|
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب الوكالة
الوكالة بفتح الواو وكسرها ، والأشهر الفتح ، وهي لغة : التفويض ، وأما اصطلاحا : فهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة ، والقاعدة أن كل حق لله تعالى أو لآدمي فالنيابة فيه مطردة كما قرر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، إلا ما لا يحصل المقصود إلا بفعل المكلف له ، فكل حق من حقوق الآدمي من طلاق وبيع وشراء وصلح وغير ذلك وكل حق لله تعالى من تفرقة الزكاة ، وتفرقة الصدقة وتفرقة الكفارة ونحو ذلك فإنها تدخلها النيابة ، إلا إذا كان لا يحصل المقصود إلا بفعل المكلف له كما يكون هذا في إقامة الحد ، فإن المقصود منها عقوبة المجرم ، وكذلك في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم وغيرها ، فالمقصود هو فعل المكلف لها فلا تحصل فيها الوكالة .
والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع ، أما الكتاب فلقول الله تعالى في سورة الكهف في قصة أصحاب الكهف حيث قال بعضهم لبعض { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف } وأما السنة فكما تقدم في حديث عروة البارقي وتوكيل النبي - صلى الله عليه وسلم - له شراء الأضحية ) وكذلك توكيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب في جمع الصدقة كما هو ثابت في الصحيحين ، وكذلك توكيل معاذ بن جبل في أخذ زكاة أهل اليمن ، وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على جواز الوكالة ، والحاجة داعية إليها ، فإن الإنسان يحتاج إلى أن يوكل غيره في شيء من شؤونه من بيع وشراء ونحو ذلك ، والشريعة قائمة بتحصيل المصالح ومن ذلك الإذن للمكلفين بالوكالة .
قوله [ تصح بكل قول يدل على الإذن ]
فكل قول يدل على الإذن بالتصرف فإن الوكالة تثبت وتصح معه ، فإذا قال له : بع لي هذا البيت ، أو اشتر لي هذا البيت ، أو أذنت لك بأن تبيع هذا الشيء ونحو ذلك من الألفاظ القولية الدالة على الوكالة فإن الوكالة تثبت فيها .
وظاهر كلام المؤلف أنها لا تثبت بالفعل ، وهو المشهور في المذهب ، فلو أعطى أحداً ثوباً وكان إعطاؤه له مفهماً له أنه يوكله بخياطته أو بتغسيله فإن الوكالة لا تثبت بذلك ، والصحيح أنها تثبت بالفعل ، وهو ظاهر كلام القاضي من الحنابلة واستظهره صاحب الفروع ، وهذا القول هو الراجح كالبيع ، ولأن المقصود التعرف على الرضى وذلك يحصل بالفعل كما يحصل بالقول، فالمقصود أن هذا الفعل قد دلنا على أن هذا يريد أن يوكل وأنه راضٍ بذلك ، وهذا هو الإيجاب .
قوله [ ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه ]
ما تقدم هو الإيجاب ، والإيجاب ما يصدر عن الموكل ، وأما القبول فهو ما يصدر عن الوكيل ، فيصح القبول من الوكيل على الفور والتراخي ، فمثلا قال له : بع لي هذه الدار ، فقال : قبلت فوراً ، أو كان قبوله متراخياً كأن يبلغه بعد زمن أن فلاناً قد وكله فرضي بهذه الوكالة ، كأن يكتب له ورقة فلا تصل إليه إلا بعد شهر أو شهرين أو نحو ذلك ، فلا يشترط في القبول الفورية ، وذلك لأن الإيجاب دل على الإذن فالإذن باقٍ لا رافع له ، فلا يؤثر فيه التراخي ، ويصح القبول بالقول وبالفعل الدال عليه ، فإذا قال : قبلت هذه الوكالة ، أو أخذ السلعة وكان أخذه لها دليلاً على رضاه بهذه الوكالة فإن الوكالة تثبت .
وتصح الوكالة مؤقتة كوكلت سنة ، أو بشرط نحو إذا جاء الشتاء فافعل كذا .
قوله [ ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه ]
فمن له التصرف في شيء فله أن يكون موكلا وله أن يكون وكيلا ، فمثلا : الرجل له أن يطلق زوجته ، فله أن يوكل غيره في الطلاق ، ويجوز أن يوكل غيره بالبيع أو بالشراء ونحو ذلك ، لأن هذه التصرفات صحيحة منه فصح أن ينيب غيره فيها ، وكذلك يصح أن يكون وكيلا فيها ، لأنها لو كانت له لصح التصرف فيها ، فهذا الرجل لو كان متزوجا لصح طلاقه ، فالصفات المشترطة في صحة الطلاق متوفرة فيه ، ولو كان متزوجا لصح طلاقه فيصح أن يكون وكيلا في الطلاق ، لذا تقدم في التعريف اشتراط جواز التصرف في الوكيل والموكل .
قوله [ ويصح التوكيل في كل حق آدمي ]
إجماعاً .
قوله [ من العقود ]
كعقد البيع وعقد الصلح وعقد العارية وغيرها ، وذلك لأنه يصح له أن يتصرف فيها فجاز له أن يوكل وقد تقدم ذلك .
قوله [ والفسوخ ]
كالإقالة والخلع ، فيجوز أن يوكل من يخالع زوجته ، ومن يقيل بيعا له ونحو ذلك .
قوله [ والطلاق والرجعة ]
فيجوز له أن يوكل من يطلق عنه أو يراجع عنه .
قوله [ ويملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه ]
كذلك يجوز التوكيل في تمليك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه ، كأن يضع وكيلا عنه في تملك ما يصطاد ، أو تملك ما يجتث ، وفي إحياء الموات ونحو ذلك ، وذلك لأنها حقوق آدمي له التصرف فيها فجاز أن يوكل .
قوله [ لا الظهار واللعان والأيمان ]
ولا النذور، وذلك لأنها متعلقة بعين الشخص فلم يصح التوكيل فيها .
والظهار يقول له : وكلتك في أن تظاهر عني . فيقول : أنتِ على زوجكِ كظهر أمه عليه ، وهذا منكر من القول وزور كسائر المعاصي .
قوله [ وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات ]
فكل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات فيجوز التوكيل فيه كأن يوكل من يذكي عنه أضحية أو من ينحر عنه ، كما ثبت في مسلم من توكيل علي بذلك . ويصح أن يوكل من يفرق صدقته أو زكاته ، ويصح أن يوكل من يكفر عنه كفارة مالية ويجوز ذلك في العبادات المالية .
وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم فإن النيابة لا تصح فيها ، وتقدم التفصيل في مسألة الحج والكلام عليها.
والأصل في حقوق الله أنها لا تدخله النيابة ، ولا يجوز له في المشهور من المذهب إن وكل في الصدقة أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة وذكر في الإنصاف احتمالاً بالجواز والأظهر الأول لما فيه من التهمة ولأن إطلاق لفظ الموكل ينصرف إلى غيره . لكن هل يجوز له أن يدفع منه لوالده وولده وزوجته فيها وجهان والأظهر المنع للتهمة .
قوله [ والحدود في إثباتها واستيفائها ]
كذلك تصح الوكالة في الحدود في إثباتها وفي استيفائها أي في إيقاعها على المجرم المعاقب ، فيجوز للحاكم أن يوكل من يقوم بالنظر في الأدلة التي تثبت الحد على المتهم ، ويجوز له أن يوكل من يستوفي الحدود فيقيمها على أربابها ، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )
فقوله ( فإن اعترفت ) فيه توكيل في إثبات الحد ، وفي قوله ( فارجمها ) فيه توكيل في استيفاء الحد .
قوله [ وليس للوكيل أو يوكل فيما وكل فيه إلا أن يجعل إليه ]
هنا ثلاث صور :
الصورة الأولى : أن يقول الموكل : وكلتك ولك حق التوكيل ، ونحو ذلك فباتفاق العلماء له أن يوكل للإذن فيه .
الصورة الثانية : أن يمنعه من التوكيل ، فيقول : وليس لك حق التوكيل ، أو أنت منهي عن التوكيل ، فباتفاق العلماء ليس له أن يوكل .
الصورة الثالثة : أن يوكله من غير إثبات للإذن ولا نفيه ، كأن يقول : وكلتك ، من غير أن يقول : لك الحق في التوكيل ، ولا أن يقول : ليس لك الحق في التوكيل ، ولها ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن يكون هذا الشيء الموكل فيه مما يتولاه هذا الوكيل ، أي مما يناسب ويليق بمثله ، ولا يعجز عنه ، فحينئذ ليس له أن يوكل ، وذلك لأن صاحب الشأن لم يأذن بالتصرف عنه إلا لهذا الوكيل فليس له أن يعدي الوكالة إلى غيره حيث لا إذن ، مثال ذلك : أن يوكل شريفا من أشراف الناس وسيدا من ساداتهم على جبي الصدقات ، فهذا من الأعمال التي تليق بمثله ولا يعجز عنها .
الحالة الثانية : أن يكون هذا الشيء الموكل فيه ليس مما يتولاه مثل هذا الوكيل أو يعجز عنه ولا يقدر عليه ، فحينئذ إيقاع الوكالة مع علم الموكل بهذا يدل على أنه أراد منه أن يوكل من يقوم بهذا العمل ، فإذا أسدى الخليفة إلى أمير من الأمراء أن يبني له شيئا أو يحمل له شيئا معينا إلى موضع ، فهذا لا شك أنه لا يليق بهذا الأمير ، وحينئذ فتوكيل الخليفة له يدل على أنه إنما أراد القيام بهذا الشأن بالوكالة ، أو كان يعجز عنه كأن يكون صناعة من الصناعات ويعرف أنه لا يحسن هذه الصناعة ولا يتقنها ، وليس من أهلها فحينئذ يكون مراد الموكل القيام بها ولو كان هذا بالوكالة .
الحالة الثالثة : أن يكون هذا الوكيل قادرا على البعض عاجزا عن الكل ، كأن يعطيه عملا كبيرا كالقيام بأعمال كثيرة يعلم الموكل قطعا أن هذا الوكيل لا يمكنه القيام بهذه الأعمال كلها إلا ومعه من يعينه على ذلك ، فهل يجوز له أن يوكل ؟
المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية أن له أن يوكل مطلقا ، بمعنى أن له أن يخرج عن القيام بهذا العمل بالكلية ويوكل غيره بالقيام به ، والوجه الثاني في مذهب الحنابلة والشافعية أنه لا بد وأن يكون طرفا فيه ، فلا بد أن يقوم ببعض العمل وأما أن يوكل فيه كله فلا ، فله أن يوكل فيما لا يستطيع ، ويقوم هو بما يستطيع ، وهذا القول هو الراجح ، وذلك لأننا لا نخرج عما دلت عليه الوكالة من قيامه هو – أي الوكيل – بها إلا بقرينة تدل على ذلك ، وهنا القرينة إنما دلت على عدم قيامه بالعمل كله ، لا على عدم القيام ببعضه ، فإنه يمكنه أن يقوم ببعضه ، وإنما دلت على أنه يحتاج إلى وكلاء معه ، وعليه فيضع معه وكلاء ، وأما أن يتخلى عن العمل بالكلية ويضع وكلاء فلا .
قوله [ والوكالة عقد جائز ]
فالوكالة عقد جائز ، أي لكل من الوكيل وموكله الفسخ بغير رضى الآخر ما لم يكن هناك ضرر ، فإن كان ضرر فلا يجوز ، فالوكالة عقد جائز ، وذلك لأنه من جهتيهما لا يقتضي لزوما ، أما الموكل فلأن هذا من جهة إذنه ، فالوكالة متعلقة بإذنه ، وأما الوكيل فلأنها متعلقة ببذل نفع منه ، وهذا ليس بلازم ، فكانت الوكالة من العقود الجائزة .
قوله [ وتبطل بفسخ أحدهما ]
لما تقدم فهي عقد جائز فإذا فسخها أحدهما فإن الوكالة تبطل .
قوله [ وموته ]
وكذلك جنونه ، وذلك لأن من شرطها أن يكون الموكل والوكيل جائزا التصرف ، والميت ليس له أهلية التصرف فبالموت تبطل الوكالة ، فإذا وكل زيد عمروا ببيع أرض له ، فمات زيد ، وهو الموكل قبل البيع فإن هذه الوكالة تبطل ، لأن أهلية التصرف تبطل بالموت ، وكذلك إذا جن لأن المجنون ليس له أهلية التصرف .
قوله [ وعزل الوكيل ]
فتبطل الوكالة بعزل الوكيل ، فإذا عزل الموكل وكيله بطلت الوكالة ، فمثلا : قال وكلتك على أن تبيع هذه الأرض ، ثم عزله فإن الوكالة تبطل ، وذلك لأن ذلك حق له ، والوكالة عقد جائز ولا يشترط في هذا العزل رضى الوكيل ، لأنه حق للموكل ولو لم يرض الوكيل .
وظاهر كلام المؤلف وهو المذهب سواء علم الوكيل بالعزل أو الموت أو لم يعلم ، فإذا وكل زيد عمروا ببيع أرض له ، ثم عزله وأشهد على عزله ، ولم يعلم الوكيل بالعزل ، أو مات الموكل ولم يبلغه موته فإنه ينعزل ، وعليه فتصرفاته - أي تصرفات الوكيل - تكون باطلة ، ففي المثال السابق لو باع الأرض وهو لم يعلم بموت الموكل أو عزله له فإن البيع باطل إلا أن يجيزه الموكل ، كما تقدم في تصرف الفضولي من أنه موقوف على الإجازة ، وهذا هو المشهور من المذهب ومذهب الشافعية ، وذهب الأحناف إلى أنه ينعزل بالموت لا بالعزل ، والمراد إذا لم يعلم بذلك ، وأما إذا عزله بعلمه وعلم بالعزل فلا خلاف بين العلماء في بطلان الوكالة ، لكن إذا مات الموكل ولم يعلم والوكيل وتصرف ، فإن تصرفاته باطلة ، وإذا عزله الموكل ولم يعلم الوكيل بالعزل فإن تصرفاته تكون صحيحة ، وعن الإمام أحمد أنه لا ينعزل لا بالموت ولا بالعزل إلا بالعلم ، قالوا : لثبوت الضرر ، فإن هذا الوكيل يتصرف بتصرفات من بيع وشراء ونحو ذلك ، فإذا قلنا إنها ليس نافذة كان في هذا ضرر لتعلق حق ثالث ، فعليه تصح تصرفاته قبل العلم وصوبه صاحب الإنصاف ، وأرجح هذه الأقوال فيما يظهر القول الأول ، وهو القول بأنه ينعزل بالموت قبل العلم ، وينعزل بالعزل قبل العلم ، والتصرفات باطلة وموقوفة على الإجازة ، وهذا لما تقدم من التعليل القوي وهو أن فسخ الوكالة لا توقف على الرضى فلم يتوقف على العلم ، ولأنه إنما أذن له بالتصرف بهذه الوكالة ، وهنا قد بطلت الوكالة بالعزل فلم يصح التصرف، إلا أنه يستثنى حيث كان هناك تغرير من الموكل وعلم أنه أراد التغرير فحينئذ تثبت هذه الوكالة ولا تبطل . وإذا عزل الوكيل كان ما في يده أمانة لا يضمن إلا مع التعدي والتفريط .
وهل يضمن الوكيل إذا تصرف بعد عزله وقبل علمه أم لا ؟
قولان في المذهب القول الأول : أن الوكيل يضمن هذه التصرفات ، وهو غاية في الضعف ، وذلك لمخالفته لقواعد الشريعة وأصولها فإنه لم يفرط ، وقد تصرف تصرفا بناء على بقاء هذه الوكالة ، ولم يقع منه أي تفريط فلا وجه لتضمينه .
القول الثاني في المذهب : أنه لا يضمن مطلقا وهو اختيار شيخ الإسلام وهو الراجح في هذه المسألة ، وذلك لأنه لم يفرط ، فعلى ذلك إذا تصرف الوكيل بعد عزله وقبل علمه فالتصرف باطل لبطلان الوكالة بالعزل ، وهذه التصرفات موقوفة على الإجازة على ترجيح قول تقدم ذكره وهو أن تصرف الفضولي صحيح مع الإجازة ، ولا يضمن الوكيل لعدم تفريطه ، ويتوجه تضمين الموكل إذا كان قد غرر به لأنه هو المتعدي بالتغرير . ولا تقبل دعوى الموكل العزل لوكيله بعد تصرفه لتعلق حق الغير به إلا ببينة لكن يستثنى الطلاق ويدين .
هل تبطل وكالة الثاني بموت الوكيل الأول أم لا ؟
إذا قال الموكل للوكيل : وكلتك ولك الحق في التوكيل ، فوكل غيره فمات الوكيل ، فهل تبطل هذه الوكالة أم لا تبطل ؟
فيه تفصيل :
1- أما إن قال له وكلتك وأذنت لك أن توكل عني فوكل عنه ، فالوكيل الجديد وكيل عن صاحب المال ، وحينئذ فإذا مات الوكيل الأول فلا تبطل الوكالة .
2- وأما إذا قال له : وكلتك ولك أن توكل عن نفسك من شئت ، فوكل عن نفسه من شاء ثم مات فإن الوكالة تبطل ، لأن هذا اللفظ مقتضاه أن الوكيل الجديد وكيل عن الوكيل الأول .
وكذلك العزل : فليس له العزل في الحالة الأولى ، وله العزل في الحالة الثانية ، فإذا قال : وكلتك وأذنت لك أن توكل عني ، فليس له العزل ، لأنه إذا عقدها مع الوكيل الجديد فحينئذ يكون هذا الوكيل قد ارتبط بالأول ، وأما إذا قال له وكلتك وأذنت لك أن توكل عن نفسك ، فوكل عن نفسه فله أن يعزل لأن هذا وكيل عنه.
قوله [ وحجر السفيه ]
إذا حجر على السفيه بطلت الوكالة ، وذلك لأن السفيه غير جائز التصرف فليس له أهلية التصرف ، وحينئذ فإن كان طرفا في الوكالة فتبطل الوكالة ، بخلاف الحجر على المفلس ، فإن الوكالة لا تبطل إذا كان طرفا فيها ، وذلك لثبوت أهلية التصرف له كما تقدم ، لكن إن كانت الوكالة في أعيان ماله التي ثبت الحجر عليها فتبطل الوكالة ، وذلك لأن هذه الوكالة قد تعلقت بما لا يجوز التصرف فيه ، فهو لا يجوز له أن يتصرف في أعيان ماله التي ثبت الحجر عليها ، فلا يصح حينئذ أن يوكل فتبطل الوكالة ، وأما كونه وكيلا أو موكلا في أشياء أخر ليست من هذا الباب ، كأن يوكل في نكاح أو طلاق أو أن يوكل في بيع أو شراء أو نحو ذلك فهذه الوكالة صحيحة لأنه جائز التصرف .
قوله [ ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده ]
من وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده ، وسائر من لا تقبل شهادته له ممن يتهم فيهم ، فإذا قال الموكل لوكيل وكلتك أن تبيع داري ، فهل للوكيل أن يشتريها ؟ أو قال وكلتك أن تشتري لي دارا فهل له أن يبيع له داره ؟
الجواب : لا يجوز ذلك ، فلا يجوز أن يكون بائعا ولا مشتريا ، وكذلك لا يجوز أن يدخل ولده أو زوجته وسائر من لا تقبل شهادته له ممن يتهم فيهم ، وذلك لعلتين :
الأولى : أن العرف هو بيع الشخص من غيره لا من نفسه ، فكانت الوكالة كذلك ، فالوكالة ترجع إلى العرف ، فإذا قال بع لي هذه الدار ، فالأصل في هذا البيع أن يكون بيعا على غيره ، وحينئذ فالوكالة ترجع إلى هذا .
الثانية : التهمة من ترك الاستقصاء في الوصول إلى الثمن المناسب ، فهنا العلتان أوجبتا المنع من أن يكون الوكيل طرفا في البيع والشراء ، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ، وعن الإمام أحمد أن ذلك جائز ، بشرط أن ينادي عليها ويكون المنادي غيره ، ويشتريها بسعر أكثر مما وصلت إليه في المناداة ، وحينئذ فتدفع التهمة المتقدمة من ترك الاستقصاء .
ولا يظهر أن هذا كاف لدفع التهمة ، فإن قد يبيعها في أيام لا تصل فيه السلعة مع النداء إلى ثمنها المناسب ، وإن زاد عليه كما هو معلوم في بيع السلع ، فالمقصود أنه متى استقصى وجعل لها سعرها المناسب ثم زاد على ذلك فإن ذلك يكون دافعا للتهمة المتقدمة ، وأما العلة الأولى وهو أن العرف أن البيع يكون بيع الرجل من غيره لا من نفسه ، فالجواب عن هذا : أن مقصود الموكل يحصل بهذا البيع بل مقصوده يحصل وأعظم منه إذا باع الموكل لنفسه ، فإن مقصوده أن تباع هذه السلعة بثمن مناسب لها، فإذا بيعت بهذا الثمن المناسب وزيادة فإن مقصوده يحصل بل يحصل أعظم منه ، فالذي يظهر هو هذا القول ، وأنه متى استقصى استقصاء ظاهرا واشتراها بأعلى مما تقف عليه سوما فإن هذا البيع صحيح ، وكذلك الشراء لما تقدم ، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول الأوزاعي ، ومثل ذلك الولي على اليتيم والحاكم ، فإذا احتاج الولي إلى بيع شيء من مال موليه اليتيم ووصل سعره في السوق إلى سعر ما بعد الاستقصاء ثم اشتراه فإن هذا الشراء جائز ، لعدم وجود التهمة ، ولقول الله تعالى : {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } .
قوله [ ولا يبيع بعرض ولا نسأ ولا بغير نقد البلد ]
ليس للوكيل أن يبيع بعرض ، فإذا قال : بع لي هذه الشياة ، فباعها الوكيل بإبل أو بثياب أو نحو ذلك فهذا لا يجوز ، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضي هذا ، فإن عقد الوكالة يقتضي أن يبيعها بدراهم أو دنانير ، فإذا باعها بعرض فإن هذا البيع لا يصح ، فهو إنما أذن له ببيع يقتضيه عقد الوكالة ، وكذا إذا باعها نساء أي بتأخير ، فإذا قال : بع لي هذه الدار بمائة ألف ، فباعها بمائة ألف ريال إلى شهر ، فالبيع باطل ، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضي ذلك ، فهو يقتضي أن يكون الثمن حالا لا مؤجلا ، وكذلك إذا باعها بغير نقد البلد ، فكذلك البيع يكون باطلا ، لأن مقتضى عقد الوكالة أن يبيعها بنقد البلد ، وعليه فالبيع باطل ، وحينئذ يكون من تصرف الفضولي ، وتصرف الفضولي موقوف على الإجازة ، فإذا أجاز الموكل وقال رضيت بهذا البيع وإن كان بغير نقد البلد أو رضيت به وإن كان بعرض أو رضيت بتأخير الثمن فيكون البيع صحيحا وإلا فهو باطل .
قوله [ وإن باع بدون ثمن المثل ]
فمثلا كأن يقول له بع لي هذه السيارة ، وكان سعرها مثلا عشرة آلاف ، فباعها بتسعة آلاف .
قوله [ أو دون ما قدره له ]
فهاتان مسألتان في البيع ، والمسألتان اللتان بعدهما في الشراء .
قوله [ أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل ]
كأن يقول : اشتر لي سيارة وصفها كذا وكذا ، وسعر مثلها كان عشرة آلاف ، فاشتراها له بأحد عشر ألفا .
قوله [ أو بأكثر مما قدره له ]
كأن يقول له : اشتر لي سيارة وصفها كذا وكذا بعشرة آلاف ، فاشتراها له بأحد عشر ألفا .
قوله [ صح البيع وضمن النقص والزيادة ]
إذن البيع صحيح ، يضمن الوكيل النقص في مسألتي البيع ، ويضمن الزيادة في مسألتي الشراء ، وذلك لأنه مفرط ، إلا إذا كان الغبن الذي غبن به غير فاحش فإنه معفو عنه هذا إذا لم يقدر له ثمنا للبيع أو الشراء ، وهذا هو المشهور من المذهب ، وعن الإمام أحمد وهو اختيار الموفق وهو مذهب الشافعي أن البيع لا يصح ، وعليه فعلى القول بوقف تصرف الفضولي على الإجازة يكون موقوفا على الإجازة وإلا فهو بيع باطل ، وذلك للعلة المتقدمة ، وهي أن عقد الوكالة لا يقتضي هذا ، فعقد الوكالة يقتضي أن يشتري له سيارة بثمن مثلها أو بما حدده له ، أو أن يبيع له السيارة بثمن مثلها أو بما حدده له ، وما زاد أو نقص فهو غير مأذون فيه ، وحينئذ يكون تصرفه خارجا عن مقتضى الوكالة ، وهذا القول هو الراجح وعليه فهذه البيوع باطلة إلا أن يجيزها الموكل .والراجح المذهب لأن الوكيل لم يخالف في أصل العقد فقد باع بإذن الموكل ولا ضرر على الموكل إلا بالنقص ويضمن له.
قوله [ وإن باع بأزيد ]
كأن يقول : بع لي هذه السيارة بعشرة آلاف فباعها بأحد عشرة ألفا .
قوله [ أو بع بكذا مؤجلا فباع حالا ]
كأن يقول بع لي هذه السيارة بعشرة آلاف مؤجلة ، فباعها بعشرة آلاف حالة ، فهذا يعتبر خيرا للموكل .
قوله [ أو اشتر بكذا حالا فاشترى به مؤجلا ]
كأن يقول اشتر بعشرة آلاف هذا الشيء حالا ، فاشتراه بعشرة آلاف مؤجلا ، فهذه كلها فيها خير للموكل ، فعقد الوكالة وإن لم يقتضيها لكن فيها خير ، وقد تقدم حديث عروة البارقي الذي رواه البخاري وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه دينارا ليشتري به شاة ، فاشترى به شاتين ، وباع أحدهما بدينار ، فهو قد اشترى الشاتين بدينار ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد وكله أن يشتري شاة بدينار ، فهذا فيه خير وإن لم يقتضيه عقد الوكالة فكان جائزا ، لكن بشرط وهو ألا يكون فيه ضرر فيهما ولذا قال :
قوله [ ولا ضرر فيهما صح وإلا فلا ]
أما إذا كان فيهما ضرر كأن يلحقه ضرر بحفظ المال كأن يقول : بع لي هذه السيارة بعشرة آلاف مؤجلة ، فيبيعها بهذا الثمن حالا ويضره أن تكون هذه العشرة آلاف معه الآن ويخالف مقصوده فإنه لا يريد حفظ المال في هذا الوقت ، وفي المسألة الأخرى له مقصوده بكون الثمن الذي يدفعه حالا فحينئذ لا يصح التصرف لأنه خالف عقد الوكالة ، والمشهور من المذهب أنه يصح وإن كان فيه ضرر ، فإذا قال بع لي هذه السلعة بعشرة آلاف إلى سنة ، وهو لا يريد المال الآن فباعها بهذا السعر حالة فإنه يصح وإن كان عليه ضرر ، والصحيح خلافه لأن عقد الوكالة لا يقتضيه ، وإنما صححناه حيث لا ضرر لأن هذا البيع يحصل به أعظم من المقصود وأعظم من المراد فلا يتوجه المنع منه مطلقا ، وأما حيث كان هناك ضرر فحينئذ يكون قد خالف عقد الوكالة على وجه يضر به ، وما ذكره المؤلف هو أحد القولين في المذهب .
فصل
قوله [ وإن اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرض موكله ]
إذا اشترى الوكيل ما يعلمه معيبا ، فقد اشتراه على بصيرة فإنه يلزمه ، لأنه قد اشتراه على بصيرة ، ولأن عقد الوكالة يقتضي شراء السليم ، فإن رضي موكله فحينئذ يكون للموكل لرضاه ، هذا إن كان الشراء في الذمة من الوكيل للموكل ، وذلك لأنه قد نوى الشراء له ، وأما إذا كان هذا الشراء بعين مال الموكل كأن يقول : اشتر لي بهذه الدراهم دارا ، فاشترى له دارا معيبة فلا يصح في المذهب ، وهذا يرجع إلى تصرف الفضولي والخلاف فيه ، وقد تقدم أن الصحيح أن تصرف الفضولي موقوف على الإجازة كما هو أصح الأقوال في هذه المسألة ، إذن إذا تصرف الوكيل له في الذمة تصرفا لا يقتضيه عقد الوكالة فرضي به الموكل فيصح ذلك لأنه قد نوى الشراء له ، أما إذا كان بعين مال الموكل فلا يصح ، والصحيح ما تقدم من أنه موقوف على الإجازة ، فإن رضي الموكل فالبيع صحيح ، ويكون من باب تصرف الفضولي .
قوله [ فإن جهل رده ]
فإذا جهل الوكيل هذا العيب الموجود في السلعة فإنه يرد هذه السلعة ، لأنها معيبة ، والوكيل يقوم مقام موكله فهو نائب عنه ، فكما أن الموكل له الرد بالعيب فكذلك الوكيل .
قوله [ ووكيل البيع يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة ]
مثاله : وكل زيد عمروا في أن يبيع له سيارة ، فإن عمروا وهو الوكيل يقبض المشتري السيارة ، وذلك لأن عقد الوكالة يقتضي هذا ، فقد وكله في البيع ومقتضى عقد الوكالة أن يسلم هذه السيارة للمشتري ، ولكن هل يقبض الوكيل الثمن من المشتري عن موكله أم لا ؟
قولان في المذهب :
القول الأول : وهو المشهور من المذهب هو ما ذكره المؤلف من أنه لا يقبض الثمن بغير قرينة ، فليس له أن يقبض الثمن لأنه إنما وكله في البيع ولا يقتضي هذا إلا تسليم المبيع ، وأما قبض الثمن فلا يقتضيه عقد الوكالة ، وهو قد يوكل بالبيع من لا يثق به في القبض ، إلا بقرينة تدل على أنه أراد منه أن يقبض الثمن ، كأن يعطيه سلعة ليبيعها في سوق هو غائب عنه ، فمقتضى هذا أن يستلم الثمن .
القول الثاني : أنه يقبض الثمن مطلقا ، وفيه ضعف لمخالفته عقد الوكالة كما تقدم .
واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن مرجع هذه المسألة إلى العرف والعادة ، وذلك لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي وما ذكره الشيخ قرينة عرفية فإن أعطاه حلياً ليبيعه فيقبض الثمن لوجوب التقابض فهي قرينة شرعية .
قوله [ ويسلم وكيل المشتري الثمن ]
فلوكيل المشتري أن يسلم الثمن للبائع كالمبيع ، فكما أن لوكيل البائع أن يسلم المبيع ، فلوكيل المشتري أن يسلم الثمن ، لأن عقد الوكالة يقتضي هذا ، وهل يقبض وكيل المشتري السلعة المبيعة أم لا ؟
على ما تقدم في قبض وكيل البائع الثمن .
قوله [ فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه ]
إذا أخر وكيل البائع تسليم المبيع أو أخر وكيل المشتري تسليم الثمن بلا عذر وتلف ضمنه ، لأنه قد تعدى بالتأخير ، والمتعدي ضامن .
قوله [ وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحا .... لم يصح ]
إذا وكله في بيع فاسد فإن هذا البيع لا يصح لأن الموكل لا يصح له أن يبيع هذا البيع الفاسد ، فكذلك الوكيل ، فلو وكله أن يشتري له خمرا أو أن يبيع له خمرا فإن هذا البيع فاسد كما هو فاسد من موكله ، ولو وكله في بيع فاسد فباع صحيحا كأن يشتري له شيئا غير محرم كأن يشتري به إبلا أو بقرا أو خلاً فلا يصح ، لأنه لم يأذن له بذلك .
قوله [ أو وكله في كل قليل وكثير .... لم يصح ]
إذا قال : وكلتك في كل قليل وكثير ، فطلق نسائي إن شئت ، وأنفق مالي إن شئت وهبه إن شئت فأنا قد وكلتك في كل قليل وكثير قال هنا ( لم يصح ) وذلك لما فيه من الغرر ، فقد يطلق عليه كل نسائه وقد ينفق عليه كل ماله ففيه غرر ، وقال ابن أبي ليلى من الفقهاء وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بل يصح هذا ، قالوا : لأنه إنما وكله لتمام ثقته به ، وطمأنينته إلى اختياره ، ولأنه لو قال به بالتفصيل لجاز هذا ، فلو قال : وكلتك في طلاق نسائي صح ، ووكلتك في هبة مالي صح ، فكذلك يصح إجمالاً ، وهذا القول هو الراجح ، وذلك لما تقدم ولأن المصلحة قد تقتضي مثل هذا ، كأن يكون عنده سوء تصرف فيوكل من يقوم على مصالحه
.قوله [ أو شراء ما شاء ]
كذلك إذا وكله في شراء ما شاء كأن يقول له : اشتر ما شئت ، فيقول : هذه مائة ألف اشتر لي بها ما شئت ، فهذا لا يصح .
قوله [ أو عينا بما شاء ولم يعين لم يصح ]
كذلك إذا قال اشتر لي هذه السيارة بما شئت من المال فهذا لا يصح لما فيه من الغرر ، وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه أنه يصح ، لما تقدم تقريره ، وهو أنه اختاره لكمال ثقته به ولطمأنينته إلى اختياره ، ولعلمه أنه لا يختار إلا الأصلح وحينئذ فمثل هذا جائز والأصل في المعاملات الحل .
قوله [ والوكيل في الخصومة لا يقبض والعكس بالعكس ]
فمن وكل في خصومة فليس له أن يقبض كأن يقول الموكل لوكيله أنا أريد من فلان عشرة آلاف وقد وكلتك في الخصومة عني أي عند المحاكم ونحو ذلك ، فهل يقبض المال الذي يخاصم عليه ؟
الجواب : لا يقبضه ، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضيه ، فعقد الوكالة إنما هو في الخصومة لا القبض ، ولأنه قد لا يثق به في القبض مع ثقته في الخصومة ، وقوله ( والعكس بالعكس ) أي إن وكله في القبض فله الخصومة ، فإن قال أنا أريد من فلان عشرة آلاف وقد وكلتك أن تقبضها منه ، فماطل أو جحد المدين فللوكيل الخصومة ، وهذا أحد القولين في المذهب ، والقول الثاني في المذهب أنه ليس له الخصومة وهو الراجح ، وذلك لأن عقد الوكالة لا يقتضيه ، وهو قد يثق به في القبض لأمانته ولا يثق به في الخصومة لعدم معرفته بطرق إثبات الحق ، فإذا قال وكلتك أن تقبض حقي ، فماطل أو جحد المدين فليس له أن يخاصم عن موكله ، إلا مع القرينة كأن يوكله في قبض مال في ذمة أحد من الناس يعلم الموكل أنه جاحد وأنه مماطل ، فمماطلته وجحده قرينة على أنه أراد منه أن يخاصم عنه ، فالراجح أن من وكل بالقبض فلا يعني ذلك أن له الخصومة عن موكله إلا أن تكون هناك قرينة .
قوله [ واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته إلا أن يقول الذي قِبَلَهُ ]
إذا قال له وكلتك أن تقبض حقي من زيد ، فحينئذ له أن يقبضه من زيد أو من وكيله لأن الوكيل يقوم مقام الموكل .
وهل له أن يقبضه من ورثة زيد ؟
قال المؤلف هنا ليس له أن يقبضه من ورثة زيد ، لأن عقد الوكالة إنما في القبض من زيد ، وليس فيه القبض من ورثة زيد ، وأما الوكيل فإنه يقوم مقام زيد ، إلا أن يقول قبله ، فإذا قال : وكلتك أن تأخذ حقي الذي قِبَلَ زيد أي الذي من جهته فحينئذ يأخذه ولو من ورثته لدلالة اللفظ ، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه إن قال اقبض حقي من زيد فله أن يقبضه من ورثته وذلك لأن مراده تحصيل الحق سواء كان من زيد أو من وكيله أو من ورثته ، وهذا هو الظاهر من مراده إلا أن يصرح كأن يقول : اقبض حقي من زيد نفسه لا من ورثته فحينئذ ليس له أن يأخذه من ورثته ، وما ذكره الشيخ رحمه الله هو الظاهر لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني .
قوله [ ولا يضمن وكيل في الإيداع إذا لم يشهد ]
إذا قبض الوكيل الثمن ثم أودعه أي جعله وديعة عند فلان من الناس ولم يشهد أنه قد أودعه إياه ، ثم أنكر المودع عنده فهل يضمن هذا الوكيل ؟
قال : لا يضمن ، وذلك لأنه لا فائدة من الإشهاد وعليه فإنه لا يكون مفرطا .
وهذا يرجع إلى مسألة اختلف فيها أهل العلم وهي : إذا ادعى المودع عنده الرد ، فقال : قد رددت الوديعة ، فهل يقبل فوله حينئذ فعليه اليمين ، أو لا يقبل قوله إلا ببينة تدل على الرد ؟
قولان لأهل العلم :
فالجمهور على أنه يقبل قوله مطلقا ، أي قول المودع عنده ، فإذا اختلف المودع والمودع عنده في رد الوديعة فالقول قول المودع عنده مع يمينه ، وعليه فلا فائدة من الإشهاد ، فلو أن المودع أشهد على أنه وضع هذا المال وديعة عند فلان ، ثم ادعى أنه قد ردها إليه فإنه يقبل قوله فلا فائدة من هذا الإشهاد ، وعليه تنبني هذه المسألة في المذهب .
والقول الثاني : وهو مذهب مالك أنه إذا كان هناك بينة في الإيداع فلا يقبل قول المودع عنده في الرد إلا ببينة ، بمعنى وضعت عنده وديعة ، وأشهدت على الوديعة فحينئذ لا يقبل قوله في الرد إلا ببينة ، وذلك لأن المودع إنما وضع البينة أولا خوفا من الجحود فحينئذ يراعى قصده ، وهذا هو المشهور في مذهب مالك ، ولذا فعن الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة أي مسألة الباب وهو قول لبعض الحنابلة أن الوكيل يضمن إذا لم يشهد فإذا حصل الوكيل ما وكل به ثم جعله وديعة عند رجل ولم يشهد ثم أنكر هذا المودع عنده فإن الوكيل يضمن وذلك لتفريطه ، لأنه لو أشهد لم يقبل قول المودع عنده إلا ببينة وعليه فيكون مفرطا . ولأن المودع عنده قد ينسى فينكر الوديعة .
فصل
قوله [ والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط ]
فالوكيل يده يد أمانة ، فإذا تلف شيء في يده وهو لم يفرط فحينئذ لا ضمان عليه ، فإذا تسلم الوكيل الثمن ثم حصل له تلف أو سرقة أو غصب أو نحو ذلك فحينئذ لا يضمن لأنه لم يفرط بترك ما يجب ولم يتعدِ في فعل مالا يجوز كأن يستعمل ما وكل في بيعه فيتلف والتفريط كأن يضعه في غير حرز .
قوله [ ويقبل قوله في نفيه ]
أي في نفي التفريط ، فلا نقول هات بينة على أنك لم تفرط ، بل متى ادعى أنه لم يفرط وحلف على ذلك فالقول قوله لما تقدم .
قوله [ والهلاك مع يمينه ]
فإذا ادعى الوكيل هلاك المال فكذلك يقبل قوله لأنه أمين وحينئذ فعليه اليمين .
قوله [ ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه ولا اليمين إن كذبه ]
إذا ادعى رجل أنه وكيل لزيد في قبض حق زيد من عمرو فما الحكم ؟
لا يلزم عمروا أن يدفع الحق إن صدقه ، وذلك لأنه يحتمل أن ينكر زيد ، ويقول أنا لم أوكله وحينئذ فيتضرر عمرو بالرجوع عليه ، ولا يلزمه اليمين إن كذب الوكيل ، فاليمين لا تلزم عمروا لأن اليمين إنما تلزم حيث كان النكول عنها نافعا مثبتا للحق فلا يلزم أن يقول والله إنك كاذب وأنه لم يوكلك .
قوله [ فإن دفعه وأنكر زيد الوكالة حلف وضمنه عمرو ]
فإذا دفع هذا المدين الحق إلى الوكيل ، وأنكر زيد الوكالة وقال : أنا لم أوكله ، فإن زيدا يحلف لأنه مدعي عليه ويغرم عمرو ، وذلك لأن الحق باق في ذمته حتى يسلمه إلى صاحبه ، وهو لم يسلمه إلى صاحبه فيبقى في ذمته ، و يرجع عمرو على هذا الوكيل بحقه .
قوله [ وإن كان المدفوع وديعة أخذها ]
مثاله : وضع زيد عند عمرو وديعة ، فقال : هذه الحلي وديعة عندك ، فأتى شخص وادعى أنه وكيل عن زيد في قبض الحلي فقبضه هذا الوكيل ، فحيث وجد زيد الحلي فإنه يقبضها في أي موضع وجدها ، فإذا وجده في يد هذا الوكيل أخذه ، وإذا وجده في يد المشتري من هذا الوكيل أخذه ، لأنه عين حقه ، وقد انتقل عنه بغير حق فلم يكن هذا الانتقال معتبرا ، هذا إذا كان عين الوديعة أو نحوها إن كان باقيا ، أما إذا كان تالفا فإنه يضمن أيهما شاء .
قوله [ فإن تلفت ضمن أيهما شاء ]
فإن شاء ضمن هذا الوكيل المدعي للوكالة ، وإن شاء ضمن المودع عنده ، أما تضمين المودع عنده فلأنه قد فرط في إخراج هذه الوديعة من يده بغير إذن شرعي ، فيكون مفرطا وعليه فيكون ضامنا ، وأما تضمين القابض المدعي للوكالة فلأنه أخذ الشيء بغير حقه ، فقد أخذ شيئا لا يستحقه فيكون ضامن
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
|