية هي القصد ، ولها ركنان :

الركن الأول : أن ينوي المعمول له فيُخلِص العبادة لله .

والثاني : أن ينوي العمل ، فينوي ما تتميز به العبادة عن العادة وما تتميز به العبادت بعضهاعن البعض .

وهي شرط في الصلاة كلها .

فينوى من تكبيرة الإحرام إلى السلام كما تقدم أول هذا الباب ، وشروط الصلاة تشمل العبادة كلها .

 

قال : [ فيجب أن ينوي عين صلاة معينة ]

فينوي صلاة الظهر أو العصر أو الوتر أو راتبة الفجر ونحو ذلك ، فينوي الصلاة المعينة .

فلو أنه صلى أربع ركعات في وقت صلاة الظهر ولم ينو أنها ظهرٌ لم تجزئه عن الظهر  .

ولو صلى ركعتين قبل صلاة الفجر ولم ينو أنهما ركعتا الفجر لم تجزئه هذه الصلاة عن الفجر .

فلابد أن ينوي الصلاة معينةً بحيث تتميز عن غيرها من العبادات لقوله e : ( وإنما لكل امرئ ما نوى) فيشترط أن يعين الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً .

- وظاهر كلام المؤلف أنه لو نوى أنها فريضة الوقت لم يجزئه وهو المذهب .

فلو صلى في وقت الظهر ولم ينوها ظهراً وإنما نوى أنها فريضة وقته فإنها لا تجزئه .

- وذهب بعض الشافعية وهو رواية عن أحمد : إلى أنها تجزئ عنه لأن من نوى فريضة الوقت انصرف إلى عين الصلاة الحاضرة ، فالصلاة تتعين بالوقت .

وكثير من الناس يذهل عن استحضار الصلاة الحاضرة فينوي فريضة الوقت .

وهذا هو الراجح واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله .

 

قال : [ ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء والنفل والإعادة نيتهن ]

فلا يشترط أن ينوي أن هذه الصلاة فريضة بل إذا نوى أنها الظهر كفى لأنه يتضمن أنها الفرض .

وكذلك نية الأداء والقضاء لأن نيته تتضمن ذلك ، فمن صلى في الوقت كانت لها أداء ، ومن صلى بعد خروج الوقت كانت له قضاء ومن صلى مرة أخرى لخلل في صلاته الأولى كانت له إعادة .

وعليه : فلو أن رجلاً صلى صلاة الفجر يظن الشمس لم تطلع فبان أنها قد طلعت وأن صلاته قد كانت قضاء وهو قد نواها أداءً أجزأه ذلك .

أو صلى يظن أن الشمس قد طلعت فبان أنها لم تطلع وقد نواها قضاء كانت له أداء أجزأه ذلك .

مسألة :

إذا نوى فائتة من الفوائت في وقت نظيرتها فبان ألا فائتة عليه فهل تجزئه عن فريضة اليوم ؟

هذا رجل صلى ثلاث ركعات قبل أن يصلي المغرب بنية أنها مغرب فائتة فبان ألا فائتة عليه ، فهل تجزئه هذه الصلاة عن فريضة الوقت أم لا ؟

قولان في المذهب :

القول الأول: أنها تجزئه عن فريضة الوقت لأنه قد نوى صلاة معينة .

 القول الثاني وهو المذهب : أنها لا تجزئه ، لأن الواجب عليه نية الصلاة الحاضرة أو ما يتضمن ذلك ، وقد نوى صلاةً فائتة فلم يجزئ عنه ، ولكل امرئ ما نوى وهذا القول هو الراجح .

 

قال : [ وينوي مع التحريمة ]

لأن الشرط يشمل العبادة كلها ، وأولها تكبيرة الإحرام .

 

قال : [ وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت ]

فلو قدم النية على التكبيرة بزمن يسير عرفاً فإنها تجزئ عنه إذا كان ذلك بعد دخول الوقت .

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام : أن له تقديمها على تكبيرة الإحرام بزمن كثير عرفاً ما لم ينوِ فسخها ، لأنها مستصحبة وهذا القول هو الراجح .

وهذا هو الذي يسع الناس ، ويطرد عنهم الوسوسة.

قال الإمام أحمد – رحمه الله- : "خروجه من بيته نية " ، وقال في موضع آخر :" أفتراه كبَّر وهولا ينوي الصلاة " ؟!

قال : [ فإن قطعها في أثناء الصلاة أو تردد بطلت ]

يجب على المصلي أن يستصحب حكم النية ، واستصحاب حكمها ألا ينوي قطعها فإذا نوى قطعها بطلت ، لأن النية تجب في جميعها .

  قوله : ( أو تردد بطلت ) كأن يطرق أحد عليه الباب فيتردد في قطع الصلاة ؟

فقولان في المذهب :

القول الأول : وهو المذهب : أن الصلاة تبطل لأن التردد ينافي الجزم ، والنية يجب أن تكون جازمة.

والقول الثاني في المذهب : أنها لا تبطل بالتردد ؛ وذلك لأن الأصل بقاء النية فما دام أنه لم يعزم على القطع فهو في صلاة وهو قول أبي حامد واختيار الشيخ محمد بن عثيمين وهو الراجح .

وإن عزم على فعل مُبطل لها ولم يفعل لم تبطل ، لأن البطلان متعلق بفعل المُبطل ولم يوجد ، وهو المذهب .

فإن علق قطع النية على شرط فقال " إن حضر زيد قطعت الصلاة " ، فتبطل على المذهب .

والراجح خلافه لأنه قد يعزم على الشيء ثم يرجع عنه ، وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله .

 

قال : [ وإن شك فيها استأنفها ]

من شك في أثناء الصلاة هل نوى أم لا ؟ فيجب عليه أن يعيد الصلاة فينوى ويكبر ، لأن الأصل عدم النية ، وهذا فيمن لم تكثر شكوكه .

 أما من كثرت شكوكه فلا تبطل صلاته بالشك ، لأنه وسواس لا يُعتد به في حقه.

فإن شك بعد الصلاة فلا يؤثر ذلك إجماعاً لأن الصلاة قد وقعت مجزئة فلا يؤثر فيها الشك ، فاليقين لا يزول بالشك .

ـ  قال الشيخ محمد رحمه الله في منظومته :

والشك بعد الفعل لايؤثر.... وهكذا إذا الشكوك تكثر .

 

قال : [ وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز ]

قول : " منفرد " دون المأموم والإمام ؛ لأن المأموم إذا قلب فرضه نفلاً فاتته صلاة الجماعة ،وهي واجبة .

والإمام إذا فعل ذلك لزم منه اقتداء المأموم المفترض به وهو متنفل ، ولا يصح على المذهب اقتداء المفترض بالمتنفل .  وقوله ( نفلاً ) أي : نفل مطلق هذا مقتضى تعليلهم ، لأنه فسخ نية الفرضية دون مطلق الصلاة فتنصرف الى النفل المطلق .

ولا يجوز للمنفرد هذا إذا تضايق الوقت فلم يبق منه إلا ما يكفي صلاة الفرض .

قال : [ وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا ]

لأنه قطع نية الأول ولم ينوِ الثاني من أوله ، وإنما لكل امرئ ما نوى .

قال : " بطلا " هذه العبارة فيها تجوز وتسامح لأن الصلاة الثانية لم تنعقد أصلاً حتى يحكم عليها بالبطلان .

 

قال : [ وتجب نية الإمامة والائتمام ]

أي يجب على المأموم في صلاة الجماعة أن ينوي الائتمام يعني الاقتداء بالإمام .

ويجب على الإمام أن ينوي الإمامة وهذا عام في الفرض والنفل كالتراويح ، لأن الجماعة تتعلق بها أحكام كثيرة كوجوب المتابعة ، وسقوط سجود السهو عن المأموم فهو شرط في صحة صلاة الجماعة .

والمشهور في المذهب أن من نوى الاقتداء بشخص لم ينوِ الإمامة فإن صلاته تبطل ، ولا تبطل صلاة هذا الشخص الذي لم ينوِ الإمامة .

وعن الإمام أحمد : أن صلاة المأموم تصح أيضاً لأن نية الإمامة لا تشترط وهو مذهب الجمهور واختاره الشيخ محمد رحمه الله ولكن لا يحصل للإمام ثواب الجماعة لأنه لم ينوِ ذلك وهو الراجح

لما في الصحيحين أن النبي e : ( كان يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص النبي e فقام الناس يصلون بصلاته ) متفق عليه ، وما صح نفلاً صح فرضاً إلا بدليل .

ويُستثنى من ذلك الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة كالجمعة وصلاة الخوف .

وأما نية المأموم الائتمام فهي شرط اتفاقاً فلو ترك المأموم هذه النية وتابع الإمام بطلت صلاته .

فإن لم يقصد متابعته بل وافقه في الظاهر فله صلاة المنفرد ولا يحصل له ثواب الجماعة .

 

قال : [ وإن نوى المنفرد الائتمام لم يصح كنية إمامته فرضاً ]

هذه ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : أن ينوي المنفرد الإمامة في النفل .

المسألة الثانية : أن ينوي المنفرد الإمامة في الفرض .

المسألة الثالثة : أن ينوي المنفرد الائتمام في فرض أو نفل .

أما المسألة الأولى :

فالمذهب أنها لا تصح كما في المنتهى لأنه أحرم منفرداً ولم ينوِ الإمامة في ابتداء الصلاة .

والقول الثاني في المذهب وهو ظاهر كلام المؤلف أنها تصح واختاره في الإقناع وهو الصواب .

لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة وفيه : أنه قال ( فقام النبي e  فصلى ، فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر ) الحديث وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نوى الإمامة في النفل وكان منفرداً في أول صلاته ، لذا قال هنا المؤلف : " لم تصح كنية إمامته فرضاً " وظاهره أنه إذا نوى الإمامة في الصلاة نفلاً فإنها تصح .

أما المسألة الثانية :

وهي نية المنفرد الإمامة في الفرض

فالمشهور في المذهب : أن ذلك لا يصح ، لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة .

والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وصححه الموفق واختاره شيخ الإسلام : أن نية الإمامة تصح هنا قياساً على النفل ، والأصل أن ما صح نفلاً صح فرضاً إلا بدليل يدل على التخصيص وهو الراجح .

أما المسألة الثالثة :

وهي نيتة الائتمام في الفرض والنفل .

فالمذهب أن ذلك لا يصح لأنه لم ينوِ الائتمام في ابتداء الصلاة .

والقول الثاني في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين : أنه يصح أن ينوي المنفرد الائتمام في الفرض والنفل .

لأن السنة تدل على صحة انتقال المصلي من منفرد إلى إمام كما تقدم ويقاس على هذا انتقال المنفرد الى مأموم بنية الائتمام .

والمذهب أن من نوى الإمامة ظاناً حضور مأموم صح لحديث ابن عباس المتقدم .

ولا يصح على المذهب أن يقتدي القادم للصلاة بالمسبوق اذا قام ليُتم صلاته ، لأنه صار منفرداً بعد سلام الإمام ، والراجح الجواز لما تقدم وبه أفتت اللجنة الدائمة .

وإن ائتم مسبوق بمثله أجزأ على الصحيح وهو المذهب ولا يُستحب لترك السلف له .

 

قال : [ وإن انفرد مؤتم بلا عذر بطلت ]

إذا صلى مأموماً ثم نوى الانفراد فإن كان لعذر وهو ما يباح له ترك الجماعة كأن يخشى فوات رفقة أو ضياع مال أو لتطويل إمام أو مدافعة الأخبثين ونحو ذلك فلا حرج عليه ولا تبطل صلاته .

لما ثبت في الصحيحين أن معاذاً صلى بأصحابه العشاء فافتتح البقرة فتأخر رجل من أصحابه فصلى وحده فقيل له : نافقت يا فلان ، فقال : ما نافقت لآتين النبي e فأخبره ، فذكر ذلك للنبي e  فقال: ( أفتان أنت يا معاذ ).

 ولم يأمره بالإعادة .

وإن فارق بلا عذر : بطلت الصلاة لأنه ترك واجباً عمداً في الصلاة ، ومن ترك واجباً عمداً بلا عذر بطلت صلاته .

 

قال : [ وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه فلا استخلاف ]

صلاة المأموم تبطل ببطلان صلاة الإمام مطلقاً لعذر أو غيره ؛ لأن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام.

ولهذا يتحمل عنه كما تقدم ، ولا استخلاف ؛ لأن صلاة المأمومين باطلة ، والاستخلاف إنما يُبنى على الصحة .

والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام والشيخ ابن سعدي وجماعة من أهل العلم : أن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة إمامه ، لقوله e: ( يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطؤوا فلكم وعليهم ) رواه أحمد والبخاري .

ثم إن هذا المأموم قد قام بما يجب عليه من الائتمام وبما يجب عليه من فرائض الصلاة وواجباتها فلا دليل على إبطال صلاته .

وعليه : فيتمون صلاتهم فرادى ، ولهم الاستخلاف .

وفي البخاري : (  أن عمر بن الخطاب لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة ) وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر ذلك فكان حجة ( وصلى عثمان رضي الله عنه بالناس وهو جُنب ناسياً فأعاد ولم يعيدوا ) رواه الدارقطني وهو صحيح .

وعلى ذلك : فإن المأمومين يتمون صلاتهم فرادى ، والأولى أن يتموا جماعة إما بأن يستخلف الإمام من يتم بهم الصلاة ، وإما بأن يتقدم أحد منهم فيتم الصلاة بهم – هذا هو القول الراجح .

ولا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم ويُتمها منفرداً .

 

قال : [ وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح ]

هذا إمام له نائب في المسجد ، فصلى النائب ثم حضر الإمام فتقدم الإمام وتأخر النائب ، فأحرم إمام الحي وهو الإمام الراتب ، بمن سبق أن أحرم بهم نائبه ، فيصح .

لما ثبت في الصحيحين في قصة مرض النبي e من حديث عائشة وفيه : ( فجاء النبي e حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي e ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر)

واختارالشيخ محمد رحمه الله أنه لافرق بين إمام الحي وغيره إذا كان للإمام الثاني مزية ، كحسن القراءة وغيره ، أو زيادة في العلم أو العبادة ، فإن لم يكن له مزية لم يصح .






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net