بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
كتاب الجهاد
الجهاد : مصدر على زنة فِعال , وهو مصدر فاعل فِعالا ، أي جاهد جهاداً .
وهو المبالغة في قتال العدو ، فيقال : جاهد فلان أي بالغ في قتال عدوه .
وهو في الشرع : جهاد الكفار خاصة .
وهو من الجُهد بضم الجيم وفتحها ، قيل هما مترادفا , وقيل بالفتح : المشقة،وبالضم : الوسع والطاقة , وهو المشهور .
وفضيلة الجهاد متواترة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ و هو فرض على الكفاية ].
فالجهاد فرض كفاية , فيجب على الأمة الإسلامية أن تجاهد في سبيل الله فإن قام منها طائفة به على وجه يكفي سقط الإثم عن الباقين .
فإن لم تقم طائفة منهم بذلك أو قامت طائفة على وجه لا يكفي فإن الإثم يعمهم.
فإذا قامت طائفة بالجهاد في سبيل الله بالنفس والمال هجوماً على الكفار ودفاعاً عن البلاد الإسلامية فكانت كلمة الله هي العليا سقط الإثم على الباقين ، وهذا مع القدرة .
أما مع العجز بأن كان المسلمون على ضعف عدداًً وعدةً فإن الواجبات تسقط مع العجز كما قال الله تعالى : ] لا يكلف الله نفساً إلا وسعها [ ولكن لاشك أن الأمة إذا فرّطت في الاستعداد وفي التطور المادي مما يحتاج إليه في جهاد أعدائها فأصبحت أمة ضعيفة فلا شك أنها تكون آثمة.
فإن لم يكن لديها قوة فلا يجوز القتال لما في ذلك من إلقاء النفس بالتهلكة ، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة لأنهم كانوا عاجزين ضعفاء.
إذن الجهاد فرض كفاية , وعليه فلا يجب على كل مسلم أن يجاهد في سبيل الله بل إذا قامت طائفة من الأمة بالجهاد في سبيل الله سواء كان ذلك على وجه التبرع منها أو كانوا جنداً لهم رزق من بيت المال فإن الإثم يسقط عن الأمة حيث قاموا بالكفاية - كما تقدم ؛ وترتب على هذا الجهاد ظهور الدين وإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض .
والأدلة كثيرة في كتاب الله على فرضية الجهاد ومن ذلك :
قوله تعالى : ] كتب عليكم القتال وهو كره لكم [ ، وقوله تعالى : ] انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [.
ومن الأدلة على أنه على الكفاية لا على الأعيان :
قوله تعالى : ] لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعـد الله الحسنى[ أي وعد المجاهد والقاعد .
ولقوله تعالى : ] وما كان المؤمنون لينفروا كافة [ .
وعليه عمل النبي r فإنه كان يبعث السرايا و هو في المدينة وسائر أصحابه رضي الله عنهم أجمعين ، فهذا يدل على أن الجهاد فرض كفاية وهو مذهب عامة العلماء .
وأما قوله تعالى : ] إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليماً ويستبدل قوماً غيركم [ , فهذا في من استُنفر قال تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض [ إلى قوله تعالى : ] إلا تنفروا يعذبكم [ .، و قال r : ( وإذا استنفرتم فانفروا ) واه البخاري.
وفي سنن أبي داود عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ( قَالَ : ] إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [ ] وَمَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ [إِلَى قـَوْلِهِ ] :يعْمَلُونَ [ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا : ] وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفرُوا كَافَّةً[ ).
واعلم أن الجهاد لا يجب إلا بسبعة شروط :
الشرط الأول : الإسلام وهو ظاهر .
الشرط الثاني : العقل لأنه مناط التكليف.
الشرط الثالث : البلوغ ، ودليله حديث عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ : ) رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثة عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ )أ.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ : ( عَرَضنى رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشـْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَـنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي ) واللفظ لمسلم.
الشرط الرابع : الذكورية ، أي أن يكون ذكرا ، فلا يجب الجهاد على الأنثى ، ودليل ذلك : ماثبت في البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ r فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ ) .
وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عنها قالت : (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ) .
الشرط الخامس : الحرية ، فلا يجب على العبد ، هذا هو المشهور في المذهب وذلك لحق سيده.
الشرط السادس : السلامة من الضرر .
فالأعمى والأعرج والمريض لا يجب عليهم الجهاد في سبيل الله وإن تعين على غيرهم لقـوله تعـالى : ] ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج [ .
والمراد بالعرج : العرج الفاحش ، الذي يؤثر في المشي والركوب لا مطلق العرج.
ومثل ذلك المرض ، فالمرض الذي يؤثر عليه ويشق عليه معه الجهاد في سبيل الله ، لا مطلق المرض.
وعلى ذلك : إن كان مستطيعاً ببدنه فيجب عليه الجهاد ، وإلا فلا فالأعمى والأعرج شديد العرج والمريض شديد المرض لا يستطيعون بأبدانهم الجهاد في سبيل الله.
الشرط السابع : وجود النفقة ، أي أن يكون لديه ما ينفقه على نفسه في آلات الحرب وفي زاده ، إن لم تكن هناك نفقة من بيت مال المسلمين .
فإن لم يكن هناك نفقة فلا يتعين عليه الجهاد لقوله تعالى : ] ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون - في الجهاد - حرج إذا نصحوا لله ورسوله [ .
إذن الجهاد يشترط في وجوبه : وجود النفقة أي : القدرة أو الاستطاعة المالية التي بها يتزود للجهاد ويحصل السلاح.
فإن كان معه نفقة تكفيه في جهاده وتفضل عمن يعول وجب عليه الجهاد فعلا.
وعليه : فإن كان معه نفقة لكنها لا تفضل عمن يعول بحيث يضر بأهله فإن الجهاد لا يجب عليه قال تعالى : ] ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ....[ الآية .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن العاجز ببدنه عن الجهاد والقادر بماله يجب عليه أن يجاهد بماله .
ويدل على ذلك قوله تعالى : ] جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [ فأمر سبحانه وتعالى بالجهاد بالمال .
وعليه : فيجب على النساء أن يجاهدن بأموالهنّ .
وإن احتيج إلى مال الصبي للجهاد في سبيل الله فإنه يؤخذ منه أيضا كالزكاة فهذا من الجهاد المالي .
فإذا احتاج المسلمون إلى أموال الصغار و أموال النساء فإنه يتعين إخراج حاجة المسلمين من أموالهم.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا : أنه إذا تعين الجهاد بالمال واحتاج المسلمون إلى المال في الجهاد فإن دفعه إلى القائم على الجهاد مقدم على وفاء الدين .
قال: لأنه أولى من النفقة حينئذٍ ، ومعلوم أن النفقة الواجبة كالنفقة على ولده وزوجه مقدمة على وفاء الدين ، وهو أولى من النفقة.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ وَ يَجِبُ إذَا حَضَرَهُ ].
ولو عبداً لعمومات الأدلة.
أي إذا حضر القتال أي الصف ؛ فالمسلمون والكفار صافون للجهاد فقد تعين عليه الجهاد وإن كان في الأصل مستحباً له ، لكن إذا حضر الصف فإن الجهاد يكون فرض عين في حقه .
لقوله تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا [ ، وقوله تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير [.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ أوْ حَصَرَ بَلَدَهُ عَدُوٌّ ].
وهي في الأصل في المقنع " أو حضر " بالضاد وضبطها بعض الحنابلة " أو حصر" بالصاد ، أي إذا حصر بلده عدو.
والأولى " حضر " بالضاد كما هو المشهور ، وذلك لأن الحكم معلق بحضور العدو سواء حصر البلد أم لا فإذا حضر العدو لقتال المسلمين فإن الجهاد يكون فرض عين على من فيها من المسلمين .
دون غيرهم من أهل البلدان الأخرى فلا يجب عليهم الجهاد إلا أن لا تحصل الكفاية بقتال أهل هذه البلد فيجب على أهل البلاد الأخرى أن يعينوا إخوانهم بمن تقوم بهم الكفاية الأقرب فالأقرب.
ومثل ذلك من احتيج إليه فإن الجهاد يتعين عليه ، كمن يُحتاج إليه في معرفة الطريق أو للقيادة أو لإتقانه نوعاً من الأسلحة لا يتقنه غيره فإن الجهاد يكون فرض عين عليه لأن الكفاية لا تقوم إلا بحضوره ويدل على أن الجهاد فرض عين فيما إذا حضر بلده عدو ، أنه لا تحفظ الأديان والأعراض إلا به.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ أو استنفر الإمامُ ].
يتعين الجهاد على من استنفرهم الإمام إلا لعذر و ذلك لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ :( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) رواه البخاري.
وهذا الحديث يدل على أن أمر الجهاد موكول بالإمام واجتهاده وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ونحو ذلك, إلا أن يتعذر استئذانه كمناجزة عدو أغار على المسلمين فلا يجب لمصلحة تتيقن في ذلك وترك قتالهم فيه مفسدة متعينة ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي r وفيهم سلمة بن الأكوع قاتلهم بلا إذن منه r فقال e:( خير رجالنا سلمة بن الأكوع وأعطاه سهم فارس وراجل ) رواه مسلم.
وقد تقدمت الآية الكريمة والكلام عليها ]: يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سيبل الله اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئا [ فإذا استنفر الإمام طائفة أو خصص شخصا بعينه فإنه يتعين عليه ذلك .
ولأن طاعة الإمام واجبة في مثل ذلك وقد قال r : (عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ) تفق عليه .
ومنذ مقتل عثمان والأمة الأسلامية لا تدين لإمام واحد ، وعلى هذا فولي الأمر الأعلى في كل بلد يطاع في ذلك.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حالة رابعة : وهي إذا كان من الجند الذين جعل لهم الإمام أرزاقا على أن يجاهدوا في سبيل الله كالجيش والمجاهدين وغيرهم فهؤلاء يتعين عليهم الجهاد لما بينهم وبين الإمام من عقد قال تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و تمام الرباط أربعون يوما ].
الرباط : هو الإقامة بالثغور التي بين المسلمين و الكفار.
والمقصود بها الحدود بين بلدة إسلامية وبلدة كافرة محاربة ، أي الأماكن والمواضع التي يخيف المسلمون الكفار فيها ويخيف الكفارُ المسلمين فيها فهذه هي الثغور .
وسمي رباطا لأن الخيل تربط فيه استعدادا للقتال في سبيل الله .
وأفضل الرباط ما يكون في ثغر هو أشد من غيره خوفا أي احتمال ورود الكفار إلى المسلمين منه وأفضل الرباط ما كان في موضع الخوف فيه أشد للحاجة إلى لزومه .
وقد وردت أحاديث تدل على فضيلة الرباط في سبيل الله ؛ من ذلك :
ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي r قال : ( رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفُتَّانَ ) أي فتنة القبر وهي سؤال منكر ونكير فالرباط في سبيل الله من أفضل الأعمال .
قال شيخ الإسلام : والرباط أفضل من الإقامة في مكة إجماعاً.
وقد ذكر المؤلف هنا أن تمام الرباط أربعون يوما فهذا تمامه و يجزئ و لو ساعة فلا أقل له.
لما روى الطبراني في الكبير مرفوعا : ( إن تمام الرباط أربعون يوما ) لكن إسناده لا يصح وإنما ثبت موقوفا على أبي هريرة كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه.
وعلى ذلك فالمستحب له أن يرابط أربعين يوما لثبوت ذلك عن أبي هريرة وهذا لا مجال للرأي فيه وما كان كذلك من أقوال الصحابة رضوان الله عنهم فإن له حكم الرفع ، ولذا استحبه الإمام أحمد وغيره .
ويكره وهو المذهب للمرابط أن يحمل نساءه وذريته في المواضع المخوفة لئلا يظفر العدو بذلك الثغر فيستولي على من فيه من نساء المسلمين وذراريهم ، وقد يقال بالتحريم.
ويستثنى من ذلك أهل الثغر ، أي أهل تلك البلدة فإنه لا بد لهم من السكنى وأهليهم ولو لا ذلك لتركت الثغور وتعطلت .
وأما من يأتي إليهم من المرابطين في سبيل الله فإنه نهي عن ذلك.
ومن الأعمال الفاضلة : الحراسة في سبيل الله .
وقد روى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ : عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) .
وقال r لأنس بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه وقد بات يحرسهم ليلة : ( أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعد ذلك ) رواه أبوداود.
واعلم أن الجهاد في سبيل الله ـ المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه أفضل الأعمال ، فهو أفضل من سائر النوافل والدليل ما ثبت في الصحيحين أن النبي r قيل له : أي الناس أفضل؟ فقال : ( مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ) ، ولاشك أن تفضيل المتصف بهذه الصفة وجعله أفضل من غيره يدل على أن هذه الصفة أفضل من غيرها من الصفات .
وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَة t: (أَنَّ رَســُولَ اللَّهِ r سُئِلَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : حَجٌّ مَبْرُورٌ ) .
وعن الإمام أحمد رواية أخرى : أن تعلّم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد في سبيل الله .
والظاهر أن العلم تعلما وتعليما نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله وأن تفضيل أحد النوعين على الآخر راجع إلى المصلحة العامة فإذا كان الاشتغال بالعلم أصلح للأمة من الاشتغال بالجهاد ـ كما في هذه الأزمان ـ فإن العلم أفضل .
وأما إن كانت الأمة محتاجة إلى الجهاد في سبيل الله وإلى المجاهدين فإن الاشتغال بالجهاد في سبيل الله أفضل من العلم .
فهما نوعان من جنس واحد وكوننا نفضل أحدهما على الآخر على الإطلاق فيه نظر ، بل هما في درجة واحدة لكن إن اقتضت المصلحة العامة تفضيل أحدهما فهو أفضل .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :" استيعاب العشر الأوائل من ذي الحجة بالصلاة ليلا ونهارا أفضل من الجهاد في سبيل الله الذي لم تذهب فيه نفسه وماله".
وهو كما قال وهذا استثناء يدل عليه ما ثبت في البخاري أن النبي r قال: ( مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ. قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ).
ولذا قيد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا التفضيل بقوله : " إلا ما يذهب فيه النفس والمال ", فالجهاد الذي يذهب فيه النفس والمال أفضل من الجهاد في عشر ذي الحجة .
إذن استيعاب عشر ذي الحجة بالعمل الصالح من العبادة والصيام والقيام أفضل من الجهاد في سبيل الله الذي لم تذهب فيه النفس والمال .
قال : وهي أي العبادة في غير عشر ذي الحجة تعدل الجهاد ، أي استيعاب أيام السنة بالعبادة.
فقد ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ : قِيلَ لِلنَّبِيِّ r : مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ :( لَا تَسْتَطِيعُونَهُ ) قَالَ : فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا تَسْتَطِيعُونَهُ وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ : (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) ، فمن كان هذا نصيبه من العبادة لا يفتر من الصيام والقيام قائم قانت بآيات الله قد أسهر ليله في العبادة وأظمأ نهاره بالصيام فإن عمله يعدل عمل المجاهد في سبيل الله .
إذن : فاستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلا ونهاراً أفضل من الجهاد في سبيل الله الذي لم تذهب فيه النفس والمال بنص حديث النبي r.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعا إلا بإذنهما ].
" وإذا كان أبواه ": الأب المباشر والأم المباشرة , دون الجد والجدة ؛ لأنهما ليسا كالأبوين المباشرين في الشفقة ولا في الحق فلم يلحقا بهما , والأصل تصرف الشخص بنفسه بلا إذن غيره.
وقوله: " مسلمين " : قيد يخرج ما إذا كانا كافرين .
وقوله :" تطوعا " : قيد آخر يخرج ما إذا كان الجهاد فرضاً لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه مسألة اتفق العلماء عليها ، وأنه لا يخرج إلى الجهاد المستحب إلا بإذن والديه المسلمين .
لما ثبت الصحيحين : من حديث عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ) .
ولو أذنا له ثم منعناه فعليه الرجوع إذا لم يتعين عليه بحضور الصف ونحوه ولم يخف على نفسه من الرجوع ولو أذن له أبواه في الجهاد وشرطا عليه أن لا يقاتل فحضر القتال تعين عليه وسقط شرطهما .
مسألة :
فإن كان والداه كافرين لم يستأذنهما كما هو ظاهر كلام المؤلف وهو المشهور في مذهب الحنابلة وغيرهم .
قالوا : وعليه عمل الصحابة فإنهم كانوا يجاهدون بغير إذن آبائهم الكفار كأبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وغيره .
وقالوا : يستبعد أن يأمر الشارعُ المسلمَ باستئذان الكافر في جهاد أهل ملته أو غيرهم من ملل الكفر مع أنه عدو لله ورسوله .
وقال الثوري : بل يستأذن الوالد الكافر في الجهاد في سبيل الله واستدل بعمومات النصوص كقوله r: ( أحي والداك ؟ قال: نعم قال : ( ففيهما فجاهد ) .
ووجه الاستدلال : أن النبي r لم يسأله عن والديه أهما كافران أم مسلمان مع أن ذلك في الآباء كثير في عهد النبي r وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما هو مقرر في أصول الفقه .
والذي يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن المسألة فيها تفصيل :
فإذا كان الوالد له ضرورة أو حاجة إلى ولده للقيام بحقه والنظر في شؤونه فإنه لا فرق بين أن يكون الوالد كافرا أو مسلما إلا أنه يستثنى من ذلك كون الوالد محاربا .
فإن كان ليس بمحارب كالذمي الذي يعيش في البلاد الإسلامية بيننا وبين أهلها أمان لا حرب فالذي يظهر ـ والله أعلم ـ ما ذهب إليه الثوري من وجوب الاستئذان وذلك لعموم الحديث المتقدم ، والشريعة أتت ببر الوالدين مطلقا سواء كانا مسلمين أو كافرين قال تعالى : ] وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا [ ، وأما إن كانا حربيين فلا لأن دمهما هدر , وليس من مقاصد الشرع حفظ أبدانهما فإن لم يكن له ضرورة أو حاجة ولم يكن محارباً لله ولرسوله فلا يشترط استئذانه .
مسألة : في حكم استئذان الوالدين إن كانا رقيقين :
واعلم أن المشهور في المذهب أن الوالدين الرقيقين لا يستأذنان .
قالوا : لأنهما لا ولاية لهما ، فإن الولاية تنتفي بالرق .
والوجه الثاني في المذهب : وجوب استئذانهما وإن كانا رقيقين وهذا هو الظاهر .
لعمومات النصوص فقوله r : ( أحي والداك ؟ قال : نعم قال : ففيهما فجاهد ) والحديث عام في الحر والعبد .
ولأن المقصود من ذلك مراعاة حق الوالد لعظيم شفقته .
ولأن الولاية لا أثر لها هنا ، فإن الابن البالغ الرشيد هو ولي نفسه ، و الأم لا ولاية لها وواجب استئذانهما.
مسألة :
قال أهل العلم : ومثل ذلك من عليه دين ولا وفاء له فليس له أن يجاهد تطوعاً إلا بإذن غريمه .
قالوا : لأن الجهاد تقصد منه الشهادة ، والشهادة تفوت بها النفس ، فيفوت الحق بفواتها .
فإن كان له وفاء أي ترك مالاً يكفي في قضاء دينه أو أقام ضامناً مليئاً أو رهناً مُحْرِزاً خرج إلى الجهاد بلا إذن.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ويتفقد الإمام جيشه عند المسير].
يجب على الإمام أو نائبه أن يتفقد الجيش ، أو يوكّل ثقة ذا خبرة بالجيش فيتفقده ، فينظر فيه عددا وعُدة ، فيتفقد الجيش واستعداده و تهيؤه للقتال في سبيل الله .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و يمنع المخذل و المرجف ].
المخذّل : هو المثبط عن الجهاد في سبيل الله المزهد فيه ، كمن يقول : الحر شديد أو البرد شديد ونحو ذلك.
والمرجف : الذي يهوّل قوة العدو أو يضعّف قوة المسلمين ، كمن يقول : لا طاقة لنا اليوم بالكفار ونحو ذلك.
وهكذا كل من لا يصلح للقتال فإن الإمام أو من ينيبه يمنعه من القتال.
ويوصي الإمام أميره بتقوى الله في نفسه ويوصيه بالمسلمين خيرا بأن يرفق بهم ولا يلقي بهم في التهلكة ويحثه على الإخلاص واتباع السنة والاستعانة بالله عز وجل فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ : اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلا تغُلُّوا وَلا تَغْدِرُوا ولا تُمثِّلُوا ولا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ..) الحديث رواه مسلم.
ويعين الإمام القادة ويعقد الألوية و الرايات ويبعث العيون إلى الأعداء ويمنع جيشه من المعاصي لأنها أسباب الخذلان ويشاور ذا الرأي و يعد الصابر في القتال بأجر ونفل.
ويستحب أن تكون الغزوة يوم الخميس لما ثبت في البخاري من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي: r ( خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ) .
ويستحب أن يكون لقاء العدو في أول النهار فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :( اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا , قَالَ : وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ ) .
فإن فاته ذلك فحين تزول الشمس وتهبّ الرياح لما ثبت في المسند وعند الثلاثة بإسناد صحيح عن النعمان بن مقرِّن رضي الله عنه قال : ( شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ r إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ) وأصله في البخاري بلفظ : ( فتحضر الصلوات أي صلاة الظهر) .
ويستحب للإمام أن يورّي إذا أراد غزوة بغيرها فقد ثبت في الصحيحين أن النبي r كان إذا اراد غزوةً ورّى بغيرها ، فإذا أراد الشمال سأل عن الجنوب وطرقه وأوديته وآباره وهو يريد الشمال ليكون قتاله لعدوه على حين غرة دون استعداد لأن العدو يكون له عيون في البلد وقد يُخرج الخبرَ المسلم الغِرّ فكانت في التورية مصلحة ظاهرة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ و له أن ينفل في بدايته الربع بعد الخمس ، وفي الرجعة الثلث بعده].
النَفَل : هو الزيادة على سهم الغنيمة ، فالمقاتل في سبيل الله له نصيب من الغنائم كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
فللإمام أن يعطي زيادة على الغنيمة ، فله أن ينفل بالربع بعد الخمس وله أن ينفل بالثلث بعد الخمس .
بيان هذا : إذا غزا الجيش في سبيل الله فتقدمته سرية فأصابت غنيمة ، فإذا أخرج الخمس أعطى هذه السرية الربع فأقل زيادة على سهمها الأصلي في الغنيمة ثم يكون لها سهمها في القسمة ، هذا في البدء .
وأما في الرجعة فله أن ينفل السرية الثلث بعد الخمس ، فإذا رجع الجيش و بعث سرية تقاتل بأمر الإمام فأصابت غنيمة فإنه يخرج أولا من هذه الغنيمة الخمس ثم يعطي هذه السرية ثلث الباقي زيادة على سهمها الأصلي من الغنيمة.
واختلفت العطيتان لاختلاف الداعي فيهما إلى الإعطاء لأن هذه السرية في البدء والجيش وراءها فهو ظهر لها ، وأما في الرجعة فإن الجيش راجع إلى البلاد الإسلامية وهم قد أوغلوا في بلاد الكفار ولاظهر لهم فكان للإمام أن يعطي أكثر مما يعطيهم في البدء , ولأن الرجعة يقع فيها من الكسل ما لايقع في البدء فإنهم في الرجعة يكونون في شوق إلى بلدانهم و أهليهم فيكون في ذلك مشقة أكثر من المشقة التي تكون عليهم في البدء فلذا كان للإمام أن يعطيهم الثلث وليس هذا واجبا لها بل هو راجع إلى نظر الإمام .
ودليل هذه المسألة ما ثبت في المسند وسنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ يَقُولُ : ( شَهِدْتُ النَّبِيَّ r نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ) ، وفي روايةلأحمد :( بعد الخمس).
فيجوز للإمام أن ينفل السرية في البدأة الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعد الخمس .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ويلزم الجيشَ طاعتُه والصبر معه ].
يلزم الجيش طاعة قائد الجيش أو أميره ويدل على ذلك قوله تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[ .
وفي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَال: ( مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ , وَمَنْ َعْصِانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ , وَمَنْ يُطِعْ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي , وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي ) .
وقد أجمع سلف الأمة كما ذكر ذلك ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية على وجوب طاعة أمير الجيش في مواضع الاجتهاد وأن الرأي يترك لرأيه ، وبيّن رحمه الله أن مصلحة الائتلاف والجماعة ومفسدة الاختلاف والفرقة أعظم من مسائل جزئية فلا شك أن المصلحة العامة الحاصلة بالجماعة والائتلاف والمفسدة الناتجة عن الفرقة والاختلاف لا تقابل بمسألة جزئية يقع الاجتهاد فيها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ والصبر معه ].
قال تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا [ ، فيجب على من معه من المسلمين أن يصبروا معه وألا يخذلوه فإن في ذلك إضعافا للمسلمين وكسرا لهم كما أن فيه قوة للكفار وإظهارا لهم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يجوز الغزو إلا بإذنه ].
لا يجوز للمسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله و أن يقاتلوا الكفار إلا بإذن الإمام .
وذلك لأن أمر الجهاد موكول إليه وهو المخاطب به ففعله دون إذنه افتيات عليه ، وذريعة إلى شق عصا الطاعة فقد تدّعي طائفة من بأنها قد اجتمعت للقتال في سبيل الله وتعدّ لذلك العدة والعدد وهي في الباطن خارجة عن طاعة الإمام شاقة لعصا الطاعة فلهذا وذاك لا يجوز أن تقاتل طائفة إلا بإذن الإمام .
واستثنى المؤلف ما إذا فجأ المسلمين عدو فلا يجب عليهم أن يستأذنوا الإمام وذلك لتعذر استئذانه حينئذ ولو تمكنوا من الاستئذان فقد يكون بعد فوات الوقت.
ولذا قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ إلا أن يفجأهم عدو يخافون كَلَبَه ].
أي شره وأذاه لأن المصلحة تتعين في قتاله كما تقدم.
مسألة :
أن المشهور عند الحنابلة والشافعية أنه يجب على الإمام الأعظم أن يجند المسلمين للجهاد في كل عام مرة .
قالوا : لأن الجزية تجب في كل سنة مرة ، وهي بدل عن القتال فكان القتال واجبا في كل سنة مرة .
والأظهر : أن الجهاد في سبيل الله يجب بقدر ما تحصل به المصلحة للمسلمين وبقدر ما يحصل به للمسلمين العلو والظهور وبقدر ما يحصل به إظهار دين الله فيجب الجهاد بقدر حصول ذلك ولا شك أن هذا يختلف من زمان إلى زمان واختاره ابن حجر رحمه الله تعالى.
المسألة الثانية :
يجوز تبييت الكفار : بأن يغير المسلمون عليهم ليلا على حين غفلة منهم.
وما يقع من قتل للنساء والذرية على غير جهة التعمد لا حرج على المسلمين فيه.
لما ثبت في الصحيحين : عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ : ( مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ r بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَالَ : هُمْ مِنْهُمْ ).
ومثل ذلك : لو تترس الكفار بالنساء والذرية فيجوز للمصلحة ودرء المفسدة عن المسلمين أن يُرمى هؤلاء الكفار وإن أصابوا من تترسوا به من النساء والذرية .
وأما قتل النساء والذرية على سوى ما تقدم فلا يجوز .
فقد ثبت في الصحيحن عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَخْبَرَهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ r مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ r قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَان ).
وقال رسول الله r كما ثبت في حديث بريدة رضي الله عنه وتقدم سياق أوله وفيه : ( ولا تقتلوا وليدا).
والعلة من نهي الشارع عن قتل النساء والذرية أنهم لا يقاتلون .
فقد ثبت في سنن أبي داود ـ بإسناد صحيح ـ عن رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ : ( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ : انْظُرْ عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاء ِ.فَجَاءَ فَقَالَ : ( عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ ). فَقَالَ : مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ . قَالَ : وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلا فَقَالَ : قُلْ لِخَالِدٍ : لا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلا عَسِيفًا ) .
ولذا يقاس على النساء والذرية كل من لا يقاتل من الكفار كالرهبان والشيوخ الهرمين والزمنى وغيرهم.
ودل هذا الحديث على أن هؤلاء إن قاتلوا فإنهم يُقتلون.
ومثل ذلك أيضا من كان له رأي ومكيدة في الحرب من الشيوخ والنساء فإنه يقتل.
وكذلك لا يقتل الراهب في صومعته ولا أهل الكتاب الذين لا يخالطون الناس .
المسألة الثالثة :
في جواز نصب المنجنيق ومثلها القنابل فقد روى أبو داود في مراسيله عن مكحول : ( أن النبي r نصب المنجنيق في الطائف).
وروى البيهقي أنّ عمرو بن العاص نصب المنجنيق في الإسكندرية ، وعليه عمل المسلمين في قتالهم .
والأثر المتقدم وإن كان مرسلا لكن عليه العمل وهو مذهب جماهير العلماء .
تنبيـه :
أما ما يحرق الناس فلا يجوز استعماله في القتال في سبيل الله ، لما ثبت في البخاري أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ُ حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقَالَ : ( لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لأَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ :لا تَُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ , وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّr مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) .
فالنار عذاب الله ولا يجوز للمسلمين أن يعذبوا بعذاب الله , فإن لم يقدر على العدو إلا بذلك فيجوز بغير خلاف كما قال ابن قدامة ، لما في ذلك من المصلحة العامة للأمة .
المسألة الرابعة :
هذه المسألة في ثبوت الرق على النساء والذرية .
اعلم أن النساء والذرية إن أصابهم السبي فإنهم يثبت عليهم الرق بمجرد ذلك.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن رَسُولَ اللَّه r أتى بني قريظة فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ قَال: ( فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ).
وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنَّ النَّبِيَّ r أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَة َ) .
فبمجرد ما يحصل السبي للنساء أو الذرية والذرية هم غير البالغين من الذكور والإناث يثبت فيهم الرق.
ومثل ذلك من لا يُقتل كالرهبان وغيرهم ممن لايقاتل المسلمين فهم أرقاء بمجرد سبيهم .
المسألة الخامسة :
أما المقاتلة فالإمام مخير بين خصال أربع :
الخصلة الأولى : القتل ، لقوله تعالى : ] فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب[.
وروى أبو داود في مراسيله عن سعيد بن جبير: ( أن النبي r قتل يوم بدر ثلاثة صبرا )
الخصلة الثانية : المنّ ، أي أن يطلق من غير مال .
الخصلة الثالثة : الفداء ، أي يفدي بمال ، قال تعالى : ] فإما منّا بعد وإما فداء [
الخصلة الرابعة : الاسترقاق ، أي أن يكون رقيقا .
وقد اتفق العلماء على ثبوت الرقّ على أهل الكتاب .
مسألة :
واختلفوا في عبدة الأوثان ، هل هناك خيار رابع في حقهم أم أنه ليس هناك إلا ثلاث خصال.
القول الأول : وهو المشهور عند الحنابلة ألا استرقاق في غير أهل الكتاب والمجوس .
القول الثاني : وهو قول الشافعية ورواية عن الإمام أحمد أن الرق يقع عليهم كغيرهم من عبدة الأوثان إذ لا فرق بين الكفار فيما يثبت من الأحكام إلا أن يدل دليل على تخصيص طائفة منهم بحكم .
قالوا : ولا دليل يصار إليه في هذه المسألة ، لحديث سبايا أوطاس في سنن أبي داود وهم من عبدة الأوثان وهذا القول هو الراجح.
وهذا التخيير للإمام ليس على وجه التشهي ولكن على وجه المصلحة العامة فيختار من الخصال ما يرى أن المصلحة فيه .
مسألة :
فإذا أســلم الأســير فلا يجوز قتله .
وهل يثبت عليه الرق أم يبقى للإمام الخيار في الخصال الثلاث ؟ أي هل بمجرد إسلامه يكون رقيقا ؟ أم يبقى الخيار السابق لكن تسقط خصلة و هي خصلة القتل ؟
القول الأول : قالت الحنابلة بمجرد ما يسلم الأسير فإنه يكون رقيقا وليس للإمام أن يمنّ عليه وليس له أن يقبل فداء .
قالوا : لأنه لا يجوز قتله فأشبه النساء ، فكما أن النساء لا يجوز قتلهنّ ومتعين فيهن الرق فكذلك الأسير إذا أسلم يتعين فيه الرق للمنع من قتله قياسا على النساء والذرية .
وذهب الشافعية وهو القول الثاني : أن التخيـير باق لأن تخيير الإمام بين الفداء والمنّ ثابت مع كفره فثبوت ذلك مع إسلامه أولى ، فالمسلم أولى أن يمنّ عليه أو يقبل منه فداء من الكافر .
وكونه يمنع من قتله ليس هذا للمعنى الموجود في النساء و إنما لثبوت إسلامه وهو القول الأظهر .
مسـألة :
فإذا ادعى الأسير الإسلام لم يقبل منه حتى يأتي ببينة لأن الظاهر خلاف قوله ، وقد تعلق به حق فلم يسقط هذا الحق بمجرد دعواه ، فإن رقبته قد تعلق بها حق الرق أو حق الفداء الذي قد يختاره الإمام فتعلق هذا الحق برقبته يمنع من قبول دعواه إلا أن يأتي ببينة .
مسـألة :
هل يقتل آحاد المسلمين الأسير ؟
إذا أسر مسلم كافرا فليس له أن يقتله إلا أن يضطره إلى ذلك كأن يدافعه الكافر أو يخشى صولة الكفار فينالوا أسيرهم أو أن يأبى هذا الكافر السير معه أو نحو ذلك مما يكون داعيا لقتله .
أما إن لم يكن هناك داع لقتله فليس له أن يقتله وذلك لأنه بمجرد أسره تعلق به حق الإمام ، فقتْله تفويت لحق الإمام فيه فلم يجز له ذلك .
مســألة :
في تترس المشركين بأسرانا فإذا تترس المشركون بأسرى مسلمين فهل يجوز أن يرموا ؟
لا يجوز لعصمة دماء هؤلاء المسلمين إلا أن تترتب مصلحة ظاهرة جدا و تترتب على عدم رمي الكفار مفسدة ظاهرة ويُخشى أن يقع في المسلمين من القتل إن لم يقوموا بهذا أكثر مما يقع من القتل لهؤلاء الأسرى الذين هم في أيدي العدو وهم مظنة القتل.
فعلى ذلك : يُنظر إن كانت هناك مفسدة كبرى فإنا نرجح المفسدة الصغرى لوجود المفسدة الكبرى .
مسـألة :
وهل للإمام أن يُغِير قبل أن يدعوهم ؟
ليس للإمام أن يغير قبل أن يدعوهم وهذا شرط تُقيّد به المسألة السابقة .
فيقال : يجوز للإمام أن يغير على الأعداء ويبغتهم بشرط وهو : أن يكون قد دعاهم إلى الله عزوجل لقوله تعالى : ] وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا [ ولقوله r في حديث بريدة : ( ثم ادعهم إلى ثلاث خصال -وذكر الأولى وهو دعوتهم إلى الإسلام ثم قال r - فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) .
فلا تقاتل طائفة من الكفار حتى تدعى إلى الله وتقام عليها الحجة ، لقوله تعالى : ] وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ ، فليس للأمة أن تقاتل حتى تبين لهم الحق فإن أبوا فإنهم يقاتلون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب ]
الغنيمة : هي ما أخذ من مال الحرب قهرا بالقتال ، مشتقة من الغُنم وهو الربح.
فبمجرد الاستيلاء عليها الاستيلاء التام وإزالة أيدي الكفار عنها تملك وإن لم تحز إلى دار الإسلام وإن لم تقسم.
وعليه : فإن مات بعض الغزاة فالغنيمة من بعده لورثته.
قالوا : لأنه بانتهاء الحرب وغلبة المسلمين تكون الغنائم قد زالت ملكية الكفار عنها ووقعت تحت أيدي المسلمين فكانت ملكا لهؤلاء الغزاة ، هذا هو المشهور عند الحنابلة .
القول الثاني أنها لا تملك حتى تقسم ، هذا إن كانت لم تحز إلى ديار الإسلام ، أما إن حيزت فإنها تملك بمجرد حوزها وإن لم تقسم .
وأطلق ابن القيم فقال : بل تشترط القسمة مطلقا سواء كانت في دار الحرب أو في دار الإسلام ، فلا تملك الغنيمة إلا بقسمتها مطلقا وهذا هو أصح الأقوال .
ودليل ذلك ما ثبت في البخاري أن وفد هوازن قدموا إلى النبي r يسألونه أموالهم ونساءهم وذراريهم فقال النبي r :( إني كنت قد استأنيت لكم " أي أمهلتكم "– وفي رواية : أن النبي r انتظرهم بعد قفوله من الطائف تسع عشرة ليلة ) .
" استأنيت لكم " : فلم أقسمها لعلكم ترجعون فتأخذون نساءكم وذراريكم وأموالكم , وأما الآن وقد قسمت فلا .
فدل هذا على أن الغنيمة إنما تملك بعد القسمة لأن النبي r قد أمهل هوازن بعد انتهاء الحرب وبعد أن حيزت إلى البلاد الإسلامية.
وعلى ذلك : إن مات قبل أن تقسم سواء كانت الغنيمة في ديار الحرب أو في ديار الإسلام فإن الإرث لا يثبت لعدم الملكية .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ و هي لمن شهد الوقعة من أهل القتال ].
فالغنيمة لمن شهد الوقعة من أهل القتال فقد ثبت في البخاري أن أبان بن سعيد بن العاص قدم على النبي r بعد خيبر وقد قسّمت فقال للنبي r : ( اقسم لي ) فقال : اجلس ولم يقسم له .
وثبت في مصنف عبد الرزاق بسند صحيح عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : (إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة ) .
لكن من لم يشهدها لمصلحة الجيش كالعين والرسول والدليل ونحوه فإنه يقسم له .
دلّ على ذلك أن النبي r قسم لعثمان بن عفان رضي الله عنه وكان قد جلس في المدينة يخلف النبي r عند النساء رواه البخاري.
مسألة :
هل يسهم للمرأة ؟
الغنيمة لأهل القتال ، وعليه فالمرأة لا سهم لها ، لأنها ليست من أهل القتال .
وقد ثبت في مـسلـم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( كان الـنبـي r يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويُحذين ـ أي يعطين ـ من الغنيمة , أما سهم فلم يضرب لهنّ ) ، أي يعطين من الغنيمة شيئا دون السهم وهو مايسمى بالرضْخ أي يُرضخ لهن شيء من الغنيمة دون السهم لشهودهنّ القتال .
مسألة :
هل يُسهم للعبد ؟
لا , لا يسهم له فهو لا يجب عليه القتال فليس في الأصل من أهله وعليه فإنه لا يعطى سهما بل يرضخ له , لذا ثبت في سنن أبي داود أن عميرا قَالَ : ( شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ r فَأَمَرَ بِي فَقُلِّدْتُ سَيْفًا فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ فَأَمَرَ لِي بِشـَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاع ) أي من متاع البيت قَالَ أَبُـو دَاوُد : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ ، فلم يسهم له النبي r .
مسألة :
هل يُسهم للكافر المشارك؟
الكافر إن شهد الوقعة مع المسلمين فإنه يرضخ له ولا يعطى سهما كما يعطى الغزاة المسلمون وذلك قياسا على العبد , فكما أن العبد مع قتاله لا يعطى إلا رضخا لأنه ليس من أهل القتال فكذلك الكافر , هذا هو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الجمهور.
والمشهور في المذهب : أن الكافر يسهم له ، فيُعطى سهما من القسمة .
واستدلوا : بما رواه سعيد بن منصور في سننه أن صفوان بن أمية شهد مع النبي r غزوة حنين وهو على شركه فأسهم له ، وهو مرسل ضعيف.
وأصح القولين ما ذهب إليه الجمهور وهو أحد الوجهين في المذهب : وأن الكافر إذا شهد الوقعة فإنه لا يسهم له .
مسألة :
ومثل ذلك الصبي فإن الصبي يرضخ له ولا يسهم له .
يدل على ذلك ما ذكره صاحب المغني وعزاه إلى الجوزجاني وأن الجوزجاني رواه بإسناده وقـال فيه: " من مشهور حديث مصر وجيده " فقد جوّد سنده أن تميم بن فِرَع كان في الجيش الذي فتح الإسكندرية مع عمرو بن العاص رضي الله عنه فلم يعطه من الغنيمة شيئا وقال : " غلام لم يحتلم " وكان في القوم أبو نَضْرة الغفاري وعقبة بن عامر رضي الله عنهما فقالا : " انظروا فإن أشعر ـ أي نبت شعر عانته ـ فاقسموا له ".
فهذا قول عمرو بن العاص وأبي نضرة الغفاري وعقبة بن عامر رضي الله عنهم ولا يعلم لهم مخالف .
وكذلك قياساً على المرأة بجامع أنهما ليسا من أهل القتال .
مسألة :
الاستعانة بالمشركين في القتال؟
قال المالكية وهو أحد الوجهين في المذهب : إن الكافر لا يستعان به في القتال في سبيل الله .
لما ثبت في الصحيحين : عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r أَنَّهَا قَالَتْ : ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ r به ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ r : جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ , قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r : تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . قَالَ : لا . قَالَ : فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ . قَالَتْ : ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ : فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ r كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ . قَالَ : فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ . قَالَ : ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ : تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r : فَانْطَلِقْ.
وعن الإمام أحمد أنه يجوز أن يستعان بالمشرك.
ويدل عليه ما تقدم من حديث صفوان بن أمية وفيه أن النبي r استعان به وكان على شركه وأسهم له ، لكن تقدم أن الحديث مرسل ضعيف.
وقال الجمهور وهو ظاهر كلام الخرقي وهو المذهب : أنه يجوز عند الحاجة .
والقول الثالث أظهر الأقوال .
وقوله r : ( فارجع فلن أستعين بمشرك ) هذا حيث لم تكن المصلحة ظاهرة في الاستعانة به وأما إذا كانت المصلحة ظاهرة في الاستعانة به وأمن شره و خيانته فإن الاستعانة به جائزة لا حرج فيها جلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة .
وأما عند الضرورة فلا إشكال في الجواز فإن المحرمات تباح عند الضرورة إليها .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ثم يقسم باقي الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم ؛ سهم له وسهمان لفرسه ].
فإذا حضرت القسمة بين يدي الإمام فقبل الخمس يخرج السلب .
والسّلَب : ما يحصله القاتل من مقتوله من أدوات الحرب من مركوب ورحل وسلاح فيخرج أولا .
ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين أن سلمة بن الأكوع قتل رجلاً وأخذ جمله وسلاحه ورحله فقال له النبي r : ( لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ ) متفق عليه.
وفي سنن أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r : ( قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ ) .
وظاهر الحديث وهو المذهب أن له ذلك مطلقاً وإن لم يشترطه له الإمام وهو عام لكل أحد سواء ممن يسهم له أو يرضخ له.
ويخرج أيضا قبل الخمس : ما تحتاج إليه الغنيمة من أجرة لحملها وحفظها .
مسألة :
هل يخرج الرضخ المتقدم قبل الخمس أم بعده ؟
قولان لأهل العلم هما وجهان في مذهب أحمد والشافعي.:
القول الأول : أن الرضخ يخرج قبل أن تخمس الغنيمة ، قياساً على أجرة الحامل والحافظ للغنيمة .
القول الثاني وهو المذهب : أن الرضخ يخرج بعد الخمس ، قالوا : لأنه أخذ بسبب حضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين ، والقول الثاني أقيس.
إذن : إذا حضرت القسمة فيخرج منها ما يحتاج إليه من أجرة حامل وحافظ ونحو ذلك .
ثم يخرج منها السلب فلايخمس ثم تخمس الغنيمة فيخرج خمسها ، قال الله تعالى : ] واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل [ .
قوله تعالى : ] فأن لله خمسه [ : المراد : أن هذا الخمس يصرف فيما يرضي الله تعالى ، وليس المراد أن هناك سهم لله عزوجل كما قال بعض العلماء يصرف إلى الكعبة.
ويدل على ذلك ما ثبت في سنن البيهقي بإسناد صحيح أن النبي r سئل عن المغنم فقال : ( لله خمسه وأربعة أخماسه للجيش ).
وثبت في سنن أبي داود عن عَمْرو بْنِ عَبَسَةَ رضي الله عنه قَالَ : ( صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى بَعِيرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ ثُمَّ قَالَ : وَلا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إِلا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ ) .
إذن : الخمس لله والرسول أي فيما يرضي الله تعالى وهو بيد الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ يصرفه فيما يراه من المصالح وكذلك هو بأيدي خلفائه من بعده يصرفونه فيما يرونه من المصالح هذا هو الخمس الأول خمس الرسول.
إذن : هو لله لأنه يدفع فيما يرضي الله تعالى ، وهو للرسول r لأنه تحت يد الرسول r وهو السهم الأول : تحت يده يصرفه في مصالح المسلمين .
السهم الثاني :لذوي القربى : أي لقرابة النبي r وهم : بنو هاشم وبنو المطلب .
السهم الثالث : لليتامى .
السهم الرابع :للمساكين .
السهم الخامس :لابن السبيل .
فهذه خمسة أخماس ، يقسم خمس الغنيمة إلى خمسة أخماس ؛ سهم يكون بيد الرسول r وخلفائه من بعده فيصرفونه في مصالح المسلمين هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية وهو أن الغنيمة تخمس خمسة أخماس لكل صنف من هذه الأصناف الخمسة نصيبه .
والقول الثاني : أنه يعطي ذوي القربى حقهم منه والباقي يصرفه الإمام فيما يراه من المصالح كالزكاة لا يشترط أن تعم الأصناف كلها.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى.
قالوا : لأنه لم يثبت عن النبي r ولا عن خلفائه من بعده هذه القسمة ، ولو كان ذلك ثابتا لنقل نقلا بينا، فهو ما تقوى الهمم وتقوى الدواعي على نقله .
قالوا : ولأن الزكاة قد وجبت في الأصناف الثمانية ولو صرفت لصنف واحد لأجزأت فكذلك هنا ، وهذا هو الراجح .
فالخمس يوضع في يد الإمام فيعطى ذوي القربى حقهم منه ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.
مسألة :
كيف يوزع سهم ذوي القربى ؟
المشهور في المذهب أن ذوي القربى يعطون منه للذكر مثل حظ الأنثيين .
قالوا : لأنه وجب بسبب الأب فأشبه الإرث ؛ فإن بني هاشم وجب لهم من هاشم و بني المطلب وجب لهم بسبب المطلب .
والقول الثاني : وهو رواية عن الإمام أحمد أنهم يعطون بالسوية لا يفرق بين ذكر وأنثى ولا صغير ولاكبير.
قالوا : لأن الله قد أمرنا بإعطائهم وليس هذا على سبيل الإرث بدليل عدم ثبوت الحجب فيه فإن الابن يأخذ مع وجود أبيه .
والقول الثالث : أنهم يعطون بقدر الحاجة وبحسب ما يراه الإمام سواء كان بالتفضيل أو بالسوية ، وهو مذهب مالك .
والقول الثالث هو الراجح في هذه المسألة وهو اختيار ابن القيم رحمه الله ، وعليه فيعطى الفقير أكثر من الغني ، ويعطى الغني الذي هو صاحب كرم ويجتمع الناس عنده أكثر مما يعطى سواه وهكذا.
وهو لغنيهم و فقيرهم لما ثبت في البخاري والنسائي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو هَاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ أَرَأَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَمَنَعْتَنَا فَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : ( إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) . فالنبي r لما جاءا يسألانه من الفيء لم يعتذر لهما بكونهما أغنياء وإنما اعتذر لهما بأنهما ليسا من بني المطلب وبني هاشم .
فدل على أن للغني نصيبه في الغنيمة ثابت كالفقير .
وللإطلاق في الآية ، فإنها مطلقة لم تقيد سهم ذوي القربى بالفقراء دون الأغنياء .
إذن : إذا أخرج الإمام الخمس يقسم الغنيمة ويخرج منها النفل فإن النفل يخرج بعد الخمس كما تقدم هذا في نفل النبي r الربع بعد الخمس والثلث بعده.
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود ـ بسند صحيح من حديث معن بن يزيد رضي الله عنه قال سمعـت:( لا نَفْلَ إِلا بَعْدَ الْخُمُس ِ) .
فالنفل : هو ما يعطيه الإمام لبعض الغزاة زيادة عن سهمهم إما لتقدم سرية من السرايا ، أو لحسن بلائه وشدة بأسه بالكفار كما أعطى سلمة بن الأكوع سهم الراجل وسهم الفارس كما ثبت في صحيح مسلم.
ثم يقسم الغنيمة للراجل أي للماشي على رجليه ومثله الراكب على بعير ونحوه يعطى سهما.
والفارس وهو الراكب فرسا يعطى ثلاثة أسهم ؛ سهما له وسهمين لفرسه لما للفرس من نكاية في العدو و ذلك لما ثبت في الصحيحن عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا . قَالَ : فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ : إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ ) ، وفي سنن أبي داود : ( للفارس ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهم له ) .
مسألة :
في سهم الفارس الهجين.
قال جمهور العلماء : له سهمان و لو كان الفرس هجينا و هو غير العربي لعموم الحديث .
وقال الحنابلة في المشهور عندهم :الفرس الهجين أو البِرْذَون له سهم واحد لاسهمان.
واستدلوا بما رواه أبوداود في مراسيله بإسناد صحيح عن مكحول : ( أن النبي r أعطى الفرس العربي سهمين والهجين سهما )
وله شاهد مرسل من حديث خالد بن معدان في مراسيل أبي دواد وله شاهد عن ابن عباس كما في المجمع وعليه فالحديث حسن إن شاء الله تعالى وبه يترجح ما قال الحنابلة لأن الفرس العربي أقوى وأعظم نكاية في العدو من الفرس الهجين.
وفي رواية عن الإمام أحمد : أن الفرس الهجين إذا عمل بعمل الفرس العربي فإن له سهمين.
وهذا قول قوي ظاهر لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات .
إذن الفرس الهجين له سهم ، لكن إن عمل كما يعمل الفرس العربي وكان فيه نكاية ظاهرة في العدو فإن له سهمين لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات .
أما إذا كان معه ثلاثة أفرس أو أربعة فاتفق العلماء على أنه لايأخذ على الثالث ولا على الرابع وإنما الخلاف في الأخذ على الثاني .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ويشارك الجيشُ سراياه في ما غنمت ويشاركونه فيما غنم ].
فالجيش المنطلق من بلاد الإسلام إلى بلاد الأعداء تخرج منه سرايا فتغنم فله نصيبه من هذه المغانم فهو يشاركها وهي أيضا تشاركه ويدل على ذلك ما تقدم من أن النبي r كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعده للسرايا وهي غنيمة لها دون الجيش ومع ذلك فإن الجيش يشاركها ، فإن الثلث أو الربع يخرج بعد الخمس والباقي يشترك فيه بقية الجيش فأشرك النبي r الجيش بما تناله السرية وكذلك العكس .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ والغالّ من الغنيمة يُحرّق رحله كله إلا السلاح ]
الغالّ : من كتم شيئا من المغنم ليختص به .
والغلول من كبائر الذنوب قال تعالى : ]ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة [ .
وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ : ( كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ r رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : كِرْكِرَةُ فَمَاتَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : هُوَ فِي النَّارِ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا ) .
وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح في حديث عبادة رضي الله عنه أن الرسول r قال:( فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ وَلا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ).
مسألة :
قال المؤلف : " يحرق "وجوباً " رحله كله " : أي ما على راحلته من أثاث وزاد وسرج وغير ذلك.
ويستثنى من ذلك الحيوان وماله روح , ويستثنى كذلك المصحف وكتب العلم وكذلك الأسلحة هذا هو المشهور عند الحنابلة.
لما روى أبو داود في سننه أن النَّبِيَّ r قَالَ:( إِذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ) .
والحديث فيه: صالح بن محمد بن زائدة وهو منكر الحديث ، وقد ضعف الحديث البخاري والترمذي والدارقطني وغيرهم من أهل العلم .
وروى أبو داود في سننه : قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ ) .
والحديث ضعيف أيضا فإن الوليد بن مسلم وهو شامي يرويه عن زهير بن محمد ، ورواية الشاميين عن زهير بن محمد ضعيفة .
والصحيح أنه من قول عمرو بن شعيب فهو مقطوع عليه ، كما رجّح ذلك غير واحد من الأئمة فلا يصح شاهدا للحديث الأول .
وذهب جمهور العلماء إلى أن الإمام ليس له أن يحرق رحله .
واستدلوا بما رواه أبو داود في سننه ـ بإسناد حسن ـ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلالا فَنَادَى فِي النَّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيَخْمُسُهُ وَيُقَسِّمُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَقَالَ : أَسَمِعْتَ بِلالا يُنَادِي ثَلاثًا ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ : فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ ؟ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ ).
قالوا : ولم يحرق متاعه .
قالوا : ولم يصح في تحريق المتاع حديث كما قرر ذلك الإمام البخاري رحمة الله عليه .
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وتلميذه ابن القيم : أن تحريق المتاع من باب التعزير,أي أنه للإمام أن يعزر به وله أن يعزر بشيء آخر كضربه أو تأنيبه كما أنّب النبي r الرجل في القصة المتقدمة.
وهذا مبني على القول الراجح في مسألة جواز التعزير بالمال , كما تقدم في قوله r عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ ـ في زكاة السائمة ـ: ( وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ ) ، وغير ذلك من الأدلة الدالة على هذه المسألة وسيأتي الكلام عليها في باب التعزير إن شاء الله تعالى .
فالتعزير بالمال جائز وتدخل فيه هذه المسألة فللإمام أن يعزر بتحريق متاعه.
فإن قيل : هذا فيه إتلاف للمال وإفساد له.
فيقال : نعم ، لكن لمصلحة راجحة وهي التنكيل به .
وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة واستظهره صاحب الفروع وصوبه صاحب الإنصاف , فالراجح إذن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وأن تحريق المتاع جائز للإمام إن رأى المصلحة في ذلك .
مسألة :
وهل يمنع من سهم الغنيمة ؟
لا يمنع من سهمه من القسمة في المشهور في مذهب أحمد وغيره .
والنبي r لم يصح عنه أنه منع من غلّ من سهمه أو استرده منه .
وهو حق مالي ثابت له فلا يمنع منه بمعصية.
وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن الإمام يمنعه من سهمه .
والراجح أن للإمام أن يعزره بأن يمنعه سهمه وله أن يعطيه سهمه ويعزره بنوع آخر من التعزير .
إذن : للإمام أن يمنعه من سهمه تعزيرا له , وهذا داخل في مسألة التعزيز بالمال .
مسألة :
وقد أجمع أهل العلم على أن الغالّ إن تاب فأراد أن يعيد ما غلّ وكان قبل القسمة والتخميس فإنه يدفعه إلى بيت المال ليخمس ويقسم على الغانمين ليأخذ كل صاحب حق حقه فلبيت المال الخمس وأربعة أخماسه للغانمين.
مسألة :
أما إن كان ذلك بعد تخميس الغنيمة وتقسيمها:ففيه قولان :
قال الحنابلة : يدفع إلى بيت المال الخمس ويتصدق بأربعة أخماسه عن الغانمين .
وذلك لأنه حق لا يمكن أن يعطى صاحبه فقد أخذ الغزاة نصيبهم ولا يمكن أن يقسم عليهم هذا الباقي بعد الخمس فحينئذ يكون كالمال الذي لا يعرف صاحبه فيتصدق به عنه .
وقال الشافعية وهو اختيار الآجرّي من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف : أنه يدفع كله إلى بيت المال أي كل ما غُلّ يدفعه إلى بيت المال .
والقول الثاني أظهر بناء على المسألة السابقة التي تقدم ذكرها وهي أن الغنيمة لا تملك إلا بعد قسمتها ، فالغنيمة حق لبيت المال وملك له حتى تقسم بين الغانمين وهنا لم تقسم الغنيمة التي وقع عليها الغلول فتكون في بيت المال .
ولا يقطع الغال عند جمهور العلماء لأن له حقاً في الغنيمة , والحدود تُدرء بالشبهات .
مسألة :
الأراضي المفتوحة قسمان : الأول: ما فتح عنوة .الثاني : ما فتح صُلحا .
والكلام فيما يلي عن القسم الأول : وهي ما فتح عنوة .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ وإذا غنموا أرضا فتحوها بالسيف خُيّر الإمام بين : قســـمها ، ووقفها على المســــلمين ].
إذا افتتح المسلمون قرية بالسيف ـ أي بالقتال ـ فإن الإمام مخير بين أن يقسم هذه الأرض بين الغانمين وبين أن يوقفها على المسلمين ويختار الأصلح .
لما ثبت في سنن أبي داود ـ بإسناد صحيح ـ : ( عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ r وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنْ الْوُفُودِ وَالأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ ) .
ولم يجعل أربعة أخماسها للغانمين ، بل جعل النصف للغانمين ، وجعل النصف الآخر للمصالح .
وقال عُمَرُ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ : ( لَوْلا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ r خَيْبَرَ ) رواه البخاري .
فعمر ـ رضي الله عنه ـ قد أوقف مصر والشام والعراق لمّا فتحت في عهده ـ رضي الله عنه ـ لمصلحة آخر المسلمين ولم يقسمها على الفاتحين ، ولم يعلم له مخالف فكان إجماعاً .
قالوا : فهذه الأدلة السابقة تبين آية الأنفال وتخصصها ، تبين أن المراد بالغنائم فيها ما سوى الأرض من الأموال المنقولة كالذهب والفضة والمواشي والثياب وغير ذلك فهي التي تقسم بين الغانمين ، وأما الأرض فللإمام في ذلك الخيرة كما تقدم .
ومما يدل على أن المراد بالغنائم في الآية ما عدا الأرض أن هذه الأمة قد اختصت بإباحة الغنائم لها ، كما في الصحيحين من قوله r : ( وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي ).
قالوا : والأرض أحلت لمن قبله كما في قوله تعالى: ] وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها [ فكانوا يرثون الأرض ويغنمونها .
فدل على أن المراد بالغنائم في الآية ما سوى الأرض من المنقول كالذهب والفضة والماشية وغيرها .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي بيده].
هذه هي المصلحة : وهي أن الأرض التي قد أوقفت يضرب الإمام عليها خراجا وهو مال يدفع سنويا ممن الأرض تحت يده , فيدفعه إلى الإمام والإمام يصرفه في مصالح المسلمين .
قوله : " ممن هي في يده " : سواء كان مسلما أم ذمّيّا فيؤخذ هذا الخراج كأجرة على من هي بيده.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام ]
فالإمام يجتهد ويحدد قدر الخراج بالنظر إلى أحوال الناس وبالنظر إلى الأرض وباختلاف الأزمنة من زمن لآخر فيقدر الإمام ما يراه مناسبا , لأن الشرع لم يرد فيه تحديد .
وليس لأحدٍ ممن بعده من الأئمة أن يغير الأجرة مالم يتغير السبب لأن تقديره ذلك حكم .
أما إذا فتحت الأرض صلحا فهي نوعان :
النوع الأول : أن يصالح الكفار المسلمين على أن تكون الأرض لهم أي للكفار ، فتكون الأرض للكفار ويدفعون خراجها للمسلمين كالجزية فإن أسلموا سقطت عنهم .
النوع الثاني : أن يصالح المسلمون الكفار على أن تكون الأرض للمسلمين ، ويشتغل بها الكفار ويدفعون خراجها للمسلمين فتكون الأرض وقفاً للمسلمين كالمسألة السابقة .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:[ ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على إجارتها أو رفع يده عنها ].
رجل له أرض خراجية ولم يعمرها بزرع أو غرس فإنه يجبر على إجارتها أو رفع يده عنها .
أي : إما أن يعمّرها وإما أن يؤجرها ، وإما أن يرفع يده عنها أي يتركها تقع في يد الأسبق إليها.
وذلك لأن في تركها عاطلة تفويتا لحق بيت المال من الخراج .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ويجري فيها الميراث ].
بمعنى أنها تورث لأنها حق فتورث كسائر الحقوق فإذا مات الرجل ورثها أقاربه كسائر ماله لأنها حق له فبموته يجري فيها الإرث كسائر حقوقه .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ وما أخذ من مال مشرك كجزية وخراج وعشرٍ ].
والفيء : هو ما أخذ من مال المشرك بغير قتال كجزية وخراج وعشرٍ وما تركوه فزعا وخمس خمس الغنيمة , والفيء يصرف في مصالح المسلمين.
" وما أخذ من مال مشرك ": أي بغير قتال .
العشر : هو ما يضرب على تجارة الكفار إذا أدخلوا تجارتهم إلى البلاد الإسلامية ، على الذميين نصف العشر إذا اتجروا في غير بلدهم , وعلى الحربيين الذين يدخلون بأمان للتجارة العشر .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ وما تركوه فزعا ].
أي بلا قتال قال تعالى: ] ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب [.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ وخمس خمس الغنيمة ].
وتقدم الكلام عليه .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ففيء يصرف في مصالح المسلمين ].
إذن : الجزية والخراج والعشور وما يؤخذ من الكفار بغير قتال وخمس خمس الغنيمة كل هذا فيء يصرف في مصالح المسلمين ، فمنه رزق الأئمة والمؤذنين والقضاة والأمراء والمدرسين وغيرهم وكذا بناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء القناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين وإعطاء الفقراء واليتامى وأبناء السبيل وغيرها من المصالح .
إذن : الفيء يصرفه الإمام في مصالح المسلمين .
وهذا في كل ما يدخل بيت المال من التجارات والمكاسب والمعادن وغيرها هذا كله فيء يصرف في المصالح .
قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كما في سنن البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ : (كل المسلمين لهم حق في الفيء ) وقال : ( لم يبق أحد إلا له حق في هذا المال إلا ما ملكت أيمانكم من أرقائكم فإن عشت إن شاء الله تعالى لم أُبق أحدا من المسلمين إلا سيأتيه حقه حتى الراعي يأتيه حقه منها ولم يعرق فيها جبينه ) ، والأثر إسناده صحيح.
وفي سنن أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي الله عنه ـ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ فَأَعْطَى الآهِلَ حَظَّيْنِ وَأَعْطَى الْعَزَبَ حَظًّا ).
ويبدأ بالأهم فالمهم ، فيبدأ مثلا بأرزاق القضاة والأمراء والمقاتلة فهذا أولى من البدء بالغني الذي لا حاجة له في المال ، وما يبقى فيصرفه في مصالح المسلمين .
باب عقد الذمة وأحكامه
الذمة لغة : العهد .
وفي الاصطلاح : عقد يقيمه الإمام ، يقر به الكفار على كفرهم مع إعطائهم الجزية والتزامهم بأحكام الشريعة في الجملة .
وقوله: " يقر به الكفار على كفرهم " أي في حكم الدنيا وإلا فإنهم لا يُقرون عليه في حكم الآخرة .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يعقد لغير المجوس وأهل الكتابين ومن تبعهم ] .
فلا يجوز هذا العقد إلا مع صنفين من الناس .
الصنف الأول : أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى .
الصنف الثاني : وهم المجوس .
أما أهل الكتاب : فدليله قوله تعالى : ] قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون[، فهذا في الجزية على أهل الكتاب .
وأما المجـوس : فقد ثبت في البخـاري من حديث عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ ( أن النبي r أخذها ـ الجزية ـ من مجوس هجر ).
هذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي وأن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس ومن تبعهم أي من تبعهم على دينهم وإن لم يكن من بني إسرائيل كنصارى العرب والفرنج .
لأن الله تعالى قال : ] من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ .
وقد أمرنا بقتال الكفار ، قال تعالى : ] وقاتلوا المشركين كافة [ وقال : ] وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة[ وليس في ذلك ذكر للجزية .
قالوا : وأما المجوس فقد ثبت الدليل بأخذ الجزية منهم وتقدم .
قالوا : الفرق بين المجوس وعبدة الأصنام أن لهم كتابا فرفع .
روي ذلك عن علي بن أبي طالب كما في مصنف عبد الرزاق لكن سنده لا يصح كما قرر هذا ابن القيم وغيره .
قالوا : فإذا ثبت أن لهم كتابا فرفع فإن فيهم شبهة أهل الكتاب .
ولذا : فإن الجزية تؤخذ منهم .
وقال الأحناف والمالكية : تؤخذ الجزية من الكفار عامة ، فكل الكفار مخيرون بين ثلاثة خصال :إما الإسلام وإما الجزية وإما القتال .
واستدلوا بحديث بريدة في صحيح مسلم أن النبي r قال له: ( فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ) , وفيه : ( فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم ) , وهذا الحديث عام في كل مشرك .
قالوا : ولأن النبي r قد أخذها من المجوس وهم عبدة النار ولا كتاب لهم.
أما ما روي عن علي فإنه لا يصح , ولو صح فإن العبرة بالحال , فإنهم في الحال لا كتاب لهم فهم كعبدة الأصنام من قريش كانوا أتباعا لإبراهيم عليه السلام .
قالوا : وأما قوله تعالى : ] من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية [ فإن هذا قيد لبيان الواقع فإن النبي e قد نزلت عليه هذه الآية وقد فتح الله عليه بلاد العرب وأهلها من عبدة الأصنام وأمر بقتال أهل الكتاب من اليهود و النصارى فهذا القيد لبيان الواقع .
وهذا هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم فكل أهل دين يخيرون بين ثلاث خصال :الإسلام فإن أبوا فالجزية فإن أبوها فالقتال لعموم حديث بريدة المتقدم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه ]
لا يعقد هذا العقد إلا الإمام الأعظم أو نائبه , وذلك لأن عقد الذمّة من الأمور العامة الموكولة للإمام وهو عقد مؤبد فلا يجوز الافتيات عليه بعقدها دونه .
وقد ثبت أن النبي r كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية الحديث وفيه : ( فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أطاعوا فاقبل منهم ) وهو يدل على جواز عقدها من نائب الإمام كقائد الجيش .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا جزية على صبي ولا امرأة ]
الجزية لغة : مأخوذة من الجزاء ؛ لأنها جزاء للكافر وجزاء للمسلم ؛ جزاء للكافر على كفره فهي عقوبة على الكفر ، وجزاء للمسلم على حفظه دم الكافر وصيانة ماله أي ثواب فهي ثواب للمسلم وأجرة على ما يقوم به من حفظ دم الكافر وماله .
وهي جزاء على الكافر أي عقوبة له على كفره فإنها إنما تضرب عليه إذا امتنع عن الإسلام .
والجزية شرعا : مال يؤخذ من الكافر على وجه الصغار بسبب عقد الذمة ، وقد تقدم تعريف عقد الذمة.
فلا تؤخذ من الصبي ولا المرأة :
أما الصـبي فلقوله e لمعاذ فيما رواه الخمسة بإسناد صحيح وتقدم ذكره في كتاب الزكاة وفيه : " ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافريا " أي من كل بالغ ، فهذا يدل على أن غير الحالم وهو الصبي لا تؤخذ منه الجزية .
وأما المرأة فلما ثبت في البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ أن عمر بن الخطاب : " كتب إلى أمراء الأجناد: أن يأخذوا الجزية , وألا يأخذوها من النساء والصبيان ".
وهكذا كل من لا يقاتل المسلمين من الرهبان المعتزلين في صوامعهم لعبادتهم الذين ليس لهم رأي ولا مكيدة في الحرب .
وذلك لأن الجزية لصيانة الدم فإنه يخير بين الإسلام وبين الجزية وبين القتل ومعلوم أن هؤلاء لا يقتلون وعليه فلا تؤخذ منهم الجزية .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ولا عبد ]
لأنه مال كسائر مال سيده فكما أن الكافر لايؤخذ منه على مسكنه جزية ، فكذلك لا يؤخذ من رقيقه , وقد حكى ابن المنذر الإجماع على هذا .
وأما ما روى البيهقي في سننه أن عمر بن الخطاب قال : " لا تشتروا رقيق أهل الكتاب فإن عليهم خراجا " , فإن فيه سفيان العقيلي لم يوثقه سوى ابن حبان .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ولا فقير يعجز عنها ]
فالفقير الذي يعجز عن دفع الجزية لا تؤخذ منه قال تعالى : ] لا يكف الله نفسا إلا وسعها [ .
وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
إذن : تؤخذ الجزية من المكلف الذكر الحر الغني الذي هو من أهل القتال .
فأما غير المكلف وهو الصبي والمجنون وغير الحر وهو العبد، وغير الذكر وهي الأنثى ومن ليس من أهل القتال كالأعمى والزَّمِن والراهب المعتزل في صومعته فهؤلاء لا تؤخذ منهم الجزية لأنهم غير مقاتلين ، والجزية إنما شرعت لصيانة دمهم , ودمهم مصون في الأصل فلم تجب عليهم الجزية بعد ذلك .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ومن صار أهلا لها أخذت منه في آخر الحول ]
فإذا بلغ الصبي في نصف السنة فإنها تؤخذ منه الجزية في آخر الحول بالحساب فلا يؤخذ منه إلا نصف الجزية .
وذلك لئلا يفرد وحده فيشق أخذها منه , أو تنسى , وعليه فيكون لها وقت واحد .
فإذا أسلم أثناء الحول سقط , وذلك لأن الجزية تؤخذ مع صغار والمسلم لا صغار عليه وهي إذلال وعقوبة على الكفر وحيث أسلم فإنه لا يدفعها لأن المسلم لا صغار عليه .
ومن مات وقد وجبت عليه فإنها تؤخذ من تركته إذا مضى الحول .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ومتى بذلوا الواجب عليهم وجب قبوله وحرم قتالهم ]
فإذا بذلوا الجزية فلا يجوز القتال لأن النبي e قال : ( فإنْ هم أجابوا فاقبل منهم ) وقد قال تعالى : ] حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ ويمتهنون عند أخذها ويطال وقوفهم وتجر أيديهم ]
يمتهنون امتهانا بليغا عند أخذها صغارا لهم ، فيكون الآخذ جالسا والدافع قائما خافض الرأس ذليلا.
" ويطال وقوفهم " : فيقال له : انتظر , ويطال وقوفه كثيرا إذلالا لهم وصغارا .
" وتجر أيدهم " : أي لا تؤخذ منهم بسهولة بل تجذب يده جذبا شديدا عند أخذ الجزية منه .
قالوا : لقوله تعالى :] حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [ أي أذلاء فلا بد وأن يدفعوها على هيئة يكونون فيها أذلاء , هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة .
والراجح : خلاف ذلك , وهذا لا أصل له في كتاب الله ولاسنة رسول الله e ولا في عمل الصحابة فإن هذا لم ينقل عنهم .
وإنما الصغار المذكور في الآية هو إذلالهم بإعطائهم الجزية وقبولهم التزام الشريعة الإسلامية في الجملة فهذا إذلال ظاهر لهم .
ولذا فإن بني تغلب وكانوا من العرب أبوا أن يعطوا الجزية وقالوا : بل ندفعها صدقة ونقول : هي صدقة , فقبل ذلك منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشرط أن تكون ضعف صدقة المسلمين , كما ثبت هذا في مصنف بن أبي شيبة وغيره , فاستنكف هؤلاء عن دفع الجزية لأن مجرد دفعها صغار وذلة والتزامهم أيضا بشريعة أخرى لا يدينون بها صغار وذلة .
وقد أنكر هذا القول النووي في روضة الطالبين وبيّن أنه لا أصل له في سنة النبي e ولا في عمل خلفائه الراشدين رضي الله عنهم وهو كما قال وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.
فالراجح هو خلاف هذا ، وأن الجزية تؤخذ منهم برفق وإحسان والشريعة تأمر بالإحسان وفي ذلك دعوة لهم إلى الإسلام .
وأما مقدار الجزية فالمشهور عند الشافعية أن الجزية دينار .
لحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ المتقدم ، وفيه أن الرسول e أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا .
وقال المالكية : على الغني أربعة دنانير وعلى الفقير دينار .
واستدلوا بما ثبت في سنن البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ أن عمر ـ رضي الله عنه ـ ضرب الجزية : أربعة دنانير أو أربعين درهما .
وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد أنها تؤخذ من الغني ثمانية وأربعين درهما ، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهما ، ومن الفقير اثني عشر درهما .
وفي ذلك أثر رواه البيهقي في سننه .
والمذهب وهومذهب الثوري وأبي عبيد القاسم بن سلام : أنها تؤخذ على حسب ما يراه الإمام ؛ فمردّ ذلك إلى الإمام.
لأن هذه المسألة تختلف باختلاف الزمان واختلاف الناس غنى وفقرا واختلاف أراضيهم وأحوالهم فكان مرجع ذلك إلى الإمام .
ويدل عليه : اختلاف الآثار الواردة في مقدارها ، فقد ضربت على أهل اليمن دينارا وعلى أهل الشام أربعة دنانير ؛ فإن عمر رضي الله عنه ضربها على أهل الشام أربعة دنانير كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح , وضربها النبي e على أهل اليمن دينارا كما في حديث معاذ المتقدم ، ولذا قال مجاهد كما في البخاري لما سئل : ( ما بال أهل الشام تؤخذ منهم الجزية أربعة دنانير وأهل اليمن تؤخذ منهم دينارا ؟ ) فقال : ( إنما فعل ذلك من أجل اليسار ) أي من أجل الغنى , فلما اختلفوا في الغنى اختلفوا في الجزية ، وهذا القول هو الراجح .
مسألة :
عقد الذمة عقد باق لا يجوز تغييره .
المشهور في المذاهب أن عقد الذمة مؤبد لا يجوز نقضه لتحديد الجزية .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ : يجوز تغييره لذلك لما فيه من المصلحة ، وهذا هو الظاهر .
فيجوز للإمام أن ينقض هذا العقد معهم ويعلن الحرب ويمهلهم حتى يستعدوا للحرب , إذا اقتضت المصلحة تجديد الجزية واختاره ابن عقيل من الحنابلة .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و يلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام في النفس والمال والعرض ]
يلزم الإمام أخذ الذميين بشرائع الإسلام في النفس وفي المال والعرض ؛ في النفس كالقتل والجناية على طرف من الأطراف فالسن بالسن والعين بالعين ، فمن قتل ذميا من جنسه قتل به ، ومن جنى على ذمي من جنسه اقتص له منه وكذلك في الأموال في من أتلف مالا لآخر فإنه يضمنه.
وكذلك في العرض فإذا قذف ذمي ذميا آخر بالزنا أو قذف مسلما فإن حكم الله يقام عليه .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله ]
فتقام عليهم الحدود ، فيما يعتقدون تحريمه.
لما ثبت في الصحيحين أن النبي e أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما.
و قال الله تعالى : ] و أن احكم بينهم بما أنزل الله [
أما إن كانوا يعتقدون حله كالخمر ونكاح المحارم فلا يقام عليهم الحد لأنهم يعتقدون حله فيقرون عليه و ليس بأعظم من الكفر الذي يقرون عليه ، لكن يُمنعون من إظهاره بين المسلمين لما فيه من أذية المسلمين ، فإن أظهروه فللإمام أن يعزرهم عقوبة لهم على إظهار المعصية في بلاد الإسلام.
و مسائلهم التي هي من شؤونهم الخاصة كالأنكحة والطلاق والظهار وغيرها من المسائل الأسرية فإنه لا يحكم عليهم بالشريعة الإسلامية إلا أن يتحاكموا إلينا فإن تحاكموا إلينا فللإمام أن يحكم بينهم بما أنزل الله وله أن يعرض عنهم .
قال تعالى : ] فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، و إن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا [
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ و يلزمهم التميز عن المسلمين ]
فيجب أن يتميزوا عن المسلمين بملابسهم ومراكبهم وأسمائهم وكناهم و كذلك لا يقبرون مع المسلمين لأن هذا ذريعة إلى أن يعاملوا معاملة المسلمين ، و هو محرم ،فلهم معاملة تخصهم ولا يمكن أن يعاملوا المعاملة الشرعية التي تخصهم إلا بأن يكونوا متميزين عن المسلمين ، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ و لهم ركوب غير الخيل بغير سرج بإكاف ].
الإكاف : هو كساء يوضع على المركوب .
والسرج فيه زينة و يركبه أهل الشرف.
وأما الإكاف فهو مثل المخدة يوضع على الدابة فتركب .
فينهى أهل الذمة عن ركوب الدواب التي فيها علو وشرف ، وهم ليسوا بأهل علو وشرف ، بل هم أهل ضعة حيث خالفوا شرع الله وقد قال تعالى : ] وهم صاغرون [
وفي الدارقطني من حديث عائذ بن عمرو والحديث حسن بشواهده أن النبي e قال : ( الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ).
فينهون عن ركوب الخيل ويؤذن لهم بالجمال والبغال والحمير وغير ذلك من المركوبات وهنا كذلك في هذه الأزمان فالسيارات الفاخرة يمنعون منها وأما ما يركبه أوساط الناس أو دونهم فإن هذا لا حرج عليهم بركوبه .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و لا يجوز تصديرهم في المجالس ].
للعلة المتقدمة فإن المجالس إنما يصدر فيها أهل العلو في الدنيا أو أهل الديانة والصلاح ، بل يجلسون كعامة الناس لأن هذا مجلس شرف وعلو وهم ليسوا كذلك بل هم أهل صغار والإسلام يعلو ولا يعلى عليه .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و لا القيام لهم ]
فإذا قدموا فلا يجوز القيام لهم للتحية بل يسلم وهو جالس لما في القيام من التعظيم لهم.
ولذا ورد في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ : ( لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ ) .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ ولا بداءتهم بالسلام ]
فلايبدؤون بالسلام للحديث المتقدم ( لاتبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام ) ، فإذا ابتدؤوه بالتحية أجابهم ، قال تعالى : ] وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها[ إلا أن يُخشى أن يكون في سلامهم شيء من التعريض كما كان يقع من اليهود في عهد الرسول e فإنه يحييهم بما كان يجيب به الرسول e اليهود فيقول : " وعليكم " كما ثبت هذا في الصحيحين من حديث عائشة.
و المذهب أن مثل بداءتهم بالسلام قول كيف أصبحت و كيف أمسيت و نحو ذلك.
و اختار شيخ الإسلام الجواز و الذي يترجح جوازه عند الحاجة كمدير في عمل و طبيب و نحو ذلك و لأن السلام يتضمن الدعاء بخلاف ما تقدم.
مسألة :
وهل تجوز تهنئتهم بما يجوز أن يهنّأ به المسلمون ؟ كمولود أو ربح تجارة لا بما لايجوز كالتهنئة بأعيادهم فإن التهنئة بها إقرار لهم على باطلهم فلا يجوز.
لكن إن هنّأهم على أمر جائز في الأصل كتهنئة بمولود أو نحو ذلك أو يعزيهم في مصابهم أو أن يشيع جنائزهم أو يعود مرضاهم ، المذهب : أن ذلك لايجوز .
و عنه يجوز لمصلحة راجحة كرجاء إسلامه واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية و صوبه في الإنصاف ـ رحمه الله تعالى ـ وهو الراجح لما ثبت في البخاري : ( أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي e فمرض فأتاه النبي e يعوده فقال له : أسلم فأسلم ).
وثبت في الصحيحين أن النبي e عاد أباطالب ودعاه إلى الإسلام .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و يمنعون من إحداث كنائس وبيع ]
بالإجماع ، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وذلك لأن إحداث الكنائس والبيع إظهار لشعيرة الكفر ولا يجوز الإقرار على ذلك ، لكن إن كانت الأرض لهم فلا يمنعون من ذلك.
و إن صولحوا على أن الدار للمسلمين و اشترطوا إحداث كنائس لم يمنعوا للشرط.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و بناء ما انهدم فيها ]
و قال الجمهور يجوز و هو وجه في المذهب ، و الذي يترجح أنه إن أمكن رم شعثها و ترميمها بلا بناء لم يجز البناء ، و إلا جاز لأن البناء استدامه لا إنشاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى : [ و لو ظلما ]
لو اعتدى بعض المسلمين ـ وهذا أمر لا يجوز ـ فقاموا بهدم كنيسة من كنائس الذميين التي قد أقرها الإمام بالعقد الذي بينه وبين الذميين فإذا هُدمت فلا يجوز أن يبنوها مرة أخرى.
و الراجح و اختاره صاحب الفروع ، أن يعيدوا بناء ما أنهدم ظلماً ، لأن هذا استطالة عليهم ، و إزالة حق لهم فلا مانع من إعادة بنائه مرة أخرى.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و من تعلية بنيان على مسلم ]
لما تقدم و لو رضي المسلم لأنه حق لله.
واستثنى الحنابلة فيما إذا اشترى الذمي بيتا من مسلم وفيه علو وارتفاع فإن ذلك جائز وهذا قول ضعيف ، ولذا قال ابن القيم رحمة الله عليه : إن هذه المسألة أُدخلت في المذهب غلطا محضا وأنها لاتوافق أصول المذهب ولا فروعه . إذ لافرق بين أن يبني الذمي بيتا عاليا شاهقا يعلو به على المسلمين أو على طائفة منهم وبين أن يشتري هذا البيت من مسلم ثم يسكنه على هذه الهيئة لا فرق بين المسألتين فإن المفسدة حاصلة بهما جميعا
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و لا مساواته له ]
لأن ذلك لا يفضي إلى العلو.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ومن إظاهر خمر و خنزير وناقوس و جهر بكتابهم ]
و أكل في رمضان ، لأن الجهر بالمعصية محرم فإظهارالمعاصي محرم وفيه أذية للمسلمين فيمنعون من إظهار شرب الخمر ومن إظهار أكل الخنزير أو وضع المسالخ له وبيعه بالمحلات ويمنعون مما ذكره من الناقوس في كنائسهم ومن الجهر بقراءة كتبهم ومثل ذلك وتأليف الكتب في ديانتهم و نشرها و إقامة إذاعات للدعوة إلى دينهم كل هذا يمنعون منه لما فيه من إظهار دينهم.
و إن صولحوا في بلادهم على إعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و إن تهود نصراني أو عكسه لم يقرّ ولم يُقبل منه إلا الإسلام أو دينه ]
إذا ترك الذمي دينه كأن يتنصر اليهودي ، فهل يُقر على هذا ؟ فيه ثلاثة روايات :
الرواية الأولى : قال المؤلف : " لا يُقرّ " ، وعليه فإن الإمام يحبسه ويعذبه في نفسه وماله حتى يعود إلى دينه أو يدخل في الإسلام ولا يقتل لشبهة العقد الذي بيننا وبينهم من حفظ دمه وماله لكنه يلزم بأحد الأمرين . وإلزامه أن يرجع إلى دينه قول غريب .
الرواية الثانية : أنه يلزم بالإسلام فإما أن يسلم وإما أن يبقى على ماهو عليه من الحبس و الضرب والتأديب لأن في إرجاعه إلى النصرانية إقرار ظاهر لهذا الدين الباطل.
الرواية الثالثة : وعن الإمام أحمد وهو أظهرها أنه يقرّ مطلقا ؛ فله أن يرجع من اليهودية إلى النصرانية ومن النصرانية إلى اليهودية أو غيرها من ملل الكفر وذلك لأن العقد الذي بيننا وبينه هو إقراره على الكفر والكفر ملة واحدة ، قال تعالى : ] والذين كفروا بعضهم أولياء بعض [.
فالراجح : أنه يُقرّ ، وأن له أن ينتقل إلى أي دين شاء ، لأنه إنما أُقر على الكفر أصلا بالشروط المتقدمة ولافرق بين أن يبقى على دينه أو ينتقل عنه .
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ فإن أبى الذمي الجزية أو التزام حكم الإسلام أو بغى على مسلم بقتل أو زنا أو قطع طريق أو تجسس أو إيواء جاسوس أو ذكر الله أو رسوله أو كناية بسوء انتقض عهده ]
إذا أبى الذمي بذل الجزية أو أبى أن يلتزم بحكم الإسلام أو اعتدى على احد من المسلمين بقتل أو قطع طريق أو زنا أو سبّ الله ورسوله أو دين الإسلام أو كتاب الإسلام فإن عهده ينتقض مطلقا ، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة .
وذهب الشافعية إلى التفصيل في هذا وأنه إن أبى أن يلتزم بالجزية أو أبى أن يلتزم بحكم الإسلام فإن عهده يُنقض وما سوى ذلك فإن حكم الإسلام يُقام عليه إن كان حدا أو قصاصا أو تعزيرا.
وكذلك إذا كان ما فعله يخالف وينافي مقتضى العقد كأن يقاتل المسلمين أو يظاهر أعدائهم أو يتجسس لهم فإن عهده ينتقض وذلك لأن مقتضى عقد الذمة الأمان من الجانبين وهذا هو الراجح إذ لادليل على انتقاض العقد بماذكروه مع إبرامه وثبوته.
وأما البغي على النفوس و الأموال و الأعراض فإن مثله في الغالب يقع لا سيما في المجتمعات الكبيرة و هو الراجح و هو رواية عن الإمام أحمد.
وإذا سب الذمي النبي e فإنه يقتل من غير استتابة كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه الصارم المسلول.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ انتقض عهده دون نسائه و أولاده ]
لأنه لم يحصل منهم ما يوجب النقض قال تعالى : ] لا تزر وازرة وزر أخرى [.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى : [ و حلّ دمه وماله ]
" حل دمه " : أي أصبح في حكم الحربيين ، لأن حفظ دمه إنما كان للعهد الذي بينه وبين المسلمين.
وحينئذٍ فالإمام مخير فيه بين أربعة خصال . القتل والفداء والمنّ والاسترقاق .
فللإمام الخيار بين هذه الخصال لأنه أصبح كالأسير الحربي .
" وماله ": أيضا ماله يكون حلالا لأن الحربي ماله حلال وهو حربي .
فإن قيل : فلم لا يكون لنسائه وأولاده ؟
الجواب : إنما يكون لنسائه وأولاده بالموت ، فإذا مات انتقل إلى نسائه و أولاده إرثا وهنا لم يمت ، هو مال له ، فيتبعه في عدم الحرمة فيكون فيئا لبيت المال لأنه تبع له.
ولم يتكلم المؤلف في كتاب الجهاد عن مسألة الأمان والهدنة ، و هو في الاصطلاح رفع استباحة دم الكافر و ماله.
مسألة : الأمَان
لغة : من الأمن وهو ضد الخوف ، و يحرم بالأمان قتل و رق و أسر و أخذ مالٍ ، لما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ e ـ قال : ( من أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل منه صرف ولا عدل ) من أخفر أي نقض عهده
وفي البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ : ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ).
ومن أحب من المشركين أن يسمع كلام الله في البلاد الإسلامية ويتعلم الإسلام لزم إجابته ثم يرد إلى مأمنه ، قال تعالى :] وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه [ .
وعقد الأمان يصح من كل مسلم مكلف ذكر كان أو أنثى حرا كان أو عبدا بشرط أن يكون مختار أي غيرمكره وبشرط عدم الضرر هذا هو الأمان الخاص ، و يكون لشخص أو طائفة كأهل قافلة أو حصن صغيرين عرفاً.
وأما الأمان العام : فهو ما يكون لبلدة نحوها ، ولا يصح إلا من الإمام أو نائبه لأنه من الأمور العامة الموكلة إلى الإمام فهو الناظر فيها والاعتداء عليه في عقدها افتيات عليه .
و دليل الأمان الخاص قوله e : ( ذمّة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ) متفق عليه.
وما ثبت عن عائشة كما في سنن أبي داود : ( إن كانت المرأة لتأخذ على الناس ) أي لتأخذ الأمان على الناس .
و قال e لأم هانيء : ( قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء ) متفق عليه .
فإذا أمّن مسلم كافرا فإنه لا يجوز الاعتداء عليه في دمه ولا ماله.
واختلف في المميز العاقل على قولين هما قولان في مذهب الإمام أحمد .
فمذهب الإمام مالك أن المميز يصح أمانه لعموم قوله e : ( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم).
وذهب الجمهور إلى أن الصبي لايقع منه أمان وذلك لضعف تصرفه و عدم معرفته للمصلحة من غيرها فإن الصبي لايصح تصرفه في ماله فكيف يصح تصرفه في شأن من شؤون المسلمين .
وإن اعتدى فقتل معاهَدا أو مستأمنا فإنه قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب يستحق عليها تعزيرا بالغا .
مسألة : الهدنة
و هي عقد يقيمه الإمام أو نائبه مع الحربيين على ترك القتال مدة معلومه بعوض أو بغير عوض وفيها مسائل:
المسألة الأولى:
الدور قسمان : دار إســـلام ودار كـــفر.
فدار الإسلام : هي التي يُحكم فيها بالإسلام .
وأما دار الكفر : فهي الدار التي لايحكم فيها بشرع الله وإن كان أكثر أهلها مسلمين ، ودار الكفر قســمان :
الأولى: دار حرب : وهي التي ليس بين المسلمين وبين أهلها عقد ولا ذمة .
الثانية : دار عهد : وهي التي بين أهلها وبين المسلمين عهد .
فمتى رأى الإمام المصلحة في عقد الهدنة لضعف المسلمين عن القتال أو لطمعهم في إسلام هؤلاء الكفار أو في أدائهم الجزية أو غير ذلك من المصالح جاز.
المسألة الثانية : هل تجوز الهدنة مع الكفار بعوض منا ؟
فالمشهور في مذهب أحمد والشافعي : أن ذلك لا يجوز .
وهذا ظاهر ؛ فإن فيه ذلة وصغاراً وهو من جنس الجزية ولا يجوز للمسلمين أن يرضوا بالصغار والذلة وقد أظهرهم الله .
ويسـتثنى من ذلك ـ كما قرره الموفق وغيره و هو المذهب حال الضروره فإن الضرورات تبيح المحرمات .
فإذا خشي المسلمون على أنفسهم و أموالهم وذراريهم وبلادهم وكان للكفار سطوة وقوة والمسلمون على ضعف فيجوز إقامة الهدنة بعوض من المسلمين من باب الوقوع في المفسدة الصغرى دفعا للمفسدة الكبرى ، و لأن بذل المال و إن كان صغاراً فإنه يجوز تحمله لدفع صغارٍ أعظم منه.
المسألة الثالثة : في مدة الهدنة
ثبت في السنة كما في سنن أبي داود والحديث حسن وفيه عنعنة محمد بن إسحاق لكن صرح بالتحديث في سنن البيهقي من حديث المسور بن مخرمة أن النبي e صالح قريشا عشر سنين يأمن فيها الناس .
واختلف أهل العلم : هل تجوز الزيادة على عشر سنين ؟
قال الشافعية و هو رواية عن اإمام أحمد أنه لايجوز ذلك ، لأن الله أمرنا بقتالهم قال تعالى : ] وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [.
وغيرها من الآيات الدالة على وجوب قتالهم والهدنة تنافي القتال فلا يجوز فيها إلا ما وردت به السنة وهو عشر سنين .
و المشهور في المذهب و هو مذهب الأحناف جواز الزيادة على عشر سنين بحسب ما يراه الإمام من المصلحة في ذلك .
قالوا : لأن تحديد النبي e لها بعشر سنوات لا معنى له إلا إتباع المصلحة فجاز الزيادة عليها للمصلحه ، قالوا فإن هادنهم مطلقاً لم يصح.
و اختار شيخ الإسلام ابن تيمية صحة الهدنة مطلقا و يعمل بالمصلحة ، و له نقضهاا بعد إعلامهم بالحرب و إمهالهم كما تقدم ، قال لأن الله امر بنبذ العهود المطلقه و إتمام المؤقته.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين