عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - المناسك
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - المناسك
الـهدي والأضحيــــــــة
 
باب الـهدي والأضحيــــــــة

 

الهدي : من الهدية وهو ما يهدى إلى حرم الله تعالى من النعم وغيرها.

وأما الأضحية : فهي ما يذبح يوم النحر وأيام التشريق من النعم تقرباً إلى الله تعالى .

وفيها عدة لغات : كسر الهمزة ، وضمها ، وتشديد الياء وتخفيفها : أُضحيَة – إِضحيَة – أُضحيَّة - إِضحيّة ، فهذه أربع لغات.

وفيها لغة خامسة وهي " ضحيَّة " ، ولغة سادسة وهي أَضحاة .

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ أفضلها إبل ثم بقر ثم غنم ]

الأفضل في الأضحية الإبل ثم البقر ثم الغنم.

وأما الهدي فالأفضل الأبل كما سيأتي.

استدل الجمهور على أن أفضل الأضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم ، بالحديث المتفق عليه أن النبي r  قال : ( من راح يوم الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ) .

قالوا : فهذا الحديث يدل على أن الإبل هي الأفضل ثم البقر ثم الغنم " من الضأن أو المعز " .

وقال المالكية : الأفضل في الأضاحي هو الغنم فهي أفضل من الإبل والبقر .

 واستدلوا : بفعل النبي r  فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال : ( ضحى النبي r بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صِفاحهما ) والأملح ما كان بياضه أكثر من سوادِه.

والشاهد قوله : " ضحى بكبشين " فالنبي r  ضحى بالغنم.

ولما ثبت في الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي أيوب الأنصاري قال : ( كان الرجل في عهد النبي r  يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ثم تباهى الناس كما ترى ) .

وهذا القول فيه قوة فالنبي r  قد ضحى بالغنم.

و ما استدل به الجمهور حديث عام يدل على فضيلة الإبل على البقر والغنم وعلى فضيلة البقر على الغنم .

وحديث المالكية يدل على اختصاص الغنم بالفضيلة في باب الأضاحي فالذي يظهر لي أن ما ذهب إليه المالكية أقوى والله أعلم .

وأفضل كل جنس أسمنه فأغلاه , وسواء كان ذكراً أو أنثى فلا بأس أن يضحي بالأنثى من الإبل أو بالذكر وكذلك في البقر والغنم ، وأفضل ذلك أسمنه فأغلاه .

ففي البخاري معلقاً عن أبي أمامة معلقاً قال : ( كنا نسمَّن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون ) ووصله أبو نعيم في مستخرجه .

وعند أبي عوانة في مستخرجه من حديث أنس المتقدم أن النبي r : ( ضحى بكبشين أملحين أقرنين ) عند أبي عوانة : ( سمينين ).

وفي بلوغ المرام لابن حجر أن في أبي عوانة : " ثمينين " فلعلها رواية أخرى غير الرواية التي تقدم ذكرها.

ولأن هذا من تعظيم شعائر الله ، والأضاحي من شعائر الله ، وقد قال تعالى : ) ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ( فأفضل الأضاحي أسمنها فأغلاها ، وأفضلها لوناً الأملح.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن ]

الجذع من الضأن يجزئ لا من المعز ، و بينهما فارق فإن الجذع من الضأن ينزو فيلقح بخلاف الجذع من المعز .

ويعرف الجذع بأن ينام صوفه على ظهره .

قال الحنابلة : وهو ما له ستة أشهر .

 

قوله: [ وثني سواه ]

الثني هو المسن فلا يجزئ من غير الضأن إلا المسن ، وهو ماله من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان ، ومن المعز سنة ، لذا قال رحمه الله تعالى :

 

[ وهو ماله من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان ومن الغنم سنة ]

ودليل إجزاء الجذع من الضأن ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي r قال : ( إن الجذع يوفي مما توفي منه الثنية ) وثبت في النسائي بإسناد جيد عن عقبة بن عامر قال : ( ضحينا مع النبي r بالجذع من الضأن ) ونحوه في الصحيحين.

وأما ما ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فاذبحوا جذعاً من الضأن) , فهذا الحديث يحمل على الاستحباب جمعاً بينه وبين الأحاديث المتقدمة أي : يستحب لكم ألا تذبحوا إلا المسن إلا إن عسر عليكم ذلك فاذبحوا الجذع من الضأن .

إذن : يجزئ الجذع من الضأن وهذا هو مذهب جماهير العلماء ، ولا يجزئ من غير الضأن إلا الثني أو المسن وهو ما له من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان ومن المعز سنة .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والضأن نصفها ]

أي ستة أشهر ، هذا هو المشهور في المذهب كما تقدم.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ وتجزئ الشاة عن الواحد ]

أي عن الواحد ونسائه وأولاده في بيته كما تقدم في حديث أبي أيوب في الترمذي وابن ماجه قال : ( كان الرجل على عهد النبي r  يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ) .

فالشاة لا تجزئ إلا عن الواحد أي وأهل بيته .

وقوله : " وتجزئ الشاة عن الواحد " : أي لا يصح الاشتراك فيها بخلاف الإبل والبقر .

وأما إجزاؤها عن أهل بيته وعياله فهو المذهب ودليله قول أبي أيوب المتقدم وله حكم الرفع.

 

قوله رحمه الله تعالى : [  والبدنة والبقرة عن سبعة ]

لحديث جابر في مسلم : ( نحرنا مع النبي r البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) فإذا اشترك سبعة فأقل من ذلك ببقرة أو بدنة أجزأ ذلك عنهم .

ولو اشترى اثنان شاتين على الشيوع أجزأ ذلك عنهما كما لو ذبح كل منهما شاةً.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ولا تجزئ العوراء  ]

وهي التي ذهبت إحدى عينيها ، وأما إذا كانت العين قائمةً لم تنخسف وعليها بياض فإنها تجزئ لمفهوم قوله r كما سيأتي : ( والعوراء البين عورها).

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والعجفاء ]

وهي الهزيلة الضعيفة التي لا مخ في عظامها .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والعرجاء ]

البين عرجها أي عرجها شديد يُضر بها في الرعي ولحاق الغنم في المرعى.

ويدل على هذا ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي r  قال : ( أربع لا تجوز في الأضاحي : العوراء البيِّن عورها والمريضة البيِّن مرضها - أي فيها مرض بيّن مضر ببدنها يفسد لحمها سواء كان جرباً أو غيره خلافاً لمن قيده من أهل العلم بالجرب فالحديث عام فيه وفي غيره - والعرجاء البيِّن ظلعها - أي عرجها - والعجفاء التي لا تُنقِي - أي التي لا مخ فيها ) ، فهذه الأربع لا تجزئ في الأضاحي ، فإذا ضحى بها لم تجزئه .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والهتماء ]

وهي التي سقطت ثناياها من أصلها .

والمشهور عند الحنابلة أن الهتماء لا تجزئ .

وذهب بعض الحنابلة وهو أحد الوجهين عند الشافعية واختاره شيخ الإسلام أنها تجزئ وهذا هو الراجح إذ لا دليل يدل على عدم إجزائها .

وللحصر المتقدم فإن النبي r  قد حصر غير المجزئ من الضحايا بأربع فدل هذا على أنها إن سقطت ثناياها أو سقط بعض أسنانها فإنه تجزئ خلافاً للمشهور عند الحنابلة .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والجــدَّاء ]

من جدَّ الضرع إذا يبس فلا لبن فيها ، فهذه لا تجزئ .

قالوا : لأن هذا أولى من ذهاب شحمة عينها ، فإن العوراء قد ذهبت شحمة عينها فهذه أولى بعدم الإجزاء . وفي هذا نظر فإن العوراء إنما ورد الشرع بعدم إجزائها لأن عورها يضر برعيها ، بخلاف الجداء " التي يبس ضرعها " فإن هذا لا يؤثر في رعيها ولا يؤثر في لحمها والمقصود هو اللحم .

فالأظهر أن الجدَّاء تجزئ مع أن الأولى أن تكون سليمة من ذلك لقوله تعالى : ) ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ( وهذا يقتضي اختيار الأفضل .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والمريضة ]

تقدم أن المريضة بجرب أو نحوه لا تجزئ ، والمراد بالمريضة البين مرضها التي فيها مرض ظاهر مضرٍ يفسد لحمها فهذه لا تجزئ في الأضحية .

فإن بان المرض بعد الذبح أجزأت وعليه قرار هيئة كبار العلماء بالأكثرية.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والعضباء ]

وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها – أي أكثر من النصف - .

قالوا : لا تجزئ لما روى النسائي والترمذي وصححه عن علي : أن النبي r  : ( نهى أن يضحى بأعضب القرن والأذن ) .

وذهب جمهور العلماء وهو اختيار طائفة من الحنابلة كصاحب الإنصاف واستظهره صاحب الفروع واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي إلى أنها تجزئ .

والحديث الذي استدل به الحنابلة يرويه قتادة عن جُري السدوسي عن علي بن أبي طالب ، ولم يرو عن جُري إلا قتادة .

وقال أبو حاتم : لا يحتج بحديثه . " أي بحديث جُري لأنه لم يرو عنه إلا قتادة "

وتعقب الذهبي قول أبي حاتم المتقدم بقوله : " قلت : لكن أثني عليه " فعلى ذلك حديثه لا بأس به .

فعلى ذلك الحديث حسن إن شاء الله و قد صححه الترمذي و غيره فقد روى عنه قتادة وتفرد عنه بالرواية لكن أثنى عليه .

ومن لم يرو عنه إلا راوٍ واحد لكن وثق سواء كان الموثِّق هو الراوي عنه أو غيره فإن حديثه مقبول .

لكن الحديث لا يظهر الاستدلال به على عدم الإجزاء ، بل الظاهر أنه يدل على الكراهية ، بدليل أن أهل العلم قد أجمعوا على أن التضحية بالخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة ، وقد ثبت النهي عنها في حديث صحيح سيأتي - أنها تجزئ في الأضاحي مع الكراهية وهنا كذلك فإن هذا لا يؤثر في اللحم .

وقد حصر النبي r  ما لا يجزئ بأربع ولم يذكر أعضب الأذن والقرن ، فالأظهر حمله على الكراهية .

فالراجح من قولي العلماء أن التضحية بأعضب الأذن والقرن مجزئ مع الكراهية .

قوله رحمه الله تعالى : [ بل البتراء خلقة ]

البتراء : هي التي ليس لها ذنب ، وتقييد المؤلف بقوله : " خلقة " موهم أن هذا القيد معتبر عند الحنابلة وليس كذلك بل البتراء التي لا ذنب لها خلقة أو مقطوعاً تجزئ لأنه لا يخل بالمقصود.

و أما الإلية فهي مقصودة فلا يجزئ مقطوع الإلية.

و أما التي لا إلية لها خلقة فإنها تجزئ لأنها كاملة.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ والجمَّاء ]

هي التي لا قرن لها ، وهي مجزئة .

فالبتراء والجماء تجزئ عندهم ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذا .

ولأن هذا لا أثر له على لحمها فأجزأت .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ وخصي ]

الخصي : لا خلاف بين أهل العلم أنه يجزئ .

وفي أبي داود من حديث أنس المتقدم قال : ( موجوءين ) من الوجاء وهو الخصاء ، فقد ضحى به النبي r  ، وهو أفضل للحم وأطيب له وأسمن .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ غير مجبوب ]

فإن ترتب على الخصاء أنه يُجب عضوه " أي ذكره " فإنه لا يجزئ في المشهور عند الحنابلة ، لأنه قد ذهب شيء من أعضائه وهو ذكره .

وذهب بعض الحنابلة إلى أن الخصاء و إن كان معه جب للعضو فإنه يجوز التضحية به .

و هذا أظهر ، لأنه لا يؤثر في اللحم و لأن عضوه ليس مقصوداً بالأكل عادة .

فالأظهر أن الخصي وإن ترتب على خصائه جب ذكره ، أنه يجزئ في التضحية لكن الأولى عدم التضحية به.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف ]

إن كان في أذنه قطع أو قرنه قطع أقل من النصف فإنه يجزئ , وقد تقدم أنه إذا كان القطع أكثر من النصف فهو الأعضب وهو لا يجزئ عند الحنابلة .

فإن كان القطع نصفاً فأقل فإنه يجزئ عندهم ولا خلاف بين أهل العلم في هذا كما تقدم ، فإن قطع شيء من أذنه أو قرنه ولو كان ذلك النصف فإنه يجزئ لكن مع الكراهية .

ودليل الكراهية عندهم : ما ثبت عند أبي داود والترمذي بإسناد صحيح عن علي قال : ( أمرنا النبي r  أن نستشرف العين والأذن وألا نضحي بعوراء ولا مقابَلة ولا مدابَرة ولا خرقاء ولا شَرقاء ) .

المقابلة هي التي قطع شيء من أذنها من جهة مقدم الأذن ويعلق بها .

والمدابرة : نحوها لكن القطع من مؤخر الأذن .

الخرقاء : التي في أذنها خرق مستدير.

الشرقاء : التي في أذنها شق سواء كان مستديراً أولاً .

فعلى ذلك : ما كان في أذنها شق أو قطع ولم يصل ذلك إلى أكثر من النصف فعند عامة العلماء أن ذلك لا يؤثر في باب الأضاحي .

أما إذا كان أكثر من النصف ، فالمشهور في المذهب أنه لا يجزئ وهو الأعضب والصحيح القول بإجزائه.

·        وكل ما كان فيه شيء من النقص والعيب من بهيمة الأنعام فإنه تكره التضحية بـه .

 

مسألة :

وألحق أهل العلم بالعوراء إجماعاً العمياء.

 

مسألة :

الأضحية لابد أن تكون كاملة فإن كانت مقطوعة الرجل أو نحو ذلك فإنها لا تجزئ لأنها ليست كاملة تامة.

أما إذا كان مما تقدم مما ليس بمقصود في الأكل عادة وإن كان ربما أكل لكن ليس هو المقصود في الأكل فإنه يجزئ .

 

مسألة :

لابد أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام لقوله تعالى : ) ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ( ، فلو كان وحشياً أو أحد أبويه وحشي فإنه لا تجزئ التضحية به.

 

قوله : [ والسنة نحر الإبل قائمة معقولةً يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوَهدة التي بين أصل العنق والصدر ]

" الوهدة " هو المكان المطمئن الذي بين أصل العنق والصدر.

هذه الصفة المستحبة في نحر الإبل أن تكون قائمة قد عقلت يدها اليسرى أي ربطت – فهي قائمة على ثلاثة أطراف – ثم تنحر بحربة أو نحوها في الوهدة التي بين عنقها وبين صدرها .

ودليل ذلك قوله تعالى : ) فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها ( قال ابن عباس كما في البخاري : ( ] فاذكروا اسم الله عليها صواف [ أي قياماً ] فإذا وجبت جنوبها [  أي سقطت ).

وثبت في البخاري أن ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال : ( ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد r) .

وفي مراسيل أبي داود : ( معقولة اليسرى ) وهو مرسل وعليه العمل فإن عقلت اليمنى فلا بأس.

وتنحر في الوهدة لأن ذلك أسهل لخروج روحها وقد ثبت في مسلم أن النبي r  قال : ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحة وليحد أحدكم شَفْرَته وليرح ذبيحته ).

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ويذبح غيرها ]

غيرها من بقر وغنم ، فإنها تذبح ذبحاً لا نحراً .

وقد تقدم أن النبي r ذبح الكبشين الأملحين بيده ووضع رجله على صفاحهما وقال تعالى : ] إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة [.

فإذن : تضجع البقرة أو الغنمة على جنبها ثم توضع الرجل على الجنب الذي إلى السماء و لئلا تتحرك فيكون الذبح فيه عسر ومشقة فتوضع الرجل على جنبها وتوجه إلى القبلة استحباباً .

قالوا : ويستحب – وهذا باتفاق العلماء – أن تضجع على جنبها الأيسر وذلك من أجل أن يكون الذبح من الذابح باليد اليمنى وهذا أسهل للذبح.

فإن كان أيسر " أي يذبح بيده اليسرى " فإنه يضجعها على جنبها الأيمن لأنه أسهل .

وفي الحديث : ( وليرح ذبيحته ) .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ويجوز عكسها ]

فلو ذبح الإبل أو نحر البقر والغنم فإن ذلك جائز لأن النبي r قال في المتفق عليه : ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) فإذا أنهر الدم بالسكين نحراً أو ذبحاً فإنه يجزئ ؛ لكنه خلاف المستحب .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ويقول : بسم الله والله أكبر ]

" بسم الله " وجوباً وسيأتي الكلام على حكم التسمية على الذبيحة في باب الذبائح إن شاء الله تعالى .

" والله أكبر " استحباباً ، وقد تقدم حديث أنس وفيه : أن النبي r  لما ذبح الكبشين الأملحين سمى وكبر, وفي مسلم قال : ( بسم الله والله أكبر ).

 

قوله رحمه الله تعالى : [ اللهم هذا منك ولك ]

ثبت هذا في سنن أبي داود من حديث جابر : أن النبي r  قال : ( اللهم هذا منك ولك ) والحديث فيه عنعنة محمد بن إسحاق لكن له شاهد عند أبي يعلى من حديث أبي سعيد , وله شاهد آخر عند الطبراني من حديث ابن عباس فالحديث حسن .

" هذا منك " : نعمةً وفضلاً .

" ولك " : تعبداً ورقاً.

 

قوله رحمه الله تعالى : [  ويتولاها صاحبها ]

المستحب أن يتولاها صاحبها وقد تقدم في حديث أنس أن النبي r  ذبح الكبشين بيده ، ( وقد نحر النبي r  من هديه ثلاثاً وستين بيده وأعطى علياً ما بقي وقد أشركه في هديه) كما في مسلم .

فهذا يدل على أن المستحب في الأضحية والهدي أن يتولى صاحبها الذبح أو النحر.

لكن لو تولاها غيره وكان هذا الغير أهلاً للذبح فلابأس ولذا قال :

[ أو يوكل مسلماً ]

التوكيل إن كان لمسلم فلا خلاف بين أهل العلم في إجزائه .

 واتفقوا على أنه لو وكَّل وثنياً لذبح أضحيته فإنه لا يجوز ولا يجزئ لأن ذبحه لا يحل .

لكن اختلفوا هل يجوز أن يوكل المسلم كتابياً أن يضحي له أم لا ؟ قولان لأهل العلم :

أصحهما وهو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور : أن ذلك يجزئ .

وقال المالكية : لا يجزئ لأنها قربة وعبادة فلا تصح من كافر وهو رواية عن أحمد.

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من الإجزاء وذلك لأن الكافر الذمي تجزئ ذكاته وإنابته في الأضحية وهو كإنابته في بناء مسجد ونحوه فهذا الذمي لا يتعبد الله بالذبح بل هو موكل ، وإنما الذي يتعبد الله بالذبح هو المؤمن بنيته وبماله الذي دفعه في هذه الأضحية ، والذمي يجوز أن يتولى فعل القربة إن كان فعلها ليس على وجه التعبد وهنا فعل القربة ليس على وجه التعبد فإنه لا يعدو إلا أن يكون موكلاً بالذبح وهو صحيح الذبح.

فعلى ذلك الصحيح وهو المشهور عند الحنابلة أنه يجوز ذلك ، وإن كان عندهم مكروهاً خروجاً من الخلاف .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ويشهدها ]

أي يشهدها المضحي أي يستحب له أن ينظر إليها ذكراً كان أو أنثى .

واستدلوا بحديث رواه البيهقي أن النبي r  قال لفاطمة : ( احضري أضحيتك يُغفرْ لك بأول قطرة من دمها) والحديث لا يصح ، فقد رواه البيهقي وضعفه وهو كما قال .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ووقت الذبح بعد صلاة العيد ]

دليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي r  قال : ( من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ) .

وثبت في الصحيحين من حديث البراء أن النبي r  قال : ( من ضحَّى قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين ) فمن ذبح قبل صلاة العيد فإنها لا تجزئه أضحيةً , وإنما هو لحم لأهله للحديث المتقدم وظاهر هذه الأحاديث أن الوقت مقيَّد بفعل الصلاة نفسها لا بوقتها .

فلو أخرت صلاة العيد فلا يجزئ الذبح قبلها وإن ذهب من وقتها ما يكفي لفعلها وهو مذهب جمهور العلماء.

وعن الإمام أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة وهو مذهب بعض الحنابلة أنه إذا ذهب من وقت صلاة العيد قدر يكفي لفعل الصلاة فإنه يجزئ الذبح .

فإذا دخل وقتها – وهو يدخل بارتفاع الشمس قِيد رمح – فإذا فات قدر يكفي لصلاة العيد فإنه يجزئ الذبح وإن لم يصل الناس .

وهذا خلاف ظاهر الأحاديث ، فإن الأحاديث المتقدمة ظاهرها أن الوقت مقيد بفعل الصلاة نفسها ، فإن النبي r  قال : ( من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ) فظاهره أن من ذبح قبل الصلاة وإن كان بعد مرور وقت يكفي لفعلها فإنها لا تصح منه.

لكن إن كان في موضع لا تقام فيه صلاة العيد فإذا مضى قدرٌ يكفي لصلاتها بعد دخول وقتها فإنه يجزئ الذبح , كمن يكون في بادية أو في سفر فأول وقت الذبح هو مرور قدر يكفي لصلاة العيد بعد دخول وقتها إذ لا صلاة في حقهم وهو المذهب , ولذا قال :

 

[ أو قدره ]

فـ " أو " هنا للتنويع , أي قدر زمن صلاة العيد , لمن كان في موضع لا تصلى فيه صلاة العيد.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ إلى يومين ]

هذا آخر وقتها ، فعلى ذلك أيام النحر والذبح ثلاثة أيام : يوم النحر واليوم الأول والثاني من أيام التشريق ، فعلى ذلك لا يجزئه الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق ، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة هذا هو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين أن النبي e : ( نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث ) .

وقال الإمام أحمد : " عن خمسة من أصحاب النبي r  " أي القول بأن أيام الذبح ثلاثة أيام .

وهذه المسألة في الهدي والأضاحي .

وذهب الشافعية إلى أن أيام النحر أربعة أيام : يوم النحر وأيام التشريق كلها .

واستدلوا : بما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث جبير بن مطعم أن النبي r  قال : ( كل أيام التشريق ذبح ) .

والحديث إسناده منقطع لكن له شواهد وطرق يرتقي بها إلى الصحة فالحديث صحيح.

قالوا : وهو مروي عن علي وجبير بن مطعم رضي الله عنهما ، ولأنها – أي هذه الأيام – أيام رمي فكانت أيام ذبح أيضاً وهي من أيام الحج والنحر من مناسك الحج.

وما ذهب إليه الشافعية هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم .

لأن الحديث الوارد في هذا صحيح لشواهده وطرقه.

وأما ما استدل به أهل القول الأول من أن النبي r  : ( نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث ) فهذا الحديث إنما هو في أيام الادخار وأنها ثلاثة أيام .

فلو ذبح في يوم النحر فلا يدخر إلا يوم النحر ويومين بعده ، ولو نحر في اليوم الثاني من أيام النحر وهو أول أيام التشريق فلا يدخر إلا اليوم الأول والثاني والثالث من أيام التشريق ، وهكذا .

فالمسألة في النهي عن الادخار.

على أن الحديث منسوخ ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي r  قال : ( كلوا وتصدقوا وتزودوا وادخروا).

وإنما نهوا عن الادخار فوق ثلاث لحاجة أصابت الناس ثم نسخ ذلك.

فالمقصود من هذا : أن ما ذكروه لا يصح دليلاً في هذه المسألة .

وأما الآثار التي ذكرها الإمام أحمد فإنها معارضة بأثر علي و جبير بن مطعم , وبالحديث أيضاً فإن الحديث تقدم تصحيحه وهو حديث : ( كل أيام التشريق ذبح ) .

فعلى ذلك : الراجح أن أيام التشريق كلها أيام نحر .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ويكره في ليلتهما ]

ويجزئ في ليلتيهما أي في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق وفي ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق لكنه مكروه عندهم ، وأما ليلة يوم النحر فلا يجزئ فيها الذبح كما تقدم ، وهو مذهب الجمهور.

وذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد أن الذبح لا يجزئ ليلاً .

قالوا : لأن الله عز وجل قال : ) ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ( فجعل وقت الذبح الأيام ، والأيام جمع يوم ، واليوم هو النهار.

وروى الطبراني : أن النبي r  : ( نهى أن يضحى ليلاً ) .

أجاب أهل القول الأول عن أدلة المالكية :

قالوا : أما الآية : فإنها في مثل هذا يدخل في اليوم الليل والنهار كقوله تعالى : ) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ( أي بلياليهن وهنا كذلك , فإذا ذكرت الأيام مجموعة دخل ليلها فيها إلا أن يدل دليل على خروج ذلك .

وأما نهي النبي r  عن التضحية ليلاً فإن الحديث لا يصح بل هو ضعيف جداً فإن فيه راوياً متهماً بالكذب فالحديث لا يصح عن النبي r .

فما ذهب إليه الجمهور أقوى من أن الذبح ليلاً مجزئ .

فعلى ذلك الأولى أن يذبح نهاراً لكن إن ذبح ليلاً فإنه يجزئه ذلك على أن الأحوط هو الخروج من الخلاف القوي في هذه المسألة فيضحي نهاراً وكذلك في التضحية نهاراً إظهارٌ لهذه الشعيرة والله أعلم .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ فإن فات قضى واجبه ]

إذا خرج وقت الأضاحي بأذان المغرب من آخر أيام التشريق - على الراجح – وبأذان المغرب من ثاني أيام التشريق على المذهب.

فإذا خرج الوقت فلا تخلو الأضحية من أن تكون واجبة أو مستحبة فإن كانت الأضحية واجبة – وهذا حيث كانت منذورة أو قد عينها - فإنها تذبح ولو كان ذلك بعد خروج الوقت تحصيلاً لمصلحة تفريقها ويكون ذلك من باب القضاء .

أما إن كانت الأضحية مستحبة : فإذا ضحى بعد خروج الوقت فهي ليست بأضحية ، وإنما هي شاة لحمٍ ، فإن فرقها على الفقراء والمساكين فهي صدقة من الصدقات لأنها سنة فات محلها.

فإن كانت وصيةً فإنه يؤخرها إلى العام القادم فيضحي بأضحيتين لأنها في حق الموصي سنة.

 

 

 

فصــــل

 

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويتعينان بقوله : هذا هدي أو أضحية ]

فإذا قال : " هذا هدي أو أضحية أو لله " فإن هذه البهيمة يجب ذبحها لله هدياً أو أضحية باتفاق العلماء لأن لفظه يقتضي ذلك.

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ لا بالنية ]

كإخراجه ماله للصدقة ، لا يتعين بالنية.

ويتعين أيضاً بإشعاره أو تقليده مع النية.

والإشعار هو أن تُدْمى صفحة البعير اليسرى من جهة السنام حتى يخرج الدم ليظهر أنه هدي ، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي r  : ( أشعر بدنه وقلدها ).

والتقليد هو : أن يوضع فيها على هيئة القلادة نعال ونحوها .

وقد ثبت في الصحيحين أن النبي r  : ( أهدى غنماً وقلدها ).

وإشعار الغنم ليس مشروعاً بالإجماع ، وإنما المشروع هو تقليدها هذا في الهدي .

 وأما الأضحية فلم يُرو شيء في ذلك عن النبي r .

فإذا قلد هديه أو أشعره فإن هذا الفعل يقوم مقام التعيين باللفظ مع النية وهذا أصح قولي العلماء في هذه المسألة.

وقال شيخ الإسلام يتعين بالشراء مع النية وهو رواية عن أحمد.

والأرجح المذهب واستظهره شيخنا الشيخ محمد رحمه الله.

إذن : التعيين لا يثبت إلا باللفظ أو بالفعل الدال عليه كالإشعار والتقليد .

 

قوله رحمه الله تعالى : [  وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها ]

فإذا تعينت البهيمة هدياً أو أضحية فلا يجوز بيعها ، لأنها بتعيينها خرجت من ملكه وأصبحت حقاً لله تعالى فليس له التصرف فيها كالوقف وغيره .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ إلا أن يبدلها بخير منها ]

أي له إن اشترى أضحية من الغنم وعينها ثم رأى غيرها خيراً منها فله أن يبدلها بخير منها أو يبيعها ويشتري بثمنها خيراً منها.

قالوا : للمصلحة في ذلك فهو أنفع للفقراء هذا هو المذهب عند الحنابلة .

والوجه الثاني وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة قالوا : لا يجوز له ذلك لأنها قد تعينت بلفظه أو فعله فليس له -والحالة هذه - أن يبدلها ولو كان البدل خيراً منها .

وهذا هو مذهب الشافعية لأنه بتعيينه لها قد أخرجها من ملكيته وأصبحت حقاً لله تعالى فليس له أن يبدلها ولو كان هذا البدل خيراً منها .

والقول الأول أرجح كالنذر فإنه يجزئ الفاضل فيه عن المفضول فكذلك هنا.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ويجز صوفها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق به ]

إن كان جز الصوف من البهيمة أنفع لها كجزه في وقت الربيع ليكون أخف لها في رعيها فله ذلك لكنه يتصدق به .

أما إن كان هذا الجز لغير نفعها فليس له ذلك لأنها حق لله تعالى فليس له أن يتصرف فيه إلا بما ينفعه .

والراجح وهو اختيار القاضي وشيخنا الشيخ محمد أن له أن ينتفع به كالجلد بل أولى وهو الصواب هذا إن كان جزه أنفع لها.

- وهل له أن يركبها ؟ قولان لأهل العلم :

الأول : وهو مذهب الشافعية والمشهور في مذهب الإمام أحمد : أنه ليس له أن يركبها إلا عند الضرورة, بمعنى : أن يلجأ إلى ركوبها فلا يجد ظهراً غيرها يركبه .

الثاني : وهو مذهب المالكية وأحد الوجهين في المذهب: أن له أن يركبها مطلقاً ولو لم يُضطر إلى ركوبها.

استدل أهل القول الأول : بما ثبت في مسلم أن النبي r  سئل عن ركوب الهدي فقال : ( اركبها بالمعروف إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهراً ).

واستدل أهل القول الثاني : بما ثبت في الصحيحين أن النبي r : رأى رجلاً يسوق بدنةً فقال له النبي r : ( اركبها ) فقال : ( إنها بدنة ) فقال له النبي r  : ( اركبها ويلك ) في الثانية أو الثالثة .

والقول الأول أظهر لأن الحديث الذي استدلوا به أخص وأما قوله r  قد قيَّد هذا بقوله : ( اركبها ) فالظاهر أنه كان لا يجد ظهراً غيرها ولذا كان يسوقها .

فالأظهر أنه له أن يركبها إن اضطر إليها ، وهكذا الأضحية إن تعينت ، فإذا عين بدنة يضحي بها فله أن يركبها إذا اضطر إلى ذلك .

·   ويتبعها ولدها سواء عُينت وهي حامل أو حملت بعد تعيينها فإن ولدها يتبعها فحكمه حكمها هدياً أو أضحية وهو قول علي بن أبي طالب ولا يُعلم له مخالف كما روى ذلك عنه سعيد بن منصور ذكره في المغني .

وأما شرب لبنها ، فإنه إن لم يضر بولدها ولم يضر بلحمها فإنه يجوز وذلك لأنه هو الذي يعلفها ويطعمها ويقوم بشأنها فأشبه المرتهِن ، فإن المرتهِن يحلب الدابة المرهونة بقدر ما ينفق عليها من علف ونحوه فكذلك هنا .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ولا يعطي جازرها أجرته منها ]

الجزار لا يعطى أجرته منها ، فليس للمضَحي أن يعطيه أجرته من لحمها أو جلدها أو صوفها والدليل : ما ثبت في الصحيحين عن علي قال : ( أمرني النبي r أن أقوم على بدنه أن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها " وهو ما يوضع على ظهورها " وألا أعطي الجزار منها قال النبي r : نحن نعطيه من عندنا ) .

ولأنه إنما أذن له بالانتفاع بها أكلاً وغيره وأما البيع فلا .

فإن أعطاه منها هدية أو صدقة فلا بأس .

 

قوله رحمه الله تعالى : [  ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها بل ينتفع به ]

لما تقدم ، فإن الشارع إنما أذن له بأن يأكل منها وينتفع بها وأما البيع فلا ، وقد تقدم أن النبي r : ( نهى أن يعطى الجزار شيئاً منها ) ومثل ذلك : البيع ، فإن هذا دليل بالتنبيه على النهي عن بيع شيء منها .

فلا يجوز له أن يبيع جلدها أو صوفها أو نحو ذلك لكن له أن ينتفع به.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ وإن تعيّبت ذبحها وأجزأته ]

صورة هذه المسالة :

إذا عيَّن رجل أضحيته وقبل أن يأتي يوم النحر حدث فيها عيب يمنع الإجزاء بها أصلاً كأن يصيبها عرج بيِّن ، أو نحو ذلك فإنها تجزئ عنه .

ومثل ذلك لو أنه عين هدياً تطوعاً ثم حدث له عطب أو شيء يمنع من الإجزاء فإنه يجزئ عنه ولا يجب عليه أن يهدي غيره ولا أن يضحي بغيره .

وذلك لأنه ليس بواجب عليه في الأصل إنما وجب بالتعيين فإذا حدث له تلف أو عيب فإنه لا يجب عليه أن يبدله لأنه أمانة عنده فحصل له تلف بلا تعد ولا تفريط وكذا لو سرق.

 

قوله رحمه الله تعالى : [  إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ]

فإنه يجب عليه أن يذبح بدلها .

رجل معه هدي واجب فحدث في هذا الهدي الواجب عيب يمنع من الإجزاء وقد عينه بتقليده أو إشعاره أو بقوله : " هذا هدي ".

أو قال : هذه أضحية وكان قد نذرها فتلفت أو تعيبت فإن الواجب لا يسقط عنه فقد تعلق في ذمته ذبح شاة سليمة من العيوب فلا تبرأ ذمته بل تبقى مشغولة حتى يذبح ما وجب عليه.

وهل له التصرف بهذا المعيب أم ليس له التصرف به ؟

جمهور أهل العلم على أن له أن يتصرف بهذا المعيب وهو قول ابن عباس كما رواه سعيد بن منصور في سننه , وذلك لأنه لا يجزئ عنه وقد أوجب الشارع عليه بدله وحيث كان كذلك فإن هذا يكون قد عاد إلى ملكيته و بطل تعيينه .

·   وهدي التطوع إن حدث به عطب أو نحو ذلك فإنه ينحر ثم يؤخذ من دمه بالقلائد التي عليه ويلطخ بجوانبه ليعرفه الفقراء ولا يأكل هو ورفقته منه شيئاً فقد ثبت في مسلم عن ذؤيب أبي قبيصة : أن النبي r  كان يبعث معه بالبدن ثم يقول : ( إن عطب منها شيء " أي من هذه البدن كانت على هيئة التطوع " فخشيت عليه موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها " وهي القلائد التي على رقبتها " في دمها ثم اضرب به على صفحتها " أي على جانبها وهذا من أجل معرفة الفقراء لها " ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ) .

وهذا لسد الذريعة لكي لا يكون سَعْيٌ في إعطابها ليأكلها.

قوله رحمه الله تعالى : [ والأضحية سنة ]

لفعل النبي r  ، وقد ثبت في مسلم أن النبي r قال : ( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً ) وفي رواية : ( ولا يقلمن ظفراً ) .

قالوا : فعلق النبي r  الأضحية بإرادة المكلف والواجبات لا تعلق بإرادته ، بل يجب أن يفعلها مطلقاً ، هذا مذهب جمهور العلماء .

وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد : أنها واجبة على الغني .

واستدلوا : بما روى أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة أن النبي r  قال : ( من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا ) والحديث الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة قال الحافظ ابن حجر : ورجح الأئمة غيره وقفه أ . هـ .

وهو مخالف لقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ففي سنن البيهقي بإسناد صحيح : ( أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان مخافة أن يُقتدى بهما ) أي مخافة أن يقتدي الناس بهما فيعتقدون أنها واجبة .

والقول الأول : هو الراجح ، وليس في المسألة إلا فعل النبي r  وفعله لا يدل على الوجوب .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها ]

فذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها لفعل النبي r  ، ولأنه يؤدي إلى تعطيل هذه الشعيرة العظيمة.

 

قوله رحمه الله تعالى : [  وسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً ]

يسن له أن يأكل ثلثها ، وأن يتصدق بثلثها وأن يهدي ثلثها .

واستدلوا : بأثر عن ابن عمر ذكره الموفق في المغني ولم يعزه , وبأثر عن ابن مسعود ذكره الإمام أحمد فقال الإمام أحمد : " نحن نذهب إلى أثر عبد الله بن مسعود ".

وحيث لم نقف على الأثر ، فالذي يظهر لي هو اتباع الإمام أحمد في العمل بهذا الأثر فهو من أهل الحديث ومعرفة الآثار وحيث احتج به وليس عندنا ما يضعفه.فالأولى هو اتباع هذا الأثر .

فعليه : المستحب أن يقسم الأضحية أثلاثاً فيتصدق بثلثها ويهدي – أي إلى الجار والقريب – ثلثها، ويدخر لنفسه ثلثها هذا في الأضحية .

وأما في الهدي فالمستحب أن يأكل شيئاً منه ويتصدق بالباقي ، فقد ثبت في مسلم أن النبي r : ( أمر ببَضعة من كل بدنة فجعلت في قدر فأكلا منها وشربا من مرقها ) أي هو وعلي رضي الله عنه فلم يأخذ النبي r ثلثها بل أخذ ببضعة من كل واحدة منها .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز ]

فإن تصدق بجزء منها أي الأضحية ولو كان هذا الجزء يسيراً قدر أوقية جاز للإطلاق فإن النبي r أطلق الصدقة والأكل فقال : ( كلوا وتصدقوا ) وحيث أطلق النبي r  فأي شيء يصدق عليه أنه صدقة فإنه يجزئ عنه ، فلو أخذ بضعة فتصدق بها أجزأ عنه ولو أكل الباقي أو أهداه.

قوله رحمه الله تعالى : [ وإلا ضمنها ]

إن لم يخرج شيئاً منها ، فإنه يضمن هذا الشيء المجزئ فيجب عليه أن يشتري لحماً يتصدق به ، وذلك لأن الصدقة منها واجبة عليه لقوله r : ( تصدقوا ) وحيث أكلها أو فرقها ولم يتصدق منها بشئ فإنها تبقى في ذمته فيجب عليه ضمانها فيشتري لحماً ويتصدق به .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئاً ]

لا يجوز لمن أراد أن يضحي سواء باشر الأضحية هو أو باشرها غيره أن يمس من بشرته ولا من شعره ، وذلك للحديث المتقدم وقد قال النبي r : ( إذا دخلت العشر ) وذلك يكون من إهلال شهر ذي الحجة وهو ثابت في بعض روايات مسلم فإذا دخلت الليلة الأولى من شهر ذي الحجة فليس له أن يأخذ من شعره ولا من ظفره شيئاً للحديث المتقدم : ( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئاً ) وفي رواية : ( ولا يقلمن ظفراً ) .

وظاهر الحديث التحريم , فإن نهي النبي r  ظاهره التحريم إلا أن يدل دليل على الكراهية .

وذهب جمهور أهل العلم إلى الكراهية والأظهر التحريم كما هو مذهب الحنابلة لظاهر الحديث.

 

مسألة :

واعلم أن من تعينت أضحيته المسمية :

إن وقع فيها عيب من فعله فإنه يضمنها لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه فهي يد أمينة ، فإن حدث في هذه البهيمة شيء من العيوب بغير فعله فلا شيء عليه .

وأما إن كان بفعله وتعديه وتفريطه فإنه يلزمه أن يذبح غيرها لأنها تلفت في يده وبتعديه وتفريطه، فهي قد بقيت وتعدى عليها أو فرط في حفظها فوجب عليه أن يضحي بدلها .

 

مسألة :

وهل الأضحية مشروعة للحاج ؟

تقدم البحث في حكم الأضحية ، واعلم أن مذهب جمهور العلماء مشروعية الأضحية في يوم النحر مطلقاً للحاج وغيره ، وأن الحاج يشرع له أن يضحي كغيره من المسلمين .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين أن النبي r : ( ضحى في حجة الوداع عن نسائه بالبقر ) .

قالوا : فدل هذا على مشروعية الأضحية للحاج كغيره .

وقال المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام : إنها لا تشرع للحاج بل يشرع له الهدي .

واستدل على هذا الشنقيطي في أضواء البيان بقوله تعالى : ) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ( قال : فبهيمة الأنعام المذكورة في هذه الآية الكريمة هي الهدي بدليل أن الله عز وجل ذكر الأذان بالحج إليها فقال : ) وأذن في الناس ( وقال : ) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ( فبين أن العلة من الأذان بالحج أن يشهدوا منافع لهم وأن يذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، ومعلوم أن الأضحية لا تحتاج إلى هذا فإن الأضحية تثبت بكل موضع فتبين أن بهيمة الأنعام التي يذكر اسم الله عليها في هذه الآية الكريمة هي الهدايا لا الأضاحي .

ويستدل على هذا أيضاً : أن النبي r  لم يصح عنه ولا عن أصحابه إلا الهدي في حجة الوداع .

وأما قوله : ( ضحى ) فمن تصرف بعض الرواة ، بدليل أنها وردت في بعض الروايات ( نحر ) وفي بعضها ( أهدى ).

ويدل على هذا أن نساء النبي r  كـن قارنات فدل هذا على أن هذا الذبح كان لهدي القران ، وأن لفـظة ( ضحى ) من تصرف بعض الرواة .

فالراجح ما ذهب إليه المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام وأن الهدي هو المشروع للحاج دون الأضحية .


فصــــلٌ

 

قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ تسن العقيقة ]

العقيقة : فعيلة بمعنى مفعولة فهي عقيقة بمعنى معقوقة ، من العق وهو القطع ، والعقيقة هي الذبيحة تذبح عن المولود ، وسميت عقيقة لأنها تقطع عروقها عند الذبح.

" تسن " : فالعقيقة سنة مؤكدة وهو مذهب جمهور العلماء .

 واستدلوا على سنيتها بما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي r : ( عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين ) .

أما ما رواه أبو داود أن النبي r : ( عق عن كل واحد منهما بكبش ) فإن الحديث ضعيف فالصواب أنه مرسل كما قال أبو حاتم الرازي وغيره .

وفي الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قالت : ( أمرنا النبي r أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة ) وإسناده صحيح .

ولا تجب – أي العقيقة – كما ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي r  سُئل عن العقيقة فقال : (لا يحب الله العقوق كأنه كره الاسم ، وقال من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك ؛عن الغلام شاتان مكافئتان " متماثلتان متشابهتان في السن والإجزاء وفي السلامة من العيوب " وعن الجارية شاة ) .

قالوا : فقد قال r : " من أحب أن ينسك " فعلقه بإرادة المكلف ومحبته ، وحيث كان ذلك فإن هذا يدل على عدم وجوبه.

وفي قوله r : (لا يحب الله العقوق ) يدل على أن هذا الاسم " العقيقة " الأولى ترك المداومة عليه ، دون إطلاق التسمية من غير مداومة لقوله r  فيما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح : ( كل غلام رهينة بعقيقته ) فسماها – أي هذه الذبيحة – عقيقة ، فدل على أن المكروه هو أن تغلب هذه التسمية على أسمائها الأخرى ، و هذا كتسمية المغرب بالعشاء وكتسمية العشاء بالعتمة فإنها إنما تكره إن غلبت غيرها من الأسماء الشرعية فعلى ذلك تسمى بالنسيكة فإن سميت تارة بالعقيقة من غير أن يهجر الاسم الشرعي وهو النسيكة لاختيار النبي r  الفعل المشتق منها ، فقد قال r  وقد كره العقوق : ( من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه ) ، و تسمى عندنا بالتميمة لأنها تتم أخلاق المولود.

تقدم أن مذهب جمهور العلماء وهو المشهور عند الحنابلة أن العقيقة سنة مؤكدة.

وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من أصحابه واختاره أهل الظاهر وهو قول الحسن البصري أن العقيقة واجبة .

واستدلوا : بما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي r  قال : ( كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع و يحلق رأسه ويسمى ) والشاهد قوله : " رهينة بعقيقته " قالوا : فهو محبوس مرتهن بعقيقته فلا فكاك له من هذا الحبس وهذا الارتهان إلا بالعقيقة . وكما أن الرهن يجب أن يفك فكذلك يجب أن يفك رهن هذا الغلام فيعق عنه.

واستدلوا : - أيضاً – بحديث عائشة المتقدم : ( أمرنا النبي r أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة ) .

وفي الاستدلال بهذين الدليلين نظر .

أما الدليل الأول : فإن الله عز وجل لا يوجب على أحد – إلا أن يكون هذا صريحاً – لا يوجب على أحدٍ ما يكون فكاكاً لغيره إلا أن يرد هذا صريحاً كإيجاب صدقة الفطر عن الولد و من ينفق عليهم لقوله تعالى : ] ولا تزر وازرة وزر أخرى [ .

ولأنه لا يجب على الأب أن يقضي دين ولده الذي توفي وعليه دين مع أنه محبوس بدينه أعظم من هذا الحبس فإن هذا يتعلق بحق الآدمي وأما الأول فغايته أن يكون متعلقاً بحق الله وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة.

وأما حديث عائشة : فالأمر فيه للاستحباب ، فإن الحديث فيه الأمر بأن يعق عنه بشاتين وقد دلت الأحاديث على أنه لو عق عنه بشاة ، فإن ذلك يجزئ .

ففي سنن أبي داود بإسناد حسن عن بريدة قال : ( كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة و لطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح الشاة " أي عن الغلام " ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران ) فكره الشارع لطخ رأسه بدم العقيقة وشرع حلق رأسه وأن يلطخ بزعفران والشاهد قوله : ( فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح الشاة) فدل على أن الشاة تجزئ.

والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء وأن النسيكة سنة مستحبة وليست بواجبة والله أعلم .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ]

لحديث عائشة المتقدم : ( أمرنا النبي r  أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة ) .

فإن لم يكن عنده ما يعق اقترض إن كان له وفاء ، قال الإمام أحمد : " أرجو أن يخلف الله عليه".

 

قوله رحمه الله تعالى : [ تذبح يوم سابعه ]

استحباباً لحديث سمرة الذي رواه الخمسة وقد تقدم وفيه : ( تذبح يوم سابعه )  .

فإن ذبحها قبل سابعه أجزأت عند جمهور العلماء.

لحديث : ( كل غلام مرتهن بعقيقته ) وحيث كان كذلك فإنها إن ذبحت قبل السابع فإنه يفك رهنه كما يفك الرهن بإعطاء الحق قبل أوانه .

وقوله r : ( تذبح يوم سابعه ) للاستحباب بدليل ما صحَّ مما سيأتي من السنة من جواز ذبحها بعد ذلك في اليوم الرابع عشر وفي اليوم الحادي والعشرين ، فإذا ثبت هذا – وسيأتي – فإن هذا يدل على أن قـوله r : (تذبح يوم سابعه ) أنه للاستحباب ، ولأن ذبحها قبل سابعه يحصل به المقصود .

ويستحب في اليوم السابع : أن يحلق رأسه و يلطخ بزعفران و يتصدق بوزن شعره فضة – هذا إن كان غلاماً ذكراً – ففي المسند بإسناد جيد عن أبي رافع قال : ( لما ولد الحسن قالت فاطمة للنبي r : أعق عنه قال : لا " وذلك لأن النبي r أحب أن يعق عنه كما تقدم " ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة ) ,والحديث في الغلام .

وأيضاً قوله r  : ( كل غلام رهينة بعقيقته ) وقال : ( ويحلق ) ولأن النساء يكره في حقهن الحلق , وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن الحلق واللطخ بالزعفران بعد الحلق ، والتصدق بوزن شعره من الفضة – أنه مختص بالذكور دون الإناث وهو ظاهر الأحاديث الواردة في هذا الباب .

وأما التسمية فقد تقدم حديث سمرة وفيه : ( ويسمى ) وأن ذلك في اليوم السابع ، وهذا مذهب بعض الحنابلة , قالوا : يستحب أن تكون التسمية في اليوم السابع .

وذهب بعض الحنابلة إلى أن المستحب في التسمية أن تكون حين ولادته .

واستدلوا : بما ثبت في الصحيحين أن النبي r  قال : ( ولد لي الليلة ولد فسميته باسم أبي إبراهيم ) .

وثبت فيهما عن أنس بن مالك : ( أنه ذهب بابن لأبي طلحة حين ولد إلى النبي r  فحنكه بتمر وسماه عبد الله ) .

وثبت أيضاً في الصحيحين أن النبي r : ( سمى المنذر بن الأسود: المنذر حين ولد ) .

وهذه أحاديث متفق عليها دلت على أن التسمية مشروعة حين الولادة ، وكلا الأمرين حسن لكن الأظهر أن الافضل التسمية عند ولادته لأن الأحاديث الواردة فيه أصح ، فإن سمي يوم سابعه فحسن .

 

قوله رحمه الله تعالى : [  فإن فات ففي أربعة عشر فإن فات ففي إحدى وعشرين ]

لما روى الحاكم في مستدركه بإسناد جيد أن امرأة من آل عبد الرحمن بن أبي بكر نذرت إن ولدت امرأة عبد الرحمن نحرت جزوراً ، فقالت عائشة : ( لا بل السنة عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة تذبح جُدولاً " أي أعضاء " ولا يكسر لها عظم وأن يكون ذلك يوم سابعه فإن لم يكن ففي أربعة عشر فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين ) وفي قولها : " لا بل السنة " يدل على أنه من سنة النبي r  ولو لم يثبت ذلك سنة فإنه قول صحابي لا يعلم له مخالف فيكون حجة .

فعلى ذلك : إن فات السابع فيستحب له أن يتأخر إلى اليوم الرابع عشر فإن فاته اليوم الرابع عشر فيستحب له أن يتأخر إلى اليوم الحادي والعشرين فإن فات اليوم الحادي والعشرين فإنه يذبحها متى شاء .

والمذهب أنها تذبح عنه ولو كان ذلك بعد بلوغه وهو ظاهر لأنه لا آخر لوقتها.

وعن الإمام أحمد أنها تختص بالصغير أي غير البالغ.

وأما ما رواه الطبراني أن: ( النبي r عق عن نفسه ) فإنه إسناد لا يثبت وقد أنكره الإمام أحمد .

واستحب الحسن وعطاء أن يعق عن نفسه إن لم يعق عنه أبوه وهو قول طائفة من الحنابلة وهو الراجح لأنه مرتهن بها ، وقال الإمام أحمد : " لا أقول به ولا أكرهه" ، وهو المذهب وأنه لا يستحب.

·   والذي يعق عنه في المشهور عند الحنابلة هو الأب فقط ، فلا يجزئ أن يعق عنه غيره إلا عند موت أو امتناع .

وقال الشافعية : بل كل من ينفق عليه ، فمن وجبت عليه النفقة فإنه يعق عنه سواء كان أباً أو أخاً أو عماً .

وذهب بعض أهل العلم وهو اختيارالشوكاني إلى أن العقيقة تجزئ من الأب و من غيره مطلقاً.

فمن عق عنه ولو كان الناسك بعيداً عنه لا ينفق عليه فضلاً أن يكون أباً فإن ذلك يجزئ .

واستدل بأن النبي r  : ( عق عن الحسن والحسين ) وأبوهما علي رضي الله عنهم ، والنبي r  لا تلزمه النفقة عليهما وهذا هو القول الراجح .

وما ذهب إليه الحنابلة والشافعية لا دليل عليه ، فالراجح أنه إن عق عنه فإن ذلك يجزئ من غير نظر إلى فاعل ذلك سواء كان أباً أو غيره منفقاً أو غيره ، لأن ذلك كقضاء الدين عنه.

ويعق عن اليتيم لأنه مرتهن بها بخلاف الأضحية كما تقدم.

 

قوله رحمه الله تعالى : [ تنزع جدولاً ولا يكسر عظمها ]

" جدولاً " أي أعضاءً ، فلا تكسر عظامها ، ولذا قال : " ولا يكسر عظمها " أي تنزع اليد ، والرجل ، والرقبة هكذا عضواً عضواً ولا تكسر عظامها،للأثر المتقدم عن عائشة قالت : ( وتذبح جدولاً ولا يكسر لها عظم ).

ولما في ذلك من التفاؤل بأن يكون هذا الغلام سليم الأعضاء من الكسر أو العيب .

وقد استحب الحنابلة أن تطبخ لأن ذلك أيسر مؤونة على الفقير ، لكن إن كان إعطاؤه إياها لحماً من غير طبخ أحب إليه أي لحفظها وتخزينها فإن ذلك أفضل، فيراعى في ذلك مصلحة الفقير من طبخ أو غيره .

وفي أثر عائشة المتقدم قالت : ( فتأكل وتطعم وتتصدق ) أي يأكل صاحب العقيقة منها ويطعم جاراً أو قريباً ويتصدق على الفقير ، كالأضحية يؤكل منها ويُتصدق ويُهدى.

ومذهب الحنابلة أنه يجب أن يتصدق منها بشئ وإلا ضمنه قياساً على الأضحية لأنها أشبهتها في سنها وشروطها فكذلك في مصرفها فكلاهما نسيكة مشروعة غير واجبة و الله اعلم.

 

قال : [ وحكمها كالأضحية ]

فيشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية من كونها سليمة من العيوب ذات سن مجزئة ، إن كانت من الإبل فخمس سنين ، وإن كانت من البقر فسنتان وإن كانت من المعز فسنة وإن كانت من الضأن فستة أشهر , وهذا من باب القياس , والجامع أن كليهما نسك فقد سماها النبي r نسكاً واستحبها فتقاس على الأضحية .

 

قوله رحمه الله تعالى : [  إلا أنه لا يجزئ فيها شرك في دم ]

هذا استثناء ، فهي في أحكامها كالأضحية لكن لا يجزئ فيها شرك في دم ، فليس له أن يشارك غيره في بدنة أي في العقيقة وتقدم أن السبع من البدنة والبقرة يجزئ عن شاة في الأضاحي والهدي .

قالوا : أما العقيقة فلا فلو أن له ثلاثة من البنين فأراد أن يذبح جزوراً فيعق به عنهم لم يجزئ .

قالوا : لأن مجراها مجرى الفداء فهي فداء عن النفس فكانت النفس بالنفس.

وقال جمهور العلماء : بل يجزئ ذلك وهذا أظهر لأن الشريعة دلت على أن السبع من البدنة أو البقرة يقوم مقام الشاة ، وقد تقدم أن العقيقة مقيسة عند أهل العلم على الأضحية فكذلك هنا الأضحية .

وأما قولهم : إنها فداء عن النفس , فالجواب أن سُبعَ البدنة يقوم مقام الشاة الواحدة .

لكن المستحب أن يذبح شاتين عن الغلام وشاة واحدة عن الجارية وأنها أفضل من السبع مطلقاً بل الظاهر أنها أفضل من الجزور ، لما تقدم من قول عائشة فيمن نذرت جزوراً : ( لا بل السنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ) ولفعل النبي r  فإنه قد ذبح عن الحسن والحسين بكبشين كبشين فالأظهر أن الشاة في باب العقيقة أفضل من الإبل والبقر.

وهل يجزئه أن يضحي ويدخل العقيقة في أضحيته فيذبح ذبيحة واحدة في يوم النحر وأيام التشريق وينوي بها العقيقة والأضحية.

ثلاثة روايات عن الإمام أحمد :

الأولى : الإجزاء وهو المشهور عند الحنابلة .

الثانية : عدم الإجزاء .

الثالثة : التوقف في هذه المسألة .

وأصح هذه الروايات عدم الإجزاء خلافاً للمشهور في المذهب لأن كلاً منهما – أي العقيقة والأضحية –مقصود لذاته فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى ، هذا هو القول الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد ، وهم استدلوا بإجزاء النافلة عن تحية المسجد وإجزاء الفريضة عن تحية المسجد .

وهذا ضعيف فإن تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها فإن المقصود أن لا يجلس حتى يصلي سواء صلى فريضة أو نافلة بخلاف العقيقة والأضحية فإن كليهما مقصود لذاته .

 

قوله رحمه الله تعالى : [ ولا تسن الفَرَعة ولا العتيرة ]

الفرعة هي ذبح أول ولد للناقة فإن أهل الجاهلية كانوا يذبحونها لآلهتهم.

والعَتِيرة : هي الرجبية أي الذبيحة تذبح في أول رجب وهما من سنن الجاهلية وقد أبطلهما الإسلام .

ففي الصحيحين أن النبي r  قال : ( لا فَرَع ولا عتيرة ) وزاد النسائي : ( في الإسلام ) .

قال الحنابلة لا يستحبان و لا يكرهان إذا لم يكن على وجه التشبه بهم.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : ظاهر الأحاديث المنع ، وذلك لأن العبادات مبناها على التوقف .

        وهذا ظاهر في العتيرة وأما الفرع فجاء في السنة ما يدل على جوازها فقد روى الخمسة إلا الترمذي وإسناده صحيح عن نُبيشة الهذلي قال نادى رجل رسول الله r : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب ، فما تأمرنا ؟ (قال r  :اذبحوا في أي شهر كان ، وبروا الله عز وجل ، وأطعموا ) ، قال إنا كنا نُفْرِع فَرَعاً في الجاهلية فما تأمرنا ؟ قال : ( في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه على ابن السبيل فإن ذلك هو خير) ، و في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة قالت : ( أمرنا النبي r من كل خمسين شاة شاة ) .

 

مسألة :

الجنين الذي نفخت فيه الروح ثم مات في بطن أمه قبل ولادته لا يظهر أنه يستحب أن يعق عنه ، لكن إن عق عنه فلا بأس ولا يظهر استحباب ذلك لظاهر الأحاديث : ( كل غلام ) وهو ليس كذلك ، ولقوله r : ( من ولد له ولد ) .

وأما إن مات قبل سابعه فإنه يعق عنه لقوله r : ( من ولد له ولد ) وقوله : ( كل غلام رهينة بعقيقته ).

فالأظهر أن  من ولد فإنه تشرع عنه العقيقة وإن مات بعد ذلك لأنه غلام وولد فيدخل في عموم الأحاديث.

 

مسألة :

الأذان في أذن الصبي مستحب ، لما روى أبو داود والترمذي أن النبي r : ( أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمةبالصلاة ) يعني حين الولادة ، والحديث فيه عاصم بن عبيد الله وفيه ضعف ، وقال الترمذي " والعمل عليه عند أهل العلم".

وأما الإقامة فقد جاءت عند ابن السُني بإسناد لا يصح.

 

مسألة :

وأما التحنيك بتمر حيث لم يقصد التبرك بالريق فحسن .

أما إن ذهب إلى صالح ليحنكه فهذا من التبرك المنهي عنه.

 

مسألة :

ولا تجزئ العقيقة إلا أن تكون من بهيمة الأنعام .

 

مسألة :

        قوله: " مرتهن " اختلف أهل العلم في المراد منها فقال عطاء : " محبوس عن الشفاعة لوالديه " وتبعه على هذا الامام أحمد ، قال ابن القيم : " وفيه نظر لا يخفى " ، وقيل : " إنها لازمة كلزوم الرهن " وهذا أظهر أي مؤكدة، وقيل : " محبوس عن الحماية من الشيطان " والأظهر ما تقدم .

 

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net