باب بيع الأصول والثمار
الأصول جمع أصل وهو ما يتفرع منه غيره ، كالدار والأرض والشجر ، فالشجر أصل يتفرع منه الثمر ، والأرض كذلك يتفرع منها ما فيها من غرس وبناء ونحوه ، والدار يتفرع عنها ما فيها من بناء وأبواب ونحو ذلك ، والثمار : جمع ثمر كالتمر ونحوه .
قوله [ إذا باع داراً شمل أرضها وبناءها وسقفها والباب المنصوب والسلم والرف المسمورين والخابية المدفونة ]
فإذا باع رجل داراً أو وهبها أو أوقفها أو أوصى بها أو أقر بها فكل هذا في حكم البيع ، فإذا باع دارا فإن هذا يشمل أرضها وبناءها وسقفها والباب المنصوب والسلم والرف المسمورين أي الذين قد وضعا بالمسامير ، والخابية وهي وعاء الماء إذا وضع في الأرض ، وقيد الخابية بالمدفونة ليخرج ما لم يكن مدفونا كوعاء الماء الذي ليس بمدفون فإنه لا يدخل في هذا الحكم .
قوله [ دون ما هو مودع فيها من كنز وحجر ]
ما هو مودع فيها من كنز وحجر فإنه لا يدخل في الدار ، لأن اللفظ لا يتناوله ، فلا يملك بمجرد البيع ، فمن باع داراً وفيها كنز فإن المشتري لا يملك هذا الكنز ، لأن اللفظ لا يتناوله .
قوله [ ومنفصل منها كحبل ودلو وبكرة وقفل وفرش ومفتاح ]
فإن هذه وإن كانت من مصلحة الدار لكنها منفصلة عنها ، فالضابط عندهم فيما يدخل فيما يباع من الأصول : أن يكون من مصلحة الدار ومتصلاً بها ، فإن لم يكن من مصلحتها ولا متصلا بها أو كان من مصلحتها وهو غير متصل بها فإنه لا يدخل في البيع .
والوجه الثاني في المذهب : أن المفتاح ونحوه كالقفل يدخل ، والصحيح أن الحكم في ذلك راجع إلى العرف ، فما دخل في اللفظ عرفاً فإنه يثبت ملكه بالبيع ، لأنه كالشرط ، وقد تقدم أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي ، فمثلاً إذا قال: بعتك هذه الدار ، فإن العرف يدل على دخول الأرض والبناء والأبواب والأقفال والمفاتيح ونحو ذلك مما هو متصل بها ومن مصلحتها ، والعرف لا يدخل الفرش ولا الأثاث ، لكن إن اشترطه المشتري فالمسلمون على شروطهم .
قوله : [ وإن باع أرضاً ولو لم يقل بحقوقها شمل غرسها وبناءها ]
قوله ( ولو لم يقل بحقوقها ) إشارة إلى خلاف ، فالوجه الثاني في المذهب أنه إن لم يقل : بحقوقها فإن غرسها ونحوه لا يدخل ، إذن في المسألة قولان في المذهب :
القول الأول : أنه إذا قال : بعتك هذه الأرض فإن غرسها وبناءها ونحوه يدخل وإن لم يقل بحقوقها .
القول الثاني : أن ذلك لا يدخل إلا أن يشترطه ، فإن قال : اشتريت منك الأرض بحقوقها أو بما فيها أو قال البائع بعتك الأرض بحقوقها أو بما فيها دخل ما سبق وإلا فلا ، والراجح ما تقدم من أن مرجع ذلك إلى العرف ، فإذا كان العرف يقضي بأن بيعها - أي الأرض - يدخل فيه ما سبق فإنه يدخل فيه ، وإلا فلا.
* وهل يدخل فيه ما يكون منصوبا فيه من خيام ونحو ذلك ؟
الجواب ما سبق من أن مرجع ذلك إلى العرف ، لكن لو اشترطه فالمسلمون على شروطهم .
قوله [ وإن كان فيها زرع َكبُر وشعير فلبائع مبقى ]
إذا كان في الأرض بُر وشعير فإنه يبقى للبائع إلى أول وقت الحصاد ، هذا إذا لم يشترطه المشتري ، فإذا أتى أول وقت الحصاد فإنه يجبر على حصاده ، وهذا هو القول الأول في المذهب ، وأنه يجب عليه أن يحصده أول وقت الحصاد ولو كان في الانتظار خير للزرع .
والقول الثاني في المذهب : أنه يبقى إلى كماله وتمامه لأن العادة قد جرت بذلك ، فالعادة قد جرت بأن الزرع لا يحصد حتى يكمل ، والشرط العرفي كالشرط اللفظي ، وهذا هو أحد القولين عند الحنابلة ، وهو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام .
قوله [ وإن كان يُجزُّ أويلقط مراراً فأصوله للمشتري والجزة واللقطة الظاهرتان عند البيع للبائع ]
إن كان يجز مراراً كالبرسيم مثلاً ، أو يلقط مراراً كالقثاء مثلاً ، فأصوله للمشتري ، والجزة واللقطة الظاهرتان للبائع وذلك لأن ما يجز ويلقط مرارا يلحق بالغرس من نخيل ونحوه ، وذلك لأنه زرع ليبقى ، فهو كالنخيل يتكرر جذاذه ، فكما أنهما لو تبايعا الأرض وفيها نخيل عليه ثمر ، فالثمر للبائع ، والنخيل للمشتري ، كما سيأتي في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم – فكذلك هنا .
قوله [ وإذا اشترط المشتري ذلك صح ]
فلو اشترط المشتري الجزة واللقطة الظاهرتين صح ، فالمسلمون على شروطهم .
فصل
قوله [ ومن باع نخلا تشقق طلعه فلبائع مبقى إلى الجذاذ ]
من باع نخلاً تشقق طلعه ، فهو متهيء للتأبير ، فلم يبق إلا أن يؤبر ، والتأبير هو التلقيح ، فمن باع نخلاً تشقق طلعه فإنه يبقى للبائع إلى الجذاذ ، فله الثمر مبقى إلى أول الجذاذ ، وبمجرد ما يبدأ الناس يجذون يؤمر هو بالجذاذ ، والصحيح ما تقدم أنه يبقى إلى كماله .
قوله [ إلا أن يشترطه مشترٍ ]
فإن اشترط المشتري فإنه يكون له ، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ) قالوا : وإنما علق الشارع الحكم بالتأبير لأنه ملازم للتشقق غالباً ، فإذا تشقق فإنها تؤبر.
وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أن الحكم منوط بالتأبير ، وذلك لظاهر الحديث المتقدم ، ولأن التأبير يقع به فعل من المكلف بخلاف التشقق ، فإنه لا فعل للمكلف فيه ، وهذا القول هو الراجح وهو أن الحكم منوط بالتأبير ، فإن باع نخلاً وهو مؤبر فالثمرة للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ، وإن باعه ولم يؤبر بعد وإن كان متشققاً فإن الثمرة للمشتري ، والمذهب يعلق هذا بالتشقق ، والراجح ما اختاره شيخ الإسلام .
قوله [ وكذلك شجر العنب والتوت والرمان وغيره ]
فكذلك إذا تشقق ثمرها ، فإنه إذا باعها تكون الثمرة للبائع ، وإن لم يتشقق فإن الثمرة للمشتري ، ولم نعلقه بالتأبير لأنه لا تأبير فيه ، والقياس حيث أمكن فهنا يلحق به قياساً حيث تشقق .
قوله [ وما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح ، وما خرج من أكمامه كالورد والقطن ]
فما ظهر من نوره أي من زهره كالمشمش والتفاح ، وما خرج من أكمامه أي وعائه كالورد والقطن فإن له نفس الحكم ، فمن باع تفاحاً أو مشمشاً فإن كان قد خرج من نوره فهو للبائع ، وإن لم يخرج من نوره فإنه للمشتري كالثمر المتشقق من النخل .
قوله [ وما قبل ذلك والورق فلمشتر ]
أي ما قبل التشقق والخروج من النور والخروج من الوعاء فإنه يكون للمشتري ، وكذلك الورق والأغصان ، فإنها للمشتري لأنها تبع للشجر ، وقد ثبت الحكم للأشجار فورقها وأغصانها تابعة لها ، وأما الثمر فما كان قبل التشقق أو التأبير في النخل فإنه للمشتري ، وما كان بعد التشقق من سائر الثمار وبعد التأبير في النخل خاصة فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع .
قوله [ ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه ولا زرع قبل اشتداد حبه ]
لا يباع النخل وهو رطب حتى يبدو صلاحه ، ولا يباع زرع قبل اشتداد حبه ، فأما صلاح الثمر فبأن ينضج ، فهذا هو بدو صلاحه ، وهذا يختلف باختلاف الثمر ، فمنه ما يكون باحمراره أو اصفراره ، ولذا قال أنس رضي الله عنه لما قيل له ما زهوها قال :" أن تحمار أو تصفار " ، والعنب جاء فيه حديث عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن بيع العنب حتى يسود ، وعن بيع الحب حتى يشتد ) وهذا في العنب الأسود ، وما لم يكن له علاقة باللون فإذا تهيأ لأن يطعم ويؤكل فهذا هو بدو صلاحه ، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال :( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ) قيل : ما بدو صلاحها قال :" أن تذهب عاهتها " وهو من قول ابن عمر ، فهو مدرج كما ثبت في بعض الروايات ومعنى " أن تذهب عاهتها " أي تذهب عنها الآفة السماوية المحتملة قبل نضجها ، ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري ومسلم :( أرأيت إذا منع الله الثمرة بمَ يأخذ أحدكم مال أخيه ) فالعلة هي أن الثمرة قد تمنع فتأتيها آفة سماوية قبل بدو صلاحها فبم يستحل البائع مال أخيه ، وفي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن بيع الثمار حتى تزهو ) قيل وما زهوها ؟ قال - وهو من قول أنس رضي الله عنه كما بينته بعض الروايات - : أن" تحمار أو تصفار" فهذه الأحاديث تدل على أن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها محرم ، وأن بيع الحب قبل اشتداده محرم أيضاً ، وهذا باتفاق العلماء .
قوله [ ولا رطبة ولا بقل ولا قثاء ونحوه كباذنجان دون الأصل ]
الرطبة هي البرسيم والبقل هو الكراث ، والقثاء هو الخيار ، فلا يجوز بيع البرسيم والقثاء وكذلك الباذنجان ونحو ذلك دون الأصل حتى يبدو صلاحها .
قوله [ إلا بشرط القطع في الحال أو جزة جزة أو لَقْطَة لَقْطة ]
فما يتكرر جزه أو يتكرر لقطه كالبرسيم والقثاء ونحوه لا يباع إلا جزة جزة أو لقطة لطقة ، فيقول : أبيع عليك هذه الجزة ، فإذا اشتراها ، ثم نمت الجزة الأخرى باعها ، وهكذا فيما يلقط ، فبيع اللقطة الأولى يكون إذا خرجت وكذلك الثانية والثالثة وهكذا ، وعليه فليس له أن يبيع البرسيم أو نحوه الذي قد بدا صلاحه الموسم كله ، فمثلاً : يأتي إلى مزرعة البرسيم فيقول : أبيع عليك هذا البرسيم تجزه ما شئت يعني كلما نبت منه شيء جززته ، وهكذا حتى ييبس ، وهكذا في القثاء ونحوه ، فهذا لا يجوز ، قالوا : لأنه معدوم ، فالجزة الثانية معدومة ، والبيع إنما يكون في الموجود لا في المعدوم ، ولأن هذا المعدوم فضلاً عن كونه معدوماً فإنه لم يبدُ صلاحه ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع هذه الأشياء حتى يبدو صلاحها ،
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم جواز ذلك ، وأنه يجوز أن يبيع المقثاة حتى ييبس ويجوز أن يبيع البرسيم حتى ييبس وذلك بعد بدو الصلاح ، قالوا : لأنه لا غرر في ذلك ، فإن أهل الخبرة يستدلون بجنس هذا الزرع على طيب ما يجز منه أو يلقط ، وعلى كثرته ونحو ذلك ، قالوا : ولأن في المنع من هذا حرجاً ومشقة ، ومثل هذه المسائل تجوز عند المشقة والحرج ، قالوا : ولأنها لا تدخل في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ، فإن هذا فيما يمكن الانتظار فيه حتى يبدو الصلاح ، فلا يكون في ذلك مشقة ولا حرج ، وأما هنا فإن بدو الصلاح فيه متكرر ، فيشق انتظاره ، وما ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه هو القول الراجح في هذه المسألة دفعاً للحرج .
كما أنه يمكن أن يقال لأهل القول الأول : ماذا تقولون في بدو الصلاح في بعض ثمر النخلة الواحدة ؟ فالجواب : أنهم يقولون اتفاقاً يجوز بيعها إذا بدا صلاح بعض ثمرها دون الآخر ، وذلك لأن النهي عن بيعها حتى يبدو صلاحها كلها فيه مشقة ، فإن الانتظار فيه مشقة ، وكذلك على الراجح إذا بدا صلاح بعض النخل أو نحوه من نوع واحد ، فإنه يحكم للباقي بالحكم نفسه إذا كان في بستان واحد ، فيجوز بيعه حينئذ ، وهذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعي ، وعن الإمام أحمد أنه يمنع حتى يبدو صلاح كل الثمر ، والصحيح هو ما تقدم وذلك دفعاً للحرج ، ويقال هنا كذلك في المسائل التي تقدم فيها اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم .
وقوله : ( إلا بشرط القطع في الحال ) فإذا باع ثمرة لمَّا يبدو صلاحها أو حبا لمَّا يشتد بعد أو باع رطبة أو قثاء ولمَّا يبدو صلاحها بشرط القطع في الحال فإن هذا جائز ، وذلك لزوال العلة المتقدمة وهي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ) ، وهناك شرط آخر ، وهو شرط قد تقدم في شروط البيع وهو أن يكون مما ينتفع به ، أي يحصل به الانتفاع سواء بأن يكون طعاماً للآدميين أو طعاماً للبهائم أو نحو ذلك ، فهذا كله جائز ، والعلة قد زالت ، وهذا هو مذهب الجمهور .
قوله [ والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري ]
إذا باع زرعاً أو ثمر نخل فالذي يجب عليه حصاد الزرع وجذاذ ثمر النخل والذي يجب عليه أن يلقط هو المشتري ، قالوا : لجريان العادة بذلك ، فالعادة محكمة في مثل هذه المسائل ، والشرط العرفي كالشرط اللفظي ، وحينئذ فإن كان العرف عن أن ذلك على البائع فإنه يعمل به إلا أن يشترط أحدهما خلاف العرف ، كأن يكون العرف على أن الجذاذ على المشتري ، فيشترط المشتري أن يكون على البائع فالمسلمون على شروطهم .
قوله [ وإن باعه مطلقا أو بشرط البقاء .... بطل ]
إذا باع الثمر مطلقاً قبل بدو الصلاح ولم يشترط القطع في الحال فالبيع باطل لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، والنهي يقتضي الفساد .
وكذلك إذا باع الثمر قبل بدو الصلاح واشترط المشتري البقاء ، أي بقاء الثمر حتى يبدو صلاحه ، فهذا الشرط يخالف الشرع ، فهو باطل والبيع باطل ، ويستثنى من هذا ما تقدمت إشارة المؤلف إليه في قوله: ( دون الأصل ) فإذا باع الأصل فإن الثمر يتبع ، وإن لم يبدُ صلاحه ، فلو أن رجلاً باع نخلاً وكان الثمر لم يبدُ صلاحه فذلك جائز ، وهذا باتفاق أهل العلم ، ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً .
قوله [ أو اشترى ثمراً لم يبدُ صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا ]
إذا قال : أنا اشتري منك هذا الثمر قبل بدو صلاحه بشرط أن أقطعه في الحال ، فلم يقطعه في الحال بل تركه حتى بدا صلاحه فالبيع باطل ، وذلك لأن الشريعة إذا نهت عن الشيء نهت عن ذرائعه الموصلة إليه ، ولا شك أن عدم إبطال مثل هذا العقد يؤدي إلى بيعه قبل بدو صلاحه من غير أن يشترط قطعاً في الحال ، وعليه فالثمرة تعاد إلى البائع والثمن يعاد إلى المشتري .
قوله [ أو جزة أو لقطة فنمتا بطل ]
إذا باعه جزة أو لقطة لم يبد صلاحها بشرط القطع في الحال فلم يقطعها في الحال بل تركها حتى نمت فإن البيع يبطل لما تقدم .
قوله [ أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها ]
مثاله : قال أبيعك هذا الثمر الذي قد بدا صلاحه من هذه النخلة ، فلم يلقط ما بدا صلاحه ، وبدا صلاح بقية الثمر فاختلطا ، فالحكم أن البيع باطل ، هذا ما ذكره المؤلف وهو رواية عن الإمام أحمد ، والصحيح في مذهب الحنابلة أي المشهور عندهم وهو ظاهر المذهب أن البيع صحيح ، ولا دليل على بطلانه ، وذلك للقدرة على تسليمه ، ولأنه ليس فيه نهي يقتضي فساداً ، وحينئذ ينظر فيما بدا صلاحه مؤخراً ، فإن علم قدره أخذه البائع ، فإنه نما في ملكه ، وإن لم يعلم قدره تصالحا على شيء ، فإن لم يتصالحا فلكل منهما الفسخ .
قوله [ أو عَرِيَّة فأ تمرت بطل ]
اشترى عرية فأتمرت فيبطل البيع ، لأن الشارع إنما أجازها ليُؤكل رُطَباً كما تقدم في قوله النبي - صلى الله عليه وسلم - :( يأكلونها رطبا ) ، والشريعة إنما أجازتها للحاجة وهي أن تؤكل رطبا ، فإذا أخرت حتى أتمرت فإن ذلك لا يجوز ، ويكون البيع باطلاً .
قوله [ والكل للبائع ]
فكل هذه الأشياء للبائع ، فالعرية إذا أتمرت تعود إلى البائع ، وحينئذ يرجع عليه المشتري بالثمن ، وكذلك كل ما تقدم بطلانه فإنه يكون للبائع لأن البيع باطل ، وحيث كان باطلاً فإنه يرجع إلى البائع ، وأما المشتري فله ما دفعه ثمناً .
قوله [ وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة أو اشتد الحب جاز بيعه مطلقاً ]
فإذا بدا صلاح الثمرة واشتد الحب جاز بيعه مطلقاً ، ودليل ذلك ما تقدم من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، ومفهومه جواز بيعها بعد بدو صلاحها ، ولأن الأصل في البيوع الحل .
قوله [ وبشرط التبقية ]
إذا قال بعد بدو صلاح الثمر أشتري منك هذا الثمر بشرط أن يبقى حتى يكمل صلاحه حتى يجذ في الأوان المناسب له ، فهذا جائز ، والمسلمون على شروطهم ، وقد تقدم أن البستان إذا بدا الصلاح في نخلة من نخلاته فيجوز بيع ثمره كله ، ولا شك أن المشتري يحتاج إلى إبقاء الثمر في النخيل التي لم يبدُ صلاح ثمرتها بعد ، وربما أيضاً احتاج إلى تبقية ما بدا صلاحه من الثمر حتى يكون نضجه أتم وأحسن ، وهذا كله جائز ، والمسلمون على شروطهم .
قوله [ وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ ]
فللمشتري التبقية إلى الحصاد والجذاذ وإن لم يشترط ذلك لجريان العادة بذلك ، والشرط العرفي كالشرط اللفظي ، وله أن يبيعه كذلك لثبوت القبض ، فإن التخلية كما تقدم قبض .
قوله [ ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل ]
إذا اشترى منها الثمر واشترط تبقيته أو أبقاه إلى أوان الحصاد والجذاذ فإن السقيا واجبة على البائع لجريان العرف بهذا ، لكن لو اشترط البائع أن السقيا تكون على المشتري فالمسلمون على شروطهم .
وقوله ( وإن تضرر الأصل ) أي بالسقي .
قوله [ وإن تلفت بآفة سماوية رجع على البائع ]
إذا أصابت الثمر بعد بيعه آفة سماوية كَبَردٍ ونحوه فذلك من ضمان البائع لا المشتري ، والمسألة فيها قولان :
القول الأول : أن هذا من ضمان البائع ، كما هو مقرر في المذهب ، وهو مذهب المالكية .
القول الثاني : أنه من ضمان المشتري لأنه قد تم البيع ، وقد أقبضه المبيع ، فكان من ضمان المشتري ، وهذا هو مذهب الشافعية .
والصحيح هو القول الأول لدلالة السنة عليه ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق ) وفي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( أمر بوضع الجوائح ) ولذا قال المؤلف : وإذا تلفت بآفة سماوية رجع - أي المشتري - على البائع بالثمن ، وذلك بشرط ألا يقع من المشتري تفريط ، أما لو وقع منه تفريط وتأخر بالجذاذ فخرج الوقت المعتاد للجذاذ وحصلت آفة سماوية فحينئذ الضمان على المشتري لتفريطه ، لأنه فوت على البائع الانتفاع بالثمر .
واعلم أن قول المؤلف ( وإن تلفت بآفة سماوية )يعود على الثمرة ، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة ، وأن الأمربوضع الجوائح مختص بالثمردون الزرع ،
والراجح وهو اختيار شيخ الإسلام والمجد ابن تيمية أن الزروع مقيسة على الثمار ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( أرأيت إذا منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك) ، وهذا المعنى ثابت في الزروع كما هو ثابت في الثمار ، وهذا القول هو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو مقتضى القياس الصحيح .
قوله [ وإن أتلفه آدمي خير مشترٍ بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف ]
هذا هو المشهور من المذهب ، والقول الثاني في المذهب وهو اختيار أبي الخطاب من الحنابلة أن التلف الحاصل بغير آفة سماوية يكون الضمان فيه على المشتري وهو الراجح ، وذلك لأن الآفة السماوية لا يمكن للمشتري أن يرجع على أحد بثمنه ، فحينئذ يكون ذلك أكلاً للمال بالباطل ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :( بم تستحل مال أخيك) ، وقد سبق أن هذا إذا لم يكن هناك تفريط من المشتري .
أما ذا كانت الآفة غير سماوية فإن البيع قد لزم والمشتري يمكنه أن يتدارك حقه بالرجوع إلى المتلف ، فحينئذ نبقى على الأصل في الضمان ، وأن الضمان يبقى على المشتري عند القبض ، وقد تقدم أن البائع إذا باع الثمر وخلى بينه وبين المشتري فإن الضمان يكون على المشتري ، وإنما استثنت الشريعة الجوائح للمعنى المتقدم ،
وقال بعض الحنابلة : إن ما قد يحدثه سارق أو لص أو عسكر أو نحو ذلك هذا يشبه الآفة السماوية فانه يلحق بها ، وهذا أيضاً راجح ، فالصحيح أن التلف إذا كان من آدمي يمكن الرجوع عليه فإن الضمان على المشتري ، أما إذا كان من آدمي لا يمكن الرجوع عليه كالسارق والعسكر ونحوهما فهذا يشبه الآفة السماوية وعليه فيكون من ضمان البائع .
قوله [ وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ]
فإذا صلح في الشجرة بعضها فهذا الصلاح للشجرة كلها ، وعلى هذا فيجوز أن يبيعها ، وقد تقدم ذكر اتفاق أهل العلم عن ذلك .
قوله [ ولسائر النوع الذي في البستان ]
فإذا صلح بعض الشجر من النوع فإن سائر النوع قد بدا صلاحه فيجوز بيعه لأن النوع الواحد عادة يبدو صلاحه في وقت واحد غالباً، كما هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية، ثم إن الانتظار حتى يتم النظر الى كل نخلة من هذا النوع فيه حرج ومشقه ، وتقدم الكلام على هذه المسألة .
قوله [ وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تَحْمَرَّ أو تَصْفَرّ وفي العنب أن يَتْموَّه حلواً ]
قوله ( أن يتموه حلوا ) أي أن يلين ويكون كالوعاء اللين المملوء ماء .
قوله [ وفي بقيةالثمرأن يبدو فيه النضج ويطيب أكله ]
وقد تقدم الكلام على هذا .
قوله [ ومن باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المشتري ]
لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( من ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ) فإذا اشترطه المشتري فقال : اشتريت العبد وماله ، فإنه يكون له .
قوله: [ فإن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط البيع وإلا فلا ]
إذا اشترى رجل عبداً ومعه مال ، واشترط هذا المال وكان هذا المال هو مقصود المشتري بالبيع أي له قصد فيه فحينئذ لا بد من توفر شروط البيع ومنها العلم ، فإذا كان مجهولاً لا يدري ما هو المال الذي مع العبد فلا يصح البيع ، وهكذا سائر شروط البيع .
وقوله: ( وإلا فلا ) أي وإلا يقصد المال الذي معه فلا يشترط شروط البيع ، وذلك للقاعدة الشرعية :(( يثبت تبعاً مالا يثبت استقلالاً)) ، كما إذا باع الشجر وعليه ثمر لم يبدُ صلاحه فالبيع جائز ، لأنه يثبت تبعاً مالا يثبت استقلالاً ، وهاهنا باع عبداً وله مال ، والمال مجهول وهو غير مقصود فالبيع صحيح لما تقدم .
قوله [ وثياب الجَمَال للبائع ، والعادة للمشتري ]
من باع عبداً فثياب الجمال أي التي تكون على العبد من ثياب الزينة ونحوها فإنها للبائع ، وذلك لأن العادة لم تجر ببيعها معه ، فإذا باع عبداً وعليه حلي من فضة وثياب جميلة تعد زينة فهذا كله للبائع ، وأما ثياب العادة كثياب المهنة والخدمة التي تكون عليه وما يلبسه لستر العورة مما هو معتاد فهذا يدخل في البيع لجريان العادة ببيعه ، ومثله لو باع سيارة وفيها أشياء معتادة يتسامح بمثلها فتدخل في البيع ، وإلا فلا .
والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم