بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
باب الرهن
الرهن :لغةً الدوام و الثبوت ، يقال ماء راهن أي ماء راكد و يقال نعمة راهنه أي نعمة دائمة.
واصطلاحاً هو توثيق دين بعين. كمن يشتري سلعة فيرهن عند البائع الذي لم يسلم الثمن سلعة أخرى وكمن يشترى أرضاً فيضع سيارته رهناً و هكذا ، هذا هو الرهن.
والراهن : هو المدين ، المرتهن هو : الدائن الذي أخذ الرهن لتوثيق دينه في ذمة المدين .
والرهن : هو الشيء المرهون .
قال المؤلف رحمه الله ( يصح في كل عين يجوز بيعها )
هذا هو ضابط ما يجوز رهنه في المذهب ما يجوز بيعه يجوز رهنه و ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه قالوا لأن الرهن المقصود منه استيفاء الحق عند تعذر الوفاء فيستوفى الحق من الرهن فإن كان الرهن لا يجوز بيعه لم يتمكن من استيفاء حقه ، فالمصحف مثلاً إن قلنا إنه لا يجوز بيعه كما هوالمذهب ، فإذ اقترض منه عشرين ريالاً ووضع عنده المصحف رهناً فلا يجوز لأنه لا يمكنه أن يستوفي حقه بأن يبيع الرهن ويستوفي حقه منه وعلى ذلك فلا بد أن يكون الرهن مما يجوز بيعه وعلى ذلك فهو عقد معاوضة في المذهب.
والقول الثاني في المسألة و اختاره الشيخ عبدالرحمن بن سعدي أنه ليس من باب المعاوضات بل هو من باب التوثيقات وعلى ذلك فيصح أن يكون الرهن عيناً ويصح أن يكون ديناً و يصح أن يكون منفعة وأن يكون عيناً ،كأن يقول لمن اقترض منه عشرة ريالات خذ هذا الكتاب رهناً عندك فالكتاب يجوز بيعه وهو عين وتحصل الثقة للبائع برهن هذا الكتاب .
ومثال كون الرهن ديناً ، رجل اقترض عشرة آلاف ريال ثم قال : خذ هذه الصكوك بدين لي على فلان رهناًعندك فقد وثق الدين بدين ، هنا تحصل الثقة ، مثال كون الرهن منفعة : قال خذ هذه الدار بيدك أجرها وخذ الأجرة و اجمعها عندك وهذا المال الذي جمعته يكون رهناً
وماذهب إليه الشيخ عبدالرحمن السعدي هو الراجح وذلك لأن الحق ثابت في الذمة وعلى ذلك فالرهن كالبينة وكالشهود ، وأما الحق فإنه ثابت في الذمة فلو لم يمكن استيفاء الحق من هذا الرهن فإن الحق ثابت في الذمة دونه ، فإذا تراضى المتراهنان سواءًَ كان الرهن قليلاً أو كثيراً معلوماً أو مجهولاً فإن ذلك لا حرج فيه لأن التوثيق حاصل به ، ومثال كون الرهن مجهولاً يعطيه مثلاً صرة بها دنانير و لا يدري قدرها ويقول هذه رهن عندك فسواءً كان معلوماً أو مجهولاً أو قليلاً أو كثيراً فإن ذلك لا حرج فيه و ذلك لأنه لو تلف الرهن فإن الحق ثابت دونه .
إذن المذهب أن الرهن توثيق دين بعين و الراجح أنه توثيق دين بعين أو دين أو منفعة.وعلى الراجح حقيقة الرهن إنه توثيق فكل ما تحصل به الثقة يجوز رهنه كالبطاقة الشخصيةهذا في الأصل لكن النظام في بلادنا يمنع من ذلك للمصلحة وبناءً عليه فيكون ممنوعاً.
قال المؤلف : ( حتى المكاتب )
أي حتى المكاتب يجوز رهنه لأنه يجوز بيعه وعلى ذلك فلمن تدفع الأقساط تدفع للمرتهن يحفظها فإن قضى له حقه رد هذه الأقساط له و إن لم يرد إليه حقه فإنه يستوفي حقه من هذه الأقساط.
قال المؤلف رحمه الله ( مع الحق وبعده )
يجوز أن يكون الرهن مع الحق و يجوز أن يكون بعده لا قبله ، قال أشتري منك هذه الدار بعشرة آلاف مؤجلة فيرضى ويشترط أن يرهن عنده سيارته فهذا مع الحق .
" وبعده " مثلاً في مجلس العقد أو في خيار الشرط قال أريد أن ترهنني .
و أما" قبله" فلايصح في المذهب قالوا : لأن الرهن تابع للحق فلم يصح أن يسبقه .
مثال ذلك : رجل قال لآخر أقرضني مبلغاً من المال وخذ هذه السيارة رهناً عندك ، قال : ليس عندي مال لكن الدراهم تأتي غداً فقال أقرضني غداً و خذ الرهن الآن ، فأخذ منه الرهن على أن يقرضه غداًفلايصح على المذهب و تعليلهم ضعيف. و لذا فالراجح وهو مذهب الاحناف والمالكية و اختيار أبي الخطاب من الحنابلة أنه يصح أن يكون سابقاً له لأن المقصود يحصل منه سواءً كان سابقاً أو لاحقاً فإن التوثيق يحصل به.
قال المؤلف : ( وبعده بدين ثابتً )
لابد وأن يكون الدين ثابتاً فلا يكون عُرضة للسقوط بل يكون مستقراً فإن كان عرضة للسقوط فلا يجوز أخذ الرهن عليه ، مثل دين المكاتب و كذا الصداق قبل الدخول.
و الراجح أنه جائز خلافاً للمذهب فلا يشترط أن يكون الدين ثابتاً لأن الرهن المقصود منه التوثيق فإن سقط الدين الذي في الذمة عاد الرهن إلى صاحبه.
قال المؤلف : ( ويلزم في حق الراهن فقط )
عندنا راهن وعندنا مرتهن ، الراهن هو الذي و ضع الرهن وهوالذي في ذمته الدين و المرتهن هو صاحب الحق الذي أخذ الرهن وهو الدائن فيلزم في حق الراهن فقط وعلى ذلك فهل الرهن عقد جائز أم عقد لازم ؟ الجواب : هو عقد جائز في حق المرتهن و عقد لازم في حق الراهن.
فهو عقد لازم في حق الراهن لتعلق حق المرتهن به فلا يستطيع إسقاطه وهو عقد جائز في حق المرتهن لأن الحق له فله أن يسقطه.
قال المؤلف : ( ويصح رهن المشاع )
فيصح رهن المشاع لأنه يجوز بيعه ، وماجاز بيعه جاز رهنه .
إذا كنت تملك أنت و آخر أرضاً ملكاً مشاعاً ليس بالأجزاء و إنما بالنسبة فالنصف ليس معيناً بل لكما هذه الأرض جميعاً فإنه يصح رهنه لأنه يصح بيعه على القاعدة المتقدمة.
قال المؤلف : ( و يجوز رهن المبيع غير المكيل و الموزون على ثمنه وغيره )
تقدم أنه لا يجوز بيع المكيل و الموزون قبل قبضه فلا يجوز رهنه قبل قبضه ، و إن كان غير مكيل ولا موزون فيجوز بيعه قبل قبضه في المذهب ولذا يجوز رهنه .
والراجح وهو اختيار شيخ الإسلام أن المبيع الذي لم يقبض سواءً مكيلاً أو موزوناً أو مذروعاً أو لم يكن كذلك يجوز رهنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن البيع و أما الرهن فلم ينه عنه فنهى عليه الصلاة و السلام عن بيع ما لم يُقبض.
وقوله" على ثمنه " مثاله : رجل اشترى أرضاً من آخر ثم قال هذه الأرض رهن عندك حتى أوُفيك دينك فيجوز، فلا مانع من أن تشتري السلعة و تجعلها رهناً على ثمنها.
قوله " أوغيره " كما في الأمثله السابقة .
قال المؤلف : ( و ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه )
كما تقدم في المذهب . وتقدم ذكر الراجح .
قال المؤلف : ( إلا الثمرة و الزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع )
لا يجوز بيع الثمر و الزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما إلا مع شرط القطع. لكن إن رهن الثمر الذي قد بدا صلاحه بلا شرط قطع فإنه يصح و هذا استثناء من قاعدة المذهب .
وقال الشافعية جرياً على القاعدة لا يصح ، والراجح : أنه يصح لأن التوثيق يحصل به كما تقدم .
والحنابلة استثنوا هذه المسألة لأن الثمر لو تلف فإن الحق ثابت بدونه ، وهذا يدل على قوة الترجيح المتقدم من أن كل عين أو دين أو منفعة يجوز رهنه مادام أن التوثيق حاصل بها.
فإن شرط القطع فلا إشكال في جواز الرهن لأنه يجوز البيع .
قال المؤلف : ( ولا يلزم الرهن إلا بالقبض)
إذا باع رجل داره و قال المشتريَ بلا شرطَ أرهن عندك أُرضي الفلانية و لم يحصل قبض فلا يلزم الرهن في المذهب وهو مذهب الجمهور و الله تعالى يقول [ فرهان مقبوضة ] قالوا لأن الرهن تبرع ، وقال المالكية وهو رواية عن أحمد بل قال المجد هي أشهر الروايتين و هو اختيار كثير من الحنابلة إن الرهن يلزم بلا قبض بل بمجرد العقد قالوا لقوله تعالى [ أوفوا بالعقود ] و لقوله سبحانه [ إن العهد كان مسئولاً] ولأن ذلك باب غدر و الشريعة قد أتت بسد باب الغدر .
و أما قوله تعالى [ فرهان مقبوضة ] فهذه الآية في بيان أكمل الرهن وأتمه فهي تدل على أن أتم الرهن و أكمله ما كان مقبوضاً فالآيه يخاطب الله تعالى بها أصحاب الحقوق ، فيكون الرهن الذي هو أكمل و أتم الرهن هو المقبوض كقوله تعالى [ فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان] فإن الحق يثبت برجل و امرأتين إن كان الحق مالياً فهي تعد بينة على الحق ، لكن الأكمل لك إن أردت أن تثبت حقك أن تثبته بشاهدين رجلين ، فهذا من باب الإرشاد لما يكون أكمل في توثيق الحق ، و أما قولهم إنه تبرع فهذا ضعيف فهو ليس بتبرع بل هو توثيق للحق.
فإن شرط البائع رهناً و لم يقبض فنقول هو بالخيار إما أن تُقبضه الرهن أو له الفسخ.
قال المؤلف : ( واستدامته شرط )
أي ليس الشرط فقط القبض بل أيضا استدامته شرط مثال: رجل رهن داره و أقبضها ، فهنا يلزم الرهن على المذهب ثم بعد عشر دقائق مثلاً قال الراهن أريد الرهن لحاجةٍ معينه فلما أخذ الرهن قال لن أعيد إليك الرهن فلا يلزم الرهن في هذه الحاله لأن استدامته شرط .وعلى ذلك فيكون الرهن في هذه الحالة غير لازم في حق الراهن .
.
قال المؤلف : ( فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه فإن رده إليه عاد لزومه إليه)
فإن أخذه الراهن على جهة الاختيار لا على جهة القهر زال لزومه وهذا ضعيف فما دام أنه لم يُسقط الرهن برضاه فلا يسقط ، فلو أخذه باختياره فيبقى رهناً .
قال المؤلف : ( ولا ينفذ تصرف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر)
فلا ينفذ تصرف الراهن و لا المرتهن في العين المرهونة إلا بإذن الآخر أما المرتهن فلأن الرهن ليس بملك له لأن الرهن ملك الراهن ، وأما الراهن فالرهن وثيقة عنده على الدين فليس له التصرف في الرهن لا ببيع ولا بهبة ولا بوقف و لا بغير ذلك من التصرفات ، و أما الراهن فلأن تصرفه فيه تفويت لحق المرتهن.
لكن إن انتفع به مع بقاء عينه على جهة لا يضر معها بالرهن كأن يُؤجره أو يَسْكنه فلو أن رجلاً رهن داره عند آخر فهل له أن ينتفع بها مع بقاء عينها ، ويكون هذا الإنتفاع على جهة لا تضر بهذه العين المرهونة ، كأن يؤجرها أو يسكنها هو أم لا ؟ الجواب : إن اتفقا على ذلك فلا حرج و إن لم يتفقا،
فالمذهب على المنع من ذلك إلا بإذن المرتهن.
والقول الثاني في المسألة وهو قول الشافعية : أنه يجوزأن ينتفع بهاعلى وجه لايضربالرهن فله أن ينتفع مادام أن النفع لا يضر بعينها وذلك لأن الرهن متعلق بعينها فإذا انتفع بهذه العين من غير ضرر بها فلا بأس بذلك ، وهذا هو القول الراجح ، وذلك لأن المنع من الانتفاع بها على هذه الجهة فيه إضاعة للمال و فيه تعطيل لهذه العين و من مقاصد الشرع الإنتفاع بالأشياء بإحيائها لا بتعطيلها فتركها معطلة لا ينتفع بها هذا يخالف مقصود الشارع.
وعلى ذلك فيصح الانتفاع بها على هذا الوجه بلا رضا المرتهن .
إذن المذهب لا يُجِيزُونَ للراهن أن ينتفع بالعين المرهونة بإجارة أو سكنى إلا أن يتفقا على ذلك ، و الراجح أن له أن ينتفع به بغير إذن المرتهن إذا كان هذا الإنتفاع لا يضر بهذه العين المرهونة ، لأن حق المرتهن محفوظ ببقاء العين على حالها.
و أما إصلاح الراهن للرهن ودفع الفساد عنه فهذا لا إشكال في جوازه ، لأنه في مصلحة المرتهن فكونه يسقي غرسه أو زرعه أو يصلح ما تهدم من البناء هذا في مصلحة الرهن والراهن و المرتهن جميعاً.
قال المؤلف : ( إلا عتق الراهن فإنه يصح مع الإثم وتؤخذ قيمته رهناً مكانه)
استثنى المؤلف من التصرف الممنوع العتق فإذا أعتق الراهن هذا العتق فإنه ينفذ ثم نأخذ قيمته لا ثمنه لأنه ليس هناك بيع و إنما عتق فنضعها رهناً . قالوا : لأن الشارع متشوف إلى العتق.
و القول الثاني في المسألة : وهو الصواب وهو قول للشافعي و اختيار شيخ الإسلام و الشيخ عبدالرحمن بن سعدي و هو رواية عن الإمام أحمد : أنه لا ينفذ العتق سواءً كان الراهن الذي أعتق موسراً أو كان معسراً لأن الشارع قد نهى عن ذلك ، والنهي يقتضي الفساد ، و لأن الشارع متشوف للعتق الذي ليس فيه تفويت للحق و أما العتق الذي يترتب عليه تضييع الحقوق فهذا لا يتشوف إليه الشارع ،كما أن فيه تضييعاًلحق المرتهن لأنه قد يكون الراهن معسراً فلا يأتي بالقيمة لتكون رهناً مكان العبد المعتق و قد يكون مماطلاً فسيترتب على ذلك تضييع لحق المرتهن.
قال المؤلف : ( ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ملحق به)
النماء المتصل والمنفصل والكسب وأرش الجناية كلها تتبع الرهن .
فإذا رهن عنده عشر شياه مثلاً فأنتجت فالنتاج يكون رهناً هذا نماء منفصل .
و إذا رهنه ناقةً فسمنت فإن هذه الزيادة المتصلة تتبع أيضاً هذا الرهن ، وهذا نماء متصل .
أو رهنه نخلاً فأثمرت فيكون الثمر أيضاً رهناً عنده .
كذلك أرش الجناية فإذا رهنه عبده ثم إن هذا العبد جُني عليه بجناية قيمتها عشرة آلاف ريال فيبقى العبد رهناً ويضاف إلى الرهن هذه العشرة آلاف ريال التي هي أرش الجناية ، هذا هو المذهب ، قالوا: لأن النماء سواءً كان متصلاً أو منفصلاً ، و الأرش يتبع الأصل ، فهي فروع عن هذا الأصل ،
والأصل مرهون فكانت هي مرهونة أيضاً و الفرع يتبع أصله في الحقوق.
و القول الثاني في المسألة وهومذهب الشافعية وقول في مذهب الإمام أحمد : أن النماء المنفصل و أرش الجناية لا يتبعان الرهن لأن الرهن إنما يتعلق بالعين فلا يتعلق بما هو منفصل عن هذه العين فحق الراهن محفوظ ببقاء هذه العين أما فرعها فإنه لا يتبع.أماالنماء المتصل فإنه يتبعه لأنه متصل كالسَّمن
و القول الثاني هو الراجح ، لكن أرش الجناية على الصحيح يتبع الرهن لأن أرش الجناية بدل جزء من الرهن لأن الرهن لابد و أن تنقص قيمته بسبب هذه الجناية وعليه فتكون هذه الجناية تبعاً للأصل.
إذن الراجح أن النماء المنفصل لا يتبع الرهن و أما أرش الجناية فإنه يتبع الرهن و كذا النماء المتصل يتبع الرهن.
قال المؤلف رحمه الله (و مؤونته على الراهن و كفنه كذلك و أجرة مخزنه)
المؤونة على الراهن لأن الرهن ملكه فالنفقة على المالك وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الدارقطني و غيره : (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرم) و الشاهد قوله( وعليه غرمه) وهذا الحديث روي موصولاً و مرسلاً و الصواب الإرسال لكنه من مراسيل سعيد بن المسيب و مراسيله صحيحة عند أهل العلم و على ذلك فالحديث حجة عند أهل العلم .
فالغرم يكون على صاحبه وهو الراهن فعلى ذلك النفقة تكون على الراهن ، رهن زيد عند عمرو على دين أخذه منه دوابه فنقول عليك أن تنفق على دوابك.
وكذلك كفن العبد و أجرة مخزنه إذا كان الرهن في مخزن فأُجرة المخزن على الراهن لأن هذا يتبع المِلك .
قال المؤلف : ( و هو أمانة في يد المرتهن إن تلف من غير تعد منه فلا شيء عليه)
لأن يد المرتهن يد أمانة كالمودَع عنده يعني كالأمين ،فإذا وضع ساعة عند رجل رهناً أو وضع عنده حلياً أو غير ذلك فإذا تلف هذا الرهن بغير تعد من المرتهن بالانتفاع بهذا الرهن و لم يفرط في حفظه بل وضعه في حِرزه فإنه لا شيء عليه و لا يضمن لأن يده يدُ أمانة و الأمين لا يضمن إلا إذا فرط أو تعدى.
قال المؤلف : ( و لا يسقط بهلاكه شيء من دينه )
رجل وضع عند آخر رهناً على دين استدان منه عشرة آلاف ريال و رهن عنده عشرة أطنان من القمح فحصلت لهذه الأطنان من القمح آفة سماوية فتلفت فلا يسقط الدين ، لأن الرهن لا يعدو كونه وثيقة للدين فإذا هلك الرهن فالدين باقٍ و هذا ظاهر.
قال المؤلف : ( وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين )
استدان منه عشرة آلاف ريال و رهن عنده عشرة أطنان من القمح فحصلت آفة أتلفت النصف تلف البعض فالباقي يكون رهناً وهذا أيضاً ظاهر. ولا يلزم الراهن أن يأتي بما يقابل الجزء التالف رهناًبل يكون المتبقي رهناً بجميع الدين .
قال المؤلف : ( ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين )
قال خذ هذه عشرة أطنان كما تقدم في المثال السابق رهناً على عشرة آلاف ريال ثم قضاه خمسة آلاف ريال فهل ينفك من الرهن بقدر ذلك يعني تنفك خمسة أطنان فنقول لك أن تأخذ خمسة أطنان ؟
الجواب : لا، لأنه أخذ الرهن عن الدين كله فلا ينفك هذا الرهن ، ولا بعضه حتى يقضيه الدين كله ، و هذا باتفاق العلماء وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك. لكن إن رضي المرتهن فلا إشكال في ذلك لأنه صاحب حق فله أن يسقط حقه.
قال المؤلف : ( وتجوز الزيادة فيه دون دينه)
الزيادة في الرهن جائزة ، ولا إشكال في ذلك مثلاً قال يا فلان أريد منك قرض عشرة آلاف ريال وخذ هذه الأطنان العشرة عندك و تراضيا على ذلك و أخذ القرض ثم بعد ذلك قال خذ هذه الخمسة أطنان رهناً عندك فأصبح الرهن خمسة عشر طناً ليزيد في طمأنينةالمقرِض فهذا جائز لا إشكال فيه فكأنه رأى أن الرجل نفسه غير مطمئنة فأحب أن تطمئن نفسه فوضع عنده زيادة .
" دون دينه " قال لقد وضعت عندك عشرة أطنان من القمح رهناً على عشرة آلاف ريال أريد منك خمسة آلاف ريال و الرهن نفسه هذا لا يجوز ، إذاً الرهن ثابت لكن زاد في الدين في المذهب هذا لا يجوز قالوا لأن المشغول لا يشغل فالرهن الآن مشغول بالدين السابق.
وذهب الإمام مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية و تلميذه ابن القيم و هو اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي إلى جواز ذلك قالوا لأن الرهن لا يشغل بدين على شخص آخر و أما إذا كان الدين على الشخص نفسه فلا محذور في ذلك وقد رضي و إنما المحذور في أن يكون الدين على غريم آخر. فلو رهن عند زيد داره على مائة ألف ثم أراد أن يرهنها عند بكر بمائة ألف نقول المشغول لا يشغل لأن الرهن منشغل بحق زيد فلا تشغله بحق بكر.
قال المؤلف : ( و إن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما …………………… انفك في نصيبه)
ذهب رجل إلى السوق فاشترى من صاحب الدكان بخمسين ريال و اشترى من صاحب الدكان الآخر بخمسين ريال و رهن عندهما عشرة آصع من التمر فوفى أحدهما و بقي حق الآخر فينفك من الرهن بقدر ما وفى لأنه بمنزلة عقدين.
قال المؤلف رحمه الله ( أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما أنفك في نصيبه)
في الصورة السابقه المرتهن اثنان ، وهنا الراهن اثنان أتى زيد وعمرو فاقترضا من بكر عشرة آلاف ريال لكل منهما خمسة آلاف و قالا هذه عشرة أطنان من القمح رهن عندك ثم أتى زيد وقضى ما عليه فهل له أن يأخذ خمسة أطنان من القمح مقابل الدين الذي قضاه ؟الجواب : له ذلك. لأن الرهن قد انفك في نصيبه .
قال المؤلف رحمه الله ( ومتى حل الدين و امتنع من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو لعدل في بيعه باعه ووفى الدين و إلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن ، فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفى دينه)
أي حل وقت القضاء و امتنع من أن يوفيه حقه أو ماطل أو نحو ذلك فإن كان قد قال هذه الأطنان عندك فإذا حل الموعد ولم أقضك حقك فلك أن تبيعها ، أو قال لفلان العدل هذا الرهن عندك فإن لم أوفه حقه فلك أن تبيع الرهن وتعطيه حقه فحينئذ يبيع الرهن ويستوفي حقه أو يبيع العدل الرهن ويعطي المرتهن حقه.
فإن لم يأذن له أن يبيع عند حلول الأجل فإن الحاكم - القاضي- يجبره على الوفاء أو بيع الرهن ، فيقول القاضي : إما أن توفيه أو تبيع الرهن ، فإن لم يوفِّ ولم يبع الرهن باع الحاكم الرهن ووفى دينه. فإن لم يكن هناك حاكم دفع المرتهن الرهن إلى عدل كأن يذهب إلى مدير المركز الاسلامي في تلك البلدة التي ليس فيها قاضي أو لرجل عدل مشهورٍ بالعدالة في تلك البلدة ويقول خذ الرهن و بِعْه و أعطني حقي ويستبقي للراهن حقه أي الباقي .
و يدفعه لعدل دفعاً للتهمة لأنه لو باعه هو لاتهم في البيع ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن بعض أهل العلم.
قال المؤلف رحمه الله: ( ويكون عند من اتفقا عليه )
وهذا ظاهر ،لأنه ملك للراهن وحق المرتهن متعلق به ، رهن زيد داره على دين لعمرو واتفقا على أن يكون الرهن عند بكر فلا بأس بذلك. فإن رضي كما في العادة أن يكون عند المرتهن فلا بأس ، وإلا فإنه يكون عند من اتفقا عليه .
قال المؤلف : ( و إن أذن له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد)
لأنه وكيل فلا يبيع إلا بالأحظ هل الأحظ نقد البلد أو الآخر الذي فيه كساد ؟بل الأحظ أن يبيع نقد البلد فهو وكيل والوكيل يتصرف بما هو أحظ و أصلح وهذا كالوكيل.
قال المؤلف : ( و إن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن)
هذا العدل الذي اتفقا عليه باع السيارة لمَّا حلَّ الأجل ليوفي المرتهن حقه على الدين ثم قبض الثمن ، فتلف في يده فمن ضمان الراهن لأن يده يد أمانة كالوكيل ويد الأمانة لا ضمان عليها.
قال المؤلف : ( وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره و لا بينه و لم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل )
إن ادعى هذا العدل الذي وُضِعَ الرهن عنده أنه سلم الثمن للمرتهن فأنكر ولا بينه فإنه يضمن .
قال أنا قد أعطيت الثمن للمرتهن قال بكر لقد أعطيت الثمن عمرو ، وعمرو هو المرتهن وبكر هو العدل الذي اتفقا عليه فأنكر المرتهن ، قال : أنا لم آخذ منه شيئاً فقلنا لبكر هل عندك بينه قال : لا نقول إذن الضمان عليك لأنه قد فرط ، فالواجب عليه أن يقضي الدين عن الراهن ويدفع الدين للمرتهن على جهة فيها إبراء للذمة بأن يكون ببينة كشهودٍ إذا أعطى المرتهن حقه ولم يُشهد فإن هذا ليس فيه إبراء للذمة لأن الآخر قد ينكر إذن قد فرط ، كالوكيل ، فإذا أعطى رجل آخر قال خذ هذه الدراهم أنت وكيل عني اذهب إلى فلان فاقضه الدين فذهب إلى صاحب الدين و لم يأخذ منه ورقة تثبت انه سدد هذا القسط فأنكرالدائن فالضمان على الوكيل لأنه قد فرط فلم يقضِ الحق على جهة فيها إبراء للذمة ، لكن إن كان بحضور الراهن فلا يضمن لأن المفرط هو الراهن ، ذهب جميعاً إلى السوق العدل مع الراهن و المرتهن فباع العدل السيارة و قبض الثمن وسلم الثمن أمام الراهن للمرتهن ولم تكن هناك بينة ولا شهود و أنكر المرتهن فيضمن الراهن لا العدل لأنه هو الذي فرط فلم يشهد.
قال المؤلف : ( و إن شرط إلا يبيعه إذا حل الدين ……لم يصح الشرط وحده )
قال خذ هذه السيارة رهن عندك على عشرة آلاف اقترضها منك ، لكن اشترط إن لا تبيعها إذا حل الدين فهذا الشرط لا يصح لأنه يخالف مقتضى عقد الرهن ، فمقتضى عقد الرهن أن يبيع المرتهنُ أو العدلُ أو الحاكمُ عند حلول الأجل ليوفي المرتهن حقه و إلا فما هي فائدة الرهن.
قال المؤلف : (أو إن جاءه بحقه في وقت كذا و إلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده)
قال خذ هذه الساعة رهناً إن أتيت بحقك و إلا فهذه الساعة لك ، قال المؤلف :" لم يصح الشرط وحده" و يصح عقد الرهن فنقول للمرتهن لا يكون الرهن لك لكن تبيعه ثم تستوفي حقك هذا هو مذهب جمهور العلماء و استدلوا بقوله r " لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " أي لا يخرج عن صاحبه وعلى ذلك هذا الشرط باطل.
و القول الثاني في المسألة و هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بل يصح هذا الشرط و ذلك لأن الذي نهى عنه النبي r في هذا الحديث لا( يغلق الرهن )هو من فعل أهل الجاهلية فإن الرهن يخرج من صاحبه بلا رضى بل بمقتضى عقد الرهن فبمجرد أن يقول هذا الرهن عندك إن حل الأجل و لم يأتِ فهو له ، فأبطل الشارع ما كان بمقتضى العقد وهنا هذه المسالة بمقتضى الشرط لا بمقتضى العقد .
ولأن هذا البيع بيع رضا لا بيع إكراهه وقد فعله الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقد رهن نعليه إن أتى بالحق و إلا فهي له و هذا الراجح قال ابن القيم : "وليس في المنع نص ولا إجماع ولا قياس صحيح و ليس فيه مفسدة راجحة و إنما هو بيع معلق"
قال المؤلف : ( ويقبل قول الراهن في قدر الدين و الرهن)
و القاعدة أن من كان القولُ قولَه فعليه اليمين ، اختلفا في قدر الدين ، رهن زيد عند عمرو سيارته التي تساوي عشرة آلاف ريال رهنها عنده على دين ثم اختلفا في قدر الدين الذي هو الرهن وثيقة عنه ، فالراهن يقول ما استدنت منك إلا خمسة آلاف و المرتهن يقول بل استدنت مني عشرة آلاف فما الحكم؟ فالجواب : القول قول الراهن لأنه منكر للزيادة و الآخر يقول لا عليك عشرة آلاف إذن يدعي عليه زيادة فهو منكر للزيادة وهو غارم و المنكر أو الغارم القول قوله و عليه اليمين فنقول للراهن احلف انك ما اقترضت منه إلا خمسة آلاف فإن حلف فنقول للمرتهن ليس لك إلا ذلك.
و قال المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : بل القول قول المرتهن ما لم يدعِ اكثر من قيمة الرهن ننظر كم قيمة السيارة قالوا قيمة السيارة عشرة آلاف ريال المرتهن يقول : أنا أريد منه عشرة آلاف وهو يقول : إنما يريد مني المرتهن خمسة آلاف ريال فالقول قول المرتهن لأنه يدعي قدر قيمة الرهن فأقل
لو ادعى اكثر فقال : أنا أريد منه خمسة عشر ألفا و الراهن يقول : ما يريد مني إلا عشرة آلاف ريال، والسيارة قيمتها عشرة آلاف ، فالقول قول الراهن لأنه ادعى اكثر من قيمة الرهن، وهذا القول هو الراجح وذلك للقرينة وهي أن المرتهن في الغالب لا يأخذ رهناً إلا ويكون يمكن أن يستوفي حقه منه و أن الراهن في العادة لا يبذل إلا ما يكون قدر الدين .
وعلى ذلك فلو قال الراهن أنا إنما يريد مني ألف ريال و السيارة قيمتها خمسون ألف ريال و المرتهن يقول لا بل أريد منه خمسين ألف ريال فهنا كون السيارة تساوي خمسين ألف ريال هذه قرينه على صدق المرتهن.إذن الراجح : أنه عند الاختلاف في قدر الدين ولا بينة فإن القول قول المرتهن مع يمينه مالم يعِ مبلغاً أكثر .
قال المؤلف : " الرهن" قال الراهن : أنا قد رهنتك داري التي في الحي الفلاني ، وقال المرتهن بل التي في الحي الفلاني ، هنا اختلفا في الرهن ، فالقول قول الراهن لأنه منكر ولأنه غارم ولأن الأصل براءة ذمته فنلزمه باليمين فإن حلف و إلا القول قول المرتهن.
قال المؤلف : (و رده )
الراهن يقول لم يرد إلي رهني و المرتهن يقول بل رددت إليه الرهن فالقول قول الراهن لأن الأصل انه لم يقبض فنقول للمرتهن هل عندك بينه و إلا فالقول قول منكر القبض ، وليست كالوديعة لأنها في يد المرتهن لمصلحته لحفظ حقه بخلاف الوديعة فإن المودَع لا مصلحة له ولذا لو كانت الوديعة بجُعل فإنه يضمن.
قال المؤلف : ( وفي كونه عصيراً لا خمراً)
قال الراهن رهنت عصيراً أو قال خلاً وقال المرتهن بل رهنني خمراً فالقول قول الراهن لأن الأصل السلامة مما نهى الله عنه فالأصل أنه عصير و أن معاملة المسلمين على الإباحة و على السلامة مما حرم الله U.
قال المؤلف : ( و إن أقر أنه ملك غيره أو أنه جنى ، قُبل على نفسه و حكم بإقراره بعد فكه إلا أن يصدقه المرتهن)
إن اقر انه ملك غيره ، قال أنا رهنت فلان هذه السيارة لكن السيارة ليست لي هذه لأخي أو لجاري فأقر انه ملك غيره ، أو انه جنى ، قال هذا العبد الذي وضعته عندك رهن ، قد جنى و العبد إذا جنى سُلمت رقبته أو يفديه السيد ، قُبل على نفسه نقول أنت الأن أقررت على نفسك أن هذه السيارة ليست لك ، فيقبل قوله لأنه اقر "وحُكم بإقراره بعد فكه" أي الرهن لتعلق حق المرتهن فلا نضيع عليه حقه ، إذا حل الأجل له أن يبيع ويستوفي حقه ، و صاحب السلعة التي رهنت يرجع عليك أيها الراهن إلا أن يصدقه المرتهن ، فنقول أنت قد دخلت على بصيرة وعلى ذلك الرهن يرد إلى صاحبه.
قال:فصل
قال المؤلف : (و للمرتهن أن يركب ما يُركب و يحلب ما يحُلب بقدر نفقته بلا إذن)
إن وضع زيد عند عمرو رهناً و هذا الرهن يركب كخيل مثلاً أو كان يُحلب كإبل مثلاً فللمرتهن أن يركب ما يُركب و يحلب ما يحُلب بقدر نفقته بلا إذن فلا يحتاج أن يرجع إلى الراهن و يستأذنه كما هو ظاهر الحديث ولابد أن يُراعي العدل في ذلك ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي r قال " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً و لبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" وهذا الحديث ليس فيه اشترط إذن الراهن الذي هو المالك ولكن يكون بقدر النفقة ، و مثل ذلك الأمة إذا كانت تسترضع بقدر نفقتها.
ـ وظاهر ما في المنتهى ـ أن لا يكون دين قرض لأنه إن كان دين قرض فإنه يجر نفعاً و القرض الذي يجر نفعاً ربا إذاً على ذلك لو أن رجل اقترض ووضع عند من اقترض منه نوقاً أو أبقاراً ، فأخذ ينفق عليها ويشرب من لبنها نقول هذا لا يجوز لأنه قرض جر نفعاً ، و أما مَا في الإقناع وَهو الصواب كما قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى : أن هذا في غير المركوب و المحلوب و ذلك لأن الركوب أو شرب اللبن وهو الإنتفاع هذا الإنتفاع لم يرعِ فيه الدين و إنما روعي فيه الإنفاق لأنه ليس مقابل الدين و إنما مقابل النفقة فلم يراعِ الدين و إنما روعيت النفقة.
قال المؤلف : ( إن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع و إن تعذر رجع و لو لم يستأذن الحاكم )
المراد بالرهن الرهن الذي يجب أن ينفق عليه لكونه محترماً ، كالحيوان فلو أن رجلاً عنده رهن كأن يكون عنده عبيد و إماء أو حيوانات فيجب الإنفاق عليها لأنها محترمة فإذا أنفق عليها المرتهن فلا يخلو من حالين :
الحالة الأولى : أن ينوي التبرع بهذا الإنفاق وهو لا ينتفع بها بركوب أو شرب فهذا ليس له الرجوع.
الحلة الثانية : إن كان بغير نية التبرع بل بنية الرجوع يقول : أنا إنما أنفقت على هذا الحيوان عندي له إنما أنفقت عليه بنية الرجوعِ .
فالمذهب انه لا يرجع إلا أن يتعذر استئذان الراهن و خشي عليها التلف فله الرجوع و لا يشترط أن يستأذن القاضي.
و اختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في المسألة الأخيرة أن له الرجوع وإن لم يستأذنه أي له الرجوع مطلقاً ما لم ينوِ التبرع وهو الراجح لأنه نائب عن صاحب الحق و لأنه محسن والله تعالى يقول ] ما على المحسنين من سبيل[ .
قال المؤلف : ( وكذا وديعة ودواب مستأجرة هرب ربها)
رجل وضع عند الآخر أمانة عبداً أو شياهً فأنفق عليها بنية الرجوع فإن له الرجوع على الراجح و المذهب انه لا يرجع إلا إن تعذر الإذن ، و إن نوى التبرع فعلى كلا القولين لا يرجع . كذلك دواب مستأجرة هرب ربها رجل استأجر جِمالاً ليحمل عليها ثم هرب ربها فأخذ ينفق عليها بنية الرجوع فله الرجوع إلا إذا نوى التبرع.
قال المؤلف : (و لو خرب الرهن فعَمرهُ بلا إذن رجع بآلته فقط)
في المسألة السابقة الرهن حيوان و الحيوان محترم وتجب النفقة عليه .
وهنا الدار لا يجب إصلاحها إذا تهدمت هذا الفرق بين المسألتين فهنا خرِب الرهن فعَمرهُ فنقول إن كان بإذن فله الرجوع مادام نوى الرجوع ، لكن إن كان لم يأذن له أو إن تعذر الإذن .
قال الحنابلة : رجع بآلته فقط أي لك أن ترجع بالبلك مثلاً أو الخشب أو الحديد لأنها لك لكن أجرة البناء ليس لك الرجوع . لأن هذا بيت لا تملكه فتعميره بلا استئذان وقد يكون صاحبه لا يريد عمارته .
و قال القاضي من الحنابلة : بل له الرجوع لأن فيه حفظ حقه من الرهن فالدار ملك الراهن لكن المرتهن له حق فيها فهو يريد حفظ حقه من الرهن فأصلحته و هذا قول القاضي من الحنابلة. وفصَّل ابن رجب رحمه الله ووجه صاحب الإنصاف ما قال : و انه إن كان حقه محفوظاً مع الخراب فليس له أن يصلحه وإن أصلحه فلا رجوع و لو بنية الرجوع ، لكن إن كان الخراب يضيع عليه حقه أو شيء من حقه فإن له الرجوع لأن في ذلك حفظ لحقه.