عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
الشروط في البيع
 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

باب الشروط في البيع

الشرط في البيع : هو إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما لا يقتضيه العقد ، والذي يقتضيه العقد هو أن تكون السلعة ملكاً للمشتري والثمن ملكاً للبائع وأن يسلم كل واحد منهما الآخر ما له بعد تمام العقد .

مثال الشرط في البيع : أن يشترط البائع حملان المبيع أو أن يبيع عبداً بشرط أن يعتقه .

والأصل في الشروط الحل ، إلا أن يدل دليل على بطلانه كما قرر ذلك شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، ففي الصحيحين عن النبي r أنه قال : ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق ) فلا يحرم من الشروط إلا ما دل الشرع على بطلانه نصاً أو قياساً .

والفرق بينه وبين شروط البيع من عدة أوجه :

1- أن شرط البيع من وضع الشارع ، وأن الشرط فيه من وضع المتعاقدين .

2- أن شروط البيع كلها صحيحة ، وأما الشروط في البيع فمنها الصحيح ومنها الباطل .

3- أن شروط البيع تتوقف عليها صحة البيع ، والشروط في البيع يتوقف عليها لزومه .

4- أن شرط الشارع لا يسقط ، وشرط العاقد وهو الشرط في البيع يسوغ لمن شرطه أن يسقطه .

واعلم أن المعتبر عند الحنابلة من الشروط ما كان في صلب العقد أي مقارناً للعقد ، بمعنى أن يشترطاه أو يشترطه أحدهما أثناء العقد ، فإن كان الشرط سابقاً للعقد فليس بمعتبر , ولا يلزم المشروط عليه الوفاء به ،

مثاله : قيل لرجل : هل تبيع بيتك ؟ قال : أنا لا أبيعه إلا بشرط أن أسكنه شهراً ثم سكتا سكوتاً فاصلاً ثم عقدا البيع ولم يذكر البائع ذلك الشرط ، فلا يعتبر هذا الشرط عند الحنابلة وهذا القول ضعيف ، ولذا اختار شيخ الإسلام أن الشرط السابق للعقد كالمقارن له ، قال صاحب الفروع : " ويتوجه كنكاح " أي كما أن النكاح يعتبر فيه الشرط السابق وإن لم يقارن العقد فكذلك في البيع وهو مذهب المالكية وهذا هو الراجح ، فقد قال r فيما رواه الترمذي وغيره والحديث حسن بشواهده : ( المسلمون على شروطهم ) [ وذكره البخاري معلقاً مجزوماً به ] وهذا شرط ؛ ولأن العاقد المشترط لم يبع هذه السلعة إلا بهذا الشرط فهو لا يرضى بانتقالها عن ملكه إلا بهذا الشرط ، فكان عدم وجود الشرط مخلاً بالرضا في العقد الذي هو من شروط البيع .

 

قوله : [ منها صحيح كالرهن ] :

الشروط في البيع على ثلاثة أنواع :

1- شرط صحيح .

2- شرط باطل مبطل للعقد .

3- شرط باطل غير مبطل للعقد .

فالنوع الأول : هو الشرط الصحيح وهو قد يكون من مصلحة العقد كاشتراط الرهن , وقد يكون مما يقتضيه العقد كأشراط حلول الثمن , وقد يكون فيه منفعة لمن اشترطه كاشتراط حملان الدابة .

أي أن الشروط في البيع منها الصحيح المعتبر كالرهن ، كأن يقول : أنا أبيعك هذه السلعة بشرط أن أرهن بيتك أو سيارتك أو نحو ذلك فهذا شرط صحيح ، كذلك إذا اشترط ضامناً كأن يقول أبيعك بشرط أن تأتي بضامن ، فإن لم تأت بضامن فلي الفسخ ، فكذلك هذا شرط صحيح .

 

قوله : [ وتأجيل الثمن ] :

كأن يقول : أشتري منك هذه السلعة بشرط أن أعطيك ثمنها بعد شهر ، فهذا شرط صحيح .

 

قوله : [ وكون العبد كاتباً أو خصياً أو مسلماً والأمة بكراً ] :

هذه شروط صحيحة ؛ لأنها لا تخالف كتاب الله .

 

قوله : [ ونحو أن يشترط البائع سُكنى الدار شهراً ] :

مثاله : أن يقول أبيعك داري بشرط أن أسكنها شهراً ونحو ذلك ، فهذا جائز .

 

قوله : [ وحُملان البعير إلى موضع معين ] :

قوله : ( معين ) أتى بهذا القيد ؛ لأنه لو قال : ( إلى موضع ولم يعين ) فإن فيه جهالة ، والجهالة ممنوعة في الشرع فلابد أن يكون الأجل معلوماً والموضع في الحملان معلوم ، وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله t :

( أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه ، قال : فلحقني النبي r فدعا لي وضربه فسار سيراً لم يسر مثله ، قال : بعنيه بأوقية ، قلت: لا ، ثم قال : بعنيه ، فبعته بأوقية واستثنيت  حملانه إلى أهلي ، فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ، ثم رجعت فأرسل في أثري ، فقال : أتراني ماكستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك ) فهذا شرط صحيح .

 

قوله : [ أو شرط المشتري على البائع حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله ] :

قوله : ( تفصيله ) التفصيل غير الخياطة ، فالتفصيل هو أن يقطع الثوب حتى يتهيأ للخياطة ، والشروط التي ذكرها المؤلف شروط صحيحة ؛ لأنها لا تخالف كتاب الله ؛ ولأنها لا تحالف مقتضى العقد ، فإن وفى المشروط وإلا فلمن اشترط الفسخ .

 

قوله : [ وإن جمع بين شرطين بطل البيع ] :

ولذا قال المؤلف : ( وإن اشترط على البائع حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله ) فلو اشترط الحمل والتكسير لم يصح فهما شرطان هذا هو المشهور من المذهب أنه إذا شرط شرطين فإنه لا يصح وإن كان كل شرط بمفرده صحيحاً لما روى الخمسة والحديث حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي r قال : ( لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك ) والشاهد في قوله :

( ولا شرطان في بيع ) قالوا : فدل هذا على أنه لا يجوز الجمع بين شرطين في بيع وإن كانا شرطين صحيحين .

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن ذلك جائز ؛ لأنه لا يخالف كتاب الله ، قالوا : ولا محذور فيه ، فإن صحة الشرط لا يبطلها صحة شرط آخر فهذا شرط صحيح وهذا شرط صحيح ، وكلاهما معتبر ، فإذا اجتمعا لم يبطلاه كما لو انفردا ، والمعنى يدل على ذلك وهذا لا يخالف كتاب الله ، كما قال النبي r : ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) قالوا : وليس في كتاب الله ما يدل على إبطال هذه الشروط ، وأجابوا عن حديث : ( ولا شرطان في بيع ) أن المراد به البيعتان في بيعة ، وهي بيعة العينة ، ويدل على هذا أن في موضع هذه اللفظة في مسند أحمد ( ولا بيعتين في بيعة ) قالوا : البيعتان في بيعة شرطان في بيع ؛ لأن كل بيعة شرط ، فإذا تبايع الاثنان فالبيع بينهما شرط ؛ لأن كلا منهما التزم بهذا البيع كما هو ملتزم بالشرط ، فالبيع شرط ، وهذا القول هو الراجح إذ لا معنى للنهي عن هذا البيع الذي فيه شرطان صحيحان .

 

قوله : [ ومنها فاسد يُبطل العقد ] :

هذا هو النوع الثاني : وهو شرط فاسد يبطل به العقد .

 

قوله : [ كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر كسلف وقرض وبيع وإجارة وصرف ] :

قوله ( كسلف ) السلف هو السلم ، وهو تعجيل الثمن وتأخير المثمن .

فلا يحل بيع سلف ، بأن يقول : أبيعك هذه الدار بشرط السلم بيني وبينك تعطيني عشرة آلاف وأعطيك بعد سنة كذا وكذا من القمح .

والراجح جوازه ما لم يكن حيلة إلى الربا ، وأما الحديث فالسلف فيه هو القرض كما قال البغوي وغيره ، ولا محذور في الجمع بين السلم والبيع ما لم يكن حيلة إلى الربا ، وصورة اشتراط القرض في البيع ، أن يقول : أبيعك واشترط أن تقرضني مائة ألف ، كذلك بيع وإجارة ، كأن يقول : أبيعك بشرط أن تؤجرني هذه الدار ، أو صرف كأن يقول : لا أبيعك إلا بشرط أن تصرف هذه المائة دينار إلى دراهم ، وكذلك إذا قال : لا أبيعك حتى تشاركني في الأرض أو نحو ذلك ، فهذا كله يبطل العقد ، فإذا عقدا مع البيع عقداً آخر ، فالبيع باطل والعقد الآخر باطل .

وهذه الصور التي ذكرها المؤلف ذات أحكام متفرقة على الصحيح ، خلافاً لما قال المؤلف من أنها يبطل بها العقد مطلقاً ، أما البيع والقرض فإن ما ذهب إليه المؤلف ظاهر ، فإن فيه ربا أو هو ذريعة إلى الربا ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي r قال : ( لا يحل سلف وبيع) فهو ذريعة إلى الربا الذي نهى عنه الشارع .

أما ما سوى ذلك فالصحيح أنه جائز ، وهو مذهب الإمام مالك واختاره الشيخ عبدالرحمن السعدي ، إذا لا دليل على المنع ، فإذا قال : أبيعك هذه الدار على أن تشاركني في كذا ، أو قال : أبيعك هذه الدار على أن تنكحني ابنتك أو قال : أبيعك هذه الدار على تستأجر بيتي ، فهذا كله جائز ، إذ لا دليل على المنع ، والأصل في المعاملات الحل واستدل الحنابلة بنهي النبي r عن بيعتين في بيعة ، والصحيح أن البيعتين في بيعة هي بيعة العينة كما تقدم ؛ ولأن النبي r قال : ( فله أوكسهما أو الربا ) وليس هذا في شيء من الصور المتقدمة .

 

قوله : [ وإن شرط أن لا خسارة عليه ] :

مثاله أن يقول : أشتري منك هذه السلعة بشرط ألا خسارة علي ، فإن بعتها بخسارة فهي عليك ، أي على البائع

فهذا لا يصح ، قالوا : لأنه يخالف مقتضى العقد ، فإن مقتضى العقد أن الشخص يملك السلعة إذا اشتراها وكونه يربح أو يخسر هذا أمر راجع له ، وأما السلعة فإنها تملك بالبيع ، فلا يصح أن يشترط ألا خسارة عليه ؛ ولأن الخراج بالضمان فالضمان عليه وعلى ذلك فالخسارة عليه والربح له .

 

قوله : [ أو متى نَفَق المبيع وإلا رده ] :

مثاله : قال للبائع : أشتري منك كذا من البر وأبيعها ، فإن نفقت ، وإلا رددتها عليك ، أو رددت الذي لم ينفق عليك قالوا : هذا لا يصح ؛ لأنه يخالف مقتضى العقد .

وعن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام أن الشرط يصح وهو الراجح ؛ لأنه لا يخالف الشرع .

 

قوله : [ أو لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ] :

مثاله : أن يقول : بعتك هذا العبد بشرط ألا تبيعه ، أو بشرط ألا تهبه ، أو بشرط ألا تعتقه ، فهذا كله باطل ؛ لأن مقتضى العقد أن يتصرف البائع بسلعته كيف شاء ، فإذا اشترط عليه ألا يبيع أو ألا يهب أو ألا يعتق فهذا يُحجر عليه فهو شرط يخالف مقتضى العقد .

وعن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام أنه إن كان له غرض صحيح صح الشرط وإلا بطل وهذا هو الراجح كأن يبيع على أخيه داره بشرط ألا يبيعها ؛ لأن أخاه لا يحسن التصرف ، فهذا قصد صحيح .

 

قوله : [ أو إن عتق فالولاء له ] :

مثاله : أن يقول بعتك هذا العبد ، واشترط عليك أن الولاء لي ، فهذا الشرط باطل ، ودليل بطلانه ما ثبت في الصحيحين في قصة بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها ، فاشترطوا على عائشة  أن يكون الولاء لهم ، فقال النبي r : ( اشتريها واشترطي لهم الولاء ، فإنما لولاء لمن أعتق ) فإنه لا عبرة بهذا الشرط ، ومنه ما تقدم من قوله r : ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق ) .

 

قوله : [ أو أن يفعل ذلك ] :

مثاله : أن يقول له : أبيعك هذا السلعة بشرط أن تبيعها أو بشرط أن تهديها أو بشرط أن تعتقه ، لكنه استثنى العتق فقال : ( إلا إذا شرط العتق ) فإذا قال : أبيعك بشرط أن تعتقه فهذا صحيح ، وهذا مذهب جمهور العلماء ، قالوا : لأن الشارع يتشوف إلى العتق ويرغب فيه ، فإذا اشترط العتق فهو شرط صحيح .

 

قوله : [ بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق ] :

فالمسائل السابقة كلها يبطل فيها الشرط وحده ، وأما البيع فيصح ، ويكون المشترط بالخيار ، إن شاء أمضى ، وإن شاء فسخ ، فإذا اشترط مثلاً ألا يبيعه ، فهذا الشرط باطل ، ويصح البيع الأول ، وللمشترط الخيار ، فإن شاء أمضاه وإن شاء فسخ .

أما مسألة اشتراط الولاء فما ذهب إليه الحنابلة هو الصحيح ، فالشرط باطل ؛ لأنه شرط يخالف كتاب الله ، وكل شرط يخالف كتاب الله فهو باطل ، فإن تراضيا عليه فلا عبرة بتراضيهما على شرط يخالف كتاب الله .

وأما سوى ذلك مما ذكروه فاختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد أن هذه الشروط صحيحة ، فإذا قال : أبيعك بشرط أنه ما لم ينفق أرده عليك ، أو بشرط ألا خسارة علي أو نحو ذلك مما تقدم فالشرط والبيع صحيحان ، بشرط أن يكون للبائع قصد وغرض صحيح لا مجرد التحجير على المشتري ، مثال ذلك : رجل عنده جارية ، ويكره أن يتملكها أي أحد ، ويجب أن يتملكها من هو مستحق لها ، فقال : أبيعها عليك بشرط ألا تبيعها ، أو بشرط ألا تبيعها إلا وأن أكون أنا أحق بالبيع بالثمن نفسه ، أو ألا تبيعها إلا على من يتصف بكذا وكذا ونحو ذلك ، أو أن يكون الشرط في مصلحة المبيع نفسه ، كأن يقول أبيعك عبدي بشرط ألا تبيعه لفاسق ، فهذه الشروط صحيحة ؛ لأن لها غرضاً صحيحاً ، ولا دليل على القول ببطلانها ، واختيار شيخ الإسلام هو الصحيح ، إن كان هناك غرض صحيح كما سبق ، أو مصلحة للمبيع ، فإذا تراضى المتعاقدان فقد قال النبي r : ( المسلمون على شروطهم ) رواه الترمذي وغيره وهو حديث حسن ، وذكره البخاري تعليقاً .

لكن إن قال أشتريه منك بشرط ألا خسارة علي فهذا يخالف مقتضى العقد والصواب أنه شرط باطل .

 

 قوله : [ وبعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا صح ] :

مثاله : إذا قال البائع للمشتري بعتك هذه السلعة بألف درهم مؤجلة إلى ثلاثة أيام بشرط أنك إذا لم تأت بالثمن إلى ثلاثة أيام فالبيع رد ، قال المؤلف هنا : ( صح ) لحديث : ( المسلمون على شروطهم ) وهذا شرط فيجب الوفاء به ، فإن لم يوف به بطل البيع ، كما أن الأصل في الشروط الصحة ، وهو لا يخالف كتاب الله .

 

قوله : [ وبعتك إن جئتني بكذا ، أو رضي زيد 000 لا يصح ] :

إذا قال بعتك إن جئتني بكذا ، أو قال : بعتك إن رضي زيد ، فهذا بيع معلق ، وليس بيعاً منجزاً ، فلا يصح وهو مذهب الجمهور ، قالوا : لأن البيوع تكون منجزة لا معلقة .

واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن أحمد جواز ذلك ، وأن البيع المعلق صحيح ، وقد دلت عليه القاعدة المتقدم ذكرها وهي أن الأصل في العقود الحل وهذا عقد من العقود التعليق لا يخالف كتاب الله ، فلا وجه للمنع ، والبيع مما تعارف عليه الناس ، سواء كان منجزاً ، أو معلقاً ، فلم يحدد لنا الشارع التنجيز في البيع ، بل أطلقه ، فيرجع إلى ما تعارف الناس عليه ، وأيضاً الحاجة داعية إلى ذلك وهذا القول هو الصحيح .

 

قوله : [ أو يقول للمرتهن : إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك لا يصح البيع ] :

هذه صورة ثالثة مما لا يصح فيها البيع ، رجل اشترى سلعة ووضع رهناً عند مالك السلعة ، وقال : إن جئتك بالثمن إلى عشرة أيام وإلا فهذا الرهن لك ، أي هو ملك لك ، وهذا بيع معلق ، فهو كالصورتين السابقتين ؛ لأنه باعه هذا الرهن بشرط أن يكون البيع لهذا الرهن معلقاً ، بعدم مجيئه بحقه ، فكأنه قال : بعتك هذا الرهن إن لم آتك بالثمن إلى عشرة أيام فهو بيع معلق .

ويستدل الحنابلة على عدم جواز هذا بما روى الدارقطني أن النبي r قال : ( لا يَغْلَقْ الرهن عن صاحبه الذي رهنه ، له غنمه وعليه غرمه ) أي لا يؤخذ منه فيتملك من قبل المرتهن .

وقال شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه جائز وفعله الإمام أحمد .

واستدلوا بما تقدم وهو أن الأصل في العقود الحل ، وهذا بيع للرهن على سبيل التعليق وتقدم الخلاف فيه وترجيح جوازه .

قالوا : والحديث إنما ينهى عن أن يغلق عليه من غير رضا منه كما كان في الجاهلية ، فإن الرجل إذا وضع الرهن ثم لم يأت بالثمن فإنه يؤخذ منه قهرا ، فيتملكه المرتهن، فهذا كان من عمل الجاهلية فنهى عنه الشارع ، وليست هذه المسألة من هذا الباب ، فإن الرهن هنا لم يغلق من صاحبه ، بل هو قد أغلقه على نفسه بشرطه الذي اشترطه ، والمسلمون على شروطهم ، وهذا القول هو الصحيح ولكن إن تأخر المشتري بأمر قهري وكان الغبن فاحشاً , فالراجح ما ذهب إليه الجمهور .

هل يجوز بيع العُربون وإجارة العربون ؟

وصورة هذه المسألة أن يشتري الرجل السلعة من أحد الناس ويقول : لي الخيار ثلاثة أيام ، وهذا مبلغ عندك فإن اشتريت السلعة أكملت لك المتبقي من الثمن ، وإلا فإن هذا المبلغ المقدم لك ، وهي صورة مشهورة عند الناس  وتسمى بالعربون ، وفيها قولان لأهل العلم :

1- قال الجمهور إن هذا محرم ؛ لأنه أكل للمال بالباطل ، وروى أبو داود في سننه وهو في موطأ مالك أن النبي r : ( نهى عن بيع العربان ) أي العربون .

2- وقال الحنابلة بيع العربون جائز ، ومثله إجارة العربون بأن يدفع شيئا للمؤجر ويقول إن عزمت على الاستئجار وإلا فهذا الثمن لك ، وقد لا يقع بينهما عقد ، ويقول هذا المال ، وأنا أفكر وأتأمل فإن عزمت على الشراء أكملت ما تبقى من الثمن ، وإلا فإن هذا المال لك .

واستدلوا بما رواه البخاري معلقا وذكره صاحب المغني وذكر أن الإمام أحمد احتج به وأن الإمام أحمد قيل له :    أتذهب إليه ؟ فقال : لم ، وهو قول عمر ، وفيه : " أن نافع بن الحارث عامل عمر بن الخطاب t على مكة اشترى دار السجن من صفوان بن أمية ، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا " [ رواه البخاري تعليقاً ] ولا يعلم له مخالف .

قالوا : وأما الحديث الذي ذكره الجمهور فإن إسناده منقطع ، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة كالإمام أحمد ، قالوا : وليس هذا بأكل لأموال الناس بالباطل ، فإنه إنما يأخذ المال بسبب تربصه وانتظاره ، وبقاء السلعة بيده من غير بيع ، فإنه يتربص وينتظر حتى يعزم هذا المشتري على الشراء ، وقد لا يعزم ، فهذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل ، فإنه قد تعود عليه مصلحة وقد يلحقه ضرر بسبب التربص .

قالوا : ولأن الأصل في المعاملات الحل ، وهذا القول هو الصحيح .

 

قوله : [ وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ ] :

مثاله : إذا قال هذه السلعة أمامك ، وأنا بريء من كل عيب مجهول ، ليبطل عليه خيار العيب ، فإذا وجد عيباً بعد ذلك فلا يكون له الخيار ، قال المؤلف : ( لم يبرأ ) بل للمشتري إذ وجد السلعة معيبة بعد ذلك حق الخيار ، فله إما الفسخ أو الإمضاء مع الأرش ؛ وذلك لأن خيار العيب إنما يثبت بعد البيع ، ولا يثبت قبله ، وهو إنما يثبت بعد الاطلاع على العيب ، وهذا هو المشهور عند الحنابلة .

وقال شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب المالكية : يبرأ إلا أن يكون قد علم بالعيب فلا يبرأ ، أما إن كان هذا القائل جاهلاً بعيوب هذه السلعة ولا يعرف عيوبها فيقول : أن أبيعك هذه السلعة وأنا لا أعرف هل فيها عيب أم لا ، وأريد أن تبرأني من كل عيب مجهول ، فإن شئت تشتريها هكذا ، وإلا فلا أبيعها عليك ، وهو صادق من حيث كونه لا يعلم إن كان فيها عيب أم لا ، فإن هذه التبرئة صحيحة معتبرة ؛ وذلك لأن الطرف الآخر قد أسقط حقه ولم يقع غش ولا خداع ولا غرر من البائع .

أما إذا قال : أنا بريء من كل عيب مجهول ، وكان البائع عالماً بوجود عيب فإن هذا لا يقبل ولا يعتبر ، بل الخيار ثابت ؛ وذلك لأن هذا غش وخداع وغرر ، فكان الخيار ثابتاً ، وما قاله رحمه الله ظاهر ، فإنه إذا لم يعلم شيئاً من العيوب فإنه لم يقع منه ما يقتضي جواز الفسخ للآخر وقد أسقط الآخر حقه ، وأما إذا كان عالماً بالعيوب فإنه قد غش وخدع ، فعند ذلك يثبت الخيار للآخر .

ويدل عليه ما رواه مالك في موطإه والبيهقي بإسناد صحيح أن ابن عمر t باع غلاماً له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة ، فقال الذي ابتاعه : بالغلام داء لم تسمه لي ، فاختصما إلى عثمان ، فقضى على ابن عمر أن يحلف له ، لقد باعه العبد وما به داء يعمله ، فأبى أن يحلف ، وارتجع العبد فصح عنده ، فباعه بألف وخمسمائة .

أما إذا سمى العيب ومع ذلك اشتراها وبرأه من العيب فإن الخيار لا يثبت بعد ذلك ؛ وذلك لأنه قد أطلعه على العيب فرضي به وأسقط حقه في الخيار .

 

قوله : [ وإن باعه داراً على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر أو أقل صح ] :

مثاله : إذا قال أبيعك هذه الدار وهي عشرة أذرع ، واتفقا على ذلك ، فبانت تسعة أذرع أو بانت أحد عشر ذراعاً ، صح البيع ، وما كان من زيادة فللبائع ، وما كان من نقص فعليه ، فإذا كان هناك زيادة فيؤخذ من الأرض عشرة أذرع ويترك الباقي للبائع ، وإن كان هناك نقص فعليه الثمن الفارق ، فمثلاً باعه عشرة أذرع بألف درهم ، فبانت تسعة أذرع ، فإنه يعطيه مائة درهم ، والبيع صحيح ؛ لأن الشروط قد توفرت .

 

قوله : [ ولمن جهله وفات غرضه الخيار ] :

مثاله : إن قال المشتري أنا أجهل أنها تسعة أذرع وأظنها عشرة أذرع ، وغرضي يفوت ، فإني أريد أرضاً قدرها كذا وكذا من الأذرع ، وهذه الأرض التي اشتريتها لا تفي بالغرض ، فإن له الخيار ، وإن أعطاه الثمن الفارق ، فإن له رفضه وفسخ البيع ، وذلك لفوات غرضه .

 فالبيع صحيح ، لكن هل يثبت له الخيار ؟

إن جهل وفات غرضه فله الخيار ، وهذا الخيار بفوات غرضه ، وشرطه الجهل ؛ لأنه قد دخل على بصيرة فليس له الخيار ، فإنه دخل على علم ومعرفة فلا يحق له والحالة هذه الفسخ ، أما إذا كان جاهلاً لكن لم يفت غرضه  فيلزم البيع ولا يثبت له الخيار ؛ لأن البيع قد لزم ، وليس له غرض معين بما حدده .

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net