بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
باب السَلَم
السَلَم والسَلَف مترادفان ، فالسلم لغة حجازية والسلف لغة عراقية ، وسمي السلم سلماً لتسليم الثمن في مجلس العقد ، وسمي سلفاً لتقديم الثمن على المثمن ، ففيه معنى السلف ، والسلم عرفه المؤلف بقوله :
قوله [ عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد ]
كأن يقول : أبيع عليك كذا وكذا صاعاً من البر ، وصفته كذا وكذا - أي من جيده أو رديئه ونحو ذلك - بألف ريال حاضرة الآن ، فهنا قد باع موصوفاً في الذمة مؤجلاً بثمن مقبوض في مجلس العقد . ولك أن تقول : هو تعجيل الثمن وتأخير المثمن ، والمُسِلم - بكسر اللام - هو دافع الثمن ، وهو في الغالب التاجر ، والمُسَلم إليه - بفتح اللام - هو صاحب الحاجة ، وهو دافع السلعة ، وغالباً ما يكون صاحب حاجة ، فإن السلم من بديلات الربا ، والمُسَلم فيه - بفتح اللام - هي السلعة المؤجلة الموصوفة في الذمة .
قوله [ ويصح بألفاظ البيع والسلم والسلف ]
يصح بألفاظ البيع - كل لفظ من ألفاظ البيع - ، فلو قال : بعتك مائة صاع من البر إلى سنة بمائة دينار حاضرة ، فهذا يعتبر سلماً ، لأن السلم من أنواع البيع ، فيصح بأي لفظ من ألفاظ البيع ، وقد تقدمت ألفاظ البيع ، فلو قال : بعت أو اشتريت أو نحو ذلك صح ، ويصح أيضاً بلفظ السلم ، كأن يقول : أسلمتك مائة ريال في هذا المجلس على أن تعطيني كذا صاعاً من البر إلى سنة ، ويصح بلفظ السلف كأن يقول أسلفك كذا وكذا من الدنانير على أن تعطيني مائة صاع من البر إلى سنة .
قوله [ بشروط سبعة ]
وهذه الشروط سوى شروط البيع التي تقدم ذكرها .
قوله [ أحدها : انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع ]
الصواب أن يقول : من مكيل وموزون ومذروع ، أو كمكيل وموزون ومذروع .
فالشرط في المُسَلم فيه وهي السلعة أن تكون مما تنضبط صفاتها ، من مكيل كالبر ، أو موزون كالحديد مثلاً ، أو مذروع كالقماش ، فهذه تنضبط صفاتها ، أما إذا كانت لا تنضبط صفاتها ، فهذا لا يجوز السلم فيه ، لأنه يفضي إلى المنازعة ، وما يفضي إلى المنازعة فهو ممنوع شرعاً .
قوله [ وأما المعدود المختلف كالفواكه ]
الفواكه معدودة ، وتتفاوت تفاوتاً ظاهراً يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً .
قوله [ والبقول ]
أي من الخضروات ونحوها كذلك ، فالبقول مما يباع جزافاً فهو كذلك ، لأنه يتفاوت تفاوتاً ظاهراً يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً ، ولو قالوا : تعد بالحزمة ونحوها فإن الحزمة تختلف عن بعضها البعض اختلافاً ظاهراً ، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة .
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن ذلك جائز ، وأنه يوزن وزناً ، وهذا هو الراجح ، فإنه إذا وصف الفاكهة أو البقول ثم اتفقا على الوزن فإن ذلك جائز ، ثم أيضاً الحزم ونحوها أو الفواكه وإن اختلفت فإن هذا الاختلاف يسير وهو معفو عنه دفعاً للحرج والمشقة ، فالذي يظهر أن مثل هذا التفاوت اليسير لا بأس به ، ودليل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيما ثبت عنه في الصحيحين :( من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) وفي رواية البخاري :( من أسلف في شيء ) وهي لفظة عامة تدخل فيها الفواكه والبقول وغيرها .
قوله [ والجلود ]
فالجلود لا يجوز فيها السلم ، لأنه يحصل فيها التفاوت ، وذلك لأن أطرفها تتفاوت ، فإن أطرافها ليست منضبطة
كالقماش ونحوه ، بل هي متفاوتة ، ولذا لايصح السلم فيها .
قوله [ والرؤوس ]
أي رؤوس الحيوانات كذلك ، لأنه يقع فيها التفاوت .
ومذهب مالك وهو رواية عن أحمد أن هذا يجوز فيه السلم ، وذلك لأن مثل هذا التفاوت في الحقيقة تفاوت معلوم لا تقع بمثله المنازعة ، فهو تفاوت يسير .
قوله [ والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط كالقماقم ]
القماقم : جمع قُمقُم ، وهو ما يسخن به الماء ، فهذا كذلك لا يجوز فيه السلم .
والوجه الثاني في المذهب أنه يجوز ، لأن التفاوت في الحقيقة تفاوت يسير ، ولأنه يمكن أن ينضبط في الوصف .
قوله [ والأسطال الضيقة الرؤوس والجواهر ]
فالجواهر لا يجوز فيها السلم ، لأنها تختلف اختلافاً ظاهراً وتتفاوت تفاوتاً بيناً ، وذلك في شكلها وعددها وصفتها وضوئها ونحو ذلك .
وعن الإمام أحمد أن السلم في الجواهر جائز ، ومرجع هذا ما تقدم : فإذا أمكن ضبطها فإنه لا إشكال في جواز السلم فيها ، وتدخل في عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( من أسلف فليسلف في شيء معلوم ) ، ومرجع هذا إلى أهل الخبرة بالجواهر ، فإذا كانت الجواهر يمكن أن تنضبط ولا يقع النزاع في السلم فيها فلا مانع منه .
قوله [ والحامل من الحيوان ]
فالحامل من الحيوان لا يجوز السلم فيه ، فلا يجوز أن يقول مثلاً : اشتريت منك ناقة حامل إلى كذا وكذا بكذامن المال ، قالوا : لأن الحمل مجهول غير متحقق ، فقد تلد وقد لا تلد .
والرواية الثانية عن الإمام أحمد أن السلم في الحيوان الحامل جائز ، وهذا هو الراجح ، وذلك لأن السلم بيع ، وكما جاز بيع الناقة أو الشاة أو غيرها وهي حامل مع الجهالة ، فكذلك هنا ، لأنه ثابت تبعاً ، ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً ، والأصل معلوم فلا عبرة بجهالة الحمل .
قوله [ وكل مغشوش ]
كاللبن المشوب ، والجواهر المشوبة ، ونحو ذلك ، فهذا لا يجوز السلم فيه ، وهذا ظاهر ، فإن وجود الغش فيه يجعله غير منضبط ، وليس المقصود الغش الممنوع ، وإنما المقصود أنه مشوب فيه شيء ، أي أن تكون العين غير خالصة ، بل قد أضيف إليها شيء آخر ، فهذا لا ينضبط ويقع الخلاف في مثله .
لكن لو ثبت لنا أنه يخلط به غيره بطريقة ثابتة في العرف متميزة ظاهرة فحينئذ لا يقال : إن هناك ما يمنع ، فلو أسلم في لبن مشوب ، وكان العرف يقضي بقدرمعين محدد يكون من الخلط ، فإنه لا مانع من السلم فيه للقاعدة العامة .
قوله [ وما يجمع أخلاطاً غير متميزة كالغالية والمعاجين فلا يصح السلم فيه ]
أي يجمع أخلاطاً غير متميزة ، والغالية : هي أخلاط الطيب ، فإن هذا لا يجوز السلم فيه لعدم الانضباط .
والذي يظهر أنها تكون معلومة ، لأن أهل الخبرة يعرفونها إذا كانت الأخلاط على أقدار محددة معينة بحيث يتميز بعضها عن بعض ، وحينئذ يجوز السلم فيها .
وعلى العموم فهذا داخل تحت القاعدة العامة أنه إن أمكن ضبطها فلا مانع من السلم فيها وإلا فلا ، وكذلك المعاجين كالأدوية التي تكون من المعاجين .
والذي يظهر أن تلك المعاجين يعرفها أيضاً أهل الخبرة ، فيميزون بينها وبين أخلاطها .
قوله [ ويصح في الحيوان ]
يصح السلم في الحيوان ، وقد صح هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأن يأخذ من الرجل مدراً من الدراهم على أن يعطيه مائة شاة أو نحوها ، فهذا جائز ، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( استسلف من رجل بَكْرا ) فهذا جائز للحديث ، ولأن الحيوان مما ينضبط .
قوله [ والثياب المنسوجة من نوعين ]
إذا كانت الثياب منسوجة من نوعين فيجوز السلم فيها ، كأن ينسج من القطن والكتان ، فهذا جائز لأنها متميزة ، ولا يظهر أن هناك فرقاً بين ما تقدم المنع منه في المعاجين والغالية ، وبين ما يكون من هذا النسيج الذي يكون من القطن والكتان .
قوله [ وما ِخلْطه غير مقصود كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها ]
وما ِخْلطه غير مقصود كالجبن فإن فيه الأنفحة ، وهي غير مقصودة ، وكذلك خل التمر ، فالتمر فيه خل ، وهذا الخل غير مقصود ، وكذلك السكنجبين ، وهي كلمة فارسية وهي سكر فيه خل ، ونحوها كالخبز وفيه ملح ، فالملح في الخبز والخل في السكر والخل في التمر والأنفحة في الجبن هذه غير مقصودة فيصح السلم فيها .
قوله [ الثاني : ذكر الجنس والنوع ]
فيقول : من التمر مما نوعه كذا كالعجوة ونحوها .
قوله [ وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً ]
فلا بد أن يذكر له كل وصف يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً ، وليس أي اختلاف يذكر ، فاليسير لا يذكر .
قوله [ وحداثته وقدمه ]
كذلك حداثته وقدمه ، فإن الحداثه والقدم يتفاوت بهما الثمن تفاوتاً ظاهراً .
قوله [ ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود ]
فلا يصح أن يقول : بشرط الأجود أو الأردأ ،قالوا : لأنه ما من جيد إلا هناك ما هو أجود منه ، ومامن رديء إلا هناك ما هو أردأ منه .
وقال الموفق : بل شرط الأردأ يجوز، لأنه يمكن أن يعطيه ما هو خير منه وأجود منه ، فحينئذ لا إشكال ، وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي إن العادة في مثل هذه الألفاظ أن مراده أجود ما يكون معروفاً عندهم ، أو أردأ ما يكون عندهم ، وحينئذ فيحمل على العرف فلا مانع من تصحيح هذا الوصف وحمله على العرف ، ولا شك أنه في التمر ما يسمى في عرفنا أجود ، وكذلك أردأ ، وقد تقدم أن ألفاظ المتعاقدين تحمل على العادة والعرف ، فالأظهر أن مراده بالأجود والأردأ ما هو معروف عند المتعاقدين ، فيكون ذلك ظاهراً ، أما إن ترتب عليه منازعة أو نحو ذلك فلم يكن متميزاً فإنه يمنع منه درءاً للمنازعة كما سبق .
قوله [ بل جيد ورديء ]
فإذا قال : جيد ، ورديء ، فهذا جائز .
قوله [ فإن جاء بما شرط ]
فإن جاء بما شرط فقد أوفى بما عليه ، وحينئذ فيجب على المسلم أن يقبله .
قوله [ أو أجود منه من نوعه ]
كذلك يجب عليه أن يقبله إن أتاه بما هو أفضل ، إذ امتناعه عن القبول عناد ومكابرة فلا يكون مقبولا .
قوله [ ولو قَبْل محله ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه ]
فإذا أتاه به قبل الوقت المتعاقد عليه ، كأن يقول إلى سنة فيأتيه به بعد ستة أشهر ، فحينئذ يجب عليه القبول ، لأن هذا أفضل وأولى بالقبول ، لكن بقيد وهو : ألا يكون في قبضه عليه ضرر ، فإن كان في قبضه ضرر كأن تكون من الفاكهة أو الأطعمة التي تفسد ، ولا يستطيع أن يتصرف بها إلا في الموعد المحدد ، أو أن يكون في موضع يخشى على ماله فيه ، أو نحو ذلك فلا يلزمه القبول ، لأنه لاضرر ولاضرار .
قوله [ الثالث : ذكر قدره بكيل أو وزن أو ذرع يعلم ]
وهذا هو الشرط الثالث ، ودليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) ، ولأن الوزن المجهول والكيل المجهول والذرع المجهول فيه غرر لأنه من بيوع الجهالة ، وقد تقدم النهي عن بيع ما يجهل ، وأن الشرط في الثمن والمثمن أن يكونا معلومين ، وعليه فلو كان الوزن غير معلوم كأن يتفقا على وزن ما ، أو على كيل ما ، أو على ذرع ما ، من غير أن يكون معلوماً فلا يصح ، فالشرط أن يكون معلوماً أو متعارفاً عليه ، أي معلوم بالعرف أن المكيلات تكال بالصاع الذي قدره كذا ، والموزونات توزن بالوزن الذي قدره كذا ، ونحو ذلك من العرف ، وهذا الشرط هو محل اتفاق بين العلماء .
قوله [ وإن أسلم في المكيل وزناً أو في الموزون كيلاً لم يصح ]
فالبر مثلاً يكال ، فإن كان السلم فيه بالوزن أي بالكيلو مثلاً أو بالطن لم يصح ، وكذلك السكر مثلا فإنه يوزن ، فإذا أسلم فيه بالكيل لم يصح ، وكذلك المذروع ، وهذا مذهب جمهور العلماء ، قالوا : لأنه قد قُدِّر بغير مقياسه الأصلي فلم يصح ، فالمكيلات تكال ، والموزونات توزن ، والمذروعات تذرع وهنا قد اختل ذلك فلم يصح بيعها سلماً .
وقال الشافعية وهو رواية عن أحمد واختار ذلك الموفق ابن قدامة أن ذلك جائز ، لأن المقصود هو معرفة قدره ، وهذا حاصل بالوزن في المكيلات ، وبالكيل في الموزونات ، وبالوزن في المذروعات ، وهذا القول هو الراجح .
قوله [ الرابع : ذكر أجل معلوم له وقع في الثمن ]
هذا هو الشرط الرابع ، وهو أن يذكر أجلاً معلوماً ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( إلى أجل معلوم ) ، والأجل إذا لم يكن معلوماً فهو مجهول ، والجهالة غرر ، فلا بد وأن يكون معلوماً وأن يكون له وقع في الثمن ، فإن كان الأجل لا وقع له في الثمن كاليوم واليومين والثلاثة ونحو ذلك فلا يجوز السلم ، فلو قال : أسلمك مائة دينار على أن تعطيني كذا وكذا صاعاً من البر غدا أو بعد غد أو مساء فهذا لا يجوز ، لأن هذا الوقت اليسير لا وقع له في الثمن ، وإنما الشهر والشهران هي التي يكون لها وقع في الثمن ، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة .
وقال الأحناف : يصح إن كان نصف يوم ، وهو الراجح ، وسيأتي ما يدل عليه .
قوله [ فلا يصح حالاً ]
فلا يصح السلم حالاً ، فلو قال : أسلمك مائة دينار على أن تعطيني ألف صاع حالة غير مؤجلة ، فهذا لا يجوز ، قالوا : لأن السلم والسلف فيهما معنى التأجيل ، فإن السلم تعجيل للثمن وتأجيل للمثمن ، وهكذا معنى السلف ، فإذا أسلم حالاً لم يصح .
وقال الشافعية وهو رواية عن أحمد يجوز ، وهو وجه عند الحنابلة ، وعليه فيكون بيعاً ، وهذا القول هو الراجح ، فهو إذا لم يكن سلماً لأن معنى السلم مفقود فيه فهو بيع ، والأصل في البيوع الحل ، وإذا ثبت هذا فإن المسألة السابقة أولى ، فإذا جاز أن يكون المسلم فيه حالاً غير مؤجل ، فأولى منه جواز تأجيله يوماً أو يومين أو ثلاثة .
* وقد اختلف أهل العلم هل السلم على خلاف القياس ، أي هو في الأصل محرم لكن الشريعة أباحته للحاجة أم أنه بيع من البيوع وليس مستثنى للحاجة ؟
قولان لأهل العلم :
1- المشهور عند الحنابلة أنه على خلاف القياس ، وأنه في الأصل ممنوع ، وإنما أجازته الشريعة للحاجة ، ولذا منعوا من الصورتين السابقتين لقوله - صلى الله عليه وسلم - :( لا تبع ما ليس عندك ) .
2- والقول الثاني أن بيع السلم بيع من البيوع ، فهو لا يخالف القياس ، وأما حديث :( لا تبع ما ليس عندك ) فإنه محمول على أحد احتمالين :
أ- المحمل الأول : أن يكون المراد به بيع العين غير المملوكة ، كأن يقول : أبيعك هذه السلعة المشار إليها بكذا وكذا ، وهي غير مملوكة له .
ب- المحمل الثاني : أن يبيع موصوفاً في الذمة غير موثوق بتسليمه ، بل يمكن أن يُسلَّم ويمكن ألا يُسلَّم ، فهذا لا يجوز لأن من شروط البيع القدرة على التسليم .
ولا شك أن الأصل في أحكام الشريعة أنها عزيمة لا رخصة ، فالأصل في الأحكام أنه لا تخالف القياس ، وهذا ما قرره ابن القيم في أعلام الموقعين ، وهو اختيار شيخ الإسلام ، فالصحيح أن السلم بيع من البيوع ، ولا شك أن كثيرا من تفصيلات الفقهاء في هذا الباب مبنية على أصلهم وهو أن السلم يخالف القياس فيشترط فيه ما لا يشترط في البيع ، والصحيح ما تقدم ، لأن الشريعة لم تنه عن بيع الموصوف في الذمة الذي هو موثوق من تسليمه غالباً ، ومن ذلك بيع السلم .
قوله [ ولا إلى الحصاد والجذاذ ]
لو قال له : أبيعك أو أُسْلمك أو أُسْلفك مائة ألف ريال الآن على أن تعطيني كذا طناً من البر إلى الحصاد أو الجذاذ أو نحو ذلك مما هو معروف عند الناس عادة فلا يصح ، وهذا هو المشهور من المذهب ، قالوا : لأنه يختلف .
وقال المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد أن ذلك جائز وهو القول الراجح ، وذلك لأنه معلوم في العادة ، والتفاوت اليسير لا يؤثر ، فالتفاوت اليسير كالأيام والأسبوع لا يؤثر ، والحاجة داعية إلى ذلك ، وهكذا لو قال إلى أن تصرف لنا الدولة أو نحو ذلك فالمذهب أن ذلك لا يجوز ، والصحيح جوازه لما تقدم .
قوله [ ولا إلى يوم إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ونحوهما ]
لا يجوز السلم إلى يوم لما تقدم من أن اليوم ليس له وقع في الثمن ، وتقدم أن هذا القول مرجوح ، واستثنى المؤلف فقال : إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ، كأن يعطي البقال مالاً ويأخذ منه مدة شهر أو سنة حتى ينفد هذا المال ، فهذا سلم لأنه قدم الثمن وأجل المثمن ، قالوا : هذا يجوز إذا كان يأخذ منه على هيئة أقساط لأن الحاجة داعية إلى ذلك ، وتقدم أن أصل هذه المسألة جائز ، وإن لم يكن هذا مما يؤخذ كل يوم .
قوله [ الخامس : أن يوجد غالبا في مَحِله ]
أي في أجله ، وهذا هو الشرط الخامس ، وهو أن يؤخذ غالباً في مَحِله ، فإذا اتفقا على أن يسلمه المُسلَم فيه - أي السلعة - إلى سنة في الشتاء ، وكانت هذه السلعة لا تؤجذ في الشتاء إلا نادراً ووجودها إنما يكون في الصيف كبعض الفواكه فهذا لا يجوز ، وكذا العكس ، وهذا باتفاق العلماء كما حكى هذا الموفق ابن قدامة وغيره ، وذلك لأنه غير مقدور على تسليمه حينئذ ، ومن شروط البيع القدرة على التسليم .
قوله [ ومكان الوفاء ]
هذه اللفظة من المؤلف مراده فيها إذا باع ثمر بستان بعينه ونحوه فإن هذا لا يجوز ، وذلك لأن هذا الثمر قد يتلف ، فإذا قال مثلاً : أسلمك مائة ألف ريال ، على أن تعطيني قمح بستانك الفلاني هذه السنة ، فلا يجوز هذا ، وذلك لما تقدم من أنه قد يتلف فيكون في ذلك غرراً ، وهذا باتفاق العلماء .
وعن الإمام أحمد أن ذلك جائز عند بدو الصلاح واختاره طائفة من الحنابلة وهو الراجح ، لأن السلم بيع من البيوع ، وبيع الثمر وقد بدا صلاحه جائز ، فقد أمن الآفة غالباً ، فعلى هذا إذا باعه ثمرة بستان معين سلماً ففي المسألة تفصيل وقد سبق .
وكلمة ( مكان الوفاء ) مراد المؤلف منها ما تقدم ، كما بين ذلك الشارح ، ولكن هذه اللفظة لا يفهم منها هذا المراد ، فهذه اللفظة فيها خطأ ، ولفظة ( مكان الوفاء ) سيأتي الكلام على المسألة المتعلقة بها .
قوله [ لا وقت العقد ]
فلا يشترط أن يكون المسلم فيه موجوداً في وقت العقد ، وهذا ظاهر ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشترطه ولا معنى لاشتراطه ، فمثلاً الفاكهة الفلانية نضجها في الصيف ، فاتفقا في الشتاء على السلم فذلك جائز ، لأن هذا وقت عقد لا وقت وفاء .
قوله [ فإن تعذر أو بعضه فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه ]
إذا تعذر المُسلَم فيه ، كأن يعطيه عشرة آلاف درهم على أن يعطيه إلى سنة كذا وكذا صاعاً من الرطب ، فكان الآخر قد حصلت له آفة سماوية فلم يمكنه أن يعطيه رطباً ، فحينئذ قد تعذر كله ، وكذلك إذا تعذر بعضه كأن يتفقا على مائة صاع ، ولم يُنتج بستانه إلا خمسين صاعاً ، فله أن يصبر فمتى قدر المُسلَم إليه فإنه يعطيه حقه سواء كان هذا من هذه السنة أو من السنة الثانية ، وله الفسخ أيضاً ، وحينئذ إما أن يكون الفسخ للكل أو للبعض ، فإن كان قد أسلمه بعض الثمرة فالفسخ يكون للبعض ، وإن كان لم يسلمه شيئاً منها فإن الفسخ يكون للكل ، فليست ( أو ) هنا للتخيير وإنما هي للتنويع .
قوله ( ويأخذ الثمن الموجود ) فإذا كان الثمن موجوداً فإنه يأخذه ، ( أو عوضه ) فيأخذ عوضه إن لم يكن الثمن موجوداً ، فمثلاً اتفقا على أن يدفع له مائة ألفاً ويعطيه الآخر بعد سنة كذا طناً من القمح ، ثم تعذر عليه الكل ، ولم يشأ المُسِلم الصبر وشاء الفسخ ، فيقال : هل الثمن موجود ، فإن كان موجوداً أخذه ، وإن لم يكن موجوداً أخذ عوضه ، فإن كان مثلياً أخذ مثله ، وإن كان غير مثلي أخذ قيمته ، لأنه قد يكون السلم على غير الدراهم ونحوها ، فقد يسلم على كذا وكذا من الشياة ، فحينئذ يعطيه مثلها ، وإن لم تكن مثلية فإنه يعطيه قيمتها ، ويأتي إيضاح هذا في باب ضمان المتلفات .
قوله [ والسادس : أن يقبض الثمن تاماً ]
فالشرط السادس أن يقبض الثمن تاماً قبل التفرق ، فمثلاً اتفقا على ألف ريال بكذا صاع من البر إلى سنة فلا بد أن يأخذ المُسلَم إليه دراهمه في المجلس قبل أن يتفرقا ، وهذا هو مذهب الجمهور ، قالوا : لأن السلم والسلف لا يثبت إلا بهذا ، فإن السلم تسليم الثمن والسلف تقديم الثمن ، فإن لم يتقدم الثمن ولم يسلم في مجلس العقد فإنه لا يكون سلماً ولا سلفاً.
قوله [ معلوما قدره ووصفه ]
هذا ظاهر ، وقد تقدم أن من شروط البيع أن يكون الثمن معلوماً ، فإن كان الثمن مجهولاً فهذا بيع غرر ، وقد نهى الشارع عن الغرر .
قوله [ قبل التفرق ]
تقدم الكلام على هذا .
قوله [ وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه ]
إن كان قد قبض بعضه فيصح في المقابل له ، ويبطل فيما عداه .
قوله [ وإن أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه صح ]
صورة هذه : قال أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني مائة طن من القمح ، فقال الآخر : نعم بشرط أن تكون خمسين طناً في أول الحصاد ، وخمسين طناً في آخر الحصاد ، أو خمسين طناً في شهر كذا وخمسين طناً في شهر كذا فهذا جائز ، وعكسه كذلك : أي كانا جنسين ولهما أجل واحد ، وصورته أن يقول : أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني خمسين طناً من القمح وخمسين طناً من الشعير إلى سنة ، فهنا أسلف في جنسين إلى أجل واحد ، وهذا جائز .
قوله [ إن بَيَّن كل جنس وثمنه ]
إذا كان الجنسان لهما أجل واحد ، فلا بد أن يبين قدر كل جنس وأن يبين ثمنه ، وقوله (إن بَيَّن كل جنس ) هنا حذف ، والتقدير : إن بين قدر كل جنس ، كما تقدم في المثال السابق ، لأنه إن لم يبين قدر كل جنس فإنه يقع في بيع الجهالة ، فقد يكون تسعين طناً من الشعير ، وعشرة أطنان من القمح ، وقد يكون العكس ، وهذه جهالة .
وقوله ( وثمنه ) أي كذلك لا بد أن يبين ثمن كل جنس ، فيقول : خمسين طناً من القمح بكذا ، وخمسين طناً من الشعير بكذا ، فإنه قد يقع فسخ كما تقدم ، فقد يعجز أن يعطيه ما وعده به فيكون الفسخ حينئذ ، فإذا لم يبين ثمن كل جنس وقع في الجهالة عند الفسخ .
قوله [ وقسط كل أجل ]
إذا كان الجنس له أجلان ، فإذا قال : أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني مائة طن من القمح على قسمين الأول في شهر كذا ، و الثاني في شهر كذا ، ولم يبين نصيب كل شهر من الأطنان ، فهذا فيه جهالة ، فقد يعطيه خمسة أطنان في الشهر الأول ، ويدخر خمسة وتسعين طناً في الشهر الثاني فيقع حينئذ نزاع وجهالة ، فلا بد من أن يبين فيقول مثلاً : في الشهر الأول أعطيك خمسين طناً ، وفي الشهر الثاني أعطيك ثلاثين أو نحو ذلك .
قوله [ السابع : أن يسلم في الذمة فلا يصح في عين ]
فلو قال : أعطني مائة ألف ريال على أن أعطيك داري هذه إلى سنة ، فهذا لا يجوز .
والصحيح جوازه ويكون بيعاً بلفظ السلم ، وإذا تلف فإن عليه عوضه ، أي مثله إن كان مثلياً ، أو قيمته إن كان مقوماً ، وهو قد باع ما يملك فلا يدخل في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( لا تبع ما ليس عندك ) .
قوله [ ويجب الوفاء موضع العقد ]
هنا مسألة : وهي أين يكون الوفاء ؟ هل يأتي المسَلم إليه بالسلعة إلى المسِلم ؟ أو يأتي المسِلم إلى المسلَم إليه ليأخذ السلعة ؟ قال المؤلف : يجب الوفاء موضع العقد ، قالوا : لأن مقتضى العقد يدل على هذا ، فمقتضى العقد أن يكون محل التسليم هو محل العقد ، وهذا هو المشهور من المذهب ، والراجح أن مرجع ذلك إلى العرف ، فإذا كان عرف الناس مثلاً أن يذهب صاحب المال إلى مزرعة المسلم إليه ليأخذ الحب أو الثمر فإن الناس على عرفهم ، وكذا العكس.
قوله [ ويصح شرطه في غيره ]
فيصح أن يشترط الوفاء في موضع آخر غير موضع العقد ، والمسلمون على شرطهم .
قوله [ وإن عقدا ببر أو بحر شرطاه ]
إذا كان العقد في البر أو في البحر فحينئذ لا بد أن يشترطا موضعا للوفاء ، قالوا : لأن الموضع الذي هما فيه لا يمكن أن يوفى فيه ، فلا بد من الشرط ، وحيث قلنا إن المرجع إلى العرف فلا إشكال في هذا .
قوله [ ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ]
لا إشكال في هذا ، فقد تقدم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيع قبل القبض ، وهكذا في السلم فلا يجوز بيع المسلم فيه ، فإذا قال مثلاً أعطني مائة ألف ريال على أن أعطيك كذا طناً من القمح إلى سنة ، ثم جاء شخص إلى المشتري بعد يوم أو يومين فقال : أنا اشتري منك الأطنان التي عندك لفلان إلى سنة ، وأعطيك كذا وكذا ، فهذا لا يجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لا يضمن ، وهو لم يضمن هذا ولم يقبضه .
* لكن هل يجوز بيعه إلى المسلم إليه قبل قبضه ؟
كأن يقول : أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني مائة صاع من البر إلى سنة ، وبعد شهر أو شهرين قال المسلم إليه : أنا أريد أن تبيعني ما في ذمتي لك ، فاتفقا على شيء من الثمن فذلك جائز على الصحيح ، والمذهب لا يجوز ، والصحيح جوازه كما تقدم في اختيار شيخ الإسلام في النهي عن بيع ما لم يقبض ، وأن بيعه على بائعه جائز ، فإذا باع المسلم على المسلم إليه ما أسلم فيه فهذا جائز ، ما لم يكن فيه ربا كما تقدم ، وبشرط ألا يربح فيه ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن .
قوله [ ولا هبته ]
فلا تصح الهبة ، وظاهر كلام المؤلف أن هذا عام في المسلَم إليه وغيره ، وهذا غير مراد فالمشهور عند الحنابلة أنه إذا وهب المسلَم فيه إلى المسلَم إليه فذلك جائز ، لأن هذا إبراء لذمته ، وهذا هو الصحيح في المذهب ، والمراد هنا هبته إلى غيره ، لا هبته إلى المسلم إليه ، وقد تقدم أن شيخ الإسلام يختار أن المنهي عنه قبل القبض هو البيع فحسب ، وأما الهبة ونحوها قبل القبض فهي جائزة ، وهذا المسألة تدخل فيها إذ لا غرر في ذلك .
قوله [ والحوالة به ولا عليه ]
والحوالة به أي تصح الحوالة بدين السلم وعلى دين السلَم ، والحوالة عليه أي على المسلم فيه ، مثال الصورة الأولى : رجل أخذ مائة ألف ريال على أن يدفع مائة صاع من البر إلى سنة ، ثم قال لمن أعطاه المال أناأحيلك على فلان وأبريء ذمتي ، فقالوا : هذا لا يجوز الحوالة به ، وأيضاً لا يجوز الحوالة عليه ، ومثاله : هذا الرجل الذي دفع مائة ألف ريال على كذا طن من القمح ، هناك أحد يريد منه دين ، فقال : تأخذها من فلان قمحاً بعد سنة ، فقالوا : هذا لا يجوز ، قالوا : لأن دين السلم غير مستقر ، فقد يفسخ البيع ، وهذا ضعيف ، فإن الأصل هو عدم فسخه ، والأصل هو ثبوته ، وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد واختيار بعض الحنابلة والشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، فالصحيح أن الحوالة فيه جائزة ، وذلك لأنه دين ، فأشبه سائر الديون .
قوله [ ولا أخذ عوضه ]
فإذا قال : أعطيك مائة ألف ريال على أن تعطيني كذا طناً من القمح ، فلما جاء الوقت قال : أريد أن أعتاض عنها بكذا وكذا من الشعير ، أو قال أعتاض عنها بكذا وكذا من الدراهم ، قالوا : هذا لا يجوز ، وقد تقدم أنهم يجيزونه في غير هذه المسألة في الديون كما ثبت في حديث ابن عمر ، أما في السلم فلا يجوز عندهم ، قالوا : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كما في سنن أبي داود :( من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ) والحديث فيه عطية العوفي وهو ضعيف .
وقال الإمام مالك بل يجوز هذا وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح ، وقد تقدم أثر ابن عمررضي الله عنهما الذي روي مرفوعاً وموقوفاً والصواب وقفه .
قوله [ ولا يصح الرهن والكفيل فيه ]
هذه مبنية على المسألة السابقة ، فلا يصح الرهن لأنه بذلك يصرفه إلى غيره ، فالفائدة من الرهن أنه إذا لم يسلمه فإنه يستوفي حقه من الرهن ، وهو بذلك يكون قد صرفه إلى غيره ، والكفيل فائدته أنه يضمن ، فإذا لم يأت المسلم إليه بالمسلم فيه فإنه يدفع - أي الكفيل - من ماله للمسلم ، فحينئذ يكون قد صرفه إلى غيره ، والراجح ما تقدم من جواز العوض فيه ، فيجوز الرهن والضمان والكفالة فيه كغيره من الديون .