باب محظورات الإحرام
محظورات الإحرام : أي ممنوعاته ، بمعنى : المحرمات بسبب الإحرام .
قوله : [ وهي تسعة حلق الشعر ]
وهنا ذكر المؤلف الحلق ، ولا خلاف بين العلماء في أن إزالته بغير الحلق كالتقصير أو إذهابه بعلاج ونحو ذلك أن له حكم الحلق ، وإنما عبر بالحلق لأنه الغالب .
وهنا عمم الشعر كله فقال : " حلق الشعر " فيدخل شعر الرأس وشعر الإبطين والشعر الذي يكون في الوجه وفي سائر الجسد .
والله عز وجل نص في كتابه الكريم على حلق الرأس فقال تعالى : ) ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله( وقاس جمهور العلماء على حلق الرأس إزالة غير شعر الرأس مما يكون على البدن كشعر الإبطين وغيره .
واستدل جمهور العلماء على هذه المسألة - أي إدخال غير شعر الرأس في حكم شعر الرأس -. بما يلي :
أولاً : بالإجماع على ذلك - فقد حكاه الموفق في المغني - وأن الشعر كله أو سائره له حكم شعر الرأس إجماعاً.
وثانياً : بالقياس على حلق الرأس بجامع الترفه ، فإن حلق الرأس علة المنع فيه عندهم الترفه ، فيقاس على ذلك إزالة بقية شعرالبدن بجامع الترفه ، هذا هو مذهب جماهير العلماء .
وقد استدل الفقهاء بقياس - استدلوا به على النهي عن حلق بقية شعر البدن وتقليم الأظافر - وهو ما ورد عن النبي r في نهي المضحي أن يأخذ شيئاً من شعره أو بشرته .
قالوا : فيقاس على ذلك المحرم في الحج .
وهذا قياس مع الفارق أيضاً ، فإن المضحي لا ينهى عن الطيب ولا ينهى عن كثير مما ينهى عنه المحرم في النسك ، والعكس أيضاً فإن المحرم في النسك لا ينهى أن يأخذ شيئاً من بشرته بجرح أو نحو ذلك وينهى عن ذلك المضحي ، فثبت بينهما بالأدلة الشرعية فوارق ، وحيث ثبت ذلك فلا يصح القياس لكن الإجماع كافٍ في الدلالة على هذه المسألة .
وذهب الظاهرية : إلى أن شعر البدن لا يلحق بشعر الرأس وهم لا يقولون بالقياس . و القياس الذي ذكره جمهور العلماء فيه نظر فإنا لا نسلم أن العلة من النهي عن حلق الرأس هي الترفه فإن الترفه قد يكون بإبقاء الشعر لا سيما لمن اعتاد ذلك . ثم إن المحرم يجوز له كثير من الترفه كالاغتسال ونحوه .
والأظهر أن العلة هي تعلق النسك بشعر الرأس ، فإن الحلق أو التقصير نسك من أنساك الحج والعمرة فهو واجب من واجبات الحج والعمرة ، فنهى الشارع أن يؤخذ منه شيء بحلق أو تقصير حتى يوفر لينسك به الحاج في أوانه ، فهذه هي العلة الظاهرة .
وفي رواية عن الإمام مالك : أنه لا فدية في حلق شعر البدن سوى شعر الرأس ، وأوجبها في حلق الرأس ، والمشهور من مذهبه وجوب الفدية .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور ؛ للإجماع الذي ذكره الموفق ، وهو من أشد أهل العلم تحرزاً في حكاية الإجماع، وقد حكاه أيضاً شيخ الإسلام في شرح العمدة .
فإن حصل أذى منه ، كنزول شعر حاجبيه على عينيه فيزيله ولا شيء عليه ؛ لأنه من دفع الصائل ، وإن حصل أذى بغير شعر كقمل وصداع فأزال الشعر فعليه فدية.
قوله : [ وتقليم الأظافر ]
هذه كالمسألة السابقة فجماهير العلماء حكوا الإجماع في هذه المسألة كما حكاه ابن المنذر والموفق وأن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام .
واستدلوا : بالقياس على الشعر : كما أن المحرم ينهى عن حلق الشعر وتقصيره والعلة من ذلك الترفه فإنه ينهى عن تقليم الأظافر للترفه ، فالجامع بين المسألتين هو الترفه .
وعن عطاء بن أبي رباح أنه لا فدية في تقليم الأظافر - وإن كان محظوراً من محظورات الإحرام - ففرَّق بينه وبين حلق الرأس ، ووجهه ابن مفلح احتمالاً في المذهب .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور ؛ للإجماع المتقدم ، و لقوله تعالى : ] ثم ليقضوا تفثهم [ والتفث : الشعر والظفر ، كما جاء في تفسير ابن جرير الطبري عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة ، وأتى بـ " ثم" التي تفيد الترتيب ، فدل على أن إزالة التفث تكون بعد النحر ، ولذا ثبت عند ابن خزيمة : ( أن النبي r قلم أظافره لما تحلل يوم الحج الأكبر ) . وهو يوم النحر .
قوله : [ فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم ]
قول المؤلف هنا : " فعليه دم " موهم والعبارة السليمة : " فعليه فدية " فليس مراده الدم حتماً ، وإنما مقصوده الفدية من دم أو إطعام أو صيام كما سيأتي تقريره .
فمن حلق ثلاث شعرات أو قصرها من رأسه أو شيء من بدنه من موضع واحد أو من مواضع مختلفة أو قلم ثلاثة أظفار من يديه أو رجليه أو بعضها من يديه وبعضها من رجليه فإن عليه الفدية .
قالوا : لأن الثلاثة هي أقل الجمع ، فأقل الجمع الذي يصدق عليه أنه شعر ثلاثة ، هذا مذهب الحنابلة والشافعية
وقال المالكية : إذا حلق أو قلم ما يزول به الأذى ويحصل به الترفه فعليه الفدية .
وقال الظاهرية : إن فعل ما يصدق عليه أنه حلق أو تقليم فإن عليه الفدية ، قالوا : إذا حلق من رأسه ما يثبت به أنه حلق بحيث أنه إذا فعله وجب عليه أن يحلق الجميع فإن النبي r نهى عن القزع وهو أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه فقال: ( احلقوه كله أو اتركوه كله ) .
وأصح هذه المذاهب القول الأول ؛ لأن الشرع إذا حرم الشيء حرم أبعاضه ، وقد أجمع العلماء على أنه ليس في ما أقل من ثلاث فدية ، فاستثنيناه للإجماع ، وبقي ما سواه على الإجماع .
قال فقهاء الحنابلة والشافعية : فإن أخذ شعرة واحدة فعليه فدية طعام مسكين ، وإن أخذ شعرتين فعليه فدية طعام مسكينين
قالوا : لأن ماثبت الضمان بجملته فيثبت الضمان في أبعاضه ، فإذا ثبت في الثلاث فدية فيجب أن يثبت في الأبعاض ، ومثل ذلك الأظافر .
وعن الإمام مالك رواية : أنه لا يثبت الإطعام ولا غيره فيما دون التحديد ، وهو عنده ما يزول به الأذى ، فلا فدية عليه .
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية ؛ لأنه فعل محظور ففيه فدية ، وأقل ما وجب فديةً في الشرع إطعام مسكين .
قوله : [ ومن غطى رأسه بملاصق فدى ]
من غطى رأسه بشيء ملاصق كالعمامة أو الطاقية أو وضع على رأسه غطاء يستر رأسه أو نحو ذلك فإنه يفدي وقد فعل محظوراً من محظورات الإحرام .
ومنه الأذنان في المشهور في المذهب ؛ لحديث ( الأذنان من الرأس )
وتغطية الرأس في الجملة من محظورات الإحرام بإجماع العلماء ، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي r : سئل ما يلبس المحرم من الثياب فقال : ( لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا يلبس شيئاً من الثياب مسه ورس أو زعفـران ) والشاهد قوله : " ولا العمائم ولا البرانس " .
وثبت في الصحيحين أن النبي r قال : في الذي وقصته راحلته فمات : ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيـاً )
فهذه الأدلة تدل على أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه سواء كان هذا الغطاء لباساً معتاداً كالعمائم ونحوها أو كان غير معتاد كأن يضع على رأسه خماراً أو شيئاً من ذلك .
فإن حمل على رأسه شيئاً فما الحكم ؟
قولان لأهل العلم :
مذهب الحنابلة والمالكية : أنه لا حرج في ذلك ؛ لأن هذا الفعل لا يقصد منه في الأصل ستر الرأس وإنما يقصد منه حمل هذا الشيء.
مذهب الشافعية : أنه لا يجوز له ذلك وأن عليه الفدية ؛ لأنه سترٌ وتغطية للرأس وهو من محظورات الإحرام .
والأصح هو الأول ، لأن اللباس ما يقصد به ستر الرأس وتغطيته وأما هنا فلا يقصد منه ذلك .
مسألة:
فإن كان في محمل كأن يكون في هودج أو سيارة أو نحو ذلك أو كمن يحمل الشمسية فما الحكم في ذلك ؟
المشهور في المذهب أنه لا يجوز له ذلك وعليه الفدية ؛ قالوا : لأنه بحكم تغطية الرأس ، وقد ستره بما يستدام ، بخلاف من حمل شيئاً فإنه لا تقصد استدامته .
وذهب الشافعية إلى أن ذلك لا بأس به ، واستدلوا بما ثبت في مسلم عن أم الحصين أنها حجت مع رسول الله r حجة الوداع قالت : ( فرأيت أسامة بن زيد وبلالاً أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي r والآخر رافع ثوبه فوق رأسه يستره من الحر حتى رمى الجمرة ) رواه مسلم .
فإنه ليس النهي عن مجرد التغطية ، بل النهي عن التغطية الملاصقة التي هي بحكم الملبوسات .
وقد أجمع أهل العلم على أن من دخل قبة أو داراً فإن ذلك جائز ولا فدية عليه .
ودليل ذلك : ما رواه مسلم من حديث جابر وهو حديث طويل وفيه : ( أن النبي r ضربت له قبة بنمرة).
مسألة :
هل يجوز للمحرم أن يغطي وجهه أم لا ؟
روايتان عن الإمام أحمد :
الرواية الأولى : وهي المشهورة عند الحنابلة : أنه يجوز له أن يغطي وجهه لعدم الدليل الوارد في النهي عن ذلك .
قالوا : وأما الحديث الذي رواه مسلم - في الذي وقصته راحلته فمات - وفيه : ( ولا تغطوا وجهه ) فإن هذه اللفظة شاذة ، قال البيهقي : "وذكر الوجه فيه غريب " ، ومال إلى ذلك الحافظ في الفتح .
الرواية الثانية : وهو مذهب الأحناف والمالكية : أنه لا يجوز له أن يغطي وجهه وهو من محظورات الإحرام ، إلا أن الإمام مالكاً لا يرى فيه الفدية .
واستدلوا : برواية : ( ولا تغطوا وجهه ) . والراجح القول الأول .
قوله : [ وإن لبس ذكر مخيطاً فدى ]
المخيط : هو الثوب المفصل على البدن أو على جزء منه ، أي على قدر العضو منه
فإن لبس إزاراً ووضع فيه إبراً أو خيطاً أو شوكاً ونحو ذلك فأصبح على هيئة الملبوس - فإنه كما ذكر ذلك صاحب المغني وغيره - يكون قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام ؛ لأنه حينئذٍ يكون في حكم المخيط ، والنظر يقتضيه لأنه أصبح في حكم المخيط .
مسألة :
إن لم يجد نعلين فلبس خفين فهل يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ؟
قولان لأهل العلم :
القول الأول ، وهو مذهب الجمهور : أنه يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين.
واستدلوا : بحديث ابن عمر المتقدم وفيه : ( فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين )
القول الثاني : وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم قالوا : لا يجب عليه ذلك بل يلبس الخفين ولا شيء عليه .
واستدلوا :بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس : أنه سمع النبي r وهو يخطب بعرفات فقال : ( من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين )
قالوا : فقد أطلق النبي r هنا فلم يأمر بقطع الخفين حتى يكونا أسفل من الكعبين .
قال جمهور العلماء : هذا حديث مطلق وحديثنا حديث مقيد فيقيد المطلق بالمقيد .
فأجاب الحنابلة وقالوا : حديثنا الذي استدللنا به قد قاله النبي r بعرفات ومعه المدنيون والمكيون وسائر الناس ممن حج من جهات كثيرة من العرب ، وأما حديث ابن عمر الذي استدللتم به فإنما قاله النبي r في المدينة ، وفي مسند أحمد بإسناد جيد عن ابن عمر قال : ( سمعت النبي r يقول على المنبر أي منبره في المدينة )
فالنبي r حدًّث بحديث ابن عباس على مشهد الناس عامة ، وحدَّث بحديث ابن عمر على مشهد الناس خاصة ، ولو كان واجباً قطع الخفين إلى أسفل الكعبين لبينه النبي r في المشهد العام ، فدل ذلك على أنه منسوخ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فيمتنع على النبي r أن يحدث الناس بقيد في مجتمع خاص ثم يحدث بغير قيد في مجتمع الناس العام .
وقد يقال : إنه إذا قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فإنهما يكونان بحكم النعلين بل هما نعلان ، وحينئذٍ فحديث ابن عمر من باب العزيمة ، أما حديث ابن عباس فيكون من باب الرخصة .
فالصحيح ما ذهب إليه الحنابلة واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه لا يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين .
مسألة :
حكم الهِمْيان والمِنطَقة ؟
الهميان : هو ما يوضع فيه النقود مما يكون على الحقو .
المنطقة : هو ما يوضع على الإزار فيشد به على الحقو .
اختلف العلماء في حكمهما على قولين - هما قولان في مذهب أحمد :
الأول : أنه لا يجوز ذلك إلا أن يحتاج إليهما في النفقة .
الثاني : وهو مذهب الجمهور : أنه يجوز مطلقاً سواء احتاج إليه في النفقة أم لا .
وهذا القول أظهر ؛ فإن المنطقة والهميان . كانتا مشهورتان في زمن النبي r ولم يبين النبي r فيهما حكما ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
وعلى قول الحنابلة : لو لبسهما لغير حاجة فقد فعل محظوراً وعليه الفدية ، والصحيح مذهب الجمهور .
مسألة :
هل يجوز للمحرم أن يلبس الساعة ومثل ذلك الخاتم ؟
الذي يظهر لي أنه لا بأس بذلك ، وأن هذه من الأمور المشهورة وهي ليست من الألبسة التي تعم البدن أو عضواً منه كالألبسة التي ذكرها النبي r في الحديث ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز . فالأظهر الجواز وهي شبيهة بحكم المنطقة .
قوله: [ وإن طيب بدنه أو ثوبه ]
هذا محظور من محظورات الإحرام : وهو الطيب .
الطيب كما في المغني : ما تطيب رائحته و يتخذ للشم .
فمن طيب بدنه أو ثوبه فدى وهذا بالإجماع لأنه قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام .
والدليل على أن الطيب من محظورات الإحرام ، ما تقدم في حديث الذي وقصته راحلته فمات أن النبي r قال : ( ولا تحنطوه ) والحنوط أخلاط من الطيب ، وفي رواية للبخاري : ( ولا تقربوه طيباً )
قوله رحمه الله : [ أو أدهن بمطيب ]
إذا ادهن أو استعط أو اكتحل بشيء من الأدهان المطيبة كدهن ورد ونحو ذلك فإن عليه الفدية ، لأنه قد قرب طيباً فإن هذا الدهن مطيب وحيث ادَّهن به فإنه يكون قد مس طيباً .
أما إذا ادهن بدهن ليس من الأدهان المطيبة فلا حرج في ذلك إجماعاً .
قوله رحمه الله : [ أو شم طيباً ]
وكذا إذا شم الطيب قصداً فإن عليه الفدية ؛ وذلك لأن المقصود من الطيب رائحته ، وهذا يحصل بالشم فإذا شمه قاصداً فإنه يكون قد فعل هذا المحظور . وإن شمه لتجارة فلا بأس إذا لم يمسَّه لمشقة التحرز منه .
وقال الجمهور لا فدية في شمه مطلقاً و الراجح ما ذهب إليه الحنابلة.
فالمقصود من الطيب هو رائحته بدليل أنه لو مسه بيده وكان يابساً لا ينتقل إلى اليد بالمس كما لو مس قطع كافور أو نحو ذلك فإنه بالاتفاق ليس بفاعل لمحظور لأن اليد لم يعلق فيها شيء من الطيب فلا يؤثر هذا اللمس .
مسألة : إن أكل أو شرب طعاماً فيه شيء من الأطياب كالزعفران أو نحوه ؟
قولان لأهل العلم :
القول الأول : وهو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية قالوا : أنه يكون قد فعل محظوراً .
قالوا : لأن المقصود هو الرائحة فإذا أكله أو شربه فظهرت الرائحة من فيه فإنه حينئذٍ يكون قد حصل المقصود من الطيب بخلاف ما لو ذهبت الرائحة بالطبخ فإنه لا حرج في ذلك إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
القول الثاني : وهو مذهب الأحناف والمالكية : أنه ليس بمحظور سواء وجدت الرائحة أم لم توجد لأنه استحال عن كونه طيباً إلى كونه مطعوماً .
والقول الأول أظهر ؛ لأن العلة فيه والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فسواء وضع الطيب على بدنه أو ثوبه أو أكل طعاماً فيه نوع من الأطياب فظهرت هذه الرائحة من فيه ولم يذهبها الطبخ بل بقيت ظاهرة في فيه - فالأصح أنه يكون قد فعل محظوراً ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والمقصود من التطيب هو الرائحة وقد ظهرت الرائحة من فيه .
و على ذلك فالمذهب أنه إذا طبخ و لم يظهر له ريح و لا طعم فلا فدية ، و في الإقناع : و لو ذهبت رائحته و بقي طعمه لأنه يستلزم الرائحة فإن بقي اللون دون الطعم و الرائحة فلا بأس.
و أما الهيل و كذا الشيح و القيصوم و نحوه فلا بأس به.
مسألة :
وهي : إن كان الطعام الذي قد أكله فيه رائحة طيبة ليست برائحة الأطياب ، لكن هذا الطعام ليس طِيباً في الأصل بل فيه هذه الرائحة الطيبة فباتفاق أهل العلم أنه ليس بفاعل محظوراً من محظورات الإحرام وأنه لا بأس بذلك كأن يأكل فاكهة أو نحو ذلك.
و ليس معنى ذلك أنه لو استخرج من بعض الأطعمة طِيباً واتخذه الناس طِيباً أنه ليس طِيباً يقع - المكلف بقربه - في المحظور ، بل متى اتخذ الناس شيئاً من الأطياب ولو كان من بعض الأطعمة كما يوجد الآن في الأطياب التي تكون من فاكهة أو نحوها فإن هذا طيب لأن الناس قد اتخذوه طيباً .
لكن الرائحة الموجودة في بعض الأطعمة هذه لا حرج فيها ولا يكون قد فعل محظوراً ، أما لو وضع الطيب في طعام وهو مما يتخذه الناس طيباً فلم يذهب بالطبخ بل بقيت رائحته ظاهرة فإنه حينئذٍ يكون قد فعل المحظور بقربه الطيب .
قوله : [ أو يتبخر بعود أو نحوه ]
هنا كذلك لأن هذا تطيب والمقصود من التطيب الرائحة ولا شك أن البخور يبقي رائحة في الثياب وفي البدن .
وله شم العود لأنه لا يتطيب به إلا بالتبخر.
قوله : [ وإن قتل صيداً مأكولاً برياً أصلاً ولو تولد منه أو من غيره أو تلف في يده فعليه جـزاؤه ]
المحظور السادس من محظورات الإحرام وهو قتل الصيد البري .
والأصل في تحريم الصيد على المحرم قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم ( وقال تعالى : ) أُحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً (
فصيد البر محرم على المحرم ، وقد بيَّن المؤلف الصيد الذي يحرم على المحرم فقال : " صيداً مأكولاً " فإذا كان الصيد غير مأكول فإنه ليس بمحظور ، بل ليس بصيد ، فهذا القيد في الحقيقة قيد إيضاحي ، وإلا فإنه من المعلوم أن غير المأكول لا يسمى صيداً اتفاقاً .
" برياً " : هذا قيد يحتاج إليه فإن الصيد منه ما يكون برياً ومنه ما يكون بحرياً ، وسيأتي استثناء الصيد البحري ودليله ، فالصيد المحرم إنما هو الصيد البري .
ويدخل في ذلك طائر البحر الذي يقع على البحر فإنه صيدٌ بريٌ إجماعاً .
قال : " أصلاً " : هذا قيد يحتاج إليه ، فإنه قد يكون الحيوان متوحشاً وهو في الأصل مستأنس كأن يتوحش إبل أو بقر ونحو ذلك فيسكن في البر وهو في الأصل من الحيوانات المستأنسة فهذا ليس بصيد اتفاقاً للنظر إلى أصله فإن أصله أنه مستأنس وليس بصيد .
والعكس بالعكس أيضاً : فإذا كان الحيوان برياً متوحشاً كغزال أو حمار وحشي أو حمام أو نحو ذلك فهذا متوحش في الأصل فهو صيد فإذا استأنس فإنه يبقى صيداً برياً للنظر إلى أصله .
فكونه مستأنس استئناساً طارئاً أو متوحش توحشاً طارئاً هذا لا يؤثر في أصله ، فالنظر إنما هو إلى الأصل.
" ولو تولد منه ومن غيره " : أي من المتوحش الذي هو الصيد وغيره مما هو ليس بصيد ، فإنه يحرم قتله على المحرم تغليباً لجانب الحظر .
فلو تولد هذا المصيد من حيوان متوحش وغيره كما يقع من التوالد مثلاً بين الفرس والحمار الوحشي فهذا المتولد منهما أهو صيدٌ أم لا ؟
قال هنا : " ولو تولد منه ومن غيره "
ظاهر كلام المؤلف الإطلاق والتعميم .
والمسألة فيها تفصيل : فإن المتولد منه – أي من المصيد – وهو البري المصيد ومن غيره قسمـان :
القسم الأول : ما تولد من وحشي ومن حيوان مأكول . كأن يتولد من حمار وحشي ومن فرس فإنه حينئذٍ يكون مأكولاً لأن أصلَيْه مأكولان .
فإذا صيد فإنه حينئذ – تغليباً لجانب الحظر – لأن أحد المتولد منهما صيد وهو الحمار الوحشي فتغليباً لجانب الحظر إن صيد فعلى من صاده الجزاء وقد فعل محظوراً من محظورات الإحرام ، وهذا مذهب أكثر أهل العلم تغليباً لجانب الحظر .
القسم الثاني : أن يتولد من الوحشي ومن غير الوحشي لكنه غير مأكول ، كأن يتولد مثلاً من حمار وحشي وحمار أهلي .
فظاهر كلام المؤلف – وهو المذهب – أنه إذا صيد ففيه الجزاء ، وهذا فيه نظر ؛ لأنه محرم الأكل ، فإن أحد أصليه غير مأكول ، وما كان كذلك فإنه محرم الأكل ؛ وبهذا يقول الحنابلة تغليباً لجانب الحظر ومع أنه غير مأكول عندهم قالوا : بأنه لا يجوز صيده ومن صاده فعليه الجزاء . وهذا فيه نظر و ذلك لأنه ليس بصيد إذ الصيد هو المأكول وهذا ليس بمأكول و بهذا قال بعض الحنابلة. قال في الرعاية و قيل : لا يُفدى ، كمحرم الابوين.
قوله : [ أو تلف في يده ]
فإذا أمسك رجل صيداً فلم يقتله لكنه بحبسه إياه مات فتلف في يده فإن عليه الضمان وهو الجزاء لأنه بإمساكه له يكون قد قتله فقد أتلفه في حال إحرامه .
بل إذا أشار إلى أحد بقتله أو أعان أحداً ولو بإعطائه السلاح أو أمر أحداً بقتله فإنه إن فعل ذلك فقد فعل المحظور وعليه الجزاء ، وإن كان هذا المشار إليه أو المعان أو المأمور بالقتل حلالاً – أي ليس بمحرم - .
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة صيد أبي قتادة الحمار الوحشي وكان حلالاً فقال النبي r لأصحابه – وكانوا محرمين - : ( هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء ) فقالوا : لا فقال : ( فكلوا مما بقي من لحمه )
وثبت في الصحيحين أنه قال لهم : ( ناولوني السوط فقالوا : والله لا نعينك عليه بشيء ).
و يضمن ما دل عليه أو أشار إليه و هو المذهب و قال بعض الحنابلة لا يضمن و يحرم.
فإذا أعان أو أشار أو أمر فلا يحل له أن يطعم منه شيئاً ، فإن النبي r قد رتب جواز الأكل على السؤال المتقدم فقال : ( هل أحد منكم أمره أو أشار إليه بشيء ) فلما قالوا لا قال : ( فكلوا مما بقي من لحمه )
كذلك لا يحل له أن يأكل منه إن صيد من أجله ، لما ثبت في الصحيحين أن النبي r : لما أهدى إليه الصَّعب بن جَثَّامة حماراً وحشياً وكان r بالأبواء أو بودَّان فرده عليه وقال : ( إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم )
وثبت عند الخمسة إلا ابن ماجه والحديث حسن - إن شاء الله - أن النبي r قال : ( صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم ) وله شاهد من قول عثمان كما في الموطأ بإسناد صحيح أنه رضي الله عنه : ( أهدي إليه صيد فقال : لأصحابه كلوا فقالوا : وأنت ألا تأكل ؟ فقال : إني لست كهيئتكم ، إنما صيد من أجلي ) . وهذا مذهب جمهور العلماء .
فلو اشترى صيداً مذبوحاً لم يصد من أجله فلا بأس بأكله ، أو أُهدي إليه صيد من غير أن يُتقصد في الأصل بالصيد فلا حرج في ذلك .
وإن صاد المحرم صيداً فإنه بحكم الميتة له ولغيره ، فهو ميتة ، وهذا باتفاق العلماء لقوله تعالى : ) لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ( فسماه تعالى قتلاً ، فدل على أنه ميتة .
قوله : " فعليه جزاؤه " سيأتي بيانه في الكلام على الفدية .
قوله : [ ولا يحرم حيوان إنسي ]
الحيوان الإنسي كأن يذبح إبلاً أو شاة فلا بأس بذلك بإجماع العلماء لأنه ليس بصيد ، فالحيوان الإنسي المأكول ليس بصيد فلا يحرم ذبحه على المحرم .
قوله : [ ولا صيد البحر ]
فصيد البحر لا يحرم على المحرم بالإجماع .
إلا ما اختلف فيه أهل العلم من صيد البحر إن كان في الحرم وسيأتي ذكره ، وقد قال تعالى : ) أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً (.
قوله : [ ولا قتل محرم الأكل ]
لا يحرم قتل محرم الأكل ، فيجوز له ذلك ، فلا تعلق للإحرام بقتل شيء من غير مأكول اللحم ، وإنما الحكم يتعلق بمأكول اللحم هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية وأن الإحرام ليس له دخل بقتل شيء مما هو غير مأكول اللحم .
وذهب المالكية : إلى أنه يحرم عليه ذلك وعليه جزاؤه .
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين : أن النبي r قال : ( خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم : العقرب والحدأة والغراب - زاد مسلم : الأبقع - والفأرة والكلب العقور )
وفي رواية في الصحيحين : ( من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه )
والمسألة في الأصح من قولي العلماء فيها تفصيل :
فيقال : أما هذه التي أمر الشارع بقتلها فإنه لا شك بجواز قتلها وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، فهو خارج عن محل النزاع .
ويقاس عليها في المشهور عند أهل العلم كل ما هو مؤذٍ ، فكل ما يتأذى منه الآدمي وفيه عدوان وأذية كالحية ونحو ذلك فإن هذا يقاس على الخمسة المذكورة في الحديث فيقتل .
وإنما محل النزاع في هذه المسألة ما ليس كذلك – أي ليس من هذه الخمس المذكورة في الحديث ولا مما يقاس عليها مما فيه أذية وعدوان – ففيه لأهل العلم قولان :
مذهب الحنابلة والشافعية : أنه يجوز قتلها ولا أثر للإحرام في شيء من ذلك ، لكن مذاهبهم تدل على أنهم لا يريدون التعميم بل يستثنون من ذلك ما دلت الأدلة الشرعية على النهي عن قتله كالضفدع ونحو ذلك . وإنما مرادهم أنه لا تعلق للإحرام به.
بمعنى : أن الإحرام لا يحرم عليه القتل أما إن كانت هناك أدلة شرعية تحرم فإن المحرِّم هو تلك الأدلة وليس هو الإحرام . بمعنى : أن الإحرام لا يحرم عليه قتل الصيد البري .
وذهب المالكية الى أن عليه فدية إن قتله ، ويكون قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام .
واستدلوا : بقوله r : ( من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه ) فإن مفهومه إثبات الجناح في قتل غيرهن.
وما ذهب إليه المالكية أصح ، لكن في غير الفدية .
فالصحيح أنه لا يجوز له القتل وهو محرم لمفهوم هذا الحديث ، فإن هذا الحديث مفهومه تحريم ذلك ، لأنه قال : ( يُقتلن في الحل والحرم ) ومفهوم ذلك أن غيرهن لا يقتل في الحل ولا في الحرم .
وكذلك قوله : ( لا جناح ) مفهومه يدل على إثبات الجناح في قتل غيرهن .
وأما إثباتهم الفدية أو الجزاء فهو محل نظر ، فإن الله عز وجل إنما أثبته في الصيد فقال تعالى : ) لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم ( وهذه التي قلنا بتحريم قتلها على المحرمين ليست من الصيد إذ هي ليست بمأكولة ، فلا تدخل في هذه الآية وإنما هي داخلة في الحديث المتقدم .
فالراجح : وهو قول في مذهب الإمام أحمد : أنه لا يجوز للمحرم أن يقتل شيئاً إلا أن يكون فيه أذية وعدوان ، لكن إن قتله فلا جزاء عليه ، لكنه يكون قد فعل أمراً محرَّماً .
قوله : [ ولا الصائل ]
فإذا صال شيء من الصيد عليه أو على شيء من ماله أو نحو ذلك فخشي الضرر واحتاج إلى قتله وعلم أنه لا يندفع هذا الضرر المظنون في بدنه أو ماله أو نحو ذلك ، إلا بقتل هذا الصيد فإنه يجوز له أن يقتله دفعاً للصائل . باتفاق أهل العلم ، وذلك لأنه باعتدائه التحق بالحيوانات المؤذية المعتدية التي أمر الشارع بقتلها كالكلب العقور المؤذي الذي يجرح .
ولا جزاء في قتله لأن فعله بإذن شرعي وما ترتب على المأذون فليس بمضمون .
لكن إن قتله مضطراً إلى أكله كأن يضطر إلى الطعام ولا طعام فاضطر إلى أن يقتل الصيد فيأكله فعليه الجزاء ، لكن هذا الفعل جائز منه .
وإنما قلنا بالجزاء هنا ولم نقل به هناك لأن قتله هنا لمصلحة له ، أما هناك فهو دفع مفسدة .
كما أن من حلق رأسه لدفع الأذى عن رأسه كان عليه الفدية بنص القرآن فكذلك من قتل الصيد لمصلحة نفسه فعليه الجزاء لأن هذا لمصلحة نفسه .
قوله: [ ويحرم عقد نكاح ولا يصح ولا فدية ]
فلا يجوز للمحرم أن يعقد نكاحاً لا لنفسه ولا أن يكون ولياً أو وكيلاً عن غيره و لو كانت ولايةً عامة كالقاضي يُنكِح من لا ولي لها.
ولا يدخل في هذا ما إذا كان شاهداً أو من يكون قائماً على عقد النكاح من القضاة أو المأذونين فإنه لا بأس أن يكون محرماً .
إلا أن يكون أحد المتعاقدين محرماً فلا تحل الشهادة ولا يحل لأحد من أهل الشرع أن يعقد لهما .
فالمراد هنا : أن يكون أحد العاقدين أو من ينوب عنهما بوكالة أو ولاية أن يكون محرماً ، فلا يجوز والنكاح باطل .
ودليل ذلك : ما ثبت في مسلم عن عثمان t أن النبي r قال : ( لا يَنكِح المحرم ) أي لا يعقد لنفسه ( ولا يُنكِح ) أي لا يعقد لغيره بولاية أو وكالة أو نحو ذلك ( ولا يخطُب ) وذلك لأنها من مقدمات الجماع ، وقد قال تعالى في كتابه الكريم : ) فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ( والرفث : هو الجماع ومقدماته . وأما كونه يُبطل – أي النكاح – فللنهي عنه ، والقاعدة : أن النهي يقتضي الفساد إلا أن يدل دليل على الصحة .
وقد ثبت في الموطأ : أن رجلاً تزوج وهو محرم فرد عمر نكاحه " أي أبطله " و هو مذهب جمهور العلماء.
وذهب الأحناف إلى أن النكاح يصح ولا حرج فيه .
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين : عن ابن عباس رضي الله عنهما : قال ( تزوج النبي r ميمونة وهو محرم ) قالوا : ففعل النبي r لذلك يدل على جوازه .
والجواب عن هذا أن يقال : إن ابن عباس في هذه الرواية الصحيحة عنه قد خالف صاحبة القصة وهي ميمونة ، وخالف السفير بينهما وهو أبو رافع .
فقد ثبت في مسلم عن ميمونة قالت : ( تزوجني النبي r وهو حلال ) .
وفي المسند وسنن الترمذي بإسناد صحيح قال : ( تزوج النبي r ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما ) .
فلا شك أن روايتهما أولى من رواية ابن عباس ، وأن صاحب القصة روايته أصح ممن يرويها عنه.وأيضاً من له اتصال بالقصة كأبي رافع أولى ممن ليس له اتصال كابن عباس .
أضف إلى ذلك أن ابن عباس قد تحمل هذه القصة ولم يكن بالغاً , ولا شك أن من تحملها وهو بالغ كميمونة وأبي رافع أولى وأصح ممن تحملها وهو غير بالغ ، وإن كان رواية غير البالغ تحملاً لا أداء صحيحة ، لكن هذا حيث لم يخالف رواية من بلغ . فعلى ذلك : هو وهمٌ من ابن عباس كما قال ذلك الإمام أحمد وغيره .
ولا يؤثر هذا في رواية أصحاب النبي r ، فإن روايتهم على التصحيح مطلقاً ، ومن حفظ الله للشريعة أنه إن كان من وهم مع صحة السند إلى الصحابي فإنه يثبت عن صحابي آخر ما يبين الوهم منه حفظاً من الله عز وجل للشريعة كما في هذا المثال .
وجمع بعض أهل العلم بين حديث ابن عباس وحديث ميمونة : بأن مراد ابن عباس أن النبي r تزوج ميمونة ، وهو في البلد الحرام أو في الشهر الحرام ، كما قال الشاعر : * قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً *
ولم يكن محرماً بحج أو عمرة وإنما كان في البلدة الحرام أو في الشهر الحرام .
والمقصود أن الراجح ما حدثت به ميمونة عن نفسها ، ويمكن أن يجاب عن حديث ابن عباس بالجمع المتقدم الذي ذكره بعض أهل العلم – والله أعلم .
إذن : الصحيح أن المحرم لا يجوز له أن يَنكِح ولا أن يُنكِح .
" ولا فدية " : فإذا حدث منه ذلك فالنكاح باطل ، ولا فدية عليه لأنه لا دليل على الفدية ، ولأن الأصل براءة الذمة منها .
فالأصل براءة ذمة المكلف إلا بدليل يدل على شغلها ، وهنا الذمة خالية فإشغالها يحتاج إلى دليل ولا دليل وكذلك في الحديث المتقدم لم يذكر النبي r الفدية وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وكذلك عمر لما أفسد نكاح من تزوج وهو محرم لم يأمره بالفدية .
و لأنه عقدٌ فاسدٌ بسبب الإحرام كشراء الصيد فلم تجب فيه الفدية.
قوله : [ وتصح الرجعة ]
فإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً – لا طلاقاً بائناً يحتاج إلى عقد جديد ، بل طلقها طلاقاً رجعياً – فإذا راجعها قبل انتهاء عدتها فلا بأس بذلك وإن كان محرماً ؛ وذلك لأن الرجعة إمساك وليست بنكاح مبتدأ ، فلا حرج فيها وهو مذهب جمهور العلماء . لكن لو بانت منه فلا يحل له أن يعقد عليها وهو محرم لأن ذلك ابتداء نكاح .
والخطبة هل تصح أم تحرم ؟
قولان : أظهرهما التحريم ؛ لتحريم مقدمات الجماع ، وهو قول ابن عقيل . و المذهب الكراهية.
قوله : [ وإن جامع المحرم ]
الجماع من محظورات الإحرام قال تعالى : ) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (
والرفث : هو الجماع ومقدماته .
والفسوق : اسم للمعاصي كلها .
الجدال : هنا الجدال بغير حق إما بغير علم أو أن يجادل في الحق بعد ما تبين له ، فالمراد به : المراء بغير حق .
وقد أجمع العلماء – خلافاً لبعض المذاهب الشاذة – أجمعوا على أنه ليس شيء من محظورات الإحرام مفسداً للحج سوى الجماع ، قبل التحلل الأول ، وأما إذا كان بعد التحلل الأول فلا يفسده اتفاقاً .
قوله هنا : [ وإن جامع المحرم قبل التحلل الأول فسد نسكهما ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام ]
" فسد نسكهما " أي المجامِع والمجامَع ، فكل وطءٍ سواء كان وطأً مباحاً في غير إحرام كوطء الرجل زوجته ، أو محَرماً كالوطء في قبل أو دبر محرم كل ذلك يدخل في الجماع المفسد للحج .
وسيأتي البحث إن شاء الله في النسك الذي يثبت به التحلل الأول وأن أصح أقوال العلماء في ذلك : أن ذلك برمي جمرة العقبة يوم النحر .
فعلى هذا القول – وهو الراجح – إذا جامع قبل رمي الجمرة يوم النحر فإن الحج يفسد ولا يجزئه عن حجة الإسلام ، ويمضي فيه فيجب عليه الاستمرار فيه ، وهذا من جنس الاستمرار في الصوم فإن الصائم إذا أفطر بلا عذر فإنه يمسك فيما بقي كما تقدم ، وهنا كذلك فيمضي في الحج وهو حج فاسد ، ويجب عليه أن يقضيه في العام المقبل وجوباً على الفور لأنه أصبح فرضاً عليه وحيث كان كذلك وجب عليه أن يحج من العام المقبل ، ويجب أن ينحر بدنه ( بعيراً أو بقرة ) .
و الدليل آثار عن أصحاب النبي r وحديث مرسل ، أما الآثار فهي عن ابن عباس وابن عمر وابن عمرو ، كما ثبت ذلك عنهم في البيهقي :
أن ابن عباس : ( سئل عن الجماع قبل التحلل الأول ؟ فقضى بفساد نسكهما ومضيهما فيه وأن يحجا عاماً آخر وأن يهدي كل واحد منهما بدنة ) ونحوه عن ابن عمر وابن عمرو ، والإسناد جيد ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما الحديث المرسل فقد رواه ابن وهب بسند جيد إلى سعيد بن المسيب أن النبي r : ( قضى بذلك ) ومراسيل سعيد بن المسيب أصح المراسيل .
و المذهب أنه إن كان صغيراً فيجب عليه القضاء بعد حجة الإسلام فوراً.
هذا إن كان قبل التحلل الأول .
وأما إذا جامع بعد التحلل الأول : فإن إحرامه يفسد في المشهور من المذهب وعليه شاة .
فيفسد إحرامه ، فحينئذٍ يذهب إلى التنعيم أو إلى موضع آخر من الحل فيحرم منه ليطوف للإفاضة و يسعى إن لم يكن سعى و يحل ، هذا هو المشهور في المذهب ، و سميت عمرة لأن هذه أفعالها .
ونازع بعض الحنابلة في الاكتفاء بإفساده للإحرام فقط وقالوا : بل الواجب عليه أن يعتمر وهو المنصوص عن الإمام أحمد وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام و هو ظاهر أثر ابن عباس و هو الراجح.
بمعنى : أنه يجب عليه أن يذهب إلى التنعيم أو موضع آخر من الحل فيهل بعمرة فيطوف ويسعى ويقصر ثم يأتي ببقية أعمال الحج.
و المذهب أنه يذبح شاة ، وقال الشافعية عليه بدنة ؛ لأنه جماع في الحج فأشبه الجماع قبل التحلل الأول وهو ما زال محرماً بالحج ولم يثبت له التحلل التام فيجب عليه أن ينحر بدنة ، و الراجح المذهب ، و لأن أحكام الحج كأحكام العمرة لحديث ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ) ، و سيأتي أن من جامع بعد السعي فعليه شاة.
و إنما أوجبنا عليه شاة لأنه جماع لم يفسد الحج فلم يجب فيه بدنة و هو الراجح .
ودليل ذلك : ما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح : أن ابن عباس سُئل عمن جامع امرأته بعد التحلل الأول فقال : ( يعتمر ويهدي) وفي رواية : ( يعتمر وينحر بدنة ) ولا يعلم له مخالف .
فعلى ذلك ، الراجح : أن الرجل إذا جامع بعد التحلل الأول فيجب عليه أن يعتمر فيذهب إلى الحل فيحرم بعمرة ثم يأتي فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر ثم يأتي بعد ذلك ببقية أعمال الحج وعليه شاة . وهذا للأثر الصحيح عن ابن عباس الذي لا نعلم له فيه مخالف فإنه قضى على من جامع بعد التحلل أنه يعتمر وظاهر ذلك أنها عمرة حقيقية تامة.
وأما إذا جامع في العمرة :
فإن جامع قبل طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة ففيه ما تقدم من الجماع قبل التحلل الأول : فعمرته فاسدة وعليه أن يتمها وأن يعتمر من قابل وعليه بدنة كالحج تماماً ، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ، ولها أحكام الحج بالاتفاق في مسائل المحظورات والفدية وغير ذلك .
وأما إذا كان الجماع بعد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وقبل التقصير فإن العمرة صحيحة وعليه أن يذبح شاة فما فوقها .
فقد ثبت في البيهقي بإسناد صحيح : أن ابن عباس قال لمن جومعت قبل أن تقصر أي بعد طوافها بالبيت وسعيها بين الصفا والمروة ، قال لها : ( أهريقي دماً ، فقالت : أي دم ؟ فقال : ( بدنة أو بقرة أو شاة ) قالت : أي ذلك أفضل ؟ قال : ( بدنة ) فالشاهد أنه قضى بأنه يجزئ عنها أن تذبح شاة فقد خيرها بين أن تنحر بدنة أو بقرة أو أن تهدي شاة ولا يعلم له مخالف .
قوله : [ وتحرم المباشرة ]
للمرأة دون الفرج لشهوة بوطء أو قبلة أو لمس أو نظرة ، وهي محرمة اتفاقاً قال تعالى : ) فلا رفث ( والرفث : هو الجماع أو مقدماته .
ولأن الشارع نهى المحرم عن عقد النكاح فالنهي عن المباشرة أولى وهذا باتفاق العلماء و كذا قبلة أو لمس أو نظر لشهوة.
قوله : [ فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه ]
فإذا باشر فأنزل فإن الحج لا يفسد ، وذلك لأن الأصل في المحظورات أن فاعلها لا يفسد حجه ، ولا نص ولا إجماع يدل على الإفساد بالمباشرة .
فليست المباشرة بمعنى الجماع ولم ينص عليها ولا إجماع على ذلك.
قوله : [ وعليه بدنة ]
هذا هو المشهور في المذهب ، وهذا من باب القياس على الجماع ، فكما أن الجماع تجب فيه بدنة فكذلك المباشرة إذا أنزل فيها فيجب فيها بدنة بجامع الإنزال .
وذهب الشافعية وهو رواية عن أحمد واختاره شيخنا الشيخ محمد : إلى أنه لا يجب عليه بدنة ، بل الواجب عليه فدية الأذى إما أن يذبح شاة أو أن يطعم ستة مساكين أو أن يصوم ثلاثة أيام ، وهذا أرجح ، فلا دليل على وجوب البدنة ، ومحظورات الإحرام لا يجب فيها الدم وإنما يجب فيها الفدية ، ولم أر آثاراً عن الصحابة تصح في هذا الباب فالراجح ما ذهب إليه الشافعية.
أما إذا لم ينزل :
فقال الحنابلة : عليه أن يذبح شاة إن أمذى بوطء دون فرج أو مس أو كرر النظر فأمذى.
وإن أمذى بنظرة واحدة ففدية الأذى وما سوى ذلك من النظر فلا شيء فيه لأنه لا يمكن التحرز منه هذا هو تحرير المذهب
وقال الشافعية : عليه فدية الأذى ، وهو أصح كما تقدم إلا ما تعلق بالنظر فلا شيء فيه إلا أن يكرر فيمني أو يمذي.
قوله : [ لكن يحرم من الحل لطواف الفرض ]
و هذا سبق قلم من الماتن فهذه تابعة للجماع بعد التحلل الأول.
واعلم أن ما دون المباشرة من القبلة والمس ونحو ذلك للمرأة بشهوة أن ذلك كله محرم ومحظور من محظورات الإحرام - فإن ذلك من مقدمات الجماع – ومقدمات الجماع داخلة في الرفث المنهي عنه .
فعلى ذلك : يدخل في الرفث الجماع والمباشرة وما دونها من القبلة أو المس أو تكرار النظر حتى يمذي أو ينزل أو نحو ذلك فكل ذلك داخل في الرفث المنهي عنه .
مسألة :
من أفسد عمرته ، فهل يهل بها من الحل أو من حيث أهل أي من الميقات ؟
أما آثار الصحابة في هذا : فان ابن عباس ذكر – كما في البيهقي - : ( أنهما يهلان بها من حيث أهـلاَّ )
فالأظهر أنه يهل بها كما وجبت عليه لأن هذا من باب القضاء والقضاء يحكي الأداء وهو المذهب .
مسألة :
إذا كانت المرأة مكرهة على الجماع فهل يفسد حجها ؟
المذهب هو فساد نسكها ، وأن البدنة على من أكرهها و كذا نفقة القضاء.
والراجح في هذه المسألة : أن نسكها لا يفسد لأنها مكرهة ، ومن فعل شيئاً من المحظورات مكرها فإنه لا يترتب عليه حكم ، بل هو كما لو لم يفعله ، فإن المحظور ينهى عنه حيث كان ذلك بتعمد من المكلف أما إن كان من غير تعمد فإنه في حقيقة أمره ليس بمخالف للشرع .
فالصحيح أنها إذا أُكرهت فلا شيء عليها ولا يفسد نسكها .
تقدم ذكر محظورات الإحرام وهي تسعة :
1- حلق الشعر 2- تقليم الأظافر
3- تغطية الرأس 4- لبس المخيط للذكر
5- مس الطيب 6- قتل الصيد
7- عقد النكاح 8- الجماع
9- المباشرة
قوله : [ وإحرام المرأة كالرجل ]
إجماعاً فالمرأة فيما يحرم عليها هي كالرجل في كل ما تقدم من المحظورات فليس لها أن تتطيب وليس لها أن تقتل الصيد وليس لها أن يُعقد عليها وكذلك الجماع والمباشرة ، فكل ما تقدم من المحظورات ليست مختصةً بالرجل بل و للمرأة أيضاً وهذا بإجماع العلماء ، إلا ما سيأتي استثناؤه .
قوله : [ إلا في اللباس ]
فالمرأة في اللباس ليست كالرجل .
فقد تقدم أن الرجل ينهى عن لبس المخيط من قميص وعمامة وسراويل وغير ذلك .
أما المرأة فحكمها بخلاف الرجل فلها أن تلبس من الثياب ما شاءت ، فليس حكمها كحكم الرجل في أنها لا يجوز لها أن تلبس المخيط ، فعلى ذلك تلبس الخفاف والجوارب والسراويل والقمص ونحو ذلك . وهذا بإجماع العلماء وقد ثبت في البيهقي بإسناد صحيح : أن عائشة قالت : ( المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً فيه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تتلثم وإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها )
قوله : [ وتجتنب البرقع والقفازين ]
والبرقع : مشهور معروف فتتجنبه المرأة ، وتجتنب القفازين وهما أيضاً مشهوران ، فالبرقع للوجـه ، والقفاز لليد .
ودليل ذلك : ما ثبت في البخاري من حديث ابن عمر المتقدم وفيه : أن النبي r قال : ( ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين )
والنقاب معروف : وهو غطاء للوجه يكون الاعتماد فيه على الأنف وأولى منه بالحكم البرقع ، والنبي r إنما نص على النقاب و يدخل في ذلك البرقع فإنه أولى منه.
إذاً : تجتنب المرأة اللباس المختص بالوجه كالبرقع والنقاب وتجتنب أيضاً اللباس المختص بالكفين وهما القفازان .
قوله : [ وتغطية وجهها ]
فتجتنب المرأة المحرمة تغطية الوجه ، فليس لها أن تغطي وجهها وإن كان ذلك بغير البرقع والنقاب ، كأن تسدل خماراً على وجهها كما هو مشهور عندنا .
فليس لها أن تغطي وجهها إلا أن يكون هناك أجنبي فإنها تغطي وجهها عنه ، أما إن لم يكن هناك أجنبي كأن تكون في هودجها ، أو خيمتها أو ليس عندها غير محارمها فإنه ليس لها أن تغطي وجهها فإن فعلت فقد فعلت محظوراً من محظورات الإحرام .
ودليل جواز تغطية المرأة وجهها إن كان هناك أجانب – ما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر قالت : ( كنا نغطي وجوهنا من الرجال ونمتشط قبل ذلك في الإحرام ) وفي موطأ مالك عن فاطمة بنت المنذر قالت : ( كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر ) .
وفي المسألة أثر مشهور لكن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف الحديث ، وهو ما رواه أبو داود عن عائشة قالت : ( كان الركبان ونحن مع النبي r إذا حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها فإذا جاوزونا كشفت )
وقد تقدم الاستدلال بالأثرين المتقدمين ، وكذلك ما تقدم عن عائشة وهو قولها : ( فإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها ) فهذه آثار ولا نعلم لهما مخالف.
أما إن لم يكن هناك أجنبي فلا يجوز أن تغطي وجهها ويجب أن تدعه مكشوفاً في المذاهب الاربعة و دليل ذلك قوله r في الحديث المتقدم : ( ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين )
قالوا : فهذا الحديث يدل على أن المرأة إحرامها في وجهها ، وأنه ليس لها أن تغطي وجهها بالنقاب ، وذكر النقاب إشارة إلى غيره مما يغطى به الوجه .
وقد صح عن ابن عمر – كما في البيهقي – بإسناد صحيح : أنه قال : ( إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه )
وهذا المذهب هو مذهب فقهاء الأمصار ، حتى قال الموفق : ( لا يعلم بين أهل العلم في هذه المسألة خلاف ) فهي مسألة متفق عليها عند أهل العلم .
و ضابط الساتر عندهم اتفاقاً هو كما مر في ستر الرأس للرجل.
ولكن ذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى إطلاق جواز السدل ، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ، واختيار تلميذه ابن القيم : وأنه يجوز لها أن تسدل جلبابها على وجهها مطلقاً سواء كان ذلك في حضرة الأجانب أم لا .
قالوا : والنبي r إنما نهى عن الألبسة المختصة بالوجه كالنقاب والبرقع ، وأما مجرد تغطيته بأي شيء كأن تسدل ثوبها على وجهها فإنه لا حرج في ذلك .
وأنكر شيخ الإسلام ما نسب إلى النبي r من قوله : ( إحـرام المـرأة في وجهها ) وقال : " إنما هو قول لبعض السلف " ، وهو كما قال فإنه قد رُفع إلى النبي r ذلك ولا يصح ، وأما قول شيخ الإسلام : أنه قول لبعض السلف ، فالجواب هو قول ابن عمر رواه البيهقي و الدارقطني و لا يعلم له مخالف فكان حجةً.
إذا علم الخلاف في هذه المسألة : فليعلم أن منشأ الخلاف في هذه المسألة – أي باعث الخلاف – هو: هل الشارع نهى المرأة عن النقاب والبرقع لكون النقاب والبرقع لباساً مختصاً بالوجه فيشبه القميص في حق الرجل وحينئذٍ لا يحرم على المرأة إلا اللباس المختص به ، أم أن النبي r نهى عن النقاب والبرقع لكونه غطاءً للوجه فيحرم عليها كل غطاءو إن لم يكن لباساً يختص بالوجه.
أما الجمهور فقد سلكوا المسلك الثاني .
و أما شيخ الإسلام في ظاهر قوله ، وهو قول ابن القيم ومذهب بعض الحنابلة فقد سلكوا المسلك الأول .
قالوا : النبي r إنما نهى عن اللباس المختص بالوجه وهو النقاب والبرقع ، ولم يمنع من تغطية الوجه فأشبه ذلك المحرم فإنه ينهى أن يلبس القميص ويجوز له أن يغطي بدنه بإزار ورداء .
وأما الجمهور فقالوا : - كما تقدم – النهى عن التغطية مطلقاً . ومسلك الجمهور أصح.
فإن النساء في اللباس ليسن في حكم الرجال ، فإن المرأة يجوز لها أن تلبس القمص وأن تغطي رأسها بالألبسة المختصة بالرأس وتلبس الخفاف والجوارب ونحو ذلك ، فليست كالرجل ، فلا يحرم عليها شيء من الألبسة، ولو كان المقصود من النهي عن البرقع والنقاب أنه لباس لجاز لها كسائر الألبسة ، فدل على أن المقصود من ذلك إنما هو تغطية الوجه .
و ذكر النقاب ؛ لأن الغالب في النساء في عهد النبي r أنهن يضعن ألبسة مختصة بتغطية الوجه ، فنهى النبي r عن ذلك .
كما أنه لما سئل عما يلبس المحرم نهى عن العمائم ، ولم يكتف بذلك عند أهل العلم بل قالوا : وإن غطى رأسه بخرقة فإنه لا يجوز له ذلك لأن المقصود النهي عن تغطية الرأس .
ثم إن قول ابن عمر صريح في ذلك ، فإنه قال : ( إحرام المرأة في وجهها ) ولا نعلم أثراً صريحاً يخالف قوله.
وأما قول عائشة : ( فإن شاءت أسدلت ثوبها على وجهها ) فإنه من المعلوم أن المرأة لا تسدل ثوبها على وجهها إلا أن كان هناك أجنبي ، وإلا فإنها لا تشاء ذلك أصلاً إلا على أحوال نادرة ، على أن هذا ليس صريحاً في المخالفة كما تقدم .
إذن : الراجح مذهب جماهير العلماء وقد حكى اتفاقاً أن المرأة إحرامها في وجهها ، فإذا غطت وجهها من غير حاجة فإنها تكون قد أتت محظوراً من محظورات الإحرام
و أما تغطية اليدين بالعباءة و نحوها فلا بأس بذلك . فالنهي إنما هو عن اللباس المختص في اليدين لأنها ليست كالوجه فإن إحرام المرأة في و جهها .
و عن الإمام أحمد رواية أخرى أنها تمنع من ذلك كستر الوجه و الأول أظهر.
مسألة :
إن غطت المرأة وجهها لحاجة فهل يجب عليها أن تضع عوداً أو شيئاً يمنع مسَّ هذا الثوب لوجهها ؟
قال القاضي من الحنابلة و هو مذهب الأحناف و الشافعية : يجب عليها ذلك فإن مسَّ هذا الثوب شيئاً من بشرة الوجه فإن عليها الفدية .
وأنكر هذا الموفق ، وبيَّن أن كلام الإمام أحمد لا يدل عليه ، وأن الخبر عن النبي r لا يدل على ذلك ، وبيَّن رحمه الله أن المسدول في الغالب لابد أن يمس الوجه ، ولم ينقل عن النبي r بيان يدل على اشتراط ذلك ، وهو اختيار شيخ الإسلام ، وهذا هو الراجح و هو المشهور في المذهب.
قوله : [ ويباح لها التحلي ]
فيجوز للمرأة أن تتحلى فتلبس السوار والقرط والخاتم ونحو ذلك من الحلي كل ذلك جائز إذ لا دليل يدل على منعه بل إلحاقه باللباس ظاهر ، فلا حرج في ذلك .
وهنا مسائل فيما يباح للمحرم :
المسألة الأولى :
يباح للمحرم أن يتاجر في حال إحرامه وأن يصنع ويتكسب ولا خلاف بين العلماء في ذلك ، وقد قال تعالى : ) ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ( .
المسألة الثانية :
أنه لا بأس بالاغتسال للمحرم ، وقد ثبت في الصحيحين أن أبا أيوب الأنصاري : ( سئل عن الغسل للمحرم ؟ فأمر أن يُصَب على رأسه الماء فصُب على رأسه الماء فجعل يحرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ، وقال : هكذا كان النبي r يفعل ) أي وهو محرم . وقد قال ابن عباس – كما في البخاري معلقاً - : ( ويدخل المحرم الحمام ) أي المغتسل . ولا بأس أن يغتسل بسدر أو صابون - غير مطيب – ونحوه من المنظفات لا بأس بذلك ، ودليله ما تقدم فيمن وقصته راحلته فمات وهو محرم قال النبي r : ( اغسلوه بماء وسدر ) مع كونه نهى أن يخمر وأن يمس طيباً ، ومع ذلك فقد أمر أن يغسل بماء وسدر فدل على أن السدر ونحوه من المنظفات ليس من محظورات الإحرام .
المسألة الثالثة :
أنه لا بأس أن يحك رأسه أو بدنه ، وفي البخاري معلقاً : ( ولم ير ابن عمر وعائشة في الحك بأساً )
المسألة الرابعة :
أنه لا بأس أن يقتل القمل ولا فدية في ذلك وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد .
وذهب المالكية إلى أنه يحرم قتله وفيه الفدية .
أما ما ثبت في الصحيحين : من أن النبي r أوجب الفدية على كعب بن عجرة ، فإن ذلك ليس للقمل الذي في رأسه ، وإنما ذلك لحلقه رأسه.
وكذلك لأنه مؤذٍ فأشبه ما تقدم مما يقتل في الحل والحرم .
المسألة الخامسة :
مما يباح للمحرم : أنه يباح نظر المحرم إلى المرآة ولا يكره ذلك وهو المشهور في المذهب ، إن كان لحاجة فإن كان لزينة كره في المذهب ، و الراجح أن لا كراهة مطلقاً ، وفي البخاري معلقاً : ( أن ابن عباس جوزه)
المسألة السادسة :
أنه يجوز للمحرم أن يحتجم ، فقد ثبت في الصحيحين : ( أن النبي r احتجم وهو محرم) وفي رواية : ( في وسط رأسه ) وفي رواية للبخاري : ( من شقيقة كانت به ) .
وفي قوله : ( وسط رأسه ) يدل على أنه أخذ شيئاً من رأسه للحجامة .
قال الفقهاء : وعليه إن أخذ شيئاً من رأسه الفدية كما تقدم .
فالحجامة جائزة ، ومثلها الفصد أو العمليات الجراحية ، وسحب الدم ونحو ذلك ، فذلك جائز للمحرم لا حرج عليه في ذلك.
المسألة السابعة :
مما يباح للمحرم :
يباح للمرأة المحرمة أن تكتحل أو تضع في يديها أو رأسها الحناء
ولا دليل يدل على المنع عن ذلك للمحرم ، والأصل هو الإباحة .
باب : الفدية
الفدية والفَدي والفِـَدَاء بمعنىً .
وهو ما يعطى في افتكاك أسير ونحوه ، واستعير هنا : في إنقاذ المحرم من تلبسه بشيء من محظورات الإحرام .
قوله : [ يخير بفدية حلق أو تقليم أو تغطية رأس وطيب بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة ]
فهذه هي الفدية ، قال تعالى : ) ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك (
صيام : صيام ثلاثة أيام .
" أو صدقة " : إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر أو أقط أو شعير أو نحوه ، فإن كان براً فيجزيء ربع الصاع منه ، ومثل ذلك الأرز فإنهما بدرجة واحدة ، فيطعم كل مسكين نصف صاع من تمر أو نحوه ، أو ربع الصاع من البر أو الأرز أو نحوهما وهو المذهب وهي قاعدة الفقهاء في جميع الكفارات والفدى دون صدقة الفطر ؛ وعند شيخ الإسلام أن صدقة الفطر كذلك وتقدم .
" أو نسك " : أي ذبح شاة .
فيخير بين أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من الطعام من التمر ونحوه أو ربع صاع من الأرز أو الحنطة ونحوهما . والخيار الثالث : أن يذبح شاة .
أما الآية الكريمة فهي آية مجملة ليس فيها عدد الأيام التي تصام ولا عدد المساكين الذين يُطْعَمون وما هو مقدار إطعامهم ، وليس فيها بيان النسك أهو دم شاة أم دم بدنة أم دم بقرة . لكنَّ النبي r بيَّن ذلك وهذه من منازل السنة مع القرآن أن تبيِّن مجمله .
فقد ثبت في الصحيحين : أن كعب بن عجرة قال : حملت إلى النبي r والقمَّل يتناثر على وجهي فقال النبي r : ( ما كنت أرى الوجع يبلغ بك ذلك أتجد شاة ؟ قلت : لا قال : فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع )
وفي رواية : ( ثلاثة آصع من تمر ) أي لكل مسكين نصف صاع من تمر .
وظاهر الحديث وجوب الترتيب بين الدم وبين الإطعام والصيام فإنه قال : ( أتجد شاة ؟ قال : لا قال : فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين ) لكن هذا الترتيب ليس على الإيجاب بل على الاستحباب بدليل ما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح : ( أي شيء منها فعلت أجزأ عنك ) وهو مذهب جمهور العلماء .
وبدليل التخيير في الآية : ) ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( وأمر النبي r له أولاً بذبح شاة لأن ذلك أفضل .
والآية القرآنية والحديث النبوي في مشروعية الفدية لمن حلق رأسه معذوراً من مرض ونحوه .
وألحق جمهور العلماء في حلق الرأس : تغطية الرأس وتقليم الأظافر والتطيب ولبس المخيط فرأوا أن من فعل أحد هذه الأربع فعليه الفدية الواجبة على من حلق رأسه . هذا أولاً .
ثانياً : ألحقوا بالمعذور غيره ، فالآية والحديث نص في المعذور فألحق جمهور العلماء في المعذور غيره ، فلو فعل ذلك تعمداً بلا عذر عالماً بالحكم أو لبس مخيطاً متعمداً عالماً بالحكم أو نحو ذلك فإن عليه الفدية .
واستدلوا : بالقياس .
وقد ذهب الظاهرية واختاره الشوكاني : أن ذلك – أي الفدية – خاص بحلق الرأس وهو للمعذور فقط .
أما الظاهرية فإنهم لا يرون القياس ، وحينئذٍ : فردهم على الجمهور هو إبطال القياس من أصله ، ولا شك أن قولهم باطل في نفي القياس .
وأما إلحاقهم غير المعذور بالمعذور فهو – أيضاً – قياس مع الفارق فإن المعذور غير عاصٍ لله ولا إثم عليه ، بخلاف غير المعذور فإنه قد فعل ما نهى الله عنه على وجه يأثم به .
والأظهر والأحوط ما ذهب إليه جمهور أهل العلم وعليه الفتوى قياساً على جزاء الصيد فإن الله أوجب فيه الفدية مع التعمد والله أعلم .
ثم انتقل المؤلف إلى الكلام على جزاء الصيد ، وقد تقدم الكلام على الصيد وتحريم قتله للمحرم ، وهنا في بيان جزاء الصيد . قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيام ليذوق وبال أمره (
جزاء الصيد الذي دلت عليه هذه الآية هو بالخيار أيضاً بين ثلاثة أشياء :
الأول : أن ينظر إلى هذا الصيد الذي صاده وما يماثله من النعم من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم ، فينظر ما يماثله ويحكم بالمماثلة ذوا عدل من المؤمنين ، فيحكمان بأن هذه البهيمة من النعم عدل لهذا الصيد .
مثال ذلك : النعامة يماثلها عند أهل العلم الإبل - وسيأتي الكلام على هذا في فصل مفرد إن شاء الله - فحينئذٍ يذبح هذا المثيل ويوزع على فقراء الحرم : ) هدياً بالغ الكعبة ( هذا هو الخيار الأول .
الثاني : ) أو كفارة طعام مساكين ( بيان ذلك : أنه إن شاء ذبح هذا المثل وجعله هدياً بالغ الكعبة ، وإن شاء قوَّم هذا المثل فيشتري بقيمته طعاماً من أرز أو نحوه ثم يوزع على المساكين لكل مسكين نصف صاع من تمر أو ربع صاعٍ من بر أو أرز .
فمثلاً : قومنا – البعير – في المثال المتقدم فوجدناه يساوي ألف ريال فاشترينا بالألف ريال مئة صاع من التمر فإنه يوزعه على 200 مسكين . فالمقوّم إنما هو المثل وليس الصيد هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية .
وذهب المالكية إلى أن الذي يقوم هو الصيد نفسه .
قالوا : لأنه هو الأصل وهو المتلف فيجب ضمانه إما بمثله أو بقيمته وحيث أنا لم نأت بالمثل فعلينا أن نأتي بقيمته نفسه .
واستدل أهل القول الأول على أن المقوم هو المثل بأن المقصود من الكفارة أن تكون عدلاً بين هذه الأشياء ، فكان ينبغي أن تكون مساوية للمثل لا مساوية للأصل ، بدليل قوله تعالى بعد ذلك : ) أو عدل ذلك صياماً ( فدل على أن هذه الكفارات الثلاث المخير فيها راعى الشارع أن تكون متساوية أو متقاربة .
قالوا : ولأن الواجب في الأصل في ضمان المتلفات المثل فحسب أما هنا فإنه لما وقع الخيار بين هذه الثلاثة الأشياء ، كان التساوي هو الأنسب فيها .
وما ذكره – أي المالكية – حيث كان ذلك مع العجز عن المثل ، لأن الواجب هو المثل ، فإن عجز عن المثل انتقل إلى القيمة ، وهنا على خلاف ذلك : فإنا نأتي بالقيمة مع قدرتنا على المثل .
والأظهر ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية ، فإن تعليلهم أظهر .
ثم إن الحاجة – فيما يظهر لي – تقتضي ذلك فإن تقويم الصيد فيه مشقة ظاهرة بخلاف بهيمة الأنعام فإنها مشهورة في التقويم عند الناس ، فالناس يعرفون أقيامها ويقدرونها تقديراً ظاهراً بخلاف الصيد فإن في تقويمه شيئاً من المشقة ، فكان الأنسب أن يعود التقويم إلى المثل ، وكما تقدم فإن في قوله تعالى : ) أو عدل ذلك صياماً ( تنبيهاً إلى المثلية بين هذه الكفارات الثلاث بين المثل وبين الإطعام والصيام .
الثالث : ) أو عدل ذلك صياماً ( ينظر عدد المساكين الذين يمكن إطعامهم ، فيصوم بعددهم أياماً .
فمثلاً : بلغوا مئتين كما في المثال السابق فيصوم مئتي يوم ، ) ليذوق وبال أمره ( : أي ليذوق نتيجة اعتدائه على ما نهى الله عنه .
قال المؤلف – في بيان ذلك - : [ وبجزاء صيد بين مثل إن كان أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعام فيطعم كل مسكين مُداً " أي من البر " أو يصوم عن كل مدٍ يوماً ]
والمقصود بالمد هنا : مدٌ من حنطة ، فإن بقي بعض مدٍ فلا يصوم بعض يوم لأن اليوم لا يتجزأ بل يجبره فيصومه تاماً وهو المذهب .
وهل يجوز له أن يجمع بين الإطعام والصيام ، كأن يطعم بعضاً ويصوم بعضاً ؟
لا يجوز له ذلك فإن الكفارات لا يجمع فيها بين شيء وآخر ، فليس له أن يصوم بعض الأيام ويطعم بعض المساكين بل الواجب عليه أن يختار شيئاً من هذه الكفارات ، كما هو ظاهر القرآن وهكذا في سائر الكفارات .
قوله : [ وبما لا مثل له بين صيام وإطعام ]
إن كان هذا الحيوان المصيد لا مثل له ، يعني قرر أهل العدالة والخبرة أنه لا مثل له فحينئذٍ يبقى له خياران الإطعام والصيام ، وحينئذٍ فإن المقوم هو الصيد بحسب الاستطاعة ، فيقوم الصيد نفسه لأنه لا مثل له فلا يمكن أن نرجع ذلك إلى شيء معدوم فأرجعناه إلى الموجود حينئذٍ للحاجة إلى ذلك ولتعين ذلك .
فيُقوّم الصيد ويُشترى بقيمته طعاماً يطعم به المساكين لكل مسكين مد من حنطة أو نصف صاع من تمر وغيره ، أو يصوم عدل ذلك أياماً .
مسألة :
لو صاد غزالاً ثم استطاع أن يأتي بغزال مثله فإنه لا يجزئ عنه بل لابد أن يماثله من بهيمة الأنعام لأن هذا من جنس الهدي والهدي لابد أن يكون من بهيمة الأنعام لا غيرها ، كالأضاحي وكالدم الذي يكون في الحج لا يكون إلا من جنس بهيمة الأنعام .
قوله: [ وأما دم متعة وقران فيجب الهدي ]
أي يجب الهدي تعييناً فليس هناك خيار كما هو في فدية الأذى وفي فدية جزاء الصيد .
بل الواجب عليه أن يهدي في التمتع والقران قال تعالى : ) فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ( وتقدم أن القران داخل في حكم التمتع باتفاق العلماء ، كما أن القران تمتع في لغة العرب ، وتدل على ذلك آثار الصحابة كما تقدم .
قوله : [ فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام ]
إن عدم الهدي فلم يقدر عليه مع قدرته على ثمنه – بأن يكون قادراً على الثمن لكن لم يجد هدياً في السوق أو كان غير قادر على ثمنه ولو وجد مقرضاً لما فيه من المِنَّة وهو المذهب .
والعبرة في قدرته عليه أثناء حجه وتمكنه من ذبحه أو نحره فلو كان قادراً عليه عند رجوعه إلى بلده فهو صاحب قدرة مالية في بلده لكنه أثناء الحج لم يتيسر له ثمن يمكنه أن يشتري به الهدي فإنه في حكم غير القادر أصلاً، فإن العبرة في الواجبات المؤقتة العبرة في القدرة عليها أثناء وقتها وهذه قاعدة في كل واجب مؤقت ، فالواجبات المؤقتة العبرة في القدرة عليها أثناء وقتها .
ونظير ذلك : غير القادر على الطهارة المائية أثناء وقت الصلاة فإنها تسقط عنه إلى التيمم لعجزه عنها أثناء الوقت وإن كان قادراً عليها بعد خروج الوقت كأن يكون يعلم حضور الماء بعد خروج الوقت ، أو يعلم وصوله إلى بلدته بعد خروج الوقت فإن العبرة إنما هي في قدرته على هذا الواجب المؤقت أثناء الوقت وهنا كذلك : فإن العبرة في قدرته على الهدي أثناء الوقت الذي ينحر به الهدي وهو يوم النحر وأيام التشريق .وهذا هو المذهب وأن المعتبر طلوع الفجر يوم النحر ؛ لأنه وقت النحر فقد يكون عند إحرامه بالعمرة غير واجد ثم أصبح واجداً ويعمل هنا بغالب الظن فإن غلب على ظنه حين إحرامه بالعمرة أنه لن يجد الهدي عمل بظنه وهو المذهب .
قوله : [ فصيام ثلاثة أيام والأفضل كون آخرها يوم عرفة ]
قال تعالى : ) فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ( فإن كان غير قادر على الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج ، والأفضل كون آخرها يوم عرفة .
إذاً : يصوم يوم عرفة ويومين قبله وهما يوم التروية واليوم السابع قبله ، هذا هو الأفضل له وفي ذلك آثار عن الصحابة رضي الله عنهم :
فمن ذلك ما ثبت عن علي – في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة – أنه قال في تفسير هذه الآية : ) فصيام ثلاثة أيام في الحج ( قال : ( قبل يوم التروية يوم ، ويوم التروية ، ويوم عرفة فمن فاتته صامهن أيام التشريق ) ونحوه عن ابن عمر في مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة .
وعن عائشة في موطأ مالك : أنها قالت : ( الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هدياً ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فإن لم يصم صام أيام منى ) أي أيام التشريق .
فهذه آثار عن علي وابن عمر وعائشة ، وفيها أن الأفضل أن يصوم يوم عرفة ويومين قبله .
وكره الشافعي صيام يوم عرفة لكراهية النبي r ، و استحب أن يكون آخر الأيام يوم التروية .
فعلى ذلك يصوم اليوم السادس والسابع والثامن .
والقول الأول أظهر للآثار المتقدمة عن الصحابة .
ولما في ذلك من الكلفة على الحاج بتقدم يومين قبل يوم التروية ، فإن المشروع في حقه أن يهل يوم التروية بالحج لكن استحب الصحابة أن يتقدم يوماً ليكون صيامه في الحج .
أما تقديمه بيومين فإن في ذلك كلفة على الحاج ، وموافقة آثار الصحابة أولى وهو المشهور عند الحنابلة .
قوله : [ وسبعة إذا رجع إلى أهله ]
ويصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ، فالواجب عليه أن يصوم عشرة أيام ، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، فإذا رجع إلى بلدته وأقام عند أهله صام سبعة أيام .
لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( من لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ) وهذا بيان للآية المتقدمة : ) إذا رجعتم ( : أي إذا رجعتم إلى أهلكم .
إذاً : المشروع في حقه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج يكون آخرها يوم عرفة ، وأن يصوم سبعة إذا رجع إلى أهله . هذا هو المختار فهو صيام الفضيلة .
أما صيام الأجزاء ، فقد اختلف أهل العلم في وقت الإجزاء لصيام الثلاثة أيام ، وفي وقت الإجزاء لصيام سبعة أيام .
أما صيام ثلاثة أيام :
فقال الحنابلة والأحناف : يجوز أن يشرع فيها إذا أحرم بالعمرة .
رجل أراد أن يتمتع بالعمرة إلى الحج وهو غير قادر على الهدي فأحرم في اليوم الرابع من ذي الحجة ، فيجوز له أن يشرع بصيام الثلاثة أيام من ذلك اليوم .
وإذا تحلل من العمرة فيجوز له أيضاً أن يشتغل بالصيام قالوا : لأنه قد أحرم بأحد نسكي التمتع ، فالتمتع له نسكان : عمرة وحج فكما أنه يجوز له أن يشرع بالصيام إذا أهل بالحج اتفاقاً ، فالعمرة كذلك لأنها أحد نسكي التمتع .
وذهب المالكية والشافعية : إلى أنه لا يجوز له أن يشرع بالصيام إلا إذا أحرم بالحج ولا يجزئه الصيام قبل ذلك .
وأما القارن فإنه لا إشكال في أنه يجوز له لأنه إذا أحرم بالعمرة فإن الحج أيضاً داخل في إحرامه فإنه يحرم بهما جميعاً .
واستدلوا : بالآية فإن الله قال فيها : ) فصيام ثلاثة أيام في الحج ( فعين الله عز وجل الحج للصيام : ولا يكون في الحج حتى يحرم به .
والأظهر ما ذهب إليه الحنابلة والأحناف :لأن الله رتب الهدي على التمتع فقال ): فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي( والإحرام بالعمرة سبب للتمتع ، ولحديث ( دخلت العمرة بالحج إلى يوم القيامة ) .
لكن السنة النبوية رخصت في ذلك فقد ثبت في البخاري عن عائشة وابن عمر أنهما قالا : ( لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي )
وأيام التشريق فيهن أفعال للحج لكن ليس فيهن تلبس بالحج فإنه ينتهي الإهلال بالحج في يوم النحر عند رمي الجمرة وحينئذٍ لا يكون في الحج لكن بقيت أحكام متعلقة بالحج .
ولعله لتعلق هذه الأحكام رخص في ذلك .
وأما صيام السبعة الأيام :
فالمشروع في حقه كما تقدم أن يصومها إذا رجع إلى أهله .
لكن الخلاف : هل يجوز له أن يصوم قبل ذلك كأن يصوم في مكة أو في طريقه ؟ أي بعد الفراغ من أعمال الحج لقوله تعالى : )إذا رجعتم (
قولان لأهل العلم :
القول الأول : مذهب الجمهور ومنهم الحنابلة : يجزئه ذلك وحملوا الآية الكريمة على أنها رخصة .
وعللوا ذلك بأن السبب قد وجد فسبب الصيام موجود وهو عدم وجود الهدي في وقته ، وحيث وجد سببه فإنه يجزئ الصيام وأما الآية القرآنية فهي رخصة .
وقالوا : نظير ذلك الصيام للمسافر فإن الله عز وجل قال : ) فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ( فظاهر ذلك أنه إن سافر فلا يصوم ويصوم عدة من أيام أخر ، لكن هذه الآية رخصة بدلالة السنة النبوية ، بل قد يكون الصيام أفضل كما تقدم في كتاب الصيام ، والمقصود أنه يجزئ بلا خلاف أن يصوم في السفر لوجود سبب الحكم وهو رمضان .
القول الثاني : مذهب الشافعية وأنه لا يجزئ ذلك – فلا يجزئه أن يصوم في الطريق ولا في مكة – وذلك للآية القرآنية وللحديث النبوي .
و الأصح : ما تقدم وأن الآية رخصة بدليل وجود سبب الحكم وهو عدم وجود الهدي ، ولأن المعنى يقتضي ذلك فلا فائدة من تحديد ذلك برجوعه إلى أهله إلا سهولة ذلك على المحرم أما لو تكلف الصيام فإنه لا حرج عليه في ذلك ، وهذا يشبه كما تقدم الصيام في السفر في رمضان .
واعلم أن الآية القرآنية في صيام الثلاثة أيام والسبعة مطلقة غير مقيدة بتتابع ولا تفريق ، فله أن يفرق وله أن يتابع ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك لأن الآية مطلقة ليس فيها التقييد بالتتابع ولا التفريق .
مسألة :
إذا لم يصم هذه الثلاثة قبل فراغ أيام الحج فعليه دم لتركه هذا الواجب وهو المذهب ، ومن ترك واجباً فعليه دم كما سيأتي وهو دم جبران فإن لم يجد فكدم المتعة عند الفقهاء بجامع أن كليهما واجب للنسك وعليه فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله .
واختار شيخنا الشيخ محمد رحمه الله أنه لايجب الصيام لأن دم الجبران عن نقص ودم الهدي عن كمال .
والأظهر وجوبه لأنه أولى من الكمال .
ومن لزمه دم متعة فمات قبل فعله لغير عذر أُطعم عنه لكل يوم مسكيناً ؛ ولايصام عنه لوجوبه بأصل الشرع بخلاف النذر ، وإن كان لغير عذر فلا لعدم تفريطه .
قوله : [ والمحصر إذا لم يجد هدياً صام عشرة ثم حل ]
المحصر : هو من مُنع من تمام النسك ، كأن يختل الأمن في مكة أو نحو ذلك فلا يتم نسكه ، وسيأتي الكلام على هذا في باب مفرد .
والمحصر عليه الهدي لقوله تعالى : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( أي إذا منعتم وحبستم عن المناسك فتحللوا من إحرامكم - بحج أو عمرة ، تحللوا منه - بهدي تنحرونه أو تذبحونه فإذا ذبح أو نحر الهدي فإنه حينئذ يتحلل من الإحرام .
فإن لم يجد المحصر هدياً : صام عشرة أيام ثم حل قياساً على المتمتع فكما أن المتمتع إن لم يجد هدياً فإنه يصوم عشرة أيام كما تقدم فإن المحصر يصوم عشرة أيام . ولم يقيد المؤلف هنا بالحج أو في غيره ؛ لأنه ليس بمتلبس بالحج ، فيصوم عشرة أيام ثم يتحلل فليس له أن يتحلل إلا بعد أن يتم الصوم .
قالوا : بدل هدي التمتع صيام عشرة أيام ، فكذلك بدل هدي الإحصار صيام عشرة أيام أيضاً .
وذهب المالكية والأحناف : إلى أنه لا يجب عليه أن يصوم عشرة أيام بل إذا لم يجد الهدي فإنه يتحلل .
قالوا : لأن الله لم ينص على ذلك .
قلت : ولأنه أيضاً ليس بمعنى المنصوص .
أما قولهم إن الله لم ينص على ذلك : فإن الله قال في الآية الكريمة : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( ولم يوجب على غير القادر صياماً بخلاف المتمتع فإنه أوجب عليه الصيام بعد ذلك.
لكن هذا القول من المالكية والأحناف يمكن أن يجاب عنه بأن كونه غير منصوص عليه غير كاف في رد الحكم ، فإنه – عند الحنابلة – بمعنى المنصوص عليه .
لكن الفارق فيما يظهر لي : أن هدي التمتع هدي موجبه فعل المناسك وأما هدي الإحصار فإن موجبه ترك المناسك ، وفرق بين الفعل والترك ، فإن المحصر تارك للنسك ، وأما المتمتع فهو بفعله النسك وجب عليه الهدي وأن يجبره بعد ذلك ببدله إن عجز عنه ، وحيث ثبت الفارق فإن القياس لا يصح .
ثم إن في ذلك – أي في الصيام – مشقة وكلفة ، فإن كوننا ننهاه أن يتحلل حتى ينتهي من صيام عشرة أيام لا شك أن في مثل هذا كلفه ومشقة ، وهذا فارق آخر بين المسألتين ، فإن المتمتع إذا رجع إلى أهله وهو متحلل يصوم سبعة أيام ولا حرج عليه في ذلك ولا مشقة .
فالصحيح ما ذهب إليه المالكية والأحناف من أن هدي الإحصار ليس له بدل بل إذا لم يجد الهدي فإنه يحل ولا شيء عليه .
مسألة :
من ترك واجباً فعليه دم جبران وهو كدم المتعة من حيث حكمه وحكم الصيام بدله ؛ فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله لأنه دم واجب بسب الدخول في النسك هذا هو المذهب .
قوله : [ ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة ، وفي العمرة شاة ]
تقدم البحث في هذا في مسألة الجماع .
قوله : [ وإن طاوعته زوجته لزماها ]
إن طاوعت الزوجة زوجها على الجماع فإنه يجب عليها البدنة أو الشاة على التفصيل المتقدم في حق الرجل .
وذلك لأن كليهما مكلف وقد فعل ما يوجب الكفارة فلم تجزئ كفارة أحدهما عن الآخر ، والكفارة لحق الله تعالى .
وقد تقدم أثر ابن عباس الذي لا يعلم له مخالف من الصحابة وفيه أنه أوجب الهدي عليها – أي على الزوج والزوجة – . والأول نظر ، وهذا أثر عن ابن عباس لا يعلم له مخالف .
وظاهر قوله : - أي المؤلف – أن الزوجة إن كانت مكرهة فإن الفدية لا تجب عليها وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة خلافاً للمالكية في هذه المسالة .
فالمشهور في المذهب أنه لا فدية عليها – إن كانت مكرهة - قالوا : لأنها مكرهة وقد عفي لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهت عليه .
قال الحنابلة : ولا يجب ذلك على المكرِه وهو الزوج أو غيره ، فالمكرِه لا يجب عليه الفدية .
وقال المالكية : بل يجب على زوجها فدية ويجب عليه أن يدفع من ماله ما يحججها به في السنة الأخرى لأنه هو المفسد لحجها فقد فسد حجها بسببه .
وأما الكفارة فلا لأنها حق الله تعالى يجب على المكلف حيث توفرت الشروط فيه وهي لم يتوفر فيها شروط الإيجاب ؛ لأنها مكرهة .
فإذاً : مذهب الحنابلة أصح من مذهب المالكية وأنها إذا أكرهت فليس عليها فدية ولا على زوجها فدية .
والمذهب أن المرأة المكرهة يفسد حجها وهو مذهب المالكية .
وذهب الشافعية وهو الراجح إلى أن المرأة إذا أكرهت على الجماع لا يفسد حجها .
وذلك لأنها لإكراهها لا فعل لها فالمكرَه لا فعل له ، وإنما أفسد الحج بالجماع لأنه فعل من المكلف خالف فيه أمر الله أو اقترف فيه نهي الله عز وجل .
وحيث كان مكرهاً فإنه لا فعل له فلا يعد مخالفاً ، ولأن الله تجاوز عن هذه الأمة ما أكرهت عليه.
ولا يجب عليها بدنة لما تقدم ، ولأن الكفارة مترتبة على الفعل المتقصد المتعمد وهنا لا قصد ولا تعمد بل لا ينسب إليها فعل.
( فصل )
هذا فصل في أحكام الفدية
قوله : [ ومن كرر محظوراً من جنس ولم يفد فدى مرة ]
كرر محظوراً من جنس واحد كأن يلبس مخيطاً في اليوم الأول من أيام الحج ولم يفد ، ثم يلبسه في اليوم الثاني ولم يفد بينهما .
أو أن يكرر التطيب ، ولم يفد بين ذلك ، فإنه يفدي مرة ، فيكفيه عن هذه الأفعال ذات الجنس الواحد ما لم يتخللها فدية يكفيه فدية واحدة .
قالوا : لأن الله عز وجل أطلق في فدية الأذى ولم يفرق بين من تابع حلق رأسه ، أو فرق حلقه بأن حلق جزءاً ثم حلق جزءاً آخر.
ونظير ذلك إقامة الحدود الشرعية ، فإن الرجل إذا تكرر زناه بامرأة أو قذفه لرجل ولم يقم عليه الحد فإنه لا يقام عليه الحد إلا مرة واحدة فهنا كذلك .
إذاً : إن فعل فعلاً من محظورات الإحرام من جنس فكرره في نسكه كأن يكرر في حجه لبس المخيط مرتين أو ثلاثاً ، أو أن يفعله متتابعاً ، فيستمر في نسكه كله لابساً لثوبه أو أن يفعله ثم يخلعه ، أو أن يخلعه ثم يلبسه مرة أخرى فإذا لم يتخللها كفارة فإنه لا يفدي إلا مرة واحدة .
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه إذا فدى فإنه يلزمه أن يفدي مرة أخرى وثالثة وهكذا .
فلو أن رجلاً لبس ثوبه في يوم التروية ثم فدى - فذبح أو صام أو أطعم - ثم لبسه في المساء أو في الغد فإن عليه فدية أخرى .
قالوا : لأن المحظور الثاني وإن كان من جنس الأول لكنه صادف إحراماً خالياً من فعل محظور تجب فيه الفدية . ففعله للمحظور مرة ثانية أو ثالثة صادف إحراماً خالياً من فعل محظور موجب للفدية فلا موجب حينئذٍ لإسقاطه .
إذن : إذا فعل محظوراً من جنس واحد وكرره فلا يخلو من حالين :
الأولى : أن يتخلل ذلك فدية ، بمعنى : يفعل المحذور ثم يفدي ثم يفعله مرة ثانية فتجب عليه الفدية مرة أخرى لأن فعله الثاني صادف إحراماً خالياً من فعل موجب للفدية ، فلا موجب حينئذٍ لإسقاط الفدية عنه كما لو زنى فأقيم عليه الحد ثم زنى مرة أخرى فإن الحد يقام عليه مرة أخرى وهذا حيث لم يدخل الثاني في الأول كمن مرض فاحتاج إلى اللبس ففدى وكرر فكفارة واحدة لأن الفدية أباحت الثاني كما أباحت الأول كما في شرح العمدة لشيخ الإسلام.
الثاني : ألا يتخلل ذلك فدية ، فإنه ليس عليه إلا فدية واحدة لأن الله عز وجل لما أمر بالفدية أطلق فمن فعل هذا المحظور فواجب عليه أن يفدي وظاهر هذا الإطلاق ثبوته بالتفرق كثبوته بالتتابع فأشبه ذلك إقامة الحدود .
هذا إذا كان المحظور المكرر من جنس واحد .
أما إذا لم يكن المحظور من جنس واحد فقال المؤلف هنا :
[ ومن فعل محظوراً من أجناس فدى لكل مرة بخلاف صيد ]
رجل فعل محظورات مختلفة الأجناس ، كأن يلبس مخيطاً ويتطيب ويغطى رأسه فإنه يجب لكل محظور فدية لأن الأجناس مختلفة.
قالوا : وقد دلت الأدلة على إيجاب الفدية على كل جنس فلا موجب حينئذٍ لإسقاطه باجتماعها . كما لو قذف وزنى وسرق فإن هذه الحدود تقام عليه كلها لاختلاف أجناسها فكذلك هنا .
وقد استثنى من المسألة الأولى الصيد ، فلو أن رجلاً صاد ثم صاد ثم صاد ، فيجب عليه لكل صيد جزاؤه ، سواء فدى بين ذلك أم لم يفد ، بل لو فعله دفعة واحدة فإن عليه الجزاء للكل ، وهذا لقوله تعالى : ] فجزاء مثل ما قتل من النعم [ ، فظاهر ذلك أن المثلية في نوعه وفي تعدده .
فإذا أوجبنا في نعامة بدنة ، فظاهر الآية أن في النعامتين بدنتن ، وفي الثلاث ثلاثاً وهكذا قال تعالى :
) فجزاء مثل ما قتل من النعم ( فظاهر هذا أن المثلية ثابتة بالنوع الذي يحكم به ذوا عدلٍ ، وثابتة بعدده .
قوله : [ رفض إحرامه أو لا ]
يجب عليه إن تعددت المحظورات من أجناس مختلفة ، أو فعل محذوراً واحداً من جنس فيجب عليه الكفارة، وإن قال : أبطلت إحرامي ونويت الخروج من النسك ، وهذا المراد بقوله : " رفض إحرامه أو لا " فإذا رفض إحرامه فإن الفدية واجبة عليه وذلك : لأن رفضه لا حكم له ، وهذا بخلاف سائر العبادات ، فإن الحج لا يبطل بنيته الخروج من النسك ، باتفاق العلماء بخلاف سائر العبادات ، وهذا من فوارق الحج عن سائر العبادات أنه لا يبطل بقصد المكلف وإرادته إبطال النيـة .
وذلك لأنه إن فعل مفسداً للحج بأن جامع المحرم قبل التحلل الأول فإنه – وإن قلنا بفساد النسك – فإنه يبقى مستمراً به لا يخرج منه ، فإفساده للحج لا يخرجه من الحج فأولى من ذلك إبطال النية .
وكذا : إذا حدث له جنون أو إغماء في أثناء حجه .
قوله : [ ويسقط بنسيان فدية لبس وطيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلق ]
المحظورات في المذهب من حيث الفدية قسمـان :
الأول : نوع تسقط الفدية فيه بالنسيان والجهل والإكراه .
الثاني : لا تسقط الفدية بذلك .
وضابط ذلك : أن ما فيه إتلاف كالصيد ، والوطء ، لأن الوطء قد يكون فيه إتلاف وهو إذهاب بكارة المرأة ويلحق بذلك ما لو كانت ثيباً ، والصيد فيه إتلاف الصيد ، وحلق الرأس فيه إتلاف الشعر وتقليم الأظافر فيه إتلاف ، فما كان فيه إتلاف فإنه لا يسقط بنسيان ولا إكراه ولا جهل ولو نائماً .
وما لم يكن فيه إتلاف كالطيب ، واللبس وتغطية الرأس فإن الفدية تسقط فيه بالجهل والإكراه والنسيان .
قالوا : لقوله r : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )
قالوا : ولما ثبت في الصحيحين من حديث يعلى بن أمية : أن رجلاً أتى إلى النبي r وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق " أي طيب " فقال : يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ الحديث وفيه فقال رسول الله r : ( اخلع عنك الجبة واغسل عنك أثر هذا الخلوق واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك )
قالوا : فلم يأمره النبي r بالفدية وقد لبس الجبة وتطيب وذلك لجهله .
قالوا : وإذا ثبت هذا في الجهل فسائر الأعذار كذلك من نسيان وإكراه . وفي الحديث المتقدم لم يأمره النبي r بالفدية لجهله وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فلو كانت الفدية واجبة لأمره النبي r بها .
قالوا : وأما ما فيه إتلاف من وطء وصيد وحلق وتقليم فإنه لوجود الإتلاف فيه يستوي عمده وسهوه ، فلا فرق بين نسيان وإكراه وجهل وبين تعمد وعلم وذكر .
وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختاره أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن سعدي . قالوا : تسقط الفدية في هذا .
ولم أرهم ينصون في اختيارهم على الوطء والظاهر أنه كذلك – اختاروا أن الفدية تسقط بالجهل والإكراه والنسيان وإن كان الإتلاف ثابتاً قالوا : لأن الإكراه والنسيان والجهل عذر ثابت فيهما جميعاً .
وتفريقهم بين الإتلاف وغيره تفريق غير معتبر ، وذلك لأن الإتلاف إنما يستوي عمده وسهوه إذا كان في حق الآدمي أما إذا كان في حق الله عز وجل المبني على المسامحة فإنه لا يستوي عمده وسهوه للمعنى ، فإن مقصود الشارع من المكلف ترك المحظور وعدم مخالفة الشرع ومشاقتِه في فعله ، وحيث فعله على وجه النسيان والإكراه والجهل فإنه ليس هناك مخالفة للشرع سواء كان ذلك بما فيه إتلاف أو لم يكن فيه إتلاف .
إنما ما ذكروه معتبر في حقوق الآدميين حفظاً لحقوقهم أما حقوق الله عز وجل فهي مبنية على المسامحة .
ومما يدل على ذلك : تقييد الله عز وجل إيجاب الجزاء في الصيد بالتعمد فقال تعالى : ) ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم (
وهذا قيد لابد من اعتباره ، ومفهومه : أنه إن لم يقتل على وجه التعمد لا حرج عليه في ذلك ، والصيد إتلاف فهكذا سائر ما يقع فيه إتلاف ، وهذا القول هو الراجح وقد اختاره شيخنا الشيخ محمد .
فعليه : يشترط لوجوب الفدية في فعل المحظورات كلها سواء كان فيها إتلاف أم لم يكن فيها إتلاف: يشترط ثلاثة شروط :
العلم وضده الجهل ، فإن كان جاهلاً بالحكم أو جاهلاً بالشيء ودخوله في التحريم فإنه لا شيء عليه لجهله.
الذِكر : وهو ضد النسيان .
التعمد : فلابد أن يكون متعمداً ، أما لو كان مكرهاً فإنه لا شيء عليه .
قوله : [ وكل هديٍ أو إطعام فلمساكين الحرم ]
مساكين الحرم : هم أهل الحرم والواردون إليه ممن تحل لهم الزكاة لفقرهم . فكل هديٍ فإنه لمساكين الحرم، قال تعالى : ) هدياً بالغ الكعبة ( وقال تعالى : ) ثم محلها إلى البيت العتيق ( .
ومثل ذلك الإطعام فيذبح الهدي ويفرق لحمه على مساكين الحرم ، ومثله جزاء الصيد لللآية .
قوله : [ وفدية الأذى واللبس ودم الإحصار حيث وجد سببه ]
رجل وهو في طريقه إلى مكة فعل محظوراً من محظورات الإحرام ، فإنه يفعله حيث وجد سببه ، فإذا أراد أن يذبح شاة أو يطعم فإنه يتصدق به على المساكين الذين في ذلك الموضع ، وذلك لأن النبي r لما أمر كعب بن عجرة أن يذبح شاة أو أن يطعم ستة مساكين وكان ذلك في الحديبية لم يقيد النبي r ذلك بأن يكون في مساكين الحرم وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
وكذلك إطلاق الآية في قوله تعالى : ) ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( فالآية أطلقت وظاهر ذلك أنه يُفعل حيث وجد سببه لتشوف الشارع إلى المسارعة في فعل الكفارات والفِدى وغيرها .
ودم الإحصار كذلك ، فإذا أحصر الرجل في موضع وهو ليس في الحرم ومنع من إتمام نسكه قبل أن يدخل الحرم فإنه يذبح الهدي حيث أحصر .
ودليل ذلك : أن النبي r وأصحابه لما أحصروا نحروا في الحديبية .
ولإطلاق الآية القرآنية : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( ولم يقيد ذلك سبحانه بأن يكون في مكة.
وعليه فالقاعدة أن يقال : الفِدى والهدي الذي له سبب ، يفعل حيث وجد سببه ، فما كان سببه الإحصار يفعل حيث وجد سببه ، والفِدى يفعل حيث وجد سببه .
قوله : [ ويجزئ الصوم بكل مكان ]
الصوم يجزئ في كل مكان ، سواء كان صوم جزاء الصيد : ) أو عدل ذلك صياماً ( أو صوم فدية الأذى : ) ففدية من صيام أو صدقة أو نسك (
وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم قالوا : لأنه لا معنى لتخصيص الصوم في مكان معين ، وذلك لأن نفعه غير متعدٍ ، فلا يتعدى إلى المساكين ، إنما هو خاص بفاعله فلا معنى أن يقيد بمكان ما .
والآيات القرآنية الواردة في هذا الباب : قد وردت مطلقة قال تعالى : ) ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( فأطلق وقال سبحانه : ) أو عدل ذلك صياماً ( فأطلق أيضاً ، وظاهر ذلك أنه يفعله حيث شاء .
قوله : [ والدم شاة أو سبع بدنة ويجزئ عنها بقرة ]
حيث وجب الدم سواء كان ذلك على التخيير كما يكون في فدية الأذى – فإن الواجب دم أو صيام أو إطعام – أو كان ذلك في ترك واجب من واجبات الحج فإنه يجب عليه دم – كما سيأتي ذكره إن شاء الله – فالدم شاة .
قال تعالى : ) ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ( وفسر النبي r النسك بقوله في حديث كعب ابن عجرة المتفق عليه بقوله : ( أتجد شاة ) وقال تعالى : ) فما استيسر من الهدي ( فيصدق ذلك على الشاة .
فالدم شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة .
أما الشاة فقد تقدم الاستدلال عليها .
وأما البقر والإبل فقد ثبت في مسلم عن جابر قال : ( أمرنا النبي r أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في بدنة ) ، وليس كل بقرة أو بعير أو شاة تجزئ ، وسيأتي شروط ما يُهدى ويُضحى به .
باب : جــــزاء الصيد
قوله [ في النعامة بدنة ]
النعامة : طير معروف وهي تشبه البعير في خلقته .
قضى بذلك عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية كما في سنن البيهقي . والمراد بالبدنة هنا : الإبل .
قوله : [ وحمار الوحش وبقرته والأيِّل والثيتل والوَعَل بقرة ]
هذه كلها من الأوعال وهي ما يسمى عندنا بـ تيس الجبل ، أو " الْبِدَن " فهذه فيها بقرة . قضى بذلك ابن عباس كما في سنن البيهقي .
قوله : [ والضبع كبش ]
كما قضى به النبي r كما في سن أبي داود .
قوله : [ والغزالة عنز ]
حكم بذلك عمر كما في موطأ مالك والبيهقي بإسناد صحيح أنه قضى في الغزالة بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة.
والجفرة : ما لها أربعة أشهر من أولاد المعز .
والعناق : أصغر من الجفرة .
ففي الأرنب عناق ، وفي اليربوع جفرة .
قوله : [ والوبر والضب جدي ]
الضب : قضى به عمر كما في البيهقي .
والجدي : ما له ستة أشهر من ذكر المعز .
فالضب فيه جدي .
قالوا : ويقاس عليه الوبر ، أما الأثر فهو وارد في الضب .
قوله : [ واليربوع جفرة ]
اليربوع معروف : وفيه جفرة وهي ما لها أربعة أشهر من أولاد المعز وقد تقدم أثر عمر الدال على ذلك .
قوله : [ والأرنب عناق ]
لأثر عمر المتقدم .
قوله : [ والحمامة شاة ]
هذا ما قضى به ابن عباس فيما رواه البيهقي ابن عباس : ( جعل في حمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة )
ولكن المماثلة بينهما التي ذكرها أهل العلم فيها شيء من الغرابة قالوا : الحمامة تعُبَّ الماء كما تَعَبُّه الشاة .
فالحمامة إذا شربت الماء فإنها تضع منقارها في الماء ثم تمصه مصاً كما تفعل الشاة ، بخلاف غيرها من الطيور فإنه يأخذ القطرة ثم يرفع رأسه حتى تنزل ثم يعيده مرة أخرى وهكذا .
لكن هذه المماثلة – فيما يظهر لي – لا يترتب عليها مثل هذا الحكم وهو باب المماثلة .
لكن يشكل علينا قضاء ابن عباس رضي الله عنه فإنه قد قضى بذلك ولا يعلم له مخالف .
لكن ذهب الإمام مالك إلى تفصيل في هذه المسألة فقال : هذا خاصٌ في حمام الحرم ، وأما غيره مما يصيده المحرم من الحمام في غير الحرم فإن فيه الثمن أي القيمة .
ويدل على ذلك : ما ورد عن ابن عباس في البيهقي في بعض الروايات عنه والسند صحيح قال : ( وكل ما سوى حمام الحرم ففيه ثمنه إذا صاده المحرم )
وهذا قوي لأن المماثلة بين الشاة والحمامة بعيدة جداً ، لكن كونها تجب في حمام الحرم قويٌ لعظم الخطأ فتعظم العقوبة فلعل ذلك من ابن عباس من هذا الباب .
فالذي يظهر لي ما ذهب إليه المالكية من التفصيل : أما حمام الحرم فيجب فيه شاة كما قضى بذلك ابن عباس تغليظاً لهذا الفعل ، وأما غيره من الحمام فإن صاده المحرم فلا يجب فيه إلا القيمة فيشترى بقيمته طعام ويهدى إلى مساكين الحرم ، وتقدم.
مسألة :
رجل وجبت عليه شاة فأهدى بدنة ، فإن ذلك يجزئه لأنه فعل ما يجب وزيادة ، فمن تطوع خيراً فهو خير له .
مسألة :
الظاهر أنه يجوز نقل الهدي ونحوه عن مساكين الحرم إذا كانوا مكتفين .
مسألة :
إذا أشار المحرم أو دل على صيد فهل عليه الجزاء مع ثبوت الإثم أم لا يثبت إلا الإثـم ؟
في هذه المسألة صورتان :
الصورة الأولى : أن يدل المحرم حلالاً .
الصورة الثانية : أن يدل المحرم أو يشير إلى محرم مثله .
أما الصورة الأولى : وهي ما إذا دل المحرم حلالاً على صيد فصاده المحل :
قال الحنابلة : عليه مع الإثم الجزاء فيجب عليه الجزاء – أي على الدال المحرم - .
قالوا : لأنه قد حرم عليه أن يأكل منه كما في قوله r : ( هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء ؟ فقالوا : لا قال : فكلوا مما بقي من لحمه )
قالوا : فيترتب على تحريم الأكل وجوب الجزاء .
وهذا ليس بظاهر فإنه من صيد لأجله يحرم عليه الأكل ولا يترتب على ذلك جزاء اتفاقاً ما لم يكن منه دلالة أو إشارة .
قالوا : ولنا دليل آخر ، وهو أن الضمان لا يجب على المُحل وهو المباشر للصيد ، فلا يجب عليه الضمان لأنه مُحِل ، والضمان إنما يجب على المحرم ، ومن باشر الصيد محل فينتقل الضمان إلى المتسبب وهو هذا المحرم الذي دل أو أشار .
وهذه قاعدة سيأتي ذكرها في الكلام على الحدود ، وهي : أن الضمان يجب على المتسبب إن لم يمكن أن يكون على المباشر .
كأن يرمي رجل رجلاً على أسد فيأكله ، فإن الضمان لا يمكن أن يكون على المباشر فحينئذٍ يلزم المتسبب وهذه قاعدة . قالوا : فهنا كذلك .
هذا هو مذهب الحنابلة ، وهو مذهب جمهور أهل العلم .
و قال الشافعية : لا يجب عليه الجزاء بل عليه الإثم فحسب .
قالوا : لأن الله عز وجل إنما رتب الجزاء على قتل الصيد والصيد لم يقتل ، لأن فِعل المحل للصيد ليس بقتل للصيد ، فقد صاده من غير أن يكون ذلك قتلاً ، فهو صيد صحيح ، ولذا يجوز للمحل أن يأكله فهو ليس بمقتول، فهو صيد حينئذٍ .
وهذا القول أظهر ، لأن القاعدة المتقدم ذكرها وإن كانت صحيحة وهي وجوب الضمان على المتسبب إن لم يمكن وجوبه على المباشر فهنا نقول : لاضمان أصلاً ؛ لأن الضمان إنما يترتب على قتل الصيد والصيد لم يقتل وإنما ذبح ذبحاً صحيحاً شرعياً . والمحل إذا دله المحرم على صيد فصاده فهو حلال للمحل حرام على المحرم فدل على أنه غير مقتول ، وهذا القول هو الأرجح .
أما الصورة الثانية : وهي فيما إذا دل المحرم محرماً مثله على صيد فقتله :
قال الحنابلة : يشتركان في الجزاء أي المتسبب والمباشر .
قالوا : لأن كليهما قد فعل المحظور، فهذا قد فعل المحظور بالقتل وهذا قد فعل المحظور بالإشارة والدلالة.
وقال المالكية والشافعية : يجب الجزاء على المحرم الذي قتله مباشرة وأما المتسبب فعليه الإثم فحسب .
وهذا هو الراجح ، لأن الضمان يجب على المباشر ولا يجب على المتسبب إلا إذا لم تمكن إضافته إلى المباشر فإنه حينئذٍ يضاف إلى المتسبب وهنا يمكننا أن نضيفه إلى المباشر فيغلب جانب المباشر على المتسبب .
قال تعالى في كتابه الكريم : ) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم (
· جمهور أهل العلم على أن المثلية في باب جزاء الصيد في الصورة والخِلقة ، فمن صاد صيداً فعليه مثله أو مقاربه صورةً وخلقةً من النعم وهي بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم ، وهذا تقريب لا تحقيق ، فهو تقريب ؛ لأن التحقيق متعذر ، فالمسألة مسألة تقريبية .
وفي قوله تعالى : ) هدياً بالغ الكعبة ( هل يشترط في الهدي الذي هو من جزاء الصيد ، هل يشترط فيه ما يشترط في الهدي الذي هو واجب على المتمتع من السن ونحو ذلك من الشروط ؟
آثار الصحابة تدل على خلاف هذا ، فقد فرضوا العناق والجفرة ونحوها وهي لا تجزئ في الهدي ولا في الأضحية ، هذا الذي يدل عليه إجماع الصحابة .
فهو في حكم الهدي في كونه يكون لمساكين الحرم ، ولا يشترط ما يشترط في الهدي من السن ونحوها .
وقد قال تعالى قبل ذلك : ) يحكم به ذوا عدل منكم (
لا خلاف بين أهل العلم أن ما حكم به النبي r في هذا الباب فإنه يجب العمل بـه .
فقد قضى النبي r : ( أن في الضبع كبشاً ) كما ثبت هذا في أبي داود وغيره والحديث صحيح .
وجمهور أهل العلم على أن ما حكم به الصحابة كذلك ، وهذا راجع إلى الاحتجاج بآثارهم هذا ما لم يعلم لهم مخالف .
أما إذا لم يثبت عن النبي r ولا عن أصحابه جزاء في ذلك فإنه يحكم به ذوا عدل من أهل المعرفة والخبرة ، فيحكم من أهل العدالة اثنان لهم معرفة وخبرة في باب التماثل بين الصيد وبين جزائه من النعم .
ولا يشترط أن يكونوا فقهاء بل يكفي كونهم عدولاً ثقات لهم خبرة وعلم بذلك ، هذه طريقة الحكم.
وإن لم يكن للصيد ما يماثله كبعض الطير والجراد فإنه يقوَّم ويشترى بقيمته طعاماً ويهدى إلى مساكين الحرم وهو المذهب .
وإن كان الصيد مملوكاً للغير فعليه مع الجزاء ضمانه لمالكه .
باب صيـــد الحــرم
أي الحرم المكي : ويتبعه المؤلف أيضاً بذكر حكم صيد الحرم المدني .
قوله : [ يحرم صيده على المحرم والحلال ]
يحرم صيد الحرم بالإجماع ، فلا يجوز للمسلم أن يصيد محلاً كان أو محرماً.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تُلتقط لقطته إلا لمن عرَّفها ولا يختلى خلاها " وهو العشب الأخضر الرطب " فقال العباس : يا رسول الله : إلا الإذخر فإنه لقينهم " أي لصانعهم ، يوقد به النار لصنعته " ولبيوتهم ، فقال النبي r : إلا الإذخر ) وهو عشب معروف هناك.
فهذا الحديث وغيره يدل على تحريم مكة – وهذا بإجماع العلماء - وأن صيدها حرام على المحل والمحرم
قوله : [ وحكم صيده كصيد المحرم ]
فحكم صيد الحرم كحكم صيد المحرم ، و تقدم الكلام على صيد المحرم في الدرس السابق قال تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم … ( فعلى ذلك كل ما يثبت من الجزاء فيما تقدم البحث فيه من وجوب المثلية أو القيمة أو الإطعام والصيام كل ذلك ثابت في صيد الحرم للمحرم والمحل ، وهذا باتفاق العلماء .
و يدل على ذلك الأثر و القياس :
أما الأثر : فهو ما تقدم عن ابن عباس من إيجابه في حمام الحرم شاة على المحرم والمحل ، وهو في البيهقي بإسناد صحيح .
وأما النظر : فهو قياس صيد الحرم على صيد المحرم بجامع أن الصيد ممنوع لحق الله فيهما ، فالصيد ممنوع لحق الله تعالى على المحرم ، وممنوع لحق الله أيضاً عليه وعلى المحل في الحرم .
و في قوله : " وحكم صيده كصيد المحرم " ظاهره أن الصيد المائي في الحرم جائز ، كأن يكون في العيون أو المياه التي في الحرم أن يكون فيها شيء من الصيد المائي ، فظاهر كلام المؤلف جواز اصطياده وهو رواية عن الإمام أحمد ، وهذا من باب القياس فكما أن المحرم لا يحرم عليه صيد البحر فكذلك صيد الحرم و لعموم الآية : ] أُحل لكم صيد البحر و طعامه [ .
و المذهب أن صيد البحر محرَّم في الحرم أي الصيد المائي في العيون ونحوها و لا جزاء فيه لعدم وروده.
وذلك لعموم قوله r : ( ولا ينفر صيدها ) و" صيد " جمع مضاف فيفيد العموم أي كل صيدها ، فيدخل في ذلك الصيد المائي .
و القياس مع الفارق : فإن المُحِل يجوز له أن يقطع الشجر ويحش الحشيش وأما في الحرم فلا يجوز له ذلك فبينهما فارق ، والقياس مع الفارق غير صحيح .
لكن عموم الآية يدل على جواز صيد البحر في الحل و الحرم و هو أظهر.
قوله : [ ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر ]
يحرم قطع شجر الحرم أي شجره النابت فيه بغير فعل من الآدميين كالشجر البري ، فما ينبت فيه من الشجر البري وليس من صنع الآدميين لا يجوز بالإجماع أن يعضد ولا أن يحش الحشيش الأخضر وذلك للحديث المتقدم : ( ولا يعضد شوكها )
فالشوك مع ما فيه من الأذى لا يجوز أن يعضد فالشجر أولى من ذلك وهذا باتفاق العلماء .
و أما ما كان بفعل الادمي فيجوز لأنه مضاف إلى مالكه لا إلى الحرم و في الحديث ( لا يعضد شجرها ) فأضافه إلى الحرم.
وكذلك الحشيش وهو العشب الأخضر النابت في الحرم مما ليس من صنع الآدميين لا يجوز للمحرم أو المحل أن يحتشه ، لقوله r : ( ولا يختلى خلاها ) والخلا هو العشب الأخضر .
وهنا قال : ( الأخضرين ) فيخرج من ذلك اليابسان فيجوز أن تقطع الشجرة اليابسة التي لا حياة فيها ، وأن يحتش الحشيش اليابس الذي لا حياة فيه لأنه ميت فلا قيمة له ولأن النبي r قال : ( ولا يختلى خلاها ) والخلا الرطب لا اليابس فلا بأس بقطع ما كان يابساً .
و عليه فا المراد باليابس مالا حياة فيه.
ويجوز بلا خلاف بين العلماء أن ينتفع بما يكون من الأغصان الساقطة أو الحشيش في الأرض وإن كان رطباً لأنه انتفاع بلا قطع ، والنهي إنما هو عن قطعه .
ولا بأس أيضاً أن يؤخذ ما يكون من احتياجات الناس من النباتات الطبية كالسنا أو ما يحتاج إليه كالمساويك أو غير ذلك لا حرج في ذلك لأن الحاجة داعية إليه فلا حرج فيه كما استثنى النبي r الإذخر فقد استثناه النبي r لحاجة الناس إليه ويقاس عليه ما يحتاج إليه الناس من النباتات الطبية وما يحتاج إليه الناس من النبات أو الشجر .
و مرادهم بالحاجة ما يلحق الحرج بتركه ، فهذا ضابط الحاجة .
قال : " إلا الإذخر " : وقد تقدم دليل ذلك في المتفق عليه من قول العباس : إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال : " إلا الإذخر " وتقدم أنه يقاس عليه ما يحتاج إليه الناس من النبات الطبي كالسنا ونحوه .
واعلم أن الكمْأة : تستثنى من ذلك لأنها ثمرة ، ولأنه لا أصل لها في الأرض كالنبات من عشب أو شجر ، فعلى ذلك يجوز أخذ الكمأ في الحرم .
واختلف أهل العلم في رعيه ، فهل يجوز له أن يطلق غنمه أو إبله ترعى في الحرم أم لا ؟
قولان لأهل العلم :
أصحهما جوازه و هو المذهب ، وذلك لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال :(فأرسلت الأتان ترتع ) وكان ذلك في منى ، ومنى من الحرم ، ولأن الناس في عهد النبي r يأتون بالهدايا من إبل وبقر وغنم فلم يكونوا يربطون أفواهها لئلا تأكل من حرم الله عز وجل، ولو كان هذا ثابتاً لنقل إلينا .
ولأن الحاجة إليه – أي للرعي – شبيهة بالحاجة إلى الإذخر بل أعظم فعلى ذلك الرعي جائز ، لكن لا يجوز له أن يحتش لها بل يطلقها ترعى في الحرم .
هل في قطع شجر الحرم و احتشاش حشيشته هل فيه الجزاء ؟
قال جمهور الفقهاء : فيه الجزاء .
و قال الحنابلة والشافعية : الدوحة " وهي الشجرة الكبيرة و كذا المتوسطة " فيها بقرة ، والشجرة الصغيرة عرفاً فيها شاة و إن شاء اشترى بقيمته طعاماً فأطعم كل مسكيناً مداً من أرز أو صام مكان كل مدٍ يوماً كما تقدم في جزاء الصيد ، وما دون ذلك فإنه يقوّم ، كالحشيش فإنه بقيمته.
واستدلوا : بأثر ابن عباس أنه قال : ( في الدوحة بقرة ، وفي الجزْلة " وهي الشجرة الصغيرة " شاة )
وهذا الأثر قال الألباني رحمه الله في إرواء العليل : " لم أقف عليه " ولو صح لقلنا به فإنه أثر صحابي لا يعلم له مخالف .
فعلى ذلك العمل به متوقف على تصحيحه ، وتصحيحه متوقف على النظر في سنده ، ولم يعزه الحنابلة إلى كتاب من الكتب الموجودة فينظر فيه كما تقدم .
وقال الأحناف : جزاؤه قيمته ، فيقوم ثم يتصدق بقيمته .
ودليل الجمهور على ثبوت الجزاء فيه : القياس على الصيد .
قالوا : كما أن الصيد يجب فيه الجزاء فكذلك قطع الشجر واحتشاش الحشيش يجب فيه الجزاء ؛ بجامع أن كليهما مما يمنع في الحرم .
وذهب المالكية واختار ذلك ابن المنذر إلى أنه لا جزاء فيه وذلك لأن الضمان يحتاج إلى دليل ولا دليل يدل عليه ، والأصل براءة ذمة المكلف من أن يلحق به غرامة مالية .
والأظهر ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب الضمان قياساً على الصيد بجامع أن كليهما ممنوع في الحرم ، ولما سيأتي في الكلام على شجر الحرم المدني من ثبوت السَلَب فيه ، فأولى من ذلك أن يثبت في حرم مكة الجزاء .
والأصح من قولي الجمهور : ما ذهب إليه الأحناف من وجوب القيمة فيقوم ما قطع أو احتش .
واعلم أن القطع الذي يترتب عليه الجزاء إنما هو القطع المتلف ، وأما إن قطعه ثم نقله إلى موضع آخر في الحرم فلم يتلف الشجر فإنه لا يترتب عليه الجزاء.
ولا يجوز له أن ينقله إلى خارج الحرم لأن ذلك مظنة لإتلافه .
واعلم أن الأغصان تلحق الأصل فلو أن شجرة جذرها في الحرم، وأغصانها تخرج إلى الحل فإنه لا يجوز أن يقطع شيئاً من أغصانها لأنها تبع لأصلها وأصلها في الحرم .
و الأظهر أن ما تلف لمصلحة الآدمي فلا شيء فيه كما لو تلف بعض الحشيش بوضع فراش أو نصب خيمة و نحو ذلك لأن الحاجة داعية إليه.
قوله : [ ويحرم صيد المدينة ]
صيد المدينة يحرم لما ثبت في الصحيحين أن النبي r قال : ( المدينة حرام ما بين عَيْر إلى ثور )
وفي مسلم : ( لا يقطع عِضاهها " وهو الشجر ذو الشوك " ولا يصاد صيدها )
وفي مسند أحمد وأبي داود وتمامه لأحمد : والحديث صحيح أن النبي r قال : ( لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها ولا يقطع فيها شجرة إلا أن يُعْلِف رجل بعيره )
فالمدينة يحرم صيدها فلا ينفر و القتل أولى ، وكذلك حشيشه كل ذلك محرم على التفصيل المتقدم في الكلام على حرم مكة من أن ذلك إنما هو في الأخضر الرطب لا في اليابس الميت ، وأن ذلك فيما لم يكن للآدمي فيه فعل بخلاف ما يكون للآدمي فيه فعل فإنه جائز .
قوله : [ ولا جزاء ]
فمن فعل بأن صاد صيداً أو احتش حشيشاً أو قطع شجرة في حرم المدينة فإنه لا جزاء عليه .
قالوا : لأن ثبوت التحريم لا يستلزم ثبوت الجزاء فالأصل براءة الذمة من أن يلحقها شيء من الغرامة المالية.
والنبي r لم يبين ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، ولما ذكر حرمها قال : ( فمن آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) ولم يذكر جزاءً وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، هذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أهل العلم .
وعن الإمام أحمد : أن من وجده فله سلبه ، أي فله أن يأخذ ثيابه وما معه من متاع وما معه من آلة صيد وما على يديه من خاتم وساعة ونحو ذلك ولا يبقي عليه إلا ما يستر به عورته وهذا هو الثابت في السنة الصحيحة .
فقد ثبت في مسلم أن سعد بن أبي وقاص : ( ذهب إلى البقيع فرأى غلاماً يقطع من شجر الحرم فأخذ سلبه، فأتى أهل الغلام يسألونه سَلَب غلامهم فقال : والله لا أعطيكم شيئاً نفلنيه النبي r ) وهو أيضاً في أبي داود بلفظ : ( إن النبي r : نهى عن شجر المدينة وقال : من قطع منه شيئاً فلمن وجده سلبه )
و الظاهر أنه من باب التعزير.
فإن لم يؤخذ منه سلبٌ فلا جزاء عليه وعليه الاستغفار والتوبة .
قوله : [ ويباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه ]
فيباح الحشيش للعلف بأن يحتشه ليعلف دوابه .
إذن : يفارق حرم مكة بجواز احتشاش العلف للبهائم .
ودليل ذلك : ما تقدم في مسند أحمد : أن النبي r قال : ( ولا يقطع من شجره إلا أن يعلف رجل بعيره )
قال : " وآلة الحرث ونحوه " فيجوز أن يقطع من الشجر ما يستخرج منه الخشب لآلة الحرث التي يحرث بها وهي تحتاج إلى أخشاب كالرحل وغيره .
واستدلوا : بما ذكره صاحب المغني وغيره أن الإمام أحمد روى أن النبي r : لما حرَّم المدينة قالوا : يا رسول الله : إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح ، وليس لنا أرضاً سواها فرخص لنا فقال النبي r : ( القائمتان ) وهي مقدمة الرحل ومؤخرته ، أي ما يوضع على الناقة مما يتكئ عليه في مؤخرته ، وما يستمسك به في مقدمته ،( والوسادة والعارضة والمَسَدَّ ) والوسادة والمسد خشب يوضع في البكرة التي يستسقى بها الماء " والعارضة : خشب يوضع سقفاً للمحمل " وما سوى ذلك فلا يعضد.
والحديث ذكره صاحب المغني – كما تقدم – ناسباً إياه إلى الإمام أحمد ولم أجده في المسند ، وهكذا قال المعلق على كتاب المغني أنه لم يجده في المسند والاحتجاج به متوقف على النظر في إسناده ولعله في شيء من كتب الإمام أحمد سوى المسند .
لكن حاجة الناس داعية إلى ذلك ، و لأن حرم المدينة مخفف عن حرم مكة كما تقدم من أنه لا جزاء في صيده ولا في حشيشه ولا شجره إلا ما ورد من السلب.
فعلى ذلك : إن احتاجوا إلى شيء من الأخشاب أو الحشيش ونحو ذلك فذلك جائز لهم .
قوله : [ وحرمها ما بين عَيْر إلى ثور ]
عير : جبل في جهة الميقات ، وأما ثور : فهو جبل خلف جبل أحد من جهة الشمال ، فهذا " أي ثور " من جهة الشمال ، وعير من جهة الجنوب وبينهما نحو أربعة فراسخ وهي تساوي اثنى عشر ميلاً أي نحو عشرين كيلو متراً ، هذا من جهة الشمال والجنوب ، وأما من جهة الشرق والغرب فالحرتان ، فقد قال r كما في مسلم من حديث أنس : ( إني أحرم ما بين لابتيها ) واللابتان هما الحرتان .
فما بين الحرتين من جهة الشرق والغرب ، وما بين جبل عير وثور من جهة الشمال والجنوب هذا هو حرم المدينة .
فعليه حرم المدينة بريدٌ في بريد أي أربعة فراسخ في أربعة فراسخ أي اثنا عشر ميلاً في اثني عشر ميلاً .
مسألة :
هل يجوز أخذ سلب الجاهل ؟
الجاهل إن صاد الصيد وهو محرم أو في الحرم فإنه لا جزاء عليه لجهله لقوله تعالى : ) ومن قتله منكم متعمداً …ليذوق وبال أمره ( فدل على أنه عالم بالحكم فأولى من ذلك هنا ، فلا يجوز سلبه .
مسألة :
حديث : ( يا أبا عمير ما فعل النغير )
هذا دليل يعارض الحديث المتقدم فإن ظاهره جواز الصيد في الحرم ؟
الجواب عن هذا : أن يقال : يحتمل أن يكون هذا قبل الحكم ، فعندنا أحاديث ظاهرة ومحكمة في تحريم صيده فلا نتركها لمثل هذا المحتمل ، ويحتمل أن يكون ممسكاً خارج الحرم ومحبوساً في الحرم ، وهو جائز عند الحنابلة أن يمسك الصيد في الحل ثم يحبس في الحرم فهو جائز وقد تكون حاجة الناس إلى ذلك ، فيجوز ذلك لأنه ليس مصيداً في الحرم .
وعند الحنابلة فرق بين صيد الحرم المدني وصيد الحرم المكي ، فصيد الحرم المكي يجب أن يترك وإن صيد في الحل ، فمن دخل الحرم ومعه صيد فيجب أن يفلته .
فهذا الحديث دليل على ما ذهب إليه الحنابلة من أن إمساكه في الحرم وقد صيد في الحل جائز ، ويحتمل ما تقدم وأنه قبل التحريم.
مسألة :
ثبت لنا أن المحرم لابد وأن يتوفر فيه الشروط حتى يثبت عليه الجزاء .
لكن هل هذا في صيد الحرم ؟
قال فقهاء الحنابلة : إذا صيد في الحرم فإنه يثبت الضمان مطلقاً وإن كان صائده كافراً أو صغيراً غير مكلف أو غير عاقل ؛ والنظر يقتضي ذلك ، لأن التحريم ليس بالنظر إلى المكلف وإنما بالنظر إلى حرمة المصيد وحفظه .
فليس هذا بالنظر إلى المكلف كما يكون ذلك في تحريم الصيد على المحرم ، فإن الصيد حلال ما دام خارج الحرم لكن حرم على المكلف الذي قد أحرم .أما هذا فهو صيد محرم لمعنى في المكان فهو قد ارتبط بمعنى في المكان خارج عن المكلف فعلى ذلك يجب الضمان مطلقاً وإن كان من صاده صغيراً أو غير مكلف .
وقد ذكر الموفق هذه المسألة ولم يذكر خلافاً بين أهل العلم فيها .
مسألة :
رجل أراد أن يستظل تحت شجرة لها أغصان فاحتاج إلى أن يقطع من أغصانها – وكان ذلك في الحرم – فما الحكم ؟
فيه تفصيل : إن كان يلحقه الحرج بترك الاستظلال في هذا المكان فنعم . وإن لم يكن يلحقه حرج فلا .
مسألة :
الثمار في الحرم يجوز قطعها لأن هذا لا يؤثر في أصلها كما تقدم في المساويك ونحوها .