عدد الزوار : [an error occurred while processing this directive]
المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : الفقه : زاد المستقنع - البيع
المساقاة
 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد

 

باب المساقاة

 

المساقاة : مفاعلة من السقي ، وسميت مساقاة لأن أهم ما يكون فيها هو السقي ، والمساقاة هي : دفع شجر إلى من يقوم بسقيه والعمل عليه على جزء مشاع معلوم ، فهي دفع شجر ولو لم يغرس إلى من يقوم بسقيه والعمل عليه من تأبير ونحو ذلك ، مثاله : أن يدفع زيد بستانه الذي فيه نخل أو نحو ذلك إلى آخر ليقوم هذا الآخر بسقيه وتأبيره وإصلاح شأن الثمر والاهتمام به وله الربع مثلا من الثمار ، والأصل في المساقاة ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( عامل أهل خبير على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع )[a] فهذا هو الأصل في المساقاة أو المفالحة ، فالشجر هنا لبيت المال ، وعامل عليه ولي المسلمين - صلى الله عليه وسلم - في عهده عامل عليه أهل خبير من اليهود على أن يعملوا عليه ولهم شطر ثماره .

 

قوله [ تصح على شجر له ثمر يؤكل ]

فتصح المساقاة على شجر له ثمر يؤكل ، كشجر النخيل أو شجر العنب ، وظاهره أن الشجر إذا كان له ثمر لا يؤكل فإن المساقاة لا تصح فيه ، وذلك كالقرظ التي تخرج منه المادة التي تدبغ بها الجلود ، أو غيرها من الأشجار ذات الثمار المقصودة المنتفع لها لكنها لا تؤكل سواء كانت ثمارها خشبا أو دواء أو غير ذلك ، وهذا هو المشهور من المذهب ، والقول الثاني في المذهب وهو مذهب المالكية أن المساقاة تصح على كل شجر ذي ثمر مقصود سواء كان مما يؤكل أو مما لا يؤكل ، وهذا القول هو الراجح ، وذلك للقياس الصحيح على ثمر النخيل بجامع الانتفاع بالثمر ، ولأن الأصل في المعاملات الحل ولا دليل يمنع من ذلك .

وألحق الموفق رحمه الله وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد الحقوا ما يقصد ورقه أو يقصد زهره كالورد والياسمين ونحو ذلك ، وهو قياس صحيح والأصل في المعاملات الحل .

 

قوله [ وعلى ثمرة موجودة ]

كذلك تصح المساقاة على ثمرة موجودة ، بمعنى غرس نخلا فأثمر هذا النخل ويحتاج إلى عناية وعمل ، فله أن يساقي عليه أحدا ليعمل له حتى يتم نضج هذه الثمار ، فهذا جائز لأن الأصل في المعاملات الحل .

 

قوله [ وعلى شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمرة ]

كذلك تصح المساقاة على شجر يغرسه ، كأن يقول هذه أرضي وهذا نخلي فاغرس النخل في أرضي واسقها واعمل عليها ولك النصف أو الثلث أو نحو ذلك ، فهذا جائز ، وذلك لأنه لا فرق بين المسألة السابقة وهذه المسألة إلا مزيد عمل من العامل ، حيث إنه هنا يزيد عمله بالغرس وهذا لا يمنع من الصحة .

وقوله ( بجزء من الثمرة ) أي بجزء من الثمرة مشاع معلوم ، أما لو قال له : بجزء من الثمار ، ولم يكن مشاعا فإنه لا يصح ، فلو قال هذه مائة نخلة اغرسها في هذه الأرض ولك ثمار هذه النخيل العشر أو لك ثمار هذه النخيل العشرين أو لك ثمار نخيل هذه الجهة أو لك ثمار هذا النوع فهذا لا يجوز ، وكذلك لو قال : لك ستون وسقا أو نحو ذلك ، فهذا كله لا يجوز لما فيه من الغرر ، فقد ينتج هذا النوع ولا ينتج النوع الآخر ، وقد تنتج هذه الجهة ولا تنتج الجهة الأخرى .

 

قوله [ وهو عقد جائز ]

أي لكل منهما - لمالك الشجر وللعامل - أن يفسخ فهو عقد جائز بين الطرفين ، فمثلا اتفقا على أن يعمل له في بستانه الذي فيه نخيل ، والثمار بينهما مناصفة ، فلما مضى شهر قال رب المال : أنا أريد الفسخ ، فله الفسخ ، أو قال العامل : أنا أريد الفسخ فله الفسخ ، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة ، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال :

القول الأول : هو هذا القول وأن المساقاة والمزارعة عقد جائز بين الطرفين ، وهو المشهور من المذهب .

القول الثاني : وهو القول الثاني في المذهب وهو مذهب الجمهور أن عقد المساقاة عقد لازم بين الطرفين فلا يجوز للمالك ولا للعامل أن يفسخ ، وهو اختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد الرحمن بن سعدي .

القول الثالث : وهو قول لبعض الحنابلة وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه عقد لازم من جهة المالك وجائز من جهة العامل ، فالمالك ليس له أن يفسخ إلا برضى العامل ، وأما العامل فيجوز له أن يفسخ ولو لم يرض مالك الشجر .

أما أهل القول الأول فاستدلوا بحديث ابن عمر وفيه رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأهل خبير :( نقركم فيها على ما شئنا )[1] قالوا : فهذا يدل على أنها عقد جائز والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقرهم فيها وهو نائب المسلمين على ما يشاء ، قالوا : كالمضاربة ، والمضاربة بالاتفاق عقد جائز ، فكذلك هنا .

وأما أهل القول الثاني الذين قالوا أنها عقد لازم فقاسوها على الإجارة ، فالإجارة عقد لازم فكذلك عقد المساقاة بجامع أن فيهما كليهما العوض والكسب ، قالوا : وإذا لم تكن عقدا لازما فإن في ذلك ضررا ، فقد يعمل العامل عدة أشهر ثم بعد ذلك يقول له فسخت ، وحينئذ يتضرر العامل ، ولا ضرر ولا ضرار كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأما أهل القول الثالث فقالوا : الضرر إنما يحلق العامل ، فلا ضرر على المالك ، فجعلناه لازما في حق المالك ، حتى لا يتضرر العامل ، وأما العامل فهو عقد جائز من جهته .

وأجاب أهل القول الأول عما استدل به أهل القول الثاني من قولهم بأنها إجارة قالوا : فرق بين الإجارة والمساقاة ، فإن الإجارة نوع بيع ، فهي بيع للمنفعة ، وليس كذلك في المساقاة ، بل المساقاة أشبه بالمضاربة فكلاهما فيه نوع اشتراك ، فالمضاربة يدفع المال ويعمل الآخر ، وهنا في المساقاة يدفع الشجر ويعمل الآخر ، قالوا : وأما الضرر الذي يقولون إنه يلحق العامل فهو مدفوع بما يذكره المؤلف :

 

قوله [ فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة ، وإن فسخها هو فلا شيء له ]

فإما أن يكون الفسخ قبل ظهور الثمرة أو بعد ظهورها ، فإن كانت الثمرة قد ظهرت فقد ثبت حق العامل ، وله نصيبه من الثمرة التي ظهرت ، وأما إذا كانت الثمار لم تظهر بعد فلا يخلو من حالين :

الأولى : أن يكون العامل هو الذي فسخ ، فإذا فسخ هو فقد أسقط حقه فلا شيء له ، وذلك لأن العقد فيه أنه يعمل حتى تظهر الثمرة ، وله نصيب من الثمار ، وحيث لم يصبر حتى تظهر الثمار فلا شيء له ، والسلمون على شروطهم .

الثاني : أن يكون الفسخ من جهة المالك ، فندفع الضرر الذي يكون على العامل بأن نعطيه أجرة المثل ، فمثلا : اشتغل خمسة أشهر وأجرة مثله كذا وكذا ، فيعطيها إياه المالك .

وفيما ذكروه نظر ، فإن إعطاء العامل أجرة المثل فيه نظر ، فهما قد تعاقدا على أن يكون للعامل نصيب مثله مساقاة لا إجارة ، وهو إنما اشتغل هذه المدة على أن له ما شرط له من الربع أو الثلث أو نحو ذلك ، فإعطاؤه أجرة المثل يخالف الشرط ، والمسلمون على شروطهم ، والذي يقوى والله أعلم ما ذهب إليه الجمهور من أنه عقد لازم ، وذلك لأن الله أمر بالإيفاء بالعقود في قوله ] يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود[ وقال ] وأوفوا بالعهد إن العقد كان مسؤول[ وهذا عقد وعهد فهو عقد لازم ، فالأصل في العقود اللزوم ، إلا أن يأتي دليل يدل على عدم لزومها كما يكون هذا في الوكالات وفي الشركات فإنها وكالة ، وكما يقع في التبرعات فهي عقود جائزة بدلالة الأدلة ، وأما غيرها فيبقى على الأصل ، ولأن المسلمين على شروطهم ، وهذا قد دخل على شرط وعقد فيجب أن يوفي به ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - :( نقركم فيها على ما شئنا ) فيجمع بينه وبين الأدلة التي استدل بها أهل القول الثاني بأن يقال : قوله - صلى الله عليه وسلم - :( نقركم فيها على ما شئنا ) أي من السنوات ، فأنتم تعملون هذه السنة ، وسنوات بعدها نقركم على ما شئنا ، فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قول لبعض الحنابلة وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي .

وعليه فهل يشترط تحديد سنة أو سنتين أو نحو ذلك أو لا يشترط ؟

المشهور عند الشافعية أنه يشترط ، فإذا لم تحد سنوات فهي مساقاة فاسدة ، وقال أبو ثور من الشافعية وهو صاحب اجتهاد : لا يشترط التحديد ، وحينئذ تكون هذه المساقاة على سنة ، فإذا دخل من غير تحديد فحينئذ تكون على سنة ، وهذا القول هو الراجح ، ويدل عليه أن الثمار تظهر كل سنة ، ولا يلحق الضرر حيث أبطل العقد أو فسخ بعد سنة ، وقد ظهرت ثمار سنة وأخذ نصيبه ، وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحدد لأهل خبير سنة ولا سنتين بل قال :( نقركم فيها على ما شئنا ) فهذا يدل على عدم اشتراط التحديد .

 

قوله [ ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة من حرث وسقي    وزبار  ]

الزبار كلمة غير عربية ، والمراد بها قص الغصون من شجر العنب ، لأن في بقائها أثرا على الثمر .

 

قوله [ وتلقيح وتشميس وإصلاح موضعه ]

أي إصلاح موضع التشميس .

 

قوله [ وطرق الماء وحصاده ونحوه ]

هذه الأعمال تلزم العامل ، إذن كل ما يكون فيه صلاح الثمرة فهو واجب على العامل ، وقوله ( وحصاد ونحوه ) كذلك ما يحتاج إليه من آلة الحصاد ونحو ذلك .

 

قوله [ وعلى رب المال ما يصلحه ]

الضمير في قوله ( ما يصلحه ) يعود إلى المال ، أي عليه ما يصلح المال .

 

قوله [ كسد الحائط ]

فإذا كان الحائط فيه انهدام أو نحو ذلك فيجب على رب المال أن يسده .

 

قوله [ وإجراء الأنهار ]

فعندما يكون هناك نهر فيحتاج إلى أن يحفر في الأرض ليوصل ماءه إلى هذا البستان فهذا واجب على رب المال .

 

قوله [ والدولاب ونحوه ]

الدولاب : آلة يستخرج بها المال ، ومثلها عندنا : المكائن ونحوها ، هذه كلها واجبة على رب المال ، إذن ما يتصل بالأصل فهو واجب على رب المال ، وما يتصل بالثمر ويصلحه فهو واجب على العامل ، هذا كله حيث لم يشهد عرف بخلاف ذلك ، إذا شهد العرف بخلاف ذلك فالشرط العرفي كالشرط اللفظي ، فإن كان العرف على أن إصلاح المكائن مثلا يكون على العامل فهو عليه ، وإذا كان الحصاد أو الجذاذ إذا كان العرف يشهد أنه على رب المال فهو عليه وهكذا ، كذلك إذا كان هناك شرط لفظي فإنه يعمل به .

 

فصل

 

قوله [ وتصح المزارعة ]

المزارعة : هي دفع أرض إلى آخر ليزرعها على جزء من الربح مشاع معلوم ، والفرق بين المساقاة والمزارعة أن المساقاة في الشجر ، وأما المزارعة فهي في الزرع من قمح وشعير وذرة ونحو ذلك ، وتصح المزارعة كما هو مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد وإسحاق ابن خزيمة وأبي ثور وغيرهم من أهل العلم ، ودليل صحة المزارعة من السنة ما تقدم في الصحيحين من حديث ابن عمر حيث عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خبير على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع ، فقوله ( وزرع ) يدل على صحة المزارعة ، وذكر البخاري في صحيحه معلقا هذه المعاملة عن طائفة كثيرة من الصحابة فقال رحمه الله :" عن أبي جعفر - الصادق - قال ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع ، وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين ، وقال عبد الرحمن بن الأسود كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع ، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا "[2]  قالوا : ولا يعلم لمن تقدم من الصحابة مخالف فكان إجماعا.

وقال الأحناف والشافعية بل لا تصح المزارعة ، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهي عن المحاقلة )[3] وفي أبي داود بإسناد صحيح من حديث زيد بن ثابت نحوه وفيه أنه سئل - أي زيد - عن المحاقلة فقال :" أن يأخذ الأرض على نصف وثلث وربع "[4] واستدلوا بحديث رافع بن خديج في البخاري وغيره أنه قال :( نهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نحاقل بالأرض على الثلث والربع والطعام المسمى )[5] وبما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله وهو نحو حديث رفع بن خديج وفيه أنه قال :" كان فيها - أي في المدينة - رجال لهم فضل أرضين فأرادوا أن يؤجروها بالثلث والربع فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :( من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها فإن أبى فليمسك أرضه ) [ خ 2341 ، م 1536 ] قالوا : فهذه الأحاديث تدل على النهي عن المحاقلة وهي المزارعة .

والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول ، للحديث المتقدم وهو حديث ابن عمر في مزارعة النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خبير ، وأما الجواب عما استدل به أهل القول الثاني فيقال :

إما أن يكون هذا في أول الإسلام حيث كانت الحاجة داعية إلى المنح والإحسان ، ولم يكن ذلك تحريما ، ولذا ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال :( إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عن ذلك وإنما قال : يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما ) [ خ 2330 ، م 1550 ] فتحمل الأحاديث المقدمة على أنها في أول الإسلام ، وهذا وجه .

والوجه الثاني أن تحمل على المخابرة الجائرة أي المزارعة الجائرة الظالمة التي لا تكون على جزء معلوم ، ويدل لهذا ما ثبت في مسلم من حديث رافع بن خديج وهو ممن روى في النهي عن المخابرة فإنه قال لما سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة فقال :" لا بأس به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الماذيانات - وهي أطراف السواقي - وأقبال الجداول - الجدول هو النهر والمعنى : أوائل النهر - وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا فلم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك زجر عنه فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به " [ م 1547 ] وفي الصحيحين عنه أنه قال :" كنا أكثر الأنصار حقلا ، قال كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك " [ خ 2332 ، م 1547 ] فهذا يدل على أنهم كانوا يتفقون على أن هذا له ، وهذا للآخر ، أي هذا النصف مثلا من هذه الجهة لي ، والنصف الآخر وهو الجهة الفلانية لك ، وهذا هو المنهي عنه ، فالصحيح جواز المزارعة ، والقياس الصحيح يدل على ذلك ، فإنه لا فرق بينهما وبين المساقاة التي تقدم ذكرها .

قوله [ بجزء معلوم النسبة ]

كأن يقول : بثلث ما يخرج أو ربعه أو نحو ذلك ، فلا بد أن يكون جزءا مشاعا معلوما ، لكن لو قال : لي ما يخرج في هذه الجهة ، ولك ما يخرج في الجهة الأخرى ، أو لي طعام فسمى كذا وكذا من الآصع أو نحو ذلك فلا يجوز هذا .

 هل يجوز أن يستأجر الأرض على هذه الصفة ؟

فيقول : أريد أن استأجر منك أرضك بثلث ما يخرج منها ، وعليه فإذا لم يزرع هذه الأرض فإن عليه أن يأتي بالثلث الذي يخرج منها عادة ، بأن ينظر غلة الأراضي التي تشبهها ثم يعطي ثلثه ، فهل هذا يصح ؟

المشهور من المذهب جوازه ، ومنع منه الجمهور ، واحتجوا على المنع بأن الإجارة لا بد أن تكون الأجرة فيها معلومة ، وهنا الأجرة ليس بمعلومة فقد يكون الثلث الذي يخرج منها قليلا وقد يكون كثيرا ، والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة من جواز هذه المسألة ، وذلك لأنها إن أنبتت الأرض وأخرجت زرعها فأخذ الثلث فلا فرق حينئذ بين الإجارة والمزارعة إلا بالألفاظ وهذا ليس بمؤثر ، وإن لم تنبت فإن الثلث معلوم في العادة فليس بمجهول ، فإن أهل الخبرة يعلمون القدر الذي تخرجه في العادة وحينئذ فقسطه معلوم فلا جهالة .

 

قوله [ مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر ]

فإذا قال رب المال : لي النصف فحينئذ يتعين الباقي للعامل ، وإن قال العامل : لي النصف فحينئذ يتعين لرب المال الباقي .

 

قوله [ ولا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض وعليه عمل الناس ]

هذا هو أحد القولين في مذهب أحمد وأحد الروايتين عنه وهو اختيار الموفق والمجد ابن تيمية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، أن البذر لا يشترط أن يكون من رب الأرض فلو كان من العامل فهذا جائز ، فلو اتفقا على أن يكون البذر من العامل في المزارعة ، أو أن يكون الشجر من العامل في المساقاة فهذا جائز ، والقول الثاني وهو المشهور في المذهب أنه لا يجوز ذلك ، وأنه يشترط أن يكون البذر من رب المال ، فإن كان البذر من العامل فهي مزارعة فاسدة ، وإن كان الغراس من العامل فهي مساقاة فاسدة ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ، واستدل أهل القول الأول بما تقدم من أثر عمر بن الخطاب فإنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر - وهو النائب عن المسلمين - فلهم الشطر ، وإن جاءوا - أي العمال - بالبذر فلهم كذا ، فهذا هو قول عمر وفعله ولا يعلم له مخالف ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عامل أهل خبير وكانوا هم العمال لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطيهم شيئا من البذور ولم ينقل هذا ، ولو كان مثل هذا ثابتا لنقله رواة هذا الحديث ، فلما لم ينقلوه كان الظاهر أن ذلك لم يكن منه - عليه الصلاة والسلام - ، وأما أهل القول الثاني فقالوا : إن المضاربة يكون رأس المال فيها من رب المال ، فكذلك البذر وكذلك الغراس فلا بد أن يكون من رب المال كالمضاربة ، فاستدلوا بالقياس على المضاربة ، والقياس حيث خالف ما تقدم من الأثر والسنة فهو قياس فاسد ثم إن هناك فرقا وهو أن رأس المال يرجع إلى صاحبه في المضاربة وأما البذر فلا يرجع إلى رب المال ، بل ترجع إليه أرضه والربح ، فكان بين البذور والمال فرقا ، وعليه فالراجح هو القول الأول ، وعليه فإذا كان بينهما شرط لفظي على أن يكون البذر من أحدهما فهو عليه ، وإن كان هناك عرف فإنه يحكم به .

 هل يجوز أن يقول رب المال أو العامل - على القول به - أنا أدفع البذر ولكن إذا أخرجت الأرض فآخذ قيمة البذر ثم يكون الربح بعد ذلك بيننا ؟

كأن يضع طنا من القمح بذرا ، ثم تخرج الأرض مائة طن ، فيخرج طنا على أنه هو البذر فيأخذه دافع البذر ويقسمان الباقي ؟

المشهور من المذهب المنع من ذك ، قالوا :لأنه قد لا ينتج شيء ، إلا ما يماثل البذور ، فيكون هذا كما لو اتفقا على آصع معلومة ، هذا فيه غرر ، وأجازه شيخ الإسلام قياسا المضاربة ، وألحقه برأس المال .

وألحق شيخ الإسلام الكلف السلطانية ما لم يكن هناك عرف يقضي بخلاف ذلك ، فإذا كان السلطان يأخذ شيئا من رب المال على هذا الربح كأن تكون ضرائب فتخرج هذه الضرائب ثم يقسمان الربح ما لم يكن هناك عرف بخلاف ذلك .

 

 مسألة :

هل يجوز أن يؤجر الأرض بطعام معلوم ؟

كأن يقول : استأجر منك هذه الأرض لأزرعها بخمسين طنا من القمح ، ويزرعها قمحا أو يزرعها شعيرا ؟

لهذه المسألة صورتان :

الصورة الأولى : أن يكون الطعام المسمى من جنس ما يزرع ، كأن يقول : استأجر منك هذه الأرض لأزرعها قمحا وأعطيك كذا طنا من القمح ، فهذا لا يجوز ، وهو رواية عن أحمد وهو مذهب مالك ، والجمهور على جوازه ، والصحيح هو المنع وذلك لأنه ذريعة إلى التحايل على تحديد آصع معلومة في الزارعة ، وهذا ممنوع منه ، وفيه غرر كما تقدم ، ولذا تقدم حديث رافع بن خديج في الصحيحين :( نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن نحاقل بالأرض على النصف والربع والطعام المسمى )

الصورة الثانية : أن يكون الطعام من جنس آخر ، كأن يستأجر الأرض ليزرعها قمحا ويعطيه أجره من الشعير أو غيره فلا وجه للمنع من هذا ، فإن ذلك يشبه كراء الأرض بالذهب والفضة وليس هناك محذور وهو مذهب الجمهور ومنع منه المالكية ، والصحيح هو جوازه .

 

 

 

 

 

والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم







حقوق النشر والطبع © 2005 موقع الزاد. جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2005 al-zad.net . All rights reserved

info@al-zad.net