باب : صلاة الجمعة
الجمعة : بتثليث الميم , والأشهر الضم ويصح الفتح والتسكين ، ولغة الحجاز ضمها وهي التي نزل بها القرآن .
وسمي يوم الجمعة بذلك : لأن القيامة تقوم فيه وهو يوم الجمع ، وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي e قال – في يوم الجمعة - : ( وفيه تقوم الساعة ) .
ولأنه اليوم الذي جمع الله فيه خلق آدم ، كما ثبت هذا في مسند أحمد وصححه ابن خزيمة بإسناد جيد أن النبي e قال لسلمان t : ( يوم الجمعة يوم جمع فيه أبوك أو أبوكم ) .
ولأن الناس يجتمعون لأداء الصلاة فيه .
وصلاة الجمعة مستقلة عن صلاة الظهر فليست ظهراً مقصورة ، ودليل ذلك : ما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح وتقدم – من حديث عمر t– وفيه : ( وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر ) ولجوازها قبل الزوال .
وعن الإمام أحمد : أنها ظهر مقصورة وهو ضعيف بدليل أن الإتمام لا يجوز فيها باتفاقهم ، بخلاف الصلوات المقصورة في السفر .
قال : [ تلزم ]
فهي فرض عين بالإجماع .
لقوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ( وهذا أمر وهو للوجوب وقال e - كما في مسلم - : ( لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجُمُعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ) وقال e - كما عند النسائي بإسناد صحيح - : ( رواح الجمعة واجب على كل محتلم ) .
وقال e – كما في سنن أبي داود والحديث صحيح - : ( الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبداٌ مملوكٌ أو امرأةٌ أوصبيٌ أومريضٌ ) .
قال : [ كل ذكر حر مكلف مسلم ]
" كل ذكر " : فلا تلزم الأنثى .
" حر" : فلا تلزم المملوك ، لانشغاله بحق سيده لكن لو صلاها صحت منه .
" مكلف " : فلا تلزم الصبي والمجنون .
" مسلم " : فلا تلزم الكافر ولا تصح منه .
فهي واجبة على المسلم الذكر الحر المكلف للحديث المتقدم ، وهذا باتفاق أهل العلم .
واتفقوا على أنهم لو صلوها لصحت سوى الكافر ، فلو أن امرأة أو مملوكاً أو مريضاً أو صبياً شهدوا الجمعة فصلوها ركعتين صحت ، على أنهم لو صلوها في بيوتهم فإنهم يصلونها أربعاً ، وهذا باتفاق العلماء .
قال : [ مستوطن ببناء ]
معتاد من حجر أوطين أو قصب ونحوه ،
فإن كانوا مستوطنين بخيام ولا يرتحلون شتاءً ولا صيفاً فلا تصح منهم عند جمهور العلماء ولا يجوز لهم أن يقيموا الجمعة بل يصلونها ظهراً .
- واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال في الفروع : " وهو متوجه " : أن إقامة الجمعة تصح منهم ؛ لأن المناط إنما هو الاستيطان ، فما داموا مستوطنين بهذا الموضع لا يرتحلون عنه شتاءً ولا صيفاً فإنه لا فرق بينهم وبين أصحاب البناء من حجر أو غيره ،فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها وهذا هو الراجح وهوأحد قولي الشافعي وبه أفتت اللجنة الدائمة .
أما أصحاب الخيام الذين يرتحلون شتاءً وصيفاً فإنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه ليس لهم أن يقيموا الجمعة فيها .
وقال الأحناف : لا تقام إلا في الأمصار .
واستدلوا : بقول علي t كما في مصنف عبد الرزاق : ( لا جمعة إلا في مِصْرٍ جامع ) .
والجواب عنه : أنه يخالف ما ثبت عن عمر t – كما في مصنف أبن أبي شيبة - : ( جَمِّعوا حيث شئتم ) , وما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( أول جمعة جُمِّعت بعد جمعة في مسجد النبي e في مسجد عبد القيس بجُواثى من البحرين ) أي : الأحساء .
فائدة : قد قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله : لم ينقل أن أحداً من السلف أقام الجمعة في السجن مع أنه كان في السجون جمع من العلماء المتورعين ، فعلى ذلك : السجن لا يصلون فيه الجمعة كما أفتى بذلك الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله ؛ لأنه لم ينقل عن السلف أما السجون الآن فتحتاج إلى فتح جامع : لأنها بحكم حي من أحياء البلد ويصلي فيه الشرطة والحراس والعاملون .
قال : [ ببناء اسمه واحد ولو تفرق ]
يعنى يجوز وإن كان متفرقاً - بيتاً هنا وبيتاً هناك - ما دام أن اسمه واحد وقد كانت المدينة متفرقة البيوت ، وكانت بريداً في بريد أي أربعة فراسخ في أربعة فراسخ ولم تقم الجمعة إلا في مسجد النبي e .
قال : [ ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ ]
تقريباً إذا كان خارجاً عن المصر .
وهو مذهب الحنابلة والمالكية ؛ لأن الموضع الذي يُسمع منه النداء غالباً هو فرسخ وهو نحو خمسة كيلو مترات .
وقال الشافعية : يجب على من سمع النداء لقوله e : للأعمى : ( أتسمع النداء ؟ قال : نعم ، قال : فأجب ) وهذا الحديث عام فيمن كان من أهل القرية نفسها ومن كان قريباً منها وهو يسمع النداء .
قالوا : وأصرح منه أن النبي e – كما في سنن أبي داود – قال : ( الجمعة على من سمع النداء ) لكن الحديث الراجح وقفه - كما رجح ذلك البيهقي – فهو موقوف على عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.
والراجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة : لأن ما ذكره الشافعية يختلف باختلاف صوت المؤذن انخفاضاً وارتفاعاً وكون الريح مع الصوت أو ضده ، فقد نوجبها على الأبعد ولا نوجبها على الأقرب .
قالوا : ونظرنا فوجدنا أن المؤذن إذا أذن في موضع عال على السنة ، وكان رفيع الصوت صيتاً – كما وردت به السنة – وكانت الريح ساكنة فإن أذانه يصل إلى فرسخ وهو ثلاثة أميال أي نحو خمسة كيلومترات ، وهذا القول هو الراجح .
ولأن خلاف هذا يلزم منه إيجاب الجمعة على قوم وعدم إيجابها على قوم هم أولى بالوجوب منهم ، فإن الصوت إذا ذهبت به الريح إلى جهة أدى ذلك إيجابه على هذه الجهة دون غيرهم ممن هم أقرب منهم . وكذلك باختلاف سمع الناس وباختلاف صوت المؤذن .
وذهب طائفة من أهل العلم : إلى أن من آواه بيته ومنزله قبل الليل فإنه يجب عليه أن يحضرها .
فإذا ذهب صباحاً وعلم أنه يعود قبل الليل فيجب عليه حضورها .
واستدلوا : بحديث لا يثبت عن النبي e رواه الترمذي : ( الجمعة على من آواه الليل ) لكن الحديث لا يثبت وإسناده ضعيف جداً .
وأما من كان في البلد فيجب عليه السعي إليها قَرُب أو بَعُد سمع النداء أم لم يسمعه ؛ لأن البلد كالشيء الواحد , والمدينة كانت في عهد النبي e بريداً في بريد متفرقة البيوت ولا تقام الجمعة إلا في مسجدهe .
قال : [ ولا تجب على مسافر سفر قصر ]
فالمسافر لا تجب عليه الجمعة .
ويريدون بالمسافر : من ليس بمستوطن ولا مقيم ، والمستوطن من اتخذ البلد وطناً له .
وأما المقيم فهو من لم يتخذه وطناً لكنه نوى إقامة تمنعه من القصر .
والذي لا تجب عليه الجمعة هو المسافر وهو : من نوى إقامة أربعة أيام فأقل ، على مذهب الجمهور .
إذن : المقيم والمستوطن تجب عليهم صلاة الجمعة .
وأما المسافر الذي له أن يقصر الصلاة فلا تجب عليه الجمعة ، وله أن يصليها ظهراً ولو كان نازلاً في بلد تقام فيها الجمعة عند جمهور العلماء .
ولو صلى المسافرون الجمعة وحدهم لم تصح باتفاق العلماء فإن النبي e لم يكن يصلي في سفره جمعة لا في حجته ولا في غزواته وعمرته .
ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي e : ( أتى عرفة فصلى بها الظهر ثم أقام فصلى العصر ) وكان ذلك يوم جمعة ، ودل عليه فعل الخلفاء الراشدين وأصحاب النبي e عامة فإنهم كانوا لا يقيمون الجمعة في السفر .
وروى الدارقطني مرفوعاً عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( ليس على المسافر جمعة ) ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة t ، وكلا الإسنادين ضعيف ، ولكن يشهد أحدهما للآخر ويشهد لها فعل النبي e وفعل أصحابه يشهد لذلك .
واحتمل شيخ الإسلام : أن المسافر الذي يكون في مكان ينادى فيه لصلاة الجمعة تلزمه تبعاً للمقيمين ، وقال في الفروع : " وهو متوجه " وقاله بعض الحنابلة وحكي رواية عن الإمام أحمد .
وما ذهب إليه الجمهور أظهر .
قال : [ ولا عبد ولا امرأة ]
تقدم الدليل على هذا وهو باتفاق أهل العلم لحديث : ( الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة – وذكر منهم – المرأة والمملوك ) .
قال : [ ومن حضرها منهم أجزأته ]
اتفاقاً : فمن حضرها من هؤلاء الأربعة – المريض أو المسافر أو المرأة أو العبد - أجزأت عنه بإجماع العلماء وقد تقدم ذكر هذا .
قال : [ ولم تنعقد به ]
لأنهم ليسوا من أهل الوجوب وإنما صحت منهم تبعاً .
أما المرأة فهذا باتفاق أهل العلم .
وأما المملوك والمسافر :
- فهو مذهب الجمهور .
- وقال الأحناف ، وهو اختيار شيخ الإسلام : أنها تنعقد بهما ، وهذا القول هو الراجح ، لأنهم رجال مكلفون حضروها فانعقدت بهم ، وقد صحت منهم ، وهم أهل للاجتماع وإنما خفف عنهم في هذا لمعنى يقتضي ذلك .
أما المسافر فلرفع الحرج عنه ، وأما المملوك فلرفع الحرج عن سيده وهذا القول أرجح .
وأما المريض فتنعقد به ويؤم فيها اتفاقاً .
قال : [ ولم يصح أن يؤم فيها ]
أما المرأة فظاهر .
وأما المسافر والمملوك فالراجح صحة إمامتهم فيها وهو مذهب الأحناف في المسألتين ، ومذهب المالكية والشافعية في المسافر , لأن من صحت صلاته صحت إمامته .
قال : [ ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه بحضوره ]
فالمريض إذا حضر المسجد وجبت عليه الجمعة ، لأنها إنما سقطت عنه في الأصل لمشقة حضورها ويصح أن يؤم فيها وتنعقد به باتفاق العلماء .
قال : [ ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح ]
من صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام ولم يكن معذوراً بمرضٍ أو غيره لم تصح صلاته ؛ لأنه مخاطب بحضور الجمعة لقول الله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ( والظهر بدل عنها ، وهو الآن مخاطب بالأصل ويمكنه أن يأتي به ولا عذر له يقتضي إسقاط الجمعة عنه ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء .
والمذهب : أنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من صلاته ، فإذا فرغ من صلاته وسلم فإنه يشرع في الصلاة .
وقال بعض الحنابلة : إذا علم أنه لو ذهب إلى المسجد فإنه لا يدركها فيجوز له أن يصليها ظهراً ، لأنها في حكم الفائتة .
لكن إن أخرها الإمام تأخيراً منكراً فله أن يصلي الظهر وتجزئه لحديث أبي ذر t قال : قال لي رسول الله e " كيف أنت إذا كانت عليك أُمَرَاءُ يؤخِّرون الصلاة عن وقتها ، أو يُمِيتُون الصلاة عن وقتها ؟ " قال قلت : فما تأمُرُني ؟ قال " صلِّ الصلاة لوقتها ، فإن أدْركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلةٌ .
قال : [ وتصح ممن لا تجب عليه ]
فالذي لا تجب عليه الجمعة وهم المسافر والمريض والمرأة والمملوك إذا صلوا في بيوتهم فيجوز لهم أن يصلوا قبل صلاة الإمام ؛ لأنهم غير مخاطبين بحضور الجمعة ، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً - بشرط أن تكون الشمس قد زالت لأنهم يصلونها ظهراً لا جمعة , وهو مذهب جمهور العلماء .
قال : [ والأفضل حتى يصلي الإمام ]
الأفضل للمعذور تأخير الظهر حتى يصلي الإمام ؛ لأنه ربما زال عذره فتلزمه الجمعة .
ويستثنى من ذلك من دام عذره كالمرأة وهذا باتفاق العلماء .
قال : [ ولا يجوز لمن تلزمه السفرُ في يومها بعد الزوال ]
إذا زالت الشمس فلا يجوز لمن وجبت عليه الجمعة أن يسافر .
قالوا : لأن الوجوب يستقر في أول وقتها ، وهو أول الوقت المتفق عليه ، وكذا قبل الزوال بعد ندائها الثاني .
أما إذا سافر قبل زوال الشمس أو قبل النداء الثاني فلا بأس ، لقول عمر t كما ثبت ذلك عنه في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح : ( إن الجمعة لا تحبس مسافراً إلا أن يحين الرواح ) أي حين يجب الرواح وإنما يجب الرواح عند الأذان الثاني .
وأما ما رواه أحمد والترمذي أن النبي e : بعث عبد الله بن رواحة t في سرية يوم الجمعة فمكث بعض أصحابه فشهد الجمعة مع النبي e ثم أراد أن يلحق بأصحابه فقال النبي e : ( لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم ) فالحديث إسناده ضعيف فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف مدلس .
فالحجة في قول عمر t . ولأنه غير مخاطب بحضورها حينئذٍ فجاز له أن يسافر وهو قول أكثر العلماء .
والمذهب : أنه يكره .وقال بعض الحنابلة : لا يكره ، وهو أظهر ؛ فإن الكراهة حكم شرعي ولا دليل عليه .
مسألة :
المشهور أن من فاتته الجمعة فإنه يتصدق بدينار أو نصفه ؛ لما روى أبو داود أن النبي e قال : ( من ترك الجمعة بغير عذر فعليه دينار أو نصف دينار ) ، والحديث ضعيف لا يثبت فلا يحتج به .
وحكى صاحب الفروع الإجماع على عدم وجوب ذلك ، والحديث ضعيف لا يستقيم الاستدلال به لا على الوجوب ولا على الاستحباب .
فــصــل
قال : [ يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام ]
المذهب : أنه لا يشترط لصحة الجمعة إذن الإمام وهو قول الجمهور .واستدلوا : بقول عثمان t في الأثر المتقدم في صلاة إمام الفتنة فيهم وفيه أنه قال : ( إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم ، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم ) رواه البخاري .
وقال الإمام أحمد : " وقعت الفتنة في الشام تسع سنين فكانوا يُجَمِّعُون " أي من غير إذن الإمام .
قالوا : ولأن الجمعة فرض كما في حديث : ( الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة ) والفروض لا يشترط فيها إذن الإمام .
- وقال الأحناف ، وهو رواية عن الإمام أحمد : بل يشترط فيها إذن الإمام .
واستدلوا : بأن الجمعة إنما يقيمها في كل الأعصار الأئمة ، قالوا : فهذا إجماع يدل على أنها لا تشرع إقامتها إلا بإذنهم .
وفي هذا نظر – كما قرر ذلك الموفق في المغني – من وجهين :
1- الأول : أن يقال : إن الإجماع هنا لا يُسَلَّم ، فإن كونهم يقيمونها – أي الأئمة – لا يقتضي إجماعهم على أنهم لو لم يقيموها أو لم تُقَم بإذنهم فإنها باطلة .
2- أنها كانت تقام في قرى كثيرة في العصور الإسلامية ، وادعاء وقوع ذلك بإذنه فيه عُسر .
فما ذهب إليه أهل القول الأول هو الراجح وهو صحة الجمعة وإن لم يأذن الإمام.
أما تعدد الجمعة فالأظهر اشتراط إذن الإمام واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله وسيأتي .
قال : [ أحدها : الوقت ]
لقوله تعالى : ) إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ( .
قال : [ وأوله أول وقت صلاة العيد وآخره آخر وقت صلاة الظهر ]
آخر وقت صلاة الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر وهذا بالإجماع .
واختلف أهل العلم في أول وقتها :
1- فالمشهور عند الحنابلة : أن أوله أول وقت صلاة العيد أي إذا ارتفعت الشمس - قِيد رمح ، وقد نص عليه الإمام أحمد .
2- والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد : أن أول وقتها في الساعة السادسة أي قبل زوال الشمس بنحو ساعة ، وهو اختيار الموفق وأبي بكر عبد العزيز من الحنابلة ، وهو ظاهر كلام الخرقي .
3- والقول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الجمهور واختار هذه الرواية الآجري من أصحاب أحمد : أنها لا تصح إلا بعد زوال الشمس .
وقد استدل أهل هذا القول الثالث :
بالقياس على صلاة الظهر ، وبحديث سلمة بن الأكوع t – في الصحيحين – قال : ( كنا نصلي مع النبي e الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يُستظل به ) .
وفي مسلم : ( كان يصلي إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء ) .
وثبت من حديث أنس t قال : ( كان النبي e يصلي الجمعة حين تميل الشمس ) أي حين تزول .
أما دليل من قال : إنها في الساعة السادسة : فهو ما ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( ومن راح في الساعة الخامسة فكمن قرب بيضة فإذا خرج الإمام … ) الحديث .
فذكر النبي e خروج الإمام بعد الساعة الخامسة أي : بدخول الساعة السادسة ، وكانوا يقسمون النهار إلى اثني عشرة ساعة ، فما بين الفجر إلى زوال الشمس ست ساعات ، وما بين زوالها إلى غروبها ست ساعات ، ومقدار الساعة يختلف صيفاً وشتاءً في الطول والقصر .
ولما ثبت في صحيح مسلم عن جابرt قال : " كان النبي e يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس " .
ولما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد t قال : ( ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ) قالوا : والقيلولة والغداء قبل زوال الشمس .
أما القول الأول ، وهو نص الإمام أحمد وهو المشهور عند الحنابلة : أن أول وقتها أول وقت صلاة العيد .
فاستدلوا : بالأحاديث التي استدل بها أهل القول الثاني .
قالوا : هذه الأحاديث التي استدللتم بها تدل على أن وقت الجمعة ليس كوقت الظهر ، فكون الشارع يثبت فرقاً بينهما فلا يصح – حينئذٍ – القياس ؛ لأنه قياس مع الفارق ، فهذه أحاديث صحيحة تدل على أنه كان يصلي قبل زوال الشمس فدل على أن الجمعة لا تقاس على الظهر ، لأن الظهر لا تصح إلا إذا زالت الشمس .
قالوا : وقياس الجمعة على العيد أولى ؛ فإن الجمعة عيد الأسبوع ، وقد قال e – في أبي داود - : ( اجتمع في يومكم هذا عيدان ) أي الجمعة والعيد .
والراجح ما اختاره الموفق لما تقدم من الأدلة .
لكن قالوا : الأفضل بعد زوال الشمس خروجاً من الخلاف ، ولمصلحة اجتماع الناس .
ولا شك أن الخروج من الخلاف في هذه المسألة قوي ؛ لأنه أحوط وأفضل ، فإن النبي e كان في غالب أمره ، إما أن يصلي إذا زالت الشمس أو قبيل الزوال ، وإن كانت الأحاديث في كونه يصليها بعد الزوال أكثر من التي فيها أنه صلاها قبيل الزوال ، وكذلك هو أفضل لما فيه من مصلحة اجتماع الناس .
روى الإمام أحمد وابن أبي شيبة عن ابن سِيدان قال : ( شهدت مع أبي بكر خطبته وصلاته فكان ينصرف قبل أن ينتصف النهار ، ثم شهدت عمر ، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار ، ثم شهدت عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار ) .
لكن الأثر ضعيف فإن ابن سِيدان قال فيه البخاري : " لا يتابع على حديثه " وقد استدل به الحنابلة ، ولكن في الأحاديث المتقدمة غُنية عنه .
قال : [ فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهراً وإلا فجمعة ]
إن خرج وقت الجمعة قبل أن يكبروا تكبيرة الإحرام فإنهم يصلون ظهراً ، لأن الوقت لا يدرك بأقل من تكبيرة الإحرام , أما إذا أدركوا تكبيرة الإحرام في الوقت فجمعة .
وتقدم أن الراجح أن الوقت لا يدرك إلا بإدراك ركعة كاملة ، خلافاً للمشهور من المذهب ، لحديث : ( ومن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) وهو وجه في المذهب واختاره شيخنا رحمه الله .
قال : [ الثاني : حضور أربعين من أهل وجوبها ]
هذا الشرط الثاني من شروط صحة الجمعة , وهو أن يحضرها أربعون من أهل وجوبهـا يحضرون الخطبة والصلاة .
وتقدم أن أهل وجوبها هم : كل ذكر حر مكلف مسلم غير مسافر .
وأما المريض فهو من أهل وجوبها كما تقدم , وتقدم أن المملوك والمسافر تنعقد بهما الجمعة على الراجح .
واستدلوا : بما رواه أبو داود في سننه بإسناد حسن : أن كعب بن مالك t كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زُرارة t فسئل عن ذلك فقال : ( لأنه أول من جمَّع بنا في هَزْم - المطمئن من الأرض - النَّبيت - موضع حول المدينة - من حرَّة بني بياضة - الحرة هي المكان الذي تكون فيه الحجارة السوداء - في نقيع - وهو ما ينتقع به ماء المطر ونحوه - يقال له : نقيع الخَضَمات - وهو موضع حول المدينة إلى ميل منها - قلت : كم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون " .
وبما رواه الدارقطني عن جابر t قال : ( مضت السنة في أربعين فما فوق جمعة ) .
هذا دليل الحنابلة والشافعية في هذه المسألة .
- وقال المالكية : إن العدد المشروط هو ما تتقرَّى به القرية أي : في العادة .
- وقال أبو حنيفة : يشترط لها أربعة .
واستدل : بما رواه الدارقطني أن النبي e قال : ( الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة ) .
وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة : إلى أن الجمعة تنعقد بثلاثة
واختار هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالرحمن بن سعدي والشيخ عبدالعزيز بن باز واللجنة الدائمة للإفتاء واختاره أيضاً شيخنا الشيخ محمد رحم الله الجميع .
لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري t أن النبي e قال : ( إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ) .
وهذا هوالقول الراجح .
- وقال الظاهرية وهو مذهب النخعي والطبري صاحب التفسير : يشترط لها اثنان .
- وقيل غير ذلك حتى ذكر الحافظ ابن حجر أن الأقوال فيها تصل إلى خمسة عشر قولاً .
والجواب عما استدل به الحنابلة والشافعية :
أما حديث جابر t فضعيف جداً ؛ لأن فيه عبد العزيز بن عبد الرحمن وهو متروك .
وأما حديث كعب بن مالك t في تجميع أسعد بن زرارة t بهم وكانوا أربعين ، فهو وإن كان حديثاً حسناً ، فإنه قد وقع اتفاقاً ، وليس فيه أنهم لو كانوا أقل من ذلك لم يجمِّع بهم .
وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فكذلك ، فإن الحديث فيه راوى متروك فلا يصح .
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الراجح لأن أقل الجماعة في الصلاة اثنان , ولا بد من جماعة يستمعون لقوله تعالى : ) فاسعوا إلى ذكر الله ( وأقلها اثنان والخطيب هو الثالث .
ولحديث أبي الدرداء t أن النبي e قال : ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم .
ولما ثبت في مسلم عن جابر t أن النبي e : ( كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق مع النبي e إلا اثنا عشر رجلاً ) فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة : ) وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ( ، فقد بقي مع النبي e اثنا عشر رجلاً .
قال الحنابلة ومن ذهب إلى قولهم : لا مانع من أن يكونوا قد رجعوا وقد سمعوا من الخطبة ما يجزئ وأقاموا الصلاة مع النبي e .
والجواب عن هذا أن يقال : إن هذه دعوى تحتاج إلى دليل فقد أخبرنا الله عن انفضاضهم ولم يخبرنا عن رجوعهم .
قال : [ الثالث : أن يكونوا بقرية مستوطنين ]
وتقدم .
قال : [ وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء ]
أي لأهل القرية أن يقيموا الجمعة فيما قارب البنيان من الصحراء كالعيد والاستسقاء فلا يشترط لها البنيان .
ودليله : حديث كعب بن مالك t المتقدم وفيه : ( أنهم أقاموا الجمعة في حرة بني بياضة ) ، وهي على ميل من المدينة .
ولا ينبغي ذلك مع عدم الحاجة فإن ذلك خلاف السنة ، فإن النبي e قد فرَّق بين الجمعة والعيد والاستسقاء ، فكان يصلي العيد والاستسقاء في الصحراء ، ويصلى الجمعة في المدينة .
قال : [ فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً ]
لفقد شرطها وهو العدد ، فلو أحدث رجل أثناء الصلاة فانصرف استأنفوها ظهراً فإن كان الوقت متسعاً أعادوها جمعة .
وظاهره ولو أدركوا ركعة من الصلاة كأن يحدث رجل قبل السلام .
- والقول الثاني وهو اختيار الموفق : أنهم إذا أدركوا منها ركعة أتموها جمعة لقوله e : ( من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة ) رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة t ، وهؤلاء قد أدركوا ركعة من الجمعة ، وهذا القول هو الراجح .
قال : [ ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة ]
فمن أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة فإنه يتمها جمعة ، فيضيف لها ركعة أخرى .
لما ثبت في سنن النسائي من حديث أبي هريرة t - بإسناد صحيح - أن النبي e قال : ( من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته ) .
ولا تدرك الركعة إلا بإدراك ركوعها . لذا قال :
قال : [ وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً ]
فإذا أدرك من الصلاة أقل من ركعة ، كأن يأتي والإمام قد رفع رأسه من الركوع الثاني أو في التشهد فإنه يصليها ظهراً .
لما ثبت عن ابن مسعود t – في مصنف ابن أبي شيبة ومعجم الطبراني في الكبير – أنه قال : ( من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعاً ) والأثر صحيح ، وإجماع أهل العلم عليه . وهو ثابت من فعل الزبير بن العوام t في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف فكان ذلك إجماعاً .
لكن هنا : شرط المؤلف شرطاً :
فقال : [ إذا كان نوى الظهر ]
أي إذا دخل بنية الظهر ، فمثلاً : دخل رجل والإمام قد رفع من الركوع فقد فاتته الجمعة فحينئذٍ يكبر بنية الظهر فيتم الصلاة ظهراً ، فيصلي مع الإمام ما أدرك ثم يقوم فيتم أربعاً .
وهناك شرط آخر ذكره الحنابلة : وهو أن يكون ذلك في وقت الظهر .
وعليه : فلو كان ذلك قبل زوال الشمس فلا يتمها ظهراً بل نفلاً ؛ لأن الواجب في الظهر أن تصلى في وقتها ووقتها بعد زوال الشمس .
فإذا أتى والإمام في التشهد في صلاة الجمعة فعليه أن ينوي إذا دخل معه أنها ظهر، ويشترط كذلك أن يكون في ذلك في الوقت الذي تصح به الظهر أي بعد الزوال وليس في الوقت الذي تصح فيه الجمعة .
فإذا دخل بغير نية الظهر فإنه يستأنفها ظهراً ، فلو كبر مع الإمام بنية الجمعة فتبين أن الإمام قد ركع الركوع الثاني وقد فاتته الركعتان فحينئذٍ يستأنفها ظهراً ، لأنه قد نواها جمعة ، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى والجمعة صلاة مستقلة .
وقال بعض الحنابلة واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله أن له أن ينوي بعد سلام الإمام ولا يستأنف ؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة فإذا انتقل من الجمعة إلى الظهر فقد انتقل من أصل إلى بدل وهذا أظهر ولا يسع الناسَ غيرُه .
( باب )
صلاة الجمعة
قال : [ ويشترط تقدم خطبتين ]
أي ويشترط في صحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين وهذا باتفاق العلماء .
ويدل على ذلك : أن الله تعالى قال : ) فاسعوا إلى ذكر الله ( وهذا أمر من الله يوجب السعي إلى ذكره ، وذكره يوم الجمعة في الخطبة وصلاتها ، وقد بينه النبي e بفعله ، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( كان النبي e يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس ) ، وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة t قال : ( كان النبي e يقرأ في خطبته آيات من القرآن ويذكر الناس ) .
فهذه الأحاديث التي فيها فعله الراتب الذي قد داوم عليه e هو بيان لمجمل قوله تعالى : ) فاسعوا إلى ذكر الله ( فكانت الخطبتان يوم الجمعة قبل صلاتها فرضاً من فروضها ، فلا تصح الجمعة إلا بذلك – كما هو مذهب جماهير العلماء - .
وتكون الخطبتان بعد دخول وقت صلاة الجمعة باتفاق العلماء ، فمن كان يرى رأي الجمهور فليس له أن يخطب قبل الزوال ويصلي بعده لأن الخطبة تبع للصلاة ، وهذا باتفاق العلماء .
قال : [ ومن شرط صحتهما حمدُ الله تعالى ]
الخطبة لها شروط لا تصح إلا بها ، وهذه الشروط في الخطبتين الأولى والثانية .
وقال الحنابلة – في المشهور عندهم - : إن الخطبتين بدل عن ركعتين من صلاة الظهر ، وهذا إن قلنا إن الجمعة ظهر مقصورة ، وهذا خلاف الراجح كما تقدم .
والراجح أن الجمعة تمام وليست بظهر مقصورة ، وقد تقدم قول عمر t : ( والجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي e ) رواه النسائي بإسناد صحيح .
" حمد الله تعالى " : فحمد الله لا تصح الخطبة إلا به على المشهور في المذهب ، هذا هو الشرط الأول .
واستدلوا : بما رواه أبو داود أن النبي e قال : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع ) والحديث الصواب أنه مرسل كما رجح ذلك الدارقطني وغيره .
لكن ذلك ثابت من فعله – e – كما في مسلم من حديث جابر t قال : ( كانت خطبة النبي e يوم الجمعة يحمد الله ويثنى عليه ثم يقول على إِثْر ذلك وقد علا صوته … ) الحديث وفيه : ( أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهُدَى هُدَى محمد ) ويصح : ( خير الهَديْ هَدْيُ محمد وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )
وفي رواية : ( من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ) .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : إن الواجب إنما هو التشهد بأن يقول : " أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله " وهو اختيار ابن القيم رحمه الله .
واستدل بقول النبي e ، الذي رواه الترمذي وأبو داود - وهو حديث حسن - : ( كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ) أي كاليد المقطوعة .
وما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح ، وهو وجوب التشهد فيها فهو أصح للحديث المتقدم ، وليس التشهد بشرط بل هو واجب ، والحمد فيها مستحب لحديث جابر t المتقدم .
قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله : لا دليل على اشتراط الحمد.
قال : [ والصلاة على النبي e ]
- الشرط الثاني : الصلاة على النبي e
قالوا : لأن كل موضع ورد فيه ذكر الله فإنه يشرع فيه الصلاة على النبي e كالأذان .
لكن يرد هذا : بعدم ثبوته عن النبي e فلم يصح لنا أنه كان يصلي على نفسه في خطبته ، وإن كان ذلك مشهوراً عن أصحابه كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله .
لذلك فالقول الثاني وهو مذهب مالك وأبي حنيفة : أن الصلاة عليه لا تجب في الخطبة , وهو اختيار ابن القيم وابن سعدي رحمهم الله .
واختار شيخ الإسلام - في موضع - وجوب ذكره e بالتشهد أي بأن يقول : " وأشهد أن محمداً رسول الله " .
ولا شك أن شهادة أن محمداً رسول الله أولى من الصلاة عليه ، فإن الشهادة لا يصح الإيمان إلا بها , بخلاف الصلاة عليه فإن غاية أمرها الوجوب - كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم - ولعموم الحديث المتقدم : ( كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ) .
قال : [ وقراءة آية ]
- الشرط الثاني : قراءة آية
فقراءة الآية شرط في صحة الخطبة في المشهور في المذهب ، لما تقدم من حديث جابر بن سمرة t أن النبي e : ( كان يقرأ في خطبته آيات من القرآن ويذكر الناس ) رواه مسلم .
لكن هذا الحديث لا يدل على الوجوب لأنه فعل والفعل لا يدل على الوجوب .
والراجح عدم الوجوب وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخ الموفق واختاره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .
وإن كان الأولى في الخطبة والأفضل أن تشتمل على آيات قرآنية لأن الآيات القرآنية تتضمن أعظم المواعظ .
قال : [ والوصية بتقوى الله عز وجل ]
- هذا هو الشرط الرابع : الوصية بتقوى الله U .
والمقصود أن يحثهم على طاعة الله ورسوله وترك معصيتهما خوفاً مـن الله . لذا عبَّر بعضهم : بلفظ : " الموعظة " محل قوله : " الوصية بتقوى الله " فلا يشترط أن يقول : اتقوا الله .
والموعظة هي أعظم شروط الخطبة فهي المقصود الأعظم منها – وقد كان النبي e – كما في صحيح مسلم - : ( يقرأ القرآن ويذكر الناس ) .
وروى الإمام أحمد عن علي أو الزبير بن العوام رضي الله عنهما – والشك في الرواية – قال : ( كان النبي e يخطبنا ويذكرنا بأيام الله حتى نعرف ذلك في وجهه ) .
فكانت خطبته e تذكيراً للناس بالله عز وجل ، وهذا هو الذي يناسب يوم الجمعة ، وهو اليوم الذي خلق فيه آدم وفيه يبعث الناس وفيه الصعقة والنفخة كما صحت بذلك الأحاديث ، ولذا شرع أن يقرأ في صبيحته " بالسجدة " و " هل أتى على الإنسان " ؛ لما فيهما من التذكير العظيم والاعتبار والموعظة .
فإذن : روح الخطبة الموعظة والتذكير ، فكانت خطبته موعظة للناس وتعليماً لهم وتقريراً لقواعد الإسلام وشرائعه .
لذا كان النبي e – في خطبته - : كأنه منذر جيش يقول : ( صبحكم ومساكم ) رواه مسلم .
وهي شرط في الخطبتين كلتيهما ، فكل خطبة يجب أن تشتمل على التذكير بالله وبأوامره وبشرعه وبقواعد الإسلام فإن الخطبة إنما شرعت لذلك .
- وقال الأحناف : الشرط فيها ذكر الله فقط ، فإذا ذكر الله ولو قال : " سبحان الله " ونحو ذلك صحت .
لكن هذا ضعيف ، لأن فعل النبي e يبين مجمل القرآن ويوضحه فإن الله قد أمر بذكره وذكره ما كان عليه النبي e من خطبتين مشتملتين على التذكير والمواعـظ .
فإذن : الخطبة المجزئة هي الخطبة المشتملة على المواعظ في الخطبتين كلتيهما ، ولا يشترط فيهما على الصحيح الصلاة على النبي e ولا قراءة آية من القرآن وإن كان المستحب هو ذلك – أي الصلاة وقراءة القرآن - ولا يشترط فيهما الحمد والثناء وإن كان مستحباً .
ويجب فيهما على الراجح – ولا يشترط شرطاً – أن يشهد لله بالألوهية ولنبيه بالرسالة يقول : " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله " .
قال : [ وحضور العدد المشترط ]
في الخطبة كما تقدم .
ومن شروطها : الموالاة بين أجزائها .
فإذا قطعها بقاطع طويل عرفاً فإنها تبطل ، لأن الخطبة لا تسمى خطبة إلا إذا اتصل بعضها ببعض ، فلو انطفأت الكهرباء وهو يخطب فتوقف زمناً طويلاً ثم عاد يخطب فإنه يستأنفها ويخطب من جديد .
وهل تبطل بالكلام اليسير المحرم ؟
- قال الحنابلة : تبطل .
- وقال بعض الحنابلة : لا تبطل كالأذان ، وقد تقدم أن الأذان لا يبطله الكلام اليسير المحرم على الراجح ، فكذلك الخطبة , والخطبة قد توفرت فيها شروطها وأركانها ، والنهي لا يعود إلى ذاتها ولا إلى شرط فيها فلم يبطلها .
- وكذلك لو اشتملت الخطبة على تقرير بدعة فلا تبطل .
ومن شروطها – في المشهور في المذهب – أن تكون باللغة العربية مع القدرة على ذلك ، أما مع العجز فإنها تصح بغير العربية ، لقوله تعالى : ) فاتقوا الله ما استطعتم ( ولحديـث : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .
وقال بعض الحنابلة : تصح مطلقاً وهذا أرجح ، فتصح إن كان الحاضرون لها لا يفهمون الخطبة إلا بلغتهم ، لأنه لا يحصل المقصود من الخطبة إلا بذلك , والخطبة ليست ذات ألفاظ موقوفة على النصوص لا تجوز ترجمتها .
وعليه قرار المجمع الفقهي وذكروا أن الأحسن أداء مقدمات الخطبة وما تضمنته من آيات قرآنية باللغة العربية لتعويد غير العرب على سماع اللغة العربية والقرآن .
قال : [ ولا يشترط لها الطهارة ]
فلا يشترط للخطبة الطهارة فلو خطب الخطيب جنباً أو محدثاً حدثاً أصغر فإن الخطبة تصح ، وإن كان المستحب له أن يخطب طاهراً ، لأن النبي e لم يكن يفصل بين خطبته وصلاته بطهارة ، وهذا يدل على أن كان يخطب وهو متطهر .
وهذا هو المشهور في المذهب وأحد قولي الشافعي .
والرواية الأخرى عن أحمد وهي أحد قولي الشافعي : أن الخطبة تشترط لها الطهارة .
ولا دليل على ذلك فهي كالأذان ، وإنما الطهارة شرط في الصلاة .
لكن عن الإمام أحمد - وقال الموفق : وهو الأشبه بأصول المذهب - : أن تكون الطهارة من الجنابة شرط في صحتها ، لأن قراءة آية في الخطبة فرض ، ولا تصح من جنب ، وهذا القول بناءً على أن الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن وعلى القول أيضاً بوجوب قراءة آية في الخطبة وتقدم أن الراجح عدم الوجوب .
قال : [ ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة ]
هذا المشهور في المذهب ، وأنه لا يشترط أن يتولى الصلاة من تولى الخطبة ، فلو خطب خطيب وصلى آخر فلا بأس ؛ لأن الواجب هو إقامة الخطبة والصلاة من غير شرط أن يكون ذلك من إمام واحد ، وإن كان المستحب والأولى أن يتولاهما إمام واحد كما كان ذلك في عصر النبي e وفي عصر الخلفاء الراشدين .
قال : [ ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال ]
من السنة " أن يخطب على منبر " إجماعاً ؛ لفعل النبي e وهو مشهور عنه , وفي البخاري عن عمر t قال : سمعت النبي e يخطب يوم الجمعة على المنبر يقول : ( من جاء إلى الجمعة فليغتسل ) .
وفي الصحيحين أن النبي e : ( أرسل إلى امرأة من الأنصار : أن مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليها إذا كلمت الناس ) وفي رواية : ( أنه صُنع من أثل الغابة ) .
" أو موضع عال " : فلا بأس أن يخطب على موضع عال - وإن كان الأولى له أن يخطب على منبر، فإن لم يجد منبراً فإنه يخطب على موضع عال لحصول المقصود به .
ولو خطب على الأرض فلا بأس بالإجماع ، لكن ذلك خلاف السنة .
قال : [ ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم ]
يستحب له إذا ارتقى على المنبر أن يستقبل المأمومين بوجهه ويسلم عليهم ، لما ثبت في سنن ابن ماجه - وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف - عن جابر t : ( أن النبي e كان إذا صعد المنبر سلم ) وله شاهد عند الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف ، فعلى ذلك الحديث حسن .
والمستحب : " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
قال : [ ثم يجلس إلى فراغ الأذان ]
فإذا سلم جلس إلى فراغ الأذان ، لقول ابن عمر رضي الله عنهما - كما في سنن أبي داود - قال : ( كان النبي e يخطب خطبتين ، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يَفْرَغ - قال الراوي : - " أُراه قال : المؤذن " - أي حتى يفرغ المؤذن - ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم - وهي الجلسة بين الخطبتين- ثم يقوم فيخطب ) وفيه العمري المكبر وهو ضعيف ،
وثبت في البخاري من حديث السائب بن يزيد t قال : ( كان النداء يوم الجمعة حين يجلس الإمـام على المنبر ) .
قال : [ ويجلس بين الخطبتين ]
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم في الصحيحين ، وهي جلسة مستحبة .
فإن فصل بسكتة ولم يجلس كأن لا يكون هناك كرسي يجلس عليه فلا بأس .
قال : [ ويخطب قائماً ]
استحباباً لفعله e وتقدم أن النبي e : ( كان يخطب خطبتين وهو قائم ) وهو مستحب لأنه فعل والفعل لا يدل على الوجوب ، وهو فعل الخلفاء الراشدين أيضاً .
وقد روي أن أول من خطب جالساً معاوية t رواه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف ، ولو صح فإنه يحمل على العذر .
قال : [ ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا ]
لما ثبت - في سنن أبي داود بإسنادٍ حسن - عن الحكم بن حَزْن الكُلَفي t قال : وفدت إلى رسول الله e سابع سبعة أو تاسع تسعة ، فدخلنا عليه قلنا : يا رسول الله ، زرناك فادع الله لنا بخير : ( فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر والشَّأنُ إذ ذاك دونٌ فأقمنا بها أياماً فشهدنا فيها الجمعة مع رسول الله e فقام متوكئاً على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه كلماتٍ خفيفاتٍ مباركاتٍ ) .
وأما السيف فلم يصح عن النبي e ، الاتكاء عليه كما قال ذلك ابن القيم ، لأن الاتكاء على القوس لا يراد منه إظهار شيء سوى استعانة الخطيب به ، فالاتكاء ليس المقصود منه إظهار قوة الإسلام أو نحو ذلك وأن الإسلام قام بالسيف – كما قال ذلك الحنابلة – ، فإن ذلك ليس بصحيح إذ لم يصح عن النبي e أنه اتكأ على سيف مطلقاً .
ولأن الإسلام قد قام بالقرآن ، وإنما السيف مُنِّفذ ، وقد كان النبي e يتكأ على عصا كما تقدم ، فالمقصود الاتكاء ، وذلك لتقوية النفس فإنه أربط للجأش .
قال : [ ويقصد تلقاء وجهه ]
فالمستحب للخطيب في خطبته أن يقصد تلقاء وجهه ، فلا يأخذ يميناً وشمالاً أي لا يلتفت أثناء الخطبة إلى ميمنة المسجد أو ميسرته ، وهذا باتفاق العلماء ، وذلك لأن هذا أسمع لكلامه فإنه إذا أخذ تلقاء وجهه استوى أهل المسجد في سماع كلامه ، فهو أعدل بينهم ،
قال الموفق : " وهو فعل النبي e " ، ولم أر ما يدل عليه نصاً ، والمعنى يقتضيه .
لكن في هذا الوقت مع وجود مكبرات الصوت بحيث لا يتأثر صوته اثناء الالتفات وكان ذلك أبلغ في خطبته فلا بأس .
- والمستحب للمأمومين أن يقبلوا بوجوههم على الإمام حتى من كان في ميمنة المسجد أو ميسرته وقد ورد في ذلك حديث وآثار .
أما الحديث فهو - ما رواه ابن ماجه - أن النبي e : ( كان إذا خطب استقبله أصحابه بوجوههم ) لكن الحديث ضعيف مرسل .
وقد قال الترمذي : " ولا يصح عن النبي e في هذا الباب شيء " ، لكن ذلك ثابت عن أصحابه y ، قال البخاري : " واستقبل ابن عمر وأنس الإمام وهو يخطب " ولا يعلم لهما مخالـف .
لذا قال الترمذي : " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي e وغيرهم يستحبون أن يستقبل الناس الإمام بوجوههم " وليس المقصود النظر بالعين ، وإنما المقصود أن يستقبله بوجهه .
قال : [ ويقصر الخطبة ]
هذا هو المستحب ، لما ثبت في مسلم عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله e : ( إن طول صلاة الرجل وقِصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه , فأطيلوا الصلاة واقُصُروا الخطبة ) .
فقصر الخطبة وطول الصلاة علامة فقه الخطيب ، فالمستحب قصر الخطبة وهو فعل النبي e كما في حديث : ( فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات مباركات ) .
فالمستحب للخطيب أن يقصر خطبته ، ويورد على السامعين جوامع الكلم ، والألفاظ المشتملة على المعاني الكبيرة ، ويقصر ذلك لئلا يضجرهم ويوقع الملل في نفوسهم ولئلا ينسي الكلام بعضه بعضاً ، والعلم إنما يلقى شيئاً فشيئاً كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ) كونوا ربانيين ( ، قال : " الذين يعلمون صغار المسائل قبل كبارها " فالخطباء الربانيون هم الذين يعلمون الناس الشيء اليسير حتى يتدرجوا معهم إلى الشيء الكبير فيعلمونهم قواعد الإسلام وأصوله , لكن إذا احتاج إلى الإطالة لأمر عارض فإنه يطيل لأن الحاجة داعية إلى ذلك .
قال : [ ويدعو للمسلمين ]
فيستحب له أن يدعو للمسلمين ، قال في الإنصاف : " بلا نزاع " .
واستدلوا : بمثل استسقاء النبي e في الخطبة وهذا يدل على جواز الدعاء فيها ، ولعموم الأدلة الدالة على مشروعية الدعاء واستحبابه .
ولما ثبت في مسلم عن عمار بن رؤيبة : أنه رأى بشر بن مروان وهو يخطب رافعاً يديه فقال : ( قبَّح الله هاتين اليدين ما رأيت النبي e يزيد على أن يشير بأصبعه ) وأشار بأصبعه السباحة " وفي رواية لأحمد : ( يدعو على المنبر ) ، وهذا هو الشاهد .
ومثل ذلك المأموم فإنه يشير بأصبعه عند دعاء الإمام .
ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة وهو مذهب الجمهور , وقال شيخ الإسلام : " ويكره للخطيب أن يرفع يديه عند الدعاء في الخطبة والمشروع له أن يشير بإصبعه السبابة " , قال المجد : هو بدعة .
واختار ابن عقيل : جواز الرفع لعمومات الأدلة .
والراجح مذهب الجمهور لحديث عمار t .
فإن استسقى الإمام في الخطبة فإنه يرفع يديه ويرفع المأمومين أيديهم .
فإن دعا لولي أمر المسلمين : فاستحسن ذلك الإمام أحمد وعدد من أهل العلم ، ولا شك أن صلاح الإمام صلاح للمسلمين عامة ؛ فهو أولى بتخصيص الدعاء من عامة المسلمين ، لما في إجابة الدعوة من الله فيه من المصلحة له ولغيره من المسلمين ممن هم رعية له وتحت ولايته .
قال في المغني : وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن .
فصــل
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ الجمعة ركعتان ]
وهذا بإجماع العلماء ، وقد تقدم من الأحاديث ما يدل على ذلك كقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( فرض الله على لسان نبيه e الجمعة ركعتين ) رواه مسلم .
وفي النسائي قال عمر t : ( والجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي e ) .
قال : [ يسن أن يقرأ جهراً في الأولى بالجمعة ، وفي الثانية بالمنافقين ]
كما ثبت في مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( كان النبي e يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ) ألم تنزيل ( السجدة ، و ) هل أتى على الإنسان حين من الدهر ( ، ويقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة وبالمنافقين ) .
ويستحب أن يقرأ في الجمعة أيضاً بسبح والغاشية ، لما ثبت في مسلم من حديث النعمان بن بشير t قال : ( كان النبي e يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ) سبح اسم ربك الأعلى (، وبـ ) هل أتاك حديث الغاشية ( ) .
ومناسبة هذه السور ليوم الجمعة لا تخفى من ذكر المعاد في هذا اليوم الذي فيه خلق آدم وفيه الصاعقة وفيه البعث .
ويسن أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بسورة السجدة والإنسان كما تقدم من حديث ابن عباس t .
وهل تستحب المداومة على قراءة سورة السجدة والإنسان فجر الجمعة ؟
المشهور في المذهب : كراهية ذلك ؛ لئلا يظن وجوبها ؛ ولئلا يعتقد فضيلة السجدة وأنها إنما شرعت للسجدة فيها ، ولذا نص شيخ الإسلام على كراهية تحري آيات أو سور فيها سجدة وقراءتها في صلاة الفجر يوم الجمعة .
والقول الثاني في المذهب وهو الراجح : أن المستحب له أن يداوم على ذلك ، وقد ورد في الطبراني في الصغير عن ابن مسعود t : ( أن النبي e كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ) الم * تنزيل ( السجدة ، ) وهل أتى على الإنسان ( يديم ذلك ) .
قال : [ وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة ]
باتفاق المذاهب الأربعة ؛ لأنه لم ينقل عن النبي e وخلفائه أنهم جمَّعوا أكثر من جمعة , وكذلك صلاة العيد , وكان مسجد قباء ومسجد بني سلمة وغيرهما تقام فيها الجماعة , وأما الجمعة فلم تكن تقام في غير مسجده e , وكانت المدينة بريداً في بريد , وكل أمر ليس عليه أمره e فهو رد .
قال الحنابلة فإذا كان هناك حاجة إلى إقامة جمعة أخرى فلا بأس بذلك ، لأن الشريعة قد أتت برفع الحرج وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
قال : [ فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها فإن استويا في إذن الإمام أو عدمه فالثانية باطلة وإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا ]
فتبطل الجمعة في المسجد الذي لم يباشر الصلاة فيه الإمام أو لم يأذن الإمام في الصلاة فيه , وتصح في المسجد الآخر .
" فإن استويا في إذن أو عدمه " : فالثانية باطلة "
وإن وقعتا معاً في وقت واحد أو جهل الحال بطلتا " : لأنه لا ميزة لإحداهما على الأخرى .
والسبق في المشهور في المذهب يكون بتكبيرة الإحرام لا بالشروع بالخطبة .
وقال بعض الحنابلة : بل السبق بالشروع بالخطبة .
قلت وهذا أظهر لأن الجمعة تشمل الخطبة والصلاة .
- وعن الإمام أحمد ، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح وهو اختيار الشوكاني كما في السيل الجرار ، أن الجمعة الأخرى تصح مطلقاً .
قالوا : لأن فعل النبي e إنما يدل على المشروعية ، ولا يدل على أن الجمعة لا تصح في أكثر من مسجد مع عدم الحاجة .
وهذا القول فيه نظر لما تقدم من قول النبي e : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) متفق عليه .
وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله : إن هذا متعلق بولاة الأمر , فعلى ولاة الأمر أن يقتصروا على ما تحصل به الكفاية , وإن أخلوا بذلك فالتبعة عليهم ، وأما المصلون فإن صلاتهم صحيحة في أي جمعة كانت لأنهم فعلوا ما يقدرون عليه .
وهو الراجح .
قال : [ وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان ، وأكثرها ست ]
هذه السنة بعد صلاة الجمعة :
" أقلها ركعتان وأكثرها ست " : وهو ما نص عليه الإمام أحمد فقال : " إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ستـاً " .
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " حفظت من النبي e ... إلى أن قال : ( وركعتين بعد الجمعة في بيته ) .
وفي مسلم عن أبي هريرة t أن النبي e قال : ( من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً ) .
وأما صلاة ست ركعات ففيها آثار عن الصحابة رضي الله عنهم فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر رضي الله عنهما : ( كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً ، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصلِ في المسجد فقيل له فقال : ( كان رسول الله e يفعل ذلك ، وكان يخبر أن النبي e كان يفعله ) .
وهو ثابت عن علي بن أبي طالب t ، فقد ثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : ( كان عبد الله - يعني ابن مسعود - يأمرنا أن نصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً ثم جاءنا علي فأمرنا أن نصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً ) .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : إن صلى في بيته صلى ركعتين ، وإن صلى في المسجد صلى أربعاً ، وفيه قوة وبه أفتت اللجنة الدائمة ، وذلك لأن حديث أبي هريرة t المتقدم : ( من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً ) مطلق ، وأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما ففيه : ( أنه كان يصلي في بيته ركعتين ) ولا شك أن صلاة السر أفضل من صلاة الجهر ، فضوعفت على صلاة الجهر ، فكانت في المسجد أربعاً ، وأما الصلاة في البيت فكانت ركعتين ، هذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم .
وإن صلى ست ركعات للآثار المتقدمة فحسن .
وأما السنة القبلية : فقد تقدم عن ابن مسعود t أنه كان يأمر الناس أن يصلوا قبلها أربعاً .
وروى ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنه كان يصلي قبلها اثنتي عشر ركعة ) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أنه كان يصلي قبلها ثماني ركعات ) ، وثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي مالك القرظي قال : ( أدركت عمر وعثمان - وهو العصر الذي كان الصحابة فيه في المدينة متوافرون من المهاجرين والأنصار - فكان الإمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة وإذا تكلم تركنا الكلام ) وفيه أنهم كانوا يصلون حتى يخرج الإمام .
فالسلف لهم في الصلاة قبل الجمعة طريقتان :
الأولى : أن بعضهم يصلي ما كتب له ، أربعاً أو ستاً أو غيرها ثم يجلس يقرأ القرآن ويذكر الله حتى يخرج الإمام .
الثاني : أن منهم من كان يصلي حتى يخرج الإمام كما في أثر أبي مالك القرظي ، وفي مسلم : ( ثم صلى ما كتب له
) .
والمشهور في المذهب أنه ليس لها سنة قبلية فيصلي ما شاء وهو اختيارشيخ الإسلام .
وقال بعض الحنابلة : إنها تقاس على صلاة الظهر فيستحب أن يصلي قبلها ركعتين .
وهذا القياس قياس مع الفارق لثبوت الفوارق الكثيرة المتقدمة بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر .
وأما ما رواه ابن ماجه من حديث جابر t أن النبي e قال لسليك الغطفاني t : ( أصليت ركعتين قبل أن تجيء ) فقد أخطأ فيه بعض الرواة كما قرر هذا شيخ الإسلام والحافظ أبو الحجاج المزي ، والصواب : ( أصليت ركعتين قبل أن تجلس ) وهما تحية المسجد .
فالراجح المذهب كما تقدم ؛ وأنه يصلي قبل الجمعة ما كتب له .
مسألة :
إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد سقطت الجمعة على من حضر صلاة العيد مع الإمام وعليه أن يصلي ظهراً .
ويستثنى من ذلك الإمام فتجب عليه الجمعة ، فإن اجتمع معه العدد المعتبر أقامها وإلا صلى ظهراً .
فقد روى الخمسة إلا الترمذي عن زيد بن أرقم t قال : ( إن النبي e صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال : من شاء أن يصلي فليصل ) ، لكن في الإسناد إياس بن أبي رَمْلة ، قال فيه ابن خزيمة : " لا أعلم فيه جرحاً ولا تعديلاً "
لكن يشهد له ما رواه أبو داود عن أبي هريرة t أن النبي e قال : ( قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مُجَمِّعون ) .
ويشهد له ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال : ( صلى بنا عبد الله بن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رُحْنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا ، فصلينا وُحدانا ، وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا له ذلك له فقال : أصاب السنة ) .
وفي النسائي بإسناد صحيح : أن ذلك بلغ عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقال : ( رأيت عمر بن الخطاب لما اجتمع عيدان صنع مثل ما صنعت ) فهذه الأدلة تدل على ما تقدم وهو من مفردات الحنابلة والسنة حجة لهم .
والمعنى يقتضي ذلك ، فإن يوم العيد يوم سرور وفرح فلم يناسب أن تجتمع فيه موعظتان أو خطبتان .
قال الحنابلة كما تقدم : يستثنى من ذلك الإمام فيجب عليه أن يصلي الجمعة ، فإن جاء معه العدد المعتبر صلى الجمعة وإلا صلى ظهراً .
وذهب بعض الحنابلة كالمجد ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد : إلى أن الإمام لا تجب عليه كذلك .
ودليله : أثر ابن الزبير المتقدم فإنه لم يخرج إليهم وصلوا وحدانا وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ( أصاب السنة ) ، وقال ابن الزبير رضي الله عنهما : ( رأيت عمر بن الخطاب لما اجتمع عيدان صنع مثل ما صنعت ) فظاهره أن عمر t لم يخرج إلى الناس فيقيم فيهم الجمعة .
وهذا هو الراجح لكن الأحوط ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم .
واختار الشوكاني سقوط الظهر أيضاً ، لكن هذا ضعيف ولا دليل على إسقاطها , ولذا قال عطاء : " فصلينا وحدانا "
وكذلك تسقط صلاة العيد إذا عزموا على أداء الجمعة قبل الزوال أو بعده وهذا أولى من سقوط الجمعة بالعيد وهو المشهور في المذهب لأن الجمعة آكد في الفريضة من صلاة العيد .
قال : [ ويسن أن يغتسل لها وتقدم ]
أي : يسن له أن يغتسل يوم الجمعة قبل رواحه إليها ، وقد تقدم البحث في هذا في باب الغسل وبيان فضيلته وأنه سنة كما هو مذهب جمهور العلماء وأنه إذا كانت هناك روائح كريهة يُتأذى منها فهو واجب كما هو اختيار شيخ الإسلام .
ووقت الغسل من طلوع الفجر - على المشهور في المذهب - لأن يوم الجمعة يبدأ بطلوع الفجر .
قال : [ ويتنظف ويتطيب ]
أي يستحب له أن يتنظف ويتطيب ، فقد ثبت في البخاري ومسلم عن سلمان الفارسي t قال : قال رسول الله e : ( لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر - أي يتنظف إبطاه ويقلم أظفاره ويحلق عانته ويقص شاربه - ويَدَّهن من دُهنه - أي - يذهب شعث رأسه بالدهن - أو يمس من طيب بيته - وفي مسلم من حديث أبي سعيد t : ولو من طيب المرأة امرأته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ) .
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد t : أن النبي e قال : ( الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيباً إن وَجد ) ومعنى واجب هنا عند أكثر العلماء : أي متأكد كما تقول : حقك عليَّ واجب .
وطيب المرأة ما خفي لونه وظهرت رائحته .
ويستحب تطييب المسجد يوم الجمعة ، فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن نُعَيم المُجْمِر قال : ( كان عمر يُجمِّر المسجد يوم الجمعة إذا انتصف النهار ) .
قال : [ ويلبس أحسن ثيابه ]
كما في سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفيه : ( ولبس من صالح ثيابه ) .
وفي سنن أبي داود : أن النبي e قال : ( ما على أحدكم إن وجد ، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته ) أي سوى الثياب التي يمتهن بها ويعمل بها .
وفي الصحيحين : أن عمر t رأى حُلة سِيَراء – أي من حرير – عند باب المسجد فقال للنبي e : لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدم عليك فقال النبي e : ( إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة ) والشاهد أن النبي e أقر عمر t على التزين يوم الجمعة .
قال : [ ويبكِّر إليها ماشياً ]
فيستحب له أن يبكِّر فيذهب إليها مبكراً ، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي e قال : ( من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة ، ثم راح - في موطأ مالك : " في الساعة الأولى " - فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ) ، وفي مسلم من حديث أبي هريرة t قال : ( إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤا يستمعون الذكر ، ومَثَل المهجِّر كمثل الذي يهدي البدنة ثم كالذي يهدي بقرة ثم كالذي يهدي الكبش ثم كالذي يهدي الدجاجة ، ثم كالذي يهدي البيضة ) .
وهذا هو المحفوظ من أن الساعات خمس ، وفي النسائي أن الساعات ست وفيه : ( وفي الرابعة بطة وفي الخامسة دجاجة وفي السادسة بيضة ) والمحفوظ الأول .
وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أوس بن أوس الثقفي t أن النبي e قال : ( ومن غسَّل يوم الجمعة - وفي أبي داود : من غسل رأسه - واغتسل - أي غسل بقية بدنه - ، ثم بكر وابتكر - الابتكار هو إدراك الشيء في أوله ، أي أدرك الجمعة في أولها ولم يفته من الخطبة شيء – ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغُ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) والحديث إسناده صحيح وحسنه الترمذي في سننه .
وقوله " بكر وابتكر " أي بكر في الذهاب ، وابتكر في الوصول .
وقد اختلف أهل العلم في وقت التهجير أو الرواح إليها على قولين :
1- فقال الإمام مالك رحمه الله : وقت التبكير من زوال الشمس ، وقد تقدم أن مذهب مالك أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس إلى أن يجلس الإمام ، فتكون الساعات ساعات لطيفة جداً هي شبيهة باللحظات تكون خلال هذا الوقت البسيط ، فيكون الوقت من زوال الشمس إلى جلوس الخطيب .
واستدل : بلفظة ( راح وهجر ) فقال : الرواح يكون إذا زالت الشمس كما أن الغدو يكون قبل زوالها . قال : والتهجير هو الذهاب إذا انتصف النهار واشتد الحر ، وقد قال e : ( ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة ) .
2- وقال جمهور العلماء : بل يكون ذلك من أول النهار وهو طلوع الفجر الصادق ، فالساعة الأولى هي التي يكون فيها أذان الفجر وما بين الأذان والإقامة وصلاة الفجر وما يكفيه للتهيؤ والرواح فهذه الساعة الأولى وبعدها الساعات الباقية .
واستدلوا : بالحديث المتقدم ، فإنه قال : ( ومن راح في الساعة الأولى ) وحديث النبي e يفسر بعضه بعضاً ، فقد ثبت في سنن النسائي وأبي داود من حديث جابر t بإسناد صحيح قال : ( يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة ) الحديث وسيأتي تمامه .
وهكذا سائر الأيام وهو التوقيت الثابت الذي لا يختلف صيفاً ولا شتاءً ، فقبل زوال الشمس ست ساعات وبعد زوالها ست ساعات يختلف طولاً وقصراً صيفاً وشتاءً .
فمثلاً إذا أذن الفجر في الساعة الخامسة ، وكان زوال الشمس في الساعة الثانية عشرة فهذه سبع ساعات ، فتكون كل ساعة تساوي ساعة وعشر دقائق وهكذا .
واستدلوا : بالحديث المتقدم ، وهو حديث ظاهر على ما ذكروه .
وأما الجواب على القول الأول وأن الساعات ما بين زوال الشمس وجلوس الإمام : فإنه يبعد أن يعلق الشرع فيه هذا التفضيل الكثير ما بين البدنة والبيضة في وقت لا يتجاوز أربع دقائق أو خمس دقائق .
ولأن الرواح في لغة الحجاز هو الذهاب مطلقاً سواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده ، كما ذكر ذلك الأزهري في تهذيبه وذكر على ذلك شواهد .
قالوا : وإنما يراد به الذهاب بعد زوال الشمس إذا قوبل بالغدو ، فإذا قيل : غدا أو راح ، فيراد بالرواح ما بعد زوال الشمس ، أما إذا أطلق فيقال : راح في أول النهار وراح في آخره فالمراد به الذهاب مطلقاً ، وهنا الحديث قد أطلق .
وأما التهجير فالمراد به في لغة الحجاز : التبكير في أول الوقت ، فالتبكير لأول الوقت يسمى تهجيراً .
قال الخليل بن أحمد : " التهجير هو التبكير إلى الشيء في أول وقته " ، فالتهجير هو إدراك الشيء في أوله في لغة الحجاز ومن حولها من قيس ، فالتهجير ليس مختصاً بوقت الهاجرة أي عند اشتداد الحر وهو منتصف النهار ، بل يطلق على التبكير إلى الشيء تهجيراً .
إذن الراجح : ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الرواح يكون من أول النهار .
- وتقدم أنه عندهم : يكون من طلوع الفجر الصادق .
- وقال بعض العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة : يكون من طلوع الشمس ، وهذا القول فيه قوة ، وذلك لاستبعاد الرواح عادةً قبل طلوع الشمس ، فإن الساعة الأولى تذهب للاستعداد لصلاة الفجر والذهاب إليها وأدائها .
وقد أنكر الأئمة على الإمام مالك رحمه الله قوله بعدم مشروعية الرواح إليها إلا بعد الزوال ؛ فإنه يرى كما تقدم أن الرواح إليها لا يشرع قبل زوال الشمس ، فأنكر عليه الأئمة كأحمد وغيره ، بل قد أنكر عليه بعض أصحابه كابن حبيب المالكي ، والسنة حجة عليه كما تقدم .
قال : [ ويدنو من الإمام ]
تقدم هذا في الحديث الذي عند أبي داود : من غسَّل يوم الجمعة واغتسل ، ثم بكر وابتكر , ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغُ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) وفي ذلك مصلحة سماع الخطبة وتمام الإنصات .
وليعلم أن فضيلة القرب من الإمام ثابتة للصلوات مطلقاً وليست خاصة بالجمعة ، كما قال e : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ) .
قال : [ ويقرأ سورة الكهف في يومها ]
يستحب أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة ،
والأثر الوارد فيه : ما ثبت في سنن سعيد بن منصور بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري t موقوفاً قال : ( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق ) ، وهذا الأثر ليس للعقل فيه مجال فيكون له حكم الرفع ، فهو مرفوع حكماً .
وقد روي مرفوعاً إلى النبي e عن أبي سعيد الخدري t نحوه وفيه : نُعيم بن حماد وله مناكير ، رواه الحاكم في مستدركه ورواه ابن مردويه في تفسيره - كما في الترغيب والترهيب - لكن في سنده سعيد بن أبي مريم وهو مجهول الحال ، قال ابن القيم : " وهو الأشبه " ا.هـ .
وتقرأ في اليوم كله من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، فليس ذلك مختصاً قبل الصلاة بل هو مطلق في اليوم كله لإطلاق ذلك في الأثر الوارد في الباب .
قال : [ ويكثر الدعاء ]
ليصيب ساعة الإجابة ؛ فقد قال النبي e – كما في الصحيحين – وقد ذكر يوم الجمعة قال : ( فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه ، وأشار بيده يقللها ) أي يقلل زمنها ، ويدل على أن المراد تقليل زمنها وأنه زمن يسير ، قوله في رواية مسلم : ( وهي ساعة خفيفة ) فهي ساعة خفيفة تكون في يوم الجمعة من دعا الله فيها بشيء من أمر الدنيا أو الآخرة أعطاه الله عز وجل إياه .
ويحتمل أن يكون مراده : " يقللها " أي إنه عمل يسير ينال به العبد الثواب والأجر الكبير ، والتفسير الأول أولى ، لما تقدم ولأن الضمير في " يقللها " يعود إلى الساعة نفسها ولو كان المراد به ما تقدم ، لقال : " يقلله " أي يقلل هذا العمل ، وإن كان يحتمل أن يكون الضمير يعود إلى الدعوة ، أي يقلل هذه الدعوة التي ينال بها هذا الثواب والأجر , والاحتمال الأول أولى – كما تقدم – .
واختلف أهل العلم اختلافاً كثيراً في وقت هذه الساعة حتى ذكر الحافظ ابن حجر أن فيها أكثر من أربعين قولاً ، وإن كان بعض هذه الأقوال يدخل في بعض .
وأصح هذه الأقوال قولان كما قال ابن القيم :
القول الأول : أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ، فيكون الدعاء أثناء الخطبة وبين الخطبتين من ساعة الإجابة ، والدعاء أثناء الصلاة وأثناء الأذان وبعده كذلك من ساعة الإجابة ، فهي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة .
واستدلوا بحديث مرفوع أخرجه مسلم في صحيحه رواه مخرمة عن أبيه بُكيرعن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري أن النبي e قال : في ساعة الإجابة يوم الجمعة : ( هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة ) ، لكن هذا الحديث وإن كان ثابتاً في مسلم فهو مما انتقد عليه – رحمه الله – فقد انتقده الدار قطني وضعف هذا الحديث ، وبيَّن أنه من قول أبي بردة التابعي ، فيكون مقطوعاً ، وليس بمرفوع ولا موقوف .
وبُكير مدني ثقة ، وأبو بردة كوفي ، ورواه الثقات الكوفيون عن أبي بردة مقطوعاً من قول أبي بردة كمعاوية بن قرة وواصل الأحدب ، وأبي إسحاق السبيعي فهؤلاء ثقات يحصل بمجموعهم ترجيح روايتهم على رواية بكير وهم كوفيون فهم أعلم بحديث الكوفيين من بكير وهو من أهل الحجاز .
فعلى ذلك : ما ذكره الدار قطني من تضعيف رفعه إلى النبي e وأن الصواب أنه مقطوع على أبي بردة هو الراجح .
القول الثاني : أنها آخر ساعة من يوم الجمعة بعد العصر .
واستدلوا بأدلة منها :
ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن جابر t أن النبي e قال : ( يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة لا يوجد فيهاعبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر ) .
وثبت في سنن ابن ماجه بإسناد صحيح : أن عبد الله بن سلام t وكان من علماء أهل الكتاب وأسلم t قال : ( إنا لنجد في كتاب الله – يعني التوراة – في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى له حاجته ) ، فقال النبي e : ( أو بعض ساعة ) فقال : صدقت أو بعض ساعة ، ثم سأل النبي قال : أي ساعة هي ؟ فقال النبي e : ( هي آخر ساعة من ساعات النهار ) قال قلت : إنها ليست ساعة صلاة ، فقال النبي e : ( بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة ) . فإن كان في المسجد ينتظر الصلاة فهذا أولى وإلا ففضل الله واسع .
وهو مذهب جمهور الصحابة ، فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن : ( أن أصحاب النبي e اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة فما افترقوا إلا وقد اجتمعوا على أنها آخر ساعة بعد العصر ) فهذا هو مذهب جمهور الصحابة ، وهو نص الإمام أحمد ومذهب جمهور التابعين .
إذن : هي ساعة خفيفة تكون بعد العصر من يوم الجمعة وهذا في آخر النهار واختار هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله .
وينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين .
قال : [ والصلاة على النبي e ]
أي يستحب له في يوم الجمعة وليلته أن يصلي على النبي e ، فقد ثبت في البيهقي بإسناد حسن أن النبي e قال : ( أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلته ) .
قال : [ ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو إلى فرجة ]
أي ينهى الذاهب إلى الجمعة أن يتخطى رقاب الناس ، لما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح من حديث عبدالله بن بسر t : أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي e يخطب فجعل يتخطى رقاب الناس فقال النبي e : ( اجلس فقد آذيت وآنيت ) ورواه أبو داود والنسائي وهذا لفظ أحمد ونحوه في ابن ماجه من حديث جابر t .
وروى الترمذي بإسناد ضعيف فيه رشدين بن سعد وهو ضعيف – أن النبي e قال : ( من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتُّخِذَ جسراً إلى جهنم ) لكن الحديث إسناده ضعيف .
- والمشهور عند الحنابلة , وهو مذهب الجمهور أن التخطي مكروه .
- وذهب ابن المنذر وهو اختيار شيخ الإسلام وطائفة من الحنابلة : إلى أن التخطي محرم . واستدلوا بالحديث المتقدم فإن فيه الأمر في قوله : ( اجلس ) وظاهر الأمر الوجوب ، ولقوله : " فقد آذيت " وأذية المسلم محرمة ، فيستدل بهذا الحديث على تحريم التخطي من وجهين :
1- الأمر بالجلوس . 2- ووصفه بالأذية في قوله " فقد آذيت " .
وقد قال e كما في سنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة بإسناد حسن : ( ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً ) أي : لم يصب ثواب الجمعة وإن صحت صلاته ، فيثاب ثواب الظهر لا الجمعة .
واستثنى المؤلف فقال : " إلا أن يكون إماماً " : فالإمام يجوز له ذلك إذا لم يكن له طريق يسلكه فاحتاج إلى تخطي رقاب الناس .
" أو إلى فرجة " : أي يجوز ذلك للقادم إلى المسجد إن رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي فيباح له التخطي , لأنهم اسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم .
وعن الإمام أحمد : أنه يكره التخطي مطلقاً , وحمل الموفَّق هذه الرواية على التخطي إلى غير سعة بأن يتخطى إلى فرجة لا تسعه ويضيق على أهل الصف , وهو الراجح .
وعلى ذلك : فإذا كانت هناك فرجة تسعه فله أن يتخطى وإلا فليس له أن يتخطى .
وظاهر ما تقدم ولو كان يتخطى الواحد والاثنين لأن الأذى يحرم قليله وكثيره .
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله : أن النهي مطلق في الجمعة وغيرها , لأنه من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى.
قال : [ وحرم أن يقيم غيره ويجلس مكانه ]
وذلك لما ثبت في الصحيحين في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا ) ؛ وذلك لأنه بسبقه إليه كان أحق به ، ولو كان ولده البالغ فليس له أن يقيمه , لأنه ليس بمال وإنما هو حق ديني فاستوى فيه الوالد وولده والسيد وعبده .
قال : [ إلا من قدم صاحباً له أو غلاماً له في موضع يحفظه له ]
لأنه قام باختياره .
ويكره , لأنه إيثار بالقَُرَب ، والإيثار بالقُرَب مكروه .
واحتمل الموفق : أنه لا كراهية في ذلك ؛ لأنه من باب تقديم الفاضل ، وتقديم الفاضل وإيثاره بالقُرب من الإمام لا بأس به لقوله e : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ) واختاره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله .
وهو ظاهر إن كان القادم هو الفاضل وأما إن كان مساوياً له أو هو أفضل من القادم فيكره .
ويدل على ذلك : أن عائشة رضي الله عنها آثرت عمر بن الخطاب t في موضعها من بيتها ، وقد وضعت لنفسها موضعاً تقبر فيه ، فاستأذنها عمر t أن يقبر عند صاحبيه فأذنت له وآثرته في هذه القربة رضي الله عنهما ، فهذا من باب الإيثار لمن كان أحق بالشيء وأولى به .
قالوا : وأهل الفضل أولى بالدنو من الإمام والقرب منه فكان الإيثار لهم جائزاً , وهذا أصح .
قال : [ وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة ]
فمن وضع فراشاً أو نحوه فلا يجوز رفعه إلا أن تحضر الصلاة ، فإذا حضرت الصلاة فيجوز أن يرفع هذا المصلى . قالوا : لأنه قد سبق بوضع هذا الفراش أو غيره إلى هذا الموضع ، ولما يترتب على رفعه من الخصومة والعداوة والبغضاء .
والوجه الثاني : أن له رفعه ، لأن تركه ذريعة إلى تخطي الرقاب فيتأخر صاحبه ثم يتخطى رقاب الناس .
قالوا : ولأن السبق إنما هو بالأبدان لا بالفرش ، فهذا الموضع من سبق إليه فهو أحق به ، والسبق المشروع إنما يكون بالبدن ، وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام .
وقرر شيخ الإسلام وهو الصواب أنه لا يجوز فعل ذلك , وأنه من مخالفة الشريعة , وأن ذلك غصب لبقعة من المسجد , وهو كما قال رحمه الله , واختاره أيضاً الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله , فليس لأحد أن يحتجز في المساجد ويضع العصا ونحوه ويتأخر في بيته ولا يدرك بذلك شيئاً من الفضيلة .
واستثنى شيخنا من كان في المسجد فله أن يضع مصلى ونحوه ليدل على الحجز لأنه مازال في المسجد ، وهو ظاهر لأنه سبق ببدنه إلى المسجد .
قال : [ ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه قريباً فهو أحق به ]
كأن يقوم لقضاء حاجة ونحو ذلك ، فإذا رجع فهو أحق بهذا الموضع فله أن يقيم غيره منه لأنه أحق به .
لكن الأولى دفعاً للخصومة أن يضع شيئاً إذا قام .
ودليل ذلك : ما ثبت في مسلم أن النبي e قال : ( من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ) .
وقال كما في الترمذي وصححه وهو كما قال : ( الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه ) والمراد بالحاجة الحاجة القريبة كوضوء ونحوه .
ويُرجع في تحديد القرب إلى العرف لأنه لم يحد في الشرع .
فإن عاد متأخراً مدةً طويلة عرفاً فليس أحق به .
وقال بعض الحنابلة واختاره شيخنا : أنه أحق به ولو تأخر إذا كان العذر باقياً ، وفيه قوة لأنه سبق ببدنه إليه ووضع شيئاً وكان يريد أن يعود قريباً فتأخر لعذر .
قال : [ ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما ]
وهي تحية المسجد ، لما ثبت في الصحيحين عن جابرt قال : دخل رجل يوم الجمعة والنبي e يخطب الناس فقال : ( أصليت ركعتين ؟ قال : لا ، قال : قم فصل ركعتين ) ،
وثبت في مسلم عن جابر t أن النبي e قال : ( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ) أي ليخففهما .
ولا تجوز الزيادة عليهما .
وإذا أتى والمؤذن يؤذن فالأولى أن يصلي وهو يؤذن لأن استماع الخطبة أولى من استماع الأذان وإجابته .
قال : [ ولا يجوز الكلام والإمام يخطب ]
لا يجوز لأحد من الناس أن يتكلم والإمام يخطب ، لقوله e في الصحيحين : ( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت والإمام يخطب فقد لغوتَ ) .
وقال e من حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما في مسند أحمد بإسناد فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف : ( من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً ، والذي يقول له : أنصت ليس له جمعة ) لكنه ثابت بهذا اللفظ عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً عليه رواه حماد بن سلمة بإسناد قوي – كما قال ذلك الحافظ في الفتح .
وأما كونه ليست له جمعة فقد دلت عليه الأحاديث عن النبي e فقد قال e كما في المسند وسنن أبي داود من حديث علي t وهو شاهد له : ( ومن لغا فليس له في جمعته تلك شيء ) .
وقال في حديث آخر رواه أبو داود وابن خزيمة : ( ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً ) .
إذن : يجب الإنصات للخطيب يوم الجمعة ، والإنصات هو ترك الكلام ، بخلاف الاستماع فإنه هو الإصغاء إليه .
فالإصغاء إليه مستحب مشروع ، وأما الإنصات وهو ترك الكلام فهو واجب إجماعاً .
وأما الاستماع فهو مستحب لما ثبت في سنن أبي داود من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي e قال : ( يحضر الجمعة ثلاثة نفر ؛ رجل حضرها يلغو وهو حظه منها ، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه ، وإن شاء منعه ، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام ، وذلك أن الله U يقول : ) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ( ) .
والشاهد قوله : ( ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ) فدل على أن من لم يستمع إلى الخطبة واشتغل بدعاء أو صلاة أو نحو ذلك ولم يؤذ أحداً برفع صوته فإن الجمعة تصح منه لكنه تارك للمستحب .
وأما الكلام فهو مضاد للإنصات قال تعالى : ) وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ( " استمعوا " : أي أصغوا إليه بآذانكم , " وأنصتوا " : أي اسكتوا ولا تتكلموا .
وليس له أن يُسَكِّت من تكلم بكلام يتلفظ به بل يسكته بإشارة في أصبعه .
قال : [ إلا له أو لمن يكلمه ]
أي يجوز ذلك في حق الإمام لمصلحة تقتضي ذلك لقول النبي e لسُليك الغطفاني t وقد دخل يوم الجمعة وهو يخطب قال : ( أصليت ركعتين ؟ قال : لا ، قال : قم فصل ركعتين ) .
ومثل ذلك : الكلام مع الخطيب لمصلحة ، فإنه لا ينافي الإنصات ، لما ثبت في الصحيحين عن أنس t : ( أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي e قائم يخطب فاستقبل رسول الله e قائماً قال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السُبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي e يديه ثم قال : ( اللهم أغثنا ثلاثاً ) .
والمذهب : أن الكلام يباح إذا شرع الخطيب في الدعاء .
واختار ابن سعدي وهو الصواب المنع لأن الخطبة اسم لمجموع ذلك كله .
وله أن يصلي على النبي e إذا ذكر ، ويستحب سراً .
ويجوز تأمين مستمع الخطبة على الدعاء ، وحمده خُفيةً إذا عطس .
قال : [ ويجوز قبل الخطبة وبعدها ]
فقبل الخطبة يجوز الكلام ، كأن يتكلم الناس وهو صاعد على المنبر لا بأس بذلك .
ودليل ذلك : ما تقدم من أثر أبي مالك القرظي t وفيه : ( وإذا تكلم تركنا الكلام ) .
وكذلك بعد الخطبة وهذا باتفاق أهل العلم ، ولأن الأحاديث الواردة قد قيدها النبي e بقوله " والإمام يخطب " .
ومثل ذلك حال جلوسه بين الخطبتين ، لأن النهي إنما ورد في حال كونه يخطب ، وأما بين الخطبتين فلا بأس بذلك .
ويجب الكلام لتحذير ضرير ، وغافل عن بئر ونحو ذلك والإمام يخطب .
والمذهب : أنه يجوز تشميت العاطس ورد السلام لأنه مأمور به لحق آدمي .
وعنه : يحرم واختارته اللجنة الدائمة قياساً على الصلاة , ولأنه منهي عن إنكار المنكر المتعلق بالخطبة كما تقدم فأولى من ذلك مسألتنا واختاره سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله .
وأنبه على مسألتين لم يذكرهما المؤلف :
الأولى : النهي عن العبث ، فقد قال النبي e في مسلم : ( من مس الحصى فقد لغا ) ، وقد تقدم أن من لغا كانت جمعته ظهراً .
الثانية : النهي عن الحُِبْوة - بكسر الحاء وضمها - وهي أن يجلس على أليتيه ناصباً ساقيه معتمداً على حبل أو على يديه .
وقد ورد ما يدل على كراهيتها وهو ما ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي وحسنه وهو كما قال من أن النبي e : ( نهى عن الحُِبْوة يوم الجمعة والإمام يخطب ) .
وإلى ذلك ذهب ابن المنذر واختاره المجد ابن تيمية والموفق ابن قدامة .
وأما المشهور عند الحنابلة وغيرهم فهو مذهب الجمهور : أنه لا بأس بالاحتباء .
واستدلوا : بما رواه أبو داود عن يعلى بن شداد رحمه الله قال : ( شهدت مع معاوية بيت المقدس فجمَّع بنا فإذا جُلُّ من في المسجد أصحاب النبي e فرأيتهم محتبين والإمام يخطب ) لكن الحديث فيه سليمان بن الزِّبرِقان وهو ضعيف .
قالوا : وثبت الأثر عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنه كان يحتبي والإمام يخطب ) والسند إليه صحيح ، لكن السنة دالة على كراهية الاحتباء .
|