عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
الشركة
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

باب الشركة

 

الشركة يصح فيها هذا الضبط على وزن ( سرقة ) ، ويصح على وزن ( نسعة ) بكسر النون وسكون السين ، ويصح على وزن ( تمرة ) ، والشركة هي كما عرفها المؤلف :

 

قوله [ وهي اجتماع في استحقاق أو تصرف ]

فالشركة نوعان :

الأول : شركة أملاك واستحقاق .

الثاني : شركة تصرف أو عقود .

فالشركة الأولى وهي شركة الأملاك أو الاستحقاق هي أن يشترك اثنان في عين أو منفعة ، كأن يشترك زيد وعمرو في أرض لهما لكل واحد منهما النصف مثلا ، أو يشتركان في منفعة ونحوه ، وشركة الاستحقاق كل منهما له حق التصرف في نصيبه لأنه ملكه ، وأما نصيب الآخر فليس له أن يتصرف فيه إلا بإذنه ، وحينئذ فيكون تصرفه فيه كتصرف الفضولي موقوف على الإجازة ، فإذا ورث اثنان أرضا لكل واحد منهما النصف فباعها أحدهما بغير إذن الآخر فإن البيع يصح في نصيبه لا في نصيب الآخر ، وصحة البيع في نصيب الآخر موقوف على الإجازة كتصرف الفضولي ، وهذا هو النوع الأول من أنواع الشركة .

أما النوع الثاني وهو ما يبحث فيه في مسائل هذا الباب فهو شركة التصرف أو شركة العقود ولها أنواع كثيرة يأتي ذكرها .

 

قوله [ وهي أنواع : شركة العنان ]

شركة العنان مأخوذة من عنان الفرس ، وذلك لأن الشريكين في تصرفهما في مال الشركة كفارسين على فرسين قد تساويا في السير ، فكان عنان ، وهو السير الذي يرتبط باللجام ويمسك به الفارس ، كل واحد منهما مساو لعنان الآخر فكذلك في الشركة كل منهما يتصرف ، هذا يتصرف من جهة بملكه ، ومن جهة أخرى بالوكالة .

 

قوله [ وهي أن يشترك بدنان بماليهما المعلوم ]

كأن يدفع هذا عشرة آلاف ، وهذا عشرة آلاف ، ويشترك فيها بدنان فأكثر ، ولا بد أن يكون المال المشترك فيه معلوما ، إذ الجهالة غرر ، وقد نهت الشريعة عن الغرر .

 

قوله [ ولو متفاوتا ]

فلا يشترط التساوي في المال المشترك فيه ، فلو دفع أحدهما عشرة آلاف والآخر عشرين ألفا فهذا جائز ، فلا يشترط التساوي لحصول المقصود بذلك ، وعدم ترتب الغرر ، ولأن الأصل في المعاملات الحل .

 
قوله [ ليعملا فيه ببدنيهما ]

أو يعملان ببدنيهما أو بأبدان من ينيبانه .

فكلاهما يعمل فيه ، فيشتركان في المال ، ويشتركان في العمل ، ولو كان العمل متفاوتا ما دام معلوما .

أو يعمل أحدهما ويكون له من الربح أكثر من ربح ماله نظير عمله كالإبضاع في المذهب وهو أن يعطي المال لمن يتجر به والربح كله للدافع والراجح أنه يصح وهو وجه في المذهب لأنه أسقط حقه من الربح برضاه وهو مذهب المالكية .

 

قوله [ فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما ]

فكل الشركاء ينفذ تصرفهم في هذا النوع من أنواع الشركة ، فإذا اشترك زيد وعمرو ودفع كل واحد منهما عشرة آلاف فكل واحد منهما يتصرف بهذا المبلغ ، فيتصرف في نصيبه لأنه مالك له ، ونصيب الآخر لأنه وكيل عنه ، ولذا قال :

 

قوله [ بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه ]

لأن هذا هو مقتضى هذا النوع من أنواع الشركة ، فيتصرف كل واحد منهما بالمال بحكم الملك في نصيبه ، وبالوكالة في نصيب الآخر ، ولا يحتاج إلى إذن لأنه مقتضى عقد الشركة ، فكل يتصرف بما فيه مصلحة الشركة ، أما إذا كان التصرف تصرفا في غير مصلحتها كأن يتصرف في قرض أو عتق أو في محاباة أو في تبرع فهذا لا يقتضيه عقد الشركة فليس له أن يتصرف في هذا الباب ، إلا أن يأذن الطرف الآخر ، فإن تصرف ضمن .

وعلى كل واحد منهما أن يقوم بما تجري العادة بتوليه إياه ، فكل واحد منهما يقوم بالعمل الذي تقتضي العادة أن يقوم مثله بمثله ، فإذا اشتركا في بيع قماش فطيه ونشره وإدخاله وإخراجه من الدكان هذا يقتضيه العقد ، ويتولى الشريك مثله ، فإذا استأجر الشريك أجيرا لشيء من هذه الأعمال فعليه الأجرة ، لأن مقتضى عقد الشركة أن يقوم هو به ، فإن قام به غيره فعليه الأجرة ، وليست الأجرة من مال الشركة .

وأما إن كان من الأعمال التي لا تقتضي العادة قيامه بها ، كأن تكون الشركة في عدة دكاكين وهما شريكان ومعلوم أنهما لا يمكن أن يقوما بالإشراف والبيع في هذه الدكاكين الكثيرة فحينئذ إذا استأجر أجراء ليقوموا بهذه الأعمال فيكون ذلك - أي أجرتهم - من الشركة .

أما إذا كانت العادة تجري - كما يوجد عندنا - بمجرد الإشراف عليه ومتابعته للعمال فإذا أتى بأحد يشرف عنه فعليه هو الأجرة ، لأن العادة جارية بأن الإشراف يكون على الشريك أو على الشريكين ، وأما الأجراء والعمال فإن العادة جارية على أنه لا يتولاه مثله وحينئذ فتكون الأجرة من مال الشركة .

 

قوله [ ويشترط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين ولو مغشوشين يسيراً ]                   فيشترط أن يكون رأس المال من النقدين من الدراهم والدنانير المضروبين ، ولو كان فيهما غش يسير فلا بأس ، فلو كان في الذهب غش يسير من فضة فهذا لا يؤثر ، وذلك لأن هذا الغش اليسير لا يمكن التحرز منه ، وهذا في القديم لما كانت تضرب الدراهم والدنانير وهو لمصلحة تصليب النقد ، وأما إذا كان الغش كثيرا فلا يصح حينئذ المشاركة بها ، وذلك لما فيه من الغرر . والمضروب هو الذي جعل نقداً .

والمذهب يقتصر في شركة العنان على أن يكون مال شركة العنان من الدراهم والدنانير المضروبة ، ولا   تصح الشركة في العروض ، فلو اشتركا في قماش أو ثياب أو أراض عقارية فهذا لا يجوز ، وعللوا ذلك : بأن عروض التجارة من القماش والثياب ونحوها أسعارها تزيد وتنقص فلا تكون منضبطة ، فإذا أراد أن يفترق الشريكان فحينئذ قد يستوعب نصيب أحدهما المال كله ، فمثلا : اشتركا في أراض في حائل وأراض في الرياض ، وبعد عشر سنوات أصبحت قيمة الأراضي في الرياض أضعافا كثيرة ، ونزلت قيمة الأراضي في حائل فإذا قيل يشتري لهذا أرض في الرياض وللآخر أرض في حائل  فقد يستوعب الأول الربح كله أو أكثره فلا يصح الشركة فيها للغرر لأن القيمة غير منضبطة ، وذهب الإمام مالك وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو اختيار الإمام محمد بن عبد الوهاب وصوبه صاحب الإنصاف واختيار طائفة من الحنابلة أن الشركة في العروض جائزة ، قالوا : لأن الأصل في المعاملات الحل ، وأما ما ذكرتموه من الغرر فإنه يندفع بتقويمها عند العقد ، وتكون دراهما عند الفراغ من الشركة أو بطلانها ، فإذا اشتركا - كما في المثال المتقدم - في أراضي في مناطق مختلفة أو بعروض أو نحو ذلك فإنها تقوم ويكون رأس كل واحد منهما هو هذا ، وحينئذ فلا غرر ، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة .

 

قوله [ وأن يشترطا لكل منهما جزءا من الربح مشاعا معلوما ]

فيشترط لكل واحد منهما - أي من المتشاركين - جزءا من الربح مشاعا ، كالربع والثلث أو النصف ونحو ذلك ، وهذا باتفاق العلماء دفعا للغرر ، وذلك لأنهما لو قدرا دراهم محدودة في كل شهر فقال : لهذا ألف درهم كل شهر ، وللآخر الباقي فهذا فيه غرر ، وقد يربح أضعافا مضاعفة ، وقد لا يربح شيئا ، فيكون في ذلك غرر ، وهذا من الميسر المنهي عنه .

 

قوله [ فإن لم يذكرا الربح .... لم يصح ]

 لأن المقصود من الشركة الربح وعليه فإن لم يذكر الربح لم تصح .

فإذا تشاركا ولم يذكرا الربح لم يصح البقاء على عدم ذكر الربح ، وحينئذ فيقسم لكل واحد منهما نصيبه على قدر ماله كما قرر ذلك فقهاء الحنابلة ، فعندما يتشارك اثنان في تجارة ، كل واحد منهما دفع النصف ، ولم يقدرا ربحا فيكون ربح كل واحد منهما النصف ، ويتخرج على قول شيخ الإسلام في مسألة شبيهة في فساد الشركة ، يتخرج على قوله في تلك المسألة أن كل واحد منهما يعطي نصيبه على قدر النفعين بمعرفة أهل الخبرة ، وهذا هو الذي يقتضيه العدل ، بمعنى أن كل واحد منهما يعطى على قدر نفعه المالي أولا ، وعلى قدر نفعه البدني ثانيا ، وأما الحنابلة فقد أعطوا على قدر النفع المالي وأهملوا النظر إلى النفع البدني ، فالعدل أن يعطى كل واحد منهما على قدر النفعين النفع المالي ، والنفع البدني ، وهذا القول هو الراجح .

وعليه - وهو قول الحنابلة وغيرهم - لو أنهما تدافعا مالا كل واحد منهما دفع النصف ، وكان الجزء المشاع لأحدهما أكثر من النصف فهذا جائز نظرا للنفع البدني ، وذلك لأنهما تراضيا وتشارطا عليه والمسلمون على شروطهم وهو كما تقدم مقتضى العدل .

فإذن إذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين ولكلٍ منهما أن يرجع بأجرة نصف عمله . 

 

قوله [ أو شرطا لأحدهما جزءا مجهولا ]

فلو قال لك البعض ولي البعض فهذا مجهول ، فلا يجوز ذلك للغرر .

 

قوله [ أو دراهم معلومة ]

فإذا قال لك ألف ريال أو أكثر أو أقل فهذا لا يجوز لما فيه من الغرر .

 

قوله [ أو ربح أحد الثوبين لم تصح ]

إذا قال لك ربح أحد المالين ولي ربح الآخر ، كأن يشتركا في مال ، وهذا المال في موضعين ، فبعضه هنا وبعضه في بلدة أخرى ، فقال أحدهما : لي الربح الذي يكون في هذه البلدة ، ولك الربح الذي يكون في البلدة الأخرى فهذا لا يجوز ، وذلك لأنه غرر ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر ، فقد يربح هنا ولا يربح هناك ، وقد يكون العكس .

 

قوله [ وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة ]

كذلك المساقاة وسيأتي الكلام عليها ، والمزارعة والمضاربة وهي نوع من أنواع الشركة ، يشترط أن يكون الربح فيها جزءا مشاعا معلوما باتفاق العلماء دفعا للغرر .

 

قوله [ والوضيعة على قدر المالين ]

الوضيعة هي الخسارة ، فتكون الخسارة على قدر المالين ، مثاله : اشترك اثنان فدفع أحدهما ثلث المال والآخر ثلثاه وكان لكل واحد من الربح النصف فالخسارة تكون بقدر المال لا بقدر الربح ، وهذا باتفاق العلماء ، وهذا هو العدل وذلك لأن الخسارة متعلقة بالمال لا بالربح ، فالخسارة لا تعلق لها بالربح ، فعلى ذلك من له الثلثان من الربح فالخسارة عليه بقدر الثلثين ، ومن له الثلث تكون الخسارة بقدر الثلث نظرا لتعلق الخسارة بالمال نفسه . فإن شرط عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله فسد الشرط وحده لمخالفته مقتضى العقد ، وكذا لو شرط ضمان المال لو تلف فهو شرط فاسد ، أو شرط  أن لايفسخ الشركة مدة بعينها .

فعلى ذلك الشروط في الشركة كالشروط في البيع والنكاح :

1-    شرط صحيح كأن يشترط أن لا يتجر إلا في كذا.2- شرط فاسد مفسد للعقد وهو ما يعود بجهالة الربح. 

3-شرط فاسد غير مفسد للعقد كأن يشترط ضمان المال أو لزوم الشركة بأن لا يفسخ مدة معينة .

 

قوله [ ولا يشترط خلط المالين ]

فلو اشتركا في مال متميز فهذا جائز لا حرج فيه ، فلو اشتركا في أراضي عقارية ، هذه في جهة وهذه في جهة أخرى فهذا جائز ، أو على المذهب حيث لا يجيزون العروض لو اشتركا في دراهم ودنانير ولم يخلطاهما بل تاجر في هذه بجهة ، وفي هذه بجهة أخرى فلم تختلط هذه الأموال بل هي متميزة هذا جائز فلا يشترط خلط المالين ، وذلك لأن المقصود من هذه الشركة هو الربح سواء كان المالان مختلطين أم متميزين فلا أثر لذلك ، ولأن الأصل في المعاملات الحل .

 

قوله [ ولا كونهما من جنس واحد ]

فلو اشتركا في دنانير ودراهم فهما جنسان مختلفان وهذا جائز للعلة المتقدمة وهي حصول الربح فالربح حاصل وإن كانت الأجناس مختلفة ، وعلى القول الذي تقدم ترجيحه لو اشتركا في ثياب وقماش أو اشتركا في أطياب مختلفة فهذا كله جائز ، وفي المذهب حيث كانت الدراهم والدنانير لا تزيد ولا تنقص ، أما والدراهم تزيد وتنقص فهذا يشكل على المذهب ، فلو اشتركا في ريالات ودولارات فالريالات قد تنقص والدولارات قد تزبد أو بالعكس فكانت كالعروض ، وحينئذ فالصحيح أنها لا بد أن تقوم ما دام أنها تزيد وتنقص فيقال الدولارات كل دولار يساوي أربع ريالات ، وحينئذ نجعل الريالات دولارات أو نجعل الدولارات ريالات ، لا بد من هذا ، وذلك لأنه في القديم الدراهم لا تزيد ولا تنقص إلا زيادة يسيرة جدا ، أو نقصان يسير جدا ، وأما في الوقت الحاضر كما قرر هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي فإنها تختلف وتزيد وتنقص فلا بد من تقويمها دفعا للغرر .

 

فصــــــــل

 

قوله [ الثاني : المضاربة ]

والمضاربة جائزة بالإجماع كما حكاه ابن حزم الظاهري رحمه الله .

وتسمى بالقراض والمقارضة ، وقد ثبتت في موطأ مالك عن عمر وعثمان وحكيم بن حزام1  ولا يعلم لهم مخالف ، ويدل عليها الأصل فإن الأصل في المعاملات الحل ، والمضاربة من الضرب في الأرض ، لأن المضاربة فيها ضرب في الأرض في السفر للتجارة .

 

قوله [ لمتجر به ببعض ربحه ]

فالمضاربة هي دفع مال لمتجر به ببعض ربحه المشاع المعلوم ، وصورتها : أن يدفع رجل مالا معلوما لآخر ليعمل به الآخر ويأخذ - أي  الآخر وهو العامل - مقابل عمله وتجارته جزءا معلوما مشاعا كالربع والنصف ونحو ذلك ، إذن فالمال من أحدهما والعمل من الآخر ، بخلاف شركة العنان فإن كان منهما منه المال والعمل ، وفي شركة المضاربة لا بد أن يكون الربح مشاعا معلوما كما تقدم من اتفاق أهل العلم على ذلك ، فلو قال ببعض الربح لم يصح لما فيه من الغرر ، فإن قال : خذ هذا المال فاتجر به والربح كله لك فالمذهب أنه قرض ، وذلك لأنه دفع المال ولا ربح له فيه فكان قرضا وهذا هو المشهور من المذهب ، وعليه فيضمنه كما يضمن القرض ، وذهب المالكية إلى أن هذا العقد صحيح في باب الشركات ، فيبقى قراضا أو مقارضة أو مضاربة ولا يكون قرضا ، قالوا : لأن الآخر قد دخل على أنه لا ضمان عليه ، ونحن إذا جعلناه قرضا فإنه يضمن ، وإذا جعلناه شركة فإن العامل لا يضمن ، وهو قد أخذ المال على أنه شريك لا على أنه مقترض ، وعليه فيكون قوله والربح لك هبة منه ، وهذا القول هو الراجح وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، وذلك لأنه لم يدخل على أنه ضامن وأن هذا العقد قرض ، ولا بد في العقود من الرضى ، فتكون مضاربة والربح هبة .

 

قوله [ فإن قال : والربح بيننا فنصفان ]

إذا قال خذ هذا المال فاتجر به والربح بيننا ، فنصفان لكل واحد منهما نصف ، وذلك لأن قوله : والربح بيننا فيه إضافة للمال من غير ترجيح فقد أضاف المال إليهما من غير ترجيح فكان لكل واحد منهما النصف .

 

قوله [ وإن قال : ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح والباقي للآخر ]

إذا قال : خذ هذا المال فاتجر به ولي الربع ، أو ولي الثلث أو قال : خذ هذا المال فاتجر به ولك الثلث أو ولك ثلاثة أرباعه ، ولم يذكر نصيبه في الأمثلة التي ذكر فيها نصيب الآخر ، أو لم يذكر نصيب الآخر في الأمثلة التي ذكر فيها نصيبه فهنا يكون الحكم الصحة ، فهي شركة صحيحة ، ويكون الباقي للآخر ، كما قال تعالى { وورثه أبواه فلأمه الثلث } ولم يذكر نصيب الأب لأنه مفهوم باللفظ أي وللأب الباقي كما هو معلوم .

 

قوله [ وإن اختلفا لمن المشروط فلعامل ]

إذا اختلف المضارب والعامل لمن المشروط فلعامل ، فإذا ذكر في العقد أن الثلث لأحدهما ، والباقي للآخر فاختلفا فكل منهما يقول للآخر الثلث لك ، وبينة بينها فيكون المشروط للعامل ، وذلك لأن العامل هو الذي يحتاج إلى ذكر نصيبه وذلك لأن الآخر وهو المضارب حقه متعلق بالمال ، وما ذكره الحنابلة هنا متجه فهو تعليل صحيح ، لكن حيث لم يشهد العرف بخلافه ، أما لو شهد العرف بخلافه فيعتبر العرف كما قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله .

والآن في البنوك – في وقتنا الحالي - لرب المال  .

 

قوله [ وكذا مساقاة ومزارعة ]

إذا اختلفا في المشروط في المساقاة والمزارعة فالحكم واحد ، فإذا اختلفا في النصيب المشروط أهو لصحاب المزرعة أم للمزارع ، أهو لصاحب النخل أم لمن تولاها بسقي ونحو ذلك وهو العامل ، فإذا اختلفا في ذلك فإن النصيب المشروط يكون للعامل ما لم يشهد عرف بخلافه .

وإذا اختلفا في قدره فحينئذ القول قول المضارب ، فإذا ادعى العامل أن المشروط هو النصف ، وأنكر هذا المضارب وقال : بل المشروط هو الثلث فالقول قول رب المال ، وذلك لأنه منكر والعامل مدعي ، فرب المال ينكر أن يخرج من ماله هذا النصيب الزائد عن الثلث ، والآخر يدعيه ، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر ، وعليه فيحلف المضارب أنهما قد اتفقا على الثلث لا النصف فإن حلف حكم بقوله .

 

قوله [ ولا يضارب بمال لآخر إن أضر الأول ولم يرض فإن فعل رد حصته في الشركة ]

مثال هذه المسألة : اتفق زيد وعمرو على أن يعمل له عمرو بماله ، ثم اتفق عمرو مع بكر على أن يعمل له عمرو بماله ، فهل يجوز ذلك ؟

هنا لا يخلو من حالين :

1- أن يكون هذا العقد الجديد للمضارب الآخر مضرا بالأول .

1- ألا يكون مضرا به .

فإن كان مضرا بالأول كأن تكون المضاربة الأولى ذات مال كثير وتحتاج إلى أن يستفرغ وقته بالعمل فيها ، فحينئذ لا يجوز لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( لا ضرر ولا ضرار ) ، ولأنه دخل معه على عقد مقتضاه أن يفرغ وقته للعمل لأنه مال كثير يحتاج إلى تفرغ ، لكن إن رضي الأول بذلك وقال : رضيت وإن كان علي ضرر فحينئذ يكون قد أسقط حقه فلا بأس بذلك .

أما إذا كانت المضاربة الجديدة لا تخل بالمضاربة الأولى فلا بأس بها .

فإذا فعل المضارب مضاربة جديدة مضرة بالأول ولم يرض الأول ردت حصته في الشركة أي رد الربح الجديد في الشركة الأولى ، فيرد ربحه الذي يكون في الشركة الثانية إلى الشركة الأولى ، قالوا : لأن هذا المال - أي الربح الجديد - قد استحق بمنفعته وهي - أي منفعته - للشركة الأولى ، فيكون الربح للشركة الأولى ، وهذا هو المذهب ، وقال الموفق ما حاصله إن الشركة الأولى لا تستحق هذا المال وهذا الربح ، بل تكون للعامل ، وإن أضر ذلك بالشركة الأولى ، وذلك لأن رب المال في الشركة الأولى ليس له في الشركة الثانية لا عمل ولا مال ، فلم يستحق شيئا من الربح في الشركة الثانية ، وغاية الأمر أن هذا الرجل العامل قد تعدى حيث دخل في الشركة الثانية على وجه يضر بالأولى ، فكما لو ترك العمل وكما لو اشتغل لمصلحة نفسه وتعدي العامل لا يوجب عوضاً ، وهذا هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الراجح ، فحينئذ يكون العامل قد تعدى .

وأما إذا ضارب بمال الشركة الأولى وأدخل مال الشركة الأولى في الشركة الثانية فلا إشكال أن هذا الربح يكون للشركة الأولى ، فمثلا أعطاه مائة ألف على أن يعمل فيها ، فدفع عشرة آلاف منها لأحد يعمل له فلا شك أن الربح الناتج من هذه العشرة آلاف راجعة إلى الشركة ، لأن رب المال في الشركة الأولى له في الشركة الثانية مال أيضا ، وإن كان بغير إذنه فلا يجوز له أن يضارب بغير إذنه وعليه فالضمان على العامل ، فلو دفع العامل بعض مال المضاربة فحصل تلف بالمال فإن العامل يضمنه لأنه قد تعدى .

 

قوله [ ولا يقسم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما ]

مثاله : دخلا في الشركة هذا منه المال ، وهذا منه العمل ، فلا يقسم الربح ، كأن يعطيه مائة ألف على أن يعمل بها ، فأصبحت بعد سنة مائة وعشرون ألفا فالربح وهو عشرون ألفا لا يقسم إلا برضى الطرفين ، أما إذا انتهى العقد فلا إشكال في القسمة ، فلا يقسم الربح مع بقاء العقد إلا باتفاقهما وذلك لأن بقاء الربح مع رأس المال يكون وقاية له ، فإذا اتفقا على القسمة أو كانت مشروطة فالسلمون على شروطهم .

 

قوله [ وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه ]

إذا تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أي بعد التصرف في هذا المال الذي وقعت عليه الشركة ، فإنه يجبر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه ، والتنضيض هو رده إلى النقد ، فإذا رد المتاع إلى نقد ، فهذا هو التنضيض ، كأن تكون ثيابا فتباع وتحول إلى نقد ، فإذا حصل تلف في رأس المال أو خسارة جبر من الربح قبل قسمته وقبل تنضيضه فينزل التنضيض مع المحاسبة منزلته مع المقاسمة ، وهما إذا اتفقا على المشاطرة أو على أخذ جزء مشاع أو نحو ذلك فقد اتفقا على ذلك من الربح ، وحيث حصل في رأس المال شيء من النقص فحينئذ لا بد أن يجبر من الربح والمتبقي بعد رأس المال هو الربح ، وهذا ظاهر لأن الاتفاق في القسمة إنما هو بعد رأس المال ، أما إذا حصلت فيه خسارة أو تلف بعد المقاسمة أو بعد تنضيضه ومعرفة كل واحد منهما ماله ، فحينئذ لا يجبر رأس المال ، وذلك لأن المضاربة قد انتهت ، فتكون الخسارة قد وقعت بعد المضاربة ، وإن كانا قد أنشئا مضاربة جديدة فتكون هذه الخسارة ف المضاربة الجديدة لا في المضاربة الأولى ، فإذا كان رأس المال مائة ألف ، والربح مائة ألف ، وبعد القسمة أو بعد التنضيض والمحاسبة لم يكن فيه أي خسارة فكان لكل واحد منهما خمسون ألفا في هذا المال ، وهما قد نويا مضاربة جديدة فحينئذ إذا حصلت خسارة أو تلف في رأس المال فتكون في الشركة الجديدة .

فإن تلف رأس المال أو بعضه قبل التصرف انفسخت في التالف وكان رأس المال الباقي كالتالف قبل القبض ، أما بعد التصرف فقد دار في التجارة وشرع مما قصد بالعقد من التجارة المؤدية إلى الربح . 

 

وهنا مسائل في باب المضاربة :

المسألة الأولى :

أن الشركة - أي شركة المضاربة - إذا فسدت فللعامل أجرة المثل ، فإذا حصل فساد في الشركة كأن لا يذكر في الشركة سهم العامل فحينئذ تكون شركة فاسدة فما الحكم ؟

قال الحنابلة له أجرة المثل ، فيقال : قدروه عاملا أجيرا ، وقدروا له ما يأخذه فيأخذه ، وقال شيخ الإسلام بل له نصيب المثل أي أسهم المثل كالنصف ، بمعنى أن يقدر هذه شركة من الشركات ، ويقدر هذا مال قدره كذا ، وهذا عامل عنده من الحرفة كذا ، ومن المهارة الشيء المعين فنقدر نصيبا له كذا وكذا فيأخذه ، وهذا هو العدل كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي .

المسألة الثانية :

هل يجوز للعامل أن يتعامل بهذا المال نسيئة ؟

مثلا : أعطاه مائة ألف ، وقال : اتجر بها في القماش ، فهل له أن يبيع شيئا من القماش نسيئة أم لا ؟

قال الحنابلة وهو مذهب الجمهور لا يجوز ذلك ، وذلك لما فيه من المخاطرة ، فإن النسيئة فيها مخاطرة ، فلا يجوز أن يدخل بهذا المال فيما فيه مخاطرة ، وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد بل يجوز هذا ، لأن هذا مما يعتاده التجار ، والعادة محكمة ، والإذن العرفي كالإذن اللفظي ، وما ذكروه راجح حيث كان عرفا ، أما إذا لم يكن عرفا فذلك لا يجوز وعليه الضمان لما فيه من المخاطرة ، وأما إذا أذن في رب المال فهذا لا إشكال فيه .

والعامل في المضاربة أمين لأنه متصرف فيه بإذن مالكه على وجه لا يختص بنفعه كالوكيل بخلاف المستعير فإنه يختص بالنفع وعليه فلا يضمن – العامل – إلا مع التعدي والتفريط .

 

فصـــــل

 

قوله [ الثالث : شركة الوجوه ]

أي الشركة بالوجوه ، والمراد بالوجه : الجاه ، أي الشركة التي سببها الجاه ، وصورتها أن يشترك اثنان فأكثر بأخذ شيء من الأموال في ذمتيهما ويتاجران بها ويكون الربح بينهما وهم يأخذون هذه الأموال في الذمة على ثقة التجار ، ولا يشترط أن يشتركا في البيع والشراء ، فإذا قال كل واحد منهما أنت وكيل لي وكفيل بالثمن الذي آخذه فإن الحكم يثبت ، أو اتفقا على أن يكون بينهما شركة وجوه ، إذن شركة الوجوه حقيقتها أن يكون كل واحد منهما وكيلا عن الآخر وكفيلا له ، فإذا اتفقا على هذا فاشترى زيد بضاعة ثم باعها فيكون تصرفه في هذه السلعة شراء وبيعا يكون عن نفسه أصالة وعن عمرو وكالة ، ويكون الربح بينهما على ما اتفقا عليه ، وكذلك إذا اشترى عمرو شيئا من السلع ثم باعها فشراؤه وبيعه فيه تصف عن نفسه أصالة ، وعن زيد وكالة ، وزيد كفيل له ، فلا يشترط أن يكون البيع والشراء بينهما بالسوية .

وقد أجاز هذا النوع الحنابلة والأحناف ، ومنع منها المالكية والشافعية ، قالوا : لأنه لا مال فيها ولا عمل ، فهما لا مال لهما ، بل المال في الذمة فهذه الشركة مبنية على الذمم ، ولا عمل فيها أيضا ، وكل منهما يعمل بهذا المال الذي يأخذه ثم يتصرف فيه تصرفات تجارية ويكون الربح بينه وبين الآخر ، وقال الحنابلة والأحناف : بل هي صحيحة لأن الأصل في المعاملات الحل ، وليس فيها غرر يمنعها ، ولأن حقيقتها كما تقدم أن كل واحد منهما وكيل عن الآخر وكفيل له ، وما ذهب إليه الحنابلة والأحناف هو الراجح إذا لا مانع منها .

 

قوله [ أن يشتريا في ذمتيهما بجاهيهما فما ربحا فبينهما ]

كأن يكون اثنان لهما وجاهة ، والناس يعرفونهم ويثقون فيهم ، فيقولان : نضع بيننا شركة كل منا يشتري ما شاء - بناء على شروط يضعونها - ويبيع ، ويكون وكيلا للآخر ، والآخر كفيل له ، ثم يكون الربح بينا ، فهذه الشركة حقيقتها وكالة وكفالة ، والوكالة جائزة ، والكفالة جائزة ، والأصل في المعاملات الحل .

 

 

قوله [ وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن ]

فكل واحد منهما يكون وكيلا عن صاحبه ، وكفيلا عنه بالثمن ، وهذا هو مقتضى عقد الشركة أي شركة الوجوه ، وعليه فلا يشترط في عقد الشركة التنصيص على ذلك ، لأن هذا هو مقتضى العقد.

 

قوله [ والملك بينهما على ما شرطاه ]

فالملك والربح أيضا كما سيأتي يكون على ما شرطاه ، كأن يقول هذه الأموال التي تأخذها وأنا آخذها لي الثلث ولك الثلثان ، أو نحو ذلك فالسلمون على شروطهم ، كذلك الربح ولذا قال المؤلف :

 

قوله [ والربح على ما شرطاه ]

فإذا قال : الربح بيننا مناصفة أو نحو ذلك فالمسلمون على شروطهم .

 

قوله [ والوضيعة على قدر ملكيهما ]

لما تقدم ، فالخسارة مرجعها المال لا الربح ، فإذا كان لكل واحد منهما من المال النصف ، ولأحدهما من الربح الربع ، وللآخر ثلاثة أرباع ، فتكون الوضيعة بالنظر إلى الملك ، وعليه فتكون الوضيعة في المثال المتقدم على كل واحد منهم قدر النصف ، وهذا باتفاق أهل العلم في شركة العنان وهنا كذلك .

ولا يشترط ذكر جنس ما يشتريانه ولا قدر ولا وقت .

 

قوله [ الرابع : شركة الأبدان أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما ]

هذا هو النوع الرابع ، وهي شركة الأبدان أو الأعمال ، وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما ، فيجتمع عامل وعامل ويقولان : ما يكون بيننا من العمل والربح يكون شركة بيننا ، فيكون الربح بيننا على ما يتفقان عليه ، كما يقع هذا في الورشات كورشات النجارة وغيرها ، وقد اتفق القائلون بشركة الأبدان اتفقوا على جوازها فيما إذا كان الشريكان صنعتهما واحدة ، واختلفوا فيما إذا كانت صنعة كل واحد مختلفة كأن يشترك تاجر وحداد أو نحو ذلك ؟

فذهب الحنابلة إلى صحة الشركة ، وقال المالكية لا تصح ، وعللوا المنع بقولهم إن مقتضى الشركة أن يكون العامل الآخر الشريك ضامنا ، بمعنى : أتى رجل ليعمل له هذا الشريكان صنعة ، فاتفق معهما ، فلم يقم صانعها بها ، فإنها تلزم الآخر وهو الشريك ، فإن الشريك ضامن ، وهذا مقتضى الشركة ، وعليه فإذا كان الشريك لا يتقن هذه الصنعة التي اتفق شريكه مع أجنبي على صنعتها فحينئذ لا يتمشى هذا مع كونه ضامنا ، وأما دليل الحنابلة فهو الأصل ، وهو أن الأصل في المعاملات الحل ، وأجابوا عن دليل المالكية بأن كونه ضامنا لا يلزم منه أن يقوم هو بالعمل ، بل يمكن أن يستأجر أجيرا ليعمل هذا العمل ، أو أن يتبرع له متبرع بهذا العمل ، فلا يشترط أن يقوم هو بهذا العمل ، قالوا : ويدل على هذا أنكم تقولون - أي المالكية - إذا كان العمال أحدهما أمهر من الآخر فإنكم تصححون الشركة ، مع أن الأمهر إذا لم يقم بهذا العمل فإن من دونه من العمال لا يمكنهم أن يقوموا به كما أراد الطالب ، فإذا جاز هذا فإذا اختلفت الصفة فكذلك ، وهذا القول هو الراجح ، والحاجة داعية إلى مثل ذلك فإن المصانع الكبيرة وورشات السيارات ونحو ذلك تحتاج إلى عدة مهن ، وقد يشتركون فيها مع اختلاف مهنهم .

قوله [ فما تقبله أحدهما من عمل يلزمهما فعله ]

كما تقدم لأن هذا هو مقتضى عقد الشركة وهو الضمان .

 

قوله [ وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات ]

تصح في الاحتشاش بأن يحتشوا ويكون الربح بينهما على ما شرطاه ، وكذلك الاحتطاب وسائر المباحات ، كأن يشترط أصحاب السيارات التي تحمل السلع في حمل البضائع وتكون الأرباح بينهم على ما يشترطون .

والقول بشركة الأبدان هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام ، وقال الشافعية وهو اختيار ابن حزم من الظاهرية إن شركة الأبدان لا تصح ، وذلك لما فيها من الغرر ، وقد نهت الشريعة عن الغرر ، فإنه إذا اشترك العاملان فقد يعمل أحدهما ولا يعمل الآخر ، فيربح هذا ولا يربح الآخر ، فتكون فيها مخاطرة وقمار ، واستدل أصحاب القول الأول ما رواه النسائي وغيره من حديث ابن مسعود قال :" اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا ولا عمار بشيء([1])   لكن الحديث إسناده منقطع ، وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح لأن الأصل المعاملات الحل ، وأما ما ذكره أهل القول الثاني من ثبوت الغرر فإن الغرر ليس مطردا في مثل هذه الشركة ، ثم هو غرر يسير إن حصل ، لكن إن كان الغرر ظاهرا فيتوجه المنع كما ذهب إليه الشافعية .

 

قوله [ وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه ]

فإذا مرض أحد الشريكين فالكسب بينهما على ما شرطاه ، وحينئذ هناك ضرر يلحق الصحيح فإنه يعمل ويشارك في ربحه الآخر ، فيدفع هذا الغرر بما ذكره المؤلف في قوله ( وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه ) وإلا فله الفسخ ، فله أن يفسخ هذه الشركة إن أبى أن يقيم مقامه .

وظاهر كلام المؤلف أنه إن ترك العمل غير معذور فإن الكسب لا يكون بينهما بل لا كسب ولا ربح ، وهذا هو أحد القولين في المذهب ، وذكره الموفق في المغني احتمالا ، والقول الثاني وهو الصحيح في المذهب وليس براجح من حيث  الدليل أن له نصيبه من الربح وهذا قول ضعيف ، وذلك لأن المسلمون على شروطهم ، وهما قد دخلا في هذه الشركة على أن يعملا فيها ، فلم يعمل الآخر فأخل بالشرط فلم يستحق من الريح شيئا .

وإذا طلب أحد الشريكين الأجرة فيلزم المستأجر أن يعطيه إياها وذلك لأنه شريك يتصرف في هذه الشركة عن نفسه أصالة وعن شريكه وكالة ، وله أي للمستأجر لطالب الصنعة أن يعطي الأجرة أيهما شاء لأن كل واحد منهما يتصرف عن نفسه أصالة وعن شريكه وكالة .

ولا تصح شركة الدلالين لأن الشركة لا تخرج عن الوكالة والضمان ولا وكالة هنا لأنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير ، ولاضمان لأنه لا دين يصير من ذمة واحد منهما ولا تقبل عمل وأما مجرد النداء وعرض المتاع وإحضار الزبون فيجوز الاشتراك فيه .  

 

قوله [ الخامس شركة المفاوضة : أن يفوض كل منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة ]

فيقول نشترك أنا وأنت في شركة الأبدان وشركة العنان وشركة الوجوه والمضاربة وهي جائزة ، لأنها إذا صحت الشركة منفردة صحت على جهة الاجتماع والأصل في المعاملات الحل.

 

قوله [ والربح على ما شرطاه والوضيعة بقدر المال ]

كما تقدم .

 

قوله [ فإن أدخلا فيها كسبا أو غرامة نادرين أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه فسدت]

إذا قال : أنا وإياك مالنا واحد ، فما ربحت فبيني وبينك ، وما خسرت فعلي وعليك ، وإذا أتاك إرث فلي ولك ، وإذا وجبت عليك دية فعلي وعليك ، وإذا حصل عليك ضمان جناية أو غصب أو نحو ذلك فعلي وعليك ، وإذا حصل أي ربح من الأرباح فلي ولك ، وهكذا فهذا لا يجوز لأنه فيها غرر .

 

 

 

 

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم







حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net