باب الخيار
الخيار اسم مصدر من اختار ، والمصدر اختيارا ، والخيار : هو الأخذ بخير الأمرين من الإمضاء أوالفسخ .
قوله : [ وهو أقسام ، الأول : خيار المجلس ]
قالوا : وهو خيار مكان التبايع ، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ) وفي الصحيحين أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحد منهما البيع فقد وجب البيع ) فهذان الحديثان يدلان على ثبوت خيار المجلس ، أو خيار عدم التفرقة .
ولم يقل بخيار المجلس الإمام مالك احتجاجا بعمل أهل المدينة خلافاً لجمهور أهل العلم ، والحديث حجة عليه ، ولا يصح حمل الحديث على تفرق الأقوال لأن الأقوال مجتمعة بالإيجاب والقبول لا متفرقة ، وتأويلهم البائع بالسائم ضعيف جدا لأن الأصل هو الحقيقة هذا أولا ، وثانيا : أن الخيار للسائم معلوم لا يحتاج إلى بيان ، والقول بخيار المجلس هو قول سعيد بن المسيب وهو إمام أهل المدينة في عصره ، فكيف يقال إن إجماع أهل المدينة على خلافه . والحكمة من مشروعيته هي أن الرجل قد يعقد على السلعة بلا تروٍ فشُرع له الخيار ليستدرك ما فاته من النظر .
قوله : [ يثبت في البيع والصلح بمعناه ]
أما في البيع فظاهر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( البيعان بالخيار ).
وقوله : ( والصلح بمعناه ) أي الصلح الذي بمعنى البيع ، وهو الصلح الذي يتم بعوض ، كأن يقر رجل لآخر بسلعة قد اختلفا فيها ، فيأخذ صاحب السلعة من المقر عوضا عن سلعته ، فيقول مثلا : هذه سلعتك وأصالحك عليها بأن أدفع لك كذا وكذا ، فهذا صلح بمعنى البيع ، وذلك لاشتماله على العوض ، فهو صلح بمعنى البيع فثبت فيه الخيار.
فالحديث ورد في البيع فيقاس عليه ما في معناه من عقود المعاوضات .
قوله : [ وإجارة ]
كذلك الإجارة يثبت فيها الخيار ، فإن استأجر شيئا ، وقلنا إن الإجارة من العقود اللازمة ، فإن الإجارة بعوض، فهي بيع ، لكنه بيع منفعة ، ففيها معنى البيع ، لاشتمالها على العوض ، فإذا اتفقا على أن يستأجر منه هذه الدار ستة أشهر ، بعشرة آلاف ، وهما بعد لم يتفرقا ، فأراد أحدهما الفسخ فله ذلك ، ولكل منهما الخيار .
قوله : [ والصرف والسلم ]
فكذلك يثبت فيهما الخيار ، لأنهما بيع .
مثاله : أن يقول أريد أن تصرف لي هذه الدولارات إلى ريالات ، فلما دفع له الريالات وأخذ الدولارات وهما في المجلس فسخ أحدهما الصرف فله ذلك لأنه في مدة الخيار ، والصرف بيع .
قوله : [ دون سائر العقود ]
كالرهن والحوالة والضمان والشركة والمساقاة والمزارعة - على القول بأن العقد فيهما جائز وليس بلازم وهو أحد الوجهين في المذهب - والهبة والوقف والوصية وغير ذلك من العقود ، فهذه العقود لا يثبت فيها خيار المجلس ، وذلك لأن هذه العقود إما أن تكون غير لازمة ، أي عقود جائزة ، والعقد الجائز لا يحتاج إلى الخيار فهو جائز ، فللشخص أن يمضيه وله أن يفسخه من غير أن يحتاج إلى خيار ، كعقد الشركة ، فلكل واحد منهما الفسخ فلا يحتاج إلى خيار ، وهذا باتفاق العلماء.
ومنها - أي مما تقدم - ما هو عقود لازمة لكن لا عوض فيها كالوقف والوصية، فهي عقود لازمة ولا عوض فيها ، ولذا فلا تلحق بالبيع ، وقد نص الشارع على البيع فيلحق به ما هو في معناه ، وحيث كان العقد اللازم لا عوض فيه فإنه ليس في معنى البيع ، وعلى هذا فسائر العقود ليس فيها خيار .
وحكى الوزيرابن هبيرة الاتفاق على أن خيار المجلس لا يثبت في العقود غير اللازمة كالشركة ولا في العقود اللازمة التي لا يقصد منها العوض كالنكاح .
قوله : [ ولكل من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا عرفا بأبدانهما ]
فلكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا عرفا بأبدانهما ، فالمرجع في التفرق إلى العرف ، وذلك لأن كل ما لم يضع الشارع له حدا فإنه يرجع فيه إلى العرف ، فالشارع قال :( ما لم يتفرقا وكانا جميعا ) فيحتاج إلى تحديد التفرق ، بأي شيء يكون ؟ فلم يضع الشارع لنا حدا فيه ، فالعرف يكون هو الحد .
فإذا كانا في غرفة فخرج أحدهما منها فهو تفرق في العرف ، وكذلك إذا كان في فضاء كأن يكونا في السوق فإذا استدبر أحدهما الآخر فمشى خطوات يسيرة فالعرف يقول هذا تفرق ، وإذا كانا في سفينة أو سيارة فكان أحدهما في أعلاها والآخر في أسفلها فهذا تفرق في العرف . وإذا كان البيع من خلال اتصال هاتفي ، فإذا وضع أحدهما سماعة الهاتف فهذا تفرق في العرف وهكذا .
قوله : [ وإن نفياه أو أسقطاه سقط ]
إن نفياه قبل العقد فقال أحدهما أريد أن نتعاقد على هذا البيع بشرط ألا خيار بيني وبينك ، فقال الآخر : رضيت، فهذا صحيح ، وإسقاطه يكون بعد ثبوت العقد ، وذلك لأنه محض حقهما ،فإذا تراضيا على إسقاطه سقط.
قوله : [ وإذا أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر ]
ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أو يخير أحدهما الأخر ، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ) ولأنه حق لهما لمحض مصلحتهما ، فإذا أسقطاه أو نفياه أو أسقطه أحدهما فإنه يسقط ، أما الآخر الذي لم يسقط حقه فإنه لا يسقط ، ويدل لهذا أيضا ما رواه الخمسة إلا ابن ماجة بإسناد جيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( البائع والمبتاع بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن تكون صفقة خيار - أي عقد فيه خيار - ولا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله ) أي ليس لأحدهما أن يبادر الآخر بالمفارقة خشية أن يستقيل الآخر البيع ، أي يرجع فيه بحق الخيار الذي هو له ، فهذا لا يجوز ، وهو الصحيح في المذهب ، أما إذا فعل ذلك بغير نية تضييع حقه في الرجوع عن البيع فلا شيء في ذلك ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما الأعمال بالنيات ) ، وأما ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنه - كما في البخاري أنه باع مالا له بالوادي بمال لعثمان بخيبر ، قال : فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع ، فالجواب عنه من وجهين :
الوجه الأول : أن يقال : لعله لم يبلغه النهي .
الوجه الثاني : أنه بادره لطول مجلس عثمان - رضي الله عنه - فإنه كان الخليفة .
فإن فارقه خشية أن يستقيله فقد قال الحنابلة : يثبت التفرق بذلك وذلك لأن الأصل لزوم البيع .
ومما لا يقع فيه الخيار العتق ، فإذا اشترى رجل من آخر رقيقا يعتق عليه ، أو يقول المشتري : إذا اشتريت فلانا فهو حر ، فإذا اشتراه فإنه يعتق مباشرة ولا خيار ، وذلك لتشوف الشارع إلى العتق ، ومثل ذلك الكتابة ، فلو أن رجلا كاتب مملوكه على كذا وكذا من الأقساط يدفعها له شهريا أو سنويا ، فليس للسيد الخيار في مثل هذا العقد ، وإن كان بمعنى البيع ، وذلك للعلة السابقة ، وهي تشوف الشارع إلى العتق ، قالوا : ومثل ذلك إذا كان متولي طرفي العقد واحد ، كرجل وكل من بائع أن يبيع له ، ومن مشتري أن يشتري له ، فهنا لا خيار ، إذ لا يمكن إثبات الخيار لتعذر التفرق في الشخص الواحد .
وقال بعض أهل العلم من الحنابلة : بل يثبت الخيار ، ويكون الخيار ما دام في المجلس الذي أوقع فيه العقد، والذي يظهر هو القول الأول ، وان هذا إنما حيث كان طرفا العقد شخصين ، لئلا تخرج السلعة من صاحبها إلا بعد الرضا التام ، وحيث كان واحدا فإن هذا لا يحتاج إليه.
وهل يورث الخيار بأن يموت العاقد في مجلس الخيار؟.
فيه قولان في المذهب ، القول الأول أنه لايورث ، لأن الموت أعظم فرقة ، وهذا هو المشهور من المذهب ، والقول الثاني أنه يورث ، وذلك لأن الخيار حق له فيورث كسائر الحقوق ، والقول الأول أظهر لأن الأصل لزوم البيع والموت أعظم فرقة .
قوله : [ وإذا مضت مدته لزم البيع ]
أي إذا تفرقا في مدته لزم البيع ، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( فإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع ) ، فمراد المؤلف بقوله : ( وإذا مضت مدته ) أي مدته التي تقدمت أنها معتبرة بحسب العرف ، وهو التفرق العرفي بالأبدان .
قوله : [ الثاني : أن يشترطاه في العقد مدة معلومة ولو طويلة ]
هذا هو النوع الثاني من أنواع الخيار ، وهو خيار الشرط .
والفارق بين خيار المجلس وبين خيار الشرط أن خيار المجلس من وضع الشارع ، وأما خيار الشرط فهو من وضع المتعاقدين ، فخيار الشرط خيار وضعي ، وأما خيار المجلس فهو خيار شرعي .
وخيار الشرط يدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمون على شروطهم ) ، ويدل عليه قول الله تعالى : ) أوفوا بالعقود (.
وقوله : ( أن يشترطاه ) ظاهره أنهما لو اشترطاه قبل العقد فليس بمعتبر ، وأنه يشترط أن يكون في صلب العقد ، والراجح في هذه المسألة نظير المسألة السابقة ،في شروط البيع لقوله صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمون على شروطهم ) ، وهذا عام في الشروط كلها ، سواء كانت في صلب العقد أم قبله ،واختاره شيخنا الشيخ محمدرحمه الله.
وكما أن خيار الشرط يصح في صلب العقد ، فيصح أثناء مدة الخيار ، سواء كان الخيار خيار شرط أو خيار مجلس ، فإذا قال : بعتك هذه السلعة على أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام ، فقال : قبلت ، فقبل أن تتم المدة قال : أريد أن يكون الخيار لي شهرا ، صح ذلك لأن البيع لم يجب بعد ، ومثل هذا في خيار المجلس ، بأن قال قبل أن يتفرقا : اشترط الخيار لمدة شهر ، وكانوا لم يشترطوا ذلك في العقد ، فإن ذلك جائز .
وقوله : ( مدة معلومة ولو طويلة ) ولو كانت شهرا أو شهرين أو سنة أو سنتين ، فإن ذلك يصح ، فلو اشترى من آخر بيتا ، وقال لي الخيار سنة ، فذلك جائز ، قالوا : لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( المسلمون على شروطهم ) ،
وقال الأحناف والشافعية : لا يصح إلا ثلاثة أيام ، قالوا : لأن الأصل إمضاء البيع ، ولم يثبت لنا خيار في الشرع أكثر من ثلاثة أيام ، كما في خيار التصرية ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المصراة :( فله الخيار ثلاثة أيام ) وكذلك أثبته للمسترسل كما في سنن الدارقطني والبيهقي أن له الخيار ثلاثة أيام ، قالوا : فهذا أقصى حد لمدة الخيار في الشرع فلا نزيد عليه ، وقال المالكية : الأصل أنه ليس له الخيار إلا ثلاثة أيام ، إلا أن يحتاج إلى هذا كأن تكون السلعة من السلع التي لا يكفي فيها ثلاثة أيام ، أو يكون عنده سفر أو نحو ذلك مما يؤخر نظره في السلعة ، فله أن يشترط الخيار أكثر من ثلاثة أيام بحسب المدة التي يحتاج إليها، وأظهر المذاهب فيما يظهر مذهب الحنابلة ، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمون على شروطهم ) ، وأما خيار التصرية وأنه أقصى خيار ثبت في الشرع ففرق بين ما وضعه الشارع ، وما وضعه المتعاقدان ، فإن خيار الشرط من وضع المتعاقدين ، فما دام أنهما قد تراضوا على مدة معلومة ، فإن ذلك جائز
وظاهره و لو كان المبيع مما لا يبقى عادةً بعد المدة المذكورة كاالخضروات وهوالمذهب ، ويتوجه كما قال شيخ الإسلام وصاحب الإنصاف أنه لا يصح وعلى ذلك فيقال له : إما أن تفسخ البيع وإما أن يلزم البيع ولا خيار .
وقوله : ( معلومة ) يدل على أنها لو كانت مجهولة فإن الخيار لا يصح ، وعليه فيكون له الخيار فورا ، فإن شاء فسخ وإلا أمضى ، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ، فلو قال : بعتك على أن يكون لي الخيار مدة من الزمن أو حتى يأتي فلان ، ونحو ذلك فإنه لا يصح ، ومثله لو كان على التأبيد ، كأن يقول لي الخيار أبدا ، لما في ذلك من الجهالة والغرر ، وقال المالكية : يحدد لهما من الزمن مدة تكفي للخيار ، وتجربة المبيع في العادة ، فيضع لهما القاضي مدة تكفي لتجربة المبيع وللمشاورة ، وهذا يختلف من سلعة إلى أخرى ، وقال شيخ الإسلام : يثبت لهما الخيار ثلاثة أيام لأنه هو الخيار الذي ثبت عن الشارع كما في حديث التصرية ، وقول المالكية هو أصح الأقوال .
قوله : [ وابتداؤهما من العقد ]
فإذا قال كل منهما لي الخيار ثلاثة أيام ، فإن هذه المدة تبتديء من العقد .
قوله : [ وإذا مضت مدته أو قطعاه بطل ]
إذا مضت مدة الخيار فإنه يبطل ويثبت البيع ، وتحديد المدة في الخيار تجوز مع الاختلاف بين المتعاقدين فيها، فيجوز أن يشترط البائع له ثلاثة أيام ، ويشترط المشتري له عشرة أيام ، لأن ذلك حق لهما ، فإذا مضت مدة أحدهما أو مدتهما فإن الخيار يبطل ويثبت البيع .
وقوله : ( أو قطعاه ) بأن قال كل منهما ليس بيننا خيار ، فهذا جائز ، ويبطل به الخيار ، ويثبت معه البيع ، لأن هذا حق لهما ، فإذا قطعاه فقد أسقطا حقهما برضاهما ، ويجوز أن يسقط أحدهما حقه في الخيار دون الآخر.
قوله : [ ويثبت في البيع والصلح بمعناه ]
فخيار الشرط يثبت في البيع كخيار المجلس ، والمسلمون على شروطهم ، ويثبت في الصلح بمعناه ، وهو الصلح بعوض ، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يثبت في مثل الصرف والسلم وغيرهما من العقود اللازمة ذات العوض التي تقدم ثبوت خيار المجلس فيها ، واختار بعض الحنابلة ثبوت خيار الشرط فيما يثبت فيه خيار المجلس وهذا هو اختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو الراجح ، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمون على شروطهم ) .
قال شيخ الإسلام : " ويثبت خيار الشرط في كل العقود ولو طالت المدة " ا.هـ
فإن قيل : إن الصرف يشترط فيه التقابض ، فيكف يثبت فيه الخيار ؟
فالجواب : لا إشكال في ثبوت الخيار مع التقابض ، فكل منهما يقبض ماله ، ويبقى بيده على حسب مااشترطاه ، ومع ذلك فالخيار ثابت وليس هذا من الربا في شيء.
قوله : [ والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد ]
يثبت خيار الشرط في الإجارة في الذمة مطلقا ، والإجارة في الذمة هي الإجارة على بناء حائط أو على عمل بمزرعة أو خياطة ثوب أو نحو ذلك ، فيثبت الخيار لأن المسلمين على شروطهم ، وليس فيه المحذور الذي ذكر الحنابلة في مثل الصرف والسلم .
وقوله : ( أو على مدة لا تلي العقد )
فالخيار في الإجارة على مدة معينة فيه تفصيل :
فإن كانت على مدة لا تلي العقد فالخيار صحيح ، كأن يكونا في الخامس من محرم فيقول : آجرتك بيتي لمدة سنة ، وابتداؤها من أول شهر صفر ، على أن يكون لي الخيار لمدة عشرين يوما ، فهنا الخيار واقع في مدة لا تلي العقد ، لأن العقد لا يثبت إلا في أول صفر ، والخيار يكون قبله فيكون صحيحا .
أما إن كانت على مدة تلي العقد فإن ذلك لا يصح ، كأن يكونا في الخامس من محرم ، فيقول : آجرتك بيتي لمدة سنة على أن يكون ابتداء المدة من الآن ، ولي الخيار ثلاثة أيام ، فهذا لا يصح، لأن الخيار في مدة تلي العقد ، قالوا : لأنه حينئذ ينتفع بهذه العين المستأجرة في مدة الخيار وفي ذلك تفويت لهذه المنفعة ، وهذا هو المشهور في المذهب ، وقال القاضي من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أن هذا جائز ، وأن هذه المدة التي انتفع بها المستأجر تحسب عليه بأجرة المثل .
قوله : [ وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح ]
فإذا قال أحدهما : لي الخيار ثلاثة أيام ، وأما أنت فلا خيار لك ، أو قال : أنا لا خيار لي ، فهذا جائز ، لأنه حق لكل منهما ، فمن أثبته فلنفسه ، ومن نفاه فعليها ، فلا يشترط أن يكون الخيار ثابتاً لهما جميعا.
قوله : [ وإلى الغد أو الليل يسقط بأوله ]
إذا قال : أبيعك هذه السلعة ولك الخيار إلى الغد أو إلى الليل ، فإن الخيار يسقط بأول جزء منه ، فإذا قال : إلى الغد ، فإنه يسقط بأذان الفجر ، وإذا قال : إلى الليل فإنه يسقط بأذان المغرب ، وهذا هو المشهور في المذهب ، وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة أن الغد كله يدخل وأن الليل كله يدخل ، أما أهل القول الأول فقالوا : إن لفظة ( إلى ) لانتهاء الغاية ، فإذا قال : إلى الغد فإنه ينتهي ويكون ذلك بأوله ، وقال الأحناف هي بمعنى ( مع ) كما قال تعالى : ) وأيديكم إلى المرافق ( أي مع المرافق ، والراجح أن ( إلى ) بمعنى ( حتى ) فهي لانتهاء الغاية ، فإن الحد يباين المحدود ، وأنت إذا قلت : بعتك هذه الأرض من هذا إلى تلك الشجرة ، فإن الشجرة لا تدخل لأن الحد غير المحدود ، وأما إذا كان الحد من جنس المحدود فإنه يدخل ، كقوله تعالى : ) وأيديكم إلى المرافق ( ، فإن المرفق من اليد ، ولذا من حيث اللغة ما ذهب إليه الحنابلة أقوى، والصحيح في هذه المسألة عدم الرجوع إلى اللغة ، ولكن المرجع هو العرف ، فما تعارف عليه الناس فهو المعتبر ، وذلك لأنه عندما يتلفظ بتلك اللفظة إنما يريد ما هو معروف عند الناس ، فمثلا الباعة في الأسواق إذا قالوا : لك الخيار إلى الغد ، فليس مرادهم بالغد أذان الفجر ، وإنمامرادهم في غد ٍكله ، فالراجح أن العبرة في ذلك .
قوله : [ ولمن له الخيار الفسخ ولو مع غيبة الآخر وسخطه ]
لكل من له الخيار الفسخ ولو كان الآخر غائبا أو ساخطا ، فلا يشترط أن يلتقيا ليخبره بالفسخ ، لأنه حق له فله الفسخ متى شاء ، وكذلك إن كان الآخر ساخطا .
وظاهره أن الفسخ يثبت ولو لم يرد الثمن أوالسلعة ، ، وهذا لا شك أنه ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل ، فقد يجحد ، وقد يأبى دفع هذا المال ، ولذا فعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وصوبه في الإنصاف أن الفسخ يثبت برد الثمن ، وذلك سدا للذريعة ، وعلى هذا ففي المثال السابق لا يثبت الفسخ إلا بأن يرد المشتري السلعة إلى البائع ، ويرد البائع الثمن للمشتري ، لئلا يكون هذا ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل .
قوله : [ والملك مدة الخيارين للمشتري ]
فالملك مدة خيار الشرط وخيار المجلس للمشتري ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه السبعة : ( من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع ) فدل على أن المبتاع إذا اشترط المال الذي بيد العبد فهو له ، واللام للتمليك ، فدل على أن البيع الثابت فيه الخيار يثبت فيه ملك كل واحد منهما لما في يد الآخر ، وإن كان الفسخ ثابتا للآخر ، فالبائع مالك للثمن وإن كان الآخر له الفسخ ، والمشتري مالك للسلعة وإن كان البائع له الفسخ ، للحديث المتقدم ، ويترتب على هذه المسألة :
قوله : [ وله نماؤه المنفصل وكسبه ]
فإذا نما المبيع نماء منفصلا فهو لهذا المالك الذي هو تحت يده ، مثلا : اشترى شجرا ، وكان الخيار مدة سنة ، فأثمر الشجر ، فإن الثمر للمشتري ، ما دام الخيار ثابتا ، وكذلك الكسب ، فلو اشترى عبدا ، فإن كسبه يكون له مدة الخيار ، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الخراج بالضمان ) رواه أحمد وأهل السنن وغيره والحديث صحيح.
فالخراج : أي ما يخرج من الشيء من ثمر أو كسب ونحوه .
بالضمان : أي لمن كان الضمان عليه .
والضمان مدة الخيار في السلعة على المشتري ، وإن كان البائع له حق الفسخ ، وعلى هذا فالنماء المنفصل والكسب يكون في السلعة للمشتري وفي الثمن للبائع .
وأما نماؤه المتصل فلم يذكره المؤلف ، وهو للبائع ، وهذا هو المشهور ، وهو مذهب جماهير أهل العلم ، وحكي إجماعا ، فمثلا : رجل اشترى شاة فبقيت عنده لمدة شهر أو شهرين وكان الخيار فيها مدة سنة ، فسمنت الشاة ، فهذا السمن ليس للمشتري ، وهو وإن كان في ملكه لكنه نماء متصل ، ويثبت تبعاً مالا يثبت استقلالا ، واختار شيخ الإسلام أن النماء المتصل للمشتري أيضا وهذا القول هو الراجح ، لعوم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الخراج بالضمان ) ، ولأنه نما في ملكه ،وعليه ُيقوَّم المبيع ، كالشاة لما كانت هزيلة وقت البيع ، وتُقوَّم لما كانت سمينة عند الفسخ ، ويدفع الفرق للمشتري ، فإذا كانت وهي هزيلة تساوي ثلاثمائة ،وكانت وهي سمينة تساوي خمسمائة ، فيدفع البائع للمشتري مائتين .
قال الأحناف والمالكية : الملك مدة الخيار للبائع ، قالوا : لأن الخيار مانع من ترتب آثار العقد عليه ، وعليه فالنماء مدة الخيار للمالك ، والراجح ما تقدم لأن العقد صحيح فتترتب آثاره عليه والخيار إنما يمنع لزوم البيع .
قوله : [ ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع وعوضه المعين ]
فلا يصح لأحدهما أن يتصرف في المبيع ، فمن أخذ السلعة فليس له أن يتصرف فيها ، بمعنى أن ليس له أن يبيعها ولا أن يهبها ولا أن يتبرع بها ، فكل هذا محرم ، لأن في ذلك تفويتاً لحق صاحب الخيار لأن حق الآخر في الفسخ يسقط بمثل هذا التصرف ، ولا يجوز إسقاط حقه في الفسخ ، وعن الإمام أحمد أن البيع يصح ، ولكنه يكون موقوفا على إجازة الآخر ، وهذا هو الراجح كما تقدم في تصرف الفضولي ، وهذا أولي من تصرف الفضولي .
وقوله : ( وعوضه المعين ) لأن عوضه الذي يكون في الذمة لم يثبت عليه العقد ، فالعوض المعين كقوله : بعتك هذه الدار بهذا الشيء ، فهذا الشيء المعين لا يصح التصرف فيه ولا يجوز ، لكن لو قال : بعتك هذا الشيء بعشرة آلاف ، فله أن يتصرف فيها لأن العشرة آلاف غير معينة ، فالواجب عليه متى ثبت البيع أن يعطيه عشرة آلاف ، وعلى ما تقدم يصح التصرف حتى لو كان معينا ويكون موقوفا .
قوله : [ بغير إذن الآخر ]
أما إذا أذن الآخر فلا إشكال في جوازه ، مثاله :رجل اشترى سلعة من آخر ، وكان بينهما الخيار، وقال له : أريد أن أبيعها أو أهبها ، فوافق الطرف الثاني ، فإن له ذلك ، ولا إشكال في جواز هذا .
قوله : [ بغير تجربة المبيع ]
أما إذا تصرف تصرفا للتجربة فذلك يجوز، كأن يذهب بها إلى السوق فيزايد عليها مزايدة ليعرف ثمنها ، كذلك لو ركب الدابة ليعرف سيرها ، فهذا جائز لأن مثل هذه التصرفات هي المقصودة من الخيار ، لأن الخيار إنما وضع لمثل هذا .
قوله : [ إلا عتق المشتري ]
مثاله : رجل اشترى عبدا ، وقال للبائع لي الخيار ثلاثة أيام ، وفي اليوم الأول أعتقه المشتري ، قالوا : فإنه يعتق العبد ، وذلك لتشوف الشارع إلى العتق ، وهذا هو القول الأول في هذه المسألة، وهو مذهب الجمهور ، والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد أن الخيار لا يسقط وإن كان العتق يسري ويصح لكن الخيار لا يسقط، وحينئذ يقوم العبد في اليوم الذي أعتق فيه ويعطى البائع حقه ، فلا يؤدي تصرف المشتري إلى فسخ العقد ، بل للبائع الخيار ، فإن شاء أن يرضى بمثل هذا البيع ، وإن شاء لم يرض ، وهو إن لم يرض فإن العبد يصح عتقه لكن ينظر في اليوم الذي أعتق فيه كم يساوي ، واختار الشيخ السعدي أن العتق لا يصح ، وهذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة ، وأنه يكون أيضا - وإن لم يكن هذا من كلام الشيخ السعدي - موقوفا على الإجازة، وعلى هذا فالأصل أنه لا يصح ولا يجوز ، وذلك لأن الشارع وإن كان متشوفا إلى العتق لكنه متشوف إليه بأن يكون بطريق شرعي ، وأما أن يكون بغير طريق شرعي فهذا لا يجوز ، العتق بطريق غير شرعي يفوت حقوق الآخرين ، وكوننا نقومه يوم البيع هذا فيه نظر ، فقد يكون وضع الخيار لنفسه لكونه مترددا في بيع هذا العبد وهو يرغب فيه ، فالراجح أن العتق لا يثبت وإن كان الشارع متشوفا إليه ، ويكون العتق موقوفا على إجازة البائع .
قوله : [ وتصرف المشتري فسخ لخياره ]
هذا إذا كان الخيار له وحده ، مثاله : رجل اشترى بيتا وقال لي الخيار ثلاثة أيام ، أما البائع فلا خيار له ، ثم في اليوم الأول باع البيت ، فحينئذ يكون تصرفه فيه ببيع أو هبة إسقاط لحق نفسه في الخيار ، وهذا ظاهر ، لأن تصرفه دليل على رضاه ، وهو أظهر من مجرد اللفظ .
و تصرف البائع يدل على الفسخ ، مثلا : قال رجل أبيعك هذه الدار ولي الخيار ثلاثة أيام ، ولك الخيار أيضا ، فالخيار لهما جميعا مدة ثلاثة أيام ، ثم بعد يوم أتى البائع نفسه فباع بيته، فهذا البيع يصح ، لأنه له الفسخ.
هذا ما قرره الموفق في المغني ورجحه ابن عقيل وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد الوجهين في المذهب.
قوله : [ ومن مات منهما بطل خياره ]
هذا هو المشهور من المذهب ، قالوا : لأن الخيار أمر نفسي يختص بالشخص نفسه ، لا يعتاض عنه بغيره ، وقال الشافعية والمالكية بل يثبت الخيار للورثة ، وهذا هو الراجح ، وذلك لأن الخيار حق مالي فيدخل في الإرث ، فالشخص يرث كل ما هو للموروث .
قوله : [ الثالث : إذا غبن في المبيع غبنا يخرج عن العادة ]
هذا هو النوع الثالث من أنواع الخيار وهو خيار الغبن ، فإذا غبن أو خدع غبنا يخرج عن العادة أي غبنا فاحشا فله الخيار ، فليس في الغبن المعتاد خيار ، لأنه أمر يقع في العادة ، فليس فيه الخيار إلا أن يشترطه على الصحيح كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - حيث ذكر رجل له أن يخدع في البيوع فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :( إذا بايعت فقل : لا خِلابة ) وهذا عام في كل خداع سواء أكان خداعا مما يجحف به أو ممالا يجحف به ، فإذا شرط فقال : لا خلابة أو لا خداع فإن الخداع اليسير يثبت فيه الخيار ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( المسلمون على شروطهم )
فإذا غبن غبنا يخرج عن العادة فإن البيع يصح مع خيار الغبن ، فله أن يمسك ولا أرش له ، وله أن يرد ، وإن اختار الإمساك فلا أرش له لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر الأرش كما في تلقي الجلب ، وهو من خيار الغبن ، ولذا نص فقهاء الحنابلة وغيرهم على أنه لا أرش في خيار الغبن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكره في تلقي الجلب .
قوله : [ بزيادة الناجش ]
فالغبن له ثلاث صور عند الحنابلة في المشهور من المذهب :
الصورة الأولى : تلقي الجلب ، فإنه يثبت فيها خيار الغبن .
الصورة الثانية : زيادة الناجش ، والنجْش : أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغر المشتري ، والنجش محرم ، ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن النجش )
وقال جمهور العلماء إن البيع المسبوق بنجش بيع صحيح ، وقال الظاهرية وهو رواية عن الإمام أحمد أن البيع باطل ، قالوا : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه ، والنهي يقتضي الفساد ، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور وأن البيع صحيح لأن النهي لا يعود إلى ذات المنهي عنه ، بل إلى أمر خارج عنه ، وهو النجش أي المزايدة المحرمة ، ولأن الضرر الواقع على المغبون يدرأ بالخيار ، فيقال له لك الخيار إن شئت أمسكت ، وإن شئت رددت ، ومثل ذلك ما لو قال البائع : قد اشتريتها بكذا وهو كاذب ، فإن هذا من النجش ، وهنا وإن كان الزائد هو البائع ، فلا فرق بين أن يكون الزائد هو البائع أو غيره ، لأن المقصود أن السلعة قد أعطيت غير سعرها المفترض لها ففي هذا غرر على المشتري .
قوله : [ والمسترسل ]
وهذه هي الصورة الثالثة من صور الغبن عند الحنابلة .
والمسترسل : هو الجاهل بالقيمة ، الذي لا يحسن المماكسة أي المكاسرة ، فهو الذي يطمئن ولا يستوحش من هذا البيع لجهله بالقيمة ، وهو لا يحسن المماكسة ، ومثله البائع الجاهل بقيمة المبيع .
وقد تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجل الذي كان يخدع في البيوع :( إذا بايعت فقل لا خلابة ) فهذا المسترسل يثبت له خيار الغبن .
وظاهر كلام المؤلف وهو المشهور من المذهب أن خيار الغبن لا يثبت إلا في هذه الصور الثلاث المتقدمة ، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي وهو قول في المذهب إنه يثبت في كل غبن ، فأي بيع يثبت فيه غبن فإن الخيار يثبت فيه ، وعليه فلو اشترى شخص يحسن المماكسة بسعر ، وغلب على ظنه أمانة البائع ووثق به ، وكان عليه غبن فإن الخيار يثبت له إذا تبين له أنه قد غبن ، وعلل ذلك القول بان المتعاقدين يدخلان في البيع على أن يتعوض كل واحد منها بقيمة المثل ، أو بزيادة أو نقص لا إجحاف فيه ، وعليه فإذا كان هناك زيادة فاحشة وإن لم يكن من الصور الثلاثة المتقدمة فإن البيع يخرج إلى معاوضة خارجة عما هو شرط
في الضمن، فإن كلا منهما كأنه يشترط على صاحبه الأمانة وأن يبيعه بثمن المثل ، ولأنه كما تقدم فإن الشخص وإن كان يحسن المماكسة فقد يغلب على أمره ، وقد يغره البائع ، ولذا فالراجح هو ما اختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي وهو قول في المذهب ، لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلات ، بل يجمع بينها بحكم واحد .
مسألة :
قال شيخ الإسلام : " يحرم تغرير المشتري ، بأن يسومه كثيرا ليبذل قريبا منه " أ.هـ
قوله : [ الرابع : خيار التدليس ]
التدليس مأخوذ من الدُّلْسَة ، وهي الظلمة ، والمراد بها اصطلاحا : أن يظهر المبيع على صورة أفضل منه في الواقع ، والتدليس محرم فإنه خداع والخداع محرم .
قوله : [ كتسويد شعر الجارية أو تجعيده ]
تسويد شعر الجارية بعد أن أصبح أبيضا ، وتجعيده أي يجعله مجعدا وهو ضد المسترسل ، قالوا : لأنه إذا جعد شعر الجارية فإنه يدل على القوة ، فكأنه يدل على شباب وقوة الجارية ، وهذا تدليس .
قوله :[ وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها ]
الرحى معروفة ، فيجمع الماء ثم يرسله عند العرض على المشترين ، فيندفع الماء بشدة فيتحرك الرحى بشدة ، وحينئذ يكون في هذا تدليس ، لأن هذه ليست سرعتها الحقيقية ، وهذا محرم .
ومثل ذلك التصرية ، والتصرية أن يحبس اللبن في الضرع عند بيع الشاة ونحوها إظهارا لكثرة لبنها ، والحديث فيه هو الأصل في النهي عن التدليس وهو الأصل في ثبوت خيار التدليس ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين إنشاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر وفي صحيح مسلم :( فهو بالخيار ثلاثة أيام ) ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أرشا ، فدل على عدم ثبوت الأرش في خيار التدليس ، وأن من ثبت عليه التدليس فهو بالخيار إن شاء أمسك ولا أرش ، وإن شاء رد .
وأما صاع التمر الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مقابل لهذا اللبن الذي شربه ، وهو الذي كان في هذه الشاة عند بيعها ، ولذا فإذا رد الشاة على حالها من غير ما تغير فإنه ليس عليه أن يرد صاعا من تمر، وإنما يرد معها صاعا من تمر إذا استعمله
قال الموفق : وله الخيار متى علم التصرية ثلاثة أيام ، وهو الصحيح في المذهب ، وقال بعض الحنابلة من حين البيع ،ثلاثة أيام وهو أظهر ، لأنه أبعد عن الخصومة .
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
قوله : [ الخامس : خيار العيب : وهو ما ينقص قيمة المبيع ]
كأن يبيع عبدا على أنه كامل الأعضاء فيثبت أنه أقطع اليدين ، فهذا عيب ينقص الثمن ، فيثبت به خيار العيب ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :( المسلم أخ المسلم ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له ) ، والضابط فيه ما ينقص قيمة المبيع عادة ، وعليه فاليسير عادة لا خيار فيه .
ثم ضرب أمثلة لذلك فقال :
قوله : [ فإذا كمرضه وفقد عضو أو سن أو زيادتهما وزنا الرقيق وسرقته وإباقه وبوله في الفراش]
هذه كلها عيوب في المبيع من باب التمثيل .
قوله : [ فإذا علم المشتري العيب بعد أمسكه بأرشه ]
قوله : ( بعد ) احتراز مما لو علم قبل العقد ، لأنه يكون حينئذ قد دخل على بصيرة ، فلم يكن له الخيار .
قوله : [ وهو قسط ما بين الصحة والعيب أو رده وأخذ الثمن ]
فإذا علم المشتري بالعيب بعد العقد فله الخيار ، وعلى هذا فله أن يمسك ويأخذ الأرش ، أو يرد ويأخذ الثمن ، والأرش هو قسط ما بين الصحة والعيب .
مثاله : باع عبدا على أنه كامل الأعضاء بمائة وعشرين ، ثم العبد أنه أقطع ، فنقول للمشتري : أنت بالخيار إن شئت أن تمسك ولك الأرش ، وإن شئت أن ترد ولك الثمن ، فإذا اختار الإمساك مع الأرش فهنا يقوم العبد لو كان صحيحا ، فلو فرضنا أننا قومناه وهو صحيح بخمسة عشر ألفا ، وقومناه وهو معيب بعشرة آلاف ، فأصبح القسط بين ثمن الصحة والعيب الثلث ، فثلث المائة والعشرين هو أربعون ، وعلى هذا فعلى البائع أن يرد أربعين للمشتري ، وهو أرش ذلك العيب .
وقد قال بإثبات الأرش الحنابلة ، وقال الأحناف والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد أنه لا أرش ، فإن شاء أمسك ولا أرش له ، وإن شاء رد ،
واستدل أهل القول الأول بأنه قد فاته جزء من المبيع فاستحق الأرش مقابل ذلك الجزء الفائت عليه ، وقال أهل القول الثاني : إن هذا الشيء الفائت نظير الشيء الفائت في مسألة التدليس ، فإنه إذا باعه العبد على أنه كاتب فبان غير كاتب فأنتم لا تقولون بأنه له الأرش ، لأن هذا من باب التدليس، فكذلك العيب ، وأما كونه قد وقع عليه الغرر المتحقق بذلك فإنه يدفعه بخيار العيب ، فيرد السلعة وله ثمنه ، وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن سعدي ، لأن الشارع لم يذكر الأرش في المصراة وثبت بها خيار التدليس مع فوات صفة فيها يقدر بمال ، فكذلك هنا وهو خيار العيب .
لكن إن تراضيا على ذلك فلا بأس ، كأن يقول البائع : لا تفسخ وخذ هذه الدراهم ، فيقبل المشتري فلا بأس .
قوله : [ وإن تلف المبيع أو عتق العبد تعين الأرش ]
وهذا ظاهر ، وأهل القول الثاني الذي يقولون إنه لا أرش يثبتونه إن تعذر الرد ، فهو الآن لا يمكنه الرد ، وفي المبيع عيب ، فحينئذ لا بد وأن يثبت له الأرش لأن عدم إثباته له يفوت حقه ، ومثل ذلك ما إذا أعتق العبد ، فإذا اشترى رجل رحماً محرماً يعتق عليه كا أخيه ، فلا خيار ، فإذا ثبت أن فيه عيبا ينقص الثمن فله الأرش لتعذر الرد ، ومثل هذا لو تلف المبيع وفيه عيب، فإنه يجبر بدفع الأرش بتعذر الرد عليه ، فلا يمكن تحصيل حقه حينئذ إلا بهذا الأرش لأن الخيار قد فاته .
قوله : [ وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز الهند وبيض نعام فكسره فوجده فاسدا فأمسكه فله أرشه ، وإن رده رد أرش كسره ]
هذا في بيع ما لا يعلم فساده وصلاحه إلا بكسره ، فإذا اشتراه فكسره ليعلم حاله أهو فاسد أم صالح ، فوجده فاسدا فله أن يمسكه وله الأرش وهذا على القول بثبوت الأرش وتقدم الكلام فيه ، وإن رده فإنه يرد أرش كسره على البائع ، لأن قشره له قيمه ، فما دام أنه قد كسره فهذا الكسر له قيمته ، هذا إذا كان الكسر مؤثرا ، أما إذا كان الكسر غير مؤثر في قيمته فلا أرش حينئذ .
والأرش يختلف حينئذ باختلاف التقويم ، فإن التقويم يختلف ، فإنه في الصورة الأولى - أي التي يمسك فيها المشتري مع أخذ الأرش - يقوم المبيع صحيحا ، ويقوم فاسدا غير مكسور ، وأما في الصورة الثانية - أي التي يرد فيها المشتري السلعة ويدفع الأرش للبائع - فإن القشر يقوم غير مكسور ، ثم يقوم وهو مكسور ، وهذا هو المشهور في المذهب ، والصحيح وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب مالك أن البيع لا خيار فيه أصلا ، وذلك لأن البائع لم يقع منه غرر ولا خداع فإن هذا أمر باطن ، إلا أن يشترط ، فإذا اشترط أن يكون سليما صحيحا فحينئذ له الخيار لأن المسلمون على شروطهم ، وكذلك الناس يحتاجون إلى التبايع على هذه الصورة المجهولة فلا خيار إلا أن يشترطه .
والكسر - على القول بثبوت الخيار - لا أرش فيه لأنه مأذون فيه ، ولا يمكن أن يتعرف على ما في باطنها إلا بهذا الكسر ، إلا أن يكون الكسر خارجا عن العادة وخارجا عما يحتاج إليه فحينئذ إن أعادها فعليه أرش قيمة ما أفسد ، وعليه فالكسر الذي أذن فيه إنما هو قدر ما يحصل به الاستعلام كما قرر الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
قوله : [ وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن ]
لأن قشره لا قيمة له ، فهنا صورتان :
الصورة الأولى : إذا كان القشر له قيمة، كما في المسائل السابقة .
الصورة الثانية : إذا كان القشر لا قيمة له ، فليس فيه أرش ، بل هو بالخيار إن شاء أمسك ، وإن شاء رد ، ولا أرش ، لأنه لا قيمة أصلا لهذا القشر ، والصحيح ما تقدم أنه لا خيار له إلا أن يشترطه .
قوله : [ وخيار عيب متراخ ما لم يوجد دليل الرضا ]
فخيار العيب متراخ ، فلو أن رجلا اشترى سلعة فوجد فيها عيبا فله الخيار على التراخي ، إن شاء غدا ، أو بعد شهر أو بعد سنة ما لم يوجد دليل الرضا ، كأن يؤجره أو يهبه أو يبيعه ونحو ذلك ، فإذا تصرف فيه تصرفا يدل على الرضا فلا خيار له ، لأن هذه التصرفات دليل على رضاه بالعيب ، وهذا هو المشهور من المذهب وهو قول الجمهور ، وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي أن خيار العيب على الفور ، فمتى علم بالعيب فإنه عليه أن يرده فورا إلا أن يكون له عذر بالتأخير ، وإن لم يفسخ بالبيع ثابت حينئذ وليس له الحق في الخيار ، قالوا : لأنه سكوته وتراخيه دليل على رضاه ، ولأن التأخير قد يلحق الضرر بالبائع ، وهذا القول هو الراجح ، فالصحيح أن خيار العيب على الفور لا على التراخي ، وأنه متى ثبت عنده العيب فعليه أن يرده ما لم يكن له عذر ، ومثل ذلك خيار الغبن والتدليس فإنه على الفور للمعنى المتقدم ، ونزيد دليلا وهو أن الأصل في البيوع هو اللزوم والخيار خلاف الأصل ، ولأن هذا التراخي في الغالب يورث عداوة وبغضاء وخصومة ونحو ذلك ، فالراجح أن خيار العيب على الفورية ، ومثله خيار الغبن والتدليس ، وقال الحنابلة : بل خيار الغبن والتدليس على التراخي أيضا والصحيح ما تقدم .
ويستثنى من ذلك ما نص عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بيع المصراة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت له الخيار ثلاثة أيام ، فإن قيل : فلم لا نثبت الخيار في التدليس ثلاثة أيام ؟
فالجواب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ذكر ثلاثة أيام لأنها هي المدة الكافية للتعرف هل هذه التصرية ، ولذا فإنا نمهل كل من احتاج إلى مهلة ليتعرف على هذا المبيع ، وتحديد النبي - صلى الله عليه وسلم - خيار التدليس ثلاثة أيام يدل على أنه ليس على التراخي ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حدده بأيام والتراخي يخالف ذلك ، فإنه ليس محددا .
قوله : [ ولا يفتقر إلى حكم ولا رضا ولا حضور صاحبه ]
فهذا الخيار لا يفتقر إلى حكم ولا رضا اطرف الاخر ولا حضوره ، لأن هذا حق له فمتى فسخ فإن الفسخ يثبت ولا يشترط أن يحضر إلى حاكم ولا أن يرضى الطرف الثاني ولا أن يحضر صاحبه عند القاضي إذا أراد الفسخ ولا غير ذلك .
قوله : [ وإن اختلفا عند من حدث العيب فقول مشتر مع يمينه ]
إذا اختلفا عند من حدث العيب فهذا يقول حدث عند البائع ، وهذا يقول حدث عند المشتري فالقول قول المشتري مع يمينه ، وهذا هو المشهور من المذهب ، وعللوا ذلك بقولهم : إن الأصل أنه لم يقبض السلعة كاملةً ، فالأصل أن المشتري لم يقبض المبيع كاملا ، وقال جمهور العلماء القول قول البائع مع يمينه ، لأن الأصل السلامة من العيب ، ولأن الأصل هو لزوم البيع ولا خيار فيه ، والمشتري مدعي للعيب وأنه حاصل عند البائع ، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر ، وهذا القول هو الصحيح ، وأما قولهم إن الأصل أنه لم يقبضه كاملا ، فإننا نقول إن الأصل أنه قد قبضه كاملا ، فإنه قد تم البيع ، ووقع المبيع في ضمانه فالأصل أن قبضه كان كاملا .
قوله : [ وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما قبل بلا يمين ]
إذا كان العيب لا يحتمل إلا أن يكون عند أحدهما كأن يكون العيب أصبع زائدة في العبد ، فحينئذ بلا شك أن هذا العيب موجود في ملك البائع ، فلا يقبل قوله إذا ادعى نفيه ، لأن الأصل أن هذا موجود من الخلقة وأنه لا يمكن أن يوجد بعد ذلك ، أو أن يكون فيه جرح طري لا يمكن أبدا أن يكون إلا بعد العقد ، فإذا ادعى المشتري أن هذا الجرح كان قبل العقد فلا يقبل منه ذلك ، ولا يحتاج إلى يمين لأن الكذب ظاهر هنا .
مسألة :
إذا حدث عيب آخر في ملكية المشتري ؟
مثاله : رجل اشترى سلعة معيبة ، لم يعلم بعيبها ، فلما أخذ المبيع في ملكه حدث له عيب آخر غير الأول ، فهل يثبت له الخيار إذا علم بالعيب الأول أم ينتفي الخيار لثبوت العيب الآخر ؟ ، كأن يشتري سياره ثم يتبيَّن له أن فيها عيباً ثم وهو راجع ليردها إلى صاحبها حصل له حادث فظهرت عيوب أخرى في السيارة .
قولان لأهل العلم هما روايتان عن الإمام أحمد :
1- الرواية الأولى : أنه ليس له الخيار لأن البائع يتضرر حينئذ بإعادة هذا المبيع إليه وفيه عيب آخر ، فليس له حينئذ الخيار ، بل له الأرش لأن الرد متعذر .
2- الرواية الثانية : أن له الرد ، لأن الأصل هو بقاء الخيار ما دام أن العيب موجود ، ولا يسقط حقه في الخيار لوجود عيب آخر في ملكيته ، ويدفع الضرر عن البائع بأن يعطيه أرش هذا العيب الذي حدث جديدا ، وهذا القول هو الراجح ، فإن الأصل ثبوت الخيار ، ولا دليل على إسقاطه ، وكونه يتجدد عنده عيب فنقول يرد المبيع ويدفع الضرر المتجدد على البائع بأن يعطيه الأرش .
قوله : [ السادس : خيار في البيع بتخبير الثمن متى بان أقل أو أكثر ]
تخبير الثمن أي الإخبار به ، بأن يقول هو علي بكذا وما أبيعه إلا بكذا ، وستأتي صوره ، فإذا ثبت أن إخباره بالثمن كان خلاف الواقع وهو كذب أو غلط منه فإن الخيار يثبت فيما سيذكره المؤلف .
وقوله ( أو أكثر ) هذا وهم من المؤلف ، وهذه العبارة ليس لها أصل في كتب الحنابلة ، ولا يمكن أن يكون الإخبار بأكثر من الثمن ، لأن ذلك فيه مصلحة للمشتري .
قوله : [ ويثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة ]
التولية : أن يبيعه السلعة برأس مالها ، فيقول هذه السلعة لك برأس مالها وهو عشرة آلاف .
الشركة : أن يبيع السلعة بقسطه من رأس المال ، بأن يكون المشتري شريكا له ، فيقول هذه الأرض التي مساحتها مائة متر بمائة ألف ، ولك نصفها من الثمن أي خمسون ألفا .
المرابحة : أن يبيعه السلعة برأس مالها مع ربح معلوم ، كأن يقول : هذه السلعة علي بعشرة ، وأربح عليها درهمين فهي باثني عشر .
المواضعة : بعكسها ، فهي البيع برأس المال مع خسارة معلومة ، كأن يقول : هذه السيارة علي بألف ، واضع عليك منها مائة فتكون تسعمائة ، فهذه الصور الأربعة هي صور التخبير بالثمن .فإذا بان في شيء من ذلك الكذب أو الغلط فللمشتري الخيار .
قوله : [ ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال ]
فلا بد في جميعها أن يعرف المشتري رأس المال ، وكذلك البائع ، وإنما ذكر المشتري دون البائع لأنه هو الذي يجهل الثمن في العادة ، وسبب ذلك أنهما إن لم يعرفا رأس المال أو كان أحدهما لم يعرفه فإن البيع فيه جهالة ، ومن شروط البيع أن يكون ثمنه معلوما ،
إذن أثبت المؤلف الخيار في هذه الصور ، فمن بيع عليه على سبيل التولية فقيل له : السلعة علي بألف وهي لك بالألف أيضا ، فتبين أن البائع كاذب أو مخطيء في خبره ، فقال المؤلف : يثبت له الخيار ، أي للمشتري ، فله أن يفسخ البيع ، وله أن يمضيه ، هذا ما ذكره المؤلف وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الأحناف ،
وأما المشهور عند الحنابلة - خلافا لما ذكره المؤلف ، وهذه من المسائل التي خالف فيها المؤلف المشهور من المذهب - أن الخيار لا يثبت هنا ، وإنما يأخذ المشتري الفارق بين رأس المال الحقيقي ورأس المال الموهوم ، ولا حاجة لنا إلى الخيار ، فإن الخيار إنما يثبت لدفع الضرر عن المشتري ، وهنا المشتري لا ضرر عليه ، بل قد حصل على ماله ، ولا شك أن رضاه بالسلعة ظاهر ، وهو أولى من رضاه بها حيث كان الثمن أكثر ، فإن قد خبر أن الثمن أكثر فرضي فإذا وجد أن الثمن أقل وأعطي الفارق فإنه لا ضرر عليه ، وعليه فلا حاجة إلى هذا الخيار ، ولأن الأصل في البيوع اللزوم لا الخيار ، فنبقى على الأصل ، وهذا القول هو الراجح ، وأن الخيار لا يثبت في هذه المسائل بل يعطى المشتري الفارق بين رأس المال الموهوم وبين رأس المال الحقيقي .
قوله [ وإن اشترى بثمن مؤجل .... ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن فلمشتر الخيار بين الإمساك والرد ]
إذا قال مثلا : هذه السيارة رأس مالها بعشرة آلاف ، وظاهر هذا أن ذلك نقدا ، ولم يبين لها أنه نسيئة ، ومعلوم أن البيع بالنسيئة يختلف عن البيع بالنقد ، فالثمن في النسيئة أكثر ، فإذا لم يتبين له ذلك فلا شك أن هذا تغرير بالمشتري ، فحينئذ له الخيار بين الإمساك والرد ، وقال بعض الحنابلة : بل لا خيار له ، وأنه يأخذها بالثمن المؤجل ، فلا يدفع له هذا نقدا بل يأخذه على التأجيل ، وهذا بعيد ، وذلك للفرق بين الثمن المؤجل والثمن المنقود ، فعندما نقول للمشتري ادفع بثمن مؤجل فإننا حينئذ نلزمه بزيادة على الثمن ، ثم ليس كل أحد يرغب في التأجيل ، فهذا في الحقيقة فيه ضرر ، وإنما يسلك هذا المسلك المحتاج ، فلا يلزم بهذا البيع ، كما أن كثيرا من الناس لا يرغب أن يكون في ذمته شيء من المال لأحد من الناس ، فالراجح ما ذكره المؤلف ، وأن له الخيار بين الإمساك والرد لدفع الضررعنه .
قوله [ أو ممن لا تقبل شهادته له ]
كأبيه أو ابنه أو زوجته ونحو ذلك ، فإن الشخص إذا اشترى من أبيه سلعة أو من ابنه أو من زوجته فإنه قد يأخذها بثمن أعلى من ثمنها المعتاد محاباة لهؤلاء ، ومثال ذلك : أن يشتري السلعة من والده بخمسة عشر ألفا وهي تساوي أقل من ذلك ، فهذا لا يجوز ، أي لا يجوز أن يبيع السلعة بعد ذلك ويخبر المشتري أنه قد اشتراها بخمسة عشر ألفا ، لأن هذا ليس هو ثمنها الحقيقي ، بل هذا الثمن قد دخله المحاباة كما سبق ، وعلى ذلك لو باع تلك السلعة على شخص ، فإنه يثبت له الخيار ، فلا بد أن يبين له أن قد اشتراها من أبيه أو ابنه أو زوجته ونحو ذلك ، ومثل ذلك لو اشتراها محاباة من غير هؤلاء كأن يشتريها من صديق بثمن أعلى من ثمنها محاباة له ، ومثل ذلك إذا اشتراها في موسم لها يرتفع سعرها فيها وقد ذهب ذلك الموسم ، أو يشتريها برغبة مختصة به ، كأن تكون له دار ، وبجوارها أرض ملحقة بها ، فيشتري تلك الأرض بثمن مرتفع ، رغبة منه أن لا يسكن فيها شخص لا يرغب في سكناه بجواره ، فإذا أراد أن يبيع تلك الأرض فيما بعد فلا بد أن يقول رأس مالها كذا ، واعلم أني قد اشتريتها لرغبة مختصة بي وهي كذا وكذا ، حتى يكون المشتري على علم بأن رأس المال المذكور وقعت فيه زيادة ، فلا يقع في غرر وجهالة .
قوله [ أو بأكثر من ثمنها حيلة ]
بأن يشتري السلعة حيلة لاستخلاص حقه كأن يكون له على زيد ألف درهم ، فيشتري منه سلعة تساوي ثمانمائة ويقول : هذا مقابل ما في ذمتك ، ويكون البائع مماطلا ، فإذا باعها برأس مالها ، فلا بَّد أن يبَّين لأن عدم بيانه فيه غرروخداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك .
قوله [ أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك في تخبيره بالثمن فلمشتر الخيار بين الإمساك والرد ]
كذلك إذا باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك في تخبره بالثمن ، ومثاله : أرض بعضها على الشارع العام ، وبعضها على شارع ليس بعام ، يرتفع به الأرض ، فقال هذه الأرض التي مساحتها ألف متر اشتريتها بمائة ألف ، ولك بعضها المحدد بخمسين ألفا ، وكان هذا النصف يختلف عن النصف الذي هو سبب لرفع سعرها ، فإن في ذلك غررا .
وهذا كله يكون في أشياء أبعاضها غير متماثلة ، أما لو كانت أبعاضها متماثلة كأن يكون عنده طن من الشعير أو نحوه فيقول : هو علي بكذا وأبيعك نصفه بقسطه من الثمن ، وأبعاضه لا تختلف فحينئذ لا حرج لعدم الغرر.
قوله [ وما يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار ..... يلحق برأس ماله ويخبر به ]
مثاله ذلك : رجل اشترى من آخر دارا وكان الاتفاق على أن يكون ثمنها ألف درهم ، وأثناء ما هم في مدة الخيار سواء كان خيار مجلس أم خيار شرط هم أحدهما بالفسخ فزيد في ثمن السلعة أو نقص منه من أجل ألا يقع هذا الفسخ ، مثلا : اشتراها وكان الثمن المتفق عليه ألف درهم فهم المشتري بالفسخ أو خشي البائع أن يفسخ المشتري فقال : قد وضعت عنك مائة درهم ، فحينئذ ثمنها تسعمائة درهم ، أو خشي المشتري أن يفسخ البائع فقال : أزيدك مائة درهم ، فأصبح ثمنها مائة وعشرة دراهم ، فلا بد أن يخبر المشتري من أراد أن يشتري منه السلعة بعد ذلك بأن ثمنها كان كذا ثم آل إلى كذا .
قوله [ أو يؤخذ أرشا لعيب ]
فالثمن الذي يؤخذ أرشا لعيب لا بد وأن يخبر به ، مثاله : اتفقا على أن هذه السيارة بعشرة آلاف ، ولزم البيع ، ثم ثبت فيه عيب ، وقلنا بالأرش ، فكان الأرش ألفا ، فيكون رأس مالها تسعة آلاف ، فإذا أراد المشتري أن يبيع السيارة بعد ذلك فيجب أن يخبر من سيشتريها منه أن سعرها كان كذا ثم آل إلى كذا ، ومثل ذلك :
قوله [ أو جناية عليه ]
وكل هذا إذا كان في مدة الخيار ، والعيب خياره عندهم على التراخي .
ومثال هذه الصورة : أن يكون له عبد قد اشتراه بمائة مثلا ، فيجني عليه جناية تنقصه ، وكانت هذه الجناية بخمسين ، فلا يصح أن يبيعه برأس ماله ويقول إن رأس ماله هو مائة .
ومثله في مسائل السيارات إذا حدث فيها صدم أو نحو ذلك فلا بد أن يخبره ، وإن كان قد أخذ ثمنا وأصلحها به ، لأن السيارة تنقص بحدوث الصدم فيها .
أما إن كانت هذه الجناية لا تنقصه فلا حاجة لأن يخبر المشتري بها ، لأنها لا تؤثر في الثمن ، فيخبره برأس مالها الأصلي فقط .
وهذا كله إذا اراد ان يبيعها برأس مالها أو مواضعة أو مرابحة كما تقدم ، أما إذا عرضها بسعر هو يريده وإن كان عالياً فلا حرج عليه في ذلك .
قوله [ وإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يلحق به ]
مثاله : اشترى سيارة بمائة ألف ، ولزم البيع ، ثم جاء البائع بعد مدة وقال به قد وضعت عنك ألفا من ثمن السيارة ، فهذا لا دخل له في ثمن المبيع ، لأنه يشبه الهبة ، فالبيع لازم ، وهو على ما اتفقا عليه ، وما وقع بعد لزوم البيع أمر خارج عن ثمن المبيع ، فلا حاجة إلى أن يخبر من اشتراها منه بعد ذلك بما حصل من البائع الأول .
قوله [ وإن أخبر بالحال فلا بأس ]
فإذا أخبر ببعض التفاصيل التي لا تؤثر في رأس المال فإن هذا أمر حسن ، لأنه أبلغ في الصدق ، فلو قال : إن البائع بعد أن تم العقد ولزم البيع وضع عني كذا ، ونحو ذلك فإن هذا أحسن ، وهذا أيضا قد يرشد المشتري إلى أن البائع الأول قد وقع عنده شيء من التردد في سعرها ، وأن فيه شيئا من الغلاء ، أو لحقه شيء من التورع عن بيعها بهذا السعر أو نحو ذلك .
قوله [ السابع خيار لاختلاف المتبايعين ]
هذا نوع آخر من الخيار ، وهو خيار اختلاف المتبايعين ، فإذا اختلف المتبايعين فإن الخيار في الجملة يثبت ، وسيذكر المؤلف صورا من هذا .
قوله [ فإذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا ، فيحلف البائع أولا ما بعته بكذا ، وإنما بعته بكذا ، ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا ، وإنما اشتريته بكذا ، ولكل الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر ]
فإذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن ، فالبائع يقول : بعته إياه بعشرين ، والمشتري يقول اشتريته منك بعشرة ، فقد اختلفا ولا بينة ، أما إذا كان مع أحدهما بينة كشهود أو نحو ذلك فإنه يعمل بها ، لكن حيث لا بينة أو كان مع كل واحد منهما بينة فتساقطتا فإنهما حينئذ يتحالفان ، فيحلف البائع فيبدأ به ، قالوا : لأن الحق في جانبه أولى ، فإن السلعة بعد التحالف ترجع إليه وهو ربها أولا ، وصاحبها سابقا فهو أحق بها ، ولا شك أن مثل هذا لا أثر له ، فإنه لو حلف المشتري فإن هذا تقديم في الألفاظ لا يترتب عليه تغير في الأحكام ، ومثل هذا إنما يكون من باب الأولوية وليس بواجب كما هو المشهور في المذهب ، ولا دليل يصار إليه في وجب أن يحلف البائع أولا ، فيحلف البائع أولا : ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا ، وهنا يقدم النفي على الإثبات ، وعن الإمام أحمد أنه يقدم الإثبات على النفي ، وأيضا هذه المسألة ليس فيها ما يقتضي إيجاب تقديم أحدهما من نص أو قياس ، فإذا وقع النفي أو الإثبات فقد حصل المقصود ، ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا ، ولك منهما الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر ، إذن لا يقع الفسخ بمجرد التحالف ، بل إذا رضي أحدهما بعد هذا التحالف فإن البيع يقر ، وهذا شبيه بتعارض البينات ، فإن البينات إذا تعارضت فهذا لا يجوب الفسخ ، ولذا إذا رضي أحدهما بعد ذلك فإن البيع يقر على ما هو عليه ، فإن لم يرض أحدهما بقول الآخر فإن البيع يفسخ ، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أن القول قول البائع أو يترادان ، فلا تخرج السلعة منه إلا بثمن يرضاه ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( إذا اختلف المتبايعان ولا بينة فالقول قول البائع أو يتتاركان ) ، وفي رواية ( والسلعة قائمة ) لكن هذه الفظة معلولة لا تصح ، أما ما يذكره بعض الفقهاء في هذا الحديث من زيادة لفظ ( تحالفا ) فلا أصل له في كتب الحديث كما قرر هذا غير واحد من أهل العلم كالرافعي وابن حجر والألباني .
هذا إذا كانت السلعة قائمة كما هو المشهور في المذهب ، لقوله ( يترادان )
وعن الإمام أحمد وهو قول الشعبي أن القول قول البائع ولا يتحالفان ، وهذا القول هو الراجح ، ولكن بشرط وهو أن يثبت الخيار للمشتري ، فيتحالف البائع أنه باعه بالثمن الفلاني ، ولم يبعه بالثمن الذي يدعيه المشتري ، فإن قبل المشتري فذاك ، وإلا فله الفسخ ، ودليل هذا ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي والحديث صحيح وله طرق كثيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( إذا اختلف المتبايعان ولا بينة ، فالقول قول البائع أو يتتاركان ) ، فهذا الحديث أثبت الخيار للمشتري كما أنه أثبت للبائع القول ، ومن كان القول قوله فاليمين يمنيه ، كما هو مقرر ، وعلى ذلك فالراجح وهو ظاهر الحديث أن القول قول البائع ، والمشتري له الخيار ، فإن شاء أمضى وإن شاء فسخ .فإن كانت السلعة تالفة فقال المؤلف :
قوله [ فإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها ]
إذا كانت السلعة تالفة أي غير قائمة فإنهما يرجعان إلى قيمة مثلها وقت العقد ، فينظر في قيمة المثل ثم يعطيه المشتري للبائع .
وظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم - أي قيمة المثل - يثبت ولو كانت قيمة المثل أكثر من الثمن الذي رضي به البائع ، مثاله : اختلفا فقال البائع ما بعته بمائتين بل بثلاثمائة ، وقال المشتري ما اشتريته بثلاثمائة بل بمائتين ، فقومت السلعة وكان قيمتها أكثر من ثلاثمائة ، ومعلوم أن البائع قد رضي بالثمن الذي حالف المشتري عليه فزادت القيمة على هذا الثمن ، لأن البائع والمشتري كلاهما متفقان على أن السعر لن يزيد على ثلاثمائة ، فظهر أن السعر أكثر من ثلاثمائة ، فقال شيخ الإسلام : يتوجه أنه إذا كانت القيمة أكثر من الثمن الذي رضي به البائع ألا يستحق القيمة ، لاتفاقهما على عدم استحقاقه للزيادة ، وهذا هو الظاهر فإن هذا التقويم إنما هو لإزالة هذه الخصومة التي وقعت بينهما ، وكون القيمة تثبت بأكثر مما وقع عليه الرضا فإنه يكون خلاف المقصود ، فالأظهر ما ذهب إليه شيخ الإسلام ، وأن البائع يستحق قيمة المثل إذا كانت قيمة المثل مساوية أو أقل من القيمة التي رضي بها البائع ، فإن كانت أكثر فإنه لا يعطى إلى هذه القيمة التي رضي بها ، لأنه يقر أن العقد قد وقع عليها ، ولا يريد أكثر منها ، فكان إعطاؤه أكثر من الثمن زيادة على ما أقر به .
قوله [ فإن اختلفا في صفتها فقول مشتر ]
إذا اختلف في صفة هذه السلعة التالفة فالقول قول المشتري ، فإذا اختلفا فقال البائع : أنا بعت عليك العبد وكان كاتبا ، وقال المشتري : لم يكن العبد كاتبا ، فالقول قول المشتري ، وهذا ظاهر لأنه غارم ومنكر ، والقول حينئذ قوله ، والبينة على الآخر .
قوله [ وإذا فسخ العقد انفسخ ظاهرا وباطنا ]
إذا قال أريد أن أفسخ العقد فإنه ينفسخ ظاهرا وباطنا ، ظاهرا أي في ظاهر الحكم ، وينفسخ باطنا أي في حقيقة الأمر ، وعليه فلو كان أحدهما كذابا ، فإنه له أن يتصرف في هذه السلعة أو في هذا الثمن - الذي فسخه من الأجر بغير حق - كما يتصرف في سائر ماله ، وهذا هو المشهور من المذهب ، واختار الموفق ابن قدامة التفصيل في هذه المسألة فأما الصادق فإنه ينفسخ عقده ظاهرا وباطنا ، وأما من علم كذب نفسه فإن البيع ينفسخ في حقه ظاهرا كما تقدم ، وأما في الباطن فإنه يكون ظالما مغتصبا آثما ، وليس له أن يتصرف فيه ، وتصرفه فيه تصرف بغير وجه حق ، لأنه ملك مال غيره بطريق غير شرعي ، وهذا هو الظاهر ، وعليه فلو تبين له خطأ نفسه ، وأنه ظن خلاف الواقع فإن عليه أن يذهب إلى الآخر ويستبيحه ، أو يرجع إليه السلعة لأنها قد فسخت عليه بغير وجه حق ، فكان ذلك حقا له ، فيجب أن يعاد إليه حقه .واختار هذا القول شيخنا الشيخ محمد رحمه الله .
قوله [ وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه ]
اختلفا في أجل ، بأن قال المشتري اشتريته منك على أجل ، وقال البائع بل بعته عليك حاضرا لا آجلا ، كأن يتفقا على عشرة آلاف ، فادعى المشتري أنها مؤجلة ، وقال البائع بل هي نقدا ، أو اختلفا في شرط ، فقال البائع أنا اشترط لنفسي الخيار شهرا ، وقال المشتري بل لم تشترط ذلك ولا بينة بينهما ، فالقول قول من ينفيه ، أي من يقول لا أجل ولا شرط ، سواء كان بائعا أو مبتاعا ، وذلك تمسكا بالأصل ، فإن الأصل في البيع أن يكون بلا أجل ولا شرط .
قوله [ وإن اختلفا في عين المبيع تحالفا وبطل البيع ]
تبايعا على أرض مساحتها 500 متر ، ثم اختلفا ، فقال البائع أنا بعتك الأرض التي في الموقع الفلاني ، وقال المشتري بل التي في الموضع الآخر ، فاختلفا في عينها ، فإنهما يتحالفان ويبطل البيع ، وذلك إن لم يرض أحدهما بقول الآخر فهي كالمسألة السابقة ، أي كما إذا اختلفا في الثمن .
والصحيح في هذه المسألة كالمسألة السابقة أن القول قول البائع مع يمينه ، ثم المشتري بالخيار ، إن شاء رضي وإن شاء فسخ البيع ، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - :( إذا اختلف المتبايعان ) وهذا عام في كل اختلاف بينهما .
قوله [ وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض والثمن عين ، نصب عدل يقبض منهما ويسلم المبيع ثم الثمن ]
إذا تبايع رجلان ، فقال البائع : أنا لا أسلم السلعة حتى يسلمني الثمن ، وقال المشتري أنا لا أدفع الثمن حتى أستلم السلعة ، وهذا إنما يقع حيث خيف الخيانة أو المماطلة أو نحو ذلك فحينئذ للمسألة صور :
الصورة الأولى : إذا كان الثمن عينا أي معينا وليس في الذمة كأن يقول : بعتك هذه السيارة بهذه العشرة آلاف ، فهنا الثمن عين ، فالحكم أنه ينصب عدل من قبل القاضي الشرعي يقبض منهما السلعتين - المبيع والثمن - ويسلم المبيع ثم الثمن لجريان العادة بتسليم المبيع ثم الثمن ، وهذا الترتيب لا يظهر أنه على الوجوب بل هو على الأولوية ، فلو سلم صاحب الثمن أولا قبل صاحب السلعة فلا حرج .
قوله [ إن كان دينا حالا أجبر بائع ثم مشتر إن كان الثمن في المجلس ]
هذه هي الصورة الثانية : وهي إذا كان الثمن دينا أي في الذمة كأن يقول : أبيعك هذه السيارة بعشرة آلاف ، فالثمن في الذمة أي ليس معينا ، ولا يريد أنه مؤجل ، بل هو دين أي في الذمة ، فهو متعلق في ذمته ، فلايحتاج إلى نصب عدل بل يجبر البائع على إعطاء المشتري السلعة .
قوله [ وإذا كان غائبا في البلد حجر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره ]
2- أما إذا كان المال غائبا في البلد ، بمعنى اتفقا على البيع والمال غائب في البلد ، كأن يقول البائع : بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف ، فقال المشتري قبلت ، فهنا الثمن ليس حالا ، ولكنه في الذمة ، فإذا قال المشتري المال ليس معي الآن فمعناه أن المال الآن غائب ، وليس هو مؤجل ، لكنه غائب في الذمة ، فالحكم أنه يعطى المبيع ، أي تؤخذ السلعة من البائع وتعطى للمشتري ثم يحجر عليه فيمنع من التصرف في هذا المبيع ويمنع من التصرف ببقية ماله إن كان مؤثرا في إيصال الحق إلى صاحبه .
قوله [ وإن كان غائبا بعيدا عنها والمشتري معسر فللبائع الفسخ ]
فإن كان هذا المال الذي هو في الذمة غائبا بعيدا عنها أي عن البلد التي هو منها أو كان المشتري معسرا أي ليس عنده مال الآن وقد اتفقا على أن يكون الثمن حاضرا فللبائع الفسخ ، لأن في ذلك ضررا ظاهر عليه .
وأولى من هذا أن يقال : إنه إنما باع بشرط أن يكون المال حاضرا يدفع إليه في نفس المجلس ، أما والمال غائب بعيدا عنه فإنه لم يبايع على هذا ، ولذا فالصحيح أن المال مطلقا إذا كان غائبا عن المجلس فليس على البائع أن يسلمه ، وليس للقاضي أن يلزمه بالتسليم ، وهذا هو اختيار الموفق وهو القول الثاني في المذهب ، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الظاهر ، لأنه قد يكون عليه ضرر أو مماطلة فليس عليه أن يخرج السلعة إلا على الشرط الضمني لهذا البيع ، والشرط الضمني أنه إنما باعه على أن يعطيه ثمنها حاضرا وألا يؤخره تأخيرا يخالف ما تضمنه العقد من إعطائه في المجلس ، فهذا هو القول الراجح كما تقدم ، وعليه فيحبس البائع السلعة على الثمن .
وقال شيخ الإسلام :" وللبائع الفسخ إن ظهر من المشتري مماطلة " وصوبه في الإنصاف وهو كما قالا ، فإن المماطلة ضرر ، وحيث كان المشتري مماطلا فإن الخيار يثبت لأن الخيار يثبت لدفع الضرر .
وقول المؤلف ( والمشتري ) الواو بمعنى ( أو ) .
قوله [ وثبت الخيار للخلف في الصفة ولتغير ما تقدمت رؤيته ]
هذا نوع آخر من الخيار وهو خيار الحلف في الصفة ، أي أن يصف له المبيع ثم يتبين أنه على غير ذلك ، فله الفسخ لضرر ، وقد تقدمت القاعدة السابقة وهي أن الخيار يثبت مع الضرر ، وكذلك يثبت الخيار لتغير ما تقدمت رؤيته ، مثاله : رأى فرسا عند البائع ، ثم بعد يومين أو ثلاثة قال : بعني ذلك الفرس ، فباعه وكان قد طرأ عليه تغير ، وقد تقدم أن الرؤية يشترط فيها أن تكون مع العقد ، وقبله بوقت لا يتغير فيه المبيع ، فإذا ثبت تغير المبيع فإن هذا غرر فيثبت له الخيار للحوق الضرر به كما تقدم .
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
فصل
قوله [ ومن اشترى مكيلا ونحو صح ولزم بالعقد ]
من اشترى مكيلا ونحو كالموزون أو المعدود أو المذروع ، وظاهر كلام المؤلف عموم الحكم في الأطعمة وغيرها ، فكل مكيل أو موزون أو مذروع أو معدود سواء كان مطعوما أو غير مطعوم ، فإذا اشترى منه شيئا فإنه يصح ويلزم بالعقد ، وهذا ظاهر ، وذلك لأنه بيع قد توفرت فيه شروط البيع فهو بيع صحيح ولازم ما لم يكن خيار كما تقدم .
قوله [ ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه ]
وهذا هو المراد هنا ، فمن اشترى طعاما أو نحوه سواء كان مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا فليس له أن يبيعه حتى يقبضه ، وسيأتي الكلام على القبض إن شاء الله .
ودليله ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ) ونحوه من حديث ابن عباس وفيه أن ابن عباس قال :" أحسب كل شيء مثله أي كالطعام " وهذا من قياس الصحابة وهو من أصح القياسات .
وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحكيم بن حزام رضي الله عنه :( إذا ابتعت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه ) ، وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى أن يبيع الرجل طعاما حتى يستوفيه ، قيل لابن عباس : كيف ذاك ؟ قال : ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ )
وعن الإمام أحمد أن هذا الحكم خاص بالطعام ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - :( من ابتاع طعاما ) وهذا القول ضعيف ، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم - ( من ابتاع طعاما ) هو من باب ذكر بعض أفراد العام ، وهو لا يدل على التخصيص كما تقدم ، وقد تقدمت أدلة عامة تدل على أن الحكم عام في كل مبيع كما في حديث حكيم بن حزام :( إذا ابتعت بيعا ) ، ولأن غير الطعام كالطعام ، فإن العلة ثابتة فيه كثبوتها في الطعام ، ولذا قال ابن عباس :" أحسب كل شيء كالطعام "
والعلة وَالله أعلمَ كما بينها شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن البائع قد يمتنع عن تسليم المبيع أو يماطل أو يجحد أو يحتال ، ولا سيما إذا ثبت له أن المبتاع قد ربح في بيعه .
وقول الحنابلة بالمنع من التصرفات كلها كما قيده المؤلف هنا بقوله :( ولم يصح تصرفه فيه ) فإن هذا منع من كل تصرف ، فليس له أن يهبه أو يؤجره أو نحو ذلك ، هذا ما ذكره المؤلف وهو أحد القولين في المذهب والمشهور في المذهب ،
واختار شيخ الإسلام أن المنع مختص بالبيع ، وأن له أن يهب أو يحيل به ونحو ذلك وله الإجارة كذلك ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البيع خاصة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في سنن أبي داود وقد تقدم الحديث :( ولا ربح ما لم يضمن ) فهو في ضمان البائع كما سيأتي تقريره ، فنهى الشارع عن أن يربح فيه وهو ليس في ضمانه ، والربح إنما يكون بالبيع ، وهذا للمفسدة المتقدمة ، وإن كانت الإجارة فيها ربح لكنه ليس في معنى البيع ، ولا يلجأ - في الغالب - البائع إلى جحود أو مماطلة أو نحو ذلك لتصرف المشتري بالإجارة ، وهذا القول هو الراجح ، وأن للمبتاع أن يتصرف قبل القبض بأي تصرف كان سوى البيع ، لأن الشارع نهى عن البيع ، وليس سوى البيع بمعناه .
قوله [ وإن تلف قبله فمن ضمان البائع ]
إذا تلف قبل القبض فمن ضمان البائع ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث السابق قال :( ولا ربح ما لم يضمن ) ولذا نهى المبتاع عن البيع لأنه ليس في ضمانه ، ويده لم تقع عليه بعد ، والضمان إنما يكون على ما وقعت عليه اليد ، فالضمان على البائع ، فمثلا : تبايعا سلعة ، وقبل أن يقبضها المشتري تلفت ، فهذا في ضمان البائع ، وعليه فيرجع المشتري بثمنه على البائع ، لأنها ليست في ضمانه .
قوله [ وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع ]
إذا حصل للمبيع كالدار ونحوها آفة سماوية ، كأن ينزل المطر على الطعام فيفسده ، وذلك قبل أن يقبضه المشتري ، فإن البيع يبطل لأنه في ضمان البائع قبل أن يقبض ، فيرجع المشتري بالثمن على البائع لأن المبيع ليس في ضمانه .
قوله [ وإن أتلفه آدمي خير مشتر بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله ]
إذا أتلفه آدمي سواء كان المتلف البائع أو غيره خير المشتري بين الفسخ ، لأنه قد تلف وهو في ضمان البائع ، فله أن يفسخ ، وله أن يمضي البيع لإمكانية إتمام البيع ، ثم يطالب متلفه ببدله ، لأنه ملك له بالبيع ، لكنه ملك غير مضمون ، فبالنظر إلى أنه غير مضمون يمكنه فسخه ، وحينئذ يرجع بالثمن على البائع ، وبالنظر إلى الملكية فهو مالك له فيرجع على المتلف بمثله إن كان مثليا أو بقيمته إن كان مقوما .
قوله [ وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه ]
قوله ( وما عداه ) أي ما عدا :
1- المكيلات .
2- الموزونات .
3- المعدودات .
4- المذروعات ، بالإضافة إلى :
5- الموصوف الذي لم ير .
6- ما كانت رؤيته متقدمة على العقد .
فهذه الست لها الحكم المتقدم وهو أنه لا يجوز بيعها إلا بعد قبضها .
وإنما ألحقوا الموصوف وما رؤي رؤية متقدمة بالمكيلات ونحوها بجامع حق التوفية ، فإن المكيل لا بد أن يقبضه المشتري بما اتفقا عليه من الكيل ، فلا بد أن يعطى حقه وافيا كاملا في المكيل بالصاع ، وفي الموزون بالكيلو ، وفي المعدود بالعدد ، وفي المذروع بالذرع ، ولا بد أن يستوفي حقه كاملا ، وكذلك المبيع بالصفة فإنه لا بد أن يعطيه المبيع على الصفة التي اتفقا عليها ، وكذلك المعقود عليه عقدا برؤية متقدمة ، فلا بد أن يستوفى ، بأن يعطى المبتاع هذه السلعة كما كان رآها بالرؤية المتقدمة ، فهذه الست لا يحل للمبتاع أن يتصرف فيها حتى يقبضها لأنها كلها تحتاج إلى استيفاء ، وأما ما عداها فإن له أن يتصرف فيه قبل قبضه ، كالأرض وكالداروالحيوانات والسيارات ، ومايباع جُزافا .
والمبيع جُزافا صورته : أن يبيعه كومة من الطعام من غير أن يذكر له كيلها ، فهذه الصور السابقة يُجوز للمشتري أن يتصرف فيها قبل القبض ، وهذا هو المشهور من المذهب عند الحنابلة ، ولعلهم يستدلون بمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر وابن عباس :( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ) وفي رواية ( حتى يقبضه ) ، فكأن عندهم النهي إنما هو فيما يحتاج إلى استيفاء ، وهذا إنما يكون في الأشياء الستة التي سبق ذكرها ،
وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام إلى أن هذا الحكم ليس خاصا بهذه الست بل هو عام فيها وفي غيرها ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - :( حتى يقبضه ) ، والحقيقة أن الاستيفاء ليس هو القبض ، وعليه فيكون الحكم حتى يستوفيه وحتى يقبضه ، ويدل على هذا ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال :( كانوا يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم ) ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ، فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام جزافا وهو ليس بمكيل ، ومع ذلك فقد نهى أن يباع حتى ينقل من موضعه - أي موضع البائع - إلى موضع المبتاع ، لأن العلة الثابتة فيما يحتاج إلى استيفاء ثابتة أيضا فيما لا يحتاج إلى استيفاء ، فالعلة الثابتة في الست المتقدمة ثابتة في غيرها .
قوله [ وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه ]
قوه ( فمن ضمانه ) أي من ضمان المشتري ، فما عدا المبيع بكيل ونحوه - وهو ما تقدم من الأصناف الستة - هو من ضمان المشتري ، وذلك لأنهم يرون أنه يجوز له أن يتصرف فيه ، وأن يربح فيه ، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن ربح ما لم يضمن ) فدل هذا على أن ما عدا الأصناف الستة هو من ضمان المشتري لأنه ربح فيه ، وعلى القول الذي تقدم ترجيحه لا يحل له أن يربح فيه ، لأنه ليس بضامن ، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية أنه ليس في ضمانه ، فليس له أن يربح فيه .
قوله [ ما لم يمنعه البائع من قبضه ]
إذا قلنا إنه في ضمان المشتري ولكن منعه البائع من قبضه فإنه يكون في ضمان البائع ، لأنه غاصب له ، فكان في ضمانه ، كما أن المغصوب في ضمان الغاصب ، وهذا على القول بأنه من ضمان المشتري ، وأما على القول بأنه في ضمان البائع كما تقدم ترجيحه فلا فرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة فالكل من ضمان البائع .
لكن إن بذله البائع ومكنه من القبض . فأبى المشتري استلامه ، فهو من ضمان المشتري .
قوله [ ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك ]
يبين المؤلف ـ رحمه الله ـ بهذه العبارة ومابعدهاكيف يكون القبض ؟ ، وأنه يختلف باختلاف السلع ،
فما بيع بكيل يكون قبضه بكيله ، والمكيل يكون بالصاع ، وما بيع بوزن يكون قبضه بوزنه ، وذلك بالكيلو والرطل ونحوهما ، وما بيع مذروعا فقبضه بالذرع وهكذا ،
وعن الإمام أحمد أنه لا بد من قبض ذلك ، فإن مجرد الكيل والوزن والذرع والعد ليس بقبض ، فلا بد من أن يخلي بينه وبين السلعة ، وهذا القول هو الراجح ، فإن مجرد الوزن والذرع والكيل والعد ليس بقبض ما دام في يد البائع ، ويدل لهذا ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر قال :( كنا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - نبتاع الطعام - وهذا يشمل الطعام الجزاف والمكيل - فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه ) وعليه فمجرد الكيل والوزن والعد ليس بقبض ، وإنما هو استيفاء .
قوله [ وفي صبرة وما ينقل بنقله ]
الصبرة : هي الكومة من الطعام ، وقبضها يكون بنقلها لأنها لم تبع كيلا بل بيعت جزافا ، وقبضها في العرف بنقلها ، وكما تقدم في الحديث المتفق عليه من حديث ابن عمر وفيه الأمر بنقلها .
قوله [ وما يتناول بتناوله ]
أي ما يعطي باليد فقبضه يكون بإعطائه باليد ، وهذا هو القبض عرفا فيه .
قوله [ وغيره بتخليته ]
فالأرض والدار والمركوبات ونحو ذلك قبضها يكون بتخليتها من غير مانع ، فإذا خلى بينه وبينها وليس ثمت حائل فهذا هو قبضها عرفا ، وعلى هذا فالقاعدة أن القبض هو ما يثبت أنه قبض في العرف .لأن الشرع لم يحدد طريقة القبض فيرجع في ذلك إلى العرف .
قوله [ والإقالة فسخ ]
الإقالة : هي أن يأذن البائع بإرجاع السلعة إليه بثمنها ، بعد لزوم العقد
، وهي سنة مستحبة ، وفي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من أقال مسلما بيعته أقال الله عز وجل عثرته ) ،وهل الاقاله فسخ أم بيع ؟ الجواب : هي فسخ وليست بيعا ، أي إزالة ورفع ، وهذه حقيقتها ، وعليه فتجوز قبل قبض المبيع ، وهذه هي مناسبة ذكر الإقالة هنا ، وعن الإمام أحمد وهو مذهب مالك أن الإقالة بيع ، لأنها نقل الملك بعوض على جهة التراضي ، والراجح الأول ، وهي فسخ للعقد من حين الفسخ ، وهو المذهب واختاره شيخ الإسلام ، وعليه فيكون النماء للمشتري .
قوله [ تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن ]
فإذا قلنا إن المشتري ليس له أن يبيع السلعة حتى يقبضها ، وقلنا إن الإقالة ليست بيعا ، فإنها جائزة قبل أن يقبض السلعة ، لأن المنهي عنه هو البيع ، والإقاله ليست بيعاً .
وظاهر كلام المؤلف أن البيع إلى البائع قبل القبض غير جائز ، ولذا ذكر الفسخ ، فلو أن رجلا اشترى سلعة من آخر ، وقبل أن يقبضها هذا المشتري رغبت نفس البائع فيها ، وقال أشتريها منك بأكثر ، فهل يجوز هذا ؟
ظاهر المذهب أنه لا يجوز ،لذا قال المؤلف(بمثل الثمن) فإن كان أكثر أوأقل فهوبيع فلا يجوز ، و أن إرجاع السلعة إلى البائع قبل القبض على سبيل التبايع غير جائز ، وفي هذا القول ضعف .
ولذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية جواز ذلك ، وذلك لأن العلة السابقة منتفية ، فإن الشارع إنما نهى عن بيع السلع قبل قبضها خشية الجحود والمماطلة وامتناع البائع من تسليم السلعة ، أما والسلعة بيده - أي بيد البائع - فإن هذا انتفاء للعلة المتقدمة ، وعليه فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام أن البيع على البائع جائز قبل القبض لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما .
إذن :على المذهب تجوز الإقالة قبل القبض بمثل الثمن ، لأنها إن لم تكن بمثل الثمن بل كانت بأكثر منه أو بأقل فإنها بيع ، لأنها أصبحت هنا معاوضة .وهي عندهم لا تجوز ، واختار شيخ الاسلام الجواز كما تقدم .
قوله [ ولا خيار فيها ولا شفعة ]
فلا خيار فيها لأن الخيار إنما يثبت في البيع والإقالة فسخ وليست بيعا ، وكذلك لا يثبت فيها شفعة لأنها إنما تثبت في البيع والإقالة فسخ وليست بيعا ، وسيأتي الكلام على الشفعة في بابها .
مسألة :
حكم الإقالة بعد نداء الجمعة الثاني ؟
الحنابلة ذكروا أنها جائزة ، وفي هذا نظر ، وذلك لأنه ليس المقصود قضية التبايع بل المقصود الانشغال عن الجمعة ، ويقع في الإقالة ما يقع في البيع من الانشغال عن صلاة الجمعة ، وهذا أمر ظاهر .
هل تكون الإقالة حيلة على الربا ؟
الجواب عن هذا أن يقال إنها لا تكون حيلة على الربا مطلقاً وذلك لما تقدم من أن الإقالة لا تصح إلا أن يكون الثمن واحدا ، فلا تسمى إقالة مع ربح ، لأن الإقالة تبرع ، فلا تكون بأقل من الثمن ولا أكثر ، فإن كانت بأقل من الثمن أو أكثر فهي بيع وليس بإقالة .