عدد الزوار : 162995
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
القرض
 

 

 

باب القرض

 

لغةً : القطع ، و اصطلاحاً: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله .

كأن يأخذ دراهم فينتفع بها و يرد بدلها أو يأخذ تمراً فينتفع به و يرد بدله هذا هو القرض

 

قال المؤلف رحمه الله ( وهو مندوب )

أي من المقِرض قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد و ابن ماجه وابن حبان ( ما من مسلم يقرض مسلماً مرتين إلا كان كصدقة مرة)

ومثله لو أقرض المال مرتين فهو كصدقة مرة ، فإذا أقرض مائة ألف فكما لو تصدق بخمسين ألفاً وهكذا .

 

قال المؤلف : ( وما يصح بيعه صح قرضه إلا بني آدم )

بني آدم المراد بهم الأرقاء و الإماء و العبيد . رجل قال أريد أن اقترض عبداً و أرد إليك بدله أو قال أريد أن اقترض إليك أمتك فإن ذلك لا يجوز. واختار الموفق و هو الوجه الثاني في المذهب جواز ذلك.

أما الحنابلة فقالوا لأنه لم ينقل.

 و أما الوجه الثاني فقالوا كونه لم ينقل لا يدل على المنع لأن الأصل في المعاملات الحل فلا تحتاج إلى نقل .

 و منع المالكية و الشافعية من إقراض الأمة خاصة دون العبد ، قالوا : لأنه ذريعة إلى قصد الفاحشة فهو آثم.

 

قال المؤلف : ( ويملك بقبضه )

رجل اقترض من زيد مائة ألف ريال فأنها تُملك بقبضها.

 

قال المؤلف : ( فلا يلزم رد عينه)

بل الذي يلزم رد بدله اقترض منه صاعاً من تمر فلا يلزمه رد العين بل يرد بدله.

 

 

 

قال المؤلف : ( بل يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله)

ذهب رجل إلى آخر ليقترض منه فأقرضه إلى سنة و قال هذه عشرة آلاف ريال قرض إلى سنة فيثبت في ذمته حالاً وهو مذهب الجمهور. قالوا فلو جاء من الغد وقال رد إلى حقي فإنه يلزمه الرد و لو أجله إلى سنة هذا في القرض لا في البيع. لكن لو باعه سيارة إلى سنة فهذا بيع فلا يطالبه قبل حلول الأجل.

قالوا قياساً على الصرف بجامع أن كليهما لا يجوز التفاضل فيه فالصرف لا يتأجل قالوا فكذلك القرض لا يتأجل كالصرف بجامع أن كليهما لا يجوز التفاضل فيه هذا هو مذهب الجمهور.

وقال المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن لقيم وهو وجه في المذهب : أنه يتأجل بتأجيله لقوله صلى الله عليه وسلم ( المسلمون على شروطهم) و قال تعالى ( و أوفوا بالعقود ) فيجب عليه أن يوفي بعهده.

و أما ما ذكرتموه من القياس فهو قياس مع الفارق و الفرق بين الصرف و القرض من وجهين:

الوجه الأول: أن الصرف لو لم يطالب به حالاً فإنه لا يبطل عندهم فلو أن رجلاً أقرض فلاناً كذا من المال و لم يطالب به حالاً فإنه لا يبطل وهذا فرق عندهم فإنهم يجوزون تأخير القبض في القرض و لا يجوزونه في الصرف وهذا فرق آخر و القياس مع الفارق لا يصح. فالراجح أن القرض يتأجل بتأجيله و المسلمون على شروطهم و لأنه قد اسقط حقه بالمطالبة برضاه بالتأجيل.

فإن لم يذكر أجلا ، رجل اقترض من آخر مالاً و لم يذكر أجلا فما الحكم ؟

قال المالكية وهو قول ابن القيم يجب تركها عنده حتى يستفيد منها مدةً تكفي في العادة ، رجل اقترض لغرض أن يشتري لأهله شئ من حوائج البيت فالعادة أن ترد على الراتب في نهاية الشهر فتترك إلى نهاية الشهر و هكذا.

مثال آخر : تاجر اقترض مائة ألف ريال للتجارة فإنه يردها في العادة بعد انتهاء الموسم فيحدد القاضي مدة بناءً على ما تقدم.

فإن ذكر أجلا فإنه يتأجل و لا يكون حالاً على الصحيح . والمذهب : انه له أن يطالب به حالاً.

 

قال المؤلف : ( فإن رده المقترض لزمه قبوله )

إن رده أي بعينه سليماً من العيوب لزمه قبوله مثال ذلك اقترض منه بعيراً فالواجب أن يرد مثله لأن القرض فيه رد للبدل و ليس كالعارية ترد العين ، لكن إن رده بعينه سليماً من العيوب فيلزمه قبوله.

ولواستسلف منه بكراً على أن يرد إليه بدله بعد سنة فبعد أيام رده إليه بعينه سليماً من العيوب فيلزمه أن يقبله. لكن إن نقصت قيمته عند الرد فلا يلزمه القبول .

 

قال المؤلف : ( و إن كانت مكسرة أو فلوساً فمنع السلطان المعاملة بها فله القيمة وقت القرض )

مكسرة: أي فيها تكسير وقص أي هذه الدراهم ليست استدارتها تامة بل فيها تثني وتكسير فإن كانت دراهم مكسرة ،

أو فلوسا فمنع السلطان التعامل بها فما الحكم ؟المذهب أن له القيمة وقت القرض

مثال: إذا كان هناك نقد يتعامل به الناس قيمته ريالان فمنع السلطان التعامل به وقد اقترض زيد من عمر ألفا من هذا النقد فهو يساوي عن القرض الفا ريال وبعد المنع يساوي هذا النقد ريال واحداً فقيمة القرض الآن ألف ريال ، المذهب أنه يجب أن يرد إليه عن كل فرد من هذا النقد ريالين لا ريالاً واحداً .

و القول الثاني وهو قول بعض الحنابلة أن الواجب ان يرد القيمة عند منع السلطان لأن الواجب عليه في الأصل المثل ففي ذمته المثل وإنما تلزم القيمة ونقدر المثل عند منع السلطان وهذا القول أظهر ، لكن إن كان هناك رخص كثير فسيأتي إن شاء الله.

و هكذا رخصت النقود رخصاً فاحشاً لا تجري العادة بمثله فلو أن رجلاً اقترض من شخص ألف ريال ثم لما جاء الغد رخصت العملة و أصبحت الألف لا تساوي عشر دولارات بعد أن كانت تساوي ثلاثمائة دولار ، هذا قد يحصل أي تنتكس بعض العملات فيحصل فيها رخص فهنا الواجب أن يرد المثل أو القيمة؟

ظاهر اختيار شيخ الإسلام خلافاً للمذهب : أن النقد إذا رخص فإن الواجب أن يرد القيمة ، وذلك لأنه إذا رد العملة كما اقترضها لم يرد المثل ،  فإن الألف لا تساوي الألف السابقة وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام كما في نظم للمفردات أورده صاحب الإنصاف وفي هذا القول قوة. لأنه إن ردها كما هي فإنه لم يرد المثل و الله أعلم.

 

قال المؤلف : ( ويرد المثل في المثليات والقيمة في غيرها )

كالموزونات و المكيلات فإذا اقترض منه عشر كيلو جرامات من السكر فالواجب أن يرد مثلها وهكذا في سائر المثليات ، و المثلي هو الذي له مثل فالبر له مثل لأنه مكيل و السكر له مثل لأنه موزون ، لكن إن لم يكن له مثل و إنما يقدر بالقيمة كبعض الجواهر فإنه يراعى فيها القيمة قد لا يكون لها مثل فتقوم من التجار و أهل الخبرة و يرد قيمتها.

 

قال المؤلف : ( فإن أعوز المثل فالقيمة إذن )

عند الإعواز فإن كان الشيء مثلياً فالواجب المثل ، فإذا اقترض منه بكراً فالواجب أن يرد إليه بكراً مثله. لكن إن أعوز المثل أما لبعد أو لغلاء فاحش و نحو ذلك فإنها تجب القيمة وقت الإعواز ، فلو كان الواجب أن يرد إليه عشرة آصع من الأرز لكن أصبح الأرز لا يورد لظروف سياسية فالواجب هو القيمة عند الإعواز فننظر قيمة الأرز وقت الإعواز ثم يدفع هذه القيمة إلى المقرِض، لأنه هو الوقت الذي انتقلنا فيه من المثل إلى القيمة .

 

قال المؤلف : ( ويحرم كل شرط جر نفعاً )

وقد ورد في ذلك حديث عن الحارث بن أسامة لكنه لا يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كل قرض جر نفعاً فهو ربا)

لكن الإجماع و الآثار عليه

 ومن الآثار ما ورد عند البخاري معلقاً عن عبدالله بن سلام انه قال لأبي بردة (إنك بأرض الربا فيها فاشً فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك هدية حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا)

و نحوه عن ابن عباس في البيهقي بإسناد صحيح ، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا

قال أقرضك مائة ألف ريال بشرط أن تسكنني دارك أو بشرط أن تعيرني سيارتك سنة كاملة إلى غير ذلك هذه قروض جرت نفعاً فلا تجوز وهي ربا لأنه قروض جرت نفعاً.

 

قال المؤلف : ( و إن بدء به بلا شرط ……. جاز )

رجل اقترض عشرة الاف ريال فلما أتى القضاء رد إليه إحدى عشر ألفا بلا شرط فهل يجوز ؟ قال جاز و هو كما قال ، ولذا قال جابر رضي الله عنه كما في الصحيحين (كان لي على النبي صلى الله عليه و سلم حق فقضاني وزادني) و في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فرده خياراً رباعياً وقال إن خيركم أحسنكم قضاءً) فله أن يرد لكن بلا شرط .

 و هنا إن كان المقترض يُعرف أنه يرد ويوفي القرض بزيادة فهل يجوز إقراضه ؟ و هل تؤخذ هذه الزيادة أم لا؟

الجواب : المذهب أنه لا يجوز أن يقرضه ، لأنه أقرضه وهو يريد الزيادة وهذا قرض جرَ نفعاً وكل قرضاً جر نفعاً فهوربا

والراجح الجواز و هو اختيار الموفق ابن قدامة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك و لأن هذا الذي يرد أكثر لحسن خلقه وكرمه هو أولى الناس بالقرض.

 

قال المؤلف : ( أو أعطاه أجود )

استسلف منه بكراً فرد إليه خياراً رباعياً أو أخذ منه تمراً رديئاً ورد إليه تمراً جيداً هذا جائز أيضا كما تقدم في الحديث ( إن خيركم أحسنكم قضاءً )

 

قال المؤلف : ( أو هدية بعد الوفاء جاز )

بعد أن قضاه حقه أهدى إليه هدية فهذا جائز.

 

قال المؤلف : ( وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجري عادته به لم يجز)

هناك بعد الوفاء وهنا قبل الوفاء أهدى إليه هديه تمر أو طيب فهو يريد تأخير السداد فلا يجوز لأنه قرض جر نفعاً ، لكن إن جرت عادته به كأن يكونا صديقين أو أخوين أو جارين بينهما تهادٍ سابق قد جرت عادتهما بالتهادي فيجوز ذلك وإن لم تجري العادة بالهدية فلا يجوز.لأنه قرض جر نفعاً.

 

 

قال المؤلف : ( إلا أن ينوي مكافأته)

رجل أهدى إليك هديه ولم تجري العادة بينكما بذلك وبينك وبينه حق و استحييت أن تراه و نويت أن ترد إليه هدية تقابل هديته هذا جائز.

 

قال المؤلف : ( أو احتسابه من دينه)

أي إذا نوى أن يخصمه من مبلغ القرض فذلك جائز .

كأن تكون تريد منه مائة ألف فلما أعطاك مائة ألف قلت خذ هذه مائتي ريال قيمة الطيب الذي أهديته لي هذا جائز لا بأس به.

 

قال المؤلف : ( وان اقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته وفيما لحمله مؤونة قيمته)

أقرضك دراهم هنا في حائل و أنت في مكة طالبك بها والدين أثمان فيلزمك أن تؤديه إليه مع أنه ليس مكان الوفاء لأنه لا ضرر عليك لكن إن كان لحمله مؤونة فالقيمة ، اقترضت منه بكراً قيمته ألفا ريال فطالبك في بلد آخر بالبكر لان البكر هو الذي يرد فالواجب عليك القيمة لأن لحمله مؤونة.

 

قال المؤلف : ( إن لم تكن ببلد القرض أنقص)

كذا قال رحمه الله و الصواب "أكثر" كما نبه على هذا الشارح. مثال ذلك : اقترضت منه شاة  وهو يطالبك بالمثل وتساوي الشاة في مكة خمسمائة ريال وهي في حائل إما أن تساوي أقل مثلاً أربعمائة ريال فيلزمك الآن أن تقول خذ هذه أربعمائة ريال لأنها في سوق مكة أغلى أو أن ينتظر إلى العودة إلى البلد فتشتري له شاة ، و إن كانت قيمتها في حائل مثل قيمتها في مكة فيلزمك الوفاء لأنه لا ضرر ، وكذا إن كانت قيمتها في حائل أغلى أي بستمائة ريال فإنه يلزمك الوفاء.

وهنا مسألتان ، الأولى : ما تسمى بالسفتجة: و كان الناس يحتاجون إليها في القديم ، رجل يريد أن يسافر إلى مكة و معه دراهم ويخشى أن يتعرض له قطاع الطريق أو أن تضيع منه هذه النفقة فيذهب إلى التاجر في حائل الذي له وكيل في مكة و يقول هذه عشرة آلاف ريال خذها و اكتب لي ورقه إلى وكيلك في مكة استلم منه هذه العشرة آلاف فيسافر لا نقد معه فإذا وصل مكة سلم الورقة و أخذ منه ما ذكر من الثمن هذه هي السفتجة هذا يستفيد وهذا يستفيد لأن التاجر قد يكون له نقد في مكة فبدل أن يرسل إليه من مكة يأخذه من الناس هنا  والآخر يحفظ ماله من السرقة. هذا جائز عند الحنابلة خلافاً للجمهور ما ذهب إليه الحنابلة هو الصواب فالجمهور قالوا لأنه قرض جر نفعاً ، و الجواب أن هذا القرض إنما جر نفعاً معنوياً للطرفين هذا يستفيد وهذا يستفيد و ليس نفعاً مادياً فأن المال لم يزد فلا حرج في ذلك. والحاجة داعية إلى ذلك فهذا يستفيد وهذا يستفيد .

المسألة الثانية: وهي مسألة ضع وتعجل : رجل اقترض من آخر أو اشترى منه بثمن مؤجل ثم قبل حلول الأجل قال ضع عني شيئاً و أعطيك حقك كله قبل الأجل ، أو قال التاجر أضع عنك وأعطني الثمن قبل وقته هذه مسألة ضع وتعجل ضع من الدين وتعجل الوفاء هذه المسألة لا تجوز عند جمهور العلماء في المذاهب الأربعة قالوا لأن النقص يقابل الأجل كالزيادة التي هي ربا إن كانت مقابل الأجل فكذلك النقص إن كان مقابل الأجل.

و اختار شيخ الإسلام و تلميذه وهو رواية عن الإمام احمد وهو قول في المذهب أنه جائز قالوا لأن هناك فرقاً بين النقص للأجل وبين الزيادة للأجل فالزيادة للأجل ظلم وإشغال للذمة و أما النقص مقابل تقديم الأجل فإنه فيه  إرفاقاً

 وإبراءً للذمة فلا يقاس هذا بهذا لأنه قياس مع الفارق وهذا هو الصواب. و لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في المنع ولا في الجواز وقد وردت أحاديث كلها ضعيفة. و أما الصحابة فقد ورد عن ابن عباس الجواز و ورد عن ابن عمر المنع كما في البيهقي فاختلفت أقوال الصحابة و أقوال الصحابة إذا اختلفت لم يكن قول هذا حجة على هذا بل يختار من أقاويلهم أقربها إلى الدليل ، فالراجح أن مسألة ضع وتعجل جائزة خلافاً للمذاهب الأربعة و هو رواية عن الإمام احمد وقول في مذهب الإمام أحمد أيضا واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. وعمل الناس على هذا والذي يترجح هوهذا القول .

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

 

 






حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net