بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب الحوالة
الحوالة في اللغة : من التحول وهو الانتقال ، أما في الاصطلاح الفقهي فهي : نقل حق من ذمة إلى ذمة أخرى ، وأركان الحوالة أربعة :
1- المحيل : وهو المدين الأول ، أي من عليه دين .
2- المحتال : وهو من له دين ، أي هو صاحب الحق .
3- المحال عليه : وهو المدين الثاني ، فهو من عليه دين للأول .
4- المحال به : وهو الدين الذي في ذمة المحيل .
والأصل في الحوالة قول النبي r :( مطل الغني ظلم وإذا أبتع أحدكم على مليء فليتبع ) متفق عليه وفي وراية أحمد :( إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل ) ، وهو عقد إرفاق وذلك لما فيه من إبراء الذمم ، فهذا الذي في ذمته الحق تبرأ ذمته بنقل الحق الذي في ذمته إلى شخص آخر ، وهي استيفاء وليست ببيع ، كما يقرر هذا فقهاء الحنابلة و شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، ويدل على ذلك أن النبي r ذكر الحوالة في سياق الوفاء فقال :( مطل الغني ظلم ) فهذا فيه ما لا يجوز من الغني من مماطلة صاحب الحق ، ثم قال :( وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ) ، ويدل عليه أيضا عدم اشتراط رضى المحتال ، والبيع من شروطه الرضى ، كما قال تعالى ] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ فالحوالة استيفاء وليست بيعا .
قوله [ لا تصح إلا على دين مستقر ]
هذا هو الشرط الأول من شروط الحوالة ، أن تكون على دين مستقر ، فعليه يجب أن يكون المال المحال عليه مستقرا في ذمة المحال عليه ، مثاله : ثمن المبيع وبدل القرض ، فهما دينان مستقران في الذمة غير قابلين للسقوط في الأصل فتصح الحوالة فيه ، أما إذا كان الدين غير مستقر كدين المكاتب فهو دين غير مستقر لأنه عرضة للسقوط فللمكاتب أن يبطل العقد - أي عقد الكتابة - ويرجع قنا أو يعجز عن أداء الحق الذي عليه فيعود قنا ، وهكذا سائر الديون غير المستقرة لا يصح الحوالة عليها كالصداق قبل الدخول أو ثمن المبيع مدة الخيار ، وذلك لأن مقتضى عقد الحوالة أن يلتزم المحال عليه بالدين الذي قد أحيل عليه به ، وإذا كان الدين غير مستقر فإنه عرضة للسقوط فكيف تبرأ ذمة الأول وتتعلق به ذمة الثاني والدين غير مستقر فحينئذ يكون قد التزم والدين ليس بلازم .
قوله [ ولا يعتبر استقرار المحال به ]
إن قيل هل يشترط استقرار الدين المحال به أم لا ؟ الجواب : لا يعتبر ، وبيان هذا : إذا كان المكاتب الذي عليه لسيده دين في ذمته مقابل الكتابة ، فهود دين غير مستقر ، فللمكاتب أن يحيل سيده إلى أحد لهذا المكاتب عليه دين مستقر ، فإنه لا يعتبر أن يكون الدين المحال به مستقراً ، وذلك أنه للمحيل أن يسلمه أو يسقطه ، فإذا كان التسليم جائزا كانت الحوالة جائزة .
قوله [ ويشترط اتفاق الدينين جنسا ووصفا ووقتا وقدرا ]
هذا هو الشرط الثاني من شروط الحوالة ، وهو أنه يشترط اتفاق الدينين ، الدين الأول هو الذي في ذمة المحيل ، والثاني هو الذي في ذمة المحال عليه ، فيشترط أن يتفقا جنسا ، فهذا ذهب وهذا ذهب ، فإن كان أحدهما ذهبا والثاني فضة فلا يجوز ، وكذلك أن يتفقا وصفا ، فهذا رديء وهذا رديء ، وهذا جيد وهذا جيد ، وهذا صحيح وهذا صحيح ، وهذه مكسرة وهذه مكسرة ، ويشترط أن يتفقا وقتا ، فهذا حال وهذا حال ، وهذا مؤجل إلى شهر وهذا مؤجل إلى شهر ، ويشترط أيضا أن يتفقا قدرا ، فيحيل بخمسة على خمسة ، أو بعشرة على عشرة ، أما لو أحال بخمسة على ستة فلا يجوز ، قالوا : لأن الحوالة عقد إرفاق فإن كان فيها فضل فقد خرجت عن موضعها ، وقد تقدم قول الجمهور أن بيع الدين بالدين منهي عنه ، و الراجح الجواز ، فهذا وإن خرج عن كونه حوالة فلا يخرج عن كونه بيعا ، فيشترط فيه ما يشترط فيه البيوع ، فإذا جرى على قواعد البيوع فلا يتبين أن فيه منعاً وهو مذهب الأحناف ، وكونه بيع دين بدين فقد تقدم أنه ليس كل صور بيع الدين بالدين محرمة ، وإنما حرم الشارع منها ما كان فيه الربا الذي كان عليه أهل الجاهلية ، وأيضا فإن بيع الدين بالدين فيه إشغال للذمم وهنا في مسألتنا فيها إبراء للذمم .
قوله [ ولا يؤثر الفاضل ]
بيان هذا ، إذا كان لك على أحد من الناس عشرة آلاف ، ويريد منك فلان خمسة آلاف ، فقلت : أحيلك بخمسة آلاف على خمسة آلاف من العشرة التي لي في ذمة فلان فلا يؤثر هذا الفاضل لأنه يبقى لربه ، وذلك لأنهما قد اتفقا في القدر وأما الفاضل فيبقى لرب المال .
وقال بعض الحنابلة إن كان تفاوتاً يجبر على أخذه عند بذله كالجيد عن الرديء صحت ، و كذا بمؤجل على حالٍ لأنه زاده خيراً و كذا العكس إذا رضي المحتال لأنها إستيفاء و الإستيفاء يجوز منه أخذ الرديء عن الجيد.
قوله [ وإذا صحت ]
أي إذا صحت الحوالة فتوفرت فيها شروطها ، وتقدم شرطان ، وسيأتي شرط رضا المحيل .
قوله [ نقل الحق إلى ذمة المحال عليه وبريء المحيل ]
فيبرأ المحيل بالحوالة ، وهذا هو مقتضى عقد الحوالة فيلتزم المحال عليه بالدين الثابت للمحتال على المحيل .
قوله [ ويعتبر رضاه ]
إذا يشترط رضا المحيل ، فليس للدائن أن يلزم المدين بالحوالة ، وذلك لأن الحق واجب عليه من غير تحديد جهة ، فالواجب أن يعطي صاحب الحق حقه من غير أن يتعين عليه جهة ، وإذا ثبتت الحوالة من غير رضاه فقد عينت عليه جهة وألزم بما ليس بلازم.
قوله [ لا رضا المحال عليه ]
لا يشترط رضا المحال عليه ، وذلك لأن المحيل هو صاحب الدين ، فله أن يستوفي الحق الواجب له في ذمة المحال عليه بنفسه أو بوكيله ، وقد أقام المحتال مقام نفسه فكان كالوكالة بل أولى .
قوله [ ولا رضا المحتال على مليء ]
لا يشترط رضى المحتال ، وهو الذي حول حقه من ذمة إلى ذمة ، فلا يشترط رضاه إذا أحيل على مليء ، وهذا هو المشهور من المذهب وهو قول ابن جرير وأبي ثور ، وقال الجمهور بل يشترط رضاه ، وحجة الحنابلة حديث :( وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع ) قالوا : وهذا يدل على وجوب قبول الحوالة ، وحيث وجب قبولها فإن الرضا ليس بشرط ، وأما الجمهور فحملوا الحديث على الاستحباب وقالوا : هو واجب له في ذمة هذا فلا يلزم بأن ينقل إلى ذمة أخرى ، والصحيح وجوبه لأن نقله لا ضرر عليه فيه ، كما لو أعطى حقه قبل حلول الأجل ولا ضرر عليه فإنه يلزم بقبوله ، هذا إذا أحيل على مليء ، والمليء هو القادر بماله وقوله وبدنه ، كما قال ذلك الإمام أحمد رحمه الله ، فالقادر بماله هو القادر ماليا على الوفاء ، والقادر بقوله هو الذي لا يماطل ، والقادر ببدنه هو من يمكن أن يحضر مجلس الحاكم أي القاضي ، وأما إذا كان لا يمكن إحضاره إلى مجلس القاضي كأن يحال على والده مثلا أو إلى أحد لا يمكنه أن يحضره إلى مجلس القاضي فإن الحوالة حينئذ لا تلزم المحتال .
قوله [ وإن كان مفلسا ولم يكن رضي به رجع ]
أي إذا كان المحال عليه مفلسا أو مماطلا ولم يكن المحتال قد رضي به رجع ، أما إذا أخبره بأنه مفلس أو مماطل فرضي فليس له الرجوع ، فالكلام في المسألة السابقة إذا كان مليئا ، فإذا كان مليئا فلا يشترط رضا الدائن ، وأما إذا لم يكن مليئا فيشترط رضاه ، وذلك لأن النبي r قال :( وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل ) ، وهذا لم يحل على مليء فله أن يفسخ الحوالة ، وظاهره ولو كان جاهلا ، وهذا هو المشهور من المذهب ، بمعنى أحيل على أحد فظنه مليئا ولم يعلم أنه غير مليء فالحوالة صحيحة ، وليس له أن يرجع ، وذهب المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه أنه إن كان جاهلا مغرراً به فله الرجوع لنهي النبي r عن الغرر ، وهذا هو الراجح .
قوله [ ومن أحيل بثمن مبيع أو أحيل به عليه فبان البيع باطلا فلا حوالة ]
من أحيل بثمن المبيع أو أحيل بثمن المبيع عليه ، فأصبح ثمن المبيع في المسألة الأولى محالا به ، وفي المسألة الثانية محالا عليه ، مثاله : إذا اشترى زيد من عمرو سلعة بثمن مؤجل إلى شهر ، فقد تعلق في ذمة المشتري ثمن المبيع ، فحينئذ إن أحيل بهذا الثمن الثابت في ذمة المشتري فبان أن البيع باطل بأن تكون السلعة محرمة أو نحو ذلك فحينئذ تبطل الحوالة ، وكذلك لو قال البائع لأحد الناس لي على عمرو ألف ريال مقابل سلعة قد بعتها عليه إلى شهر ، فأنا أحيلك على هذا الثمن لتستوفي ما في ذمتي لك ، فبان أن البيع الذي باعه التاجر على المحال عليه باطل ، فإنه الحوالة هنا باطلة ، وذلك لأن الحوالة مبنية على لزوم الثمن ، وحيث بان أن البيع باطل ، فإن الثمن لم يلزم أصلا ، وعليه فالحوالة باطلة .
قوله [ وإذا فسخ البيع لم تبطل ]
إذن إذا بطل البيع بطلت ، وإذا فسخ البيع فإنها لا تبطل ، وبيان هذا : اشتريت سلعة وكان البيع صحيحا ، وكان الثمن إلى شهر ، وكان في ذمة شخص لي دين إلى شهر ، فأحلت البائع إلى ذلك الشخص ، ثم ثبت أن في السلعة التي اشتريتها أمر يثبت الفسخ معه ، فالحوالة هنا لا تبطل ، وظاهره مطلقا سواء كان الفسخ بعد القبض أو قبل ، بمعنى أحال عليك وأعطيت المال الذي في ذمتك لهذا المحتال ، ثم ثبت العيب أو كان هذا قبل القبض ، وذلك لأن الثمن لازم أثناء عقد الحوالة ، وليس كالبيع الباطل في المسألة السابقة فإنه ليس بلازم ، وإن ظن لازماً ، فهو في الظاهر لازم لكنه في الباطن ليس بلازم لأن البيع باطل .
قوله [ ولهما أن يحيلا ]
للبائع أن يحيل المشتري لمن أحاله عليه ، وللمشتري أن يحيل البائع لمن أحاله عليه ، وهذا إنما يكون قبل القبض ، وصورة هذا: اشتريت هذه السلعة منك بألف ريال إلى شهر ، وقلت : أنا أريد من فلان ألف ريال إلى شهر فخذها منه ، ثم فسخ البيع قبل أن تقبض ، إذا الحوالة ثابتة ، فما هو المخرج منها ، المخرج منها أن يقول ذلك الشخص الذي أحلت عليه للبائع : قد أحلتك على فلان فيعود علي ، ومثال المسألة الأخرى إذا قال البائع لأحد من الناس أنا أريد من فلان ألف ريال مقابل سلعة قد اشتراها مني ، فخذ دينك منها ، فالحوالة قد ثبتت ، لكن قبل أن يقبض فسخ البيع ، فالآن قد برئت ذمة أحدهما ، والدين قد انتقل إلى ذمة شخص آخر ، فللآخر أن يحيل عليه مرة أخرى هذا إذا كان قبل القبض ، أما إذا كان بعد القبض فإنه يرجع عليه بالثمن ، مثاله : أحاله على شخص أجبني ، ثم قبض المال من هذه الشخص الأجنبي ثم فسخ البيع فإنه يرجع عليه بالثمن .
وهنا مسألة : وهي إذا اختلفا فقال أحدهما قد وكلتك ، وقال الآخر بل أحلتني ، فالقول قول مدعي الوكالة ، وذلك لأن الوكالة فيها إبقاء الحق ، وأما الحوالة ففيها نقل الحق ، والأصل هو إبقاء الحق ، فمن ادعى الوكالة فالقول قوله ، والبينة على الآخر .
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم