عدد الزوار : 163982
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - المناسك
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - المناسك
كتاب المناسك
 

                بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

كتاب المناسك

المناسك : جمع منسَك ويصح : منسِك بكسر السين وهما لغتان مشهورتان .

والقراءة المشهورة لقوله تعالى :  ]  ولكل أمة جعلنا منسَكاً [  بفتح السين ، وقرئ بكسرها وهي من نسك وتنسك أي تَعبد ، ويقال : ناسك أي عابد ، وتطلق في الشرع غالباً على متعبدات الحج فيقال لها مناسك كما أن الغالب أن يسمى الحج نسكاً ، كما أن الصلاة والزكاة نسكٌ وهكذا سائر العبادات لكن الغالب أن يطلق النسك ويراد به الحج .

 

قوله : [ الحج والعمرة ]

الحَج : بفتح الحاء وكسرها ، وهما قراءتان سبعيتان في قوله تعالى :  ]  و لله على الناس حِـج البيت [ .

والحج لغة : القصد ، وفي الاصطلاح : قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص  . " هكذا يعرفه الفقهاء " ، ومعرفة حقيقة الحج تتبين وتتضح بمعرفة أحكامه ومسائله .

والعمرة في اللغة : الزيارة .

واصطلاحاً : زيارة مكة على وجه مخصوص ، وكذلك فالعمرة حقيقتها الشرعية تتضح وتتبين بمعرفة مسائلها وأحكامها .

 

قوله : [ واجبان ]

أما الحج فهو فرض بالإجماع ، قال تعالى :  ]  ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين [  وثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( بني الإسلام على خمس – وذكر فيها – حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ) وقد قال عمر – كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح : ( من أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهودياً أو نصرانياً ) والأثر إليه إسناده صحيح . وهذا من باب الترهيب وإلا فإن من ترك الحج على وجه التكاسل فإنه لا يكفر باتفاق العلماء إلا ما روى عن بعض السلف ، والصحيح المشهور الذي تدل عليه الأدلة الشرعية أنه لا يكفر إلا تارك الصلاة ، وتقدم ذلك في حكم تارك الصلاة ، وإنما يكفر من جحد وجوبه وأنكره سواء فعله أم لم يفعله ، وأثر عمر الذي تقدم رواه الترمذي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ : ( من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه مات يهودياً أو نصرانياً ) لكن الحديث لا يصح مرفوعاً وإنما يصح موقوفاً على عمر رضي الله عنه .

والعمرة واجبة في المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية سواء كانت العمرة منفردة أو كانت مع حجة سواء كان الحج تمتعاً أو قراناً  .

ويدل على ذلك قوله r– في مسلم - : ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ) وثبت في مسلم أن النبي r قال لعائشة – وكانت قد حجت قارنة قال لها : ( قد حللت من حجك وعمرتك ) وأما إذنه لها بأن تعتمر من التنعيم فذلك تطييباً لخاطرها وليس ذلك من باب عدم إجزاء القران عن العمرة كيف وقد صرح – النبي r – بذلك في قوله : ( قد حللت من حجك وعمرتك ) فسألته ذلك وأعمرها أخوها عبد الرحمن وسيأتي ذكر الحديث إن شاء الله .

ونص الإمام أحمد – وهو قول ابن عباس كما في مصنف  ابن أبي شيبة وقول عطاء وطاووس – على أن وجوب العمرة إنما هو على الآفاقيين ، أما أهل مكة فلا يجب عليهم العمرة ، وجزم شيخ الإسلام بأن أهل مكة من الصحابة لم يكونوا يعتمرون وأن ذلك لو كان ثابتاً منهم لنقل إلينا فإن الهمم تتوافر لنقل مثل ذلك . والمعنى يدل على ذلك فإن العمرة هي الزيارة ، والزيارة إنما تكون لمن ليس من أهل المحل ، وأهل مكة هم أهل المحل ، وأهل الحرم فلم يشرع لهم العمرة ولم تجب عليهم كما أنهم يقومون بالطواف ، والطواف بالبيت هو ركن العمرة الأعظم وإن كان ظاهر قول المؤلف وهو مذهب القاضي من الحنابلة وغيره أن الوجوب عام في الآفاقيين والمكيين لكن الصحيح ما تقدم وهو نص الإمام أحمد واختاره الموفق ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن القول بوجوبها على أهل مكة قول ضعيف جداً مخالف للسنة الظاهرة. 

فالمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية وجوب العمرة واستدلوا بأدلة منها :

ما ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن عائشة أنها قالت : ( يا رسول الله على النساء جهاد ، فقال : عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ) ولفظة " على " تفيد الوجوب كما هو مقرر في أصول الفقه أي أيجب على النساء الجهاد .

و ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح عن أبي رَزين العُقيلى أنه قال : ( يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حج عن أبيك واعتمر )  وإن كان الأمر ليس للوجوب هنا ، لأنه أمر بعد سؤال ، لكن نفي الوجوب إنما يتوجه إلى السائل  فلا يجب على السائل أن يعتمر عن أبيه ولا أن يحج وإنما ذلك على وجه الاستحباب كما هو معلوم ، لكن يدل ذلك على إدخال العمرة في حكم الحج ، فإن هذا السائل قد سأل عن والده الكبير الذي عجز عن أداء فريضة الله عز وجل فهل يجزئ عنه أن يقوم هو عنه بهذه الفريضة فأجابه –  r - بأمره له أن يحج عن أبيه وأن يعتمر ، فيكون ذلك بياناً للفريضة الواجبة عليه .

و بما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن الصُبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب : ( إني كنت أعرابياً نصرانياً فأسلمت فرأيت الحج والعمرة مكتوبين علي – وفي رواية : " مفروضين علي" – فأهللت بهما معاً فقال له : ( هديت لسنة نبيك r ) فقد أقره عمر على قوله : " مكتوبين علي " وبين أن ذلك سنة النبي r فيكون ذلك مرفوعاً.

وفيه – أيضاً – دليل على المسألة السابقة وأن من اعتمر مع حجه قارناً أو متمتعاً فإن ذلك يجزئه فهذا السائل رأى أن العمرة والحج مكتوبان عليه فأهل بهما معاً ورأى أنه بهذا الإهلال يجزئ ذلك عن حجه وعمرته جميعاً فقال له : ( هديت لسنة نبيك r ) .

واستدلوا : برواية لابن خزيمة في حديث جبريل الطويل الذي سأل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان – وفيه : ( وأن تحج وتعتمر ) وإسناده صحيح .

هذا مذهب الحنابلة والشافعية وهو مذهب أكثر العلماء واختاره البخاري في صحيحه وإسحاق وداود وغيرهم .

وذهب المالكية والأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام  إلى عدم وجوب العمرة واستدلوا : بالحديث المتفق عليه من حديث طلحة في سؤال الأعرابي للنبي r عن شرائع الإسلام ، وذكر فيها الحج فقال : ( هل علي غيرها قال : لا إلا أن تطوع ) قالوا : فهذا يدل على أن ما سوى المذكور في هذا الحديث تطوع وليس بفريضة ومن ذلك العمرة فإنها ليست بمذكورة .

واستدلوا : بما روى أحمد والترمذي أن النبي r  سئل عن : العمرة أواجبة هي ؟ فقال : لا وأن تعتمر خير لك ) .

وقد أجاب أهل القول الأول قالوا : أما الحديث الثاني فإسناده ضعيف فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث .

وأما الحديث الأول : قالوا : العمرة داخلة في الحج لحديث : ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فعدم ذكر النبي r لها في حديث الأعرابي لا يدل على عدم وجوبها  .

والجواب الثاني : أن يقال : إن أحاديثنا التي استدللنا بها أحاديث صريحة صحيحة تدل على وجوب العمرة وأما هذا الحديث فليس بصريح ، فإنه من دلالة المفهوم وحديثنا دلالته دلالة منطوق ، ودلالة المنطوق مرجحة على دلالة المفهوم .

فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول .

 

قوله : [ على المسلم ]

أما الكافر فبالإجماع لا يجب عليه الحج ، وهذا من حيث الأداء ، أما من حيث العقوبة فإنه يعاقب على ترك الحج لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة فيؤاخذون عليها ولا يصح منهم أداؤها ، وقد قال تعالى :  ] وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا إنهم كفروا بالله وبرسوله [  فلكفرهم بالله ورسوله لم تقبل نفقاتهم والنفقة أولى بالقبول لأنها من باب النفع المتعدي فهي أولى من العبادات اللازمة ومع ذلك لم تقبل فغيرها من العبادات اللازمة أولى بعدم القبول .

 

قوله : [ الحر ] .

أما العبد فلا يجب عليه الحج – وهذا باتفاق العلماء – ويدل عليه ما رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والحديث إسناده صحيح – ورجح بعض العلماء وقفه والصحيح ثبوته رفعاً ووقفاً عن ابن عباس أن النبي r  قال : ( أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى ) فدل على أن حجته حيث كان رقيقاً لا تجزئ عن حجة الإسلام وحينئذ فلا تجب ، ولأن العبد متعلق بحق سيده ، ولا شك أن الحج يطول زمانه لاسيما في الأزمنة المتقدمة فيفوت بذلك شيء كثير من حق سيده على أنه يحتاج إلى مال ، والرقيق لا مال له ، وتكليف السيد بأن يدفع له مالاً يحج به فيه تكليف للسيد بما فيه مشقة ولا نفع له بذلك .

 

قوله : [ المكلف ]

أي البالغ العاقل ، وقد تقدم الحديث الدال على ذلك : ( أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى ) وقول النبي r : ( رفع القلم عن ثلاثة – وذكر منهم – الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق)

 

قوله : [ القادر ] .

القادر بماله وبدنه – وسيأتي شيء من التفصيل في هذا في موضع آخر إن شاء الله – ودليل أصل هذه المسألة قوله تعالى :  ] ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً [ فدل على أن من لم يستطع إليه سبيلاً فإن الحج غير واجب عليه ، والأدلة العامة أيضاً تدل على ذلك كقوله تعالى :  ] لا يكلف الله نفساً إلا وسعها [ ولا خلاف بين أهل العلم في هذه الشروط كما قرر ذلك الموفق في المغني  .

 

قوله : [ في عمره مرة ]

فلا يجب الحج وكذلك العمرة إلا مرة واحدة في العمر لما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي وأصله في صحيح مسلم أن النبي r قال : ( إن الله كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال : لو قلتها لوجبت ، الحج مرة فما زاد فهو تطوع ) ولفظه في مسلم : ( لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ) الحديث . 

 

قوله : [ على الفور ]

فالحج يجب على الفور ، فإذا بلغ فيجب عليه أن يحج فليس له أن يؤخر الحج إلا ألا يكون قادراً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.

واستدلوا : بما روى أبو داود من حديث ابن عباس ، وفيه راوٍ ضعيف ، لكن ورد من طريق آخر يتقوى به الحديث ، فالحديث وارد عند أبي داود من طريقه إلى ابن عباس وعند أحمد من طريق آخر يثبت فالحديث بذلك حسن أن النبي r قال : ( من أراد الحج فليتعجل ) ، وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( من كُسر أو عَرَج فقد حلَّ وعليه الحج من قابل ) فمن حصل له شيء من الإحصار بأن حصل له كسر أو عرج فقد حل وسقط عنه الحج تلك السنة – وسيأتي الكلام على هذه المسألة في موضعها من الفوات والإحصار – لكن الشاهد قوله : ( وعليه الحج من قابل ) فيجب على من حصل له شيء من الإحصار وتحلل أن يعود السنة القادمة فيحج وهذا يدل على التعجل في الحج ووجوبه على الفورية ، ولا شك أن وجوبه على الفور على من لم يحج أصلاً أولى من وجوبه على من حصل له حج فيه شيء من الإحصار .

وللقاعدة الأصولية أن الأوامر على الفور ، فالأصل في الأمر الفورية ، فإذا أمر السيد عبده بأمر فالأصل أنه يجب عليه أن يفعله فوراً إلا أن يأتي دليل يدل على التراخي .

وقال الشافعية : لا يجب على الفور وإنما على التراخي .

واستدلوا : بقوله تعالى :  ] وأتموا الحج والعمرة لله [ ووجه الاستدلال : أن هذه الآية نزلت في السنة السادسة للهجرة و النبي r لم يحج إلا في السنة العاشرة .

وأجيب عن الاستدلال بهذه الآية بأن الآية ليست لفرضية الحج بل في إتمامه فالله أمر في هذه الآية  بأن يتم الحج والعمرة ، وهما معروفان في الجاهلية ، وإنما أوجب الله الحج بقوله تعالى :  ] ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً [ وأما الآية التي استدلوا بها فليس فيها ما يدل على وجوبه أصلاً وإنما فيها ما يدل على وجوب إتمامه إن دخل فيه ومعلوم أن الحج والعمرة معروفان عند الصحابة وكان منهم من يحج البيت ويعتمر ممن يأذن له كفار قريش بذلك .

وأما الآية الأخرى فهي التي دلت على وجوب الحج وقد نزلت في السنة التاسعة للهجرة ، فهي من سورة آل عمران ، وصدر هذه السورة نزل في نصارى نجران ، وقد قدموا على النبي r  بعد الجزية والجزية إنما شرعت في تبوك في السنة التاسعة – كما قرر ذلك ابن القيم رحمه الله – وهذا هو الراجح .

فإن قيل : فإن هذه الآية فرض الله فيها الحج والعمرة وكان ذلك في السنة التاسعة و النبي r لم يحج إلا في السنة العاشرة . 

والجواب على ذلك من وجهين :

الوجه الأول : أن يقال : ليس عندنا ما يدل على أن الآية أوجبت الحج والعمرة في وقت يتمكن فيه من أدائهما في السنة التاسعة ، فيحتمل أن يكون ذلك في آخر أشهر الحج ، ويحتمل أن ذلك في وقت لا يتمكن فيه النبي r من الذهاب إلى مكة وأداء الحج ومع الاحتمال يبطل الاستدلال .

الوجه الثاني : أن يقال : لنفرض أنها فَرضَت الحج في وقت يتمكن فيه النبي r  من أداء الحج والعمرة فإن النبي r   إنما لم يحج تلك السنة لتتطهر مكة من أهل الشرك ومن هنا بعث النبي r  علياً – كما ثبت في الصحيحين – ينادي في الناس : ( ألاَّ يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ) وكان ذلك في السنة التاسعة .

ولمصلحة أخرى عظيمة وهي اجتماع الناس لمعرفة حج النبي r   وتهيؤهم فإن الرسول r  وإن كان أدرك وقتاً يمكنه وأهل المدينة أن يتهيئوا فإن أهل البوادي ونحوهم ممن يريدون الحج مع النبي r ورؤية منسكه لا يتمكنون من ذلك ، فلمصلحة بيان الشرع لم يحج الرسول r  تلك السنة .

ولأن التراخي مظنة الترك والإهمال فإنا إذا قلنا بالتراخي فإنا لا نحد لذلك حداً – لأنه لا دليل على التحديد – فيقال له : إن حججت وأنت شيخ هرم فلا بأس عليك ولا حرج ، وحينئذ فإن ذلك مظنة للترك ، ولا شك أن الشارع متشوف لاداء الحج.

 

قوله : [ فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً ]

تقدم أن من كان رقيقاً أو صبياً فإن حجه يكون نفلاً ولا يجزئ عن حجة الإسلام . فإذا بلغ الصبي أو أعتق الرقيق أو عقل المجنون في الحج بعرفة أو في العمرة قبل الطواف فيصح ذلك فرضاً .

فمثلاً : رجل رقيق أحرم بالحج بنية التنفل لأنه لا فرض عليه وأثناء ما هو واقف بعرفة أعتق ، فيصح ذلك فرضاً له أو أحرم بعمرة وقبل أن يشرع بالطواف أعتق فإنه يصح له ذلك فرضاً .

قالوا : أما الوقوف بعرفه فهو فرض الحج الأكبر ، والطواف يقابله في العمرة وهما في الأصل أول الأركان فحينئذ يكون قد فعل الأركان وهو حر ، وهذا وهو بالغ ، وهذا وهو عاقل ، فيصح ذلك منهم فرضاً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية –

ومثل ذلك لو أفاض الناس من عرفة إلى مزدلفة – ومعلوم أن الوقوف بعرفة لا ينتهي وقته إلا بأذان الفجر فلو أعتق بالمزدلفة فعاد فوقف فإن ذلك يجزئ عنه : قالوا : لأنه فعَل هذه الأركان وهو حر وهذا وهو عاقل ، وهذا وهو بالغ فأجزأ ذلك عنه .

وقال الإمام مالك بل لا يجزئ ذلك عنه لأنه قد أحرم بنية التنفل فلم يجزئ ذلك عنه .

وأجاب أهل القول الأول بأن الإحرام ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود لذاته الأركان كالوقوف بعرفه والطواف في العمرة.

ومع قوة ما ذهب إليه الإمام مالك فإن الأظهر – لي – هو ما ذهب إليه أهل القول الأول ، وذلك تحصيلاً لمصلحة الفرضية لهم ، ولمشقة الحج في الغالب ولأن الحج يخالف غيره في مسألة النية في مسائل متعددة  .

فالمشهور عند الشافعية والحنابلة أن من أحرم بالحج وهو من أهل التنفل وليس من أهل الفرضية ثم أدرك الوقوف بعرفة وهو حر أو بالغ  في الحج ، وفي العمرة قبل الطواف فإن حجه ينتقل إلى الفرضية وهذا القول مروي عن ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبة لكن فيه ليث بن أبي سليم  وهو ضعيف الحديث . والله أعلم .

وقول المؤلف : " الجنون" يحمل على ما إذا طرأ الجنون . والمذهب أن النسك لا يبطل بالجنون كالصوم . 

 

قوله : [ وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً ]

" وفعلهما " أي الحج والعمرة من الصبي والعبد نفلاً .

فإذا حج الصبي والعبد فإن حجهما نفل لهما ، وكذلك إذا اعتمرا فإن  عمرتهما نفل لهما ولا يجزئ ذلك عن حجة الإسلام وهذا مما اتفق عليه العلماء .

ويدل عليه حديث ابن عباس المتقدم أن النبي r قال : ( أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى ) والحديث روى مرفوعاً وموقوفاً ، والصحيح صحته رفعاً ووقفاً وعلى القول بوقفه فلا يعلم لابن عباس مخالف من الصحابة فيكون قوله حجة .

وهنا قول المؤلف : " الصبي " عام في الصبي المميز وغير المميز ولو ولد اللحظة فكلاهما حجهما يصح ويكون له نفلاً ، أما المميز فلا إشكال فإن العبادات كالصلاة ونحوها تصح منه كما تقدم ، وأما غير المميز فدليله ما ثبت في مسلم أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبياً فقالت : ( ألهذا حج قال : نعم ولكِ أجر ) .

وهو مذهب جمهور العلماء خلافاً للحنفية ، والحجة مع الجمهور لهذا الحديث الثابت في مسلم .

والصبي غير البالغ لا يصح أن يحج إلا بإذن وليه فإن حج بغير إذن وليه لم يصح حجه وهو المذهب وذلك لأن الحج عبادة متضمنة لعقد يلزم به المال ، فهو عقد تعبدي لله عز وجل يلزم به المال على الحاج من هدي وفدية ونحو ذلك ، والصبي ليس له أن يتصرف بالتصرفات التي تلزم بها الأموال إلا بإذن وليه وإلا لم يصح تصرفه .

والصبي المميز إذا أذن له وليه فإنه يصح حجه ويفعل مناسك الحج وينوي الإحرام وغير ذلك . أما الصبي غير المميز فإن وليه يحرم عنه ، أي ينوي له الحج أو العمرة ، ولا يشترط أن يكون الناوي محرماً بل لو كان حلالاً فإن حج الصبي يصح ، وذلك لأن النية في الأصل تكون من غير المحرم ثم بعد ذلك ما يمكنه فعله من المناسك لا يجزئ أن يفعل عنه كالوقوف بعرفه والمبيت بالمزدلفة ونحو ذلك فإن هذه أفعال لا يعجز عنها الصبي غير المميز ؛ لأن المقصود هو مجرد الوقوف ، وهذا يحصل من الصبي المميز وغير المميز وغيرهما ، والمقصود أيضاً المبيت بمزدلفة .

أما الأفعال التي لا يقدر على فعلها كالرمي ونحوه فإنها تفعل عنه ويجزئ ذلك عنه .

واستدل أهل العلم بما روى ابن ماجه من حديث جابر قال : ( حججنا مع النبي r ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم ) ، لكن الحديث في إسناده أشعث بن سُوار وهو ضعيف الحديث ، لكن العمل عليه عند أهل العلم ، قال ابن المنذر : " كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي وكان ابن عمر يفعل ذلك " ، فهو اتفاق من أهل العلم ، والأصول الشرعية تدل على ذلك من القيام بفعل الآخر عند العجز عنه كما سيأتي في غير ما مسألة إن شاء الله في الدرس القادم في الحج عن العاجز وغيره .

أما الطواف فإنه يحُمل ، فهو قادر على الطواف لأن الطواف ليس من شرطه أن يطوف ماشياً بل لو طاف محمولاً فإنه يصح طوافه وكذلك السعي فإنه يحمل ويسعى به لأن السعي ليس من شرطه المشي وهو من كماله .

وإذا طيف بالمميز فإنه ينوي عن نفسه ، أما الصبي غير المميز فإذا طيف به فإنه ينوي عنه الطائف به.

وهنا مسألة :

هل هذا الطواف يجزئ الحامل والمحمول أم لا يجزئ إلا المحمول ؟

فإذا طاف رجل بابنه ونوى لابنه الطواف ، ونوى لنفسه الطواف أيضاً فهل يجزئه ذلك أم لا يجزئ إلا المحمول ؟

قال الحنابلة : لا يجزئ إلا المحمول ، وأما الحامل فلابد وأن يستأنف طوافاً جديداً ، قالوا : لأن هذا الفعل أجزأ عن المحمول وهو الصبي أو غيره من العجزة ونحوهم ممن يحملون في الطواف ، فهذا الفعل قد أجزأ عن المحمول ، فلم يجزئ عن الحامل . وهذا تعليل ضعيف .

وذهب الأحناف وهو قول في مذهب الإمام أحمد واستحسنه الموفق واختاره الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي : أن الطواف يجزئ عنهما جميعاً ؛ وذلك لأن كلاً منهما قد نوى أو نُويَ له الطواف وطاف طوافاً صحيحاً فلكل منهما طوافه ونيته ، فالمحمول طوافه الركوب ، وقد نُويَ له الطواف ولا دخل له بحركات هذا الطائف ولذا لو طيف به على دابة لأجزأ ذلك وهذا الحامل قد نوى لنفسه الطواف وطاف ماشياً فهو طواف مستقل عن طواف المحمول – وهذا القول هو القول الراجح .

ويصح على الراجح أن يحرم الولي عن نفسه وموليه غير المميز .

ويمنع – أي الصبي - من المحظورات فإن فعل فعمد الصبي خطأ فله حكم الخطأ في فعل المحظورات .

والمشهور في المذهب أنه يلزم الصبي الإتمام لأن الحج والعمرة يجب إتمام فعلهما .

والقول الثاني : وهو مذهب أبي حنيفة ومال إليه صاحب الفروع أنه لايلزم لأنه غير مكلف ؛ قال شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وهو أقرب للصواب .

·  والمجنون لايصح حجه عند عامة العلماء كسائر عباداته ، والقول الثاني : أنه يصح قياساً على الصبي غير المميز وهو وجه عند الشافعية خلافاً للمشهور وهو قول أبي بكر عبدالعزيز من الحنابلة وفيه قوة ، وقد يقال إن الفرق بينهما أن الصبي يؤول أمره إلى البلوغ عادة بخلاف المجنون .

 

قوله : [ والقادر من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة ]

تقدم أن من شروط وجوب الحج أن يكون قادراً فالقادر بينه المؤلف بقوله : " من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة " .

" أمكنه الركوب " أي يستطيع الركوب إلى مكة ، ويقدر على الركوب للتنقل هناك بين مواضع المناسك فيها . أما غير القادر على الركوب فلا يجب عليه الحج لأنه غير مستطيع وقد قال تعالى :  ] من استطاع إليه سبيلاً [

"زاداً " : من مأكل ومشرب وملبس .

" وراحلة "  يركبها مما يوافق عرف الناس في زمنهم من المركوبات التي تختلف باختلاف عادات الناس وأعرافهم .

فالقادر هو من وجد زاداً وراحلة سواء كان ذلك في الراحلة استئجاراً وهو قادر على المبلغ الذي يستأجر به أو كانت الراحلة مملوكة له ، والزاد كذلك سواء كان محصلاً له وهو بيده أو يكون له حرفة يعلم أو يظن ظناً غالباً أنه يستطيع أن يتكسب بها في طريقه وينفق على نفسه مأكلاً ومشرباً وكسوة خلال أيام الحج ومناسكه فإنه حينئذ – يعتبر مالكاً للزاد . فالقادر هو من ملك زاداً وراحلة ، وبه فُسر قوله تعالى :  ] من استطاع إليه سبيلاً [  ففسر السبيل بأنه الزاد والراحلة ودليل ذلك ما رواه الترمذي وحسنه من حديث ابن عمر أن النبي r قيل له : ما السبيل ؟ قال : ( الزاد والراحلة ) ونحوه من حديث أنس في الدار قطني ، وإسناد الحديثين ضعيف لكن الحديث له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن ومن هنا حسنه الترمذي وحسنه شيخ الإسلام ، وجود بعض أسانيده ابن عبد الهادي ، وقال الضياء صاحب المختارة في بعض أسانيده لا بأس به والحديث – كما تقدم – له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن وبه استدل جمهور العلماء على أن السبيل هو الزاد والراحلة فلا يجب على من لا راحلة له ولا زاد أن يحج ، وحينئذ فلا يجب عليه أن يحج ماشياً وإن كان قادراً على المشي للمشقة التي تلحق الماشي لكن استثنوا أن يكون موضعه الذي هو فيه دون مسافة القصر فإنه إن لم يجد راحلة فيجب عليه السير راجلاً إلى بيت الله تعالى . 

والذي يظهر لي : أن تقييده بمسافة القصر محل نظر ، والذي ينبغي أن يقال فيه : أنه إذا كان قريباً عرفاً بحيث أنه لا يلحقه بالمشي مشقة ظاهرة فإنه يجب عليه أن يحج ماشياً كما يكون هذا في القرى القريبة المجاورة لمكة ممن لا يلحقهم حرج ظاهر في المشي إلى بيت الله  ولذا عللوا التحديد بمسافة القصر بالقدرة على المشي منه غالباً ، وأما مسافة القصر وهي في المشهور من المذهب أربعة برد ففيه مشقة ظاهرة  والمقصود وضع ضابط لهذه المسألة والضابط أن يقال : إنه إذا كان قريباً عرفاً بحيث لا يكون فيه مشقة في الغالب فإنه يجب عليه السعي إلى بيت الله . ودليل ذلك : أن الآية عامة فيمن كان إلى مسافة القصر أو إلى دون مسافة القصر وهي قوله :  ] من استطاع إليه سبيلاً [ والسبيل هو الزاد والراحلة وهو عام فيمن كان فوق مسافة القصر أو من دون مسافة القصر ، لكن يستثنى من ذلك من كان قريباً عرفاً لا يلحقه في الغالب مشقة فلا يكون له هذا الحكم لأنه بحكم واجد الزاد والراحلة .

 

قوله : [ صالحين لمثله ]

وفي المقنع : " صالحة لمثله " أي الراحلة فإذا كان الرجل من أهل الثراء لا يناسبه أي راحلة يركبها غيره ، فلابد وأن تكون صالحة لمثله ، والمقصود ما يكون من مركوبه أو نحو مركوبه ، لكن إذا كان من مركوب عامة الناس ممن يلحقه مشقة بأن يركب مركوبهم فإنه لا يجب عليه الحج ، لأن قوله " الراحلة " ، يرجع إلى الراحلة في عرف الناس ، ولا شك أن الراحلة في عرف الناس تختلف باختلافهم .

قالوا : ولأن المقصود بالراحلة وعدم إيجاب المشي عليه سيراً هو دفع المشقة ، وإلا فإن الإنسان قادر أن يذهب إلى مكة وإن كان في مكان بعيد ، ومع ذلك عفي عنه وكان الوجوب مختصاً بمن كان مالكاً للراحلة أو قادراً على استئجارها وذلك لدفع المشقة عنه ، وهنا كذلك فكونه يؤمر أن يركب راحلة غير صالحة لمثله هذا فيه مشقة عليه تشبه المشقة التي تلزم القادر على المشي أن يمشى إلى بيت الله وإن كان قادراً على ذلك لكن في ذلك مشقة .

وأما الزاد فإن عبارة صاحب المقنع ظاهرها أن الشرط إنما يكون للراحلة وأما الزاد فلا يشترط أن يكون الزاد صالحاً لمثله بل أي زاد يمكنه أن يتقوت  به ولا يلحقه ضرر به وإن كان دون أكله ودون ما اعتاده من الطعام ، فلو أنه وجد زاداً يطعمه عامة الناس وهو من كبراء الناس ممن لم يعتد هذا الطعام لكن لا يلحقه ضرر بذلك وإن لم يجد الزاد الصالح لمثله فإنه يجب عليه الحج – هذا ظاهر كلام الموفق في المقنع وهو الصحيح في مذهب الحنابلة .

وأما المؤلف هنا فإنه ذهب إلى قول آخر وجهه صاحب الفروع وهو قول عند الحنابلة : وهو أن الزاد كذلك لابدَّ من كونه صالحاً لمثله ، قالوا : كما أن الراحلة يلحقه بها مشقة وإن كانت توصله إلى حاجته لكن في ذلك مشقة على نفسه فكذلك في الزاد فإن كونه يطعم طعام الناس فيه مشقة عليه وهو أظهر .

 

قوله : [ بعد قضاء الواجبات ]

فهذا بعد ما يقضي الواجبات عليه ، كأن تكون عليه زكاة أو كفارة يمين أو أن يكون عليه ديون للعباد، فلا يجب عليه الحج إلا بعد قضائها .

مثال ذلك : رجل عليه دين وهو يريد قضاءه فهل يجب عليه أن يحج مع ثبوت هذا الدين في ذمته الذي يريد سداده ووفاءه ؟

الجواب : أنه لا يجب عليه الحج ؛ وذلك لأن حقوق الآدمين مبنية على المشاحة ، وأما حقوق الله عز وجل ومنها الحج فهي مبنية على المسامحة فمن هنا قدم حق العباد على حق الله تعالى . وما تقدم ذكره متعلق بحقوق العباد ، فإن الزكاة من حقوق العباد فهي تصرف إلى الفقراء والمساكين ونحوهم وهكذا الكفارات ومن هنا قدمت على أداء فريضة الحج .

 

قوله : [ والنفقات الشرعية ]

إذا كان عليه نفقات ، نفقة لولده أو من يعول فلا يجب عليه الحج حتى يدخر مالاً يكفي لنفقة أهله .

فرجل – مثلا – معه مبلغ من المال ويعلم أنه إذا حج أضر بمن يجب عليه أن ينفق عليه من ولده أو من يعول فإنه لا يجب عليه الحج وقد قال النبي r : ( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ) وهذا حق لآدمي، وحقوق الآدميين مقدمة في الوفاء على حق الله عز وجل لأنها مبنية المشاحة .

 

قال : [ والحوائج الأصلية ]

أي الحوائج اللازمة أو التي يلحقه حرج بالاستغناء عنها ، وهذه تختلف باختلاف الناس .

فمثلاً : السكن هذا من حوائج الناس فلا يلزم ببيع بيته من أجل الحج ، وكذلك السيارة ، وكذلك الكتب لطالب العلم وغير ذلك . فالحوائج الأصلية التي يحتاج إليها من كسوة وسكن وكتب علم ومن مركوب ونحوه مما يحتاج إليه فلا يجب عليه أن يبيعه حتى يؤدي الفريضة ، فإن هذه من الحوائج الأصلية التي يلحق الناس بتكليفهم بالحج وبيعها يلحقهم حرج في الاستغناء عنها ، وقد قال تعالى : ] ما جعل عليكم في الدين من حرج[

أما ما فضل عن حوائجه الأصلية فيجب عليه أن يبيع هذا ويحج بماله ، كأن يكون له بيتان يحتاج أحدهما ولا يحتاج الآخر ، لكن إن كان الآخر يؤجره وينتفع من ماله في النفقة الواجبة عليه فلا يجب عليه ؛ لأنه يتقوت به ، لكن إن كان عنده شيء فاضل يستغني عنه ولا يؤثر في نفقته ونحو ذلك كأن يكون له مسكنان أو مركبان ، أو المرأة يكون عندها حلي زائد عن حاجتها الأصلية ، وهكذا كل من كان عنده أي شيء من الأموال التي ليست من حوائجه الأصلية فيجب عليه أن يبيعها ليؤدي فريضة الحج .

وهذا وإن كان عيناً لكنه بمعنى النقد لأنها ذات قيمة نقدية وهو مستغن عنها لا يحتاج إليها حاجة أصلية.

 

مسألة :

في الدين : إذا كان الدين حالاً فلا إشكال في أنه لا يجب عليه الحج ، أما إذا كان الدين غير حال فلا يخلو من حالتين :

الحالة الأولى : أن يكون قد امتنع من الحج لوفاء هذا الدين ولتخليص ذمته منه فحينئذ لا يجب عليه الحج ؛ لأن الشخص يحتاج إلى تبرئة ذمته من الديون المتأخرة كما هو محتاج إلى تبرئتها من الديون الحالة .

الحالة الثانية : أن يكون لا يريد سداد دينه الآن وهذا المال سينفقه في أمور أخرى مما لا يحتاج إليه ، وهذا الدين مقسط أقساطاً لا يرغب أن يسدده إلا في أوقاته ، فإن ذلك لا يمنع وجوب الحج عليه ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً والعلة هنا غير موجودة بل منتفية .

ولو أن رجلاً عنده مال يكفي للحج لكن قال : أريد أن أسدده لأحد من الناس ، الذين لهم عليه ديون متأخرة فله أن يفعل ذلك .

 

قوله : [ وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه ]

هذه مسألة في المستطيع بغيره ، وهو من عنده استطاعة مالية وهو غير قادر على الحج ببدنه ، أو له ولد قادر أن يحج عنه فيجب عليه أن ينيب على الفور من يحج عنه إما بماله وإما بأن يأمر ولده المطيع بذلك ؛ أي بالحج والعمرة عنه هذا هو المستطيع بغيره .

ودليل هذه المسألة : ما ثبت في الصحيحين : (  أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده قد أدركت أبي شيخاً  كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال : نعم ) وفي رواية لمسلم : ( إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال : فحجي عنه ) .

ووجه الاستدلال ليس في أمر النبي r للمرأة بأن تحج ، فإن هذا الأمر بعد سؤال ، والأمر بعد السؤال لا يفيد الوجوب ، وإنما الاستدلال بإقرار النبي r قولها : ( إن فريضة الله ) وقولها في رواية مسلم : ( عليه فريضة الله ) فدل على أن الشيخ الكبير العاقل والمريض الذي لا يرجى برؤه يجب الحج عليهما ، لكن ليس بأبدانهما لعجزهما ، وإنما بأموالهما أو بمن يطيعهما من ولدٍ ونحوه .

وحينئذ : النائب ما يثبت من غرامة مالية بدم ونحوه إن كان هذا بسبب ما يترتب على الحج أصلاً كدم التمتع أو القران ونحو ذلك فإنه واجب على صاحب المال المحجوج عنه ، ومثل ذلك ما يأذن له فيه – كأن يكون محتاجاً إلى أخذ شيء من شعر رأسه لمرضٍ أو نحوه ويكون عليه الفدية فإذا أذن له في ذلك فإن هذه الفدية تلزم صاحب المال .

أما إذا فعل شيئاً لم يؤذن له فيه كقتل صيد أو سلوك طريق مع إمكانية سلوك طريق أقرب فإنه يلزم النائب لا المنوب عنه ؛ لأن هذا فعل ليس بمأذون فيه .

 

قوله :  : [ من حيث وجبا ]

يعني : من حيث وجبا على المنيب أي من بلد المنيب فيه فليس له أن ينيب رجلاً في بلدة أخرى دون بلدته ، أو من عند الميقات أو في مكة . قالوا : لأن البدل يقوم مقام المبدل عنه ، فهذا المحجوج عنه لو حج لحج من موضعه الذي وجب عليه الحج فيه وهذا بدل عنه فوجب عليه أن يحج من موضع المبدل عنه .

وذهب جمهور العلماء إلى أنه له أن ينيب  من الميقات من يحج عنه .

وظاهر قول الجمهور أنه لو أناب عنه رجلاً من مكة – أنه لا يجزئ عنه – .

والذي يظهر أنه يجزى عنه أيضاً وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى . وذلك لأن النبي r لما قال للمرأة : ( حجي عن أبيك ) أطلق عليه الصلاة والسلام ولم يشترط أن يكون ذلك من حيث وجب عليه الحج ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، ثم إن المعنى يقتضي ذلك ، فالشارع إنما أوجب الحج على العباد لأداء مناسك الحج ، وأما المسافة فليست مقصودة لذاتها ، وإنما هي من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

بدليل أنه لو كان أحد من الآفاقيين صادفه الحج وهو في مكة فأحرم من مكة أجزأ ذلك عنه ولم يوجب عليه أن يحرم من بلده ، فليس ذلك مقصوداً لصاحب الشريعة بل المقصود أن يحج حجاً صحيحاً ، والنظر في الحج إنما هو إلى البدل لا إلى المبدل عنه والبدل في بلدة دون الميقات كأن يكون في مكة ، أو هو في الميقات دون بلدة ذلك .

فالصحيح أن هذا ليس بشرط مطلقاً لا من الميقات ولا من بلده .

واعلم أن المريض الذي يرجى برؤه ، أو المحبوس الذي يرجو خروج نفسه من الحبس ليس له أن يقيم غيره فيحج عنه ؛ لأن الحديث قد ورد في الشيخ الكبير ، وهو لا ترجى استطاعته على الحج ، وأُلحق به المريض الذي لا يرجى برؤه . وأما من يرجى برؤه أو المحبوس الذي يرجو الخروج فليس أن ينيب غيره عنه لأن الأصل هو وجوب الحج بالنفس لا بالغير وهذا مرجو زوال العلة .

 

 

 

قوله :  : [ ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام ] .

لهذه المسألة صورتان :

الأولى : أن يشفى هذا المريض من مرضه الذي كان ميئوساً منه بعد قيام البدل بالحج وانتهائه منه ، فإنه يجزئ عنه حجه ولا يجب عليه الحج ، وهذا ظاهر ؛ وذلك لأنه قد فعل ما أمر به  ، فقد أمر أن يدفع من ماله ما يحج به عنه ففعل ما أمر به فأجزأه ذلك عن حجة الإسلام وخرج ذلك من عهدته ، ولأن هذا الحجة قد وقعت صحيحة مجزئة فلا دليل على إبطالها .

الثانية : أن يعافى المريض الذي لا يرجى برؤه بعد إحرام النائب عنه وقبل انتهائه من الحج .

مثال : رجل مريض لا يرجى برؤه دفع مالاً لمن يحج عنه ، فلما أحرم هذا النائب وقال : لبيك عن فلان شفي هذا المريض ، فإنه يجزئه ذلك عن حجة الإسلام ولا يجب عليه الحج – هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد .

والقول الثاني : وهو وجه عند الحنابلة ، وهو أظهر الوجهين عند الشيخ تقي الدين – كما قال ذلك صاحب الإنصاف وغيره – أنه لا يجزئه ذلك ؛ قالوا : لأنه قدر على الأصل قبل تمام الحج من البدل " وهو النائب عنه " فوجب عليه أن يحج عن نفسه ولا يكتفي بهذا الحج وظاهر هذا التعليل أن هذا ولو كان بعد الوقوف بعرفة ولو كان ذلك أثناء الطواف ما لم يتم الحج ، فإذا تم الحج فحينئذ يسقط عنه الفرض .

أما أهل القول الأول وهو المشهور في المذهب فحجتهم : أنه قد شرع في البدل ، والقاعدة أن من شرع في البدل لعجزه عن الأصل فإنه يجزئ عنه ذلك وإن قدر على الأصل أثناء فعله للبدل وهذا له أمثلة عند أهل العلم .

منها : رجل غير قادر على الهدي فبدل الهدي الصيام ، فإذا شرع في الصيام ثم قبل أن يتم الصيام قدر على الهدي فإن الصيام يجزئ عنه ولا يجب عليه أن يعود إلى الأصل .

ومنها : رجل عليه كفارة يمين فعجز عن إطعام عشرة مساكين فشرع في الصيام ، فلما صام اليوم الأول قدر على الإطعام فهو بالخيار إن شاء استمر على الصيام ويجزئ عنه ذلك ، وإن شاء عاد إلى الأصل وهو إطعام عشرة مساكين قالوا : فهنا كذلك فهذا من باب إلحاق النظير بنظيره ، فالشريعة لا تفرق بين المتماثلات فهذا قد شرع في البدل وأثناء ذلك قدر على الأصل فلم يجب عليه أن يعود إليه وكان ذلك مجزئاً عنه – وما ذكروه أصح مما ذكره أصحاب القول الثاني فالراجح ما ذكره المؤلف : وأنه إذا أناب عنه غيره فأحرم " أي نوى الدخول في الحج " ثم قدر المنوب عنه على الحج فإنه لا يجب عليه أن يحج ، وإن حج فإن ذلك تطوع له ، ويجزئ عنه حجة النائب عنه لأن القاعدة التي دلت عليها الشريعة : أنه إذا شرع في البدل فإن الأصل يسقط ويجزئ البدل عن الأصل ، ولو قدر على الأصل أثناء اشتغاله بالبدل .

 

مسألة :

لا يجزئ المنوب عنه حج النائب إن كان النائب لم يحج حجة الإسلام ، فيشترط في النائب أن يحج حجة الإسلام . ودليل ذلك : ما ثبت في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس : أن النبي r : ( سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة ، قال : من شبرمة ؟ قال : أخ لي أو قريب فقال : حججت عن نفسك ؟ قال : لا، فقال : حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ) وقد اختلف فيه رفعاً ووقفاً والراجح وقفه – فهذا الحديث دليل على هذه المسألة فلا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره .

فإن عجز عن الحج عن نفسه بسبب عدم القدرة المالية ، لكنه قادر بنفسه فهل له أن يحج عن غيره أم لا ؟

المشهور في المذهب أنه لا يجزئ ذلك المنوب عنه للحديث المتقدم .

وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول سفيان الثوري إلى أنه يجوز له ويجزئ عن المنوب عنه وهذا أرجح فإن الأصل أن النائب يجزئ حجه عن المنوب عنه ، وإنما لم تصح حجته حيث كان قادراً على الحج لأن حجه عن غيره مزاحم لحجه عن نفسه ، فهو وإن صح عن غيره فاته حج نفسه والواجب عليه أن يحج عن نفسه . فهناك مزاحمة وأما هنا فليس ثمت مزاحمة فإنه ليس بقادر على الحج ، فإن لم يحج عن غيره فإنه لا يحج .

والحديث المتقدم فيه قرينة تدل على أن ذلك الرجل قادر على الحج عن نفسه وهي : أن النبي r قال : ( حج عن نفسك ) ولا يوجه هذا الخطاب إلا للقادر على الحج ، وثمت قرينة أخرى وهي قوله : ( أخ لي أو قريب ) والغالب فيمن يحج عن قريبه ألا يكون ذلك من مال القريب أو الأخ وإنما يكون ذلك بتبرع منه بالمال والبدن جميعاً .

فالراجح : أن من حج عن غيره – وهو غير قادر على الحج عن نفسه – فإن ذلك يجزئ عن المنوب عنه .

فإن حج عن غيره مع قدرته على الحج عن نفسه ، فهل يصح الحج لأحد منهما أم يبطل لهما جميعاً ؟

ثلاثة أقوال :

الأول : أن الحج يقع عن المحجوج له .

الثاني : يقع عنه هو " أي النائب " .

الثالث :  أنه لا يصح منهما جميعاً .

أما حجة أهل القول الأول : فإنهم قالوا : الرجل لو أخرج زكاة أخيه قبل أن يخرج زكاة نفسه أجزأ ذلك ، وهذا يخالف الحديث المتقدم وكل قياس يخالف النص فهو فاسد الاعتبار . على أن هناك فارقاَ بين المسألتين ، فإن إخراج الزكاة عن الغير ثم إخراجها عن النفس لا يؤثر ولا يزاحم فإنه يخرجها عن غيره ثم عن نفسه في وقتها ،وإلى هذا القول ذهب الأحناف والمالكية .

وأما القول الثاني فهو مذهب الشافعية والحنابلة : وهو أنه إن حج عن غيره فإنه ينصرف الحج إلى نفسه ؛ لأن الحديث بين بطلان الحج عن الغير قبل الحج عن النفس فينصرف الحج إلى النفس .

وأما القول الثالث فهو رواية عن الإمام أحمد واختارها بعض أصحابه قالوا : يبطل ولا يصح من أحدهما فلا يصح من الحاج ولا المحجوج عنه وهذا القول هو الراجح.

أما كونه لا يصح من المحجوج عنه فلأن النبي r  أفسده وأبطله ونهى عنه وأما كونه لا يصح من الحاج عن نفسه فلأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وهذا لم ينوه لنفسه ، والحج عبادة وحيث لم ينوه لنفسه فلا يجزئ عنه ، وشرط العمل النية .

فإذا أُخبر فنوى عن نفسه قبل الوقوف بعرفة فإنه يجزئ ذلك عنه وتكون حجة صحيحة له .

 

قوله :  : [ ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها ]

فهو شرط وجوب أي لايجب عليها الحج إلا مع وجود المحرم وهو المشهور في المذهب لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقال رجل : يا رسول الله : إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال : انطلق فحج مع امرأتك ) وفي الدار قطني وصححه أبو عوانة : ( ولا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم ) .

وعن الإمام أحمد أنه شرط في لزوم الاداء وعليه فتنيب والصحيح الأول .

فإن حجت مع جماعة النساء فهل يجوز لها ذلك ويسقط عنها الإثم ؟

ذهب إلى جواز ذلك الإمام مالك واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأن المرأة إذا ذهبت في قافلة آمنة ومعها جماعة النساء فإن ذلك يجوز لها .

واستدلوا : بما روى البخاري : أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة  " والشاهد أنه قد بعث معهن عثمان وعبد الرحمن وهما ليس بمحارم لهن .

وهذا الاستدلال فيه ضعف من وجهين :

الوجه الأول : - وهو أضعف من الوجه الثاني – أن يقال : إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لهن من حفظ الله وعنايته لحفظ عرضه صلى الله عليه وسلم ما ليس لغيرهن ، ولهن من الصيانة والعفاف أعظم ذلك وأكمله ، فلا يقاس غيرهن بهن – هذا لو سلمنا أنه ليس معهن محرم .

الوجه الثاني : أن يقال : إن هذا الأثر ليس فيه أنه ليس معهن محرم ، وإنما فيه أن عمر بعث معهن على القافلة عثمان وعبد الرحمن أي أمراء على القافلة ، فهما أمراء القافلة التي فيها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الأثر أنه ليس معهن محارم فإن الأثر لم يتعرض لذلك ، وهنَّ أجلَّ من أن يخالفن النبي صلى الله عليه وسلم في نهيه العام أن تسافر المرأة بلا محرم .

لذلك الصحيح ما هو مشهور في المذهب من : أن المرأة ليس لها أن تسافر إلا مع ذي محرم . ثم إن الفارق ظاهر ، فإن المحرم لا يقوم مقامه شيء فلا يقاس به غيره ، فكونها تكون مع جماعة النساء لا يغني ذلك عن محرمها ولا يقوم مقامه .

واعلم أن من شروط المحرم أن يكون بالغاً – باتفاق العلماء ، فالصبي وإن كان مميزاً ليس بمحرم لا في الخلوة ولا في السفر ؛ ذلك لأن الحفظ والصيانة لا يكون إلا بمن كان بالغاً وهذا هو المقصود من المحرم .

 

قوله :  : [ ومحرمها هو زوجها ]

فالزوج محرم لها وهذا ظاهر .

ولا يجب على الزوج أن يحج بها إذ لا دليل على إيجاب ذلك عليه ، وأما قوله r: ( انطلق فحج مع امرأتك) فإن هذا أمر بعد سؤال فلا يدل على الوجوب ، أولأن المرأة شرعت في السفر ولاطريق للخلاص من ذلك إلا بأن يسافر معها ، والأصل في مثل ذلك ألا يكون واجباً إلا بدليل ظاهر يدل عليه ، وليس عندنا ما يدل على إيجابه على الزوج .

ولكن ليس للزوج أن يمنعها من حج الفريضة ، فهو حق الله عليها بخلاف حج التطوع فله أن يمنعها .

 

قوله :  : [ أو من تحرم عليه على التأبيد ]

فيخرج من ذلك من تحرم عليه تحريماً غير مؤبد ، فمثلاً : الزوج ليس محرماً لأخت زوجته وعمتها وخالتها لأنها لا تحرم تحريماً مؤبداً ، بل هو مؤقت ببقاء أختها على عصمته ، أما إذا زالت هذه العصمة بطلاق أو وفاة ، فإنها تحل له .

نساء النبي r  يحرمن على التأبيد لكن ليس هذا للمحرمية وإنما للتحريم ، فليس الرجال من المؤمنين بمحارم لهن ، لكنه لا يحل لأحد منهن أن ينكح إحداهن بعد النبي r  ، فهذا تحريم وليس بمحرمية  .

 

قوله :  : [ بنسب ]

أي بقرابة ، كالأم والأخت والعمة ، فالرجل محرم لأمه وأخته وعمته وخالته .

 

قوله :  : [ أو سبب مباح ]

كالمصاهرة فهي سبب مباح تثبت به المحرمية كأم الزوجة وبنت الزوجة ، فهي تحرم على التأبيد بسبب مباح وهو النكاح الذي أباحه الله فتثبت به المصاهرة .فالرجل محرم لأم زوجته وبنت زوجته .

والرضاع أيضاً سبب مباح فعمته وخالته من الرضاع هو محرم لها ولا شك أن مثل هذا مع أمن الفتنة ، فإذا أمنت الفتنة جاز ذلك .

وقيَّد السبب بالمباح ، ليخرج السبب المحرم كالملاعنة ، فإن الرجل إذا لاعن امرأته حرمت عليه على التأبيد لكن ليس محرما لها لأن هذا السبب سبب محرم لا تكتسب به محرمية وإنما تكتسب به تحريم وكذلك تخرج بنته من الزنا ، فليس له أن يسافر بها وإن علم أنها ابنته من الزنا لأن هذا سبب محرم لا يثبت به المحرمية .

إذن المحرمية : تثبت بمن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح .

 

قوله :  : [ وإن مات من لزماه أخرجا من تركته ] .

لزماه : أي الحج والعمرة . فإذا مات الرجل وقد لزمه الحج وهو لم يحج فإنه يخرج من أصل تركته قبل قسمة الميراث – يخرج مالاً يحج عنه به ويعطى حكم الديون .

ودليل ذلك : ما ثبت في البخاري أن امرأة من جهينة أتت النبي r  فقالت : ( يا رسول الله أن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها فقال النبي r : حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ) فجعله النبي r  من الديون التي تقضى وحينئذ تخرج من تركته كسائر الديون كما تخرج الزكوات ونحوها .


باب المواقيت

 

المواقيت : جمع ميقات من وقت الشيء أي حدده وقدره .

ومواقيت الحج قسمان :

مواقيت مكانية : وهي المواضع التي يهل منها الحاج وسيأتي ذكرها .

مواقيت زمانية : وهي الأشهر التي يهل بها الحاج وسيأتي ذكرها أيضاً .

 

قوله : [ وميقات أهل المدينة ذو الحليفة ]

شرع المؤلف في بيان المواقيت المكانية ، فبدأ بميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة وهو ما يسمى عند العامة بـ " آبار علي " وسمي بذلك لقصة كاذبة مختلقة أن علياً قاتل الجن فيها لكن هذه القصة لا أصل لها كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية .

وهو وادي العقيق الذي قال فيه النبي r فيما ثبت في البخاري : ( أتاني آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي فإنه مبارك ) .

 

قوله : [ وأهل الشام ومصر والمغرب الجُحفة ]

والجُحفة : موضع يبعد عن مكة نحو ثلاثة مراحل ، لكنه موضع خراب وذلك لأن النبي r كما ثبت في الصحيحين : ( دعا أن تنتقل حمى يثرب إليه ) فكانت فيه حمى يثرب ، فانتُقل إلى رابغ وهو موضع بحذائه فميقات أهل الشام الآن هو رابغ .

والعبرة كما قال الفقهاء في هذه المواقيت بالبقاع التي عينها النبي r و لا عبرة بما بني بقربها وسمي باسمها.

 

قوله : [ وأهل اليمن يلملم ]

وهو ما يسمى الآن بـ " السعديَّة " وهو جبل في تهامة .

 

قوله : [ وأهل نجد قَرْن ]

والقرن في اللغة : الجبل المنفرد وهو ما يسمى الآن بالسيل الكبير .

 

قوله : [ وأهل المشرق ذات عرق ]

فأهل المشرق من أهل العراق وأهل خراسان ونحوهم ميقاتهم ذات عرق أي الجبل الصغير، وهو ما يسمى الآن بـ " الضريبة " فهذه هي مواقيت الحاج ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : ( وقت النبي r  لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ) وفي النسائي ( ولأهل الشام ومصر الجحفة ) ( ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة ) فهذه مواقيت أربعة . وأما ذات عرق فثابت في حديث آخر ، وهو ما ثبت في أبي داود  والنسائي من حديث عائشة : ( أن النبي r : وقت لأهل العراق ذات عرق ) وأصله في مسلم من حديث جابر إلا أن الراوي شك في رفعه ، لكن ورد الجزم بأنه من قول النبي r من حديثه في مسند أحمد بإسناد حسن .

 وقد وقته عمر فخفي عليه ميقات النبي r ، فإن توقيته كان مظنة الخفاء لأن العراق لم تكن مفتوحة في عصره عليه الصلاة والسلام ، فكان ذلك من أعلام نبوته ، وأما المواقيت الأخرى فكان يحرم منها ويهل في عصر النبي عليه الصلاة والسلام فخفي ذلك على عمر فاجتهد فأصاب السنة ، فقد ثبت في البخاري :     ( لما فتح المصران " البصرة والكوفة " أتوا عمر فقالوا : إن النبي r وقت لأهل نجد قرناً وإنه جور عن طريقنا " أي مائل ومنحرف عن طريقنا " وإنا إن أردنا قرناً شق علينا فقال : انظروا إلى حذوه فوقت لهم ذات عرق ) وفي قوله رضي الله عنه : ( انظروا إلى حذوه ) ما يدل على أنه إن كان الطريق لبلدة من البلاد إلى مكة ليس إلى ميقات وإرادتهم الميقات  فيه مشقة فإنهم يحرمون مما يحاذي الميقات ، وهذا مما اتفق عليه العلماء .

قال الفقهاء : ومن لم يحاذ ميقاتا أحرم عن مكة بقدر مرحلتين وذلك لأن أقرب المواقيت إلى مكة ـ  وهي ما سوى الجحفة وميقات أهل المدينة ـ تبعد مرحلتين .

وميقات الجحفة ثلاث مراحل وأهل المدينةعشر مراحل أي عشرة أيام .

 

قوله : [ وهي لأهلها ]

فهذه المواقيت لأهلها ، فذو الحليفة لأهل المدينة . وقرن لأهل نجد وهكذا ..

 
قوله : [ ولمن مر عليها من غيرهم ]

فمن مر على هذه المواقيت من غير أهل هذه البلاد فهي مواقيتهم أيضاً ، فإذا مر المدني بميقات أهل الشام أهلّ منه والعكس كذلك وهكذا ، لقوله r  : ( هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ) فالشامي إذا مر بميقات أهل المدينة فإنه يحرم منه – هذا هو المشروع في حقه باتفاق العلماء .

 وهل لشخص من أهل الشام مر على المدينة – هل له أن يتجاوز ميقات أهل المدينة حتى يأتي إلى ميقات أهل الشام فيهل منه أم لا ؟

والمستحب له بالاتفاق أن يهل من ميقات أهل المدينة ، لكن: هل يجوز له أن يتجاوز إلى ميقاته أم لا ؟ قولان لأهل العلم :

قال جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية : لا يجوز له أن يهل إلا من هذا الميقات الذي مر به ، فإن تجاوزه إلى ميقات أهل بلده فإن عليه دماً .

واستدلوا : بقوله r : ( هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ) .

قالوا : فمعنى قوله : ( هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ) أي هذه المواقيت مواقيت لأهل هذه البلاد ، ولأهل البلاد الأخرى إذا مروا عليهن وحينئذ فما دام ميقاتاً فلا يجوز أن يتجاوز ، فهو ميقات لهم بنص النبي صلى الله عليه وسلم فليس لهم أن يتجاوزوه .

وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يتجاوزه وإن كان الأفضل في حقه ألا يفعل ، لكن إن فعل فإنه يجزئ عنه وهو اختيار شيخ الإسلام . واستدل بعموم قول ابن عباس : ( وقت النبي r  لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة .. ) فهذا الحديث يدل على أن ذا الحليفة – مثلاً – ميقات لأهل المدينة سواء كانوا في بلادهم أو في غير بلادهم ، وأن لهم أن يتجاوزوا البلاد حتى يأتوا ميقات بلادهم . وفيما قاله – رحمه الله – نظر ، فإن النبي r  قد نص على ما تقدم وأن هذه مواقيت لمن مر عليها من أهل البلاد الأخرى. وأما قوله : ( وقت لأهل الشام ) فإن هذا من باب الغالب ولا شك أنه يسمى ميقات أهل الشام وهذا يسمى ميقات أهل المدينة  فهو ميقاتهم أي ميقات بلدهم ، وأما الأشخاص الذين يمرون عليه فسواء كانوا من أهل هذه البلدة أو من غيرهم فهذا هو ميقات من يذهب إلى مكة من جهة الشام وهذا ميقات من يذهب إلى مكة من جهة المدينة – وهكذا – فقوله r : ( هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ) يدل على أنه ميقات له ، والميقات لا يجوز لأحد أن يتجاوزه .

فما ذهب إليه جمهور العلماء أصح مما ذهب إليه الإمام مالك .

فعليه : إذا تجاوز الشامي ميقات أهل المدينة حتى أتى ميقات أهل الشام فأحرم منه فإنه قد ترك ما أوجبه الله عليه فيكون عليه دم لتركه واجباً من واجبات الحج وهو الإحرام من الميقات .

 

قوله : [ ومن حج من أهل مكة فمنها ]

من حج من أهل مكة ومن كان بها من غيرهم  فمن مكة باتفاق العلماء .؛ لقوله  r : ( حتى أهل مكة من مكة) وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم ، ومما يدل على دخول من كان بها من غيرهم ما ثبت أن النبي r  أعمر عائشة من التنعيم ، ومعلوم أن عائشة من أهل المدينة فأعطاها حكم أهل مكة في كونها تهل من الحل وهذا إنما يكون لأهل مكة .

 

قوله : [ وعمرته من الحل ]

للحديث الذي تقدم ذكره وهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي r : ( أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم ) والتنعيم هو أدنى الحل إلى مكة والحكم عام في التنعيم وغيره من الحل وإنما أعمرها من التنعيم لقربه من الحرم فهو أدنى الحل .

فعلى ذلك المكيون إذا أرادوا العمرة وكانوا في الحرم فإنهم لا يعتمرون في موضعهم الذي هم فيه بل من أدنى الحل ، وكذلك الآفاقي إذا كان بمكة وأراد العمرة وهو في الحرم فيجب أن يحرم من الحل للحديث المتقدم .

والعلة من التفريق بين الحج والعمرة : أن الحج فيه جمع بين الحل والحرم ، فإن فاعل أنساك الحج يجتمع في حقه الحل والحرم فعرفة مثلاً في الحل ومنى في الحرم ، أما المعتمر فإنه إن لم يخرج إلى الحل فإن مناسكه لا يكون فيها حل – هذا ما ذكره أهل العلم – من التفريق .

ويظهر لي أيضاً معنى آخر للتفريق وهو أن العمرة هي الزيارة والزيارة إنما تكون من الخارج لا من الداخل ، فيخرج إلى الحل ويأتي معتمراً .

إذاً : اتفق أهل العلم على التفريق بين الحج والعمرة في الإحرام فقالوا : يحرم من مكة للحج وأما العمرة فلابد أن يخرج إلى الحل سواء كان ذلك من التنعيم أو غيره .

ومن كان دون الميقات كالقرى والمدن التي تكون دون المواقيت إلى مكة فهؤلاء باتفاق العلماء يحرمون من مواضعهم ، فكل يحرم من مكانه وذلك لقوله r: ( ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ) وإن كان بينه وبين الميقات مسافة يسيرة .

وبلده كلها كمنزله فيحرم من أيها شاء وهو ظاهر كلام الفقهاء وصريح كلام الخرقي .

 

قوله : [ وأشهر الحج شوال ، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ]

" ذو القعدة " بالفتح ويصح الكسر " أي كسر القاف " القِعدة .

" ذو الحجة " بكسر الحاء ويصح بفتحها ، والمشهور هو الكسر ، هذه أشهر الحج عند جمهور العلماء.

واستدلوا بقوله تعالى :  ] الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج [ ووجه الاستدلال : قوله : ] فمن فرض فيهن الحج [ قالوا : ولا يمكن لأحد أن يفرضه إلا في عشر ذي الحجة فما قبلها وما بعدها  ليست من أشهر الحج لأنه لا يفرض فيها الحج أي لا يهل بالحج ، فإن الحج ينتهي الإهلال به بأذان الفجر من ليلة النحر . وهذا القول ثابت عن ابن عمر كما في البخاري معلقاً ووصله ابن جرير أنه قال : ( أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ) .

ويورد إشكال على ما ذهب إليه الجمهور وهو أن يقال : إن الله عز وجل قال في كتابه :  ) الحج أشهر ( والأشهر جمع ، والجمع إنما يكون في الأصل بثلاثة ، وهذه شهران وبعض شهر ، وليست بجمع .

فأجابوا عن ذلك بأن هذا من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء وهذا مشهور في لغة العرب ، فإن الرجل يقول قمت الليل ولم يقم إلا بعضه ، ويقول : رأيت فلاناً اليوم ، ولم يره إلا بعضه ، وهذا أسلوب معروف في لغة العرب .

وذهب المالكية إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملاً وهو ثابت عن ابن عمر كما عند ابن جرير بإسناد صحيح وعليه فقد اختلف قول ابن عمر في هذه المسألة .

واستدلوا : بقوله تعالى :  ) الحج أشهر معلومات ( فقوله : ] أشهر [ جمع ، وهذا يصدق في الأصل على ثلاثة ، وما ذكره   الجمهور – تأويلٌ ، فإن إطلاق الكل على الجزء تأويل ، والأصل إطلاق الكل على الكل ، فإذا قال رجل : قمت الليل ، فالأصل أنه قامه كله إلا أن تكون هناك قرينة تدل على أنه لم يقمه كله .

قال الجمهور – قرينتنا – قوله تعالى :  ) فمن فرض فيهن الحج ( فهذه قرينة تدل على أنه أطلق الكل وأراد به الجزء .

ويمكن أن يجاب على هذا بأن يقال : إنكم قد أدخلتم فيها العاشر من ذي الحجة ومعلوم أن يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر لا يفرض الحج فيه ، فإن الحج ينتهي بما يمكن أن يدرك فيه يوم عرفة ، ويوم عرفة يدرك بإدراك جزء يسير قبل أذان الفجر من يوم النحر .

فما ذهب إليه المالكية أصح في هذه المسألة ، فإن يوم الحج الأكبر أعظم أيام الحج لا يفرض الحج فيه ومع ذلك قطعاً هو من أيام الحج ، على أن اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أيام فيها مناسك الحج .

فما ذهب إليه المالكية أصح ، وأما قوله تعالى :  ) فمن فرض فيهن الحج ( فيرجع إلى السُّنة وقد بينت السنة أن أشهر الحج التي يفرض فيها الحج ما يمكن أن يدرك فيه يوم عرفة ، فيبقى هذه خصيصة لما قبل يوم النحر في إدراك الحج وفرضه فيه ، وتبقى الأيام الأخرى من شهر ذي الحجة من أشهر الحج وهو ما اختاره شيخنا الشيخ محمد ، وهذه المسألة لا يترتب عليها كبير ثمرة في المسائل الفقهية

 

مسألة:

إذا أهل بالحج قبل أشهره ، وهذا وإن كان لا يقع  كثيراً في هذه الأزمان إلا نادراً ، فإذا أهل قبل أشهر الحج كأن يهل بالحج في رمضان فهل يصح حجه أم لا ؟

قولان لأهل العلم :

قال الحنابلة : يصح حجه لكن يكره – وهو مذهب جمهور العلماء .

واستدلوا بقوله تعالى :  ) يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ( والأهلة هي أهلة القمر أي أهلة الشهور ، فهنا قال تعالى :  ) يسألونك عن الأهلة ( أي بيِّن لنا الأهلة ، فصرفهم الله إلى الفائدة منها فقال :  ) هي مواقيت للناس والحج ( ، قالوا : فقوله : ] مواقيت للناس والحج [ يدل على أن الأشهر كلها مواقيت للحج

وقال الشافعية : إذا أهل قبل أشهر الحج لم يجزئه ذلك .

قال الشافعية : قوله تعالى :  ) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج  ( دليل على أنه لا يجوز له أن يحرم قبل هذه الأشهر  ، فإن قوله تعالى :  ) الحج أشهر ( خبر من الله تعالى بأن الحج أشهر ، والحج لا يخبرعنه بكونه أشهر فإنه فعل مناسك فتبين أن هناك محذوف مقدَّر والتقدير : " مواقيت الحج أشهر " وهذا من باب حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه ، فدل على أن مواقيت الحج هي هذه الأشهر ، ومعلوم أن الميقات لا يجوز أن يتجاوز لا بتقديم ولا بتأخير وقد قال تعالى :  ) فمن فرض فيهن ( فدل على أن الفرض لا يكون إلا فيهن .

وأجابوا عن الآية المتقدمة قالوا : قوله تعالى :  ) يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ( هنا جعل الله الأهلة مواقيت للحج ؛ لأن أشهر الحج تعرف بمعرفة بقية الشهور ، فإنا نحتاج إلى معرفة شهر شوال بمعرفة خروج شهر رمضان وبمعرفة صحة دخوله وهكذا .  فعلى ذلك هذه الآية فيها بيان أن الأهلة يستعان بها على معرفة الحج .

أو أن المراد أن بعض الأهلة مواقيت للحج وهي الأشهر الثلاثة .

ومذهب الشافعية أصح وأن الإهلال لا يصح ، وحينئذ فينقلب عمرة لأن النبي r  أمر أصحابه وقد أهلوا بالحج أن يحلقوا رؤوسهم فتكون لهم عمرة .

 

مسألة :

في المواقيت المكانية:

تقدمت المواقيت المكانية وأن الواجب هو ألا يتجاوزها فإذا أحرم قبل الميقات المكاني فهل يجزئ ذلك عنه أم لا ؟

أجمع أهل العلم على أن ذلك يجزئ واتفقوا على أن المشروع أن يحرم منها ، وأن الإحرام قبلها مكروه .

 وأما ما رواه البيهقي أن النبي r  قال : ( من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك ) ففيه جابر بن نوح وهو ضعيف الحديث .

 وأما ما رواه أبو داود من أن النبي r  قال : ( من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأدخل الجنة ) ففيه جهالة ، وقال ابن القيم : قال غير واحد من الحفاظ : " إسناده ليس بالقوي " .

 

مسألة :

هل يجوز له أن يتجاوز الميقات من غير إحرام إن كان غير مريد للحج والعمرة ؟

قولان لأهل العلم :

1- ذهب جمهور العلماء وهو مذهب الحنابلة : إلى أنه لا يجوز له أن يمر من الميقات إلا بإحرام . وعليه فيتحلل بعمرة.

واستدلوا : بما ثبت عند البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال : ( لا يدخل مكة أحد من أهلها أو من غير أهلها إلا بإحرام ) .

2- وذهب الشافعية : إلى جوازذلك ، وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة من أصحابه كابن عقيل .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين أن النبي r  : ( دخل مكة وعلى رأسه المغفر ) أي دخل مكة فاتحاً وهو غير محرم .

واستدلوا : بمفهوم قول النبي r : ( ممن أراد الحج أو العمرة ) فمهومه أن من لم يرد الحج والعمرة فلا يجب عليه أن يحرم من هذه المواقيت .

قالوا : وأما أثر ابن عباس فهو مخالف بأثر ابن عمر الذي رواه البخاري في صحيحه معلقاً ووصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ، أنه كان لا يفعل ذلك ، فهذا فعل منه يخالف ما ورد عن ابن عباس ، والحجة فيما ثبت عن النبي r .

فما ذهب إليه الشافعية هو الصحيح .

 


بابُ  الإحـــرام

 

 قوله [ الإحرام نية النسك ]

الإحرام في اللغة : مصدر أحرم ، يقال : أحرم يحرم إحراماً وهو الدخول في الحرام .

وأما في الشرع فقال المؤلف هنا : نية النسك .

والنية تقدم تعريفها بأنها : القصد الجازم ، والنسك : هو الحج أو العمرة .

وهنا يشكل أن الرجل إذا خرج من بلدته إلى مكة فهو قاصد جزماً الحج أو العمرة ومع ذلك فلا يعد محرماً ، وإنما يعد محرماً إذا أتى الميقات فنوى فيه ، وحينئذٍ فيجب أن يقيَّد بما قيَّده المؤلف كما في الشرح بأن يقال: نية الدخول في النسك أي نية الدخول في الحج أو العمرة – ولا شك أن هذا القيد هو مراد المؤلف-.

والصلاة كذلك فإن الرجل يخرج من بيته وهو قاصد الصلاة وأما النية التي هي شرط في الصلاة فهي نية الدخول في الصلاة ، فالإحرام هو نية الدخول في النسك سواء كان النسك حجاً أو عمرة.

فنية الفعل لا تؤثر حتى ينوي الدخول فيه

وهل يشترط فيه شرط آخر ؟

جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية في المشهور عندهم : أنه لا يشترط شيء ، فإذا نوى الدخول في النسك فإن ذلك يجزئ عنه ولا يشترط شرطاً آخر سوى ذلك .

وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام : إلى أنه يشترط مع النية قول أو فعل يدل على النية وهو أن يسوق الهدي أو أن يلبي .

فإذا أتى رجل الميقات ولم يسق الهدي ولم يتلفظ بقول : " لبيك عمرة أو لبيك حجاً " أو  يقول  " لبيك اللهم لبيك ..." فإنه لا يجزئ عنه .

أما الأحناف : فإنهم قاسوا الحج على الصلاة ، فإن الرجل إذا صلى بنية فإنه لا يجزئ عنه إلا بتكبيرة الإحرام .

وأما شيخ الإسلام فعلل ذلك بقوله : إن الرجل إذا خرج من بلدته إلى مكة فإنه قاصد الحج والعمرة ناوٍ ذلك ففرض عليه إذا نوى عند الميقات أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يدل على إرادته للحج ، والقول هو التلبية والفعل هو سياقة الهدي .

وعليه - فإن مقتضى تعليله – رحمه الله – أنه يجزئ عنه تجرده ، فإذا تجرد ولبس الإزار والرداء فإن هذا فعل في أزماننا لا يراد إلا للحج فيكون دليلاً على نيته .

و الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء وذلك لأن الأصل هو الاكتفاء بالنية ، وتكبيرة الإحرام قد دلت الأدلة الشرعية على أنها ركن من أركان الصلاة ولم يرد مثل ذلك في التلبية في الحج أو في سياقة الهدي .

 

قوله : [ سُنَّ لمريده الغسل ]

لمريده : عام للذكر و الأنثى والجنب وغير الجنب والصغير والكبير ممن أراد النسك .

فيسن لمن يريد الدخول في النسك الغسل ، ودليله ما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عمر قال : ( من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة ) وقول الصحابي من السنة له حكم الرفع .

ويدل عليه أيضاً ما ثبت في مسلم أن النبي r : ( أمر أسماء بنت عميس وكانت نفساء أن تغتسل عند إحرامها )

 

قوله : [ أو تيمم لعدم ]

فإن لم يقدر على الاغتسال لعدم ماء أو لعذر كمرض أو برد فإنه يسن له أن يتيمم – هذا هو قول القاضي من الحنابلة – وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة .

ودليلهم : أن التيمم ينوب عن الغسل في الطهارة المشروعة أو المفروضة كما يكون هذا فيمن أصيب بجنابة فلم يجد ماءً يغتسل به فإنه يتيمم .

واختار الموفق وصوبه وصاحب الإنصاف : أنه لا يشرع له التيمم .

قالوا : لأن هذا الغسل غسل مستحب ، قالوا : والأغسال المستحبة إنما شرعت للتنظيف وإزالة القذر فهي مشروعة لذلك ، والتيمم لا يحصل به ذلك .

قلت : ومما يدل على ذلك ما تقدم من أمر النبي r  أسماء بنت عميس أن تغتسل وكانت نفساء ومعلوم أن غسلها لا يفيدها طهارة ،  وإنما يراد منه التنظف وإزالة القذر من عرق ونحوه  وهذا هو القول الراجح .وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

 

قوله : [ وتنظيف ]

أي أخذ ما ينبغي أخذه ، فيستحب له التنظف بأن ينتف إبطه ويحلق عانته ويقلم أظافره ويزيل ما يكون في بدنه من الأوساخ ونحو ذلك .ودليل ذلك : مشروعية الاغتسال فإنه تقدم أن الاغتسال إنما شرع للتنظيف فيشبهه إزالة الأقذار وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة فإنها مستحبة لما فيها من التنظيف فهذا من باب القياس على الاغتسال ، فالاغتسال إنما شرع للتنظيف وهنا كذلك .

 

قوله : [ وتطيب ]

فيستحب له أن يتطيب عند إحرامه ، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : ( كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ) قالت :    ( وكأني أنظر إلى وبيص " أي لمعان " الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ) وهذا الحديث فيه فائدتان:

الأولى : ما تقدم وهو مشروعية الطيب عند الإحرام .

الثانية : أنه لا بأس باستدامته ، فإذا وضع الطيب على رأسه فبقي بعد الإحرام فإنه لا بأس بذلك ، أو بقي على ردائه بعد الإحرام فلا حرج في ذلك ، ومما يدل عليه ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة قالت : ( كنا نخرج مع النبي r إلى مكة فنضمد ـ أي نلطخ ـ جباهنا بالسُك المطيَّب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي r فلا ينهاها ) وفي هذا الحديث فائدة أخرى وهي أنه إذا تحول الطيب من موضع إلى موضع بغير فعل من المحرم فلا حرج ، كأن ينتقل بسبب  الشمس ، أو العرق .

أما إذا أخذه المحرم بيده فوضعه في موضع آخر فإن ذلك ابتداء للتطيب في ذلك الموضع فيجب عليه أن يفدي .

ولا فرق بين الطيب الذي يبقى أثره ولونه ، وبين الطيب الذي لا يبقى أثر له إلا الرائحة .

مثال الأول : المسك ومثال الثاني : البخور  ، فلا فرق بينهما .

وذهب الإمام مالك : إلى أن استدامته من محظورات الإحرام ، واستدل بما في الصحيحين أن النبي r  أتاه رجل في عمرة الجعرانة ( وكانت في السنة 8 هجرية ) فقال يا رسول الله : كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب ؟ فسكت النبي r ساعة ثم قال : ( اغسل الطيب الذي عليك ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها …) الحديث وهو من حديث يعلى بن أمية .

وردّ هذا جمهور العلماء بأن هذا الحديث منسوخ فإنه كان في السنة الثامنة للهجرة في عمرة الجعرانة، وأما ما تقدم فكان في حجة الوداع في السنة العاشرة فهي أحاديث ناسخة لحديث يعلى بن أمية المتقدم .

·   والمذهب انه يكره أن يطيب ثوبه ، وقيل ـ ويحتمله كلام الموفق ـ : أن تطييب ثوبه كتطييب بدنه . قال الزركشي : وقد شمله كلام كثير من الأصحاب . وهو أصح لكن إن نزعه فليس له لبسه فإن فعل فدى . وحرمه الآجري لحديث ( ولا يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران ) .

 

قوله : [ وتجرَّد من مخيط ]

المخيط : هو الثوب المفصل على شيء من البدن كالقمص والسراويل وليس المراد ما فيه خيوط ، فالمراد : الثوب المفصل على شيء من البدن سواء كان البدن كله أو جزء منه كالقمص والسراويل .

وأما ما كان فيه خيوط كأن يكون عليه رداء فيه خيوط أو نعول فيها خيوط فإن هذا لا حرج فيه وليس أحد من العلماء ينهى عن ذلك ، وإنما يريدون بالمخيط الثياب المفصلة على قدر البدن أو بعضه .

فإذاً : يسن أن يتجرَّد من المخيط ، وقد روى الترمذي بإسناد فيه جهالة أن النبي r : ( تجرَّد لإهلاله واغتسل) .

وقال r  – كما سيأتي - : ( وليحرم أحدكم بإزار ورداء ونعلين ) فيسن له أن يتجرد من الثياب المخيطة.

وهذا فيه إشكال فإنه من المعلوم الإجماع على أن من لبس مخيطاً فإن عليه فدية – وسيأتي - .

وزوال الإشكال أن يقال : إن مراد المؤلف قبل الإحرام فقبل نية النسك يستحب له أن يخلع ما عليه من المخيط لتكون نيته للنسك وليس عليه شيء يحتاج إلى إزالته .

وعليه : فإذا نوى النسك وعليه شيء من المخيط فخلعه فلا حرج عليه في ذلك .

أما إذا استدامه ولم يزله فوراً فعليه الفدية .

فالواجب عليه بمجرد نية النسك أن يزيل ما عليه فإذا تركه ولو لحظة مع إمكان إزالته فإن عليه الفدية.

فمرادهم يسن قبل إحرامه لئلا يعرّض إحرامه لبقاء هذه الثياب المخيطة عليه لحظة من زمن مستديماً لها مفرطاً فتلزمه الفدية .

 

قوله : [ ويحرم في إزار ورداء أبيضين ]

للحديث المتقدم الذي رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح أن النبي r  قال : ( وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين )

وأما دليل استحباب كونهما بيضاً فقوله r : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم ) رواه أبو داود وغيره ، فإن أحرم بثوب ذي لون آخر فلا حرج في ذلك .

 

قوله : [ وإحرام عقب ركعتين ]

فيستحب له أن يكون إحرامه بعد ركعتين ، فإن كانت فريضة فبعد أن يصلي الفريضة ، وإن لم تكن فريضة صلى ركعتين للإحرام ، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة .

واستدلوا : بما روى أبو داود من حديث ابن عباس أن النبي r  : ( أهل عند المسجد بعد أن صلى فيه ركعتين ) والحديث فيه خُصيف بن عبد الرحمن وهو ضعيف ، لكن له شاهد عند البزار من حديث انس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل دبر الصلاة ) .

واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، أن المستحب له أن يصلي إن وافق فريضة وإلا فإنه ليس للإحرام صلاة تخصه .

قالوا : لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص صلاة للإحرام لا بقوله ولا بفعله .

وأما ما تقدم من حديث ابن عباس فكان ذلك بعد الفريضة ، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال :   ( صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء ) فكان ذلك بعد صلاة الصبح فهما الركعتان اللتان ذكرهما ابن عباس في الحديث الذي تقدم أنه حديث حسن لغيره .

فعلى ذلك يستحب له أن يحرم بعد صلاة الفريضة ، فإن لم توافق فريضة فلا يشرع أن يصلي صلاة بنية أنها للإحرام فإن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بقوله ولا بفعله .

 

قوله : [ ونيته شرط ]

فنية الإحرام شرط وهذا ظاهر فإن النبي r  قال : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) متفق عليه .

والحج عمل فلا يصح إلا بنية فمن شروط الحج النية ، فإن حج بلا نية لم يصح حجه .

 

قوله : [ ويستحب قول : اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي ]

ولم يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا أصل له ، وإنما ثبت عنه قوله : ( لبيك عمرة في حجة )

 

قوله : [ وإن حبسني حابس فمحِلِّي حيث حبستني ]

" إن حبسني حابس " يعني منعني من الوصول إلى المناسك مانع من مرض أصبت به أو عدوٍ أو نحو ذلك فمحلي حيث حبستني ، فإذا قال مثل هذه العبارة فحصل له شيء فإنه يحل من حجه ولا شيء عليه ، فلا يجب عليه هدي الإحصار .أي يحل مجاناً .

قالوا : لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : دخل النبي r  على ضباعة بنت الزبير فقالت : يا رسول الله : إني أريد الحج وأنا شاكية " أي مريضة " قال : ( حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ) ، وفي النسائي : ( فإن لك على ربك ما استثنيت ) .

قالوا : فهذا يدل على مشروعية الاشتراط ، وهذا سواء كان للشخص عذر يحتمل وقوعه أم لم يكن ، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة .

واختار شيخ الإسلام أن ذلك لا يشرع إلا للخائف ، فإن اشترط الخائف نفعه ذلك .

كرجل مريض يخشى أن يؤثر عليه المرض ويمنعه من الحج فيشترط إن حبسه حابس أن محله حيث حبس فحينئذٍ متى ما ثقل عليه المرض فلم يستطع أن يمضي إلى الحج وقد أحرم فيه فإنه يحل ولا شيء عليه .

ومثل ذلك : لو كانت البلاد خائفة فاشترط ثم كان في الطرق ما يخل بأمنها بحيث أنه لا يستطيع المضي لأداء الحج فإنه يحل ولا شيء عليه .

وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الراجح فإن النبي r  لم يقل ذلك ولا أمر به أصحابه ، وإنما أمر به من كانت شاكية خائفة أن تمنعها شكايتها من تمام حجها ، فعلّمها النبي r  هذا الاشتراط ، وهذا هو القول الراجح .

فيستحب ذلك لمن كان خائفاً كالمريض والخائف ونحوهما فيستحب لهم ذلك وينفعهم ذلك ، فإن حدث لهم مانع فإنهم يحلون ولا شيء عليهم .

أما الآخر فإنه لا يشرع له ولا يترتب عليه هذه الأحكام لأن هذا فعل غير مشروع فلا تترتب عليه الأحكام الشرعية .

 

قوله : [ وأفضل الأنساك التمتع ]

الأنساك ثلاثة : التمتع والقران والإفراد .

فالتمتع والقران يجمع فيهما بين العمرة والحج ، والفرق بينهما أن التمتع يتحلل منه المعتمر ثم يهل بالحج في أشهره ، وأما القران فإنه يقرن بينهما من غير تحلل .

فعلى ذلك التمتع : هو الإهلال بالعمرة والحج في أشهر الحج بتحلل بينهما ، فيقول في الميقات : لبيك عمرة ، ثم يؤدي مناسك العمرة ثم يتحلل الحل كله ثم يهل بالحج – وهذا كله في أشهر الحج – وعليه فإذا أهل بالعمرة في رمضان ثم مكث في مكة إلى الحج فأهل به فليس بمتمتع ، فإن التمتع عند أهل العلم الجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج .

وأما القران فهو أن يهل بالعمرة والحج معاً ، فيقول عند الميقات : " لبيك عمرة وحجاً " أو " لبيك عمرة في حجة " ويفعل مناسك العمرة والحج ولا يتحلل بينهما ، فلا يتحلل إلا إذا رمى الجمرة يوم النحر.

وأما الإفراد : فهو أن يهل بالحج مفرداً فلا يدخل فيه عمرة .

وقد قال المؤلف : " أفضل الأنساك التمتع "

اعلم أن جماهير العلماء على أن المسلم مخير بين هذه الأنساك الثلاثة فإن شاء أهل متمتعاً وإن شاء أهل قارناً وإن شاء أهل مفرداً واستدلوا : بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله r  : ( من أراد أن يهل بالحج والعمرة فليفعل " وهذا هو القران " ومن أراد أن يهل بالعمرة فليفعل " وهذا هو التمتع " ومن أراد أن يهل بالحج فليفعل "وهذا هو الإفراد "

وذهب ابن عباس رضي الله عنهما – وهو مذهب ابن حزم ومال إليه ابن القيم – إلى أن التمتع واجب، وذكر ابن القيم في زاد المعاد أربعة عشر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أمره بالتمتع لأصحابه في حجة الوداع .

فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : ( كانوا أي أهل الجاهلية – يرون الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة بأصحابه صبيحة رابعة مهلين أمرهم أن يهلوا بعمرة " أي أن يقلبوا حجهم إلى عمرة " فيعتمرون ثم يحلون ثم يحجون ) فقالوا : يا رسول الله : أي الحل فقال : الحل كله ) .

وثبت في الصحيحين عن جابر : أن النبي r : لما قدم مكة أمر أصحابه فقال : ( أحلوا من إحرامكم بالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدِمْتُم بها متعة فقالوا : يا رسول الله كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج ؟ فقال : افعلوا ما أمرتكم ولولا أني سقت الهدي لفعلت الذي أمرتكم به ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله )

وفي الصحيحين عن عائشة قالت : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لا نذكر إلا الحج ) الحديث  وفيه :( فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لأصحابه :اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه هدي )

فهذه أحاديث صحيحة فيها أمر النبي r  وسلم أصحابه أن يهلوا بعمرة وأمر النبي r  للوجوب .

قالوا : وأما ما استدل به الجمهور من حديث مسلم عن عائشة فإن هذا كان قبل أن يقدم النبي r  مكة فإنه قال ما تقدم : ( من أحب أن يهل بالحج والعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالحج فليفعل ) فلما قدم مكة أمرهم بأن يهلوا بعمرة كما تقدم من حديثها نفسها ، فإنها قالت في الحديث المتفق عليه المتقدم :     ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لا نذكر إلا حجاً ) إلى أن قالت : ( فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لأصحابه : اجعلوها عمرة ) فنسخ النبي r  التخيير المتقدم .

فهذه أحاديث ظاهرة في وجوب ذلك .

وسلك شيخ الإسلام مسلكاً آخر وارتضاه الشنقيطي في أضواء البيان وهو الراجح فقال : هذا الوجوب الذي دلت عليه الأحاديث المذكورة كان على أصحاب النبي r  خاصة أما غيرهم فإن ذلك يستحب لهم ولا يجب .

واستدل : بما روى أبو داود في سننه من حديث الحارث بن بلال عن أبيه أن النبي r  سُئل فقيل له: ( ألنا خاصة أم للناس عامة ؟ فقال : بل لكم خاصة ) لكن الحديث فيه الحارث بن بلال وهو مجهول .وقال أحمد : حديث بلال ليس عندي ثابت .

واستدل شيخ الإسلام أيضاً : بما ثبت في مسلم عن أبي ذر أنه قال : ( كانت المتعة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ) ونحوه عن عثمان في مسند أبي عوانة بإسناد صحيح .

وأما حديث سراقة وفيه : ( ألعامنا هذا أم للأبد ؟ قال : بل للأبد ) فقالوا : إن الذي للأبد هو مشروعية فسخ الحج إلى العمرة لمن أهل به ، وأما وجوب الفسخ فهو خاص بأصحاب النبي r .

 والمعنى يدل على ذلك فإن أهل الجاهلية كانوا يعتبرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ، فزال ذلك بإيجابه على الصحابة ، ويدل على ذلك أنه مذهب الأكابر من أصحاب النبي r  كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم .

وأفضل الأنساك في المشهور عند الحنابلة هو التمتع ، وهم يقولون – كما تقدم – بالتخيير بينه وبين القران والإفراد .

والتمتع عندهم أفضل للأحاديث المتقدمة فإنهم حملوها على الاستحباب ، وظاهر ذلك أن هذا مستحب مطلقاً ،  لكن ذكر شيخ الإسلام : أن نص الإمام أحمد وغيره من الأئمة الأربعة على أنه إن أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة أخرى فإن ذلك أفضل ، ودليل هذا ما ثبت في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر بن الخطاب قال : ( إنكم إن تفصلوا بين الحج والعمرة فتحرموا بالعمرة في غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم وعمرته )

فالإمام أحمد نص على أن من أراد أن يفرد كلاً منهما بسفر فإنه هو الأفضل ، فإذا جمع بينهما فإن الأفضل هو التمتع ، أما إن أراد عمرة منفردة بسفرة منفردة ، وحجة منفردة بسفرة منفردة فإن هذا أتم لحجه وعمرته كما ورد ذلك عن عمر ؛ لئلا يخلو البيت من المعتمرين في بقية السنة .

قال ابن القيم : صح عن عمر من غير وجه أنه قال : ( لو اعتمرت في السنة مرتين لجعلت مع حجي عمرة ) رواه الطحاوي وغيره ، وقد يحمل هذا على أن ما تقدم         عن عمر فيمن لا يعتمر سنته تلك .

 

قوله : [ وصفته أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه ]

فلابد أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فإن أحرم بها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع اتفاقاً .

ومثل ذلك في المشهور من المذهب وهو أصح قولي العلماء : لو أحرم في رمضان وفعل المناسك في شوال فإنه لا يعد متمتعاً ، كرجل أحرم في آخر نهار رمضان وفعل المناسك ليلة العيد أو صبيحة العيد أي في شوال فإنه ليس بمتمتع ، لأن الإحرام وهو ركن من أركان العمرة ، قد وقع في غير أشهر الحج ، ولا تكون العمرة في أشهر الحج حتى تكون العمرة كلها في أشهر الحج ، وهنا قد وقع الإحرام في غير أشهره .

ولابد أن يهل بالحج في عامه ذلك ، فإن أهل في عام آخر فليس بمتمتع ، فلو أن رجلاً أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم مكث بمكة سنة حتى أتى الحج القادم فأهل بالحج فليس بمتمتع .

وقد روى البيهقي بإسناد حسن – كما قال النووي – عن سعيد بن المسيب قال : ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا في عامهم ذلك لم يهدوا )

ويدل على ذلك أيضاً الآية الكريمة : ) فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ( فظاهر الآية الموالاة بين الحج والعمرة ، فإن اعتمر في سنة وحج في أخرى فلا موالاة . فالتمتع : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، وأن يكون الحج في العام نفسه الذي اعتمر فيه وإلا فليس بمتمتع ، وبالتالي فليس عليه دم.

فلو أن رجلاً أهل بالعمرة في غير أشهر الحج ثم مكث في مكة إلى الحج فأهل بالحج فليس بمتمتع وليس عليه حينئذٍ دم هدي التمتع ، ولو أنه أهل بالعمرة في أشهر الحج لكنه لم يحج إلا في عام آخر فإنه ليس عليه دم ؛ لأنه ليس بمتمتع ، وقد قال تعالى : ) فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ( وهو في هاتين المسألتين السابقتين ليس بمتمتع وهذا مما اتفق عليه أهل العلم .

 

قوله : [ وعلى الأفقي دم ]

الأفقي : هو من ليس بحاضر المسجد الحرام .

فإذا تمتع حاضر المسجد الحرام فلا هدي عليه بلا خلاف بين العلماء ، أما من لم يكن حاضراً للمسجد الحرام فعليه هدي

وحاضر المسجد الحرام : هو من كان في الحرم أو بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة.

ودليل المسألة قوله تعالى : ) فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام (

والحاضر للمسجد الحرام هو المكي ومن بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة .

أما المكي فلا إشكال في أنه حاضر المسجد الحرام ، وأما غيره فلأنه في حكم الحاضر له ولذلك صلاته صلاة حضر ، فمن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة أو هو في موضع لا تقصر فيه الصلاة فإن صلاته حضر لا سفر .

وهنا فروع في هذه المسألة :

الفرع الأول : إذا اعتمر من ليس أهله حاضري المسجد الحرام في الحج ثم أنشأ سفراً آخر ثم رجع من سفره بحجة فهل يجب عليه الهدي أم لا ؟

مثال ذلك : رجل سافر إلى مكة معتمراً في أشهر الحج لكنه لم يمكث في مكة بل سافر سفراً تقصر فيه الصلاة كأن يسافر - مثلاً - إلى الطائف أو إلى خارج البلاد ثم يأتي من هذه البلدة التي سافر إليها ويأتي مهلاً بحج ، فهل يجب عليه الهدي ؟

قولان لأهل العلم :

القول الأول : وهو مذهب الأئمة الأربعة : أنه لا يجب عليه الهدي ، على خلاف بينهم في هذا السفر. فمنهم من قال : هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة - كما هو مذهب الحنابلة - ، ومنهم من قال : إذا ذهب إلى الميقات ثم رجع حاجاً فلا هدي عليه ، وهذا مذهب الشافعي ، ومنهم من قال : بل إذا رجع إلى بلده خاصة كما هو مذهب أبي حنيفة

القول الثاني: ذهب إليه الحسن البصري واختار ذلك ابن المنذر إلى أنه لا يسقط عنه مطلقاً .

والراجح ما ذهب إليه عامة أهل العلم ؛ وذلك أن التمتع كما تقدم إنما يشرع لغير أهل مكة ، وقد أوجب الله على المتمتع دماً إن كان غير حاضر للمسجد الحرام ، فدل ذلك أن هذا الدم لجمعه بين نسكين في سفرة واحدة ، فإذا سافر بينهما لم يجب عليه هدي . والله أعلم

الفرع الثاني : هل يشترط أن ينوي في عمرته في ابتدائها أو في أثنائها أنه يريد الحج وأنه سيتمتع أم لا يشترط ذلك ؟

رجل ذهب في شوال معتمراً فلما تحلل نوى أن يمكث في مكة حتى يأتي الحج فيحج فهل هو متمتع فيجب عليه الهدي أم ليس بمتمتع حتى ينوي في عمرته التمتع ؟

أي : هل يشترط وهو في الميقات وقد قال لبيك عمرة أن ينوي أنه سيتمتع سواء كان ذلك في مبتدأ تلبيته أو كان ذلك في أثناء العمرة وقبل أن يحل أم لا يشترط ذلك ؟

المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك شرط كالجمع بين الصلاتين ينوي في وقت الأولى

واختار الموفق أن ذلك ليس بشرط ، وهذا هو القول الراجح فإنه لا دليل على اشتراطه ، ولأنه قد تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل في عموم الآية ، واشتراط النية أثناء العمرة لا دليل عليه .

وعليه فلو ذهب معتمراً من غير أن ينوي أن هذه العمرة سيتمتع بها إلى الحج فلما أحل نوى أن يحج فهو متمتع وعليه الهدي .

الفرع الثالث : هل الهدي واجب على من جمع بين نسكي الحج والعمرة ، ولكن أحدها له والآخر لغيره ؟

كمن جمع بين الحج والعمرة بأن كانت العمرة له والحج عن غيره ، فهل عليه الهدي أم لا ؟

قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة .

والمشهور في مذاهبهم وجوب الهدي عليه ؛ نظراً للفاعل فإن الفاعل واحد ، والنسك قد حصل من قِبَل فاعل واحد فوجب عليه الهدي .

وقال بعض العلماء وهو قول في مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة خلافاً للمشهور في مذاهبهم، قالوا : لا يجب عليه الهدي ؛ نظراً لأن أحد النسكين له والآخر ليس له . والأظهر هو الأول .

·   واعلم أن القِران باتفاق أهل العلم داخل في حكم التمتع في باب الهدي ، فالقارن يجب عليه أن يهدي ، والصحابة يطلقون على القران تمتعاً كما في غير حديث ثابت عنهم كما في الصحيحين وغيرهما .

وقد أهدى النبي r  -كما في الصحيحين - عن أزواجه وكن قارنات ؛ ولأنه قد جمع بين النسكين فأشبه المتمتع الجامع بينهما ، وهذا –كما تقدم - مما اتفق عليه العلماء .

 

استدراك :

التمتع يشرع لمن لم يسق الهدي ، بل الواجب على من ساق الهدي أن يكون قارناً ولا يجوز له أن يتمتع لما سبق من الأحاديث

مسألة :

المشهور في المذهب أنه يستحب للمفرد أن يعتمر بعد حجه ، والصواب أنها لا تشرع ، وهو اختيار شيخ الإسلام .

 

قوله : [ وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة ]

إذا حاضت المرأة المتمتعة فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة ، فإذا لبت المرأة بعمرة على أنها متمتعة ثم طرأ عليها الحيض قبل الطواف بالبيت ، والمرأة ممنوعة من الطواف بالبيت - كما سيأتي دليله - فإن بقيت منتظرة طهرها حتى تطوف لعمرتها فات عليها الوقوف بعرفة فإنها تحرم بالحج وتصير قارنة . مثال ذلك : في صبيحة اليوم الثامن أهلت بعمرة عند الميقات فأتاها الحيض ، والحيض يمكث معها عدة أيام بحيث أنها لا تطهر قطعاً إلا بعد الوقوف بعرفة وهي لم تهل بالحج بعد ، فإذا انتظرت حتى تطهر لتطوف بالبيت لعمرتها فاتها الحج ، فتدخل الحج على عمرتها وتكون قارنة فتقول : لبيك حجاً ، فتقف بعرفة وتفعل المناسك كلها وتطوف بالبيت إذا طهرت .

ودليل هذه المسألة ما ثبت في مسلم عن عائشة أنها أهلت بالعمرة فلم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فلما كان يوم النفر قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) . وهذا جائز باتفاق العلماء .

·        وهنا مسألة بعكس هذه المسألة : وهي مسألة إدخال العمرة على الحج .

رجل أهل بالحج مفرداً ثم بدا له أن يدخل العمرة فيكون قارناً " وقد يكون محتاجاً لذلك " بحيث أنه لا يمكنه التمتع كأن يكون قد ساق الهدي تبرعاً وقد أفرد الحج فأحب أن يدخل العمرة فيكون قارناً فهل يصح ذلك؟

1- قال الحنابلة : لا يصح ذلك ؛ لأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر.

2- وقال الأحناف : يصح ذلك ، وهذا القول أصح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يقلبوا حجهم إلى عمرة ولا شك أن مسألتنا أولى بالجواز من ذلك ، فإن إدخال العمرة على الحج مع بقائه أولى من إبطال الحج وإثبات العمرة .

مسألة :

حكم من أهل بالنسك مبهماً ؟

وصفة الإبهام أن يقول : أهللت أو لبيت بمثل ما أهل به فلان أو لبى به فلان ، فهذا هو الإهلال المبهم .

وحكمه الجواز بدليل : ما ثبت في الصحيحين بأن أبا موسى الأشعري : ( قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بم أهللت ؟ فقال : قلت : لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أحسنت ، فأمرني بالطواف بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال : أحل )

فإن جهل ما الذي أحرم به فلانٌ فالمستحب أن يصرفه إلى عمرة .

مسألة :

يقاس على الإهلال مبهماً ، ما إذا نوى نسكاً وأطلق ولم يعين فيقول : " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك… " من غير أن يقيد حجاً أو عمرة أو حجاً وعمرة ، فقد نوى الدخول في النسك لكنه لم ينو أن يكون متمتعاً ولا قارناً ولا مفرداً ، فهذا جائز باتفاق العلماء قياساً على المسألة السابقة ويصرف نسكه لما شاء ، وما عمل قبل صرفه لا يعتد به ، لكن المستحب له أن يعين ، كما تقدم من حديث عائشة في مسلم الذي فيه : أن النبي r حث أصحابه على التعيين فقال : ( من أحب أن يهل بالحج والعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالعمرة فليفعل ……) الحديث ، فهنا النبي r  قد استحب لهم التعيين .

 

قوله : [ وإذا استوى على راحلته قال : لبيك اللهم لبيك ….]

وهل المستحب له أن يكون ذلك عند مسجد الميقات أو يكون ذلك إذا أتى البيداء " وهي الموضع المرتفع وهو داخل الميقات " ؟

ورد عن النبي r  أحاديث في هذا وهذا :

أما إهلاله على البيداء ، فقد ثبت هذا من حديث أنس بن مالك في البخاري قال : ( حتى إذا استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبحه وهلله ثم أهل بالحج والعمرة فأهل الناس معه ) ، وهو أيضاً ثابت في البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

وأما إهلاله عند المسجد : فهو ثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال : ( ما أهل النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند المسجد )

بل أنكر أن يكون قد أهل على البيداء وقال : ( بيداؤكم هذه التي تكذبون بها على النبي صلى الله عليه وسلم ، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند المسجد ) رواه مسلم ، وفي البخاري أنه قال : ( حتى استوت به راحلته قائمة) أي عند المسجد .

فإذاً : الأحاديث اتفقت على أن المستحب له أن يهل بالحج أو العمرة إذا استوت به راحلته ، ومن الصحابة من روى أنه أهل عند المسجد ، ومنهم من روى أنه أهل عندما استوت به راحلته على البيداء ، والجمع بينهما أن يقال : كل منهما حدث بما رأى . فابن عمر رآه يهل عند المسجد ، وأنس وابن عباس رأياه يهل وقد استوت به راحلته على البيداء ، وكل قد فعله النبي r .

فعلى ذلك المستحب له أن يهل إذا استوت به راحلته عند المسجد، وكذلك يهل إذا استوت به راحلته على البيداء ، وقد تقدم أن المستحب أن يهل إذا استوت به راحلته ،  وهو ثابت في الأحاديث المتقدمة في الصحيحين من حديث ابن عمر ، وفي البخاري من حديث أنس ، وفي البخاري من حديث ابن عباس .

وفي البخاري سنة أخرى وهي أن يستقبل القبلة عند التلبية فقد ثبت هذا في البخاري من حديث ابن عمر أنه قال :  ( وهو مستقبل القبلة )

 

قوله : [ لبيك اللهم لبيك … إلى قوله : لا شريك لك ]

لبيك : من ألب في المكان أي أقام فيه ، والمعنى : أنا مقيم على طاعتك ملازم لها غير خارج عنها إلى معصيتك .

وثنيت لإفادة التكثير أي : أنا مقيم إقامة بعد إقامة ، فأنا ملازم لطاعتك مجيب لأمرك .

فالتلبية هي : الإقامة على طاعة الله تعالى وعدم الخروج عنها إلى معصيته ، وثنيت للتكثير .

وقوله : " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " هذه الجملة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر ، وهي أيضاً ثابتة من حديث غيره من الصحابة .

وثبتت الزيادة عليها من النبي r : ففي النسائي من حديث أبي هريرة : ( لبيك إله الحق ) وفي ابن خزيمة : ( إنما الخير خير الآخرة )

وهل يجوز له أن يزيد في التلبية ؟

لا حرج في الزيادة ، فقد ثبت في مسلم عن جابر قال : ( فأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً )

ومن ذلك ما ثبت في مسلم عن عمر أنه كان يقول : ( لبيك وسعديك والخير في يديك والرغباء إليك والعمل )

وفي أبي داود : أن الصحابة كانوا يقولون : ( لبيك ذا الفواضل لبيك ذا المعارج )

وفي البزار عن أنس : ( لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً )

فهذه الألفاظ ثابتة عن الصحابة ، ولا بأس بالزيادة على ذلك ، وهو المشهور في المذهب .

 

 وهنا مسائل :

المسألة الأولى : متى يقطع التلبية ؟

في هذه المسألة تفصيل :

فإن كان قارناً أو مفرداً فإنه يلبي حتى يرمي جمرة العقبة ، ففي الصحيحين عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال : ( لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة ) .

لكن يستثنى من ذلك : إذا دخل الحرم ، فإنه إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية .

ودليل ذلك : ما ثبت في البخاري أن ابن عمر : ( كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ثم بات بذي طوى حتى يصبح ثم يغتسل ويقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ) وفي الموطأ : من فعله رضي الله عنه وفيه : أن ذلك كان في الحج .

أما إن كان معتمراً أو متمتعاً فإنه يقطع التلبية إذا دخل الحرم ، فإذا دخل الحرم أمسك عن التلبية حتى يهل بالحج يوم التروية ، فإذا أهل بالحج أعاد التلبية .

وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء ، وما ذكرته هو مذهب الإمام مالك وهو مذهب ابن عمر كما تقدم في الأثر المتقدم  وهو صريح عنه في البيهقي في المعتمر أن عطاء بن أبي رباح سُئل متى يقطع المعتمر التلبية ؟ فقال : ( قال ابن عمر : إذا دخل الحرم ، وقال ابن عباس : إذا استلم الحجر ) .

فمذهب ابن عمر أن المعتمر أو المتمتع : إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية .

ومذهب ابن عباس وهو مذهب جمهور العلماء أنه لا يقطعها إذا دخل الحرم بل إذا استلم الحجر عند الطواف فإنه يقطعها ، وفي الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً : ( يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر ) لكن الحديث فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو ضعيف الحديث ، والصواب أنه موقوف على ابن عباس.

فعندنا أثران متعارضان : أثر ابن عمر وأثر ابن عباس .

ومذهب ابن عمر وهو مذهب المالكية - هذا المذهب أشبه بالسنة ؛ فإن النبي r  – وكان قارناً -كان يمسك عن التلبية إذا دخل الحرم فيشبهه المعتمر إذ لا فرق بين المعتمر وبين القارن في هذا . فالأصح أن المعتمر إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية .

المسألة الثانية : أنه يستحب له الإكثار من التلبية ، ففي الترمذي والحديث حسن بشواهده : أن النبي r  لما سئل عن أفضل الحج فقال : ( أفضل الحج العج والثج )

والعج : هو رفع الصوت بالتلبية .

والثج : هو النحر .

وفي الترمذي بإسناد صحيح أن النبي r  قال : ( ما من ملبٍ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا )

قال أهل العلم : ويستحب له أن يلبي متى تجددت به حال ، فإذا هبط وادياً لبى وإذا صعد لبى وإذا التقى برفيق لبى ودبر الصلوات يلبي وإذا نزل في موضع لبى ، وإذا ركب راحلته لبى فكلما تجددت به حال لبى .

وفي مسند الشافعي بإسناد جيد : ( أن ابن عمر : كان يلبي راكباً ونازلاً ومضطجعاً ).

وفي ابن أبي شيبة أن السلف كانوا يستحبون التلبية في أربعة مواضع : ( دبر الصلاة وإذا هبطوا وادياً أو علوه وإذا التقوا بالرفاق ) . قال شيخ الإسلام : وهو المأثور عن السلف .

ويدل على هذا ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم : لبى عند المسجد ولما استوت به راحلته على البيداء لبى .

المسألة الثالثة :

حكم التلبية ؟

فيها ثلاثة أقوال :

الأول : وهو مذهب الحنابلة والشافعية : أنها سنة ، فعلها النبي r  وأمر بها أصحابه .

الثاني : وهو مذهب بعض المالكية وبعض الشافعية : أنها واجبة فعلى من تركها دم . واستدلوا : بأن النبي r  قد فعلها وأمر بها وقال : ( لتأخذوا عنى مناسككم )

الثالث : أنها ركن من أركان الحج لا يصح الإحرام إلا بها .

والراجح الاستحباب .

 

قوله : [ يصوت بها الرجل ]

يستحب للرجل أن يرفع صوته بها وأن يجهر ، بل يستحب له أن يبالغ ففي البخاري من حديث أنس : ( أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصرخون بها صراخاً ) .

وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : ( أن أصحاب النبي r كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم )

فيستحب رفع الصوت بالتلبية والمبالغة في ذلك .

 

قوله : [ وتخفيها المرأة ]

لأن ذلك مظنة الفتنة ، ولذا أجمع العلماء على أن المرأة لا يشرع لها أن ترفع صوتها بالتلبية كما حكى الإجماع ابن عبد البر وابن المنذر وغيرهما .

لكن يستثنى من ذلك : إن كانت في موضع لا يخرج منه صوتها إلى أجنبي ؛ فإن النساء شقائق الرجال في الأحكام الشرعية وإنما استثنيت هنا لأن رفعها لصوتها مظنة الفتنة أما إذا كان الموضع ليس فيه إلا رفيقاتها ومحارمها فإنه يستحب لها ما يستحب للرجال فإن النساء شقائق الرجال .

أما إذا كان مظنة أن يخرج الصوت لأجنبي فإنه لا يشرع لها ، وهذا بإجماع أهل العلم .






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net