عدد الزوار : 163987
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
الربا والصرف
 

 

باب الربا والصرف

 

الربا في اللغة : الزيادة ، قال تعالى { فإذا أنزلنا عليا الماء اهتزت وربت } ، وأما اصطلاحا : فهو زيادة في شيء مخصوص ، ويتضح هذا التعريف في الكلام على أحكام الربا إن شاء الله .

وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع ، أما الكتاب فمنه قوله تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا } ، ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - :( اجتنبوا السبع الموبقات - وذكر منها - أكل الربا ) متفق عليه  وفي صحيح مسلم عن جابر قال :( لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء ) أي في الإثم ، ونحوه في البخاري من حديث أبي جحيفة  ، وآكل الربا  : أي آخذ الزيادة ، وهو المتاجر بالربا ، وموكله : هو دافع الربا وهو الشخص المحتاج . وكاتبه وشاهديه كذلك في الإثم ، لأنهم قد أعانوا على الإثم ، وقد قال تعالى { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }

والصرف : بيع نقد بنقد ، أي بيع دراهم بدراهم ، أو بيع دراهم بدنانير ، اتحد الجنس أو اختلف .

 

قوله [ يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه ]

يحرم ربا الفضل باتفاق المذاهب الأربعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبادة بن الصامت :( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) رواه مسلم  فهذا الحديث صريح في ربا الفضل ، وهو كما عرفه المؤلف بقوله ( في مكيل أو موزون بيع بجنسه ) كأن يبيع برا ببر ، فالطرف الأول يدفع مائة صاع ، والآخر يدفع تسعين صاعا ، فهذا من ربا الفضل ، فليس فيه تأخير ، بل فيه حلول ، لكن فيه فضل .

وروى البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( لا ربا إلا في نسيئة ) فإن قيل : هذا الحديث مفهومه أن ربا الفضل جائز ، وفي لفظ لمسلم :( إنما الربا في النسيئة ) .

فالجواب أن يقال : لا يعارض منطوق قوله - صلى الله عليه وسلم - بمفهوم قوله ، فإن حديث عبادة بن الصامت منطوقه يدل على تحريم ربا الفضل ، وأما هذا الحديث المتفق عليه فمفهومه يدل على جواز ربا الفضل ، فلا يعارض المنطوق بالمفهوم كما هو متقرر في علم الأصول ، وعليه فقوله - صلى الله عليه وسلم - :( لا ربا إلا في نسيئة ) أي أعظم الربا وأقبحه وأشده هو ربا النسيئة ، والأمر كذلك كما إذا قيل لا عالم في المدينة إلا زيد ، فلا يعني أنه ليس هناك في المدينة عالم سواه ، ولكن المقصود أنه أعلم أهل المدينة ، وهنا كذلك ، وإنما حرم ربا الفضل لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة ، فتحريمه من باب سد الذرائع ، وأما ربا السيئة فتحريمه تحريم أصلي ، أي تحريمه من باب تحريم المقاصد

وقوله ( في مكيل ) الكيل يكون بالصاع ، والوسق ، ونحو ذلك .

وقوله ( وموزون ) الوزن يكون بالميزان ، كما يكون عندنا بالجرامات ، وفي زمن متقدم بالأرطال .

وظاهر كلامه في قوله ( في مكيل ) أنه سواء كان الكيل مطعوما كالبر والتمر والشعير ، أو كان غير مطعوم كالأشنان - وهو من المواد المنظفة - ، ومثله كثير من الأدوية ، فإن كل ذلك يجري في حكم ربا الفضل ، والموزون كذلك سواء كان مطعوما كالسكر واللحم واللبن ونحو ذلك ، أو كان غير مطعوم كالذهب وفضة ، وهذا هو المذهب .

واعلم أن أهل العلم جميعا أجمعوا على تحريم الربا في الأصناف الستة المتقدمة في حديث عبادة ، وهي : الذهب والفضة والبر والقمح والشعير والملك والتمر ، فقد أجمعوا على تحريم ربا النسيئة فيها ، وكذلك ربا الفضل في قول عامتهم كما تقدم ، واختلفوا هل يقاس عليها غيرها أم لا ؟

فقال الظاهرية وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة إنه لا يقاس عليها غيرها ، أما الظاهرية فجريا على قاعدتهم في نفي القياس ، وهي باطلة ، وأما ابن عقيل فإنه قد خفيت عليه العلة ، فبقي هذا الحكم عنده  مختصا بالأصناف الستة ، وذهب جماهير العلماء إلى القول بالقياس ، أي إلحاق غيرها كاللحم واللبن وغير ذلك ، واختلفوا في العلة الجامعة التي تثبت في الفرع ليثبت له حكم الأصل :

1- فقال الحنابلة والأحناف : العلة في الذهب والفضة هي الوزن ، وفي الأصناف الأربعة الباقية هي الكيل ، فقالوا كل مكيل أو موزون سواء كان مطعوما أم غير مطعوم فإنه يحرم فيه الربا ، وعليه فيجوز بيع المطعوم المعدود كالبيض بالبيض فضلا .

2- وقال المالكية في علة الأصناف الأربعة أنها الاقتيات والادخار ، وأن القوت هو ما يبني عليه الآدمي بدنه من أصول الأطعمة كا الأرز واللحم ، والمدخر هو ما يدخر إلى الأمد المبتغى منه عادة ، ولا يفسد بالتأخير ، كما يكون هذا في البر ونحوه ، بخلاف الفواكه ونحوها فإنه لا يدخل في هذا ، وفي معنى الاقتيات إصلاح القوت كملح ونحوه ، وهذه علة ربا الفضل عندهم ، وأما ربا النسأ فالطعم على غير جهة التداوي .

3- وقال الشافعية العلة هي الطعم ، سواء كان اقتياتا أو تفكها أو تداويا ، فكل مطعوم سواء كان مكيلا أو موزونا أو لم يكن مكيلا ولا موزونا ، وسواء كان قوتا أو مدخرا أو لم يكن كذلك ، واستدلوا على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( الطعام بالطعام مثلاً بمثل ) كما في بعض روايات حديث عبادة رضي الله عنه  ، وأجيب عنه بقول معمر - رضي الله عنه - كما في مسلم :" وكان طعامنا يومئذ الشعير "  ، فعليه قوله :( الطعام بالطعام ) أي الشعير بالشعير .

4- وعن الإمام أحمد أن العلة هي الكيل والطعم ، فإذا كان مكيلا مطعوما فإن الربا يثبت فيه ، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم بقيد : وهو أن يكون هذا الطعام قوتا أو ما يصلح القوت ، وهذا هو أصح المذاهب ، وهو أن العلة هي الكيل مع كونه قوتا أو ما يصلح القوت ، وذلك لأن الأصناف الأربعة كلها قوت ، أو ما يصلح القوت ، وهذه العلة في الحقيقة هي العلة المؤثرة ، فإن هذه أطعمة للناس ، والناس يحتاجون إلى الطعام ، ويتضررون بحسابه عليهم بالزيادة والنسيئة بما لا يتضررون فيما سواه ، كما أنهم يتضررون بالأطعمة التي هي قوت لهم - وقد قام طعامهم عليها - بما لا يتضررون بغيرها من الأطعمة ، وما ذكره المالكية من الادخار لا يظهر أن هذا مؤثر لتضرر الناس الأطعمة التي لا تدخر وهي قوت لهم كاللحم ونحوه ، فأصح المذاهب ما هو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو جمع بين ما ذكره الشافعية والحنابلة والأحناف ، فإن العلة عند الأحناف والحنابلة هي الكيل ، وعند الشافعية هي الطعم ، فجمعت فيها هذه الرواية وأضافت ما اشترطه المالكية وهو أن يكون قوتا ، ومثله ما يصلح القوت ، وقد نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على الملح ، هو ليس بقوت وإنما هو مما يصلح القوت ، فهذه هي العلة في الأصناف الأربعة لكن بشرط الادخار .

وأما العلة في الذهب والفضة فعلى أقوال عند أهل العلم :

1- فقال الحنابلة - كما تقدم - إن العلة هي الوزن ، فكل ما كان موزونا فيجري فيه الربا بنوعيه ، وإن لم يكن ذهبا ولا فضة ، وهذا هو مذهب الأحناف أيضا ، فالحنابلة والأحناف يتفقون في العلة في الأصناف كلها .

2- وقال الشافعية والمالكية : العلة هي الثمنية ، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، قالوا : العلة هي الثمنية وذلك لأن علة الوزن ليست بمؤثرة ، وإنما قلنا إن الكيل مؤثر في الأصناف السابقة لأنه لا يمكن الحكم بالتفاضل بين الأشياء ومعرفة الفوارق بينها إلا بالكيل والوزن ، ولذا سيأتي أن شيخ الإسلام لا يفرق بين الكيل والوزن في الأصناف المتقدمة ، وأن الربا يجري فيها وإن كانت بالوزن لا بالكيل ، فإن قضية الوزن ليست بمؤثرة لكن يعرف بها التماثل من عدمه ، فالذهب والفضة نقدان ، فهما قيم الأشياء وأثمانها ، فهي العلة الحقيقية في الذهب والفضة ، كما أن العلة في الأصناف الأربعة أنها قوت ، فهي قوت أو ما يصلح القوت ، ولو قلنا إن العلة هي الوزن لما كان هناك ربا في تعاملات الناس اليوم ، لأن النقود اليوم لا توزن بل تعد عدا ، وهذا مما يضعف القول بأن العلة هي الوزن .

والأوراق النقدية فيها علة الثمنية ، فعليه هي أجناس ربوية تتعدد أجناسها بتعدد جهات إصدارها ، فيجري فيها نوعا الربا ، وهذا ما قررته هيئة كبار العلماء ، وعلى ذلك فالريال السعودي جنس ، والدرهم الإمارتي جنس والجنيه المصري جنس وهكذا بقية العملات .

 

قوله [ ويجب فيه الحلول والتقابض ]

أي يجب أن يكون حالا مقبوضا ، حالا في مجلس العقد ، ومقبوضا أي يدا بيد ، فإن تقابضا في غير مجلس العقد فإن ذلك لا يحل ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - :( الذهب بالذهب والفضة بالفضة ) إلى أن قال :( يدا بيد ) ، و لا بد كما تقدم أن يكون مثلا بمثل ، فليس له أن يبيع برا وإن كان رديئا ببر طيب ، أو بالعكس مع التفاضل ، فهذا لا يجوز .

 

قوله [ ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا ، ولا موزون بجنسه إلا وزنا ولا بعضه ببعض جزافا ]

هذه ثلاث صور ينهى عنها :

الصورة الأولى : قوله ( ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا ) ، فالبر يكال بالصاع ، فلو باعه بالوزن - والمشهور في زماننا أنه بالوزن - فهذا لا يجوز ، فلا يجوز بيع البر بالبر إلا أن يكون الحساب بالكيل .

الصورة الثانية : قوله ( ولا موزون بجنسه إلا وزنا ) فالسكر يوزن بالكيلوجرامات ، فلو باعه الصاع فذلك لا يجوز ، ولو علم التساوي بينهما .

الصورة الثالثة : قوله ( ولا بعضه ببعض جزافا ) فإذا قال : هذه كومة من التمر أبيعها عليك بهذه الكومة من التمر وهما لا يعلمان قدر كل كومة ، فهذا لا يجوز .

أما الصورة الأخيرة فلا إشكال في النهي عنها ، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -:( مثلا بمثل ) فالبيع جزافا ليس فيه تحقق المثلية ، بل كال منهما جاهل بالمقدار ، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل .

وأما المسألتان الأوليان وما بيع المكيل جنيه وزنا ، وبيع الموزون بجنسه كيلا ، أي أن يبيع البر بالكيلوجرامات بدل أن يبعه بالآصع ، ويبيع السكر بالآصع مكان الوزن ، فهذا جائز ، وهو مذهب المالكية ، وهو اختيار شيخ الإسلام ، وذلك لأن المقصود معرفة التماثل ، والتماثل ثابت سواء باعه بالكيل أم بالوزن وهذا ظاهر ،وعمل الناس في هذا الوقت على هذا، فان الناس صار اكثر بيعهم باالوزن .

 

قوله [ فإذا اختلف الجنس جازت الثلاثة ]

إذا اختلف الجنس كأن يبيع برا بشعير ، جازت الثلاثة لعدم اشتراط التماثل ، فلو باع ما يكال بالوزن ، أو ما يوزن بالكيل، أو باعه جزافا فهذا كله جائزبشرط أن يكون يداً بيد ، فإذا قال : هذه الصبرة من الشعير أشتريها منك بهذه الصبرة من البر فهذا جائز لعدم اشتراط التماثل ، وعلى الترجيح المتقدم فلا إشكال في ذلك .

 

قوله [ والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا كبر ونحوه ]

البر له أنواع ، والتمر له أنواع ، والشعير كذلك والارزكذلك فله أنواع منها المزة والعنبر والتمَّن. فالجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا .

 

قوله [ وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان ]

فروع الأجناس أجناس

الأدقة جمع دقيق ، وهو معروف ، وهو الطحين .

والأدهان كدهن الذرة ودهن الزيتون ودهن السمسم ، فهذه فروع الأجناس ، فتعطى حكم أصلها فتكون جنسا ، فعليه لا يجوز أن يباع طحين بطحين من البر إلا مع التماثل والتقابض ، لا يجوز أن يباع خبز البر بخبز البر إلا مع التماثل والتقابض ، ولا يجوز أن يباع دهن البر بدهن البر إلا مع التماثل والتقابض ، وذلك لأن فروع الأجناس لها حكم الأصل .

والقول الثاني : وهو اختيارشيخ الاسلام وتلميذه ابن القيم :ان في ذلك تفصيلاً .وبيان ذلك أن هذا الفرع إن خرج عن كونه قوتا كالنشأ الذي يصنع من الحنطة فإنه خرج عن كونه قوتا ، وعلى هذا فليس بربوي ، لزوال علة الربوية وهي الاقتيات ،

 وإن لم تزل عنه العلة الربوية بل ثبتت فيه فهو جنس آخر منفرد بنفسه ، فالخبز جنس ، والحنطة جنس آخر ، وهكذا فروع الأجناس ، فعليه يجوز بيع زيت الزيتون بالزيتون ، وبيع الخبز بالحنطة وهكذا .

قوله [ واللحم أجناس باختلاف أصوله ]

فلحم الضأن والمعز هذا جنس ، ولحم البقر جنس آخر ، ولحم الإبل جنس ثالث ، فالعبرة باختلاف أصوله ، فهذه فصيلة المعز ، ويدخل فيها الضأن ونحوه ، وهذه فصيلة البر ، ويدخل فيها الجواميس ونحوها ، وهذه فصيلة الإبل فيدخل فيها أنواعها ، فبيع لحم الإبل بلحم البقر يجوز بشرط التقابض ، أما المفاضلة فهي جائزة لأن الأجناس هنا مختلفة ، وأما بيع لحم البقر بحم البقر فلا يجوز إلا بالتقابض والتماثل لأنه جنس واحد .

 

قوله [ وكذا اللبن ]

فاللبن يتبع أصوله ، فلبن الإبل جنس ، ولبن البقر جنس آخر ، وهكذا .

 

قوله [ واللحم والشحم والكبد أجناس ]

فاللحم جنس ، والشحم جنس آخر ، والكبد جن آخر ، وهكذا بقية أجزاء الحيوان ، فإنها أجناس مختلفة ، وذلك لأن لكل منها اسم وحقيقة تختلف عن اسم وحقيقة الآخر ، وعليه فبيع اللحم بالكبد يشترط فيه التقابض فحسب ، وأما بيع اللحم من جنس واحد فلا بد فيه من التماثل والتقابض .

 

قوله [ ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه ]

أي أنه ليس له أن يبيع لحم إبل ببعير ، ولا لحم البقر ببقرة ، أو لحم الغنم بغنمة ، ونحو ذلك ، وذلك للجهل بالتماثل ، وتقدم أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل ، ويدل عليه ما رواه مالك في موطئه بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب رحمه الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن بيع اللحم بالحيوان ) ، وله شاهد عند البيهقي من حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه - ، وهذا هو مذهب جماهير العلماء ، وأنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه ، والعلة كما سبق هي الجهل بالتماثل .وكذلك إذا باع كيلومن لحم شاة بكيلوين من لحم شاة أخرى فلا يجوز للعلة السابقة .

 

قوله [ ويصح بغير جنسه ]

فلو باع كذا كيلو من لحم الإبل بضأن أو معز فهذا جائز إذا كان يدا بيد ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) فيجوز هذا ولو مع التفاضل ، أما النسيئة فلا يجوز سواء كان بجنسه أم بغير جنسه ، ويدل لهذا ما رواه الخمسة والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ) ، قال شيخ الإسلام :" إذا كان المقصود اللحم وإلا فلا " فإذا كان المقصود هو اللحم فإنه لا يجوز ذلك ، وذلك لما تقدم في العلة في الربا وأنها هي القوت ، فإذا كان المقصود هو اللحم فيحرم وإلا فيجوز ، ولذلك ثبت في المستدرك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( اشترى البعير بالبعيرين وبالثلاثة ، والبعيرين بالثلاثة إلى إبل الصدقة ) وذلك لأن المقصود ليس هو اللحم ، وإنما المقصود هو الركوب ، وهذا جمع بين الأدلة ، فعليه لا يجوز

بيع الحيوان - بقصد اللحم - بالحيوان .

 

قوله [ ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه ]

فلا يجوز له أن يبيع الحب كالبر بالدقيق وهو طحينه ، وذلك للجهل بالتماثل ، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل ، وعن الإمام أحمد أن ذلك جائز وزنا ، وهذا هو الظاهر ، فإن التفاضل إنما يقع في الكيل ، وأما بالوزن فإن التماثل يعلم ، وإنما يقع التفاضل في الكيل لأن الدقيق سيكون أكثر بكثير من الحب لوجود مسافات بين الحبوب ، وعلى هذا فالراجح هو الرواية عن الإمام أحمد أن بيع الدقيق بحبه جائز إذا ثبت التماثل بالوزن .

وقوله ( ولا سويقه ) والسويق هو أن يضعه على النار حتى يأخذ شيئا من الحمرة ، ثم يوضع عليه شيء من الزيت والماء ونحو ذلك ، فلا يجوز له أن يبيع الحب بالسويق ، ولا يجوز أن يبيع الدقيق بالسويق لعدم معرفة التماثل ، لأن السويق قد أضيف إليه شيء من السمن أو من الماء ، وقد وضع على النار فلا يثبت حينئذ التماثل ، والجهل باالتماثل كا العلم باالتفاضل .

قوله [ ولا نيئه بمطبوخه ]

لا يحل له أن يبيع النيء بالمطبوخ ، فمثلا بيع الحنطة بالهريس أو بيع البر بالخبزوكبيع أرز مطبوخ بأرز نيء هذا لا يجوز لعدم معرفة التماثل .

قوله [ وأصله بعصيره ]

فالأصل مثلا الزيتون ، فلا يجوز أن يباع بعصيره وهو زيت الزيتون ، لعدم معرفة التماثل ، والزيتون قالوا هو مما يجري فيه الربا ، وزيته فرع عنه ، والفرع له حكم الأصل .

 

قوله [ وخالصه بمشوبه ]

فلو باع حنطة خالصة بحنطة مشوبة فهذا لا يجوز ، وذلك للجهل بالتماثل ، أما إذا كان الشائب يسيرا بحيث لا يؤثر فإنه يجوز للعفو عن اليسير .

قوله [ ورطبه بيابسه ]

فلو باع مثلا رطبا بتمر فهذا لا يجوزلأن الرطب إذا يبس نقص . ويدل عليه ما ثبت عند الخمسة والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( سئل عن بيع الرطب بالتمر ، فقال : أينقص إذا يبس ، فقالوا : نعم ، فنهى عن ذلك ) ، والعلة ما تقدم وهي الجهل بالتماثل .

 

قوله [ ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة ]

يجوز بيع الطحين بالطحين ، فيجوز بيع طحين الشعير بطحين الشعير ، بشرط أن يستويا في النعومة ، لكن لو كان أحدهما فيه خشونة وبيعابالكيل فإن التماثل لا يكون حينئذ معلوماً .وأما إذا بيعاباالوزن فيجوز وذلك لمعرفة التماثل

قوله [ ومطبوخه بمطبوخه ]

يجوز أن يبيع المطبوخ بالمطبوخ ، كالسويق بالسويق أو نحو ذلك .

قوله [ وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف ]

يجوز بيع الخبز بالخبز إذا استويا في النشاف ، أما إذا كان رطبا كالخبز الرطب مع الخبز اليابس فذلك لا يجوز لعدم معرفة التماثل .

قوله [ وعصيره بعصيره ]

فيجوز أن يبيع زيت الزيتون بزيت الزيتون بشرط التماثل .

 

قوله [ ورطبه برطبه ]

كأن يبيع رطبا برطب ، فهذا جائز بشرط التماثل ، فهذه الأجناس الربوية لا يحل بيع بعضها إلا إذا ثبت التماثل .

وقد نهى الشارع كما في الصحيحين عن المحاقلة والمزابنة ، فالمزابنة : بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر- إلا ما سيأتي استثناؤه من العرايا - وبيع العنب على شجره بالعنب ، فلا يجوز ذلك للجهل باالتماثل ، وأما المحاقلة : فهي بيع الحب بعد أن يشتد في سنبله ، بحب من جنسه ، أما إذا باعه بشيء ليس من جنسه كأن يبيع برا في سنبله بشعير فهذا جائز لعدم اشتراط التماثل .

** مسألة بيع العرايا .

اعلم أن العرايا جائزة بشروط ، والعرايا جمع عرية ، والعرية ما أفرد عن الجملة ، أي ما أفرد عن شبيهه ونظيره في الظاهر ، وقد دلت الأدلة الشرعية  على الرخصة في العرايا ، وهي بيع الرطب بالتمر خرصا كيلا عند الحاجة إلى ذلك ، بشروط سيأتي ذكرها ، ففي الصحيحين من حديث زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا ) أي أجاز العرايا بشرط أن تباع بخرصها كيلا ، فيأتي من عنده معرفة وخبرة بما يؤول إليه أمر الرطب إذا جف ، فيقول هذه الأربعة آسق من الرطب إذا جفت فإنها تساوي ثلاثة آسق من التمر ، فنعطيه ثلاثة آسق من التمر ويأخذ المشتري أربعة آسق من الرطب ، ويجوز ذلك بشروط :

الشرط الأول : أن يكون المشتري محتاجا إلى ذلك ولا نَقْد عنده ، فإن كان غينا قادرا على أن يشتري الرطب بماله فلا يجوز ذلك ، لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة ، وإنما جاءت العرايا لرفع الحرج ، وفي مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا ) فدل على أن الغرض من إباحة العرية هو أكلها رطبا .وفي هذا دليل على أن ربا الفضل يجوز عند الحاجة إليه .

الشرط الثاني : أن يكون فيما دون خمسة أوسق ، لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( رخص في العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق ) والشك من الراوي كما دل عليه رواية مسلم ورواية ابن حبان ، وقد تقدم النهي عن المزابنة ، فالأصل هو التحريم ، وحيث ورد الشك فإن اليقين هو الأقل وهو فيما دون خمسة أوسق ، وأما خمسة أوسق فلا تجوز لأنها مشكوك فيها ، والأصل هو التحريم .

الشرط الثالث : التقابض ، وذلك لأنه بيع ربوي بربوي ، ولا يجوز بيع الربوي بالربوي إلا أن يكون ذلك تقابضا وتماثلا ، وقد جوزنا عدم العلم التام بالتماثل ، فبقي التقابض .

الشرط الرابع : أن يأكلها رطبا ، فإن أكلها تمرا فلا يجوز ، لأنها أجيزت للحاجة .

وهل هذا خاص في الرطب مع التمر ، أم يدخل فيه العنب والزبيب كأن يشتري عنبا في شجرة بزبيب ؟

قال الحنابلة : هو خاص في التمر مع الرطب ، وقال المالكية : مثله في الحكم العنب مع الزبيب ، وهذا هو الصحيح .

 

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

 

قوله [ ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما ]

هذه مسألة مد عجوة ، والمد : هو ربع الصاع ، والعجوة : تمرة مشهورة ، وهي من تمر المدينة ، وصورة هذه المسألة : أن يباع مد عجوة ودرهم بدرهمين ، فهذا الدرهم ربوي بيع بجنسه ، أو درهم بدرهمين ومع أحدهما شيء آخر ، وهو هنا مد عجوة ، وكذلك لو باع ذهبا بذهب وخرز ، أو باع فضة بفضة ونحاس ، فهذا كله لا يجوز ، ودليل هذه المسألة ما ثبت في صحيح مسلم من حديث فضالة بن عبيدرضي الله عنه قال :( اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : لا تباع حتى تفصل ) ، فهنا ذهب بذهب وخرز ، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك حتى يفصل ، أي حتى يميز الذهب من الخرز ، فيعرف مقدار الذهب ، ويعرف مقدار الخرز ، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن هذه المسألة يستثنى منها ما إذا كان الجنس المتميز أكثر من الجنس المختلط ، أي الجنس المنفرد أكثر من الجنس المختلط ، فحينئذ تكون الزيادة في المنفرد مقابل هذا الجنس الزائد ، ومثال ذلك : باع عشرة دنانير بقلادة فيها تسعة دنانير وخرز ، فحينئذ تسعة دنانير بتسعة دنانير ، ودينار مقابل الخرز ، وكذلك إذا باع مائة صاع من التمر بتسعين صاعا من التمر وكذا صاعا من الشعير أو الأقط ، فهذا جائز بشرط ألا يكون حيلة على الربا ، وذلك لأن الأصل في البيوع الحل ، ومن باع تسعة دنانير بتسعة دنانير ، والدينار الزائد يقابله الخرز الزائد فإن هذا ليس فيه شيء محرم ، وإنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تفصل للمعرفة ، وقد ثبت المعرفة ، فإذا بيع المختلط بما هو منفرد ، وكان المنفرد متميزا وأكثر من المختلط فهذا جائز وليس فيه حيلة على الربا ، وهذا القول هو الصحيح ، وعليه فإذا كان الجنس منفردا فيجوز أن يباع بجنس مختلط بشرطين :

الأول : أن يكون المنفرد أكثر من المختلط .

الثاني : ألا يكون هذا حيلة على الربا .

 

قوله [ ولا تمر بلا نوى بما فيه نوى ]

لا يجوز أن يباع مائة صاع من التمر الذي أخرج نواه ، بمائة صاع من التمر ذي النوى ، وذلك لعدم التماثل ، والشرط في البيع التماثل .

 

قوله [ ويباع النوى بتمر فيه نوى ]

النوى عندهم جنس ربوي لأنه يكال ، فإذا باع نوى بتمر فيه نوى كأن يبيع مائة صاع من النوى بخمسة آصع من التمر الذي فيه نوى فذلك جائز ، وذلك لأن النوى في السلعة الثانية ليس مقصودا ، بل المقصود هو التمر ، وهذا باتفاق العلماء ، فإذا بيع ربوي بسلعة أخرى فيها ربوي من جنسه ، وكان هذا الربوي الذي من جنسه ليس بمقصود في البيع فإن ذلك جائز .

إذن المسألة السابقة وهي بيع ربوي بربوي من جنسه ومعهما أو مع أحدهما شيء زائد ، وهي مسألة مد عجوة ، هذا إن كان الربوي في السلعتين مقصودا ، أما إذا كان الربوي في السلعتين أو في أحدهما ليس بمقصود فإن ذلك جائز ،ومثله بيع دار فيها شيء من الذهب بذهب ، فالمقصود بالبيع هو الدار وليس الذهب ، فهذا جائز باتفاق أهل العلم ، واختار أيضا شيخ الإسلام وذكر أنه ظاهر المذهب جواز بيع السيف المحلى بالذهب بذهب ، وبيع السيف المحلى بالفضة بفضة ، فإن الفضة في السيف وكذلك الذهب ليس بمقصود ، بل المقصود هو السيف فيجوز ذلك .

 

قوله [ ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف ]

المذهب أنااللبن جنس ربوي لأنه يكال، والصوف عندهم جنس ربوي لأنه موزون ، والصحيح ما تقدم أن العلة ليست هي الوزن ، بل العلة هي الثمنية ، فإذا باع لبنا وصوفا بشاة ذات لبن وصوف ، فيجوز ذلك ، لأن المقصود هو الشاة نفسها ليس اللبن ولا الصوف الذي عليها ، وهذا باتفاق أهل العلم كما تقدم ،لأنه تابع وليس بمقصود

 

قوله [ ومرد الكيل لعرف المدينة ، والوزن لعرف مكة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ]

تقدم أن الحنابلة يعللون الأصناف الأربعة بأنها مكيلة ، والذهب والفضة بأنهما موزونان ، فإن قيل كيف يعرف المكيل وكيف يعرف الموزون ؟ أي ما هي الأشياء التي تكال فيثبت فيها الربا ، وما هي الأشياء التي توزن فيثبت فيها الربا ؟

فمثلا : الصوف والحديد والنحاس هل هو موزون أم مكيل ، ولا شك أن هذه المسألة لها أهمية ، هذا على القول بما ذكروه من أن العلة هي الكيل والوزن ، فقال المؤلف إن مرد الكيل لعرف المدينة ، وليس المراد ما هو قدر الصاع ، بل المقصود ما هو المكيل ، وما هو الموزون ، فمرد الكيل لعرف المدينة ، ومرد الوزن لعرف أهل مكة ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - :( الوزن وزن أهل مكة ، والمكيال مكيال أهل المدينة )راوه ابوداوود والنسائي وغيرهما والحديث إسناده صحيح ، فالصوف يوزن عند أهل مكة ، وكذلك الذهب والفضة ونحوها ، والمائعات تكال بالصاع ، وكذلك التمر والبر ، هذا في عرف أهل المدينة ، فعرفنا الآن أن البر يكال لأن أهل المدينة يكيلونه ، وأن الذهب يوزن لأن أهل مكة يزنونه .

 

قوله [ وما لا عرف له هناك اعتبر عرفه في موضعه ]

فما لا عرف له في مكة والمدينة فإنه يعتبر عرفه في موضعه ، فإن كان مكيلا اعتبرمكيلاً ، وإن كان موزونا اعتبر موزوناً ، فيرجع فيه إلى عرف أهل البلد ، فإذا اختلف أهل البلاد فيه ، فمنهم من يقول : هو مكيل ، ومنهم من يقول هو موزون ، فإنه يحكم بالغالب ، فإن لم يكن ثمت غالب فإنه ينظر إلى شبهه بما هو مكيل أو بما هو موزون فيلحق به ، فمثلا الجواهر شبيهة بالذهب والفضة فحكمها الوزن ، والذرة شبيهة بالأرز فحكمها الكيل ، وهذا كله على قول مرجوح في مسألة الوزن ، والراجح أن الحكم راجع إلى مسألة الثمنية في الذهب والفضة ، وقضية الكيل الذي يترجح أن المقصود فيها هو القياس ، فسواء كان القياس بالكيل أو بالوزن فإن المقصود هو ما يعرف به التماثل ، سواء كان بكيل أم بوزن ، وقد تقدم قول مالك وأن العلة في الأصناف الأربعة هي الاقتيات والادخار ولم يذكر الكيل ، لكن الكيل يحتاج إليه والوزن يحتاج إليه لمعرفة التماثل من عدمه .                                                                       

  

* وهل يجوز بيع فلوس نافقة - أي غير كاسدة ، التي يتعامل بها على أنها أثمان للأشياء - بدراهم أو دنانير نسيئة أم لا ؟

قولان لأهل العلم ، فذهب الجمهور أن بيع الفلوس النافقة بالدراهم جائز مع التفاضل إذا كان حالا ، والفلس ما يساوي سدس الدرهم ، ويصنع من غير الذهب والفضة ، بل هو من جنس آخر ، وهو موزون ، وعلى الراجح هو ثمني ، فعليه هو جنس ربوي ، فإذا بيع بالدراهم أو بالدنانير مع التفاضل فهذا جائز لأن الأجناس مختلفة ، وإذا اختلفت الأجناس جاز البيع ، ولا يظهر أن هذه الفلوس موجودة عندنا ، وذلك لأن الأوراق والمعادن كلها في الحقيقة ذات مرجع واحد ، فإنها بنفسها ليس لها قيمة ، وإنما القيمة في مرجعها ، وليس مرجعهاالذهب والفضة فقط ولا شيئا محددا ، وإنما ترجع إلى القيمة المادية للبلد ، ويختلف هذا باختلاف نمو هذه البلدة من بترول أو معادن أو نحو ذلك ، وعلى ذلك فهذه المعادن التي بأيدينا لا يظهر أنها جنس آخر ، بل هي من جنس الريالات ، فهذه أوراق وهذه معادن ، ومرجعها واحد ، ولو قلنا إن مرجعها مختلف فإنه يجوز فيها التفاضل كما يجوز في الفلوس النافقة ، والصحيح خلاف هذا ، فإن الصحيح أن مرجعها واحد ، فإنه ينظر ما عند أهل البلدة من قدرة مادية ويؤذن لهم بقدرها من الصرف من الريالات ، سواء صرفوها معادن أو ريالات ، وساء كانت الريالات الورقية ذات درجة واحدة أو درجات مختلفة ، وقد تقدم ترجيح ما ذهب إليه بعض أهل العلم وهو ما يفتي به هيئة كبار العلماء أن الريالات والدنانير والدولارات وغيرها أجناس مختلفة بحسب اختلاف جهات مصادرها ، كما تقدم في كتاب الزكاة ، فيجوز فيها التفاضل دون النسيئة .

فهذه الفلوس النافقة التي كانت تصنع قديما لها قيمة معدنية بذاتها ، وليست ذهبا ولا فضة بل هي جنس آخر ، وعليه فيجوز فيها التفاضل بالذهب والفضة لأنها جنس آخر ، وإنما الكلام هنا في جواز بيعها نسيئة ، فهل يجوز بيع الفلوس النافقة بالدراهم أو بالدنانير نسيئة ؟

قولان لأهل العلم ، ومنشأ الخلاف هو هل الفلوس النافقة أثمان أم عروض ؟ فإن قلنا هي أثمان فلا يجوز بيعها نسيئة بالدنانير أو بالدراهم ، كما لا يجوز بيع الدراهم بالدنانير نسيئة ، وهذا القول هو المشهور من المذهب وهو قول المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام في الفتاوى ، والقول الثاني أنها عروض وليست أثمانا ، وحينئذ فيجوز بيعها نسيئة كما يجوز أن يشتري ثيابا بدراهم نسيئة فهي عروض ، وهذا مذهب الشافعية وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة ، وذكره صاحب الفروع اختيارا لشيخ الإسلام ، والقول الأول هو الراجح فإنها أثمان ، فالحكم للغالب عليها أنها أثمان ، فيباع بها ويشترى كما يباع ويشترى بالذهب والفضة ، فالحكم الغالب عليها هو الثمنية ، وعليه فلا يجوز بيعها بالدراهم ولا بالدنانير نسيئة ، أما التفاضل فجائز .

 

** مسألة :

المصوغ المباح من الذهب والفضة كحلي النساء ونحو ذلك مما يجوز للرجل لبسه كالخاتم من الفضة ونحوه ، هل هوأثمان فيقع فيه الربا أم هو عروض فلا يقع فيه الربا؟

وهذه المسألة توجد في أسواق الناس ، فهل يجوز للرجل أن يشتري من بائع الذهب الحلي بدراهم إلى سنة ، وهل يجوز أن يشتري منه هذا الحلي بذهب تبر مع التفاضل مقابل الصنعة ، فيقول : خذ هذا الذهب وزنه كيلو جرام على أنه تبر ، وأعطني تسعمائة جرام من الذهب المصاغ ، فهل هذا جائز ؟

اختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم جواز هذا ، ودليل شيخ الإسلام على جواز التفاضل والنسيئة في هذا : أن الذهب بالصنعة قد خرج عن كونه ثمنيا ، كما أن الفضة بالصنعة قد خرجت عن كونها ثمنية ، فإن الذهب ليس بثمني ما دام مصوغا ، بل هو من عروض التجارة ،  ولذا لا يشترى به ولا يباع إلا مع أهله المختصين به من أهل الذهب والفضة الذين يعيدونه إلى أصله ، فإنه لا شك أن صاحب الذهب المصنع لا يمكنه أن يبيعه بذهب غير مصنع مع التماثل ، فيذهب أجرة صنعته ، وحينئذ فيحتاج صاحب الذهب إلى أن يأتيه بدراهم ، وقد يكون في هذا مشقة ، وربا الفضل يباح عند الحاجة كما أجازته الشريعة في العرايا ، فإن قيل إن الذهب المصنع شبيه بالتمر الرديء ومع ذلك فإن التمر الرديء لا يجوز بيعه بالتمر الجيد ؟ فالجواب أن بينهما فرقا ، فإن التمر الرديء ، الرداءة فيه صفة خلقية ، أي من خلقته ، وليس هذا من صنع الآدمي ، وأما هذه الصنعة فإنها صنعة آدمي ، ويحتاج إلى أن يأخذ عليها أجرا ، أضف إلى هذا ما تقدم من أن العلة  في الذهب والفضه وهي الثمنيةقد زالت ، وشبه الجواهرهي الثمنه ، فإنه قد خرج عن كونه ثمنيا ، وما ذهب إليه شيخ الإسلام وابن القيم هو الراجح ، فعليه يجوز بيع الذهب المصوغ بالذهب وبيع الفضة المصوغة بالفضة مع التفاضل ، قال صاحب الإنصاف :" وعليه عمل الناس " ، والنسيئة كذلك جائزة لما تقدم ، وقيده شيخ الإسلام بقيد ظاهر وهو ألا يكون بقصد ثمنيتها ، فإن اشترى رجل من آخر ذهبا مصوغا إلى سنة بأربعين ألفا ، وقصد الثمنية فلا يجوز ، وأما إن قصد كونها حليا فلا بأس ، وهذا لحديث فضالة ، فإن قوله ( فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا ) يدل على أنه قصد الثمنية ،بقي الجواب عن الاستدلال بدليلين :الاول وأما ما رواه البيهقي عن مجاهد قال : كنت عند ابن عمر فجاءه صائغ فقال : إني أصوغ الذهب ، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه على قدر عمل يدي ، فنهاه عن ذلك وقال : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ، هذا عهد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فالجواب عنه : أنه كان يصوغ الذهب إلى دنانير ، وهذه الصنعة غير مراعاة اتفاقا للمصلحة العامة المقصودة من ضرب الدراهم والدنانير ، ولو روعيت لفسدت المعاملة ولا يعقل أن يأمره بإهمال صنعته فإن في ذلك إضاعة للمال ،الثاني : وأما إنكار أبي سعيد على معاويةرضي الله عنهما بيعه آنية من فضة كما في صحيح مسلم ولفظه عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال (غزونا غزاة فغنمنا غنائم كثيرة  ،فكان فيما غنمنا آنية من فضه فأمرمعاوية رجلاًأن يبيعها في أعطيات الناس ،فتسارع الناس في ذلك ،فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال :إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعيروالتمر بالتمروالملح بالملح الاسواء بسواء عيناً بعين فمن زاد أوازداد فقد أربى ،فرد الناس ما أخذوا.............)، فإن ذلك لتضمنه مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان .

وقد التزم شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في غير الذهب المصوغ من فروع الأجناس بهذا القول ، ومعلوم أن فروع الأجناس لها حكم أصولها ، كالخبز من الدقيق ونحو ذلك ، فالتزما بهذه القاعدة فقالا : ما تكون فيه صنعة آدمي من الأجناس إن خرج عن كونه قوتا كالنشا الذي يصنع من الحنطة فإنه خرج عن كونه قوتا ، وعلى هذا فليس بربوي ، لزوال علة الربوية وهي الاقتيات ، وإن لم تزل عنه العلة الربوية بل ثبتت فيه فهو جنس آخر منفرد بنفسه ، فالخبز جنس ، والحنطة جنس آخر ، وهكذا فروع الأجناس ، فعليه يجوز بيع زيت الزيتون بالزيتون ، وبيع الخبز بالحنطة ، وهذا لما في ذلك من صنعة الآدمي وعمله ، فيحتاج إلى أجرة ، لكن مع النسيئة لا يجوز لأن العلة الربوية متفقة .

 

                                                  فصل

 

قوله [ ويحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل ليس أحدهما نقدا كالمكيلين والموزونين ]

يحرم ربا النسيئة بإجماع العلماء ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - :( فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) ، والنسيئة من النساء بفتح النون وهو التأخير ، فربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة الربا ، وعلة الربا على المذهب الكيل والوزن ، فلو باع بر بشعير ثبت فيه ربا النسيئة ، لأن كلا منهما مكيلا ، ومن باب أولى إذا باع شعيرا بشعير ، وكذلك لو باع ذهبا بفضة ، فهما جنسان اتفقا في علة الربا وهي الوزنية على المذهب .

وقوله ( ليس أحدهما نقدا ) هذا في باب الموزونات ، فمن الموزونات عند الحنابلة النحاس والحديد والسكر ونحو ذلك ، فلا يجوز - على القاعدة السابقة - بيع السكر بالدراهم ، أو بيعه بالدنانير نسيئة ، لأن السكر العلة فيه الوزن ، فهو ربوي ، وكذلك الدنانير والدراهم ، فاتفقا في العلة ، فاحتاج المؤلف إلى استثناء ما إذا كان أحدهما نقدا ، لئلا ينسد بهذا باب السلم والنسيئة في البيوع، وهو نوع من الديون في الموزونات ، وهذا مما يدل على ضعف هذه العلة التي ذكروها ، وهي علة الوزنية ، فاحتاجوا إلى مثل هذا الاستثناء ، وإلا فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد وهي أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية .

 

قوله [ وإن تفرقا قبل القبض بطل ]

مثاله : اشترى ذهبا بفضة ، وتفرقا ولم يتم التقابض ، فإن البيع بطل ، لأن الشارع قد اشترط التقابض ، وحينئذ فهذا البيع قد خلا من شرط الشارع ، وكل ما خلا من شرط الشارع فهو باطل ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - :( فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) .

 

قوله [ وإن باع مكيلا بموزون جاز التفرق قبل القبض والنسأ ]

فإذا باع مكيلا كبر بموزون كذهب جاز التفرق قبل القبض لأن التقابض ليس بشرط ، لأن العلة قد اختلفت ، فالبر علته أنه قوت ، والذهب علته الثمنية ، وعلى قول الحنابلة البر علته الكيل ، والذهب علته الوزن ، فإذا اختلفت العلة جاز التفاضل والنسأ وهذا بالإجماع ، ويدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( رهن درعه عند يهوي على شعير أخذه لأهله ) فهنا اشترى الشعير بالدراهم المؤجلة ، وهذا كما سبق محل إجماع بين أهل العلم ، وعلى هذا فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) مقيد بالأجناس ذات العلة المتحدة ، فصار عندنا الآن ثلاثة أنواع :

النوع الأول : بيع ربوي بجنسه ، فلا يجوز فيه التفاضل ولا النسيئة كبر ببر .

النوع الثاني : بيع ربوي بجنس آخر يتحد هو وإياه في العلة ، فيجوز فيه التفاضل دون النسيئة .

النوع الثالث : بيع ربوي بجنس ربوي آخر يخالفه في العلة فيجوز فيه النسيئة والتفاضل إجماعا .

وقوله ( جاز التفرق قبل القبض ) أي وإن كان التبايع ليس نسيئة ، وقد اتفقا على أن يكون الثمن حالا ، فتفرقا قبل القبض فهذا جائز ، والنساء إذا اتفقا على التأخير .

 

قوله [ وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه  النساء ]

وذلك لذهاب العلة الربوية ، فيجوز النساء ويجوز التفاضل في الثياب والحيوان ونحو ذلك ، ودليل هذا ما رواه أبو داود في سننه والحاكم والدارقطني وغيرهما والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة )

والعلة على القول الراجح كما تقدم هي الثمنية في الذهب والفضة ، والقوت في الأصناف الأربعة الآخر ،

 

قوله [ ولا يجوز بيع الدين بالدين ]

وهذا محل إجماع بين أهل العلم ، وروى الدارقطني بإسناد ضعيف ضعفه الإمام أحمد وغيره من أهل الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن بيع الكاليء بالكاليء ) أي الدين بالدين ، وصورة هذا أن يبيع على الرجل سلعة بثمن مؤجل ، ثم يبيعه هذا الثمن بثمن آخر مؤجل ، فيقلب عليه الدين بدين ، فهذا لا يجوز ،و هو ربا الجاهلية وهو من أقبح الربا .

قال الحنابلة : ولا يصح المقاصة وهي عندهم من بيع الدين بالدين ، وصورتها أن يكون على زيد لعمرو مائة دينار ، ولعمرو على زيد ألف درهم ، فيقول كل منهما للآخر أبرؤ ذمتك وتبرؤ ذمتي ، فيتصارفان ولم يحضرا شيئا ، فقال الحنابلة هذا لا يجوز ، وكذلك لو كان له على الآخر عشرة آصع من الشعير وللآخر عليه خمسة آصع من البر ، فقال أسقط الذي علي وأسقط الذي عليك ، قالوا : لا يجوز ذلك ، لأنه من باب بيع الدين بالدين ، واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو مذهب الأحناف والمالكية واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن ذلك جائز وهو الراجح ، لأنه لا محذور شرعي فيه ، وفيه إبراء للذمم ، والشريعة متشوفة إلى ذلك ، فهذا القول هو الصواب ، وقد تقدم ضعف حديث نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الدين بالدين ، وهذه المسألة لا إجماع فيها .

فصل

قوله [ ومتى افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبض ]

تقدم تعريف الصرف : وهو بيع نقد بنقد ، كبيع دراهم بدنانير والعكس ، أو بيع الفلوس النافقة بالدراهم والدنانير ، فهذا هو الصرف ، ومنه بيع الريالات بالدولارات ، فإذا تصارفا الدنانير والدراهم والجنسان مختلفان ، فإذا تفرقا قبل قبض الكل أو البعض يبطل العقد فيما لم يقبض ، فإذا افترقا قبل قبض الكل فالعقد باطل كله ، وإن كان في البعض فهو باطل فيما لم يقبض ، مثاله : تصارفا مائة درهم بمائة دينار ، فافترقا قبل أن يتقابضا في الكل ، فالعقد كله باطل ، وإذا افترقا قبل قبض البعض فأعطاه هذا خمسة دنانير وأعطاه الآخر خمسين درهما ، وبقي على عقدهما خمسة دنانير تقابلها خمسون درهما ، فيصح العقد في البعض دون ما تبقى ، لتوفر الشروط في البعض ، وتكون هذه المسألة من مسائل تفريق الصفقة التي تقدم الكلام على بعض صورها ، .

 

قوله [ والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين ]

كسائر السلع ، وتقدم ذكر هذا ، فإذا قال : بعتك هذا الشيء فإن البيع يكون قد وقع على هذا الشيء نفسه ، بخلاف ما لو قال : بعتك ما وصفه كذا وكذا ، فحينئذ لا يتعين ، فمثلا إذا قال : بعت عليك هذه العشرة دنانير بهذه المائة درهم ، فحينئذ قد عينت الدراهم والدنانير ، فتتعين فتكون الصفقة واقعة عليها بعينها كسائر العقود ، فإذا قال : اشتريت منك هذه الشاة فإنها تتعين وتكون هي المبيعة ، فلا بد أن يعطيه إياها ، لأن العقد وقع عليها ، بخلاف ما لو قال : اشتريت منك شاة وصفها كذا وكذا ، وهذا مذهب جمهور العلماء أن الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين ، وقال بعض الحنابلة لا تتعين ، لأن المقصود واحد وهو رواية عن أحمد ومذهب الأحناف ، والقول الأول أظهر من حيث التعليل ، لكن ذلك في زمانهم وأما في زماننا فإن المقصود واحد لأن الدنانير والدراهم في القديم لتعيينها قصد ، ففيها الرديء والجيد ، والمشوب والخالص .

 

قوله [ فلا تبدل ]

هذه من فروع المسألة ، فلا تبدل لأن العقد قد وقع على عينها ، فهي بمجرد العقد أصبحت ملكا للمشتري بعينها ، وأصبح الثمن ملكا للبائع بعينه ، فحينئذ لا يصح تبديله .

 

قوله [ وإن وجدها مغصوبة بطل ]

فلو ثبت أن هذه الدراهم مغصوبة فحينئذ يبطل البيع ، وذلك لأن البيع على عينها لا على وصفها ، فثبت أنها مغصوبة فحينئذ يبطل البيع ، لأن السلعة قد ثبت أنها غير مملوكة ، وما دامت غير مملوكة فلا يصح أن يصرف هذا بها ، وعلى القول بأنها لا تتعين يجوز تبديلها وإن كانت مغصوبة صح البيع ، ووجب البدل في ذمته .

قوله [ ومعيبة من جنسها أمسك أو رد ]

إذا وجد الدينار فيه عيب أو هذا الدرهم فيه عيب فلا يخلو هذا العيب : إما أن يكون من جنسه - أي من جنس المعيب - وإما أن يكون من غير جنسه ، فمثال ما كان فيه عيب من جنسه سواد في الفضة ، وبياض في الذهب أو نحو ذلك ، وأما ما كان فيه عيب من غير جنسه كأن يكون فيه شيء من النحاس أو أن يكون نحاسا أو تبين فيه غش ، فهنا العيب ليس من جنسه ، فإذا كان العيب من جنسه أمسك أو رد ، فهو مخير بينهما ، وليس فيه أرش إذا أمسك ، لأنه إذا ثبت الأرش فهو ربا ، لأن التفاضل محرم ، وتقدم عدم ثبوت الأرش أصلا ولا دليل على ثبوته ، وإن كان العيب من غير جنسه فحينئذ يبطل العقد ، فلا خيار ، وذلك لأنه قد ثبت أن العقد كان على غير المسمى ، والرضا إنما وقع على أنه ذهب فبان أنه نحاس أو فضة أو حديد فليس هناك رضا .

 

قوله [ ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين مطلقا بدار إسلام و حرب ]

فالربا محرم على المسلم مطلقا ، سواء كان مع مسلم أو حربي أو ذمي ، وسواء كان في دار حرب أو إسلام ، لعمومات الأدلة الشرعية ، فقد لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، ولا يحل للمسلم أن يكون طرفا في ربا ، وأما ما روي أنه لا ربا بين أهل الحرب وأهل الإسلام فالحديث لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال أبو حنيفة : لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب لأن أموالهم مباحة ، والجواب : أنها مباحة قهرا ، وأما أخذها بمعاملة وعقد فيجب أن يوافق الشرع ، ولما يترتب على ذلك من المفاسد في هذا العصر من ترك أموال المسلمين في البنوك الربوية التي بأيدي الكفار ، ويقال أيضا لا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام لأن الأمان على ماله أن يؤخذ قهرا ، وفي الربا رضا منه .

* مسألة :

إذا باع سلعة بدراهم إلى شهر ، فلما جاء الشهر أراد أن يدفع دنانير بدل الدراهم فهل يجوز ؟

الجواب يجوز ذلك بشرطين :

الشرط الأول : أن تكون بسعر يومها أي يوم القبض .

الشرط الثاني : ألا يتفرقا بينهما شيء .

ودليل ذلك ما ثبت في الخمسة عن ابن عمر قال : قلت يا رسول الله : إني أبيع الإبل بالبقيع ، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير ، آخذ هذا من هذه ، وأعطي هذه من هذا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( لا باس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء ) والحديث الصحيح فيه وقفه على ابن عمر ، ولكن الأدلة الشرعية تدل على هذا الحديث ، أما قوله ( ما لم تتفرقا وبينكما شيء ) فإن هذا شرط في الصرف ، وهو إذا حل الوقت فقال أريد أن أعتاض عنها دنانير بدل الدراهم فهذا صرف ، ولا بد في الصرف من التقابض ، وكونها بسعر يومها لئلا يربح ما لم يضمن ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - :( ولا ربح ما لم يضمن ) .

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net