باب دخول مكة
هذا الفصل في سياق ما يستحب للمحرم من السنن عند دخول مكة و صفة طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة وحلق رأسه أو تقصيره ، فقال المؤلف هنا:
قوله : [ يسن من أعلاها ]
أي يسن لداخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يدخل من أعلاها وهو الحَجون بفتح الحاء وهو كَداء ، فيستحب أن يدخل منه سواء كان في طريقه أو لم يكن في طريقه فيسن له أن يعدل إليه .
ويستحب له أن يخرج من أسفلها وهو كُدىً و هو بقرب شعب الشاميين و هو الطريق الذي يأتي من حارة الباب و يعرف بريع الرسام ، ودليل هذه السنة : ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : ( أن النبي r لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها )
وفي الصحيحين عن ابن عمر : قال : ( دخل النبي r مكة من كداء " وهو الحجون " ثم خرج من الثنية السفلي " وهو كُدى " ) وظاهر ذلك كما تقدم أنه يستحب له ذلك ولو كان جائراً عن طريقه فيستحب تكلف ذلك .
وقال بعض الشافعية : بل لا يستحب ذلك ، وإنما كان هذا من النبي r على وجه الاتفاق .
وهذا ضعيف ، ولذا نظر فيه النووي فقال راداً على هذا القول : إن الآتي من المدينة ليس في طريقه الحجون " كداء " فإن النبي r قد عدل إلى أعلاها فليس هذا في سمت طريقه فيكون قد فعله على وجه الاتفاق ، بل قد عدل عن طريقه وتكلف الدخول من أعلاها .
و هذا هو الأصل فيما ينقله الصحابة من أفعال النبي r أن تكون على وجه الاستحباب لا على وجه الاتفاق.
و استحب أكثر الفقهاء أن يكون دخوله نهاراً لفعل النبي r فقد بات بذي طوى كما في البخاري و دخل مكة ضحى.
قوله : [ والمسجد من باب بني شيبة ]
أي يسن دخول المسجد من باب بني شيبة : روى ذلك الطبراني عن ابن عمر : ( أن النبي r : دخل من باب بني شيبة ) وإسناده ضعيف لكن له شواهد ترقى به إلى درجة الحسن.
فلذا : يستحب لمن دخل البيت أن يدخله من باب بني شيبة و هو بقرب باب السلام لفعل النبي r و يقوى أن يكون هذا قد وقع من باب الاتفاق إذ لا مزية لباب بني شيبة على غيره من الأبواب ولا يتبين معنى لذلك بخلاف دخوله من أعلاها وأن يأتيها مشرفاً عليها ، فإن ذلك أعظم في نفسه ، بخلاف الخروج منها فيكون شبيهاً بذهاب الرجل إلى العيد يأتي من طريق ويرجع من طريق آخر .
قوله : [ فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد ]
يستحب عند فقهاء الحنابلة : إذا دخل البيت فرآه أن يرفع يديه وأن يقول ما ورد وهو قوله : ( اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تكريماً وتشريفاً وتعظيماً وبراً ) روى هذا الحديث البيهقي في سننه بإسناد ضعيف معضل ، فعلى ذلك : لا يستحب لعدم الدليل الصحيح فيه .
قال الشافعي : " ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أستحبه ولا أكرهه" ، قال البيهقي : " ولعله لم يعتمد عليه لانقطاعه " فعلى ذلك لا يقال بالاستحباب لضعف الحديث .
لكن صح عن عمر بن الخطاب كما في البيهقي بإسناد جيد أنه كان إذا نظر إلى البيت قال : ( اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام ).
ومعلوم أنه يستحب عند دخوله ما يستحب عند دخول المساجد من تقديم الرجل اليمنى وذكر ما ورد عند الدخول والخروج منه ، لأنه مسجد فاستحب له بل هو أولى من غيره.
قوله : [ ثم يطوف مضطبعاً ]
صفة الاضطباع : أن يضع وسط رداءه تحت عاتقه الأيمن ويرد طرفيه على عاتقه الأيسر فينكشف عاتقه الأيمن ، هذا مستحب في طواف القادم وطواف المعتمر.
ودليله : ما ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح عن يعلى بن أميه قال : ( طاف النبي r بالبيت مضطبعاً ببرد أخضر ) وفيه أنه لا حرج في لبس غير الأبيض في الإحرام وإن كان الأفضل هو الأبيض .
و الاضطباع مستحب في الطواف خاصة فلا يشرع في بقية المناسك كالسعي بين الصفا والمروة وغيره لأن هذه الصفة صفة غير معتادة ، فوردت في الطواف للقادم والمعتمر وقياس غيره عليه لا يصح ، ولم ينقل لنا أن النبي r قد فعلها في طوافه بين الصفا والمروة لذا لما سُئل الإمام أحمد عن ذلك قال : " ما سمعنا " أي ما سمعنا أن النبي r قد فعل ذلك في سعيه بين الصفا والمروة ، والأصل في العبادات التوقف .
فعلى ذلك إذا طاف سبعاً أعاد رداءه إلى هيئته الطبيعية ، وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمر أنه قال : ( فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب وقد أطَّأ الله " أي ثبت " الإسلام ونفى الكفر وأهله مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد النبي r) .
ففي هذا الأثر : أن مشروعيته – أي الاضطباع – كانت لإظهار قوة المسلمين أمام الكفار وكان ذلك في عمرة القضية في السنة الثامنة للهجرة ، وسميت قضية لأنها كانت قضاءً لعمرة الحديبية التي أحصر عنها النبي r " فكان الكفار يقولون : يأتيكم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب " وكانت يثرب معروفة بالحمى فأراد النبي r أن يظهر للكفار جلد المسلمين وقوتهم فأمرهم بالرمل في الأشواط الثلاثة وبالكشف عن المناكب في الطواف كله ، فإن في ذلك كله إظهاراً للجلد .
قال عمر : " مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع رسول الله r " وذلـك : لأنه لا مانع أن يستحب الشيء لمصلحة ثم يبقى استحبابه بعد ذلك فإن فيه تذكيراً لنعمة الله عز وجل بعد أن كان المسلمون ضعفاء وينظر إليهم الكفار أنهم ضعفاء فاحتاجوا إلى أن يظهروا قوتهم ، وكانوا كذلك – بعد أن كانوا – على ضعف ، فيتذكر المسلم كذلك ما كان عليه المسلمون من الضعف السابق لقوتهم .
قوله : [ يبتدئ المعتمر بالطواف للعمرة والقارن والمفرد للقدوم ]
هذا هو السنة والمستحب للقادم مكة حاجاً أو معتمراً أن يكون أول شروعه بالاشتغال بالطواف فلا يسبق ذلك اشتغال بشيء من العبادات من قراءة قرآن أو ذكر أو تحية مسجد أو نحو ذلك بل يستحب له أن يتعجل بطوافه بالبيت .
فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : ( أول شيء بدأ به النبي r حين قدم البيت أن توضأ ثم طاف بالبيت ).
فالمستحب للمعتمرين أن يشرعوا بطواف عمرتهم ومثل ذلك المتمتع يشرع بطواف عمرته ، والقارن والمفرد طوافهم حينئذٍ طواف القدوم فيطوفون بالبيت طواف القدوم ، والنبي r كان قارناً فكان طوافه طواف القدوم.
قوله : [ فيحاذي الحجر الأسود بكله ]
يقف محاذياً للحجر الأسود بكل بدنه وذلك ليستوعب البدن البيت كله أي حتى يكون البدن قد طاف على البيت كله .
فيقف مقابل الحجر حتى يكون مبصراً لضلعي البيت الذي أيمن الحجر و أيسره فإن حاذاه ببعض بدنه و بعضه خارج عن محاذاة الحجر لم يجزئ في المشهور في المذهب كما يجب استقبال القبلة بكل بدنه.
و اختار شيخ الإسلام و تلميذه ابن القيم أنه يجزي و هو أظهر و هو الوجه الثاني في المذهب لأنه حكم يتعلق بالبدن فأجزأ من بعضه كالحد وفي اشتراط ما تقدم حرج و الله أعلم.
قوله : [ ويستلمه ]
إذا حاذى الحجر فإنه يستلمه واستلام الحجر مسحه باليد .
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : ( لم أر النبي r يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين )
ففيه مشروعية استلام الحجر الأسود ومشروعية استلام الركن اليماني ، فالحجر الأسود والركن اليماني هما الركنان اليمانيان لأنهما من جهة اليمين .
قوله : [ ويقبله ]
لما ثبت في الصحيحين : أن عمر قبَّل الحجر وقال : ( إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت النبي r يقبلك ما قبلتك )
فإن استلمه بيده فقبلها فذلك سنة ففي صحيح مسلم : ( أن ابن عمر كان يستلم الحجر بيده ثم يقبلها ويقول: ما تركته مذ رأيت النبي r يفعله ) والأفضل هو تقبيل الحجر لأن ذلك مباشرة للتقبيل ، ولذا قال :
[ فإن شق قبَّل يده ]
أي قبل يده بعد الاستلام ؛ كما تقدم ورواه البيهقي عن جماعة من الصحابة.
قوله : [ فإن شق اللمس أشار إليه ]
فإن شق استلامه بيده فإنه يشير إليه ، فقد ثبت في البخاري عن ابن عباس : ( أن النبي r طاف على بعير فكان كلما مرَّ على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبَّر )
ولا يستحب تقبيل هذا الشيء من يد أو عصا لأنه لم يمس الحجر ، ولأن النبي r لم يقبله ، لأنه لم يباشر اللمس وإنما أشير به فحسب.
فإذن : إن شق فإنه يشير بيده أو بعصا ونحوه ولا يقبل ذلك لأنه لم يرد ، ويكبَّر " يقول : الله أكبر " .
ويستحب له أن يستلمه بشيء إن سهل.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس : ( أن النبي r طاف بالبيت على بعير فكان يستلم الحجر بمِحْجن " وهو العصا المعكوف " )
ونحوه في مسلم من حديث أبي الطفيل وفيه : ( ويقبل المحجن ) فهذه من الصفات الواردة عن النبي r ، من تقبيل مباشر أو استلام باليد أو استلام بعصا ونحوه وتقبيله ، كل ذلك ثابت عنه عليه الصلاة والسلام .
وثبت عن عمر : أنه كان يلتزمه ففي مسلم : ( أنه – رضي الله عنه – قبَّله ثم التزمه وقال : رأيت النبي r كان بك حفياً " أي معتنياً " )
وإن سجد عليه فحسن فقد صح عن ابن عباس كما في البيهقي : ( أنه كان يقبل الحجر ويسجد عليه )
فهاتان الصفتان ثابتتان عن أصحاب النبي r ورضي عنهم .
و ظاهر الأدلة أنه يستقبل الحجر بوجهه و هو المذهب و اختيار شيخ الإسلام.
قوله : [ ويقول : ما ورد ]
وقد تقدم ورود التكبير في حديث ابن عباس : ( أنه كان يشير إلى الحجر بشيء ويكبَّر ) أي يقول : " الله أكبر "
وليس فيه أن النبي r كان يستقبله ببدنه فالاستقبال بالبدن لا أصل له ولو كان ثابتاً لنقل ، بل كان يشير إليه وهو ماشي .
ووردت التسمية عن ابن عمر ، ففي البيهقي بإسناد جيد : ( أن ابن عمر كان إذا استلم الحجر قـال : بسم الله والله أكبر).
قالوا : ويستحب له أن يقول : ( اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد r) رواه البيهقي من حديث عبد الله بن السائب والحديث إسناده ضعيف فلا يحتج به .
فإذن : الوارد عند الإشارة أو الاستلام قول : " بسم الله والله أكبر "
أما الركن اليماني فلا يستحب فيه إلا الاستلام ، فلا يستحب فيه تقبيل اليد ولا تقبيله مباشرة ولا يستحب أن يقول : " بسم الله والله أكبر " لعدم وروده عن النبي r أو أحد من أصحابه .
ويستحب له بين الركنين أن يقول : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " كما ثبت ذلك في أبي داود بإسناد صحيح : أن النبي r : كان يقول بين الركنين : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) .
ويشتغل في الطواف بما أحب من ذكر ودعاء و قراءة للقرآن ، ويشتغل بما أحب من التعبد لله بالعبادات القولية .
ولم يثبت عن النبي r نوع معين من الدعاء خاصٌ بالطواف أو بشيء من مواضعه سوى ما تقدم من قوله بين الركنين .
قوله : [ ويجعل البيت عن يساره ]
وهذا بإجماع العلماء ولفعل النبي r و قوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) ولا يصح الطواف إلا كذلك.
قوله : [ ويطوف سبعاً ]
لا يجزئه خمساً ولا ستاً ، لفعل النبي r وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم )
قوله : [ يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً ]
الآفاقي : وهو غير المكي – القادم من الأماكن البعيدة – سوى أهل مكة فالآفاقي يستحب له الرمل في الطواف .
والرمل : هو إسراع المشي مع تقارب في الخطا بلا وثب ، فلا يستحب له الوثب ، والوثب لا أصل له ، بل الرَمَل مشي سريع مع تقارب في الخطا هكذا عرَّفه الموفق وابن مفلح والنووي وغيرهم من أهل العلم وهو المعروف في لغة العرب .
والرَمَل مستحب في الأشواط الثلاثة الأولى كلها إن كان آفاقياً ، أما أهل مكة فلا يستحب لهم ذلك ؛ وذلك لأن النبي r إنما شرعه للقادمين فلا يلحق بهم غيرهم .
وهو مستحب في طواف العمرة وطواف القدوم فلا يستحب في طواف الإفاضة ولا في غيرها مما يطوفه الحاج ، فقد ثبت في أبي داود وابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس أن النبي r : ( لم يرمُل في السبع الذي أفاض فيه ) أي في طواف الإفاضة .
والرَمَل مستحب في الأشواط الثلاثة دون الأربعة الأخيرة ، لما ثبت في مسلم عن ابن عباس قال : ( رمَل النبي r من الحجر إلى الحجر ثم مشى أربعاً )
فإن قيل فما الجواب عما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس : ( أن النبي r أمر أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة ويمشوا بين الركنين )
فالجواب عن هذا أن يقال : هو في عمرة القضية ، وأما حديث ابن عباس فهو في حجة الوداع، فحديث ابن عباس هو آخر الأمرين عنه r .
فإن فاته الرمل في الشوط الأول فعله في الثاني والثالث ، وإن فاته في الأول والثاني فعله في الثالث ، وإن فاته في الثلاثة لم يفعله في الأشواط الباقية لأنها سنة فات محلها فهي مشروعة عند ابتداء الطواف في الأشواط الثلاثة فإن فاتته فلا يشرع له أن يفعلها في الرابع والخامس.
قوله : [ يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة ]
هذا جواب عن سؤال وهو أن يقال : هل استلام الحجر يستحب في الشوط الأول أم هو مستحب في الأشواط كلها وكذا استلام الركن اليماني ؟
فأجاب بقوله : أنه يستحب في كل مرة أي في الأشواط السبعة كلها.
ودليل ذلك : ما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال : ( كان النبي r يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل طوافه ) لكن لا يستلمه عند نهاية الشوط السابع لأنه ينتهي الطواف بوصوله إلى الحجر الأسود.
و لا يكبر لأن التكبير يتبع الاستلام.
مسألة :
في الرمل تستثنى المرأة فلا يشرع لها ذلك لما فيه من منافاة لسترها وكذلك في الإسراع في المسعى بين العلمين الأخضرين لما فيه من منافاة سترها .
· وقد ورد في المسند : أن النبي r قال لعمر : ( يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله فهلل وكبر ) روي في المسند و فيه جهالة لكن المعاني الشرعية تدل على ذلك فإن فيه أذية للضعيف .
ولا سيما إذا كان فيه اختلاط نساء فإن الفضيلة تكون للإشارة .
· ظاهر قول عمر : ( مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع النبي r )
فظاهر ذلك أنه قد خفي عليه رَمَل النبي e في الطواف في حجة الوداع وإن كان الظاهر أنه حج مع النبي r لكن قد يكون خفي عليه فاجتهد رأيه فأصاب .
قاعدة :
الرَمَل والاضطباع خاص للآفاقيين في طواف العمرة والقدوم فقط .
قوله : [ ومن ترك شيئاً من الطواف … لم يصح ]
" شيئاً " نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم فإن ترك شوطاً أو بعضه .
فإن ترك شيئاً من الطواف ولو كان يسيراً ، كأن ينصرف من الطواف قبل خطوات يسيرة من وصوله إلى الحجر الأسود فإن طوافه لا يصح ولا يجزئه ؛ وذلك لأن النبي e قد طاف بالبيت سبعاً وفعله e بيان لقوله تعالى : ) وليطوفوا بالبيت العتيق ( وما كان من الفعل كذلك فله حكم ما بينه أي حكم المجمل ، وقد قال النبي e : ( لتأخذوا عني مناسككم ) فلا يجزئه إلا أن يطوف بالبيت أسبوعاً أي سبعاً .
قوله : [ أو لم ينوه ]
طاف بلا نية فإنه لا يجزئه ذلك لحديث : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) ولأن الطواف بالبيت صلاة فكما أن الصلاة تشترط فيها النية فكذلك الطواف هذا مذهب الحنابلة .
واعلم أن الطواف في غير الحج والعمرة وهو طواف التطوع تشترط فيه النية لأن هذا الطواف عبادة والعبادات تشترط فيها النية وقد قال النبي e : ( إنما الأعمال بالنيات ) ولا نزاع في هذا بين أهل العلم .
وإنما النزاع بين أهل العلم في شرطية النية لطواف الحج والعمرة سواء كان طواف إفاضة أو طواف قدوم أو طواف عمرة أو طواف وداع ، هل يشترط فيه النية أم لا ؟ أي هل يشترط له نية خاصة أم يكتفي فيه بنية الحج العامة ؟
قال الحنابلة : هي شرط ، لحديث : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) .
وذهب الشافعية إلى أن النية ليست بشرط ، لكن يشترط ألا ينوي غير نسكه ، فإن نوى غير النسك لم يجزئه ذلك كأن يطوف حول البيت بقصد البحث عن أحد من الناس أو نحو ذلك فإنه هنا قد نوى البحث عن هذا الشخص بغير نية للطواف أصلاً أو نية منافية للطواف .
واستدلوا : بأن الحج كالصلاة فكما أن الصلاة تكفي نيتها لركوعها وسجودها وقيامها وقعودها فلا يشترط أن يجدد نية لكل ركن من أركانها ، فكذلك الحج يكتفي بنيته أي بنية الحج - وهو الدخول في النسك تكفي - عن الطواف والوقوف بعرفة والسعي ونحو ذلك من المناسك .
وهذا القول هو الراجح وهو مذهب أكثر العلماء فكما أن الصلاة تكفي نيتها عن نية أفعالها التي هي أجزاء منها فكذلك الحج فإن نيته وهي نية الدخول في الإحرام تكفي عن أفعال الحج .
وكما لا يشترط النية في الوقوف بعرفة عند الفقهاء كما سيأتي .
وتفريق من فرّق بين الوقوف بعرفة وبين الطواف : بأن الوقوف بعرفة مجرد مكث وأما الطواف ففعل ، فهو تفريق غير مؤثر لأن الوقوف بعرفة وإن كان مجرد مكث فهو عبادة من العبادات والعبادات لا تصح إلا بنية وإن كانت مجرد مكث .
قوله : [ أو نسكه ]
ويصح أيضاً : " أو نكَّسه " فإن التنكيس في الطواف لا يصح إجماعاً بل الواجب في طوافه أن يجعل البيت عن يساره فلو جعله عن يمينه لم يصح إجماعاً لأن النبي e طاف جاعلاً البيت عن يساره وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم).
وإن لم ينو نسكه ، بأن لم يبين النسك ، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وأن من أحرم إحراماً مطلقاً فإنه يجزئه ذلك لكن يجب عليه أن يعينه بعد ذلك إما حجاً و إما عمرة .
فلو نوى رجل الدخول في النسك " أي الإحرام المطلق " ولم يعين أهو حج أم عمرة ثم طاف قبل التعيين فإنه لا يجزئه هذا الطواف لأن العمل يجب فيه التعيين وهنا لم يعين فواجب في النية تعيينها أهي للعمرة أم للحج وقد قال النبي e : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) فهو لم ينو بعد أنسكه حج أم عمرة فلا يجزئه لأنه لم يعين ، و نية تعيين العبادة فرض، لحديث ( وإنما لكل امرئ ما نوى ) .
قوله : [ أو طاف على الشَاذَروان ]
الشاذروان : هو جدار يحيط بالبيت ، يرتقيه بعض الناس عند التزام جدران الكعبة – وهو لا يصل إلى المتر ، وكان قبل مسطحاً يمكن أن يطوف عليه الناس .
فلو طاف على الشاذروان فهل يجزئه ذلك أم لا ؟
قال المؤلف : " لا يجزئه " ؛ وذلك لأن الشاذروان وهو ما فضل من جدران الكعبة من البيت فهو جزء من البيت ، وفرض عليه أن يطوف حول البيت كله ، فإذا طاف على الشاذروان أو بعضه فإنه لا يصدق عليه أنه طاف على البيت كله فلم يجزئه ذلك.
وقال شيخ الإسلام : بل يجزئه وذلك لأن الشاذروان ليس من البيت بل هو عماد له فلو طاف على الشاذروان فإنه يصدق عليه أنه طاف على البيت لأن الشاذروان ليس من البيت بل هو عماد له .
وما ذكره شيخ الإسلام أظهر ، وذلك : لأن الشارع استحب استلام الركنين اليمانيين ؛ لأنهما أركان البيت وأطرافه ولم يستحب استلام الركنين الشاميين لأن الحجر من البيت وقد قصرت النفقة الخالصة من الإثم بقريش فلم يدخلوها في بناء الكعبة وإلا فإن حجر إسماعيل من البيت ، ولذا لا يستلم الركنان الشاميان لأنهما من البيت وليسا بأركان له .
فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن الشاذروان ليس من البيت بدليل استحباب استلام الركنين اليمانيين فهما أركان الحرم وأطرافه ، ولو كان الشاذروان من البيت لم يكونا أطرافاً له وأركاناً بل كانا منه ، والأحوط هو عدم فعل ذلك لقوة الخلاف في هذه المسألة .
واعلم أن الحِجْر من البيت ، فقد ثبت في مسلم أن عائشة : ( سألت رسول الله e عن الحِجْر ؟ فقال : هو من البيت ) .
والحِجْر : ما يكون في الجهة الشامية من البيت ، وقد قصرت – كما تقدم – النفقة الخالصة من الإثم على قريش فبنوه على هذه الهيئة غير الكاملة ، فقال النبي e لعائشة – كما في الصحيحين - : ( لولا حدْثان قومك بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم ) فمن طاف فيه فلا يجزئه الطواف لأنه لم يطف بالبيت كله ولذا قال المؤلف .
قوله : [ أو جدار الحِجْر ]
لأن جداره من البيت ولذا لم يشرع أن يستلم أركانه من جهة الحِجر ولا أن يستلم جدار الحجر لأنه من البيت وليس ركناً له.
قوله : [ أو عرياناً ]
فيشترط في الطواف ستر العورة قال تعالى : ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ( وقد نزلت هذه الآية في ذلك كما ثبت في مسلم عن ابن عباس أن المرأة كانت تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول : من يعيرني ثوباً تجعله على فرجها فنزل قوله تعالى : ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ( ، وثبت في الصحيحين : أن النبي e : ( بعث مؤذناً يؤذن في حجة أبي بكر بالناس قبل حجة الوداع : ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ) فمن طاف عرياناً فإن طوافه غير صحيح لنهي النبي e المقتضي لفساد ذلك .
والعورة فيه عند الفقهاء كعورة الصلاة وهو ظاهر الأدلة .
قوله : [ أو نجساً ]
هذه مسألة اختلف فيها العلماء وهي من طاف بالبيت نجساً أو محدثاً حدثاً أكبر أو أصغر فهل يصح طوافه أم لا ؟
بمعنى : هل يشترط الطهارة بقسميها : الطهارة من الأحداث والأنجاس في الطواف أم لا ؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى اشتراطها من الحدث والنجس في الطواف فيشترط كونه طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر ومن النجس فلو طاف جنباً أو غير متوضئ أو عليه نجاسة لم يجزئه ذلك .
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : ( أول شيء بدأ به النبي e حين قدم البيت أن توضأ ثم طاف بالبيت ) قالوا : وقد قال النبي e : ( لتأخذوا عني مناسككم )
واستدلوا : بما رواه النسائي والترمذي وغيرهما : عن ابن عباس مرفوعاً : ( الطواف بالبيت صلاة فأقلوا من الكلام )
قالوا : فلما كان الطواف صلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة من الأحداث والأنجاس .
واختار شيخ الإسلام وهو قول في مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة وهو مذهب طائفة من السلف : إلى أن ذلك ليس بشرط ، بل هو مشروع مستحب .
واستدل : بالأصل فأن الأصل عدم اشتراط ذلك .
وأجاب عن أدلة الجمهور :
أما وضوء النبي e وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) فالوضوء فعل ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب ، أما قوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) فإن الوضوء خارج عن المناسك ، فالجمهور – لم يوجبوا الاضطباع ولا الرمل ولا غير ذلك مما فعله النبي e في طوافه وهما أولى بالإيجاب من الوضوء الخارج عن المناسك .
والاضطباع والرمل من سنن الطواف بالإجماع فأولى من ذلك الوضوء الخارج عن الطواف .
وأما الحديث – حديث ابن عباس- فإنه لا يصح عن النبي e مرفوعاً بل هو موقوف على ابن عباس ، قال شيخ الإسلام : " أهل العلم لا يرفعونه " .
قلت : ونحوه عن ابن عمر في النسائي .
فإن قيل : إنه قول صحابي اشتهر ولا يعلم له مخالف فيكون إجماعاً .
فالجواب عن ذلك هو ما ذكره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم – من أن قول الصحابي هنا - : ( الطواف بالبيت صلاة ) لا يقتضي اشتراط ما ذكرتموه بدليل أن استقبال القبلة ليس بشرط في الطواف ، والحركة الكثيرة المبطلة للصلاة لا تبطل الطواف اتفاقاً ، وبدليل جواز الأكل والشرب فيه ، وبدليل جواز الكلام فيه وغير ذلك مما ينهى عنه في الصلاة .
فكل هذه المنهيات والشروط التي في الصلاة من استقبال قبلة ونحوها ليست ثابتة في الطواف بالاتفاق فيتعين أن يكون مراد الصحابي أنه في حكم الصلاة في الإقبال على الله فلا ينبغي فيه العبث ، وهذا نظير قول النبي e في الماكث ينتظر الصلاة : ( هو في صلاة ) .
أو أن الطواف يجتمع هو والصلاة في كونهما حول البيت فكما أن المصلي يتوجه إلى القبلة فإن الطائف يتعلق طوافه بالبيت وهذا هو الجامع بين الطواف والصلاة ، والفوارق بينهما كثيرة جداً ، وحيث كان كذلك فلا يصح القياس .
فالراجح : ما اختاره شيخ الإسلام من أن الطهارة من الأحداث والأنجاس ليست شرطاً في الطواف .
مسألة :
طواف الحائض هل يصح أم لا ؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن طوافها لا يصح .
واستدلوا : بقوله e لعائشة لما حاضت بسَرِف وكانت قد أهلت بعمرة فأمرها أن تهل بالحج : ( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وفي رواية لمسلم : ( حتى تغتسلي ) قالوا : فنهى النبي e عن الطواف يقتضي فساده .
و ذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن طواف الحائض صحيح مع الإثم وعليها إن فعلت الدم.
قالوا : لأنها إنما نهيت عن ذلك مع جواز سائر الأنساك لها – لأن الحائض تنهى عن دخول المساجد والمكث فيها فنهى النبي e الحائض من الطواف بالبيت ليس لمعنى الطواف لكن لمعنى المسجد وطوافها في المسجد يلزم منه أن تكون ماكثة ومكثها محرم .
فحينئذ : إن طافت فطوافها صحيح لأن النهي لم يتعلق بالطواف بل تعلق بالمكث في المسجد وهو أمر خارج ، فتكون آثمة لمكثها في المسجد .
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن طواف الحائض لا يصح إلا لضرورة .
قالوا : لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها كما يسقط عن العريان ستر عورته في الصلاة ، فإنه إذا لم يجد ثوباً يستر به عورته فإنه يصلي عريانَ ، فكان واجباً عليها ألا تطوف إلا وهي طاهرة فإذا عجزت عن ذلك واضطرت فيجوز لها حينئذ أن تطوف للضرورة .
وجمهور أهل العلم : يقولون : إذا خشيت الحائض فوات رفقتها مثلاً فإنها ترجع إلى ديارها محرمة فلا تفعل شيئاً مما يحرم على الحاج ثم تأتي بالطواف بعد ذلك .
ولا خلاف بين أهل العلم أن طواف الإفاضة ليس له وقت محدد ينتهي فيه فلو طاف الإفاضة بعد شهر ذي الحجة فإنه يجزئ عنه اتفاقاً .
وإنما اختلف أهل العلم في وجوب الدم فيه :
فأوجبه المالكية : إذا أخره إلى بعد شهر ذي الحجة .
وأوجب الأحناف الدم فيه إذا أخره عن أيام التشريق .
وأما الحنابلة والشافعية فلم يوجبوا فيه الدم مطلقاً .
فعلى ذلك مذهب الجمهور أنها إذا اضطرت فإنها لا تطوف بالبيت بل ترجع ثم تطوف بعد ذلك ولو كان ذلك بعد سنة أو سنتين .
واختار شيخ الإسلام صحة طوافها إذا اضطرت إلى ذلك .
ومما يؤيد صحة طوافها إذا اضطرت إلى ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أسماء بنت عميس : ( أنها نفست في ذي الحليفة فأمرها أن تحرم وتغتسل ) ولم ينهها النبي e عما نهى عنه عائشة من الطواف بالبيت؛ لأن ذلك فيه مشقة ظاهرة عليها فإن النفاس في الغالب يطول وهي قد نفست ولم يبق من ذي القعدة إلا أربعة أيام ، فلم يبق ليوم النحر إلا نحو أربعة عشر يوماً ، والنفساء لا تطهر غالباً في مثل هذه المدة ، فلم يأمر النبي e أسماء بما أمر به عائشة ألا تطوف بالبيت حتى تطهر لمشقة ذلك وهو القول الراجح .
قوله : [ ثم يصلي ركعتين ]
وهما ركعتا الطواف فيستحب له إذا انتهى من طوافه أن يصلي ركعتين .
ودليله : ما ثبت في مسلم من حديث جابر أن النبي e لما طاف نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ : ) واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( فجعل المقام بينه وبين البيت ، وكان يقرأ في الركعتين بـ ) قل هو الله أحد ( ، و ) قل يا أيها الكافرون ( ثم رجع إلى الركن فاستلمه وفي رواية النسائي : ( بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ) والواو لا تفيد الترتيب .
واختلف أهل العلم في حكم هاتين الركعتين ؟
فذهب جمهور العلماء إلى أنهما سنة لفعل النبي e المجرد ، وفعله المجرد لا يفيد وجوباً .
و ذهب الأحناف إلى وجوبهما ويجبران بدم .
واستدلوا : بقوله تعالى : ) واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( ، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد استظهرها صاحب الفروع .
قالوا : هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب .
والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم .
أما استدلال الأحناف بالآية ففيه نظر ، لإجماع العلماء على أنه لا يجب أن يصلي الركعتين خلف المقام فلا يجب عليه أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى ، حكى هذا الإجماع ابن المنذر وغيره ، وأن له أن يصليهما في أي موضع شاء ، وقد ثبت في البخاري معلقاً : ( أن عمر طاف بالبيت فركب فصلى ركعتين بذي طوى ) والشاهد من هذا الأثر أنه يجوز له أن يصلي ركعتي الطواف في أي موضع شاء ، فثبت لنا أنه لا يجب عليه أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى بالإجماع ، فتعين أن يكون الأمر للاستحباب في الآية .
إذن : يسن له أن يصلي ركعتين بعد طوافه ، ويستحب له أن يقرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون وبقل هو الله أحد .
فإن كرر الطواف بأن طاف سبعاً ثم سبعاً فله أن يصلي سنة الطواف لكل أسبوع أن يصليها بعد هذه الأسابيع .
بمعنى : طاف أسبوعاً ثم أسبوعاً ثم صلى أربع ركعات ركعتين للأسبوع الأول ، وركعتين للأسبوع الثاني، فلا بأس بذلك روى ذلك البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ولأنه لا تشترط الموالاة بين الركعتين وبين الطواف بدليل فعل عمر المتقدم فإنه قد صلى بذي طوى .
فعلى ذلك : إذا طاف سبعاً ثم سبعاً ثم جمع الركعات بعد الانتهاء من الطواف فصلى لكل أسبوع ركعتين فإن ذلك يجزئه ، والمستحب له أن يتبع كل أسبوع ركعتيه .
و هل تجزئ المكتوبة عن ركعتي الطواف كأن يطوف سبعاً ثم يصلي المكتوبة فهل تجزئ عن ركعتي الطواف ؟
قال الحنابلة : يجزئه كما أنه يجزئه في ركعتي الإحرام الفريضة – وقد تقدم – أن الحنابلة يستحبون ركعتي الإحرام فإذا أحرم فيستحب له أن يصلي ركعتين فإذا صلى الفريضة أجزأت عن ركعتي الإحرام وكلاهما سنة شرعت للنسك ، فركعتا الطواف وركعتا الإحرام شرعتا للنسك فتجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف كما يجزئه المكتوبة عن ركعتي الإحرام وفي هذا نظر .
وذهب جمهور العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه : أن المكتوبة لا تجزئه وذلك لأن ركعتي الطواف مقصودة لذاتها فلم يجزئ عنهما المكتوبة أشبه ذلك ركعتي الفجر فإنهما لا يجزئ عنهما قضاء أو فريضة فهما مقصودتان لذاتهما فكذلك هنا .
أما ركعتا الإحرام على القول بهما – فإنهما غير مقصودتين لذاتهما بل المقصود هو الصلاة فإذا صلى فريضة أو نافلة مقيدة أو مطلقة فإنه يجزئه لأن المقصود هو الصلاة أما هنا فإن المقصود هو سنة الطواف .
فإذاً : لا تجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف كما هو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو مذهب جمهور أهل العلم .
قوله : [ خلف المقام ]
استحباباً فليس من شرط ركعتي الطواف أن يصليا خلف المقام بل لو صلاهما في موضع آخر أجزأه إجماعاً ، وقد تقدم ما رواه البخاري معلقاً في صحيحه : ( أن عمر طاف بالبيت ثم ركب فصلى ركعتين بذي طوى).
وهنا مسألتان في الطواف :
المسألة الأولى :
أن الموالاة شرط من شروط الطواف عند عامة أهل العلم فليس له أن يقطع بين الأشواط بقاطع في العرف وذلك لأن النبي e طاف موالياً وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) .
قالوا : فإن حضرت فريضة فإنه يتوقف عن الطواف ويصلي الفريضة ثم يتم طوافه – هذا مذهب جمهور أهل العلم – وخصه المالكية بالفريضة .
وقال الحنابلة والشافعية كذلك صلاة الجنازة لأنها تفوت .
وذهب الحسن البصري : إلى أنه إذا قطعه لفريضة أو صلاة جنازة ونحو ذلك أنه يجب عليه أن يستأنف الطواف من جديد . والراجح ما ذهب إليه المالكية لما روى البخاري معلقاً عن ابن عمر " أنه صلى الفريضة ثم أتم طوافه " .
فإذا قطع طوافه فهل يبتدئ بالطواف من الحَجَر أم من الموضع الذي وقف عنده ؟
قولان لأهل العلم :
المشهور عند الحنابلة أنه يبدأ من الحَجَر ولو كان القطع بفاصل يسير في العرف فإنه يبتدئ من الحجر .
وقال بعض العلماء : بل يبدأ من الموضع الذي وقف عنده ، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وهو القول الراجح ؛ لأن الطواف عبادة واحدة وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، وحكم السعي كالطواف.
المسألة الثانية :
أن طواف المحمول والراكب لعذر كمرض ونحوه صحيح بلا خلاف بين العلماء .
ودليل ذلك : ما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة قالت : ( ذكرت للنبي e أني أشتكي فقال : طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ) .
أما طواف غير المعذور راكباً أو محمولاً فاختلف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال : هي روايات عن الإمام أحمد :
الرواية الأول : أن الطواف لا يجزئه قالوا : لأن الطواف بالبيت صلاة فكما أن الصلاة لا تصح من الراكب غير المعذور فكذلك الطواف لا يصح من الراكب غير المعذور وهو المذهب ومثله السعي بين الصفاء والمروة .
الرواية الثانية : وهو مذهب المالكية والأحناف : قالوا : يجزئه لكن عليه دم لأن الطواف ماشياً واجب فيجب في تركه الدم .
الرواية الثالثة : وهي مذهب الشافعية : يجزئه ولا شيء عليه وهو اختيار ابن المنذر وهذا القول الراجح لأن النبي e كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس : ( طاف وهو راكب على بعير له ) و النبي e لم يكن معذوراً في ركوبه عذراً يجيز ذلك وإنما مجرد درء مفسدة لا تصل إلى أن تكون عذراً فقد ثبت في مسلم عن ابن عباس – وهو سبب ركوب النبي e - قال : ( إن رسول الله e كثر عليه الناس يقولون : هذا محمد هذا محمد حتى خرجت العواتق من البيوت " أي لرؤيته " ولم يكن النبي e يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب والمشي والسعي أفضل ) فالمشي والسعي أفضل لكن إن ركب لغير عذر فإنه يجزئه ؛ ذلك لفعل النبي e والله أعلم.
فصــل
قوله : [ ثم يستلم الحَجَر ]
إن أتم طوافه بالبيت سبعاً وصلى ركعتي الطواف فيستحب له أن يرجع إلى الركن فيستلمه ، وقد تقدم حديث مسلم الدال على ذلك وهو حديث جابر وفيه : ( ثم رجع إلى الركن فاستلمه ) .
قوله : [ ويخرج إلى الصفا من بابه ]
وهو باب الصفا وهو باب بني مخزوم وإنما يخرج منه لأنه أقرب الأبواب إلى الصفا فليس هذا لتميزه عن سائر الأبواب بفضيلة وإنما لكونه أقرب الأبواب إلى الصفا .
و الصفا و المروة خارج المسجد ، وباب بني مخزوم باب يدخل منه إلى المسجد ويخرج منه إلى الصفا والمروة ومن هنا جاز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة مع أنها تنهى عن دخول المسجد.
قوله : [ فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد ]
يرتقي الصفا وهو جبل صغير ، يرقاه حتى يرى البيت ، فيستقبل القبلة و يرفع يديه كما في البيهقي ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد عن النبي e ، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال : ( ثم خرج النبي e من باب الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ : ) إن الصفا والمروة من شعائر الله …..( أبدأُ بما بدأ الله به ، فرقي الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله " أي قال : لا إله إلا الله " وكبَّره - وفي النسائي : ( وكبره ثلاثاً ) وفيه ( و حمد الله ) - ثم قال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد - و في النسائي ( وهو على كل شيء قدير ) - لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك ، فعل هذا ثلاث مرات ) فالذكر الوارد بعد أن يرقى الصفا ويرى البيت ويستقبل القبلة أن يقول : " لا إله إلا الله " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ) ثم يدعو بما شاء ثم يعيد الذكر مرة ثانية ثم يدعو ثانية بما أحب ثم يعيده ثالثة .
قوله : [ ثم ينزل ماشياً إلى العلم الأول ثم يسعى سعياً شديداً إلى الآخر ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا ]
بعد أن يرقى الصفا ينزل ماشياً حتى يأتي العلم الأول وهو العلم الأخضر الذي هو علامة ابتداء بطن الوادي فيسعى سعياً شديداً حتى يصل إلى العلم الثاني وهو علامة انتهاء بطن الوادي فإذا انتهى من ذلك مشى حتى يأتي المروة ويقول ما قاله على الصفا . وتمام القطعة من حديث جابر الذي تقدم سياقها قال : ( ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا " أي عن بطن الوادي " مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا ) .
وظاهره أنه يجمع بين الذكر الوارد والفعل الوارد فيرقى المروة حتى يرى البيت ويستقبل القبلة ويقول : الذكر الوارد كما في الصفا . وفي النسائي بإسناد صحيح : أن النبي e قال : ( لا يقطع الوادي إلا شداً ) والمراد هنا بالوادي بطنه وهو ما بين الميلين ويستحب له أن يقول : ما ورد عن ابن مسعود في البيهقي بإسناد جيد أنه كان يقول بين العلمين : ( اللهم اغفر وارحم فإنك أنت الأعز الأكرم ) .
و في المسند و صحيح ابن خزيمة و الحديث حسن لغيره (أن النبي r كان يسعى حتى يدور به إزاره من شدة السعي)
واعلم أن أهل العلم قد أجمعوا على أن المرأة لا يستحب لها أن تسعى بين الميلين ولا أن ترمل في الأشواط الثلاثة الأولى في الطواف وفي البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال : ( ليس على النساء سعي في البيت " وهو الرمل " ولا بين الصفا والمروة ) .
واعلم أن السعي بين الصفا والمروة المجزئ هو ما يكون بين الجبلين " الصفا والمروة " بحيث أنه يستوعبهما أي يستوعب ما بينهما بالسعي من غير اشتراط رقي فإن الرقي مستحب وليس بواجب فالواجب عليه أن يضع عقبه على طرف الصفا ثم يمشي حتى يصل إلى طرف المروة ثم يعود سبعة أشواط .
فالواجب عليه أن يسعى بين الصفا والمروة أما رقيه فهو مستحب وهذا باتفاق أهل العلم .
واعلم أنه لو ترك شيئاً فيما بين الصفا والمروة من السعي لم يجزئه ، فلو ترك ذراعاً أو نحوه فإن سعيه لا يجزئه لأنه لم يستوعبهما في الطواف بين الصفا والمروة.
قوله : [ ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك سبعاً ]
كذلك في رجوعه من المروة إلى الصفا يمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه فيسعى بين الميلين ويمشي ما بين المروة إلى الميل الأول وما بين الميل الثاني إلى الصفا يمشي كما تقدم في سعيه ما بين الصفا إلى المروة فكذلك في سعيه بين المروة إلى الصفا .
قوله : [ ذهابه سعية ورجوعه سعية ]
فما بين الصفا والمروة سعية ، وما بين المروة والصفا سعية أخرى ، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر : أن النبي e : ( طاف بين الصفا والمروة سبعاً )
فإذن : ذهابه من الصفا إلى المروة شوط ، وإيابه من المروة إلى الصفا شوط – وهذا باتفاق العلماء .
قوله : [ فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول ]
فلو أنه بدأ من المروة إلى الصفا فإن هذا الشوط لا يحسب ويسقط ولا يجزئ عنه ، وذلك لأن الواجب عليه أن يبدأ من الصفا لفعل النبي e وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) وفعله بيان لمجمل القرآن وفي النسائي : ( ابدؤوا بما بدأ الله به ) فإذا ابتدأ من الصفا أجزأه ، أما إذا ابتدأ من المروة فإنه لا يجزئه الشوط الأول ويحسب له الشوط الثاني الذي هو من الصفا إلى المروة فيجب عليه أن يزيد شوطاً لسقوط الأول وعدم إجزائه .
فإذن : إذا ابتدأ بالمروة فهذا الشوط لا يجزئه لأنه على خلاف ما ورد عن النبي e وقد قال : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) .
و لا يشرع السعي بينها في غير حج أو عمرة.
قوله : [ وتسن فيه الطهارة والستارة والموالاة ]
فالطهارة من الأحداث والأنجاس سنة بالاتفاق – في السعي بين الصفا والمروة فلو أنه طاف بين الصفا والمروة جنباً أو محدثاً حدثاً أصغر أو طافت امرأة حائضاً أو كان عليه شيء من الأنجاس في ثوبه فإن سعيه مجزئ بالاتفاق .
كذلك الستارة فليس أيضاً شرطاً أن يستر عورته وهذا باتفاق أهل العلم .
قال : " والموالاة " فالموالاة سنة وكلام المؤلف هنا موهم فإن المراد بالموالاة هنا الموالاة بين الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فليس شرطاً أن يبادر بالسعي بعد طوافه بالبيت فلو طاف في البيت في أول النهار وسعى في آخره يجزئه اتفاقاً لأنه قد فعل ما أمر الله به من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وإن كان المستحب له أن يوالي بين الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة لفعل النبي e وليس واجباً بالاتفاق .
وأما الموالاة بين أشواط السعي ، فإنها شرط في السعي – وهو مذهب الحنابلة في المشهور وغيرهم من أهل العلم – فهي شرط من شروط السعي على التفصيل المتقدم في الطواف .
قالوا : لفعل النبي e وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) وقد طاف الأشواط السبعة موالياً ، فإن قطعها بفاصل طويل عرفاً فإنه يجب عليه أن يستأنف إلا ما تقدم استثناؤه فيما إذا حضرت الصلاة المكتوبة ، على خلاف بين أهل العلم كما تقدم .
و يحتمل أن المؤلف يرى أن الموالاة بين الأشواط سنة و هي رواية عن الإمام أحمد خلافاً للمشهور في المذهب.
واشترط الحنابلة أيضاً النية فهي شرط من شروط السعي وتقدم النظر في هذا وأن الراجح أن أفعال الحج و العمرة كلها تكفي فيها نية الإحرام في كلها .
قوله : [ ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وتحلل ]
لما ثبت في مسلم قال : ( فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي e ومن كان معه هدي ) فالمتمتعون يقصرون ويحلون ، وأما القارنون والمفردون فإنهم لا يقصرون ولا يتحللون بل يتحللون في يوم النحر . وفيه أن المستحب للمتمتع أن يقصر رأسه ولا يستحب له حلقه ليوفره للحج و لفعل الصحابة كما تقدم .
· واعلم أن التقصير المجزئ هو التقصير لعموم الرأس ، ولا يقصد من ذلك أن يشمل كل شعرة فإن هذا لا يسع الناس فعله إذ لا يمكن للشخص أن يعلم دخول كل شعرة في التقصير إلا بالحلق ، لكن المقصود أن يقصر من عموم رأسه بحيث يظن ظناً غالباً أن هذا التقصير قد شمل الرأس كله ، هذا هو المشهور عند الحنابلة .
خلافاً لمذهب الشافعية وأنه يجزئه أن يأخذ ثلاث شعرات .
فالصحيح مذهب الحنابلة ، لقوله تعالى : ) محلقين رؤوسكم ومقصرين ( وقوله : ) رؤوسكم( عام للرأس كله ، فواجب أن يعم الرأس كله حلقاً أو تقصيراً ولأن النبي e حلق رأسه كله وفعله بيان للأمر فيعطى حكمه.
واعلم أن التقصير المجزئ هو أخذ الشيء من جميع الشعر الذي يصدق عليه أنه تقصير وإن قل سواء كان أنملة أو أقل منها .
والمستحب له أن يبدأ بالجهة اليمنى ثم اليسرى في الحلق والتقصير ففي مسلم أن النبي e قال للحلاق : ( خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس ) وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه التيامن في شأنه كله.
قوله : [ وإلا حلَّ إذا حج ]
إذا كان قارناً أو مفرداً فإنه يتحلل إذا حج.
أي أنه يتحلل إذا رمى الجمرة أي يتحلل في يوم النحر .
قوله : [ والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية ]
تقدم البحث في هذا ، وأن الراجح أنه يقطع التلبية إذا دخل الحرم كما هو مذهب ابن عمر .
مسألة :
السعي كالطواف في باب الركوب ، بل أولى بالجواز لما تقدم من أن بعض أهل العلم يرى أن الطواف بالبيت صلاة ، بخلاف السعي فإنه لا يقال فيه هذا ، وقد ركب النبي e في طوافه بين الصفا والمروة لكي يراه الناس كما ثبت ذلك في الصحيحين .
مسألة :
قراءة الآية : ) إن الصفا والمروة .. ( الظاهر لي أنه لا يستحب له ذلك إلا عند دنوه من الصفا أول مرة من غير أن يكررها لظاهر الحديث و المعنى يقتضي ذلك.
مسألة :
إذا سعى الشوط السابع فهل يدعو بعد نهايته ويقول الذكر أم لا ؟
الأظهر عندي والله أعلم أنه لا يقول ذلك لأنه هناك ينتهي سعيه كما ينتهي الطواف عند الحجر الأسود فلا يشرع له الاستلام ولا الإشارة فالأظهر هنا كذلك لأنه قد رقى المروة ثلاثاً فدعا ، وفي الصفا أربعاً فهذه سبع .
مسألة :
هل يجزئ الطواف بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت أم لا ؟
جمهور العلماء على أنه لا يجزئه ذلك لفعل النبي e وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) و النبي e إنما سعى بعد طوافه .
وذهب أهل الظاهر وهو مذهب عطاء بن أبي رباح من التابعين وهو مذهب بعض أهل الحديث إلى أنه يجزئه .
واستدلوا : بما رواه أبو داود أن رجلاً قال للنبي e : ( يا رسول الله : سعيت قبل أن أطوف فقال النبي e : افعل ولا حرج ) وكما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال لعائشة : ( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت حتى تطهري ) ويدخل في ذلك السعي فدل على أن السعي لا يشترط لصحته أن يسبق بطواف .
وهذا القول فيه قوة ، لكن في يوم النحر فقط دون غيره .
باب صفة الحج والعمرة
قوله : [ يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية ]
يوم التروية : هو اليوم الثامن من أيام ذي الحجة ، فيستحب للمحلين وهم أهل مكة الذين يريدون الحج أو الآفاقيون الذين أتوا بعمرة وتحللوا منها وهم المتمتعون دون القارنين والمفردين الآفاقيين.
وسمى يوم التروية لتروية الناس المياه فيه استعداداً لبقية أيام الحج .
ودليل استحباب الإهلال يوم التروية من مكة : ما ثبت في مسلم من حديث جابر قال : ( فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج فركب النبي e فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ) أي في منى .
ولذا قال المؤلف هنا : [ قبل الزوال منها ]
أي قبل الزوال حتى يصلي الظهر بمنى ، فقبل زوال الشمس يسن له الإهلال بالحج ليصلي الظهر بمنى ، كما فعل ذلك النبي e .
و السنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه و قد أحرم النبي صلى الله عليه و سلم من الأبطح كما في البخاري معلقاً و مسلم.
و المذهب أن الأفضل أن يهل من البيت من تحت الميزاب و الراجح ماتقدم وهو أن يهل من موضعه
ويستحب له أن يفعل عند إحرامه هنا ما يفعله عند إحرامه من الميقات من تطيب ونحوه.
قوله : [ ويجزئ من بقية الحرم ]
يجزئه أن يهل بالحج من بقية حرم مكة وإن خرج من بنيانها كأن يهل من الأبطح أو من منى فإنها من الحرم فيجزئه ذلك لأن ذلك كله ميقات أهل مكة ، فالحرم كله ميقاتهم قال النبي e : ( حتى أهل مكة من مكة ) فلا يجوز له أن يهل بالحج من الحل كأن يهل من التنعيم ونحوه لأنه بحكم أهل مكة وأهل مكة يهلون من مكة من بنيانها أو حرمها .
ومما يدل على جواز الإحرام من خارج البنيان مادام في الحرم ما ثبت في مسلم من حديث جابر قال : ( فأهللنا من الأبطح ) وهو موضع من الحرم خارج بنيان مكة أما إذا أحرم من الحل فلا يجوز له ذلك كما لو أحرم خارج الميقات .
هذا ما مشى عليه المؤلف و هو إحدى الروايتين عن أحمد و المذهب أنه يجوز أنه يهل من الحل و لا دم عليه و هو الراجح لحديث حتى أهل مكه من مكه فلم يشترط الحرم.
قوله : [ ويبيت بمنى ]
على الإستحاب اتفاقاً لحديث جابر المتقدم أن النبي e : ( صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) فصلى العشاء والفجر بها فقد بات بها – وهو مستحب بالاتفاق لأنه ليس فيه إلا فعل النبي e المجرد ، وفعله المجرد لا يقتضي إيجاباً كما تقدم.
قوله : [ فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة ]
أي إذا طلعت الشمس من يوم عرفة سار إلى عرفة .
إذاً : يمكث بعد صلاة الفجر حتى إذا طلعت الشمس ارتحل إلى عرفة فقد ثبت في حديث جابر الطويل بعد ذكر صلاة النبي e الفجر بمنى قال : ( ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس فأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة ثم ارتحل ولا تشك قريش أن النبي e واقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية فأجاز " أي تجاوز المشعر الحرام " حتى أتى عرفه فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها ، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركبها حتى أتى بطن الوادي " وهو بطن عرنة " فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ، ثم ركب رسول الله e حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة " أي طريق المشاة " بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس )
قوله : [ وكلها موقف إلا بطن عرنة ]
فلا يجزئ الوقوف به ، وهو الموضع الذي خطب به النبي e فقد ثبت في مسند أحمد و ابن ماجه و ابن حبان والحديث صحيح أن النبي e قال : ( كل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة وكل مزدلفة موقف وارتفعوا عن وادي محسِّر ) وهذا باتفاق العلماء و لأنه ليس من عرفة كما في شرح المنتهى.
قوله : [ ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر ]
كما تقدم هذا في جمعه بين الظهر والعصر في بطن عرنة ، وظاهر الحديث أنه لا يجهر بالقراءة فليست جمعة بل هي ظهر فيسر بالقراءة .
و الجمع مشروع لمن يشرع له الجمع و هو المسافر و هو المذهب.
و الصواب أنه يستحب لكل من بعرفة من مكي و غيره لأن النبي r لم يأمر من صلى معه من المكيين بعدم الجمع و اختاره الموفق و الشيخ محمد بن إبراهيم و حكاه ابن المنذر إجماعاً.
و يستحب له أن يتعجل الصلاتين في ذلك اليوم ، فقد ثبت في البخاري : أن سالم بن عبد الله بن عمر قال للحجاج : ( إن كنت تريد السنة فقصر الخطبة وعجل في الصلاة ، فقال ابن عمر وكان حاضراً : صدق ) فصدقه في أنها سنة . ويستحب له أن يجمع – كما تقدم بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين .
قوله : [ ويقف راكباً عند الصخرات وجبل الرحمة ]
كما تقدم في حديث جابر وفيه أن النبي e : ( لما أتى الموقف جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ) ولا يشرع بالإجماع – كما حكى الإجماع شيخ الإسلام – أن يصعد الجبل فإنه ليس من السنن بالإجماع .
قوله : [ ويكثر من الدعاء بما ورد ]
وقد ثبت في الترمذي والحديث حسن لشواهده أن النبي e قال : ( خير الدعاء يوم عرفة وخير ما قلت والنبيون قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) .
فإن قيل هذا ثناء وليس بدعاء ؟ فالجواب بما قاله سفيان بن عيينة لما سئل عن ذلك : فاستشهد ببيتين لشاعر في هذا المعنى .
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرء يومـاً كفاه من تعرضك الثناءُ
ثم قال سفيان : فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق .
فهذا الثناء بمعنى الدعاء ، أي إنما أثنيت عليك لتكفيني حاجتي فهو تعريض بالدعاء .
إذن : يستحب له أن يكثر من قول : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) .
ويستحب له أن يرفع يديه بالدعاء كما صح ذلك في النسائي عن أسامة بن زيد قال : ( كنت رديف النبي e بعرفة فرفع يديه ) أي في الدعاء .
ويستحب له أن يستقبل القبلة في دعائه سواء كان راكباً أو قاعداً كما تقدم في حديث جابر الثابت في مسلم ففيه أن النبي e ( استقبل القبلة ) .
ويوم عرفة يوم عظيم يعتق الله فيه من النار أكثر مما يعتق في سائر الأيام ففي صحيح مسلم أن النبي e قال : ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم فيقول: ما أراد هؤلاء ) وهو من أعظم الأيام وأحبها إلى الله كما أنه من أيام عشر ذي الحجة .
ويستحب له أن يغتسل في هذا اليوم كما صح هذا عن علي في سنن البيهقي بإسناد صحيح فهو من الأيام الفاضلة التي يشرع الاغتسال فيها .
قوله : [ ومن وقف ولو لحظة ]
فمن وقف ولو لحظة أجزأه ذلك وليس المراد بالوقوف القيام بل لو كان قاعداً أو مضطجعاً أو ماراً بها أي تجاوزها إلى غيرها فإنه يجزئه لأنه بمعنى الوقوف ولو كان ذلك لحظة .
ودليله : ما روى الخمسة أن النبي e قال : ( الحج عرفة فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج ) فظاهره بما يصدق عليه الإدراك وإن قل .
وفي الحديث أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج بل هو الحج فهو ركن الحج الأعظم وقد أجمع أهل العلم على أنه ركن في الحج.
قوله : [ من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر ]
هذا بيان من المؤلف لطرفي الوقوف بعرفة من حيث الوقت ، فهو من طلوع الفجر الصادق يوم عرفة ما لم يطلع الفجر من يوم النحر .
ودليل ذلك : ما ثبت عند الخمسة من حديث : عروة بن مضرس الطائي : أنه قال للنبي e : ( يا رسول الله فسأله عن الوقوف بعرفة فقال رسول الله e : من شهد صلاتنا هذه " أي صلاة الفجر من يوم النحر بمزدلفة " ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) والشاهد قوله : ( ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً ) وما قبل الزوال يصدق عليه أنه نهار .
ووافق جمهور العلماء الحنابلة على الإجزاء ليلاً قبل طلوع الفجر من ليلة النحر .
ونازعوا الحنابلة في إجزائه قبل زوال الشمس من يوم عرفة فقالوا : لو وقف ضحى عرفة لم يجزئه ذلك .
واستدلوا : بفعل النبي e فإنه إنما أتى عرفة لما زالت الشمس وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) .
والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة لإطلاق النبي e في قوله : ( ليلاً أو نهاراً ) ولأن من وقف ليلاً فإنه فعل ما لم يفعله النبي e فإنه قد أفاض من عرفة بعد غروب الشمس فلم يقف ليلاً ومع ذلك يقولون بإجزائه . فالحديث إنما يدل على استحباب ذلك .
إذن : يستحب له ألا يقف بعرفة إلا بعد زوال الشمس لكن لو وقف قبل زوالها وبعد طلوع الفجر يوم عرفة فإنه يجزئه ذلك لقوله e لعروة : ( ووقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً ) .
وقوله : ( أو نهاراً ) يصدق على أي جزء من أجزاء النهار من يوم عرفة لكن المستحب له ألا يأتي عرفة إلا بعد زوال الشمس .
قوله : [ وهو أهل له صح حجه وإلا فلا ]
بأن كان محرماً به مسلماً عاقلاً و لو ماراً أو نائماً أو جاهلاً أنها عرفه و لا يصح و قوف المغمى عليه و لا السكران هذا هو المذهب وهو مذهب جماهير العلماء.
لكن ذهب المالكية و الأحناف إلى إجزاء وقوف المغمى عليه لانه لا يعتبر له نية و لا طهارة و هو الراجح.
و استدل الجمهور بحديث ( و من أتى عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً ) و قال أبو ثور لا يكون واقفاً إلا بإرادة.
إذاً المذهب يشترط أن يكون محرماً مسلماً عاقلاً لا سكران و لا مغمى عليه.
قوله : [ ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم ]
إذن : الواجب عليه أن يقف إلى الغروب عند جماهير العلماء ، فإذا أتى بعد زوال الشمس أو قبل زوالها فإنه ليس له أن يفيض إلا بعد غروب الشمس .
قالوا : لفعل النبي e وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم )
قوله : [ ومن وقف ليلاً فقط فلا ]
رجل لم يأت إلا بعد غروب الشمس فوقف ساعة من الليل فلا خلاف بين العلماء أنه لا دم عليه واستدلوا : بقوله e : ( الحج عرفة فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج )
قالوا : ولم يوجب عليه النبي e دماً .
ويجزئه الوقوف عند جمهور أهل العلم .
إذن : إن وقف بعرفة أي ساعة من ليل أو نهاراً أجزأ عنه ذلك للحديث المتقدم لكن إن أفاض قبل غروب الشمس من يوم عرفة فجمهور العلماء على أن عليه دماً .
ومذهب المالكية أن وقوفه لا يعتد به .
و الصحيح هو مذهب الجمهور من الاعتداد به.
أما إذا خرج من عرفة ثم رجع قبل غروب الشمس ، فإنه لا يجب عليه دم ، لأنه أدرك الطرف الأخير من النهار وهو غروب الشمس أدركه بعرفة، فكما لو أتى قبل غروب الشمس فوقف إلى غروب الشمس فإنه لا شيء عليه بالاتفاق ، فكذلك إذا وقف نهاراً فخرج ثم عاد قبل غروب الشمس فأدرك غروب الشمس فإنه لا شيء عليه.
قوله رحمه الله تعالى : [ ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة ]
فقد ثبت في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم وفيه : ( فلم يزل وافقاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص فأردف أسامة بن زيد وشنق للقصواء الزمام ) فهنا فيه أن النبي e أفاض إلى مزدلفة من عرفة بعد أن غربت الشمس.
قوله : [ بسكينة ويسرع في الفجوة ]
فينبغي أن يكون بسكينة بلا إسراع ففي الصحيحين أن النبي e : ( كان يسير العَنقَ فإذا وجد فجوة نصَّ) والعنق : هو ما بين الإسراع والإبطاء ، " نصَّ " أي أسرع .
وفي البخاري من حديث ابن عباس أن النبي e قال: ( أيها الناس السكينة السكينة فإن البر ليس بالإيضاع) أي ليس بالإسراع ، وفي مسلم من حديث جابر أنه كان يقول بيده : ( أيها الناس السكينة السكينة ) فالمستحب أن يكون سيره إلى مزدلفة بسكينة وتؤده إلا أن يجد فجوة فلا بأس أن يسرع .
قوله : [ ويجمع بها بين العشاءين ]
أي بمزدلفة بين العشائين كما ثبت هذا في حديث جابر في صحيح مسلم قال : ( فأتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ثم اضطجع رسول الله e حتى طلع الفجر ) فالمستحب له في ليلة المزدلفة أن يجمع بين المغرب والعشاء .
قوله : [ ويبيت بها ]
أي بمزدلفة لفعل النبي e وقوله : ( لتأخذوا عن مناسككم ) وقد تقدم في حديث جابر أن النبي e : ( اضطجع حتى طلع الفجر ) .
واختلف أهل العلم في المبيت بمزدلفة هل هو ركن أو واجب أو مستحب ؟
ثلاثة أقوال لأهل العلم :
القول الأول : أنه ركن فلا يصح الحج إلا به ، فمن لم يبت بمزدلفة فلا حج له .
واستدلوا : بقوله e لعروة بن مضرس : ( من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) .
قالوا : فدل على أن من لم يشهد الصلاة ليلة مزدلفة ولم يقف فإن حجه لم يتم وتفثه لم يقض هذا مذهب طائفة من السلف وهو مذهب الأوزعي وابن خزيمة وابن جرير الطبري .
القول الثاني : وهو قول جمهور العلماء : أنه واجب يجبر بدم .
واستدلوا : بما روى الخمسة بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج ) .
قالوا : فدل هذا على أنه يدرك الحج وإن فاته المبيت بمزدلفة فظاهر الحديث أن من أدرك عرفة ليلاً قبل طلوع الفجر بدقائق ثم أذن عليه الفجر وهو بعرفة ثم أفاض إلى مزدلفة فإن حجه يصح .
فهذا الحديث ظاهر في عدم ركنية المبيت بمزدلفة بدليل أن النبي e صحح حج من أدرك عرفه قبل طلوع الفجر ومن أدركها على هذه الهيئة فإنه لابد أن يفوته المبيت بمزدلفة .
قالوا : وظاهر الحديث وجوب صلاة الفجر فيه ، وأنتم لا تقولون بهذا بل تجيزون للظعن والضعفة وغيرهم أن يفيضوا قبل حطمة الناس قبل أذان الفجر كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ولو كان ركناً من أركان الحج – أي شهود صلاة الفجر – فيه لما قلتم بالترخيص للضعفة من النساء وغيرهن أن يفيضوا قبل طلوع الفجر .
وأنتم تقولون : أن من نام عن صلاة الفجر فلم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس فإنه يدرك المبيت وإن لم يصل صلاة الفجر .
فإذن : أنتم لا تقولون بظاهره ، فإن ظاهره أن من صلى وشهد صلاة الفجر مع الإمام فهو الذي يصح حجه ويقضي تفثه .
القول الثالث : و ذهب بعض أهل العلم من الشافعية و هو رواية عن الإمام أحمد إلى أن المبيت بمزدلفة سنة وليس بواجب . قالوا : لفعل النبي e ، وفعله لا يدل على الوجوب .
وأصح الأقوال هو مذهب جمهور أهل العلم وهو أن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم ، وأن من فاته فإن حجه صحيح لكنه يجبر ما فاته بأن يهريق دماً .
بدليل ما تقدم من إذن النبي e للظعن أن يدفعن من مزدلفة قبل أذان الفجر ورخصته بذلك ، ولا شك أن الرخصة والإذن إنما يوجه إلى الواجب إذ لا يقال فيمن أذن له بترك رخصة : رخص له بذلك أو أذن له بذلك ، فإن هذا إنما يقابل الواجب .
فهذه الأحاديث ترد على من قال بسنية المبيت بمزدلفة ، فرخصة النبي e وإذنه إنما يتوجهان إلى ما ثبت وجوبه ، وأما ما ثبت استحبابه فإن الإذن والترخيص ثابت فيه أصلاً فلا يحتاج إلى إذن وترخيص
قوله : [ وله الدفع بعد نصف الليل ]
مطلقاً سواء كان معذوراً كضعفة الرجال وكالنساء ونحوهم من المعذورين الذين يشق عليهم أن يدفعوا مع
الناس في حطمتهم ، أو كان من الأشداء الذين لا يثقل عليهم ذلك فكلهم لهم الدفع بعد نصف الليل – هذا مذهب الحنابلة ، ومذهب الشافعية أيضاً .
ومذهب المالكية أوسع من ذلك فإن مذهبهم جوازه إن مكث قدراً يكفيه لصلاة المغرب والعشاء وإنزال رحله وهذا لا يتجاوز الثلث ساعة تقريباً.
وقال الأحناف : لا يجوز له أن يدفع إلا بعد طلوع الفجر وهذا القول هو الراجح لفعل النبي e ، وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) وإذنه وترخيصه للضعفة يدل على وجوب المبيت وعدم الترخيص والأذن للأقوياء . وقياس الأقوياء على الضعفاء : قياس مع الفارق.
ولذا قال ابن القيم فيما ذهب إليه الحنابلة : لا دليل له من كتاب الله ولا سنة نبيه e .
قلت : بل الأدلة الشرعية تخالف ذلك ، فإن النبي e إنما أذن للظعن ، ولغيرهن من الضعفة أن يدفعوا وأما غيرهم فإنهم يبقون على وجوب المبيت ، فليس لهم أن يفيضوا أو يدفعوا قبل طلوع الفجر .
ثم – أيضاً – الضعفاء من النساء والرجال ممن يجوز دفعهم قبل الفجر لا يجوز دفعهم إلا إذا دخل الثلث الأخير من الليل كما دلت عليه الآثار أيضاً .
فمن ذلك : ما ثبت في الصحيحين : أن أسماء بنت أبي بكر قالت : لمولاها ( هل غاب القمر ) والقمر إنما يغيب ليلة المزدلفة وهي ليلة العاشر من ذي الحجة إنما يغيب في ثلث الليل الأخير فقال : لا ، فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر فقال : نعم ، قالت : فارتحل لي ، قال : فارتحلنا حتى أتت الجمرة فرمتها ثم صلت الفجر في منزلها فقلت لها : يا هَنْتاه " أي يا هذه " لقد غلسَّنا " أي بكرنا " فقالت : كلا أي بني ، أذن النبي e للظُعُن ) أي بما تقدم .
ولا شك أن امتناعها عن الذهاب قبل مغيب القمر يدل على أن الإذن إنما كان عند غيابه .
وثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : ( استأذنت سودة النبي e ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حَطْمة الناس ، وكانت امرأة ثَبِطة " أي ثقيلة " فأذن لها فخرجت قبل دفعه وحَبَسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ، ولأن أكون استأذنت رسول الله e كما استأذنته سودة فأدفع بأذنه أحب إلي من مفروح به ) وفي رواية في المسند : ( فأصلي الصبح بمنى وأرمي الجمرة من قبل أن يأتي الناس ) فدل على أن هذا الدفع يكون بوقت يكفيها أن تصل إلى بيتها أو منزلها بمنى فتصلي فيه الصبح ثم ترمي الجمرة .
وفي الصحيحين : أن ابن عمر : كان يقدم ضعفة أهله ليلة مزدلفة فيقفون عند المشعر الحرام فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون " أي يبدؤون السير " قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع فيصلون منى لصلاة الفجر ومنهم من يصل بعد ذلك فإذا قدموا منى رموا الجمرة فيقول ابن عمر : ( أرخص النبي e في أولئك) فهؤلاء أيضاً إنما كانوا يدفعون قبل صلاة الفجر في الثلث الأخير من الليل بحيث أنهم منهم من يصل لصلاة الفجر ومنهم من يصل بعد ذلك.
إذن الراجح : أنه ليس للضعفاء ولا للضعفة ممن يجوز لهم أن يدفعوا ليلة المزدلفة ، ليس لهم أن يفيضوا إلا في الثلث الأخير من الليل فيصلون الفجر بمنى ، كما أنه ليس للأقوياء أن يدفعوا قبل طلوع الفجر على الراجح – إلا من احتاج الضعفة إليه ، كأن تكون هناك نسوة يحتجن إلى من يدفع معهن من الرجال فيجوز لمن احتجن إليه من الرجال أن يدفعوا معهن فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : ( كنت فيمن قدم النبي e في ضعفة أهله من جمع بليل ) .
متى يكون رمي الجمرة للضعفة ومن معهم من الأقوياء : هل يكون قبل طلوع الفجر أم لا يرمون إلا بعد طلوع الفجر أو لا يرمون إلا بعد طلوع الشمس ؟
ثلاثة أقوال لأهل العلم :
القول الأول : أن لهم أن يرموا قبل طلوع الفجر ، أي الضعفة ومن معهم من الأقوياء هذا مذهب الحنابلة والشافعية .
واستدلوا : بما رواه أبو داود في سننه أن النبي e : ( أذن لأم سلمة أن تدفع ليلة المزدلفة وأن ترمي الجمرة قبل طلوع الفجر ) لكن الحديث ضعيف مضطرب ولذا أنكره الإمام أحمد وغيره . فقد استدلوا بهذا الحديث على جواز الرمي قبل الفجر للضعفة وبالقياس الأقوياء .
القول الثاني : وهو مذهب المالكية والأحناف : أنه ليس للأقوياء ولا للضعفة أن يرموا إلا إذا طلعت الشمس .
واستدلوا : بما ثبت عند الخمسة والحديث له طرق وهو حديث صحيح عن ابن عباس قال : ( قدَّمنا النبي e ليلة مزدلفة أُغَيْلمة بني عبد المطلب على حُمُرات لنا ، فجعل يَلْطَخ أفخاذنا " أي يضربها بلين " ويقول : أي بَنِي لا ترموا حتى تطلع الشمس ) .
القول الثالث : هو ما اختاره ابن القيم فقد اختار قولاً جمع فيه بين الأحاديث الثابتة في هذا الباب .
فقال : أما الضعفة فيجوز لهم أن يرموا بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس ، وليس لهم الرمي قبل طلوع الفجر واستدل بالآثار المتقدمة حديث أسماء ، وحديث ابن عمر ، وحديث عائشة فكل الآثار المتقدمة الثابتة في الصحيحين فيها أنهم كانوا يرمون بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فإن أسماء رمت ثم صلت الفجر في منزلها وعائشة تقول : ( فأصلي الصبح بمنى وأرمي الجمرة ، من قبل أن يأتي الناس ) وظاهره أن هذا هو ترخيص النبي e لسودة . وهكذا أيضاً أثر ابن عمر فإنهم يقدمون لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فإذا قدموا – وقدوم أولهم لصلاة الفجر – رموا الجمرة ويقول : ( أرخص النبي e في أولئك )
قال فهذه الأحاديث تدل على أنه يجوز للضعفة أن يرموا بعد طلوع الفجر ولا شك أن ثمت فارق ظاهر بين طلوع الفجر وبين ما قبله فإن طلوع الفجر ثبت به دخول يوم النحر الذي من مناسكه رمي جمرة العقبة أما قبل طلوع الفجر فإنه لم يدخل بعد هذا اليوم والرمي إنما هو من مناسك يوم النحر .
قال : أما الأقوياء فليس لهم وإن دفعوا مع الضعفة ليس لهم أن يرموا حتى تطلع الشمس لحديث ابن عباس المتقدم فإنه كان من الأقوياء الذين قدمهم النبي e مع الضعفة ثم نهاهم وقال : ( أي بني لا ترموا حتى تطلع الشمس ) وهذا القول هو الراجح وبه يكون الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الباب .
قوله : [ وقبله فيه دم ]
فإذا وقع قبل نصف الليل فعليه دم .
إذن : على قولنا المتقدم : أن من دفع قبل طلوع الفجر من الأقوياء فإن عليه دم والضعفة إذا دفعوا قبل ثلث الليل الأخير فعليهم دم ، لوجوب المبيت بمزدلفة ولا يحصل المبيت إلا بما تقدم .
قوله : [ كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله ]
هذه مسألة :
إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فلم يأت قبل ذلك فعليه دم لفوات المبيت .
" لا قبله " : إذا أتى قبل أذان الفجر فإنه لا دم عليه .
فإذن : إذا أتى قبل أذان الفجر فلا دم عليه ، وأما بعد الأذان فعليه دم وذلك لأنه قد ترك واجباً من الواجبات ، ويلزمه الدم سواء كان معذوراً أم لم يكن معذوراً لأثر ابن عباس وسيأتي .
و من أفاض قبله ثم رجع قبل أذان الفجر فلا دم عليه كما تقدم في عرفة و هو المذهب.
قوله : [ فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه ]
إذا صلى الصبح بمزدلفة أتى المشعر الحرام وهو جبل " قَزَح " وهو جبل معروف هناك .
ومزدلفة كلها يثبت فيها هذا الاسم على وجه العموم كما صح ذلك عن ابن عمر فقد قال : ( المشعر الحرام المزدلفة كلها ) لكن هذا الجبل يثبت فيه هذا الاسم على وجه الخصوص فيقف عند المشعر الحرام فيدعو الله ويكبره ويهلله ويحمده ويوحده فقد ثبت في مسلم أن النبي e : ( – بعد أن صلى الصبح – ركب القصواء فأتى المشعر الحرام فوقف عنده فاستقبل القبلة فدعاه " أي دعا الله " وكبره وهلله ووحده ) وعند أبي داود : ( فحمد الله فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً ثم دفع قبل أن تطلع الشمس )
ووصف بأنه حرام لأنه في الحرم ، وعرفة المشعر الحلال لأنها في الحل .
ورقيه ثابت في حديث جابر في سنن أبي داود قال : ( فرقى عليه )
قوله : [ أو يقف عنده ]
فإذاً : إن وقف عنده أو رقى عليه فكل ذلك حسن لكن المستحب أن يرقى عليه لثبوت ذلك عن النبي e وقد قال e – كما في مسلم - : ( نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف ) وقوله : " هاهنا " أي عند المشعر الحرام .
قوله : [ ويحمد الله ويكبره ويقرأ : ) فإذا أفضتم من عرفات ( الآيتين ]
ولم أجد دليلاً يدل على استحباب قراءة هاتين الآيتين عند الموقف لكن إن قرأها يذكر نفسه بما أمر الله به فلا بأس .
قوله : [ ويدعو حتى يسفر ]
أي حتى يسفر الجو ويرى الناس بعضهم بعضاً ، ثم قبيل طلوع الشمس يدفع إلى منى .
قوله : [ فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر ]
ومحسر : وادي بين مزدلفة ومنى ، وسمي محسراً : من حسر ، أي أعياه وأتعبه ، وسمي بهذا الاسم : لأنه أعيا الفيل وأتعبه فحصل له إعياء في ذلك الموضع فسمي محسراً لذلك ، ومنه قوله تعالى : ) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير ( أي وهو كليل متعب .
فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر أي يسرع مسافة قدرها رمية حجر – كما صح ذلك عن ابن عمر في موطأ مالك بإسناد صحيح : ( أنه كان يسرع فيه رمية من حجر ) ، واستحباب الإسراع ثابت عن النبي e ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال : ( فلما أتى بطن محسر حرك قليلاً ) .
قوله: " رمية حجر " رمية الحجر خمسمائة ذراع أي نحو مائتي متر تقربياً .
قوله : [ وأخذ الحصى ، وعدده سبعون بين الحمص والبندق ]
أي أخذ الحصى في طريقه غداة العقبة وذلك لمصلحة التعجل بالرمي عند الوصول إلى جمرة العقبة ، حتى لا ينشغل بجمع الحصى عند الوصول إلى الموضع الذي يرمي فيه ، فيستحب له قبيل وصوله المرمى أن يجمع الحصى من أي موضع شاء من مزدلفة أو من غيرها فليس هناك موضع يتعين استحباب لقط الحصى منه وقد ثبت في النسائي عن ابن عباس قال : ( قال لي النبي e غداة العقبة : ( أي فجر اليوم الذي ترمي فيه جمرة العقبة ) : وهو على راحلته هات القط لي قال : فلقطت له حصيات هن حصى الخَذْف " وهو الحصى الصغير الذي يمكن وضعه بين السبابتين ليرمي به " فلما وضعهن في يده قال : بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) وهذا هو المذهب .
والشاهد أن الحصى كحصى الخذف .
ثم قال المؤلف هنا : " بين الحِمَّص والبندق "
الحمص : معروف ولعله بنصف أنملة الأصبع الصغرى ، والبندق كذلك .
فبينهما يكون حصى الخذف .
ولم يصح عن النبي e غسلها .
وقوله : " عدده سبعون " : ظاهره أنه يجمع سبعين من ذلك الموضع ، وهذا فيه نظر .
بل الأظهر أنه يجمع لكل يوم في يومه ، فالنبي e أمره أن يجمع غداة العقبة أي لجمرة العقبة وأما غيرها من الجمرات فيجمع لها في أيامها .
وعدد الجمرات التي ترمى في الجمرات كلها على وجه التمام سبعون حصاة .
في اليوم الأول العاشر من ذي الحجة : سبع .
وفي اليوم الحادي عشر : إحدى وعشرون ، وفي الثاني عشر كذلك ، وفي الثالث عشر كذلك .
فيكون مجموعها سبعين حصاة . يجمعها من أي موضع شاء ، وهنا النبي e قد أمره أن يلقطها في طريقه غداة العقبة وهي بين الحمص والبندق – كما تقدم –
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ فإذا وصل إلى منى وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة ]
ومنى : شعب بين جبلين وهي بين حدين هما : جمرة العقبة ووادي محسر ، فجمرة العقبة ووادي محسر ليسا من منى باتفاق العلماء كما نص على ذلك الموفق وابن القيم وغيرهما .
والحنابلة ذكروا أن وادي محسر وجمرة العقبة ليسا من منى ولم يذكروا في هذه المسألة خلافاً ، وهو المشهور عند أهل العلم وقد ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح أن عمر قال : ( لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة ) فدل على أن ما وراء العقبة ليس من منى ، ولا يعلم لهم مخالف وكذلك وادي محسر ومما يدل على أنه ليس من منى ، أن النبي e لما مَّر به حرك قليلاً وهي سنته e في الأماكن التي وقع فيها بأس الله عز وجل وعذابه كما فعل ذلك في مروره بديار ثمود ، ولا يمكن أن يكون هذا الموضع الذي يسرع فيه ويتعجل – لا يمكن أن يكون منسكاً يتعبد لله به .
وأما ما ذكره الشيخ الألباني : أن محسراً من منى استدلالاً برواية في صحيح مسلم في حديث الفضل بن عباس من سياق فعل النبي e من قول الفضل وفيه ذكر مروره بوادي محسر قال : ( وهو من منى ) .
فالأشبه إن هذا من قول بعض الرواة وليس من قول الفضل بن عباس إذ لا يمكن أن يكون هذا الموضع الذي يشرع الإسراع به والتعجل بمروره لا يمكن أن يكون منسكاً يتعبد الله به . وهذا هو المشهور عند أهل العلم وقد ذكره الأزرقي عن عطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة ، قال ابن القيم – في وادي محسر : ( وهو برزخ بين منى ومزدلفة ) وهو – كما تقدم – رمية بحجر.
فعلى ذلك منى : حداها جمرة العقبة ووادي محسر ، وأما من الجهتين الأخريين فتحفها الجبال .
قوله : [ رماها بسبع حصيات ]
كما ثبت في مسلم من حديث جابر قال : ( فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ) .
ويستحب أن يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ويستبطن الوادي – وذلك عند رمي جمرة العقبة – لما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى الجمرة بسبع حصيات وقال : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة .
قوله : [ متعاقبات ]
أي واحدة بعد واحدة ، فإن رماها دفعة واحدة لم يجزئه لأنه خلاف فعل النبي e وخلاف هديه وقد قال e : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) فلا يجزئه ذلك وكانت كرمية بحصاة واحدة .
والأظهر أنه يجب ألا يفصل بينها بفاصل عرفي ، وهذا هو فعل النبي e .
وفي قوله : ( فرماها ) فيه اشتراط الرمي وأن الإلقاء والطرح لا يجزئ ، فلابد أن يفعل ما يصدق عليه أنه رمى ، فلو ألقاها إلقاءً أو طرحها طرحاً فإنه لا يجزئه لأن النبي e : إنما رماها رمياً فلا يجزئ إلا ما يصدق عليه الرمي وقد قال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) وهذا باتفاق العلماء وإلقاؤها أو طرحها خلاف هديه ، وكل ما كان خلاف هديه فهو رد على صاحبه .
قوله : [ يرفع يده حتى يرى بياض إبطه ]
هكذا ذكر بعض الحنابلة وأن ذلك مستحب أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه ولم أر ما يدل على ذلك من السنة لكن فعل ذلك حسن لأنه أعون له على الرمي لاسيما مع البعد .
قوله : [ ويكبر مع كل حصاة ]
لما تقدم في حديث جابر : أن النبي e : ( كان يكبر مع كل حصاة ) أي يقول الله أكبر .
قوله : [ ولا يجزئ الرمي بغيرها ]
فلا يجزئه أن يرمي بغير الحصى فلو رمى بغير الحصا كالمدر أو الكحل أو ذهب أو فضة أو نحو ذلك مما ليس بحجر فإنه لا يجزئه لأن النبي e إنما رمى بالحصى ، فقد أمر ابن عباس أن يلقط له حصيات ، وقال : ( بمثل هؤلاء ) أي فارموا ، فهو فعل النبي e وهديه وكل فعل يخالف هديه فهو رد .
ومثل ذلك لو رمى بحجر كبير فإنه لا يجزئه لأن النبي e : رمى بحصى الخذف وقال : ( بمثل هؤلاء وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) فهنا نهى النبي e عن الرمي بأكبر من حجر الخذف وذكر أنه غلو في الدين ، وما نهى عنه النبي e فهو فاسد ، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، فالنهي يقتضي الفساد ، ومثله الحجر الصغير .
قوله : [ ولا بها ثانياً ]
ليس له ولا لغيره أن يرمي بحصاة قد رمى بها وذلك لأنها استعملت في عبادة ، فأشبه ذلك الماء المستعمل في الوضوء فإنه لا يجوز الوضوء به في المشهور من مذهب الحنابلة .
وقال الشافعية : له أن يرمي بحصاة قد رمى بها ، فله أن يأخذ من المرمى حجراً فيرمى به ثانياً وإن كان خلاف الأولى .
قالوا : لأنه يصدق عليه اسم الرمي ، فهو حصى وقد رمى به ، وأما ما ذكره الحنابلة من قياسه على الماء المستعمل في الوضوء ، فالراجح في هذا الأصل : أن الوضوء بالماء المستعمل جائز ولا حرج فيه مع أنه – كما تقدم – خلاف الأولى .
فالصحيح أنه لو أخذ حصاة من المرمى قد رمى بها هو أو غيره فإن ذلك يجزئه لكن الأولى له أن يأخذها من الأرض ابتداءً فيرمى بها كما ثبت ذلك عن النبي e .
· واعلم أنه لا يجزئه الرمي إلا أن تقع الحصاة في المرمى باتفاق العلماء ، لأن الواجب هو رمي الجمرة ولم يقع ذلك منه فلم يجزئه . ولو رماها فوقعت على موضع صلب ثم تدحرجت فوقعت في المرمي أو ضربت حائطاً ووقعت في المرمى فإنه يجزئه ؛ لأن ذلك بفعله ، فهذا كله من فعله فقد رماها وكانت نتيجة رميه وقوعها في المرمى فيجزؤه ذلك .
أما لو كانت بفعل غيره فإنه لا يجزئه .
· واعلم أنه لا يجزئ الرمي حتى يتيقن سقوطها في المرمى فلا يكفي الظن في المشهور في المذهب لأن الأصل بقاؤه في ذمته فلا يبرأ إلا بيقين .
وقال جماعة من الأصحاب يكفي ظنه وهو قوي مع الزحام الشديد وإلا فلا لإمكان اليقين أما مع الشك فلا يجزئه .
واعلم أن الرمي واجب باتفاق العلماء وقد ذهب ، بعض العلماء إلى ركنيته ، والصحيح هو وجوبه فهو واجب يجبر بدم ، وقد فعله النبي e وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) .
قوله : [ ولا يقف ]
فلا يشرع له أن يقف ، بل يرمي ثم يذهب عن جمرة العقبة فلا يقف عندها ، لأن النبي e لم يقف عندهم لا في يوم النحر ولا في أيام التشريق ، بخلاف الجمرة الصغرى والجمرة الوسطى فإن النبي e وقف عندهما كما سيأتي في حديث ابن عمر في البخاري أما جمرة العقبة فلم يقف عندها . فلا يشرع وقوف ولا دعاء ولا ذكر .
قوله : [ ويقطع التلبية قبلها ]
أي قبل الرمي ، فيقطع التلبية قبل أن يرمي الجمرة وذلك لحديث الفضل وفيه : ( فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة )
فالمشهور عند الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء أنه يقطع التلبية قبل اشتغاله برمي الجمار .
وذهب إسحاق إلى أنه يقطعها عند آخر حصاة ، لما ثبت في صحيح ابن خزيمة بإسناد حسن من حديث الفضل وفيه : ( فقطع التلبية مع آخر حصاة ) .
والذي يظهر لي هو صحة القول الأول ، وأن هذه اللفظة منكرة فإن الثابت في الصحيحين أن النبي e : ( كان يكبر مع كل حصاة ) وهذا يدل - كما قرر هذا البيهقي والموفق ، يدل - على أنه قطع التلبية قبل اشتغاله بالرمي إذ لا يمكنه الجمع بين التكبير والتلبية أثناء الرمي .
قوله : [ ويرمي بعد طلوع الشمس ]
يرمي جمرة العقبة ، لما ثبت في مسلم من حديث جابر أن النبي e : ( رمى الجمرة يوم النحر ضحى ، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس ) أي أيام التشريق كان يرمي بعد الزوال وأما جمرة العقبة فقد رماها ضحى أي بعد طلوع الشمس .
قوله : [ ويجزئ بعد نصف الليل ]
أي يجزئه قوياً أو ضعيفاً أن يرمي بعد نصف الليل ، وتقدم ضعف هذا القول وأن الراجح أنه إن كان من الأقوياء فلا يرمي إلا بعد طلوع الشمس وإن كان من الضعفاء فبعد طلوع الفجر .
· واعلم أن أهل العلم قد أجمعوا على أن رمي جمرة العقبة يمتد إلى غروب الشمس حكى الإجماع ابن عبد البر ويدل عليه ما ثبت في البخاري : ( أن رجلاً قال للنبي e يوم النحر : رميت بعدما أمسيت فقال النبي e : ارم ولا حرج ) والمساء : من زوال الشمس إلى أن يشتد الظلام .
وقيل : إلى نصف الليل .
والمشهور هو الأول .
واختلفوا في الرمي ليلاً هل يجزئ أم لا ؟
الحنابلة قالوا : لا يجزئ أن يرمي ليلاً ، ومن فاته الرمي نهاراً فغربت الشمس ولم يرم ، فإنه يرمي من الغد بعد زوال الشمس – أي في اليوم الحادي عشر - .
وقال المالكية والشافعية : يجزئه أن يرمي ليلاً إلا أن المالكية قالوا : عليه دم فهو عندهم من باب القضاء لا من باب الأداء وأما الشافعية فهو عندهم من باب الأداء ولا دم عليه .
استدل الحنابلة : بما ثبت في البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال : ( من نسى رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد ) .
وأما المالكية والشافعية : فاستدلوا : بحديث البخاري المتقدم ففيه أن السائل لما قال : ( رميت بعدما أمسيت قال له : النبي e : ارم ولا حرج ) قالوا : والمساء يصدق على جزء من الليل كما أنه يصدق على جزء من النهار باتفاق أهل اللغة .
فإن ما قبل اشتداد الظلام بعد غروب الشمس هو من المساء اتفاقاً قالوا : والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وأجاب الحنابلة عن استدلال الشافعية بهذا الحديث قالوا : السائل سأل النبي e يوم النحر فثبت لنا أن سؤاله في المساء الذي في النهار ، وهو ما بعد زوال الشمس إلى غروبها ويوم النحر ينتهي بغروب الشمس والحديث فيه أن السائل سأله يوم النحر ، فدل على أنه قد رمى في مساء النهار ، فإن المساء قسمان 1- مساء نهار 2- ومساء ليل .
فمساء الليل بعد غروب الشمس إلى أن يشتد الظلام ، وأما مساء النهار فهو من زوال الشمس إلى غروبها .
فالسؤال قد وقع في يوم النحر مما يدل على أن السؤال إنما كان في النهار .
ويدل على هذا : أن النبي e لم يكن يسأل في ذلك اليوم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : ( افعل ولا حرج).
وللفارق بين هذين المسائين فإن مساء الليل تبع لليوم الحادي عشر ، فإذا غربت الشمس دخلت ليلة إحدى عشرة وأما ما قبل غروب الشمس فهو من اليوم العاشر وهو يوم النحر فالأظهر أن في استدلال الشافعية بهذا الحديث نظراً .
واستدلوا – أيضاً – بما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح : أن بنت أخ لصفية بنت أبي عبيد زوج ابن عمر نفست فتخلفت هي وصفية في المزدلفة فأتيتا بعد غروب الشمس فأمرهما ابن عمر أن يرميا ولم ير عليهما شيئاً ) فهذا يدل على جواز الرمي ليلاً .
والذي يظهر لي – والله أعلم – قوة ما ذهب إليه الشافعية لثبوت هذا الأثر عن ابن عمر صريحاً .
وأما أثره السابق : فالذي يظهر لي أن ذلك في أيام منى وأن من نسى رمي الجمار في أيام منى ، فإنه لا يرمي ليلاً وإنما يرمي بعد زوال الشمس من الغد .
فالجمع بين أثري ابن عمر : أن الأثر الأول في رمي الجمار أيام التشريق وذلك لأن أيام التشريق وقتها واحد ، فكلها إذا زالت الشمس رميت ، فأُمر بجمعها ، وسيأتي الكلام على جمعها ومذاهب أهل العلم في ذلك ، فالمراد جمار أيام التشريق بدليل الجمع في قوله : ( من نسى رمي الجمار ) أي جمرة العقبة والجمرة الوسطى والجمرة الصغرى .
وأما أثره الآخر فهو دال على جواز الرمي ليلاً لاسيما للمعذورين وهكذا في ازدحام الناس وحطمتهم فإنه يقال بهذا المذهب .
وحينئذ فالأحوط ألا يرمي إلا نهاراً ، لكن ينبغي أن يوسع في هذا حيث كانت هناك حطمة وزحام شديد فإنه يوسع في هذا كما تقدم عن ابن عمر .
مسألة :
هناك أثر عن ابن عباس : أن الحجر الذي يُرمى فيقبل أنه يرفع وهو ثابت عن ابن عباس لكن هل المراد رفع معنوي أو حقيقي .
مسألة :
· اعلم أن الجبال التي تحف منى : ما أقبل فهو من منى وما أدبر فليس منها ، أما الذي في رأس الجبل لا مقبل ولا مدبر : فالأظهر أنه ليس من منى لأن الحدود في الأصل ليست منها لكن الناس في هذا الوقت لا يمكن إلا أن يخرجوا من منى فهذا باب آخر ، لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها .
فإذا اتصلت المواضع بمنى مهما امتدت فإن لها حكم منى مع الزحام ، كما أن الناس إذا صلوا في المسجد فامتدت صفوفهم خارج المسجد فهم في المسجد، فكذلك منى . فإذا اتصلت الخيام ولو كان ذلك خارج منى فإنه يجزئ لأن الواجبات تسقط عند العجز عنها ولأن المشقة تجلب التيسير ولا يتكلفون أيضاً الخروج من خيامهم إلى المبيت في الليل بمنى لما في ذلك من الكلفة عليهم .
ويحتمل أنه إن عجز عن المبيت بمنى ولم يجد مكاناً ينزل حيث شاء كالمحادة والأول أحوط .
قال المؤلف رحمه الله : [ ثم ينحر هدياً أن كان معه ]
سواء كان الهدي واجباً كهدي التمتع والقران ، أو كان هدياً مستحباً كهدي المفرد ، فمن كان معه هدي فإذا رمى الجمرة استحب له أن يهدي و دليل ذلك حديث جابر في مسلم قال – وقد ذكر رميه r لجمرة العقبة – قال : ( ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده وأعطى علياً ما غبر وأشركه في هديه ) .
قوله : [ ويحلق أو يقصر من جميع شعره ]
السنة في باب الترتيب أن يكون الحلق أو التقصير بعد النحر ففي مسلم من حديث أنس بن مالك قال: ( ثم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ … ) الحديث ففيه أن النبي e رمى الجمرة أولاً ثم نحر ثانياً ثم حلق ثالثاً .
واعلم أن الأفضل بإجماع العلماء هو الحلق ، ففي الصحيحين أن النبي e قال : ( اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : اللهم ارحم المحلقين والمقصرين فدعا لهم في الثالثة ) ولأن الله قدم الحلق على التقصير في قوله : ) محلقين رؤوسكم ومقصرين ( فالحلق أفضل من التقصير .
وقد تقدم الكلام على التقصير وما يجزئ فيه ، وأنه ما يصدق عليه اسم التقصير من تعميم الشعر كله . فالجزء الذي يصدق عليه مسمى التقصير يجزئ عنه سواء كان بقدر أنملة أو أقل من ذلك .
واختلف أهل العلم في الحلق هل هو نسك أم أنه إطلاق من محظور ؟
فقال جمهور العلماء : هو نسك و هو المذهب ، ولذا قال المؤلف بعد ذلك : " والحلاق والتقصير نسك"
فهو نسك من أنساك الحج كالرمي والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى.
ودليل ذلك قوله تعالى: ) محلقين رؤوسكم ومقصرين ( وقوله e : ( اللهم ارحم المحلقين والمقصرين ) فدل ذلك على أنه نسك وعبادة في الحج .
ويدل عليه بظهور أيضاً : ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر : أن النبي e قال : ( من كان منكم ليس قد أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل ) فدل على أن التحلل مترتب على الحلق أو التقصير وأنهما نسك من أنساك الحج .
وقال الإمام أحمد في رواية عنه : هو إطلاق من محظور كالتطيب ، فكما أن المحرم يجوز له إذا تحلل أن يتطيب وأن يفعل ما شاء من محظورات الإحرام مما ليس مُحرَّماً فكذلك حلق الرأس فهو مجرد إطلاق من محظور.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري والحديث تقدم لفظه : وفيه : أنه أهل بإهلال رسول الله e قال : ( فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال : " حُل " ولم يذكر حلقاً ولا تقصيراً .
والصحيح هو القول الأول وأن الحلق أو التقصير من مناسك الحج بدليل الأدلة المتقدمة.
وأما حديث أبي موسى فإن النبي e أن لم يأمره وقد أمر به غيره من الصحابة كما تقدم في حديث ابن عمر ثم أن قوله : " حل " أي افعل ما يترتب عليه التحلل من حلق أو تقصير أي افعل ما تكون به حلالاً ولا يكون حلالاً حتى يحلق رأسه أو يقصر .
فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء وهي الرواية المشهورة عن الإمام أحمد أن الحلق نسك .
قوله : [ وتقصر منه المرأة أنملة ]
الأنملة هي : رأس الأصبع من المفصل الأعلى .
فالمرأة لا يشرع لها أن تكثر من التقصير بل ينبغي لها أن تقصر أنملة أو نحو ذلك ، فلا ينبغي لها أن تبالغ بالتقصير .
وتقييد المؤلف هنا بقدر أنملة ليس المراد أن هذا هو الواجب عليها بل المقصود أنها لا تبالغ بل يكون قدر أنملة أو نحو ذلك ، لكن لو أخذت نصف أنملة أو أقل من ذلك أو أكثر فإنه يجزؤها .
فتقييده بالأنملة لبيان عدم مشروعية المبالغة في أخذ الشعر فإن المرأة المستحب لها توفير شعرها لا تقصيره .
وأما الحلق فهو محرم بالإجماع ، وفي الترمذي وغيره والحديث صحيح عن علي بن أبي طالب قال : ( نهى رسول الله e المرأة أن تحلق رأسها ) وفي أبي داود أن النبي e قال : ( ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير ) .
قوله : [ ثم قد حل له كل شيء إلا النساء ]
إذا رمى الجمرة وحلق فالنحر ليس له أثر في التحلل ، فإن النحر لايجب ، فإذا رمى وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء .
وهنا مسألتان :
المسألة الأولى :
أن هذا هو المشهور في المذهب وأن من فعل نسكين من ثلاثة فإنه يتحلل التحلل الأول ، فإذا فعل النسك الثالث حل التحلل التام ، والأنساك الثلاثة هي الرمي والحلق والطواف .
والسعي داخل في هذا الباب مع الطواف وإنما لم يذكروه لأن السعي أيضاً ربما فعله مع طواف القدوم . فإذا فعل نسكين من ثلاثة حل التحلل الأول ، فإذا فعل الثالث حل التحلل التام وهذا مذهب الشافعية أيضاً .
واستدلوا : بما روى أبو داود في سننه أن النبي e قال : ( إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء )
قالوا : فذكر النبي e هنا نسكين ولا شك أن الطواف أولى منهما ، فهما من الواجبات ( الحلق والرمي ) ، والطواف ركن فهو أولى منهما قالوا : فدل على أنه لو رمى وطاف أو حلق وطاف فكذلك لأن الطواف أولى منهما .
و استدلوا أيضاً بما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت ( كنت أطيب النبي صلى الله عليه و سلم لحله قبل أن يطوف في البيت ) و لحديث قطع التلبية.
وذهب المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد : إلى أنه إذا رمى الجمرة فقد حل وإن لم يحلق .
واستدلوا : بما روى النسائي عن ابن عباس : أن رسول الله e قال : ( إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ) والحديث صحيح ، وله شاهد عن ابن الزبير في مستدرك الحاكم . وصحح هذا القول الموفق ابن قدامة .
وأجابوا عن دليل أهل القول الأول : بأنه حديث ضعيف فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث.
فعلى ذلك الراجح : ما ذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو مذهب الإمام مالك واختاره الموفق – أنه إذا رمى الجمرة فقد حل له كل شيء إلا النساء . فإذا تم له أنساك الحج فحلق وطاف ، وسعى المتمتع فإنه يحل التحلل التام .
المسألة الثانية:
قوله : [ إلا النساء ]
قال الحنابلة : إلا النساء وطأً أو مباشرة أو قبلة أو مساً أو عقداً .
وعن الإمام أحمد أنه لا يحرم إلا الوطء في الفرج لأنه أغلظ المحظورات فهو الذي يفسد الحج به وأما مقدماته من مباشرة أو مس ونحوها فإنها لا تحرم .
وفي هذا نظر ، فإن الشارع إذا نهى عن الشيء نهى عن ذرائعه الموصلة إليه فمقدمات الجماع ينبغي أن ينهي عنها لأنه إذا حرم الشيء حرمت ذرائعه الموصلة إليه .
وذكر شيخ الإسلام عن الإمام أحمد – وهو داخل في عموم الرواية المتقدمة – أن عقد النكاح جائز ، واختاره رحمه الله وهو مذهب طائفة من أصحاب الإمام أحمد أنه يجوز له عقد النكاح وأن الداخل في ذلك إنما هو الجماع ومقدماته أما مجرد عقد النكاح فإنه لا حرج فيه .
وفيما ذهب إليه شيخ الإسلام قوة ، إذ قوله " إلا النساء " إدخال العقد فيه بُعْدٌ ، فإن العقد ليس فيه شيء من مماسة النساء ولا مباشرتهن ولا جماعهن فيكون كما لو كانت معه امرأته من غير أن يمسها أو يباشرها أو يجامعها.
فمجرد العقد الظاهر أنه يدخل في عموم قوله ( فقد حل له كل شيء ) أما لفظة " إلا النساء " فهي ثابتة في الوطء وأدخلنا مقدمات الوطء لأنها ذرائع موصلة إلى الوطء نفسه ومع ذلك فإن الأحوط هو عدم العقد على النساء اتفاقاً .
فإذن : استثنى بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام : عقد النكاح ولم يروه داخلاً في قوله : ( إلا النساء) ورأوا أن المنهي عنه إنما هو الجماع ومقدماته ، وأما عقد النكاح فإنه لا حرج فيه .
إذن : الأظهر أنه إذا رمى الجمرة فإنه يحل له كل شيء إلا النساء وطأً أو مباشرة أو قبلة أو مساً وأما العقد فالأظهر عدم دخوله والله أعلم .
قوله : [ والحلاق والتقصير نسك ]
تقدم هذا وأنه هو المشهور في المذهب .
قوله : [ ولا يلزم بتأخيره دم ]
أي لا يلزم بتأخيره عن أيام منى دم .
أما تأخيره في أيام منى فلم أر خلافاً بين أهل العلم في أنه لا يجب عليه الدم .
وأراد المؤلف هنا : أن ينبه على اختيار الحنابلة أن تأخير الحلق عن أيام منى كأن يحلق مثلاً في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة أو بعد شهر ذي الحجة فلا يلزمه دم .
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة قالوا : لأن الله عز وجل قال : ) ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ( فأطلق الله عز وجل فذكر ابتداء الحلق وأنه إذا بلغ الهدي محله ، ولم يذكر – سبحانه – وقت انتهائه فأطلق ذلك فلا حد لانتهائه ، كالطواف فكما أنه يجوز له أن يطوف في اليوم الخامس عشر ونحو ذلك ولا شيء عليه فكذلك الحلق .
وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن من تأخر في الحلق فلم يحلق حتى فاتته أيام منى فعليه دم .
وهذا القول – فيما يظهر لي – قوي وهو مقتضى كلام الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في مسألة الطواف فإنه نظَّر في قول الحنابلة وغيرهم من جواز تأخير الطواف عن أيام منى ، وأن ذلك لا يجوز ، وذلك لأن أيام منى هي أيام الحج ، والحج عبادة مؤقتة ) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ( فكون الله عز وجل لم يقيَّد وقتاً لانتهاء الحلق في الآية المتقدمة لكنه سبحانه وقَّت للحج في قوله : ) الحج أشهر معلومات( فالحج له أيامه التي يفعل فيها ، ومقتضى ذلك أنه لا يجوز تأخيره عن أيامه .
فالراجح أنه لا يجوز تأخيره عن أيام منى وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة وأنه يجب عليه دم وهو مذهب بعض الحنابلة .
وعلى ما تقدم من ترجيح مذهب المالكية أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه ، فإنه على ذلك إذا أخر الحلق عن شهر ذي الحجة فعليه دم وقبله لا دم عليه و استظهره شيخنا .
قوله : [ ولا بتقديمه على الرمي والنحر ]
لو أن رجلاً حلق قبل أن يرمي ، أو حلق قبل أن ينحر فلا دم عليه ولا حرج في ذلك .
ودليله ما ثبت في الصحيحين أن النبي e قال له رجل : ( يا رسول الله : حلقت قبل أن أذبح فقال : أذبح ولا حرج ، فقال رجل يا رسول الله : ذبحت قبل أن أرمي فقال له e : أرم ولا حرج ) .
وفي مسلم : فما سئل النبي e عن شيء قدم ولا أخر إلا قال : ( افعل ولا حرج ) .
وحينئذ فإن هذا يكون ترخيص دلت عليه سنة ، وإلا فإن ظاهر قوله تعالى : ) ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله( أنه لا يجوز له أن يحلق حتى يبلغ الهدي محله وأن الواجب عليه أن يهدي ثم يحلق لكن استثنت السنة هذا في يوم النحر .
واعلم أنه يستحب للإمام أن يخطب الناس يوم النحر ففي البخاري من حديث ابن عباس : أن النبي e : ( خطب الناس يوم النحر ) وليست هي خطبة العيد ، لأنها إنما تشرع لأهل الحاضرة والمقيمين .
ويستحب له أن يعلمهم مناسكهم فيه ، ففي سنن أبي داود من حديث عبد الرحمن بن معاذ قال : ( خطبنا النبي e ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع أصبعيه السبابتين " أي بعضهما على بعض " ثم قال : بحصى الخذف ) الحديث .
ويستحب أن يكون ضحى لما ثبت في أبي داود من حديث رافع المزني قال : ( رأيت النبي e يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلي يعبِّر عنه " أي يبلغ عنه " والناس بين قاعد وقائم).
فإذن المستحب للإمام أن يخطب الناس يوم النحر فيعلمهم مناسكهم .
فصــــل
قوله : [ ثم يفيض إلى مكة ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة ]
يطوف القارن والمفرد بنية طواف الزيارة .
وأما المتمتع فإنه يطوف طواف القدوم ثم طواف الزيارة فيما نص عليه الإمام أحمد فقد نص – رحمه الله تعالى – على أن المتمتع والقارن والمفرد إن لم يطف طواف القدوم يستحب لهما أن يطوفا طواف القدوم يوم النحر ثم يطوفا طوافاً آخر وهو طواف الزيارة الذي هو ركن الحج .
واستدل رحمه الله تعالى بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت : ( فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة – (وهم القارنون) – فلم يطوفوا إلا طوافاً واحداً ) فاستفاد - رحمه الله – من هذا الحديث مشروعية طواف القدوم للمتمتعين ثم يطوفون بعده طواف الزيارة .
واستحبه للقارنين والمفردين الذين لم يطوفوا لما قدموا مكة و هو المذهب ، و عليه فيطوف برمل و اضطباع أي القارن و المفرد.
قال الموفق رحمه الله تعالى : " ولم يوافق أبا عبد الله أحد على هذا " .
فجمهور العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه و ابن رجب على خلاف هذا القول وأن المتمتع لا يشرع له في الحج إلا طواف الزيارة وهو طواف الحج الأكبر أما طواف القدوم قبله فلا يشرع له ، وكذلك لا يشرع للقارنين الذين لم يطوفوا طواف القدوم ، لا يشرع لهم أن يطوفوا قبل طواف حجهم طوافاً آخر ، قالوا : ولم ينقل هذا عن النبي e ولا عن أصحابه ، ولأن طواف القدوم يشبه تحية المسجد ومن اشتغل بالفرض سقطت عنه تحية المسجد بل لم تشرع له .
وأما الحديث الذي استدل به الإمام أحمد رحمه الله فقالوا : هو السعي بين الصفا والمروة أي أن المتمتعين لم يكتفوا بالطواف بالبيت يوم الحج الأكبر بل ضموا إلى ذلك السعي بين الصفا والمروة فكان للمتمتعين في ذلك اليوم طوافان طواف بالبيت يشتركون به مع المفردين والقارنين ، وطواف آخر تفردوا به وهو الطواف بين الصفا والمروة ولا شك أن السعي بين الصفا والمروة طواف كما قال تعالى في كتابه الكريم : ) إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما (
إذن - قالوا – قول عائشة : إن المتمتعين لما رجعوا من منى طافوا طوافاً آخر ، قالوا : هو الطواف بين الصفا والمروة وأما طوافهم الأول فهو طوافهم مع القارنين والمفردين وهو الطواف بالبيت .
والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء كما تقدم .
وقول المؤلف: " بنية الفريضة "
تقدم الكلام على شرطية النية في الطواف وكلام أهل العلم في ذلك.
" طواف الزيارة " يسمى طواف الزيارة لأنه زيارة من منى إلى مكة كما أنه يسمى بطواف الإفاضة لأنه يقع بعد الإفاضة من منى ويسمى – أيضاً – بطواف الركن وذلك لأنه ركن من أركان الحج ويسمى طواف الصدر لأنه يفعل بعد الصدور من منى : فهذه أربعة أسماء له ، و المذهب أن طواف الوداع هو طواف الصدر .
وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج ، وقد قال تعالى : ) وليطوفوا بالبيت العتيق ( وثبت في الصحيحين أن النبي e : ( سأل عن صفية أم المؤمنين فقيل له : إنها حائض فقال : أحابستنا هي ؟ فقيل له : إنها قد أفاضت يوم النحر ((أي طافت طواف الإفاضة )) فقال : اخرجوا ) أي اخرجوا من مكة ، فظاهر هذا أنها لو لم تطف طواف الإفاضة لحبستهم حتى تطوفه فدل على أنه ركن من أركان الحج ولا خلاف بين أهل العلم في هذا وأنه ركن على المفرد والقارن والمتمتع .
قوله : [ وأول وقته بعد نصف ليلة النحر ]
هذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي ، وأن طواف الزيارة يبدأ وقته إذا انتصف الليل من ليلة النحر إن كان قد وقف بعرفة و إلا فبعد الوقوف بها فلا ينعقد قبله لقوله تعالى ) ثم ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (
واستدلوا : بحديث أم سلمة المتقدم وقد تقدم بيان تضعيفه وإنكار الإمام أحمد له .
وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر وهو الراجح لأن النبي e إنما طاف يوم النحر وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) ففي الصحيحين من حديث ابن عمر قال : ( أفاض النبي e يوم النحر - أي طاف طواف الإفاضة- ثم رجع إلى منى ) .
فالنبي e إنما طاف طواف الإفاضة يوم النحر كما في حديث ابن عمر ، وحديث غيره كحديث جابر في مسلم ، ولأنه من عبادات يوم النحر فلم يجزئ قبله وقد تقدم نحو هذا في الرمي .
فعلى ذلك من طاف قبل طلوع الفجر فإنه لا يجزئه ذلك سواء كان من الأقوياء أو الضعفة .
فالراجح أن أول وقته طلوع الفجر يوم النحر .
قوله : [ ويسن في يومه ]
أي المستحب أن يكون في يوم النحر لفعل النبي e وتقدم .
قوله : [ وله تأخيره ]
أي تأخيره مطلقاً .
قال جمهور العلماء له تأخيره ما بقى حياً ، لأن الله عز وجل قال : ) وليطوفوا بالبيت العتيق ( ولم يبين وقتاً لانتهائه وإنما اختلفوا في لزوم الدم بتأخيره .
فأوجبه الأحناف إذا ذهبت أيام منى .
وأما المالكية فأوجبوا الدم إذا انسلخ شهر ذي الحجة ولم يطف .
وأما الحنابلة والشافعية فلم يوجبوا الدم مطلقاً ، وتقدم النظر في هذا في الدرس السابق .
و ذهب ابن حزم إلى أنه إذا خرج شهر ذي الحجة فلا يصح الإتيان بالطواف ولا غيره من أركان الحج.
قوله : [ ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً . أو غيره ولم يكن سعى مع طواف القدوم ]
يسعى بين الصفا والمروة يوم الحج الأكبر قسمان من الناس :
القسم الأول : المتمتعون فإنهم يسعون بين الصفا والمروة .
القسم الثاني : القارنون والمفردون إذا لم يسعوا عند قدومهم هذا مذهب جمهور العلماء وأن القارن والمفرد إنما يجب عليه سعي واحد ، فإذا سعى عند قدومه أجزأه عن السعي يوم الحج الأكبر ، وإن تركه عند قدومه فطافه يوم الحج الأكبر أو بعده فإنه يجزئه ذلك ودليل هذا حديث عائشة المتقدم وكانت قارنة فقال لها النبي e : ( يسعك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة عن حجتك وعمرتك ) .
وأما المتمتعون فجمهور العلماء - المالكية والشافعية والأحناف والحنابلة - على أنه يجب عليهم أن يطوفوا بالصفا والمروة طوافين طوافاً لعمرتهم وطوافاً لحجهم أي يجب عليهم سعيين سعي لحجهم وسعي لعمرتهم .
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة المتقدم وفيها أنها قالت في المتمتعين : إنهم طافوا بعد أن رجعوا من منى طوافاً آخر " تقدم سياقه " .
واستدلوا : بما رواه البخاري في صحيحه قال البخاري : قال أبو كامل الفضل بن حسين ثم ساق بسنده إلى ابن عباس وفيه : أن ابن عباس قال : ( وأمرنا عشية التروية أن نهل بالحج - فهم متمتعون والقارنون والمفردون ما زالوا على إهلالهم المتقدم من ميقاتهم - فإذا فرغنا من المناسك طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي ) .
وعن الإمام أحمد واختار هذه الرواية شيخ الإسلام أن المتمتع لا يجب عليه إلا سعي واحد بين الصفا والمروة فإذا سعى للعمرة أجزأ ذلك عن الحج ، واستدل رحمه الله بما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال : ( ولم يطف النبي e ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ) .
قالوا : وهذا في المتمتعين كما هو في القارنين والمفردين بدليل أن جابر كان من المتمتعين فقد ثبت في مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر أنه قال : ( فقربنا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب أي بعد العمرة فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا طوافنا الأول بالصفا والمروة ) .
وأجاب شيخ الإسلام عن حديث عائشة المتقدم بقوله : ( قيل : إنه من قول الزهري ) أي قوله : ( فطاف الذين تمتعوا بعد أن رجعوا من منى طوافاً آخر ).
ولا شك أن هذا الحديث الثابت في الصحيحين لا يرد بمثل هذا ، وهو قوله : ( قيل إنه من قول الزهري ) فلا يعلل بمثل هذا القول المحكي المضعف بقوله " قيل " فعلى ذلك حديث عائشة حديث صحيح متفق عليه فلا يعلل بمثل هذا .
وأما حديث ابن عباس فأعل بأن البخاري لم يسمعه من أبي كامل الفضل بن حسين ، فإنه قال في صحيحه " قال أبو كامل " ولم يقل : حدثنا فعلى ذلك هو منقطع .
والصحيح أن مثل هذه اللفظة : ( قال ) أنها إما أن تكون من باب العنعنة كما هو مذهب جمهور العلماء ولذا غلطوا ابن حزم في رده حديث المعازف ، فإنه لما ضعف حديث المعارف لقول البخاري : " قال " ردوا مقالته تلك وقالوا : إن هذا من باب العنعنة ، وأبو كامل من شيوخ البخاري وقد عاصره معاصرة كبيرة فهو من شيوخه فإذا قال : ( قال ) فكما لو قال : ( عن ) والبخاري ليس معروفاً بالتدليس اتفاقاً فعلى ذلك تحمل روايته على السماع.
وإنما صرفها إلى هذه العبارة ؛ قيل : لأنه أخذ هذا عَرْضاً وبمناولة أومذاكرة – فلم يصرح بالتحديث لذلك.
وإما أن تكون من باب التعليق : وإن قلنا إنه معلق فإن معلقات البخاري صحيحة حيث جزم بها فإن القاعدة عند أهل العلم أن ما جزم به البخاري من المعلقات عما كان من الطبقات العليا أنه صحيح إلى من جزم إليه ، فكيف إذا كان المجزوم إليه به من شيوخه لا شك أنه أولى بالقبول .
على أن الحديث ثبت موصولاً فقد رواه مسلم خارج صحيحه موصولاً ، ورواه الإسماعيلي في مستخرجه موصولاً ، ورواه عنه البيهقي في سننه موصولاً ، فالحديث ثابت موصولاً . فعلى ذلك الحديث صحيح ثابت قطعاً عن النبي e فلا وجه لتضعيف الحديث .
وأجاب أهل القول عن حديث جابر فإنه مشكل في هذا الباب : أجابوا عنه بأن مراده القارنون بدليل ذكره النبي e وقد كان قارناً فإنه قال : ( لم يطف النبي e ولا أصحابه إلا طوافاً واحداً ) قالوا : فهذا المحكي عن جابر إنما كان في القارنين .
وهذا فيه نظر – أي هذا الجواب – لما تقدم من قول جابر في روايته الأخرى قال : ( فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا طوافنا الأول بالصفا والمروة ) فدل على أنه من المتمتعين .
و الوجه الثاني : القول بالترجيح لا بالجمع فيقال : عندنا إثبات ونفي فابن عباس يثبت الطواف بالصفا والمروة وكذلك عائشة فإنها تثبته ، وأما جابر فإنه ينفي ذلك ، ولا شك أن المثبت مقدم على النافي ، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ فحفظت لنا عائشة وابن عباس أن المتمتعين قد طافوا بالصفا والمروة طوافاً آخر ، وأما جابر فقد نفى ذلك ، ولا شك أن المثبت مقدم على النافي.
و أيضاً : قد ثبت حديث عائشة في الصحيحين وأما حديث جابر فهو في مسلم ولا شك في ترجيح أحاديث الصحيحين على أحاديث مسلم كما أن حديث ابن عباس ثابت في البخاري فهو مرجح على حديث جابر حيث هو ثابت في مسلم .
و كذلك : إن إثبات السعي بين الصفا والمروة للمتمتعين يوم الحج الأكبر ثابت عن صحابيين ونفي ذلك ثابت عن صحابي واحد ولا شك أن ترجيح ما ثبت عن راويين أولى من ترجيح ما ثبت عن راو واحد .
على أن رواية أبي الزبير – وهو نوع آخر من أنواع الترجيح ، رواية أبي الزبير التي فيها أن جابر حكى ذلك عن المتمتعين -فيها كلام لبعض أهل العلم حيث وردت بالعنعنة ونحن وإن كنا لا نقر هذا القول في أحاديث مسلم التي لم يرد ما يخالفها فيقتضي إنكارها لكن في باب الترجيح هذا سائغ فإن هذه الرواية تخالف ما ثبت في الصحيحين فإن قوله : ( فقربنا النساء ) قد ورد من حديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة ، بخلاف حديثه الأول فقد ورد بالتحديث ولا شك أن قوله : ( ولم يطف النبي e ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ) يمكن حمله - جمعاً بينه وبين حديث ابن عباس وعائشة - على أصحابه القارنين كما تقدم ، لكن منعنا هذا سابقاً لورود هذه الرواية ، لكن ورودها من حديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة يجعل في النفس شيئاً من هذه الرواية .
وهنا وجه آخر من أوجه الترجيح : وهو أن العمرة يثبت بعدها التحلل التام من لبس الثياب ومس النساء ونحو ذلك فانفصلت انفصالاً تاماً عن الحج فوجب للحج سعي آخر حيث هو منسك آخر منفصل عن المنسك الأول وهو العمرة .
فعلى ذلك الصواب مذهب جمهور العلماء خلافاً لإحدى الروايتين عن الإمام أحمد .
وما ذهب إليه الجمهور هو الرواية المشهورة المعتمدة عند الحنابلة كما أن هذا القول أحوط فهو متعلق بركن من أركان الحج وهو السعي بين الصفا والمروة .
قوله : [ ثم قد حل له كل شيء ]
أي حتى النساء ، فإذا طاف بالبيت القارن أو المفرد وطاف وسعى المتمتع فقد حل له كل شيء ففي الصحيحين من حديث ابن عمر قال : ( ثم طاف بالبيت – أي النبي e – ثم حل له كل شيء حرم عليه ) .
وأما أن المتمتع لا يحل التحلل التام حتى يسعى فلقول ابن عباس في الحديث المتقدم – في أمر النبي e قال : ( فإذا فرغنا من المناسك طفنا البيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا ) ففيه أنه لا يتم حجهم إلا بعد السعى بين الصفا والمروة .
قوله : [ ثم يشرب من ماء زمزم ]
لما ثبت في حديث جابر في سياقه لصفة حج النبي e قال : ( ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون فناولوه دلواً فشرب ) وذلك بعد طوافه للإفاضة .
قوله : [ لما أحب ]
لما أحبه من خيري الدنيا والآخرة ففي مسند أحمد وسنن ابن ماجه والحديث حسن بشواهده أن النبي e قال: ( ماء زمزم لما شرب له ) .
قوله : [ ويتضلع منه ]
أي يشرب حتى يرتوي وحتى يمتليء ما بين أضلاعه.
واستدلوا : بما روى ابن ماجه أن النبي e قال : ( إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم ) لكن الحديث إسناده ضعيف ، فإن فعل فهو حسن لأن هذا الماء مبارك.
قوله : [ ويدعو بما ورد ]
وذكروا في هذا : أنه يقول : ( اللهم اجعله لنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً ورياً وشبعاً وشفاء من كل داء اللهم اغسل به قلبي واملأه من حكمتك ) ، ولم يرد هذا عن النبي e وإنما روى بعضه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنه وإسناده لا يصح . فليس هذا وارداً عن النبي e ولا عن ابن عباس لكن إن دعا به فهو دعاء حسن .
قوله : [ ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال ]
أي يرجع من مكة إلى منى .
وقد تقدم أنه يفيض إلى مكة ضحى فيطوف بها طواف الزيارة فهل يستحب له أن يصلي الظهر بمنى أو يستحب له أن يصليها بمكة ؟
ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي e : ( أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى ) ففيه أن النبي e صلى الظهر بمنى . لكن في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم قال : ( فصلي الظهر بمكة ) .
والجمع بينهما فيما ذكره النووي وغيره أن النبي e : صلى الظهر بمكة ثم صلاها تطوعاً بأصحابه بمنى كما صلى النبي e صلاة الخوف مرتين في حديث تقدم فصلى المكتوبة بطائفة ركعتين ثم صلاها بطائفة أخرى ركعتين فهنا كذلك وبهذا يجمع بين الحديثين .
" فيبيت بمنى ثلاث ليال " : ليلة الحادي عشر ، وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر أي ليالي التشريق ، وهذا لمن تأخر .
أما من تعجل فإنه يبيت ليلتين ليلة الحادي عشر والثاني عشر وينفر من منى إذا رمى بعد زوال الشمس من اليوم الثاني عشر .
والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج ففي الصحيحين أن النبي e ( رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى لأجل سقايته ) فترخيص النبي e له لعذره يدل على أن من لا عذر له يجب عليه أن يبيت بمنى إذ ضد الرخصة العزيمة : فترخيص النبي e للعباس يدل على أن هذا الحكم وهو المبيت بمنى عزيمة على غيره من الحجاج .
قوله : [ فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات ويجعلها يساره ويتأخر قليلاً ويدعو طويلاً ، ثم يرمي الوسطى مثلها ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها ]
" فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف " : وهو المسجد المعروف ، فيرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف وهي أبعد الجمار عن مكة ، فيرميها بسبع حصيات يكبر الله مع كل حصاة .
" ويجعلها عن يساره " : إذا رماها بسبع جعلها عن يساره أي أخذ ذات اليمين ، وليس هذا في الحديث الذي سيأتي ذكره إن شاء الله لكن لعلهم إنما استحبوا ذلك من باب استحباب التيامن فإن النبي e كان يعجبه التيامن .
" ويتأخر قليلاً " : أي يسهل فيأخذ مكاناً سهلاً ويتأخر عن الناس وعن حطمتهم وزحامهم.
" ويدعو طويلاً ": فيدعو الله بدعاء طويل يرفع يديه ويستقبل القبلة .
" ثم الوسطى مثلها ": فيأتي الجمرة الوسطى فيرميها بسبع حصيات يكبر الله إثر كل حصاة ثم يأخذ ذات الشمال .
ففي الجمرة الأولى يأخذ ذات اليمين أما هنا فيأخذ ذات الشمال أي يجعل الجمرة عن يمينه ثم يسهل مستقبل القبلة كما تقدم ويرفع يديه قائماً ويدعو دعاء طويلاً .
" ثم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه " : أي يجعل الجمرة عن يمينه ليكون مستقبلاً للقبلة.
" ويستبطن الوادي ولا يقف عندها " : أي يكون في بطن الوادي ولا يكون في أعلاه .
" ولا يقف عندها " : بدعاء ولا غيره .
وفي قول المؤلف هنا أنه يجعلها عن يمينه نظر ، بل الثابت عن النبي e ما تقدم في الصحيحين عن ابن مسعود في جمرة العقبة جاعلاً مكة عن يساره ومنى عن يمينه وقال : ( هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ) .
فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ثم يرميها بسبع حصيات يكبر الله إثر كل حصاة .
ودليل هذه الصفة في الرمي ما ثبت في البخاري عن ابن عمر : ( أنه كان يرمي الجمرة الدنيا : أي القريبة إلى الخيف " بسبع حصيات يكبر الله إثر كل حصاة ثم يسهل ) ولم يذكر أنه أخذ ذات اليمين لكن تقدم أنه يستحب لحديث ( كان يعجبه التيامن ) فيستقبل القبلة ويقوم طويلاً ويرفع يديه يدعو ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال ثم يسهل فيقوم فيستقبل القبلة فيرفع يديه طويلاً يدعو ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ثم يقول : ( هكذا رأيت النبي e يفعله " أي الرمي " ) .
وليس فيه أن النبي e استقبل القبلة عند رمي جمرة العقبة ولا غيرها وثبت كما تقدم في حديث ابن مسعود في الصحيحين أنه رمى جمرة العقبة جاعلاً مكة عن يساره ومنى عن يمينه .
وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : أن ابن عمر ( كان يقف عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة ) ، وفي موطأ مالك بإسناد صحيح : ( أنه كان يذكر الله عند الجمرتين ويكبره ويهلله ويحمده ويدعو ).
و الظاهر أنه لا يقف عند جمرة العقبة لأن الدعاء إنما شرع في جوف العبادة لا بعدها و لذا لا يشرع أيضاً الدعاء على المروة في آخر الأشواط.
قوله : [ يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق ]
في اليوم الأول من أيام التشريق وهو اليوم الحادي عشر ، وفي اليوم الثاني وهو اليوم الثاني عشر وفي اليوم الثالث وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة .
قوله : [ بعد الزوال ]
لحديث جابر المتقدم وفيه : ( كان النبي e يرمي جمرة العقبة ضحى وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس ) وفي البخاري عن ابن عمر قال:( كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا ) .
هذا هو مذهب جمهور الفقهاء وأن الرمي لا يصح إلا بعد زوال الشمس لا في اليوم الأول من أيام التشريق، ولا في اليوم الثاني وهو يوم النفر الأول ، ولا في اليوم الثالث وهو يوم النفر الثاني ، لا يجوز ولا يجزئ الرمي قبل الزوال لأنه يخالف هدي النبي e وكل ما كان على خلاف أمره فهو رد .
وقال إسحاق : يجزئه أن يرمي قبل الزوال في يوم النفر الثاني أي اليوم الثالث عشر.
وهو قول أبي حنيفة ، وخالفه في ذلك صاحباه ، وهو مروي عن ابن عباس عند البيهقي بإسناد ضعيف وهو قول طاووس – أنه يجوز له أن يرمي في اليوم الثالث عشر قبل زوال الشمس .
و ذلك : لأن يوم النفر الثاني لا يجب في الأصل مبيت ليلته ولا الرمي إلا لمن اختار التأخر فخففوا في ذلك .
و هذا فيه نظر فإنه و إن خفف فيه حيث اختار فإنه يجب عليه مبيت تلك الليلة ويجب عليه الرمي و يكون رميه بعد زوال الشمس .
وعن الإمام أحمد وهو رواية عن أبي حنيفة أنه يجوز له أن يرمي في يوم النفر الأول أيضاً قبل زوال الشمس وأن المتعجل يجوز له أن يرمي قبل زوال الشمس .
وقوله r : ( لتأخذوا عني مناسككم ) يدل على أنه لا يجزئ الرمي إلا بعد زوال الشمس في الأيام الثلاثة كلها ، وهذا هو الصحيح وهو مذهب جمهور العلماء و هذا هو المشهور في المذاهب الأربعة أن الرمي لا يجزئ إلا بعد الزوال في الأيام الثلاثة كلها إلا ما تقدم من مذهب أبي حنيفة في اليوم الثاني من أيام النفر وخالفه فيه صاحباه .
وأما آخر وقت الرمي فالمذهب تصح هنا و أنه ينتهي بغروب الشمس لأثر ابن عمر في البيهقي بإسناد صحيح " من نسي الجمار حتى غربت الشمس فلا يرمِ حتى زوال الشمس من الغد" ، و مذهب الجمهور جوازه ليلاً.
قوله : [ مستقبل القبلة ]
و تقدم.
قوله : [ مرتباً ]
فيجب عليه أن يرميها بالترتيب فيرمي الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة .
فإذا نكَّسها فإنه لا يجزؤه ذلك – إلا في الأولى - لأنه خلاف هدي النبي e وأمره وقد قال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) وقال : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) وهديه أنه رمى الجمرة الأولى فالوسطى فالعقبة .
قوله : [ فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه ويرتبه بنيته ]
فيبدأ باليوم الأول فيرمي جمرة العقبة ثم يرمي الأولى فالوسطى فالعقبة عن اليوم الأول ، ثم يرمي الجمرة الأولى فالوسطى فالعقبة عن الثاني ، ثم الجمرة الأولى فالوسطى فالعقبة عن اليوم الثالث ، لأن الشارع قد رتب ذلك وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم ).
إذن يجزئه أن يرمي في اليوم الثالث عن الأيام قبله . هذا باتفاق العلماء .
واستدلوا : بما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي e ( رخص لرعاء الإبل بالبيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد وما بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر ) فجمعوا بين اليوم الحادي عشر والثاني عشر .
وفي رواية لأبي داود : ( يرموا يوماً ويدعوا يوماً ) فعلى ذلك : إذا رمى في اليوم الثاني عشر عنه وعن اليوم الحادي عشر مرتباً أجزأه ، وإذا رمى في اليوم الثالث عشر عنه وعن الثاني عشر والحادي عشر أجزأه ذلك باتفاق العلماء ، لهذا الحديث الثابت .
لكن اختلفوا هل هذا من باب القضاء أم من باب الأداء ؟
فقال الجمهور : هو من باب الأداء فعلى ذلك لا دم عليه لأنه قد فعل العبادة في وقتها .
ويشبه هذا : الوقت الضروري للصلاة ، فعند اصفرار الشمس مثلاً يجوز صلاة العصر ويجزئ لأهل الأعذار ، وهو وقتها وليس من باب القضاء بل من باب الأداء .
وقال الأحناف : هو من باب القضاء فعليه دم .
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأن النبي e لم يوجب على رعاء الإبل وقد جمعوا لم يوجب عليهم دماً ، ولأن ابن عمر قال فيمن نسى رمي الجمار حتى غربت الشمس أنه يرمي من بعد الزوال ولم يوجب عليه ابن عمر شيئاً .
فعلى ذلك الراجح أنه لا دم عليهم .
لكن الأظهر أن ذلك لا يجوز وأن الواجب عليه أن يرمي كل يوم في يومه لأن هذا هو فعل النبي e وقد قال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) ويشبه هذا كما تقدم الوقت الضروري للصلاة ، فإنه لا يجوز للمسلم أن يؤخر صلاة العشاء حتى ينتصف الليل ، لكن إن صلاها بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر فإنه وقت أداء لا وقت قضاء والصلاة تجزئه ولا شيء عليه فهذا من هذا الباب .
و المذهب أنه يعد تاركاً الأفضل ، و الأظهر عدم الجواز و هو مذهب الحنفية و المالكية.
· وجمهور العلماء لا يرون جواز الجمع في الرمي إلا تأخيراً فليس له أن يرمي في اليوم الحادي عشر عنه وعن الثاني عشر بل لا يجزئه إلا أن يكون ذلك من باب التأخير ، و قد يقال بالجواز.
و هو ظاهر الحديث و قد صرح به طائفة من شراح هذا الحديث فإن الحديث قال : ( يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ) فأطلق قول ذلك على أنه يجوز تقديماً وتأخيراً كما أن هذا مقتضى قولهم – أي إجزاء ذلك – فإنهم قالوا وقتها وقت واحد ومقتضى ذلك جواز التقديم كالتأخير كالجمع بين الصلاتين لعذر تقديماً و تأخيراً لأنه وقت لهما للعذر ، فكذلك يجوز أن يرمي تقديماً لأنه وقت لهما.
· وظاهر مذهب الحنابلة أنه يجوز له أن يرمي يوم النحر كذلك أي أن يدخله في هذا ، فلو رمى في اليوم الثالث عشر عن يوم النحر وأيام التشريق أجزأه ذلك ، هذا مذهب الحنابلة .
والأظهر أن يوم النحر يوم مستقل بنفسه ، لأن ابتداء وقت الرمي فيه يختلف عن بقية الأيام.
ولما تقدم عن ابن عمر في أمره زوجته وبنت أختها أن يرميا ليلاً وأما أيام التشريق فإنه رأى أن يرمي من الغد لتوافق الوقت المشروع للرمي لأن أيام التشريق كاليوم الواحد وأما يوم النحر فهو يوم مستقل بوقته .
فالأظهر أن يوم النحر لا يدخل في هذا ، وهو مذهب بعض العلماء واختاره الشنقيطي في أضواء البيان ، فليس لأحد أن يؤخره إلى الغد فإن أخره فعليه دم .
واعلم أنه يجب أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات وهو مذهب جمهور أهل العلم ، لقوله عليه الصلاة والسلام ( لتأخذوا عني مناسككم ).
و لا يصح رمي الوسطى حتى يرمي الدنيا بسبع ، و كذا العقبة لا يصح رميها حتى يرمي الوسطى بسبع.
فإن شك في أنه أسقط حصاة جعلها من الأولى فيتمها ثم يرمي الأخرى مرتباً ليبرأ منه بيقين.
و إن أسقط حصاة أو حصاتين من الأخيرة فعليه طعام مسكين عن كل حصاة كما في الشعره ، وإن كان أكثر فعليه دم و لو كان الترك من غير الأخيرة لم يصح ما بعدها حتى يتمها.
و عن أحمد لا شيئ في ترك الحصاتين و عنه لا شيئ في ترك حصاة واحدة.
ودليل هذا : ما رواه النسائي وأحمد عن سعد قال : ( رجعنا في الحجة مع النبي e وبعضهم يقول : رميت بسبع حصيات ، وبعضهم يقول رميت بست حصيات فلم يعب بعضهم على بعض ) .
وأما دليل جمهور العلماء فقالوا : إن النبي e رمى بسبع حصيات وقال : ( لتأخذوا عني مناسككم ) .
وأما هذا فهو أثر عن بعض الصحابة ولم يثبت لنا أنه بلغ رسول الله e فلا يخالف به سنته وهذا القول هو الراجح وأنه يجب أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات ، فشرط الرمي أن يكون بسبع حصيات .
قوله : [ فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم ]
" إن أخره عنه " : أي أخر الرمي عن أيام التشريق فقد تقدم أنه يجزئه أن يرمي في اليوم الثالث عشر عن الثاني عشر والحادي عشر عند جمهور العلماء .
لكن إن أخره فرماه بعد أيام التشريق كأن يرميه في الرابع عشر من ذي الحجة فعليه دم لأن العبادة فعلت في غير وقتها فلم يجزئ فيكون تاركاً لشيء من النسك ، ومن ترك شيئاً من النسك فعليه دم كما صح ذلك عن ابن عباس في موطأ مالك أنه قال : ( من نسي شيئاً من نسكه أو تركه فليهرق دماً ) .
وهذا هو حجة جمهور العلماء في إيجاب الدماء ، فليس في ذلك حديث عن النبي e وإنما هو أثر عن ابن عباس لكنه حجة لأنه لا يعلم له مخالف .
فمن ترك من نسكه من رمى أو غيره أو نسيه فعليه أن يهريق دماً .
قوله : " أو لم يبت بها " : أو لم يبت بمنى بل بات بمكة لغير عذر فعليه دم لما تقدم من ترخيص النبي e لرعاء الإبل بالبيتوتة عن منى قالوا : فترخيصه يدل على إيجاب المبيت ، وترخيص النبي e للعباس يدل على العزيمة في المبيت ، فهي شيء من النسك ومن ترك شيئاً من النسك فعليه أن يهريق دماً .
و إن ترك ليلة واحدة فعليه إطعام مسكين لأنها ليست نسكاً بمفردها بخلاف المبيت بمزدلفة ، و اختار الموفق أن عليه دماً و هو رواية عن أحمد و المذهب أظهر.
قوله : [ ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب ]
فمن أراد أن يتعجل فيكتفي بالمبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر ورميهما فعليه الخروج من منى قبل غروب الشمس .
قوله : [ وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد ]
فإن لم يخرج قبل غروب الشمس من منى فإنه يلزمه أن يبيت بمنى تلك الليلة وأن يرمي من الغد بعد زوال الشمس لقوله تعالى : ) فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ( فجعل اليومين ظرفاً للتعجل واليوم ينتهي بغروب شمسه فإذا غربت الشمس انتهى اليوم.
فإذن : التعجل في اليومين رخصة لمن خرج من منى قبل غروب الشمس أما إذا غربت عليه الشمس ودخل الليل من ليلة الثالث عشر فإنه يجب عليه المبيت والرمي بعد زوال الشمس .
ولما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر : قال : ( من غربت عليه الشمس من وسْط أيام التشريق " وهو اليوم الثاني عشر وهو يوم النفر الأول " فلا ينفر ثم ليرم الجمار من الغد ) و هو ثابت عن عمر كما عند ابن المنذر و غيره ، ولا يعلم لهما مخالف وهذا هو مذهب جماهير العلماء ، وأن من غربت عليه الشمس فلا يجوز له التعجل بل يجب عليه أن يبيت بمنى تلك الليلة ويرمي الجمار بعد زوال الشمس . لكن إن ارتحل فحبسه الزحام فلا حرج عليه أن يدفع لأنه بغير اختياره.
· واعلم أن ما تقدم من جواز الرمي - أي الجمع فيه - في اليوم الثالث عشر للمعذورين وأنه لا دم عليه لحديث البيتوتة بمنى لرعاء الإبل وكانوا معذورين في ذلك – يلحق به كل معذور من مريض أو خائف فوات مال ونحوهما.
وهذا له صور ، فإن كثيراً من النساء يشق عليهن أن يرمين في يوم النفر الأول ، فلا حرج عليهن ألا يرمين في الثاني عشر ويؤخرنه إلى الثالث عشر للعذر فإن الزحام في ذلك اليوم شديد.
ويستحب للإمام أن يخطب الناس في وسط أيام التشريق لثبوت ذلك عن النبي e في أبي داود بإسناد صحيح أن النبي e : ( خطب في وسط أيام التشريق ) فيستحب للإمام أن يخطب في الحادي عشر بالناس فيعلمهم المناسك في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر وفي طواف الوداع ونحو ذلك من المسائل .
فإذا تعجل أو تأخر فيستحب له أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالأبطح وهو المحصّب ويرقد رقدة ثم يطوف طواف الوداع .
فقد ثبت في البخاري : أن النبي e : ( صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء و رقد رقدة بالمحصب ثم ركب – أي ليلاً – فطاف بالبيت ) وهو طواف الوداع .
وحكمة ذلك أن النبي e أراد أن يظهر فيه شعائر الإسلام من إقامة الصلوات في ذلك الموضع الذي تقاسم فيه الكفار على الكفر من مقاطعته عليه الصلاة والسلام ومقاطعة من آمن معه وناصره من بني هاشم في الشعب الذي حوصروا فيه ومُنعوا من أن يباع لهم شيء من الأرزاق ، فأراد أن يظهر في هذا الموضع هذه الشعائر الإسلامية ففي الصحيحين أن النبي e قال : ( إنا نازلون غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة " وهو المحصب " حيث تقاسموا على الكفر) والمحصب أقرب إلى منى منه إلى مكة.
قوله رحمه الله تعالى : [ فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للواداع ]
إذا أراد الحاج الخروج من مكة فيجب عليه قبل خروجه أن يطوف للوداع ، ويسمى طواف الصدر ، ويسمى بطواف الوداع ؛ لأنه آخر العهد بالبيت ، فهو توديع له من جنس توديع القريب أقاربه عند سفره .
وسمي بطواف الصدر ؛ لأنه يقع عند صدور الناس متوجهين من مكة إلى بلادهم ، كما أن طواف الزيارة تسمى طواف الصدر عند بعض أهل العلم ؛ لأنه يفعل عند الصدور من منى إلى مكة .
ولا مشاحة في التسمية ؛ لوجود العلاقة بينه وبين الاسم في اللفظين كليهما .
وفي قول المؤلف " إذا أراد الخروج " ما يدل على أن من لم يرد الخروج سواء كان مقيما في مكة أو بدت له الإقامة فيها أنه لا يشرع له طواف الوداع ، ولا يجب عليه ؛ لأنه إنما شرع للمفارقين لا للملازمين ، فإن الوداع لا يقع من ملازم مقيم وإنما يقع من مفارق .
ودليل طواف الوداع : ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، إلا أنه خفف عن الحائض " ، أي آخر عهدهم بالبيت طوافاً ، فإن السعي إنما يشرع في حج أو عمرة ، وهذا بالإجماع ، وأن المراد هنا إنما هو الطواف .
ثم إن السعي بين الصفا والمروة لم يكن في البيت ، بل هو خارج عنه .
و هذا الحديث دليل على وجوب طواف الوداع لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قول الصحابي : " أمر الناس " ، وفي قوله : " إلا أنه خفف عن الحائض " ، يدل على وجوبه ؛ لأن السنة مخفف فيها أصلاً.
ولسيت بركن من أركان الحج ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأل عن صفية ؟ فقيل : هي حائض ، فقال : ( أحابستنا هي ؟ ) فقيل : يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر ، فقال : ( اخرجوا ) ، أي اخرجوا من مكة ، فدل هذا على أن طواف الوداع ليس بركن ، إذ لو كان ركنا لما أمر بخروجها مع الناس مع بقاء هذا الركن عليها .
قوله : [ فإن أقام أو اتجر بعده أعاده ]
وقت طواف الوداع هو انتهاء الحاج من جميع أموره ومناسكه للحديث : " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت " ، فهو إنما يشرع حيث أراد الخروج من مكة وانتهى من جميع أموره ، وهذا المعنى الذي تفيده كلمة الوداع، فالوداع إنما يكون عند المفارقة ، فإذا أراد المسافر أن يفارق البلد ودَّع أهله و إخوانه .
فعلى ذلك : إذا طاف طواف الوداع ثم أقام أو اتجر بعده ، فيجب عليه أن يعيده .
وقال الأحناف : بل إن فعله في وقته بعد النفر أجزأ و لو أقام بعده.
وهذا خلاف السنة ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما شرعه بحيث يكون آخر العهد ، وحيث لم يكن آخر العهد فإنه يجب أن يعاد فالراجح مذهب الجمهور خلافاً للأحناف .
ولا خلاف بين أهل العلم أنه إن اشتغل بقضاء حاجة في طريقه أو شراء زاد أو انتظار رفقة و نحو ذلك فإنه لا يجب عليه أن يعيده ، فإن هذا لا ينافي الوداع ، فلا يبطله ، لأن هذا في عرف الناس لا ينافي التوديع ، فإن المودع ربما اشترى حاجة أو قضى غرضاً في طريقه قبل خروجه .
قوله : [ وإن تركه غير حائض رجع إليه فإن شق أو لم يرجع فعليه دم ]
في قوله " غير حائض " : ما يدل على أن الحائض لا يجب عليها طواف الوداع ، بل لا يصح منها .
ودليل ذلك قوله في الحديث : " إلا أنه خفف عن الحائض " ، وفي حديث صفية في قوله ( أحابستنا هي )، فلما قيل له : إنها طافت للإفاضة ، قال : ( اخرجوا ) .
فدل هذا على سقوط طواف الوداع عن الحائض وأنه لا يجب عليها أن تنتظر حتى تطهر ثم تطوف ، بل يسقط عنها ، وإن كان طهرها قريبا ، فما دام أنها انتهت من حجها ومناسكها وأرادت الخروج ، فإنه لا يجب عليها أن تنتظر حتى تطهر ، بل قد خفف عنها ذلك .
وإن طهرت الحائض قبل مفارقة عمران مكة رجعت لأنها في حكم المقيم .
وكذلك النفساء ، فأحكام الحائض ثابتة للنفساء فيما يجب وفيما يسقط ، باتفاق العلماء ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة وقد حاضت : " لعلك نفست " ، ومن ذلك سقوط طواف الوادع عنها .
قوله : " وإن تركه رجع إليه " : فمن تركه ممن يجب عليه ، فإنه يرجع إليه ؛ لأنه واجب ، فيجب عليه أن يفعله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ، وهو مستطيع فلا مشقة عليه في الرجوع .
قوله : " فإن شق " : فإذا شق عليه ذلك ، كأن يكون قد بعد بمسافة قصر أو كان دون مسافة القصر، لكن فيه مشقة عليه ، كأن يكون مريضاً يشق عليه تحمل المسافة مرة أخرى ، أو أن يكون قصد رفقة يخشى فواتهم ، فإنه لا يجب عليه الرجوع .
وعندهم المسافة البعيدة هي مسافة القصر فما فوق ، وأما القريبة فهي دون مسافة القصر .
فإذا شق عليه ذلك ، فإنه لا يجب عليه الرجوع ويجب عليه دم ، أو كانت المسافة بعيدة ، فعليه دم .
و المذهب و لو رجع لأن الدم استقر عليه بخلاف القريب و ذكر الموفق إحتمالاً أنه يسقط أيضاً ، و المذهب أظهر لفوات محله و لا دليل على قضاءه.
" أو لم يرجع " : أي كانت المسافة قريبة ولا مشقة عليه في ذلك فلم يرجع ، فإنه يجب عليه دم ؛ لأنه تارك لشيء من نسكه و عليه الأثم أيضاً لتركه الواجب و قدرته على الرجوع بلا مشقة.
إذاً : من لم يرجع سواء كان معذوراً أم لم يكن معذوراً فعليه دم ؛ لعموم قول الصحابي : " من نسي شيئاً من نسكه أو تركه فعليه دم " ، فقوله : " أو تركه " شامل للمعذور وغيره .
قوله : [ وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عنه وداعاً ]
فإذا أخر طواف الإفاضة بعد النهاية من مناسكه من منى في اليوم الثاني عشر أو في اليوم الثالث عشر ، فطاف طواف الإفاضة ، فيجزئه عن طواف الوداع . أي يجزئه أن يخرج بعد هذا الطواف الذي هو طواف الإفاضة ، يجزئه أن يخرج إلى بلده من غير أن يشتغل بطواف الوداع . فلا يجب عليه شيء ولا يعد تاركاً لشيء من نسكه ؛ وذلك لأنه مأمور أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل ذلك ، فطواف الوداع ليس مقصوداً لذاته ، بل المقصود أن يودع البيت بطواف ، وقد ودعه بطواف وهو ركن من أركان الحج ، فأجزأ ذلك عنه ، لكن بشرط ألا ينوي أن يكون للوداع ، فإن نوى أنه للوداع لم يجزئ عن طواف الزيارة ؛ لأن طواف الزيارة ركن من أركان الحج ، وحيث نوى أنه طواف للوداع فإن هذا ينافي كونه للزيارة ، وقد تقدم أن نية الحج تجزئ عن الطواف وغيره من مناسك الحج ، لكن بشرط ألا ينوي نية تنافي ذلك ، وحيث نوى طواف الوداع ، فالنية حينئذ تنافي كونه طواف الزيارة ، فلا يجزئه.
إذاً : إذا نواه طواف زيارة أو اكتفى بنية الحج ، فإنه يجزئه طوافاً للزيارة ويسقط عنه طواف الوداع إن خرج من مكة بعد هذا الطواف . أما إذا نواه طوافاً للوداع فإنه لا يسقط عنه طواف الزيارة ؛ لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج مقصود.
قوله : [ ويقف غير الحائض بين الركن والباب ]
فيشرع أن يقف بين الركن – وهو الحجر الأسود – والباب ، وهو ما يسمى بالملتزم ، فيستحب له أن يقف عنده فليتزمه واضعاً وجهه وصدره وذراعيه وكفيه عليه التزاماً .
لما روى أبو داود في سننه من حديث المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عبد الله بن عمرو استلم الحجر ثم قام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما بسطاً ، وقال : " هكذا رأيت النبي r " .
لكن المثنى بن الصباح ضعيف الحديث ، لكن للحديث شاهد عند أبي داود من حديث عبد الرحمن بن صفوان وفيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف أيضاً ، وله شاهد موقوف عن ابن عباس عند البيهقي وعبد الرزاق في مصنفه ، فهذه يرتقي بها إلى درجة الحسن.
وهو مشروع عند أهل العلم من الحنابلة والشافعية وغيرهم .
إذاً : يستحب له أن يلتزم هذا الموضع وهو ما بين الركن والباب .
قوله : [ داعياً بما ورد ]
لم يثبت عن النبي r دعاء ولم أر هذا يصح عن أحد من الصحابة في هذا الباب ، فلم يصح عنهم دعاء مخصوص في هذا الباب .
لكن ذكروه عن بعض السلف كما ذكر هذا صاحب المهذب قال : " وقد روي هذا عن بعض السلف " .
فذكر الشافعية والحنابلة دعاءً طويلاً في هذا الموضع ، وهو مذكور في المغني وفي الروض المربع وفي سائر كتب الحنابلة والشافعية ، ومطلعه : " اللهم هذا بيتك وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك حملتني وسخرت لي ما خلقت ....." إلى آخره ، وهو دعاء طويل .
لكن هذا الدعاء لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه وإنما ذكروه عن بعض السلف ، ولا بأس بالدعاء به ، فهو من عموم الدعاء الحسن ، لكن من غير اعتقاد أنه سنة بألفاظه ، بل هو من عامة الدعاء الذي لا بأس أن يدعى به في هذا الموضع وغيره .
فالمقصود من ذلك : أنه يلتزم ويدعو بما شاء .
قوله : [ وتقف الحائض ببابه فتدعو بهذا الدعاء ]
أي تقف بباب الحرم فتدعو هذا الدعاء ، لأن الحائض ممنوعة من دخول البيت ، وحيث كان ذلك ، فإنه لا يجوز لها أن تدخل البيت فتلتزم هذا الموضع فتدعو بهذا الدعاء ، وحينئذ فتدعو به عند بابه .
وهذا ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يأمر به صفية ولا غيرها من نساء المؤمنين ، لم يأمرهن بالوقوف عند الباب ودعاء الله بهذا الدعاء ولا غيره . فالصحيح أنه لا يقال باستحبابه .
قوله : [ وتستحب زيارة قبر النبي r وقبري صاحبيه ]
أما إذا كان هذا من غير شد للرحال فنعم ، فإن أفضل زيارة لقبر هي زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيارة قبور أصحابه لاسيما الشيخين ، فلا شك بفضلية زيارة القبور وأن أخص القبور بالزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين ومنهم أبو بكر وعمر ، فعلى ذلك : إن كان ذلك من غير شد رحل ، فإنه من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله عز وجل .
وأما إن كان بشد رحل ، فإنه لا يجوز ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ) .
ومن البدع أن يتمسح بقبره ، فقد قال الإمام أحمد : " أهل العلم كانوا لا يمسونه " أي لا يسمون القبر ولا الحجرة الشريفة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
كما أنه لا يستقبل القبر بالدعاء ، فإذا دعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم استقبل البيت . وحكى شيخ الإسلام النهي عن ذلك باتفاق أهل العلم .
كما أنه من البدع أن يدعو لنفسه عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عند قبر أحد من الناس ، فإن هذا من البدع ، كما نص على هذا شيخ الإسلام ، وأنه لم يثبت عن أحدٍ من الصحابة ، فإن هذا من العبادة ، والقبور لا تتخذ معابداً ومساجداً يعبد الله فيها .
وإنما يدعى لأهل القبور ، فإن دعا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالشفاعة والوسيلة ، فإن هذا دعاء حسن ، وإن دعا لأبي بكر وعمر برفعة الدرجات ونحو ذلك فهو دعاء حسن ، أما أن يدعو لنفسه عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه أو غيرها من القبور فهو من البدع المحدثة .
وما يذكره بعض الفقهاء من الأحاديث في هذا الباب لا أصل له ، كحديث : ( من حج فزار قبرى بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي وصحبني ) رواه الدارقطني وغيره ولا أصل له ، بل هو حديث باطل ، وغير ذلك من الأحاديث في هذا الباب هي أحاديث باطلة ضعفها شيخ الإسلام وغيره ، فلا أصل لهذه الأحاديث .
ولا ارتباط لزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم بالحج .
قوله : [ وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات ]
فإن كان من أهل المدينة ومن أتى على المدينة فميقاتهم ذو الحليفة وهكذا البلدان الأخرى ، ودليل هذا ما تقدم من قوله e : ( هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ) فهذه المواقيت مواقيت للحج والعمرة .
قوله : [ أو من أدنى الحل من مكي ونحوه ]
هذا إذا كان مكياً سواء كان مقيماً في مكة من أهلها أو كان من الزائرين لها ، فإن ميقاتهم هو أدنى الحل من التنعيم أو الجعرانة أو الحديبية أو غيرها مما هو من الحل ، فميقاتهم الحل في العمرة .
وأما ميقاتهم للحج فمن مكة كما في الحديث : ( حتى أهل مكة من مكة ) .
قوله : [ لا من الحرم ]
فليس للمكيين أو من نزل مكة من غير المقيمين أن يهلوا من الحرم ليس لهم ذلك بالاتفاق لأن النبي e أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم كما ثبت ذلك في الصحيحين .
فإن أهلَّ من الحرم ، فالإهلال صحيح مجزئ وعليه دم .
ولا يستحب كما قرر هذا شيخ الإسلام : أن يعتمر المكي أو غيره من النازلين بمكة أن يعتمروا من التنعيم خارجين إليه للعمرة فالعمرة إنما تشرع للقادمين – أي بأن يأتي من خارج مكة قادماً إلى مكة فيعتمر أما أن يتكلف الخروج من مكة للعمرة فليس بمشروع ولا مستحب .
ودليل هذا : أن النبي e – وقد اعتمر مراراً وحج حجة الوداع لم يتكلف هذا ، فلم يخرج من مكة لا إلى التنعيم ولا إلى غيره ليعتمر منه خارجاً من مكة وكذلك أصحابه من المكيين وغيرهم لم يصح عن أحد منهم مع توافر الهمم لنقل ذلك – لم يصح عنهم الخروج من مكة لأجل العمرة لا إلى التنعيم ولا إلى غيره .
ومن هنا أسقط العمرة من أوجبها – أسقطها عن المكيين كما تقدم ، وهو منصوص أحمد ولذا قال ابن عباس – كما في مصنف ابن أبي شيبة وغيره : ( يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت ) ونحوه عن عطاء إمام أهل زمانه في المناسك فإنه كان يقول : ( يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت ) رواه ابن أبي شيبة .
وقال طاووس – كما رواه سعيد بن منصور كما حكى ذلك شيخ الإسلام قال : ( الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري أيؤجرون عليها أم يعذبون ، قيل : فلم يعذبون ؟ قال : لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتى طواف وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء ) .
ولذا لما سئل عطاء وهو إمام أهل مكة – كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه : أنه سئل فقيل له : (أأعتمر من الشجرة " أي من الحديبية أي شجرة الرضوان فقال : لا ) .
فالعمرة خروجاً من مكة إلى الحل ليست بمشروعة و النبي e إنما أذن لعائشة بها تطييباً لخاطرها بعد مراجعتها للنبي e – كما ثبت في الصحيحين – فلم يأمرها بها ولم يستحبها لها وإنما استأذنته وأكثرت عليه فأذن لها وكانت تقول في مصنف عبد الرزاق – فيما حكاه شيخ الإسلام : ( لأن أصوم ثلاثة أيام أو أتصدق على عشرة مساكين أحب إلى من أن اعتمر العمرة التي اعتمرت من التنعيم ) وهي عمرة مجزئه لأن النبي e كما تقدم – أذن لعائشة بها لكنها ليست بمستحبة .
قوله : [ فإذا طاف وسعى وقصر حل ]
إجماعاً فإذا طاف وسعى وقصر أو حلق حل ، وهذا هو فعل النبي e وأصحابه كما تقدم في سياق عمرتهم في حجة الوداع .
قوله : [ ويباح كل وقت ]
أي في أشهر الحج وغيرها .
وأما ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنها لا تشرع في أشهر الحج فهذا قد أبطله الإسلام بل عُمر النبي e كلها كانت في أشهر الحج ، فله أن يعتمر في أشهر الحج وغيرها بل لو اعتمر في يوم عرفة أو في يوم النحر ممن ليس متلبساً بحج لأجزأه ذلك إذ لا دليل يدل على المنع من ذلك .
وأفضلها العمرة في رمضان كما في الصحيحين أن النبي e قال : ( عمرة في رمضان تعدل حجة ) وفي مسلم : ( تقضى حجة أو حجة معي ) .
وله أن يكررها في السنة مراراً ، فلو اعتمر في كل شهر أو في كل شهرين فإنه لا بأس بذلك لإطلاق النبي e في قوله : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) متفق عليه . فقد أطلق النبي e ولم يقيد وقال فيما رواه الترمذي : ( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة ) فأطلق النبي e ، فدل على أن العمرة بعد عمرة أخرى تصح من غير توقيت إلا ما تقدم استثناؤه من أن يعتمر خارجاً من مكة فإن هذه عمرة غير مشروعة ، فلو اعتمر بعد أيام يسيرة أجزأ ذلك .
إلا أن الإمام أحمد قال : ( لابد للعمرة من حلق أو تقصير وفي عشرة أيام يمكن الحلق ) وروي هذا عن أنس كما عند الشافعي : أنه كان إذا حمَّم رأسه " يعني خرج بحيث يمكن حلقه " فإنه يعتمر .
لكن الحديث المتقدم مطلق فله أن يكرر ذلك ما شاء على ما تقدم تقريره
قوله : [ وتجزئ عن الفرض ]
في أي وقت أداها و كذا عمرة من خرج إلى التنعيم أو نحوه تجزئ عن الفرض لحديث عائشة.
قوله : [ وأركان الحج الإحرام والوقوف ]
الإحرام : تقدم تعريفه وهو نية الدخول في النسك وهو ركن وتقدم دليله وهو حديث : ( إنما الأعمال بالنيات )
" والوقوف " بعرفة وهو ركن وتقدم دليله .
قوله : [ وطواف الزيارة والسعي ]
فطواف الزيارة ركن وتقدم دليله وكذلك السعي فإنه ركن .
· واعلم أن مذهب جمهور العلماء أن السعي ركن من أركان الحج وهو رواية عن الإمام أحمد وهي المشهورة عنه .
وذهب الأحناف وهو قول طائفة من الحنابلة كالقاضي والموفق : أنه واجب يجبر بدم ، وهو رواية عن الإمام أحمد .
وقيل : إنه سنة وهو رواية عن الإمام أحمد .
فعن الإمام أحمد في السعي بين الصفا والمروة الحج والعمرة ثلاث روايات .
أما من قال : إنه سنة ، فاستدل بقوله تعالى : ) إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( فنفي الجناح يدل على أن الطواف بالصفا والمروة ليس بواجب .
وهذا استدلال باطل أبطلته عائشة رضي الله عنها – كما في الصحيحين – فقالت لعروة : ( بئسما رأيت ) عندما استدل بما تقدم وبيان بطلان التفسير من أوجه:
الأول : أن الله قال : ) إن الصفا والمروة من شعائر الله ( فجعله من شعائره ، وشعائر الله وشعائر الحج لا يجوز أن تحل قال تعالى : ) ولا تحلوا شعائر الله ( والطواف بين الصفا والمروة من شعائره ومن شعائر الحج ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب
الثاني : أن الله عز وجل لم يقل : ) فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ( كما بينته عائشة في روايتها فإن قال: ) فلا جناح عليه أن يطوف بهما ( ولو كان المقصود هو نفي الإيجاب لقال : ) ألا يطوف بهما ( أي لا إثم عليه ألا يطوف فلا يقال : لا إثم عليه أن يطوف لأن الكلام هل يثبت الإثم في تركه وعدم الطواف أم لا ؟
الثالث : أن سبب نزول هذه الآية هو تحرُّج وقع من بعض الأنصار – كما ثبت هذا عن عائشة في الحديث المتقدم ، فكان الجواب لرفع الحرج والجناح ، لأن السؤال وقع من أناس تحرجوا ورأوا الجناح في الطواف بالصفا والمروة لاعتقاد كانوا يعتقدونه في الجاهلية فأتى الجواب ينفي الجناح بناءً على سؤالهم .
وأما دليل من قال بالركنية وهو قول الجمهور فهو ما ثبت في مسلم عن عائشة قالت : ( طاف النبي e وطاف المسلمون فكانت سنة فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة ) ومرادها بالسنة الفرض.
وكذلك ما تقدم من قول ابن عباس : ( أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا ) فرتب تمام الحج على الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة فدل على أنه لا يتم الحج إلا بهما .
وما ثبت في المسند والحديث صحيح أن النبي e قال : ( اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ) .
ولفعل النبي e وقوله : ( لتأخذوا عني مناسككم ) .
أما دليل من قال بالوجوب وهم الأحناف ومن وافقهم فهي هذه الأدلة لكن قالوا : هي لا تدل إلا على الوجوب ، وهذا ضعيف .
فإن الأدلة المذكور بعضها تدل على الركنية كما تقدم فالراجح مذهب جماهير العلماء وهو ركنية السعي في الحج والعمرة .
قوله : [ وواجباته : الإحرام من الميقات المعتبر له ، والوقوف بعرفة إلى الغروب ]
مجرد الوقوف ركن لكن الوقوف إلى الغروب هذا واجب.
قوله : [ والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى ومزدلفة إلى بعد نصف الليل ، والرمي والحلاق والوداع ]
كل هذا تقدم دليله فهذه واجبات الحج .
قوله : [ والباقي سنن ]
فالاضطباع والرمل وغيره .
ومن ذلك طواف القدوم فهو سنة عند جمهور العلماء ، وذهب المالكية إلى وجوبه ، والأظهر قول الجمهور .
قوله : [ وأركان العمرة ، إحرام وطواف وسعي ]
قوله : " الإحرام " ليس المراد الموضع ، بل المقصود فيه الدخول في النسك .
قوله : [ وواجباتها : الحلاق ، والإحرام من ميقاتها ]
فهذه واجبات العمرة ، ولم يذكر المؤلف طواف الوداع من واجبات العمرة وهو ظاهر كلام المؤلف وظاهر كلام غيره من الحنابلة أن طواف الوداع ليس بواجب في العمرة فهو نسك من أنساك الحج و هو مذهب جمهور العلماء.
قالوا : لأن النبي e قد اعتمر عدة عُمَر ولم يثبت أنه طاف للوداع ولا أمر به ولو كان ذلك ثابتاً لنقل إلينا ولأن الأصل هو براءة الذمة من أن يتعلق بواجب من الواجبات ، و عليه المذاهب الاربعة و اختاره سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن طواف الوداع واجب في العمرة .
واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين عن النبي e أنه قال لسائل في عمرة الجعرانه : ( اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك ) قالوا : فهذا يدل على أن كل ما يصنع في الحج فيجب أن يصنع في العمرة .
قالوا : وإنما استثني الوقوف بعرفة والرمي وغير ذلك من مناسك الحج التي لم نقل بوجوبها في العمرة لأنها بالإجماع لا تشرع في العمرة فأخرجها الإجماع ، ولأن العمرة متعلقة بالبيت فحسب ولا تعلق لها بغيره بخلاف الحج فإنه يتعلق بالبيت وبغيره فشرعت له تلك المناسك أما العمرة فإنما يشرع لها ما يتعلق بالبيت مما هو ثابت في الحج ، وطواف من ذلك .
وروى الترمذي في سننه أن النبي e قال : ( من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت ) لكن الحديث فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث .
و الأقوى فيما يظهر لي أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج و إنما هو نسك مستقل بنفسه يشرع للخارج من مكة سواءً كان حاجاً أو معتمراً أو غيرهما كما هو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية و اختاره النووي و طائفة من المالكية و الحنابلة فهو متعلق بالبيت توديعاً له .
بدليل أن من طافه ثم أقام فإنه يبطل ويجب عليه أن يعيده ، و بدليل أنه إنما يشرع له إذا أراد الخروج ولو لم يكن ذلك منه إلا بعد سنين طويلة بخلاف مناسك الحج فإنها مشروعة في أيام الحج بالاتفاق ، فإن سائر واجبات الحج وأركانه وسننه إنما تشرع في أيام الحج ، وأما طواف الوداع فإنه يشرع عند إرادة الخروج ولو كان ذلك بعد شهر ذي الحجة ، فدل على أنه لا ارتباط له بالحج و إنما ارتباطه بتوديع البيت للناسكين ، و المعتمر ناسك كما أن الحاج ناسك و كذلك الآفاقي إذا أراد الإقامة بمكة لا وداع عليه.
وهذا المذهب مذهب قوي فيما يظهر لي وهو اختيار الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين و عليه فهو مشروع لكل خارج لكن يقوى أنه يجب على الحاج لظاهر الأدلة و الله اعلم .
أما إذا اعتمر ثم خرج مباشرة فإنه لا يجب عليه طواف الوداع باتفاق العلماء .
قوله : [ فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه ]
رجل لم ينو حجاً أو عمرة فإنه لا ينعقد نسكه لأن الأعمال لا تصح إلا بالنيات : ( إنما الأعمال بالنيات ) فإذا لم ينو الحج أو العمرة فإن حجه أو عمرته لم ينعقد ولا خلاف بين أهل العلم في هذا ، بل هي من مسائل الإجماع .
قوله : [ وإن ترك ركناً غيره لم يتم نسكه إلا به ]
أي إن ترك ركناً غير الإحرام من الأركان الأربعة للحج أو الأركان الثلاثة للحج ، فترك الطواف أو السعي في الحج أو العمرة أو ترك الوقوف في الحج لم يتم نسكه إلا به لأنه ركن ولا تصح العبادات ولا تتم إلا بأركانها وقد قال النبي e – لما قيل له – أن صفية حاضت فقال : ( أحابستنا هي ) ؟ وهذا أيضاً باتفاق العلماء .
قوله : [ ومن ترك واجباً فعليه دم ]
من ترك واجباً سواء كان ذلك سهواً أو جهلاً فإن عليه أن يجبره بدم عند جماهير العلماء .
ودليل ذلك ما تقدم عن ابن عباس أنه قال : ( من نسى من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً ) و لا يعلم له مخالف فكان حجة ، و لا يعقل أن ابن عباس يوجب الدماء في مسائل كثيرة من مسائل الحج في واجباته من غير أن يكون عن سنة ، و هذا الأثر اشتهر أيضاً عن ابن عباس ولا يعلم له مخالف فيه فيكون حجة وإجماعاً .
فإذن من ترك واجباً من واجبات الحج ساهياً أو جاهلاً أو متعمداً فإن عليه دم ، هذا إن لم يتمكن من الفعل، فإن تمكن فعليه أن يفعل فإن لم يفعل فعليه دم .
أما من ترك واجباً من الواجبات عاجزاً عنه معذوراً شرعاً في تركه كمن لم يتمكن من المبيت بمزدلفة لازدحام الناس أو نحو ذلك فإنه لا شيء عليه لأن النبي e لم يوجب ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع .
إن قال قائل : لم فرقنا بين هذه المسألة ومسألة سابقة وهي مسألة الفدية فقلنا : إن من فعل محظوراً من محظورات الإحرام جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه وهنا نقول من ترك واجباً ناسياً أو جاهلاً فعليه دم ؟
فالجواب : أنا فرقنا بمفرق وهو أن هذه واجبات وهذه محرمات فهذه أوامر وهذه نواهي فالأوامر مازال المكلف مطالباً بها وأما النواهي فإنها إن وقعت منه فقد وقع في المنهي عنه فكما لو لم يقع منه حيث كان ناسياً أو جاهلاً ، وأما الأوامر فإنه لا يزال مطالباً بها فحينئذ يجبر هذا بدم .
فمن فعل أمراً محرماً منهياً عنه ليس كمن ترك واجباً .
ولذا فرقنا في مسألة سابقة بين من صلى وعليه نجاسة فقلنا : صلاته صحيحة ، وبين من صلى ولا وضوء عليه فقلنا : صلاته باطلة لأن هذا من باب الأوامر وهذا من باب النواهي .
قوله : [ أو سنة فلا شيء عليه ]
فمن ترك سنة من السنن كالاضطباع والرمل وغيرهما فإنه لا شيء عليه وهذا باتفاق العلماء .
باب الفـــوات و الإحصـــــار
الفوات : مصدر فات أي سبق فلم يُدرك هذا لغة .
أما اصطلاحاً : فهو عدم إدراك الوقوف بعرفة . أي يدخل يوم النحر ولم يقف بعرفة ، فهو لم يدرك عرفة فهذا هو الفوات .
أما الإحصار فهو في اللغة : المنع والحبس .
وفي الاصطلاح : منع المحرم من إتمام نسكه ، كأن يمنع من الوقوف بعرفة أو من طواف الزيارة ، أو يمنع من الحج كله أو العمرة كلها ، فهذا هو الإحصار .
أما الفوات : فهو عدم إدراك عرفة فهو خاص بعرفة .
وأما الإحصار : فهو عام في عرفة وغيرها ، كما أنه عام في الحج والعمرة فهو شامل لهما .
قوله : [ من فاته الوقوف فاته الحج ]
من لم يدرك عرفة قبل أذان الفجر يوم النحر فقد فاته الحج ، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا .
ودليله ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح - وتقدم - أن النبي e قال : ( الحج عرفة فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج ) فمفهوم الحديث أن من لم يدرك عرفة لم يدرك الحج ولا خلاف بين أهل العلم في هذا.
قوله : [ وتحلل بعمرة ]
فمن فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة ، فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق.
قوله : [ ويقضي ]
أي يقضي من العام القادم .
قوله : [ ويهدي إن لم يكن اشترطه ]
أي يهدي من العام القادم إن لم يكن اشترطه أي إن لم يكن قد قال : ( فمحلي حيث حبستني ) فمن اشترط فلا يجب عليه قضاء ولا هدي وإنما الحكم فيمن لم يشترط ذلك .
إذا فاته الوقوف بعرفة فإنه يتحلل بعمرة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر ويجب عليه في العام القادم أن يحج ويهدي مع حجه عن تلك الحجة التي فاته الوقوف بها .
ودليل هذا : ما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح : أن عمر سأله من فاته الوقوف بعرفة فقال : ( اصنع كما يصنع المعتمر " أي طف و اسع و احلق أو قصر " ثم قد حللت فإذا كان من قابل فاحجج و أهد ما تيسر من الهدي ) ولا يعلم له مخالف بل وافقه زيد بن ثابت كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح فلا يُعلم لهما مخالف ، وظاهر الأدلة ، وهو المذهب : أنه يهدي عام القضاء.
وفي قول المؤلف : ( ويقضي ) إطلاق منه سواء كانت هذه هي حجة فريضة أو حجة تطوع فيجب عليه أن يحج من قابل ويهدي وهذا مذهب جمهور العلماء .
أما إن كان الحج الذي قد فسد بالفوات إن كان تطوعاً فهل يقضي أم لا ؟
قولان :
قال الجمهور : يجب عليه القضاء من قابل .
وعن الإمام أحمد ومالك : أنه لا يجب عليه القضاء .
قال أهل القول الأول :
يجب عليه القضاء لظاهر الآثار فإن أثر عمر المتقدم ظاهره أنه عليه الحج من قابل مطلقاً ولم يستفصل عمر أهي حجة تنفل أو حجة فريضة ، فلم يستفصل وأعطى حكماً عاماً فدل على أن الحكم يشمل الحجة التي فات الوقوف فيها وهي تطوع كما أنه شامل للحجة التي فات الوقوف فيها وهي فريضة .
قالوا : ولأن الله عز وجل قال : ) وأتموا الحج والعمرة لله ( فالحج يجب بالشروع فيه ، وحيث وجب بالشروع فيه ، فإذا فاته الوقوف في هذه السنة فيجب عليه أن يأتي به في سنة أخرى كالنـذر .
وأما أهل القول الثاني فقالوا إن الشارع لم يوجب الحج إلا مرة واحدة ، وحيث كان ذلك فلا يوجب عليه حجة أخرى .
والراجح القول الأول لقوة دليله ، فإن الله عز وجل قال : ) وأتموا الحج والعمرة لله ( وحيث فاته الوقوف وقد شرع في الحج فإن الحج لازم في ذمته واجب عليه ، فحيث لم يتمكن منه هذه السنة فإنه يجب عليه في السنة الأخرى .
وأيضاً : لأثر عمر المتقدم حيث لم يستفصل وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ، ولا أثر يخالفه ولا حديث يخالفه عن النبي e ، فالراجح أنه يجب عليه القضاء مطلقاً .
مسألة :
إذا فات رجل الوقوف بعرفة فهل يجوز له أن يختار البقاء على إحرامه إلى السنة القادمة ، فيقول: أنا نويت الحج وأريد إبقاءه ولو كان ذلك إلى السنة القادمة ، فهل يجوز له هذا ؟
قال الحنابلة : يجوز له هذا قياساً على العمرة ، فكما أن العمرة يجوز أن يبقى محرماً بها السنة والسنتين والثلاث فكذلك الحج .
وقال جمهور العلماء وذكره الموفق احتمالاً : لا يجوز ذلك ولا يجزئ بل يجب عليه أن يتحلل منه بعمرة كما تقدم .
قالوا : لأن الحج لا يجزئ إلا بأشهره ، فأشهر الحج هي مواضع إحرامه أي حج السنة نفسها ، فلابد وأن يحرم في أشهر السنة نفسها وهنا قد أحرم في أشهر ليست في تلك السنة التي يقع فيها الحج والعمل والعبادة لا تصح قبل وقتها ولابد وأن يكون الإحرام – كما تقدم ترجيحه – في أشهر الحج للحجة نفسها .
وهذا فرق بين الحج وبين العمرة ، فإن العمرة – كما تقدم – تجزئ في كل وقت فله في كل وقت أن يحرم بها ، وأما الحج فليس له أن يحرم به إلا في أشهره .
ولظاهر الآثار– كما تقدم في أثر عمر – أمره أن يتحلل بطواف وسعي وحلق أو تقصير – وظاهر الأمر الوجوب .
فالصحيح خلافاً للحنابلة في هذه المسألة وأنه إذا فاته الوقوف فليس له أن يبقى محرماً إلى السنة القادمة بل يجب عليه أن يتحلل بعمرة كما هو مذهب جمهور الفقهاء .
مسألة :
و إن وقف بعض الناس خطأ في غير يوم عرفة في اليوم العاشر فكذلك فقد فاته الحج.
و أما إن أخطأ الناس يوم عرفة لا بعضهم فقط صح و قوفهم إجماعاً و هو يوم عرفة باطناً و ظاهراً أيضاً على الصحيح كما اختاره شيخ الاسلام لأن الشهر اسم لما يراه الناس و يعرفونه.
قوله : [ ومن صده عدو عن البيت أهدى ثم حل ]
إن صده عدو عن البيت أهدى " أي نحر أو ذبح هديه " ثم حل أي تحلل .
رجل أحرم بحج أو عمرة ثم منعه عدوٌ له أن يتم نسكه من حج أو عمرة فإنه ينحر الهدي ويتحلل .
لقوله تعالى : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( ولا خلاف بين أهل العلم في هذا .
ولم يذكر المؤلف الحلق ، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة و هو المذهب كما في المنتهى وأن الحلق أو التقصير لا يجب على المحصر .
قالوا : لأن الله لم يشترطه فقد قال تعالى : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( ولم يذكر حلقاً أو تقصيراً .
وقال بعض الحنابلة وهو أحد القولين في المذهب واختاره في الإقناع : يجب عليه الحلق ، وهذا هو الراجح، فإن النبي e أمر به فقد ثبت في البخاري عن المِسْور بن مْخرَمة : أن النبي e : ( حلق بالحديبية في عمرته وأمر أصحابه بذلك ، ونحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك )
وذلك لما أحصر كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر قال : ( خرجنا مع رسول الله e فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي e هديه وحلق رأسه )
فقد نحر ثم حلق وأمر أصحابه بذلك ، والسنة تدل على ما يدل عليه القرآن من فرض أو استحباب أو تحريم أو كراهية أو غير ذلك من الأحكام كما هو باتفاق أهل العلم .
فعلى ذلك فيه أمر النبي e وفعله ، فقد حلق رأسه وأمر بالحلق .
فأصح القولين في المذهب وهو اختيار أكثر الحنابلة : أن الحلق واجب فمن أحصر فيجب عليه أن ينحر ثم يحلق وليس له أن يحلق قبل أن ينحر لقوله تعالى : ) ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله (
وإنما استثنى ذلك في يوم النحر للحرج فقدم الحلق على النحر وجاز ذلك كما تقدم في الحديث المتفق عليه رفعاً للحرج فما سئل النبي e عن شيء قدم ولا أخر في ذلك اليوم إلا قال : ( افعل ولا حرج) .
أما في المحصر فإن ظاهر الآية الكريمة : أنه ليس له أن يحلق رأسه قبل أن ينحر .
وظاهر كلام المؤلف : أنه لا يجب عليه القضاء ، فمن أُحصر فالواجب عليه أن ينحر ويحلق ولا يجب عليه الحج في السنة المقبلة ، إلا أن تكون هذه الحجة حجة فريضة فيجب عليه الحج من قابل ، وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن المحصر لا يجب عليه القضاء .
واستدلوا بالآية في قوله تعالى : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي( ولم يوجب قضاء .
وعن الإمام أحمد أن القضاء واجب عليه و هو مذهب أبي حنيفة ، فعن الإمام أحمد روايتان ودليل الرواية الثانية : ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي e قال : ( من كُسر أو عَرِج فليحل وعليه الحج من قابل )
ولقوله تعالى : ) وأتموا الحج والعمرة لله ( فهذا قد نوى الحج فوجب عليه أن يتمه وحيث لم يمكنه الإتمام في هذه السنة فإن عليه أن يحج في السنة القادمة كما تقدم في استدلالهم في المسألة السابقة .
والنص المتقدم ظاهر في هذا والنبي e قد أطلق ولم يفرق بين حجة الفريضة وحجة النافلة ، فمن أحصر في فريضة أو نافلة فإن عليه أن يحج من قابل ، وهذا هو الأرجح ، فالراجح أن المحصر يجب عليه أن يحج من قابل ، وهو رواية عن الإمام أحمد .
قوله : [ فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل ]
أي إن فقد الهدي فإنه يصوم عشرة أيام ثم يحل .
فعندهم أنه يسقط عنه الهدي لبدلٍ وهو الصيام ، وليس له أن يتحلل حتى يصوم ؛ لأنه بدل عن الهدي ، ولا يتحلل حتى ينحر الهدي هذا هو المذهب .
وقد تقدم هذا وأن الراجح أنه يسقط عنه الهدي لا إلى بدل ، فقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب سابق .
فالراجح : أن من عجز عن الهدي فإنه يسقط عنه لا إلى بدل لأن الله لم يذكر البدل وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
وتقدم إبطال قياسهم على هدي التمتع في باب سابق . ( انظر باب الفدية )
قوله : [ وإن صُد عن عرفة تحلل بعمرة ]
أي رجل لم يُصدَّ عن البيت فيمكنه أن يطوف ويسعى ولكنه صُد عن عرفة التي هي ركن الحج .
فيتحلل بعمرة ولا هدي عليه ولا قضاء .
فلو أن رجلاً قال لبيك حجاً فلما أتى مكة أُحصر عن الوقوف بعرفة فحينئذٍ نقول : اقلب حجك إلى عمرة فطف بالبيت وبالصفا والمروة وحلق أو قصر ولا شيء عليك .
وهذا ظاهرٌ فإنه تقدم أن النبي e أمر الصحابة وقد أهلوا بالحج أمرهم أن يقلبوا إهلالهم بالحج إلى عمرة وحيث جاز هذا بلا إحصار فإنه مع الإحصار أولى .
أما إن حبس و صد عن الطواف بالبيت ، أي وقف بعرفة و رمى و حلق لكنه مُنع وصُد عن طواف الإفاضة ، قالوا : يبقى محرماً أبداً حتى يطوف بالبيت .
إن منع من الطواف وحبس عنه فإنه لا يمكنه أن يتحلل بعمرة كمن فاته الوقوف وحينئذٍ فليس له أن ينقل النسك وما تقدم قلبٌ للنسك لأنه يمكنه أن يقلبه من حج إلى عمرة ، أما هنا فلا يمكنه أن يقلبه إلى عمرة لأن المنع متعلق بالبيت .
فحينئذٍ : عليه أن يبقى محرماً أبداً حتى يتمكن من الطواف بالبيت ولو بعد سنوات طويلة .
لكن هل له أن يتحلل كما يتحلل المحصرون فيذبح هدياً ؟
قالوا ليس له ذلك ، قالوا لأن الإحصار إنما ورد من الإحرام التام وهو الذي يكون المحرم فيه ممنوعاً من جميع المحظورات وهذا يكون قبل التحلل الأول .
أما هنا فإنه ليس بإحرام تام لأنه قد حل التحلل الأول لوقوفه بعرفة و رميه جمرة العقبة و لم يبق محظوراً عليه إلا النساء ، والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام أما وقد بقي عليه طواف الزيارة فقد حل التحلل الأول فإنه لم يرد الشرع فيه ، هذا مذهب الحنابلة و هذا لا شك أنه ضعيف .
ولذا ذهب الشافعية إلى أنه يتحلل كما يتحلل المحصرون ، فيذبح ثم يحلق .
قالوا لأن الآية عامة ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( فالآية عامة في كل محصر سواء كان الإحصار قبل عرفة أم بعدها .
فمن أحصر ومنع سواء كان الإحصار بعد عرفة أو قبلها ، بعد التحلل الأول أو قبله ، فإن ذلك كله داخل في عموم الآية .
والمعنى يقتضي هذا ، ثم إن التحلل من الإحرام الناقص أولى من التحلل من الإحرام التام ، وهذا القول هو الراجح وفيه ما فيه من رفع الحرج .
فعلى ذلك : الصحيح ما ذهب إليه الشافعية وأن من صُد عن طواف الزيارة فإنه ينحر هديه ثم يحل .
فالصحيح أنه إن منع عن شيء من أركان الحج فإنه لا يبقى محرماً بل يتحلل من ذلك .
· ومثل ذلك المرأة الحائض لو قلنا أنها ليس لها أن تطوف بالبيت وهي حائض للضرورة كما هو مذهب الجمهور ، فالصحيح أنها تتحلل بعد هدي تذبحه و أنها في حكم المحصرين كما هو مذهب الشافعية .
· ومن أحصر عن واجب من الواجبات كأن يحصر عن طواف الوداع كان عليه دم في المشهور في المذهب.
وفي إيجاب الدم – فيما يظهر لي نظر لأنه عاجز عنه – وهم يقولون بوجوب الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروبها و النبي e قد نص على أن من فاته الوقوف بعرفة نهاراً وأدركه بشيء من الليل فمع فوات الواجب الذي هم يقولون به لم يوجب النبي e عليه دماً فهنا كذلك .
فالأظهر أنه لا دم عليه ، فمن أحصر عن شيء من مناسك الحج فإنه لا دم عليه ولا شك أن الأحوط هو الدم .
إذن المشهور عند الحنابلة : أن من منع من شيء من الواجبات فإنه لا يوجه إليه التحلل المختص بالمحصرين لأن حجه يصح من غير فعل هذا الواجب ، فإن ترك الواجبات كرمي أو غيره لا يبطل الحج ويجبر بالدم فليس محلاً لتحلل المحصرين وحينئذٍ فعليه أن يذبح دماً لتركه لهذا الواجب .
قوله : [ وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرماً إن لم يكن اشترط ]
إذا حصره مرض كأن يكسر أو يعرج أو يصاب بشيء من الأمراض أو نفدت نفقته فلم يبق له ما ينفق منه على نفسه أو نحو ذلك من العوائق المانعة من تمام الحج سوى العدو – فقد تقدم أن العدو عند الحنابلة – إن أحصر الحاج أو المعتمر فإنه يكون محصراً ،وحينئذ ينحر ويحلق أو يقصر .
لكن هنا المسألة إن كان هذا المعيق ليس عدواً وإنما مرض أو ذهاب نفقة أو نحو ذلك .
فقال الحنابلة ، وهو مذهب الجمهور يبقى محرماً ولا يكون له حكم المحصرين .
قالوا : لأن الله قال في كتابه : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( وهذه الآية نزلت في منع المشركين النبي e وأصحابه من العمرة فهي قد نزلت في الإحصار من العدو ولم يلحقوا به غيره فجعلوا هذه الآية دليلاً على هذه المسألة .
وصح عن ابن عباس أنه قال : ( لا حصر إلا من عدو ) رواه الشافعي بإسناد صحيح ، ونحوه عن ابن عمر في الموطأ بإسناد صحيح .
وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن مسعود وقول طائفة من التابعين كمجاهد والحسن وعلقمة ، وهو مذهب الظاهرية ومذهب أبي ثور : إلى أن الإحصار عام من العدو والمرض وذهاب النفقة وغيرها من العوائق المانعة من الحج أو العمرة .
واستدلوا : بما تقدم من قوله e : ( من كُسر أو عرج فليتحلل وعليه الحج من قابل ) رواه الخمسة وإسناده صحيح ، وهو دليل على هذه المسألة ظاهر فقد أعطى النبي e من كُسر أو عرج وهما من الأمراض أعطاهما حكم المحصرين .
قالوا : ولأنه داخل في عموم الآية : ) فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ( ومن منعه مرض أو ذهاب نفقة فهو محصر .
بل قال غير واحد من أهل اللغة : " الإحصار من مرض والحصر من عدو ، وعليه حمل ابن القيم مقالة ابن عباس المتقدمة أي من حيث اللغة فهذه اللغة " الإحصار " هي في المرض أظهر منها في الأعداء ، فعلى ذلك يكون اختيارها في هذه الآية الكريمة تنبيهاً على دخول من منعه المرض من باب أولى لأن لفظة الإحصار أخص في منع المرض من منع العدو ، وهذا هو اختيار ابن القيم .
وأما الجواب على دليلهم فيقال : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
هذا هو القول الراجح وهو اختيار ابن القيم .
إذن اختلف أهل العلم هل يختص الإحصار بمنع العدو أو يعمه ويعم كل حبس ومنع سواء كان من عدوٍ أو من مرض أو ذهاب نفقة على قولين :
الراجح : أنه عام في العدو وفي غيره وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية والنظر الصحيح إذ المعنى ثابت فيه كما هو ثابت في إحصار العدو .
هذا إن لم يكن اشترط ، فإن اشترط فإنه يتحلل ولا شيء عليه فلا دم عليه ولا يبقى محرماً كما ثبت في قوله e لضباعة بنت الزبير : ( اشترطي أن محِلي حيث حبستني ) وفي النسائي : ( فإن لك على ربك ما استثنيتِ).
فإذا اشترط فقال : ( إن حبسني حابس فمحِلي حيث حبستني ) فإنه يتحلل ولا شيء عليه لا هدي ولا قضاء وتقدم الكلام على الاشتراط .
والمسائل السابقة مفروضة فيمن لم يشترط .