عدد الزوار : 163022
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - الصلاة
صلاة أهل الأعذار
 

صلاة الأعذار

وهم المريض والمسافر والخائف ونحوهم ، ولا تسقط الصلاة على المكلف مادام عقله ثابتاً ؛ لقدرته على النية بقلبه .

 

قال المؤلف رحمه الله : [ تلزم المريض الصلاة قائماً ]

لما ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( صل قائماً فإن لم تسطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ) فإن أمكنه القيام مستنداً إلى حائط أو عمود ، وجب لأنه قيام مقدور عليه .

وإن كان يمكنه القيام على صفة الركوع ، لحَدَبٍِ أو كِبَرٍ أو مرض لزمه ذلك لقوله تعالى ) فاتقوا الله ما ستطعتم ( ولحديث ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ستطعتم ) ، وإن كان هذا لِقصَرِ سَقْف لا يمكنه الخروج أو سفينة ، أو خائف لا يُعلم به إلا إذا رفع رأسه ففيه على المذهب احتمالان : أحدهما : يلزمه القيام كالأحدب ، والثاني : لا يلزمه ، والأول أظهر . 

قال : [ فإن لم يستطع فقاعداً ]

بأن عجز عن القيام ، أو شق عليه مشقة ظاهرة ، أو خشي زيادة المرض ، أو تأخر البُرء فإنه يصلي قاعداً .

ويصلي متربعاً استحباباً لما ثبت في سنن النسائي أن النبي e : ( كان يصلي متربعاً ) ولا يجب ذلك لأن الفعل لا يدل على الوجوب : وهذا في حال القيام ، وفي حال الركوع كذلك على الراجح خلافاً للمذهب .

وأما في حال الجلوس والسجود فإنه يثني رجليه كما يثنيهما في جلوسه في الصلاة ؛ لأن هذا هو الأصل في السجود والجلسة بين السجدتين ، والجلوس للتشهد .

وأما الركوع ففيه قولان لأهل العلم ، هما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله :

1-    الأول : أنه يثني رجليه كما يثنيهما في حال الجلوس والسجود أي يفترش وهو المذهب .

2-  والثاني : أنه يتربع للركوع ، وهذا أصح ؛ لأن هيئة الراكع في قدميه كهيئة القائم ، فأُلحق به بخلاف الساجد والجالس , وهو اختيار الموفق من الحنابلة .

 

قال : [ فإن عجز فعلى جنبه ]

لقوله e : ( فإن لم تستطع فعلى جنب ) وأطلق النبي e فلم يقيِّد ذلك بالجنب الأيمن ولا الأيسر فدل على جواز الأمرين .

ويستقبل القبلة ، فيكون وجهه وسائر بدنه تجاه القبلة ، هذا هو مذهب جمهور العلماء لوجوب استقبال القبلة في الصلاة , والأيمن أفضل لحديث : ( كان النبي e يعجبه التيامن ... ) الحديث متفق عليه .

 

قال : [ فإن صلى مستلقياً ورجلاه إلى القبلة صح ]

وإن كان يقدر على أن يضطجع على جنبه ، وذكر الموفق والمجد ابن تيمية أن في رواية للنسائي : ( وإلا فمستلقياً ) ولم أر هذه اللفظة لا في السنن الكبرى ولا الصغرى ، وقال محققا المغنى :  لم نجد هذه الجملة .

 وقال صاحب الفروع لما حكى ذلك عن المجد قال : " كذا قال " ، ففي ثبوت هذه اللفظة عن النبي e نظر .

ولو صح الحديث فإن ذلك بعد قوله : ( على جنب ) أي فعلى جنب فإن لم يستطع فإنه يصلي مستلقياً .

والقول الثاني في المذهب – وهو اختيار الموفق ابن قدامة : أنه لا يصح مع القدرة على أن يصلي على جنب كما تقدم وهو الراجح واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .

 لكن إن عجز عن أن يصلي على جنب فإنه يصلي مستلقياً ولا نزاع في صحة ذلك لقوله تعالى : ) لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ( وقوله : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( وهذا فيه نوع استقبال للقبلة .

ولو صلى مستلقياً ورأسه إلى القبلة لم تصح لأنه لو قام لكان مستدبراً للقبلة ، وكذلك لو صلى ورجلاه إلى يسار القبلة أو يمينها .

 

قال : [ ويومئ راكعاً وساجداً ويخفضه عن الركوع ]

مع العجز عن الركوع والسجود ،  لما روى البزار والبيهقي والحديث صحيح عن جابر t : ( أن النبي e عاد مريضاً فرآه يصلي على وِسادة فرمى بها وقال : ( صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ بالركوع والسجود واجعل سجودك أخفض من ركوعك ) .

 

 

قال : [ فإن عجز أومأ بعينه ]

هذا مذهب جمهور العلماء ، فيومئ بعينه في حال الركوع والسجود والقيام والقعود في الصلاة قياساً على الإيماء بالرأس وينوي الفعل عند إيمائه له .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب الأحناف ، ورواية عن الإمام أحمد ضعفها الخلال من أصحابه : أن الصلاة تسقط عنه ؛ لأنه قد عجز عما يجب عليه .

وقال شيخ الإسلام – في الإيماء بالعين – : " هو عبث " وذلك لعدم ثبوته عن النبي e ؛ لأن تحريك العين ليس من أفعال الصلاة بخلاف الإيماء بالرأس عند الركوع والسجود .

قال صاحب الفروع : " وظاهر كلام جماعة – أي من الحنابلة – أنه لا يلزمه الإيماء بطرفه وهو متجه لعدم
ثبوته " ا.هـ . وهو الراجح .

ولا تسقط عنه , وينوي بقلبه وهو الصواب لقدرته على النية وعلى الأقوال ، ويسقط عنه ما يعجز عنه من الأفعال وقد قال النبي e : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) واختاره شيخنا , وما يفعله العامة من الإشارة بالإصبع لا أصل له .

 

قال : [ فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر ]

إن قدر على القيام بعد أن كان عاجزاً عنه أثناء الصلاة فإنه ينتقل إليه لزوال عذره ، لكن إن شرع في الفاتحة فإنه لا يتمها حال نهوضه , لأنه يجب أن يتمها إذا استتم قائماً .

وإذا عجز عن القيام بعد أن كان قادراً عليه في أثناء الصلاة فإنه ينتقل إلى القعود , ويقرأ حال هُوِيِّه ؛ لأنه أولى من قراءته في حال الجلوس .

 

قال : [ وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائماً وبسجود قاعداً ]

إذا كان يمكنه أن يصلي قائماً وقاعداً ، لكنه يعجز عن الركوع والسجود ، فيجب عليه أن يصلي قائماً في حال القيام لقوله e : ( صل قائماً ) ، ويصلي قاعداً في حال قعود الصلاة ، لكنه يومئ في حال القيام عن الركوع لأن الراكع يوافق القائم في نصب رجليه ، ويؤمى للسجود وهو جالس لأن الساجد يوافق الجالس في جمع رجليه .

 

قال : [ ولمريض الصلاة مستلقياً مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم ]

إذا قال طبيب مسلم ثقة لمريض أصيب في عينيه إذا سجدت فإن ذلك يضرك أو يؤخر بُرْءك وأمره أن يصلي مستلقياً فهل له أن يصلي كذلك ؟

الجواب : له أن يصلي كذلك دفعاً للحرج ، وقد جاءت الشريعة بنفي الحرج قال تعالى : ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( .

والأظهر أنه لا يشترط أن يكون الطبيب مسلماً ، وإنما يشرط أن يكون ثقة يُرجى صوابه ، لأن العلة في ذلك هي الحرج الواقع في القلب من منعه من ذلك ، ولما يرجوه من البرء بترك ما نهي عن فعله واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله واختار أيضاً وهو الراجح أنه لو أخبره مُجرِّب فكذلك .

 

 

قال : [ ولا تصح صلاته في السفينة قاعداً وهو قادر على القيام ]

إذا كان قادراً على أن يصلي قائماً وهو في السفينة أو في سيارة ففرض عليه القيام لقوله e :
( صل قائماً ) .

وثبت عند البزار والحاكم وصححه أن النبي e سئل عن الصلاة في السفينة فقال : ( صل قائماً إلا أن تخشى الغَرَق ) لكن إن كان يشق عليه القيام بأن يكون فيها حركة واضطراب فلا يمكنه أن يصلي قائماً إلا مع المشقة فلا حرج عليه أن يصلي قاعداً لقوله تعالى : ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( .

وهل يجب عليه أن يستقبل القبلة في صلاته كلها فيدور مع القبلة كيفما دارت ؟

-  هذا هو المشهور في المذهب ، وأن السفينة إذا اتجهت عن القبلة فإنه يتحرك إلى جهة القبلة . وهذا قول ظاهر إلا أن يشق عليه ، فإن كان في استدارته مشقة فإنه يسقط عنه ذلك للحرج والمشقة .

 

قال : [ ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحَل ]

وهو الطين أو مطر وثلج .

فإذا كان على راحلته وخشي فوات الوقت والأرض فيها طين ومطر وثلج يؤذيه ويلوثه فإنه يصلي على راحلته ويومئ بالركوع والسجود.

لما روى أحمد والترمذي عن يعلى بن أمية قال : ( انتهى النبي e إلى  مضيق والسماء من فوقهم والبِلَّة من أسفلَ منهم فأمر المؤذن أن يؤذن ، فصلى وهو على راحلته يومئ بالركوع والسجود ) والحديث في إسناده جهالة وضعفه الترمذي لكن قال : ( العمل عليه عند أهل العلم ) .

وذكره الإمام أحمد من فعل أنس بن مالك t وقد أخرجه الطبراني في الكبير عنه ولا يعلم له مخالف وقواعد الشريعة تقتضي ذلك لرفع الحرج – كما تقدم – في قوله : ) وما جعل عليكم في الدين من حرج ( والمشقة تجلب التيسير ،

قال : [ لا للمرض ]

-   فالمريض لا يجزئه أن يصلي على راحلته .

-  وقال بعض الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه يجزؤه ذلك . وهذا القول هو الراجح ، لكن بشرط ألا يكون في نزوله فعل أركان لا يفعلها في حال صلاته على الراحلة .

فإذا كان المريض مثلاً : يومئ بالركوع والسجود على الراحلة ويمكنه أن يسجد على الأرض ويركع ويقوم فيجب عليه أن ينزل للقيام والركوع والسجود إلا أن يشق ذلك عليه مشقة ظاهرة ، فإنه يصلي على راحلته مطلقاً .

وكذلك للمريض أن يصلي الفريضة على الراحلة إن خاف الانقطاع عن رفقته إذا نزل دفعاً للحرج وهو المذهب.

وإذا حانت الصلاة وهو في الطائرة ويخشى فوات الوقت فيجب عليه أن يؤديها في وقتها بقدر الاستطاعة ركوعاً وسجوداً واستقبالاً للقبلة لقوله تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( وإذا علم أنها ستهبط قبل خروج الوقت بقدرٍ يكفي لأدائها أو كانت تُجمع مع غيرها : فالجمهور على جواز أدائها في هذه الحال ؛ للأمر بأداء الصلاة في وقتها وبه أفتت اللجنة الدائمة .

فصل في صلاة المسافر

قال : [ من سافر سفراً مباحاً أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين ، إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه ]

 

المسألة الأولى : مشروعية قصر الصلاة في السفر قال تعالى : ) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ( وقد أجمع أهل العلم على مشروعية قصر الصلاة للمسافر .

واختلف أهل العلم هل يجب القصر على المسافر أو يستحب ؟

فذهب جمهور العلماء : إلى أنه يستحب ، وهو المشهور في مذهب الحنابلة ، وإن أتم جاز ذلك وصح بلا كراهة .

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع : أن الإتمام مكروه .

استدل الجمهور على الاستحباب :

بقوله تعالى : ) فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ( فنفى الله الجناح ، ونفي الجناح يدل على الإباحة .

وهذا الاستدلال ضعيف ، فنفي الجناح لا يدل على نفي الإيجاب وإنما يدل على نفي الإثم أي لا إثم عليكم في قصر الصلاة في السفر .

فهي كقوله تعالى في السعي بين الصفا والمروة : ) فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( والطواف بين الصفا والمروة عند جمهور العلماء ركن أو واجب .

واستدلوا بما ثبت في سنن النسائي ورواه أيضاً أبو داود الطيالسي في مسنده وقال الدارقطني إسناده حسن : أن عائشة رضي الله عنها قالت : " اعتمرت مع النبي e في رمضان فصام وأفطرت وقَصَر وأتممت فقال لها النبي e : ( أحسنت ) لما ذكرت ذلك له " .

قال الدارقطني : إسناده حسن ولكن رجح في كتاب العلل إرساله وهو الصواب قال ، وأنكر هذا الحديثَ شيخُ الإسلام : وذلك لأنه لا يعقل أن عائشة رضي الله عنها تخالف النبي e ، فتخالف هديه فتصوم ويفطر وتتم ويقصر ، وقد صح عنها أنها كانت تتم في السفر وتقول : ( إنه لا يشق علي ) رواه البيهقي لكن كما قال عروة : ( تأولت كما تأول عثمان ) فتأولت أن القصر إنما شرع للمشقة ، فكانت لا تقصر لعدم المشقة .

أما قول النبي e لها : ( أحسنت ) فلا يصح كما تقدم .

وأما ما رواه الدار قطني من حديثها : أن النبي e : ( كان يتم ويقصر ، ويصوم ويفطر ) فالحديث إسناده ضعيف .

وذهب طائفة من أهل العلم وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وحماد بن أبي سليمان : إلى أن القصر فرض في السفر .

وقال ابن عباس – كما في سنن سعيد بن منصور - : ( من صلى في السفر أربعاً فكمن صلى في الحضر
ركعتين )
، ولما سئل – رضي الله عنه – عن قصر الصلاة قال : (
ليس تقصيرها ولكن إتمامها وسنة
النبي
e ) رواه عبدالرزاق .

واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر ) فصلاة السفر قد فرضت ركعتين فلا تجوز الزيادة عليها كما لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر

واستدلوا – أيضاً – بما روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( فرضت الصلاة على لسان النبي e على المسافر ركعتين ، وعلى المقيم أربعاً ، وفي الخوف ركعة ) .

وبما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح عن عمر t أنه قال : " صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان ، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي e " .

وفي الصحيحين أن ابن مسعود t لما قيل له : أن عثمان قد أتم قال : " إنا لله وإنا إليه راجعون ، صليت مع النبي e بمنى ركعتين ، ومع أبي بكر بمنى ركعتين ، ومع عمر بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان " وصلى أربعاً وقال : " الخلاف شر " .

والراجح أن الإتمام مكروه ويدل على ذلك - كما قال ابن عبدالبر - إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أربع ولو كان فرضه ركعتين لم تلزمه بحال ، ولأنه إجماع الصحابة كما ثبت عن أنس t في صحيح مسلم قال : " كنا أصحاب النبي e نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحدٌ على أحد " .

وأما قول عائشة رضي الله عنها : " فرضت " : فالمراد ابتداء فرضِها كان ركعتين ثم أُتمت بعد الهجرة ولذا أَتَمت ولم تقصر رضي الله عنها .

والمسألة الثانية : عند قوله : " من سافر سفراً مباحاً " :

هذا هو المشهور في المذهب ، وهو مذهب جمهور العلماء ، وأن القصر إنما يشرع للمسافر سفراً مباحاً . ويدخل في ذلك السفر للنزهة فإنه سفر مباح .

وإن كان السفر محرماً ، كمن سافر لتجارة محرمة أو فعل محرم ، أو كان سفراً مكروهاً كمن سافر لتكاثر فإنه لايشرع له القصر بل يتم الصلاة .

واستدلوا بقوله تعالى : ) فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ( قالوا : والباغي هنا هو الخارج على السلطان ، والعادي هو العادي على المسلمين من قطاع الطريق ، فمن كان كذلك فلا تباح له الميتة بل تحظر عليه ، قالوا : وكذلك غيرها من الرُخص .

وقالوا : إن في مشروعية القصر له إعانة له على السفر المحرم أو المكروه ، وهذا يناقض مقصود الشارع من التحريم أو الكراهية .

- وذهب الأحناف وهو مذهب الظاهرية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية :  إلى أن هذه الرخصة تشمل المسافر العاصي في سفره كما تشمل المطيع .

واستدلوا : بعمومات النصوص : ) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ( وغيرها ، فهذه ثابتة للمسافر مطلقاً سواء كان في سفره عاصياً أو مطيعاً .

قالوا : وأما الآية فإن الراجح في تفسيرها ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المراد بقوله : ) غير باغ ( في أكل الميتة مع إمكان الاستغناء عنها بما أباح الله ، و) لا عاد (  في تجاوز حد الضرورة فإن الضرورة تقدر بقدرها , ولأن قوله : ) فمن اضطر ( عام في كل مسلم عاصياً كان أو مطيعاً ، ولأنه ليس ممنوعاً من السفر وإنما منع من المعصية .

وهذا القول – أي الثاني – هو الراجح ؛ لعمومات النصوص .

المسألة الثالثة : عند قوله : " أربعة برد " :

هذه مسألة اختلف فيها العلماء وهي المسافة التي تقصر فيها الصلاة .

1- فذهب جمهور العلماء إلى هذا القول وأنه أربعة برد والبريد أربعة فراسخ ، فالأربعة برد ستة عشر فرسخاً ، والفرسخ : ثلاثة أميال ، فيكون المجموع ثمانية وأربعين ميلاً وهي نحو من 80 كيلو متر وهذا – كما ذكروا – تقريب لا تحديد .

واستدلوا : بما رواه الدار قطني عن ابن عباس مرفوعاً : ( يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة إلا في أربعة برد من مكة إلى عُسْفان ) والحديث لا يثبت بل هو ضعيف ، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما .

وثبت في البخاري معلقاً – ووصله البيهقي : ( أن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد ستة عشر فرسخاً ) والأثر صحيح .

فإذا سافر أربعة برد سواء كان ذلك في يومين قاصدين أي معتدلين كما كان في القديم أو بساعة فلا عبرة بالزمن في السفر بل العبرة بالمسافة فإنه يشرع له القصر .

لكن في مصنف ابن أبي شيبة – أن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( لو خرجت ميلاً لقصرت ) وفيه : ( أنه كان يقصر في ثلاثة أميال ) ، وفي مصنف عبد الرزاق : ( أنه كان يقصر في ثلاثين ميلاً ) ، وفي مصنف ابن أبي شيبة : ( أنه كان أدنى ما يقصر فيه خيبر يخرج لأرض له ) وكان بين خيبر والمدينة نحو تسعين ميلاً .

وثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه : ( أنه استأذن حذيفة – وكان في المدائن – أن يذهب إلى أهله فأذن له وشرط عليه ألا يقصر ولا يفطر ، وكان بين المدائن والكوفة نيف وستون ميلاً ) .

وفي البخاري أن النبي e قال : ( لا تسافر امرأة يوماً وليلة ) الحديث ، قال البخاري : ( سمى النبي e يوماً وليلة سفراً ) .

وثبت عند أبي داود ما هو أقل من ذلك فقد قال النبي e : ( لا تسافر امرأة بريداً ) فدل على أن السفر بريد .

وقد ثبت أن أهل مكة كانوا يقصرون مع النبي e بمنى ، وكان بين منى ومكة نحو بريد .

ولذا ذكر الموفق رحمه الله تعالى : أن التحديد لا دليل عليه .

وذهب شيخ الإسلام وهو اختيار ابن القيم : إلى أن مرجع ذلك إلى العرف ، فما تعارف الناس أنه سفر فهو سفر وهو السفر الذي يجمع بين البروز عن البلد ، وبين زمن يحتاج عادة إلى زاد ومزاد ، ولو خرج ليحتطب فمكث في الصحراء اليومين والثلاثة فإنه يقصر .

فدار الحضر هي دار الإقامة ، وأما خارجها فهو سفر ، فمن برز عن دار الإقامة قصر .

وقال داود من الظاهرية : المسافة ثلاثة أميال لما ثبت في مسلم أن أنس t : سئل عن قصر الصلاة ؟ فقال :
( كان رسول الله
e إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة ) وهذا شك من الراوي في قوله : ( ثلاثة أميال أو فراسخ ) وهو من شعبة ،

والأحوط في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء وصح عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم من أن المسافة أربعة برد وهي نحو ثمانين كيلاً كما تقدم  .

فالمسألة الرابعة : " قصر رباعية ركعتين " .

خص ذلك بالرباعية ، فيخرج من ذلك الثنائية وهي الفجر والثلاثية وهي المغرب ، وهذا بإجماع العلماء كما حكاه ابن المنذر .

ويدل على ذلك ما ثبت في مسند أحمد بإسناد جيد من حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم في فرضية صلاة السفر وفيه : ( إلا المغرب فإنها وتر النهار وإلا الصبح فإنها تُطوَّل فيها القراءة ) .

المسألة الخامسة : قوله : " إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه " .

فإذا خرج من الحاضرة وما اتصل بها من عمران فله القصر ولو لم يتجاوز بساتينه لأنها غير معدة للسكنى .

وهو مذهب الجمهور.

واستدلوا بقوله تعالى : ) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ( فقيده الله بالضرب في الأرض ، وهو يحصل بمفارقة عمران البلد حتى يرجع وفي الصحيحين عن أنس بن مالك t قال : " صليت مع النبي e الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين " .

وصح ذلك عن علي بن أبي طالب t ولا يعلم له مخالف كما في البخاري معلقاً : أنه خرج فقصر الصلاة وهو يرى البيوت حتى رجع فقيل له : هذه الكوفة فقال : " لا حتى ندخلها " .

وفي قوله : " عامر قريته " : احتراز من البيوت القديمة غير المسكونة التي تكون في أطراف البلد وليس وراءها بيوت عامرة فلا تمنع من القصر .

مسألة : قال تعالى : ) إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ( فقيده الله بالخوف وقد أمن الناس ؟

فالجواب : أنه ثبت في مسلم عن يعلى بن أمية قال : ( سألت عمر عن قوله تعالى : ) فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ( فقد أمن الناس فقال : " أني عجبت مما عجبت منه فسألت النبي e  فقال : ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) " .

هذه ثلاث مسائل تتفرع عن القول بأن القصر أربعة بُرد :

المسألة الأولى : أن من شك في المسافة هل هي أربعة برد أم لا ؟

فلا يقصر حتى يتيقن ذلك لأن الأصل – في المشهور من المذهب – عدم السفر ، فإذا ثبت هذا فإنه لا يقصر حتى يتيقن أن البلدة التي يسافر إليها مسافة قصر .

 

المسألة الثانية : أن من سافر ليترخص في فِطر أو قَصْر :

-   فالمشهور في المذهب : أنه لا رخصة له .

-   وذهب بعض الحنابلة وهو مذهب الأحناف : إلى أن له رخصة ، لأنه مسافر فيدخل في عموم الأدلة الشرعية .

وهو الراجح وأن من سافر ليترخص أنه يثبت له أحكام السفر وإن كان ينهى عن ذلك .

المسألة الثالثة : فيمن كان تائهاً أو طالباً لضالة ولم يعلم قدر سفره حتى جاوز ستة عشر فرسخاً :

فلا يقصر في المشهور من المذهب ، لأن الأصل الإتمام ولم يعلم المبيح للسفر .

-  واختار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي أنه يقصر لعمومات الأدلة وهو أحق بالرخصة قال : " وليس على منعه من الترخص دليل ولا تعليل صحيح " .

 

قال : [ وإن أحرم حضراً ثم سافر أو سفراً ثم أقام . . . لزمه أن يتم ]

اتفاقاً فإذا كبر تكبيرة الإحرام في سفينة وهو في البلد ثم سافر أتم صلاته .

وكذلك العكس .

فلو أحرم في السفينة قبل أن يصل إلى البلد ووصل قبل السلام أتم صلاته لاجتماع المبيح والحاظر فغلب جانب
الحظر .

 

قال : [ أو ذكر صلاة حضر في سفر أو عكسها ]

أو ذكر صلاة حضر في سفر : فإنه يصليها تماماً وهذا بالإجماع ، لأن القضاء يحكى الأداء ، فقد لزمت في ذمته تماماً غير قصر .

أما إن سافر بعد دخول الوقت وقبل خروجه فإنه يصليها صلاة سفر ، عند جمهور العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد وحكاه ابن المنذر إجماعاً .

والمذهب : أنه يصليها صلاة حضر ، لأنها وجبت تامة وهذا القول ضعيف ، لأن وقت الصلاة موسع وحاله في الأداء حال سفر فكانت صلاة سفر .

" أو عكسها " : إذا ذكر في الحضر صلاة سفر :

فإنه يصليها تامة  - هذا هو المشهور في المذهب - .

قالوا : لأن القصر من رخص السفر فبطل بزواله .

- وذهب الأحناف وهو قول بعض الحنابلة : إلى أنه يصليها قصراً ، وهو القول الراجح ؛ لأن الصلاة قد وجبت عليه في السفر وصلاة السفر مقصورة والقضاء يحكي الأداء واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .

 

قال : [ أو ائتم بمقيم ]

أو بمسافر فاستخلف مقيماً فيجب أن يصلي الصلاة تامة .

وهذا باتفاق المذاهب الأربعة .

لما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح : أن ابن عباس رضي الله عنهما قيل له : [ ( إنا إذا صلينا في رحالنا – أي في حال السفر – صلينا ركعتين ، وإذا صلينا معكم صلينا أربعاً ؟ وكان ابن عباس من المكيين وكان يصلي تماماً " فقال : ( سنة أبي القاسم e ) ].

وهو ثابت من فعل ابن عمر رضي الله عنهما كما في البيهقي بإسناد صحيح ولا يعلم لابن عمر مخالف .

إلا أن الإمام مالك – وهو الراجح في هذه المسألة – يستثنى ما إذا فاته الركوع من الركعة الأخيرة فإنه يصلي قصراً وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها شيخ الإسلام وصاحب الفائق من الحنابلة وهو الراجح كما تقدم .

وخالف إسحاق رحمه الله تعالى – المشهور عند أهل العلم – فقال : للمسافر القصر خلف المقيم بكل حال .

والسنة حجة عليه .

 

قال : [ أو بمن يشك فيه ]

إذا ائتم بمن يشك فيه فلا يدري هل هو مسافر أم مقيم ؟

فإنه يجب عليه الإتمام في المشهور من المذهب إلا إذا غلب على ظنه أن الإمام مسافر بأمارة كهيئة أو لباس ونحوه .

وله أن ينوي أنه إن أتم ، أتممت ، وإن قصر ، قصرت وهو المذهب .

 

قال : [ أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها ]

إذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها لكونه اقتدى بمقيم أو لم ينو القصر - على المذهب - فإذا فسدت كأن يصلي بلا وضوء فأعاد فيلزمه الإتمام .

وهذا القول ضعيف وذهب الأحناف وهو الصواب إلى أنه يقصرها واختاره شيخنا لأنه إنما وجب عليه الإتمام قبل تبعاً للإمام وقد زالت هذه التبعية .

 

قال : [ أو ائتم بمقيم ]

أو بمسافر فاستخلف مقيماً فيجب أن يصلي الصلاة تامة .

وهذا باتفاق أهل العلم ( أي في المذاهب الأربعة ) .

لما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح : أن ابن عباس رضي الله عنهما قيل له : ( إنا إذا صلينا في رحالنا أي في حال السفر صلينا ركعتين ، وإذا صلينا معكم صلينا أربعاً ؟ وكان ابن عباس من المكيين وكان يصلي تماماً فقال : ( سنةُ أبي القاسم e ) ].

وهو ثابت من فعل ابن عمر رضي الله عنهما كما في البيهقي بإسناد صحيح ولا يعلم لابن عمر مخالف .

إلا أن الإمام مالك – وهو الراجح في هذه المسألة – يستثنى ما إذا فاته الركوع من الركعة الأخيرة فإنه يصلي قصراً وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها شيخ الإسلام وصاحب الفائق من الحنابلة وهو الراجح كما تقدم .

وخالف إسحاق رحمه الله تعالى – المشهور عند أهل العلم – فقال : للمسافر القصر خلف المقيم بكل حال .

والسنة حجة عليه ، والنبي e قال : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ) وإذا جالس هذا فسلم فقد اختلف عليه .

 

قال : [ أو بمن يشك فيه ]

إذا ائتم بمن يشك فيه فلا يدري هل هو مسافر أم مقيم ؟

فإنه يجب عليه الإتمام في المشهور من المذهب لأن الأصل هو الإتمام إلا إذا غلب على ظنه أن الإمام مسافر بأمارة كهيئة أو لباس ونحوه .

أما إذا تين له أثناء الصلاة أنه مقيم فهذا واضح فإنه يصلي صلاة مقيم فيتمها .

وله أن ينوي أنه إن أتم أتممت ، وإن قَصَر قصرت ، وهو المذهب .

 

قال : [ أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها ]

إذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها لكونه اقتدى بمقيم أو لم ينو القصر - على المذهب - فإذا فسدت كأن يصلي بلا وضوء فأعاد فيلزمه الإتمام .

وهذا القول ضعيف .

وذهب الأحناف وهو الصواب إلى أنه يقصرها ، واختاره شيخنا لأنه إنما وجب عليه الإتمام قبلُ تبعاً للإمام وقد زالت هذه التبعية .

 

قال : [ أو لم ينو القصر عند إحرامها ]

المشهور في المذهب وجوب نية القصر .

فلو أن رجلاً كبر في السفر ولم يستحضر نية القصر فلم ينو القصر فيجب عليه الإتمام .

وقال الجمهور : لا تشترط نية القصر واختاره شيخ الإسلام وهو الصواب ؛ لأن الاشتراط لا دليل عليه من كتاب ولا سنة , وذكر شيخ الإسلام أن نصوص الإمام أحمد مطلقة في هذا ولم ينقل أحد عن أحمد أنه قال : لا يقصر إلا بنية .

وعليه : لو صلى مع من يظنه مقيماً فسلم في ركعتين فإنه يسلم معه وتكون صلاته قصراًً مادام هو مسافراً .

 

 

قال : [ أو شك في نيته ]

فيلزمه الإتمام .

وهذا مبني على وجوب نية القصر وتقدم ترجيح عدم وجوبها .

 

قال : [ أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام ]

إذا نوى المسافر إقامة أكثر من أربعة أيام ، أي صلاة إحدى وعشرين صلاة فإنه يتم وهذا هو المشهور في المذهب: ومعنى ذلك : أنه إذا دخل المدينة التي يريد الوصول إليها فإن كان ينوي أكثر من أربعة أيام فإنه يتم من حيث دخوله وليس المعنى : أنه يقصر أربعة أيام ثم يُتم بعدها  .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك t قال : ( خرجنا مع رسول الله e إلى مكة – وفي رواية لمسلم " إلى الحج " – فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ) .

قالوا : والثابت عنه في سياق حجته أنه دخل مكة في صبيحة اليوم الرابع وخرج منها إلى منى في ضحى اليوم الثامن فهذه أربعة أيام كما في البخاري من حديث جابر وابن عمر y ، وفي مسلم من حديث جابر t .

قالوا : فعلى ذلك يقصر إن أقام أربعة أيام فإن زاد أتم ، ويوم الدخول ويوم الخروج يحسبان من المدة واختارت هذا القول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء واختاره الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله .

وقال المالكية والشافعية : إذا قام ثلاثة أيام فأقل قصر فإن أقام أكثر من ثلاثة أيام فإنه يتم .

واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث العلاء بن الحضرمي t قال رسول الله e : ( يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثاً ؛ أي ثلاثة أيام ) ولأن الثلاثة حد القلة هنا .

ورد هذا بأن الثلاثة أيام حدٌّ في الشرع لرفع الحظر وله نظائر كثيرة كحديث : ( لا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث ... ) الحديث , فدل على أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة .

وقال الأحناف : إن أقام خمسة عشر يوماً أتم ودون ذلك يقصر . 

وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس y كما في مصنف عبدالرزاق .

- وذهب إسحاق بن راهويه : إلى أن المدة تسعة عشر يوماً .

واستدل : بما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال : ( أقام النبي e بمكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ) قال ابن عباس : ( فنحن إذا أقمنا تسع عشرة قصرنا وإذا زدنا أتممنا ) فهذا الحديث جمع بين الرواية والرأي لراوي وهو ابن عباس رضي الله عنهما .

ورد جمهور الفقهاء على هذا بأن النبي e لم يعزم الإقامة بل كان e ينوي الخروج غداً أو بعد غد حتى مضت هذه المدة فكانت اتفاقاً ، ونحن وأنتم نقول : إن من مكث في بلدة ما ولم يعزم إقامة فإنه يقصر أبداً – كما سيأتي - .

ورُدَّ هذا : بأنه خلاف الظاهر ، فإن الظاهر أنه أقام تسعة عشر يوماً بنية ، ويؤيده : أن ذلك كان في فتح مكة كما في رواية لأبي داود : ( وذلك في عام الفتح ) فأقام فيها تلك المدة ، ويبعد الاكتفاء  بمدة أقل منها وكانت دار المشركين من قريش ، وكان العرب يقتدون بهم في دينهم ولما آمنوا دخل الناس في دين الله أفواجاً .

- وذهب أهل الظاهر : إلى أنها عشرون يوماً .

واستدلوا : بما رواه أبو داود في سننه أن النبي e : ( أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة ) لكن الحديث قد اختلف فيه على : ( يحيى بن أبي كثير ) فرواه معمر عن يحيى موصولاً ، ورواه الثقات عنه مرسلاً وهو الراجح كما رجح ذلك الدارقطني وغيره فهو مرسل ، والمرسل ضعيف .

واعلم أن جمهور الفقهاء إنما حددوا مدة للإقامة والسفر – كما نبه على ذلك غير واحد – بناءً على أن الأصل في الإقامة أنها ترك النُقْلة ، فمتى ترك التنقل فهو مقيم وليس بمسافر .

قالوا : ولو لم يثبت أن النبي e قصر في حال نزوله لقلنا لا يقصر في حال النزول كما هو مذهب الحسن البصري وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها .

لكنه قصر e فرأينا أن أكثر مدة لقصره هي كذا . فالقائلون أنها بأربعة أيام قالوا : هي أكثر مدة قصر فيها وتأولوا الأحاديث الأخرى ، وهكذا الأقوال الأخرى .

- وذهب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو مذهب طائفة من أهل العلم إلى أن مرجع ذلك إلى العرف ولو بقي شهوراً لأن النبي e لم يحدد الإقامة بزمن محدود لا أربعة أيام ولا غيرها فرجعنا إلى العرف .

وقد ثبت في سنن البيهقي بإسناد صحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر
الصلاة ) .

قالوا : ولا يصح أن يقال إنه لم يعزم على بقاء تلك المدة ، وقد حبسه الثلج ، فيستبعد أن يكون قد ظن أن الثلج يذهب بيومين أو ثلاثة أو أربعة وذلك في الغالب في أول الشتاء ، لكونه قد استمر هذه المدة وهي ستة أشهر . فيبعد أن يظن ذهابه في مدة يسيرة .

ثم إنه – t – لما سئل عن القصر في ذي المجاز – كما في المسند بإسناد حسن – وهو سوق يجتمع فيه ويباع فيه ويمكث فيه الناس عادةً عشرين يوماً أو خمسة عشر يوماً ؟ فقال : " تقصر الصلاة به " وقال : " إني كنت بأذربيجان فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين ورأيت النبي e يقصر بمنى يصلي ركعتين ركعتين ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .

وتقدم أثر ابن عباس , وأقوال الصحابة مختلفة في هذه المسألة والراجح التحديد بمدة ؛ وذلك لأن الشارع مُتشوِّف لاتفاق الناس في عبادتهم ، فإن أَذِن بالقصر مدة طويلة اختلف الناس اختلافاً بيناً ؛ ولأن ذلك يفتح باب تهاون وتساهل في حضور الجماعة والفطر في رمضان وترك النوافل , وهذا أيضاً مخالف لمقصود الشارع من المبادرة بالعبادة والاجتماع لها والحرص على النوافل التي تكمل العبادات .

وأقرب الأقوال قول ابن عباس رضي الله عنهما لأنه هذه المدة وهي تسعة عشر يوماً هي أقصى مدة قصر فيها النبي e .

 

قال : [ أو ملاحاً معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم ]

من كان معه أهله وهو ملاح في سفينة ، أو سائق أجرة ، أو ساعي بريد ، ولا ينوي الإقامة ببلد فيلزمه أن يتم .

قالوا : هو وإن كان مسافراً لكن سفره دائم لا ينقطع فلم يترخص برخص السفر ؛ لأن سفره دائم لا ينقطع .

-    وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن أحمد اختارها الموفق : إلى أن له القصر وغيره من رخص السفر لعمومات الأدلة ، وكون سفره لا ينقطع لا يقتضي منعه من الترخص بالقصر وغيره ، بل هو أحق بالترخص من غيره وهذا هو الراجح .

مسألة : من كان له أهل في بلد وإن لم يتخذها دار إقامة فهل له القصر ؟

- المشهور عند الحنابلة : أنه يتم .

واستدلوا : بما رواه أحمد من حديث عثمان t :  أن النبي e قال : ( من تأهَّل في بلد فليصل صلاة المقيم ) .

وبما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( فإذا قدمت إلى بلدٍ لك فيها أهلٌ أو ماشية فأتم ) رواه الشافعي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح .

- وذهب الشافعية وهو قول ابن المنذر : إلى أن من كان كذلك فإنه يقصر ؛ لأنه في حكم المسافرين ما لم ينو الإقامة .

قالوا : وأما الحديث الذي ذكرتموه فإسناده ضعيف منقطع .

وأما أثر ابن عباس : فإنه مخالَفٌ فيه ، فإن الصحابة y كان لهم أموال في مكة وكانوا يقصرون فيها وأنكروا على عثمان t الإتمام ، وتقدم أثر ابن عمر رضيالله عنهما في قصره في خيبر وكان له أرض فيها .

فهي آثار تخالف ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فهو رأي له قد خولف فيه فلم يُحتَجَّ به .

فالراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني .

 

قال : [ وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما ]

قصر , إن كان أقصرهما لا يثبت به حكم السفر ؛ لأنه لا يسلك الأبعد في العادة إلا إذا كان أصلح له .

 

قال : [ أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر ]

رجل مسافر فذكر أنه ترك صلاةً في سفر آخر فإنه يصليها قصراً وهذا ظاهر .

لأن " القضاء يحكي الأداء " كما تقدم .

 

قال : [ وإن حبس ولم ينو إقامة أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة ، قصر أبداً ]

رجل حبس ظلماً فمنع من السفر أو حبسه مطر أو ثلج ولم ينو إقامة ، أو أقام لقضاء حاجة من الحوائج بلا نية  إقامة ، قصر وإن طالت المدة ، حكاه الترمذي وابن المنذر إجماعاً .

واستدلوا بأثر ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم .

وإن ظن أنها لا تنقضي إلا فوق أربعة أيام وجب عليه الإتمام .

فصــــل

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشاءين في وقت إحداهما في سفر قصر ]

هذا فصل في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وهما الظهران ، والمغرب والعشاء وهما العشاءان وهذا من باب التغليب .

وقد أجمع العلماء على أن الجمع لا يشرع إلا على ما ذكر هنا من الصلوات ، فلا جمع بين عصر ومغرب ، ولا عشاء وصبح ، ولا صبح وظهر .

ويجوز الجمع في وقت إحدى الصلاتين تقديماً أو تأخيراً ، تقديماً : بأن يصلي الظهر والعصر في وقت الظهر ، وكذلك المغرب والعشاء في وقت المغرب ، وتأخيراً : بأن يصلي الظهر والعصر في وقت العصر ، أو المغرب والعشاء في وقت العشاء

قوله : " في سفر قصر " : يجوز الجمع في السفر الذي يشرع فيه القصر .

لما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك t قال : ( كان النبي e إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ) قال في البلوغ : " وفي رواية الحاكم في الأربعين بإسناد صحيح : ( صلى الظهر والعصر ثم ركب ) " .

وروى الإسماعيلي نحوه – كما في الفتح – أن النبي e : ( كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل ) فهذا الحديث يدل على الجمع في السفر .

وثبت في صحيح مسلم عن معاذ بن جبل t قال : ( خرجنا مع النبي e في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً ) .

وثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وصححه من حديث معاذٍ t أن النبي e : ( كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً في وقت العصر ، وإذا ارتحل بعد أن زاغت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً في وقت الظهر ، وهكذا المغرب والعشاء  ) فهذه أحاديث تدل على ثبوت الجمع في السفر .

وهي حجة على من أنكر ذلك من الأحناف في تخصيصهم الجمع بعرفة ومزدلفة .

قالوا : لأن الأحاديث في المواقيت متواترة فلا تخصص بذلك ، والجواب عن ذلك : أن صحة الأحاديث المذكورة عن النبي e وثبوتها يُخصَّص به المتواتر كما هو مقرر في علم أصول الفقه .

قوله : " يجوز " : ظاهره أن ذلك مباح وليس بمستحب ، وهو المشهور في المذهب قالوا : وتركه أفضل ما عدا الجمع بعرفة ومزدلفة فهو أفضل .

-   وعن الإمام أحمد : أن الجمع في السفر أفضل .

-  والراجح أن الجمع أفضل لمن جد به السير , وأما النازل فالأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله ، وبهذا تجتمع الأدلة .

ولم يصح عن النبي e أنه جمع في نزوله إلا ما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن معاذ t أن النبي e : ( أخر الصلاة في غزوة تبوك يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء
جميعاً ) .

لكن الذي كان يداوم عليه e هو الجمع حيث جد به السير ، فإن نزل فإنه كان يصلي الصلوات في وقتها ولا يجمع إلا في أحوال نادرة كما تقدم في حديث معاذ t وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : ( أن النبي e جمع بين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر ) ولم ينقل عنه أنه جمع في السفر وهو نازل إلا مرة واحدة كما قال شيخ الإسلام .

 

قال : [ ولمريض يلحقه بتركه مشقة ]

فالمريض يجوز له الجمع إذا كان في تركه الجمع مشقة عليه ، لأن الشريعة قد أتت بنفي الحرج ، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما كما في صحيح مسلم : ( صلى رسول الله e الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوفٍ ولا سفرٍ ) وفي رواية : ( بالمدينة من غير خوف ولا مطر فسئل عن ذلك فقال : أراد أن لا يُحْرِج
أمته ) .

وقد وردت السنة بالجمع للمستحاضة كما ثبت هذا في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي ، قال الإمام أحمد
: " ومثل ذلك المرضع التي يشق عليها أن تغسل ثوبها لكل صلاة "  أي من نجاسة الطفل فيجوز لها الجمع للحرج ، وهكذا من به سلس بول أو مذي ويشق عليه أن يصلي كل صلاة بوضوء ، أو عاجز عن طهارة تيمم لكل صلاة .

ومثل ذلك : إذا خاف على نفسه أو أهله أو ماله – كما تقدم – في العذر في ترك صلاة الجماعة .

وهذا هو المشهور في المذهب – أي الجمع للمرض – ونص الإمام أحمد عليه واختاره شيخ الإسلام .

واختار شيخ الإسلام جواز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما ممن يخشى فساد ماله بترك الجمع , وأفتى الشيخ عبدالله بن عبداللطيف بجواز الجمع لحافري القليب , وأفتى الشيخ محمد بن إبراهيم بالجمع لمن ابتلي بالجراد والدَّبَّي رحم الله الجميع .

 

قال : [ وبين العشاءين لمطر يبل الثياب أو وَحَل ]

فإذا كان المطر يبل الثياب فيجوز الجمع فيه بين العشاءين خاصة .

واستدلوا : بما في الموطأ بإسناد صحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما : ( كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم ) .

 وثبت عند البيهقي بإسناد صحيح : أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله : ( كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر ) ، وأن سعيد بن المسيب وعروة وأبا سلمة بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معه ولا ينكرون ذلك قالوا : فكان ذلك إجماعاً .

وظاهر قوله : " بين العشاءين " أنه لا يجمع بين الظهر والعصر في المطر وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة .

قالوا : لعدم وروده , ولأنه لا يقاس مطر النهار على مطر الليل ، لأن المطر في الليل يكون في الظلمة فتكون المشقة أعظم ، كما أنه مظنة للبرد ونحوها فكانت المشقة فيه أظهر فلا يقاس هذا على هذا لوجود الفارق .

- وذهب أبو الخطاب من الحنابلة وهو مذهب الشافعية واختيار شيخ الإسلام : إلى جواز الجمع في المطر بين الظهر والعصر .

لقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( من غير خوف ولا مطر ) فدل على أن المطر عذر يبيح الجمع بين الصلاتين وقال : ( أراد ألا يحرج أمته ) فالعلة والمناط إنما هو الحرج ، والحرج ثابت بالمطر في النهار كما هو ثابت بالمطر في الليل .

وكون المطر في الليل المشقةُ فيه أشد : غير مؤثر مع ثبوت المشقة في المطر بالنهار , وهذا القول هو الراجح واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .

قال المؤلف : " ووَحل " والوحل : أشق من المطر الذي يبل الثياب فكانت الرخصة فيه أولى ، وقد تقدم أثر ابن عباس وفيه : ( وكرهت أن أخرجكم في الطين والدحض ) .

 

قال : [ وريح شديدة باردة ]

خارجة عن المألوف المعتاد كما تقدم فيجوز الجمع بين الصلاتين لها , والمذهب أن ذلك في المغرب والعشاء خاصة , والراجح كما تقدم أنه يعم الظهر والعصر أيضاً .

 

قال : [ ولو صلى في بيته أو في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباط ]

الساباط : هو السقيفة بين دارين يكون تحتها طريق .

فلو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط وكان هناك مطر أو ريح شديدة باردة فيجوز له الجمع إذا كان من أهل الجماعة .

قالوا : لأن الرخص العامة كالسفر وبيع السلم تثبت وإن انتفت المشقة أو الحرج عن شخص ما ، فإن الحكم يثبت له حيث ثبت لغيره فالمعتبر وجود المشقة في الجملة لا لكل فرد من المصلين .

 

قال : [ والأفضل فعل الأرفق به من تأخير أو تقديم ]

فالأفضل فعل الأرفق به من تقديم أو تأخير ، وهو اختيار شيخ الإسلام .

وهو ظاهر فإن الجمع إنما شرع لنفي الحرج ، فشرع له أن يفعل الأرفق به .

وهذا ما دلت عليه السنة فإن النبي e كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع جمع تأخير , وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس جمع جمع تقديم  .

 

مسألة :

اختار شيخ الإسلام وهو مذهب ابن سيرين وابن المنذر : أن الجمع جائز مطلقاً عند الحاجة إليه من غير أن يتخذ ذلك سنة وعادة .

ودليله حديث ابن عباس رضي الله عنهما : فإن فيه أن النبي e : ( صلى الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً بالمدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر ) وقال ابن عباس : ( أراد ألا يُحْرِج أمته ) .

وهكذا كان فعله t فقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق رحمه الله قال : ( خطبنا ابن عباس بالبصرة بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم فقيل : الصلاة الصلاة فقال : جمع النبي e بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ) قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء فسألت أبا هريرة t فصدَّق مقالته .

 وقد فعل هذا ابن عباس لمصلحة اجتماع الناس وخشى أن يتفرقوا قبل سماع الحق الذي يريد أن يبينه ، وهي مصلحة شرعية ، وتقدم ذكر أمثلة على هذا ، ومن ذلك لو كان يصلح بين رجلين وخشي إن تفرقوا أن يحصل بينهم الدم فيجوز في مثل هذا الجمع .

فإن قيل : فلعله فعا ابن عباس t هذا جمع صوري ؟

فالجواب : هذا ضعيف من أوجه :

منها : أن عبد الله بن شقيق يبعد أن يخفى عليه جواز الجمع الصوري , والمراد به : أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها ثم يجلس حتى إذا دخل وقت الأخرى قام فصلاها ، فهذا جاز بإجماع المسلمين وهو واضح لعامة الناس فضلاً عن علمائهم .

ومنها : أنه ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: " أنه ذكر أنه صلى مع النبي e بالمدينة الأولى " أي الظهر " والعصر ثمان سجدات " أي ركعات " ليس بينهما شيء " أي ليس بينهما فاصل ، فليس جمعاً صورياً .

فإن قيل : لعل النبي e كان مريضاً كما قال ذلك بعض أهل العلم والمرض عذر ، فإنه نفى الخوف والمطر والسفر فبقى المرض ؟

فالجواب : أن هذا ضعيف ؛ لأن المرض عذر للشخص نفسه ، وقد جمع النبي e بأصحابه ، والعذر حيث كان كذلك إنما يكون مختصاً بالشخص نفسه .

فالراجح ما ذهب إليه أهل هذا القول .

وأما الجمع بين الصلاتين بلا حاجة فلا يجوز ؛ فقد ثبت عند سفيان الثوري في جامعه كما ذكر ذلك شيخ الإسلام – والأثر صحيح – عن عمر t قال : ( الجمع بين الصلاتين لغير عذر من
الكبائر )
ورواه الترمذي مرفوعاً إلى النبي
e ولا يصح رفعه بل هو موقوف على عمر t .

 

قال : [ فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها ولا يفرِّق بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف ويبطل براتبة بينهما ، وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاحهما وسلام الأولى ]

هذه شروط ثلاثة لجمع التقديم :

1-    نية الجمع عند الإحرام بالأولى .

2-    الموالاة .

3-    أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الأولى والثانية وسلام الأولى .

فالشرط الأول : ( اشترط نية الجمع عند إحرامها ) :

-  فيجب إذا كبر للأولى أن ينوي الجمع ، فلو لم يفعل ، كأن ينزل المطر مثلاً وهو يصلي المغرب فلا يصح الجمع ؛ لأنه يشترط أن يكون قد نوى الجمع عند افتتاح الأولى وهو لم ينوه .

-  والوجه الثاني في المذهب وهو قول الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام وقال : عليه نصوص أحمد وأصوله : أن نية الجمع ليست بشرط ، وأن هذا القول لا دليل عليه - كما قال شيخ الإسلام - ويمتنع أن تكون النية للجمع شرطاً ولا يبين ذلك النبي e لأمته فلا ينقل ذلك عنه لا بإسناد صحيح ولا بإسنادٍ حسن ، ولم يثبت ذلك أيضاً عن أحد من أصحابه .

وهذا القول هو الراجح وهو قول الجمهور , قال شيخ الإسلام وعليه نصوص أحمد وأصوله .

 

الشرط الثاني : ( ولا يفرق بينهما ) :

فالموالاة واجبة قالوا : لأن لفظ الجمع يقتضي الموالاة وهو فعل النبي e فإنه كان يوالي إذا جمع بين الصلاتين , ولأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل .

-         وعن الإمام أحمد : أن ذلك ليس بشرط ، وهو اختيار شيخ الإسلام : واختاره شيخنا وهو الراجح .

 لأن فعل النبي e المجرد لا يفيد الوجوب .

والجمع بين الصلاتين إنما يقتضي أن يصليهما في وقت إحداهما فهو الجمع في الوقت , ولأن النبي e لما جمع في مزدلفة بعد أن صلى المغرب أناخ كل إنسان بعيره في منزله - كما في الصحيحين وهذ فارق طويل في العرف وهذا القول هو الراجح .

 ويُرجع في المولاة إلى العرف فإن كان يسيراً في العرف لم يضر كإقامة ووضوء خفيف , وإن كان طويلاً في العرف فإنه يضر .

ويبطل الجمع - على المذهب - براتبة يصليها بينهما , لأنه فرق بينهما بصلاة .

أما الشرط الثالث فقال : ( وأن يكون العذر موجوداً ) العذر كالمطر ونحوه ( عند افتتاحهما ) أي الأولى والثانية
( وسلام الأولى ) .

ونازع في قوله : ( وسلام الأولى ) ابن عقيل من الحنابلة وقال : " هذا لا أثر له " إذا عاد قبل طول الفصل وهذا هو الصواب .

وقوله : " عند افتتاح الأولى " هذا بناءً على القول باشتراط نية الجمع وتقدم أن الصــواب خلافه وعليه فلو نزل المطر الذي يبل الثياب بعد السلام من الأولى فإنه يجوز أن يجمع بين الصلاتين .

 

قال : [ وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى ]

لأنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة في وقتها بلا عذر إلا بنية الجمع .

 

 

قال : [ إن لم يضق عن فعلها ]

أي لم يضق وقتها عن فعلها لأن تأخيرها على هذه الصورة بلا نية جمع لا يجوز وهو ينافي الرخصة وعلى ذلك فلا يصح الجمع وتكون قضاءً لا أداءً .

 

قال : [ واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية ]

فإذا زال العذر قبله لم يجز الجمع لزوال مقتضيه كالمريض يبرأ والمسافر يقدم قبل خروج الوقت .

إذن : عندنا شرطان في جواز جمع التأخير :

1-                أن ينوي الجمع في أثناء وقت الأولى .

2-                استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية .

قال في الأنصاف : " بلا نزاع بين أهل العلم " ، فلا نزاع في هذه المسألة .

 

فصـــل

والمراد بصلاة الخوف : هي الصلاة المكتوبة في حال الخوف وليس المراد أنها صلاة تشرع عند الخوف كصلاة الاستسقاء التي تشرع لطلب السقيا .

والأصل أنها شرعت عند الخوف في قتال الكفار ونحوهم من البغاة والمحاربين وقاس عليه أهل العلم : كل خوف جائز كالخوف من ظالم أو سبع وكالخوف من جمل هائج أو سيل ، وكذا لو خاف أن يفوته الوقوف بعرفة ليلاً وهو المذهب واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، وكذلك لوخاف فوات عدوٍ يطلبه .

أما إن كان القتال قتالاً محرماً فإنه لا يرخص أن يصلي صلاة الخائف ، وحكاه النووي إجماعاً ، كالخارج على إمام أو المعتدي على المسلمين لقوله تعالى : ) إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (.

 

قال : [ وصلاة الخوف صحت عن النبي e بصفات كلها جائزة ]

قال تعالى : ) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ( وقال تعالى : ) فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ( وهي في صلاة الخوف .

 وليس هذا مختصاً بالنبي e خلافاً لمن زعم ذلك لقوله : ) وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة … (لأن ما كان ثابتاً للنبي e فهو ثابت لأمته إلا أن يدل دليل على التخصيص .

ولفعل الصحابة بعده كما صح ذلك عن طائفة منهم ، وهو مذهب عامة العلماء .

وقد صحت صلاة الخوف بصفات عدة ، ذكر الإمام أحمد أنها ثبتت عن النبي e في ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة ، قال الإمام أحمد : ( فمن ذهب إليها كلها فحسن ، وأما حديث سهل فأنا أختاره ) .

ومقتضى كلام الإمام أحمد – كما قال ذلك الموفق وصاحب الفروع – خلافاً للمشهور عند الحنابلة - : صحة صلاة الخوف ركعة ؛ لأنها من الأوجه الثابتة عن النبي e ، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً : ( وصلاة الخوف ركعة ) رواه مسلم .

وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن حذيفة t : أن النبي e : ( صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا ) .

وهذا في الحضر والسفر وهو ومقتضى كلام الإمام أحمد رحمه الله وقول إسحاق وطائفة من التابعين .

وعامة أهل العلم يرون أن صلاة الخوف تبع لصلاة الحضر وصلاة السفر ، فصلاة الخوف تصلى في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين .

والأظهر أن يحمل الحديث على شدة الخوف .

واعلم أن أولى هذه الصفات الواردة عن النبي e في العمل وهي التي اختارها الإمام أحمد رحمه الله لورودها في القرآن وفي الصحيحين هي الصفة الواردة من حديث سهل بن أبي حثمة e .

وصفتها :

أن يقسم الجيش إلى طائفتين ، ولا يشترط في هاتين الطائفتين التساوي لكن يشترط أن تكون كل طائفة تثبت بها الكفاية من الوقوف أمام العدو لو حدث منه ميل على المسلمين ، فيصلي بهم ركعة ثم يثبت قائماً فيتمون لأنفسهم ثم ينصرفون ، فيقفون وجاه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة التي بقيت ثم يثبت جالساً فيتمون لأنفسهم ثم يسلم بهم ، فيكون لهؤلاء فضل التسليم مع الإمام وللسابقين فضل تكبيرة الإحرام معه .

ففي الصحيحين في صفة صلاة النبي e يوم ذات الرقاع صلاة الخوف : ( أن طائفة صفت معه ، وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثم جلس فأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم ) وهو أنكى للعدو وأحفظ للمسلمين ، وتفعل سواء كان العدو في جهة القبلة أو في جهة أخرى .

 

قال : [ ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح  ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه ]

لقوله تعالى : ) وليأخذوا أسلحتهم ( .

ومذهب الشافعية الوجوب ومال إليه الموفق لظاهر الآية الكريمة ولأن الله قال : ) ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ( فنفى الجناح عند المرض والأذى ، وهذا يدل على ثبوته عند عدم ذلك , والمعنى يقتضي ذلك أيضاً وهو حفظ المسلمين من العدو .

فإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً للقبلة وغيرها ويُومئون قدر طاقتهم : أي بالركوع والسجود .

ودليله قوله تعالى : ) فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً (

قال ابن عمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين : ( فإن كان خوف هو أشد من ذلك فرجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ) وهذا من تخفيف الله لهذه الأمة .

 

 

 

 

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net